← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن معلى بن أسد العمي البصري، شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): عن إسحاق بن إبراهيم المخزومي، عن وهيب، عن عبد الله ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄. ص: وقد روي هذا الكلام أيضًا الذي روينا عن ابن عباس، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "مثل الذي يعود في عطائه كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه فأكله". ش: أشار بهذا الكلام إلى ما رواه عن ابن عباس يعني روى حديثه عن أبي هريرة أيضًا. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة. وقيل: إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن روح، عن عوف، عن خلاس بن عمرو الهجري البصري، عن أبي هريرة. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يسمع خلاس من أبي هريرة شيئًا.

стр. 7282

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن جعفر، قال: نا عوف، عن خلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مثل الذي يعود في هبته كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه فأكله". ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ مثل هذا الكلام في معنى غير هذا المعنى: حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر كان يحدث أن عمر ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك، فأراد أن يشتريه، فأتى النبي ﵇ فاستأمره في ذلك، فقال له رسول الله ﵇: لا تعد في صدقتك". فلذلك كان ابن عمر لا يرى أن يبتاع مالًا جعله صدقة. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أبتاعه منه فظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك رسول الله ﵇ فقال: لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم واحد، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁: "أنه أبصر فرسًا تباع في السوق وكان تصدق بها، فسأل رسول الله ﷺ أن يشتريه، فقال: رسول الله لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه". فمنع رسول الله ﵇ عمر أن يبتاع ما كان تصدق به أو شيئًا من نتاجه، وجعله إن فعل ذلك كالكلب يعود في قيئه، فلم يكن ذلك موجب حرمة ابتياع الصدقة على المتصدق بها، ولكن ترك ذلك أفضل، وكذلك ما ذكرنا مثل هذا إنما ذكرنا عن

стр. 7283

رسول الله ﵇ في الرجوع في الهبة ليس على تحريم ذلك، ولكنه لأن تركه أفضل. ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ مثل قوله: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" أي معنى غير المعنى المذكور فيه، وهو المعنى الذي كان ورد في العود في الصدقة، وأورد هذا شاهدًا لما قاله في قوله ﵇: "العائد في هبته. . . ." الحديث. من أن ذلك لا يدل على منع الواهب من الرجوع في هبته وإنما ذلك تنزيه أمته عن أمثال الكلاب، وذلك أن منع رسول الله ﵇ عمر بن الخطاب عن ابتياع ما كان تصدق به أو شيئًا من نتاجه لم يكن دالًا على حرمه ذلك، ولكن ترك ذلك كان أفضل، فكذلك ما روي عنه في الهبة. ثم إنه أخرج ما روي عن عمر ﵁ من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن أبي صالح عبد الله بن صالح، وراق الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الإيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر وعبد بن حميد -واللفظ لعبد- قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها، فسأل النبي ﵇، فقال رسول الله ﵇ لا تعد في صدقتك يا عمر". وأخرجه النسائي (٢): عن محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن حجين بن مثنى، عن ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره.

стр. 7284

وأخرجه مالك في "موطإه" (١). ومسلم (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، نحوه. وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه نحوه. الثالث: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي (٤). ويستفاد منه أحكام: الأول: أن من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل فيه بعد ذلك ما يفعل في سائر أمواله: ألا ترى أن رسول الله ﵇ لم ينكر على بائعه بيعه، وأنكر على عمر شرائه؟ ولهذا قال ابن عمر: "إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به"، وقال سعيد بن المسيب: إذا بلغ به رأس مغزاه فهو له. قال أبو عمر: اختلف [الفقهاء] (٥) في هذا المعنى، فقال مالك: إذا أعطي فرسًا في سبيل الله فقيل: هو لك في سبيل الله، فله أن يبيعه، وإذا قيل: هو في سبيل الله ركبه ورده. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الفرس المحمول عليها في سبيل الله هي لمن يحمل عليها تمليك.

стр. 7285

قالوا: ولو قال له: إذا بلغت رأس مغزاك فهو لك؛ كان تمليكًا على مخاطرة فلم يجز. وقال الليث: من أعطي فرسًا في سبيل الله لم يبعه حتى يبلغ مغزاه، ثم يصنع به ما شاء، إلا أن يكون حبسًا فلا يباع. الثاني: أن كل من يجوز تصرفه في ماله وبيعه وشرائه فجائز له بيع ما شاء من ماله بما شاء من قليل الثمن وكثيره، كان مما يتغابن الناس به أو لم يكن إذا كان ذلك ماله ولم يكن وكيلًا ولا وصيًّا؛ لقوله: "ولو أعطاكه بدرهم". الثالث: اختلف الفقهاء في كراهة شراء الرجل لصدقة الفرض والتطوع، فممن كره ذلك: مالك والشافعي وابن حَيّ، ولم يروا لأحد أن يشتري صدقته، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخوا العقد ولم يردوا البيع، ورأوا له التنزه عنها، وكذلك قولهم في شراء الإنسان لما يخرجه في كفارة اليمين مثل الصدقة سواء. قال أبو عمر: إنما كرهوا بيعها لهذا الحديث ولم يفسخوه؛ لأنه راجع إليه بغير ذلك المعنى. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: لا بأس بمن أخرج زكاته وكفارة يمينه أن يشتريه بثمن يدفعه. وقال أبو جعفر الطحاوي: المصير إلى حديث عمر ﵁ في الفرس أولى من قول من أباح شراء صدقته. وقال قتادة: البيع في ذلك فاسد مردود؛ لأني لا أعلم الفيء إلا حرامًا، وكل العلماء يقولون: إن رجعت إليه بالميراث جاز، والله أعلم. ص: وقد حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ قالا: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده".

стр. 7286

فقال قائل: فقد دل هذا الحديث على تحريم الرجوع في الهبة من الرجل لغير ولده. قيل له: ما دل ذلك على شيء مما ذكرت، فقد يجوز أن يكون النبي ﵇ وصف ذلك الرجوع بأنه لا يحل لتغليظه إياه؛ لكراهية أن يكون أحدٌ من أمته له مثل السوء، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الأغنياء، ولكنها لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة، فكذلك ما ذكرنا من قول رسول الله ﵇ أيضًا: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته" إنما هو على أنه لا يحل له ذلك كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعل مثلًا كمثل الذي جعله رسول الله ﵇ للعائد في هبته، وقد دخل في ذلك العود فيها بالرجوع والابتياع، ثم استثنى من ذلك ما وهب الوالد لولده. فذلك عندنا -والله أعلم- على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت حاجته إلى ذلك وفقره إليه؛ لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس بفعل يفعله فيكون ذلك رجوعًا منه، يكون مَثَلُه فيه كمثل الكلب الراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله لفقره، فلم يضيق ذلك عنه كما قد روي عن رسول الله ﵇ في غير هذا الحديث. حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن [عمر] (١)، عن عبد الكريم بن مالك، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا أتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إنى أعطيت أمي حديقة، وإنها ماتت ولم تترك وارثًا غيري، فقال رسول الله ﵇: وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث، ومنع عمر بن الخطاب ﵁ من ابتياع صدقته، فثبت بهذين الحديثين إباحة

стр. 7287

الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله وكراهيته الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه، فكذلك وجوب النفقة للأب في مال الابن لحاجته وفقره، وجبت له بإيجاب أبيه إياها، فأباح له النبي ﵇ بذلك ارتجاع هبته وإنفاقها على نفسه، وجعل ذلك كما رجع إليه بالميراث لا كما رجع إليه بالابتياع. ش: أورد حديث عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ﵃ ليجيب عنه؛ لأنه من أقوى حجج أهل المقالة الأولى. وأخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن عمر ابن ميسرة القواريري البصري شيخ الشيخين وأبي داود، عن يزيد بن زريع، روي له الجماعة، عن حسين بن ذكوان المعلم، روي له الجماعة، عن عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، ثقة كبير، روى له الأربعة، عن طاوس بن كيسان، روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يزيد -يعني ابن زريع- قال: ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل: الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا عبد الرحمن بن محمَّد بن سلام، نا إسحاق الأزرق، أنا الحسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لأحد يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد يعطى ولده، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كالكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد فرجع في قيئه".

стр. 7288

قوله: "فقال قائل" أراد به الشافعي؛ فإنه قال: قد دل هذا الحديث على تحريم الرجوع في الهبة من الرجل لغير ولده. وبه قال أحمد. وقال النووي في "الروضة": وأما الأم والأجداد والجدات من جهة الأب والأم فالمذهب أنهم كالأب، وفي قولٍ: لا رجوع لهم. وقيل: ترجع الأم، وفي غيرها قولان، وقيل: يرجع أباء الأب وفي غيرهم قولان، ولا رجوع لغير الأصول كالإخوة والأعمام وغيرهم من الأقارب قطعًا، وسواء في ثبوت الرجوع للوالد كان متفقين في الدين أم لا، ولو وهب لعبد ولده رجع، ولو وهب لمكاتب ولده فلا، وفي حاوي الحنابلة: لا يرجع الواهب إن وهب إلا الأب وفي الأم وجهان، وعنه: لا رجوع للأب، قال: وعنه إن تعلق به في عينه بأن يفلس الولد أو تزوج، وإلا يرجع. قوله: "قيل له" أي لهذا القائل، وهذا جواب عما قاله الشافعي، بيانه أن يقال: لا نسلم أن يدل هذا الحديث على ما ذكرت؛ لأنه قد يجوز أن يكون مراد النبي ﵇ من قوله: "لا يحل لواهب أن يرجع" تعليمًا منه إياه؛ لكراهته أن يكون لأحد من أمته مثل السوء، وهو أنه قد شبه الراجع في هبته في حديث آخر بالكلب الذي يقيء، ثم يعود في قيئه، والدليل على صحة هذا التأويل قوله ﵇ في حديث آخر: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" وقد أخرجه في باب الزكاة مسندًا، فإنه ليس معناه أن الصدقة تحرم على ذي مرة أي قوة، كما تحرم على الأغنياء، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الضعف والزمانة، والعاجزين عن الكسب، فصار ذلك من باب التغليظ والتهديد، فكذلك قوله ﵇ في هذا الحديث إنما هو على معنى: لا يحل لواهب أن يرجع كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعلها مثلًا سوءًا كمن جعل له مثلًا سوءًا لمن فعل ذلك من العائدين في هباتهم، فافهم.

стр. 7289

قوله: "وقد دخل في ذلك العود فيها بالرجوع والابتياع" أراد أن ظاهر قوله ﵇ "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته" مقابل بطريق العموم للعود في الهبة مطلقًا، سواء كان برجوعه عنها أو بشرائها من الموهوب له، فإنه ينطبق عليه أنه عائد فيها. وقصد بهذا الكلام الرد والاعتراض على الشافعي حيث فرق في العود في الهبة بين الرجوع والابتياع؛ لأنه لم يَرَهُ كالعود إذا كان بطريق الرجوع، ورأى ذلك إذا كان بطريق الشراء وإن كان قد كرهه، والحال أن النص لم يفرق بين الأمرين. قوله: "ثم استثنى من ذلك. . . ." إلى آخره إشارة إلى بيان معنى قوله: إلا الوالد لولده، وبيان تأويله أي قد استثنى رسول الله ﵇ من قوله: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته" ما وهبه لولده، ووجهه أنه يباح له أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت احتياجه إليه وفقره، لأن الأب إذا رجع عن هبته التي وهبها لولده وقت ضرورته وحاجته لا يوصف بأنه راجع، مثله فيه كمثل الكلب الراجع في قيئه بل إنما ذلك سائغ له حلال؛ لأجل فقره واحتياجه، فَعُلِمَ من ذلك أن إخراج الوالد للعود فيما وهب لابنه، كان للتنبيه على أنه لم يكن داخلًا في صدر الكلام بالكلية. والشافعي ومن معه تعلقوا بظاهر الاستثناء، وأثبتوا الرجوع له لا من الوجه الذي ذكرناه، على أنهم تركوا العمل بظاهر الحديث؛ فإن الحديث لا ينطوي إلا على ذكر الوالد، وهم قد جعلوا الأم والأجداد والجدات من قبل الأب والأم كلهم كالوالد وهو خلاف ظاهر الحديث. فإن قيل: ذكر الوالد يتناول الجدّ، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (١) فجعل الله تعالى الجد والجدة أبوين والأم أيضًا وأنه يقع على الجنس. قلت: نعم ذلك كما ذكرت ولكن ليس على الحقيقة وإنما هو على المجاز وكلامنا في الاستدلال بحقائق الألفاظ؛ فافهم. قوله: "كما قد روي عن رسول الله ﵇ في غير هذا الحديث. . . ." إلى آخره.

стр. 7290

ذكره تأييدًا لقوله: "لأن ما يجب للوالد من ذلك. . . ." إلى آخره. وتنبيهًا على الفرق بين الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله والراجعة إليه بفعل نفسه. بيان ذلك: أن قوله ﵇: "وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك" في الحديث الذي أخرجه بإسناد صحيح عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، يدل على أنه ﵇ قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث، ومنع عمر بن الخطاب ﵁ من ابتياع صدقته، حيث قال له: "لا تعد في صدقتك" وقد مَرَّ الحديث عن قريب في هذا الباب، فثبت بحديث عمرو بن شعيب إباحة الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله تعالى؛ لأنه بطريق الميراث، وليس فيه مباشرة من العبد، وثبت بحديث عمر بن الخطاب ﵁ كراهية الصدقة، الراجعة إليه بفعل نفسه، لأنه مباشر في الابتياع، وكذلك وجوب النفقة للأب من مال الابن إنما هو لأجل الحاجة والفقر والضرورة وجبت له بإيجاب الله إياها، فلذلك أباح له النبي ﵇ الارتجاع في هبته وإيقافها على نفسه، وجعل حكم ذلك كحكم الميراث لا حكم ما رجع إليه بطريق الابتياع والشراء، والله أعلم. ص: فإن قال قائل: فقد خص النبي ﵇ في هذا الحديث الوالد الواهب دون سائر الواهبين، أفيكون حكم الولد فيما وهب لأبيه خلاف حكم الوالد فيما وهب لولده؟ قيل له: بل حكمهما في هذا سواء، وذكر رسول الله ﵇ أحدهما على المعنى الذي ذكرنا يجزئ من ذكره إياهما ومن ذكر غيرهما ممن حكمه في هذا مثل حكمهما، وقد قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (١) فحرم هؤلاء جميعًا بالأنساب، ثم قال:

стр. 7291

﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) ولم يذكر في التحريم بالرضاع غير هاتين، فكان ذكره ذلك دليلًا على أن سائر من حرم بالنسب في حكم الرضاع سواء، وأغناه ذكر هاتين بالتحريم [بالرضاع عن ذكر من سواهما في ذلك إذْ كان قد جمع بينهن في التحريم] (٢) بالأنساب فجعل حكمهن حكمًا واحدًا، فدل تحريمه بعضهن أيضًا بالرضاع أن حكمهن في ذلك حكم واحد، فكذلك رسول الله ﵇ لما قال: "لا يحل لأحد أن يرجع في هبته" فعم بذلك الناس جميعًا، ثم قال: إلا الوالد لولده، على المعنى الذي ذكرنا دل ذلك على أن من سوى الوالد من الواهبين في رجوع الهبات إليهم برد الله إياها كذلك، وأغناه ذكر بعضهم عن ذكر سائرهم. ش: تقرير السؤال أن يقال: إن النبي ﵇ اقتصر في الحديث المذكور على الوالد الواهب لولده، فهل هو تنصيص عليه في اختصاص الحكم المذكور له أم ليس كذلك، بأن يكون حكم الولد الواهب لأبيه خلاف حكم الوالد الواهب لولده؟ وتقرير الجواب أن يقال: بل حكمها سواء، وإنما تخصيصه ﵇ الوالد الواهب بالذكر من باب الاكتفاء، وهو أن ذكره هذا على المعنى الذي ذكره يغني عن ذكر الاثنين وعن ذكر غيرهما ممن كان حكمهم في هذا مثل حكمهما؛ وذلك لأن الحكم إذا كان معلولًا بعلة في حق أحد فمتى وجدت تلك العلة في غيره يكون ذلك الحكم جاريًا فيه أيضًا؛ لشمول العلة، وشمول العلة يستلزم شمول المعلول، ثم نَظَّر لذلك بقوله: وقد قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) الآية، فالله تعالى حرم هؤلاء بالأنساب بالتنصيص عليهم، ثم ذكر الأمهات من الرضاع والأخوات من الرضاع حيث قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) فنص على هذين الصنفين مع أن حكم غيرهما في

стр. 7292

التحريم بالرضاع كحكم هذين الصنفين، ولكنه اكتفى بذكرهما عن ذكر سائر من حرم بالرضاع ممن كان كمن حرم بالنسب، وكذلك قوله ﵇: "لا يحل لأحد أن يرجع" يشمل سائر الناس؛ لأن النكرة في خبر النفي تعم، ثم قال: "إلا الوالد لولده" على المعنى الذي ذكره، فدل ذلك على أن من سوى الوالد من الواهبين في رجوع الهبات إليهم برد الله إياها كذلك؛ لشمول العلة، وقد قلنا: إن شمول العلة يستلزم شمول المعلول، وتلك العلة هي المعنى الذي ذكره من قوله: "فذلك عندنا والله أعلم على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت حاجته إلى ذلك وفقره إليه. . . ." إلى آخره. ص: فلم يكن في شيء من هذه الآثار ما يدلنا على أن للواهب أن يرجع في هبته بنقضه إياها حتى يأخذها من الموهوب له ويردها إلى ملكه المتقدم الذي أخرجها منه بالهبة، فنظرنا هل نجد فيما روي عن أصحاب رسول الله ﵇ في ذلك شيء؛ فإذا إبراهيم بن مرزوق حدثنا، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا حنظلة، عن سالم قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب منها بما يرضي". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المزني، عن مروان بن الحكم، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته [يرجع] (١) فيها إن لم يرضى منها. فهذا عمر ﵁ قد فَرَّق بين الهبات والصدقات، فجعل الصدقات لا يرجع فيها، وجعل الهبات على ضربين: فضرب منها صلة للأرحام، فرد ذلك إلى حكم الصدقات ومنع الواهب من الرجوع فيها.

стр. 7293

وضرب منها بخلاف ذلك، فجعل للواهب أن يرجع فيها ما لم يرض منه. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق، قال: ثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ قال: "من وهب هبة لذي رحم جازت، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يثب منها". ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي ذكرها في هذا الباب من أوله إلى هاهنا، وأشار بذلك أيضًا إلى بيان حجج لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه؛ لأنه لم يذكر لهم إلى الآن دليلًا من الآثار، وإنما ذكر عنهم ما أجابوا عن أحاديث أهل المقالة الأولى، وما أوَّلوه في ذلك. وأخرج لهم في ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ من ثلاث طرق صحاح: الأول: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق وكيع، عن حنظلة -هو ابن أبي سفيان الجمحي- عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال عمر ﵁: "الرجل أحق بهبته ما لم يرضى منها". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان سعيد بن طريف المزني، عن مروان بن عبد الحكم. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد.

стр. 7294

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ قال: "من وهب هبة لذي رحم فهي جائزة، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يثب منها". قوله: "فهذا عمر ﵁ قد فرق. . . ." إلى آخره. أشار بهذا إلى أن ما روي عن عمر بن الخطاب من هذا الحكم المفصل؛ هو عين مذهب أهل المقال الثانية؛ فإن عندهم: لا رجوع في الصدقات، ولم يخالفهم في هذا أحد، وأما الهبات فإنها على ضربين. أحدهما: أن تكون لذوي الأرحام؛ فلا رجوع فيها. والآخر: أن تكون للأجانب، ففيه الرجوع ما لم يعوض .. والله أعلم. قوله: "حتى يثاب منها" أي حتى يعوَّض من هبته، والثواب هو العوض، ومنه ثواب الحسنات، وبهذا الفرق المروي عن عمر ﵁ يرد على ابن حزم في قوله: الحكم في العائد في صدقته والعائد في هبته سواء والمفرق بينهما مخطئ. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن جابر الجعفي، قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن يحدث، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن علي ﵁ قال: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها". فهذا علي ﵁ قد جعل للواهب الرجوع فيه هبته ما لم يثب منها، وذلك عندنا على الواهب اللي جعل له عمر ﵁ الرجوع في هبته على ما ذكرنا في الحديث الذي روينا عنه قبل هذا، حتى لا يتضاد قولهما في ذلك. وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن جابر، عن القاسم. . . . فذكر بإسناده مثله على ما روينا عن سليمان.

стр. 7295

ش: أخرج هذا عن علي ﵁ من طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة بن الحجاج، عن جابر بن زيد الجعفي، فيه مقال، كذبه أبو حنيفة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبزى، مختلف في صحبته، عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن جابر عن القاسم، عن ابن أبزى، عن علي ﵁ قال: "الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن جابر الجعفي. . . . إلى آخره. ص: وقد روي عن فضالة بن عبيد نحوٌ من هذا: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله ابن عامر اليحصبي قال: "كنت عند فضالة بن عبيد، فأتاه رجلان يختصمان إليه، فقال أحدهما: إنى وهبت لهذا بَازيًا، على أن يثيبني فلم يفعل، فقال الآخر: وهب لي ولم يذكر شيئًا، فقال له فضالة: أردد إليه هبته، فإنما يرجع في الهبة النساء وسُقَّاط الرجال". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليحصبي أنه قال: "كنت عند فضالة بن عبيد إذا جاءه رجلان يختصمان في بازٍ، فقال أحدهما: وهبت له بازيًا، وأنا أرجو أن يثيبني منه، وقال الآخر: نعم قد وهب لي بازيًا، وما سألته وما تعرضت له، فقال فضالة: أردد إليه هبته، فإنما يرجع في الهبات النساء وشرار الأقوام".

стр. 7296

ش: أي قد روي عن فضالة الصحابي نظير ما روي عن عمر وعَلي ﵃ مما يدل على جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لأجنبي ولم يعوض فيها، ولكن يدل على كراهيته مع ذلك؛ لأن قوله: "فإنما يرجع في الهبة النساء وسُقَّاط الرجال" يدل على أن هذا صنيع غير محبوب لا يفعله أصحاب المروءات ولا يصدر إلا عن اللئام. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي زرعة الدمشقي حافظ الشام، وشيخ الطبراني وأبي داود، عن عبد الله بن صالح، كاتب الليث وشيخ البخاري، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي -قاضي الأندلس، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي .. إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية ابن صالح .. إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح .. إلى آخره. قوله: "وسُقَّاط الرجال" بضم السين وتشديد القاف، أي أراذل الناس وأشرارهم، وقال الجوهري: الساقط والساقطة اللئيم في صفته ونعته، وقوم سقطى وسُقَّاط. فإن قلت: قال ابن حزم (٢): خبر فضالة ضعيف، لأنه عن معاوية بن صالح وليس بالقوى وهو حجة عليهم؛ لأنه لم يشترط ذا رحم من غيره ولا أحد الزوجين للآخر، وظاهره إبطال هبة الثواب، فعلى كل حال هو حجة عليهم، لأنهم قد خالفوه. قلت: معاوية بن صالح وثقه العجلي والنسائي وأبو زرعة وأحمد وابن معين، وروى له مسلم، واحتجت به الأربعة، ولا نسلم أنه حجة عليهم؛ لأنهم يحتجون

стр. 7297

به في جواز الرجوع في الهبة، وظاهره يدل على ذلك، وأما اشتراط الأجنبي في الرجوع فحجة أخرى على أن الرجلين اللذين اختصما إلى فضالة كانا أجنبيين، وكذلك عدم جواز رجوع أحد الزوجين فيما وهبه للآخر فبحجة أخرى على ما سيجيء إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي عن أبي الدرداء في ذلك أيضًا، ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي الدرداء قال: "المواهب ثلاثة: رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثواب، فإن قبل على موهبته ثوابًا فليس له إلا ذلك وله أن يرجع في هبته ما لم يثب، ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبه في حياته وبعد موته". فهذا أبو الدرداء قد جعل ما كان من الهبات مخرجه مخرج الصدقات في حكم الصدقات، ومنع الواهب من الرجوع في صدقته، وجعل ما كان منها بغير هذا الوجه ما لم يُشترط ثوابٌ مما يرجع فيه ما لم يثب الواهب عليه، وجعل ما اشتراط فيه العوض في حكم البيع فجعل العوض لواهبه واجبًا على الموهوب له في حياته وبعد وفاته، فهكذا حكم الهبات عندنا. ش: أي قد روي عن أبي الدرداء عويمر بن مالك ﵁ في حكم الهبة على التفصيل ما حدثنا فهد بن سليمان، عن أبي صالح عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد المقرائي الحمصي .. إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. قوله: "المواهب" جمع موهبة بمعنى الهبة كالمكارم جمع مكرمة. قوله: "من غير أن يُستوهب" على صيغة المجهول، أي من غير أن يطلب منه الهبة. قوله: "ورجل اسْتُوهب" على صيغة المجهول أيضًا أي طلبت منه الهبة.

стр. 7298

قوله: "ما لم يثب" أي ما لم يعوض. قوله: "فهكذا حكم الهبات عندنا" يعني على التفصيل المذكور، لكن القسم الأول لا شيء على مذهب الحنفية؛ فإن عندهم يرجع في هبته للأجنبي سواء استوهب أم لا، اللهم إلا إذا كان الطحاوي قد ذهب في ذلك إلى أن الرجل إذا وهب من غير أن يستوهب فليس له الرجوع كما في الصدقة، فتأمل ذلك فإنه موضع النظر. ثم قد رأيت أنه أخرج في ذلك عن غير عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وفضالة بن عبيد وأبي الدرداء ﵃. وروي عن عثمان بن عفان ﵁ أيضًا. أخرجه ابن حزم (١): من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن قال: "أول من رد الهبة عثمان بن عفان، وأول من سأل البينة على أن غريمه مات ودينه عليه عثمان ﵁". وروي أيضًا عن جماعة من التابعين منهم: عمر بن عبد العزيز ﵁، أخرج عنه عبد الله بن وهب (٢)، عن عمر بن قيس، عن عدي بن عدي الكندي: "كتب إليّ عمر بن عبد العزيز: من وهب هبة فهو بالخيار حتى يثاب منها ما يرضى، فإن نمت عند من وهبت له فليس لمن وهبها إلا هي بعينها ليس له من النماء شيء". ومنهم: شريح القاضي، أخرج عنه سعيد بن منصور (٣): ثنا هشيم، أنا منصور ويونس وابن عون، كلهم عن ابن سيرين، عن شريح قال: "من أعطى في صلة أو قرابة أو معروف أجزنا عطيته، والجانب المستغزر يثاب على هبته أو ترد عليه".

стр. 7299

ومنهم سعيد بن المسيب، أخرج عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يحيى بن يمان، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "من وهب هبة لغير ذي رحم فله أن يرجع ما لم يثب". ومنهم إبراهيم النخعي: أخرج عنه سعيد بن منصور (٢): أنا هشيم، أنا مغيرة، عن إبراهيم قال: "من وهب هبة لذي رحم فليس له أن يرجع، ومن وهب لغير ذي رحم فهو أحق بهبته؛ فإن أثيب منها قليل أو كثير؛ فليس له أن يرجع في هبته". فإن قيل: هل في هذا الباب حديث مرفوع؟ قلت: نعم، روي في ذلك عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وسمرة ﵃. أما حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي فأخرجه أبو داود (٣): ثنا سليمان بن داود المهري، أنا أسامة بن زيد، أن عمرو بن شعيب حدثه، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﵇ قال: "مثل الذي استرد ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب، فليتوقف فليعرف ما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب". وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجنع، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها". وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي (٥): من حديث حنظلة بن

стр. 7300

أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها". وأما حديث سمرة: فكذلك أخرجه البيهقي (١): من حديث ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها". فإن قيل: كل هذه الأحاديث معلولة: أما حديث عبد الله بن عمرو: فلأن خبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو صحته منقطعة. وأما حديث أبي هريرة: فلأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل وهو ضعيف، قاله ابن حزم، وقال أيضًا: عمرو بن دينار ليس له سماع من أبي هريرة ولا أدركه بعقله أصلًا. وأما حديث عبد الله بن عمر: فقد قال البيهقي (٢): هكذا رواه أحمد بن أبي غرزة وعلي بن سهل بن المغيرة، عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، وهو وهم، والصواب ابن وهب سمعت حنظلة، يقول: سمعت سالمًا يقول، عن أبيه، عن عمر قال: "من وهب هبة لوجه الله فذلك له، ومن وهب هبة يريد ثوابها فإنه يرجع فيها إن لم يرض منها". وأما حديث سمرة: فإن الحسن لم يسمع منه إلا ثلاثة أحاديث وهذا ليس منها. قلت: عمرو بن شعيب ثقة لا مراء فيه وروايته عن أبيه ليست مرسلة ولا منقطعة؛ لأنها إما وجادة أو بعضها سماع وبعضها وجادة [وسماعه] (٣) من أبيه شعيب صحيح. وأما سماع شعيب عن عبد الله بن عمرو فلا يشك فيه، قال البخاري وأبو داود وغير واحد: إنه سمع من جده عبد الله بن عمرو.

стр. 7301

وأما إبراهيم بن إسماعيل فإن البخاري استشهد به، وابن ماجه احتج به. وأما عمرو بن دينار فقد ذكر عبد الغني والحافظ المزي وغيرهما: أنه سمع من أبي هريرة. وأما قول البيهقي: "هذا وهم" فليس بصواب؛ لأن المرفوع رواته ثقات. كذا قال عبد الحق في "الأحكام" وصححه ابن حزم وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١) عن إسحاق بن محمَّد، عن ابن أبي غرزة، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا وقد توبع رواته عليه. أخرجه الدارقطني (٢): عن إسماعيل الصفار، عن علي بن سهل، عن عبيد الله ابن موسى، عن حنظلة. فلا حمل إذا على شيخ الحاكم ولا نسلم للبيهقي أنه وهم، بل يحمل على أن لعبيد الله فيه إسنادين. وأما الحسن البصري فإنه سمع عن سمرة أحاديث كثيرة قاله البخاري واحتج بالحسن عن سمرة. وحديثه هذا أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٣) وقال: صحيح على شرط البخاري. ص: فأما ما ذكرنا من انقطاع رجوع الواهب في هبته بموت الموهوب له، أو باستهلاك الهبة؛ فلما روي عن عمر أيضًا في ذلك: حدثنا صالح، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى، عن الحجاج، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر مثله، يعني مثل حديثه الذي ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا الفصل، وزاد: "ويستهلكها مستهلك أو يموت أحدهما" فجعل عمر ﵁ استهلاك الهبة يمنع واهبها من الرجوع فيها، وجعل أيضًا موت أحدهما يقطع ما للواهب فيها من الرجوع أيضًا. فكذلك نقول.

стр. 7302

ش: أشار بهذا إلى إقامة الدليل على انقطاع حق الرجوع في الهبة بموت الموهوب له وباستهلاكه الهبة، وهو ما أخرجه عن صالح بن عبد الرحمن، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الحجاج ابن أرطاة النخعي، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁. وهؤلاء كلهم ثقات غير أن الحجاج ابن أرطاة تكلموا فيه، ولكنه لم يخرج عن حد الاحتجاج به، فإن الأربعة احتجوا به، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس. وقد أخرجه الطحاوي فيما مضى عن قريب بهذا الإسناد ولكن هناك عن يحيى بن زكرياء، عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود. وهاهنا عن يحيى، عن الحجاج، عن الحكم، عن إبراهيم، وزاد في هذه الرواية مسألة استهلاك الهبة وموت الموهوب له. وقد أخرج عبد الرزاق (١): عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "كتب عمر بن الخطاب ﵁: يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه ما لم يمت أو تستهلك أو يقع فيه دين". ص: وقد روي عن شريح ﵁ في الهبة نظير ما قد روي عن عمر ﵁: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: سمعت محمدًا يحدث، أن شرحًا قال: "من أعطى في قرابة أو معروف أو صلة فعطيته جائزة والجانب المتسغْزِر يثاب في هبته أو ترد عليه". حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن شريح مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، شيخ أبي داود وابن ماجه، عن جرير بن حازم، عن محمَّد بن سيرين، عن شريح.

стр. 7303

وأخرجه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن منصور ويونس وابن عون، ثلاثتهم عن ابن سيرين، عن شريح، نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن شريح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن أبي زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن شريح قال: "من أعطى في صلة أو قرابة أو معروف أو حق؛ فعطيته جائزة، والجانب المستغْزِر يثاب من هبته، أو ترد عليه". قوله: "فعطيته جائزة" أي: نافذة، والمعنى أنها جازت ونفذت ولم يبق فيها رجوع. قوله: "والجانب" أي: الغريب، يقال: جَنَبَ فلان في بني فلانٌ يَجْنُبُ جَنابة فهو جَانِب، إذا نزل فيهم غريبًا، أي أن الغريب الطالب إذا أهدى إليك شيئًا ليطلب أكثر منه في مقابلة هديته يثاب أو ترد عليه. ومعنى "المستغْزِر" الذي يطلب أكثر مما أعطي وهو مستفعل من الغَزَارة وهي الكثرة قد غَزَر الشيء بالضم يَغْزِر فهو غزيرٌ ومَغْزُور، وقد غَزَرت الناقة إذا كثر لبنها، والاسم: الغَزْر مثال الضَّرْب. ص: قال أبو جعفر ﵀: وأما هبة كل واحد من الزوجين لصاحبه: فإن أبا بكرة حدثنا، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمَّد: "أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح، فقال للزوج: شاهداك أنهما رأياها أنها وهبت لك من غير كره ولا هوان وإلا فبينتها لقد وهبت لك عن كره وهوان". فهذا شريح ﵁ قد سأل الزوج البينة أنها قد وهبت له لا عن كره بعد ارتجاعها في الهبة، فدل ذلك أن البينة لو ثبتت عنده على ذلك لرد الهبة إليه ولم يجز لها الرجوع

стр. 7304

فيها، وقد كان من رأيه أن للواهب الرجوع في هبته إلا من ذي الرحم المحرم، فجعل المرأة في هذا كذي الرحم المحرم؛ فهكذا نقول. ش: أشار بهذا إلى إقامة الدليل على أن من جملة موانع الرجوع: هبة أحد الزوجين للآخر، وقام أيضًا دليل على صحة الرجوع عند عدم مانع من الموانع التي نُصَّ عليها. وأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين. وأخرج سعيد بن منصور في "سننه": ثنا هشيم، أنا المغيرة، عن الحارث العكلي "أن رجلًا تصدق على أمه بخادم له وتزوج، فساق الخادمة إلى امرأته فقبضتها امرأته، فخاصمتها الأم إلى شريح، فقال شريح: إن ابنك لم يثبتك صدقته، وأعادها للمرأة؛ لأن الأم لم تكن قَبَضَتْهَا" انتهى. فهذا يدل على اشتراط القبض في الهبة، وعلى أن أحد الزوجين إذا وهب للآخر لا رجوع فيها. قوله: "فهذا شريح. . . ." إلى آخره. ظاهر. ص: وأما هبة الزوج لامرأته: فإن أبا بكرة حدثنا، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا أبو عوانة، عن منصور، قال: إبراهيم: "إذا وهبت المرأة لزوجها أو وهب الرجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته". حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: "الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم المحرم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع". فجعل الزوجان في هذه الأحاديث كذي الرحم المحرم، فمنع كل واحد منهما من الرجوع فيما وهب لصاحبه. فهكذا نقول. ش: هذا أيضًا من جملة الدليل على منع رجوع أحد الزوجين للآخر.

стр. 7305

وأخرجه عن إبراهيم النخعي من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم. الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن محمَّد ابن الحسن الشيباني، عن الإِمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم. قوله: "فجعل الزوجان في هذه الأحاديث" أي الآثار المذكورة. ص: وقد وصفنا في هذا ما ذهبنا إليه في الهبات وما قلدنا من هذه الآثار؛ إذْ لم نعلم عن أحد مثل من رويناها عنه خلافًا لها، فتركنا النظر من أجلها وقلدناها. وقد كان النظر لو خُلينا وإياه خلاف ذلك وهو أن لا يرجع الواهب في الهبة لغير ذي الرحم المحرم كما لا يرجع في الهبة لذي الرحم المحرم؛ لأن مُلكه قد ذال عنها بهبته إياها، وصارت للموهوب له دونه، فليس له نقض ما قد ملك عليه إلا برضى مالكه، ولكن اتباع الآثار وتقليد أئمة العلم أولى؛ فلذلك قلدناها واقتدينا بها، وجميع ما بينا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قد وصفنا في باب حكم الهبة ما ذهبنا إليه في الهبات، وهو جواز رجوع الواهب عن هبته من أجنبي. قوله: "وما قلدنا" عطف على قوله: "ما ذهبنا إليه". قوله: "إذْ لم نعلم" أي: لأنا لم نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين مثل من رويناها عنه خلافًا لها، وذلك لأنه قد روي عن مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وفضالة بن عبيد وأبي الدرداء ﵃ ما يدل صريحًا على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، ولم يرو عن أحد من الصحابة منهم أو من يقاربهم خلاف ذلك، وكذلك روي عن جماعة من التابعين الكبار مثل شريح القاضي، وإبراهيم

стр. 7306

النخعي، ما يوافق ما روي عن هؤلاء الصحابة، ولم يرو عن أحد من التابعين مثلهم أو من يقاربهم خلاف ذلك، فإذا كان كذلك؛ تَعَيَّن المصير إلى ما ذهبوا إليه والعمل به. قوله: "فتركنا النظر من أجلها" أي إذا كان الأمر كذلك تركنا النظر والقياس من أجل هذه الآثار المروية عنهم لأن القياس لا يؤخذ به إلا عند عدم الآثار والأخبار. قوله: "وقد كان النظر لو خُلِّينا" على صيغة المجهول، والواو في "وإياه" للمصاحبة، وأراد بهذا أن القياس كان يقتضي أن لا يرجع الواهب فيما يهبه لأجنبي كما لا يرجع فيما يهبه لذي رحم محرم منه؛ لأن ملكه قد زال بهبته، ودخل في ملك الموهوب له بالقبض، فلا يجوز له نقض ذلك وإخراجه عن ملكه إلا برضى صاحبه، ولكن لما وردت الآثار بخلاف ذلك وجب تقليدها وترك القياس والعمل به، ووجب العمل بما روي من الآثار، والتقليد لأئمة العلم، والله أعلم.

стр. 7307

ص: باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي ينحل بعض أولاده دون بعض. قوله: "ينحل" من النُّحْل -بضم النون وسكون الحاء المهملة- وهو العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، يقال: نَحَله ينحله نُحْلًا بالضم، والنحلة -بالكسر- العطية، وكذلك النحل على وزن فعلى، وبابه من فعل يفعل بالفتح فيهما. ص: حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، قال: ثنا الزهري، عن محمَّد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن، أخبراه أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: "نحلني أبي غلامًا، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﵇ لأشهده على ذلك، فقال: أكل ولدك أعطيته؟ فقال: لا، قال: فأردده". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعن محمَّد بن النعمان بن بشير، فحدثاه عن النعمان بن بشير قال: "إن أباه أتى به النبي ﵇ فقال: إنى نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﵇: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﵇: فارجعه". ش: هذان إسنادان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح. وسفيان هو ابن عيينة. والزهري هو محمَّد بن مسلم. والحديث أخرجه الجماعة غير أبي داود. فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن يحيى، عن إبراهيم بن سعد.

стр. 7308

وعن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة. وعن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث. وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس. وعن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير، عن النعمان. والترمذي (١): عن نصر بن علي وسعيد بن عبد الرحمن، عن سليمان، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان يحدثان، عن النعمان به. وقال: حسن صحيح. والنسائي: (٢) عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، نحوه. وعن محمَّد بن سلمة (٣): والحارث بن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. وعن مجاهد (٤): عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، جميعًا عن الزهري، عن حميد وحده، به. وابن ماجه (٥): عن هشام بن حماد، عن سفيان، عن الزهري، عن حميد ومحمد بن النعمان به. قوله: "نحلني أبي" أي: أعطاني، وقد ذكرنا أن النحلة والنُّحلى هي العطية مبتدأة من غير عوض.

стр. 7309

والنعمان: هو ابن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله المدني، صاحب رسول الله ﵇. وأبوه: بشير بن سعد، شهد العقبة الثانية وبدرًا وأُحُدًا والمشاهد جميعًا، يقال: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق ﵁ يوم السقيفة من الأنصار، وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة. قوله: "فأمرتني أمي" وهي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة الصحابية، وهي التي سألت زوجها بشيرًا أن يهب ابنها النعمان هبة دون أخويه ففعل، فقالت له: أشهد على هذا رسول الله ﵇، ففعل، فقال: له رسول الله ﷺ أَكُلَّ بنيك أعطيته مثل هذا؟ قال: لا، قال: فإني [لا] (١) أشهد على جور". قوله: "أكُلَّ ولدك نحلته" بنصب "كل" على ما عرف في موضعه. وهذا الحديث قد جاء في مسند بشير بن سعد أيضًا والد النعمان. قال: أبو عمر: روى هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثني النعمان بن بشير قال: "أعطاه أبوه غلامًا، فقال رسول الله ﵇ ما هذا الغلام؟ فقال: غلام أعطانيه أبي، قال: أفكل إخوتك أعطاهم كما أعطاك؟ قال: لا، قال: فاردده". نفى هذا الخبر أنه خاطب بهذا القول النعمان بن بشير، حديث ابن شهاب أنه خاطب بذلك أباه بشير المعطي، وهو الأكثر والأشهر. وهذا الحديث مشتمل على أحكام: فيه: جواز العطية من الآباء للأبناء، وهذا في صحة الأباء، لأن فعل المريض في حال وصيته، والوصية للوارث باطلة، وهذا أمر مجمع عليه. وفيه: التسوية بين الأبناء في العطاء، وأكثر الفقهاء على أن معنى هذا الحديث

стр. 7310

الندب إلى الخير والبر والفضل، والدليل على ذلك إجماع العلماء على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، وإذا جاز أن يخرج جميع ولده من ماله؛ جاز أن يخرج من ذلك بعضهم. واحتج من يقول أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه بقوله: "فارجعه" وهو موضع قد اختلف فيه الفقهاء، وقد مَرَّ الكلام فيه مستقصًى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض؛ أن ذلك باطل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: قد كان النعمان في وقت ما نحله أبوه صغيرًا، فكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض لنفسه، فلما قال: النبي ﵇: "اردده" بعد ما كان في حكم ما قبض، دَلّ هذا أن النحلى من الوالد لبعض ولده دون بعض لا يملكه المنحول ولا تنعقد له عليه هبة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح ومجاهدًا وعروة وابن جريج والنخعي والشعبي وابن شبرمة وابن أبي داود وأحمد وإسحاق وداود وسائر أهل الظاهر. قال أبو عمر: اختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرقي في "مختصره" قال: وإذا فضل بعض ولده في العطية، أُمِرَ برده كما أمر النبي ﵇، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته. وقال طاوس: لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وبه قال أهل الظاهر منهم داود وغيره، وروي عن أحمد مثله، وحجتهم في ذلك حديث مالك عن ابن شهاب المذكور. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ولا يحل لأحد أن يهب ولا أن يتصدق على أحد من ولده حتى يعطي أو يتصدق على كل واحدٍ منهم بمثل ذلك، ولا يحل أن يفضل

стр. 7311

ذكرًا على أنثى، ولا أنثى على ذكر، فإن فعل فهو مفسوخ أيضًا، فإن كان له ولد فأعطاهم ثم ولد له ولد فعليه أن يعطيه كما أعطاهم ويشاركهم فيما أعطاهم، وإن تغيرت عين العطية ما لم يمت أحدهم فيصير ماله لغيره فعلى الأب حينئذ أن يعطي هذا الولد كما أعطى غيره، فإن لم يفعل أعطي ما ترك أبوه من رأس ماله مثل ذلك، وروي ذلك عن جمهور السلف. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي للرجل أن يُسَوِّي بين ولده في العطية؛ ليستووا في البر، ولا يفضل بعضهم على بعض فيوقع ذلك الوحشة في قلب المفضول منهم، فإن نحل بعضهم شيئًا دون بعض وقبله المنحول لنفسه إن كان كبيرًا، أو قبضه له أبوه من نفسه إن كان صغيرًا بإعلامه والإشهاد به فهو جائز. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والليث بن سعد والقاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد في رواية. وقال أبو عمر: واختلف العلماء في كيفية التسوية بين الأبناء في العطية، فقال منهم قائلون: التسوية بينهم أن يعطي الذكر مثل ما يعطي الأنثى، وممن قال ذلك: الثوري وابن المبارك. وقال آخرون: التسوية أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وممن قال بهذا: عطاء بن أبي رباح، وهو قول محمَّد بن الحسن، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ولا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولًا. ثم اختلف الفقهاء في معنى التسوية هل هو على الإيجاب أو على الندب؟ فأما مالك والليث والثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه فأجزوا أن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية على كراهية من بعضهم، والتسوية أحب إلى جميعهم، وقال الشافعي: ترك التفضيل في عطية الآباء فيه حسن الأدب، ويجوز له ذلك في الحكم. وكره الثوري وابن المبارك وأحمد أن يفضل بعض ولده على بعض

стр. 7312

في العطايا، وكان إسحاق يقول مثل هذا ثم رجع إلى مثل قول الشافعي، وكل هؤلاء يقول: إن فعل ذلك أحد نفذ ولم يُرَدّ، واختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه: أنه يُرَدّ، وقد ذكرناه مستقصى. وقال ابن حزم: اختلفوا في هذا الباب، فقال شريح وأحمد وإسحاق: العدل أن يعطى الذكر حظين، وقال غيرهم بالتسوية في ذلك. وأجاز تفضيل بعض الولد على بعض: القاسم بن محمَّد وربيعة وغيرهما، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة وأجازه إن وقع، وكره مالك أن يَنْحَلَ بعض ولده ماله كله. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث النعمان الذي ذكرنا قد روي عنه على ما ذكروا، وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، ولعله كان كبيرًا ولم يكن قبضه، وقد روي أيضًا على غير المعنى الذي في الحديث الأول. حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن داود بن أبي هند، عن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: "انطلق بي أبي إلى النبي ﷺ ونحلني نُحْلي ليشهده على ذلك، فقال: أَوَ كُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء؟ قال: بلى، قال: فأشْهِد على هذا غيري". فكان في الحديث من قول النبي ﵇ لبشير فيما كان نحله النعمان: "أَشْهِدْ على هذا غيري" فهذا خلاف ما في الحديث الأول؛ لأن هذا لا يدل على فساد العقد الذي كان عقده للنعمان؛ لأن النبي ﵇ قد يتوقى الشهادة على ما له أن يشهد عليه، وعلى الأمور التي قد كانت، فكذلك لمن بعده؛ لأن الشهادة إنما هي أمر يتضمنه الشاهد للمشهود له، فله أن لا يتضمن ذلك، وقد يحتمل غير هذا أيضًا، فيكون قوله: "أشهد على هذا غيري" أي: أنا الإِمام، والإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه أن يحكم.

стр. 7313

وفي قوله: "أشهد على هذا غيري" دليل على صحة العقد، وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان على منبرنا هذا يقول: قال رسول الله ﷺ : "سوُّوا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر". فكان المقصود إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم في العطية ليستووا جميعًا في البر، وليس فيه شيء من ذكر فساد للعقد المعقود على التفضيل. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وأراد به الجواب على ما احتجت به أهل المقالة الأولى من حديث النعمان بن بشير على الوجه الذي رووا، وهو على وجهين: الأول: بطريق التسليم، وهو أن يقال: سلمنا أن حديث النعمان قد روي على الوجه الذي رَوَوْهُ، وهو معنى قوله: "قد روي عنه على ما ذكروا ولكن ليس فيه دليل على أن النعمان كان حينئذ صغيرًا، ولعله قد كان كبيرًا حينئذ ولم يكن قد قبضه" فلذلك قال لأبيه بشير: اردده، فأمر بالرجوع عن ذلك. فإن قيل: قد قال ابن حزم: كان صغر النعمان أشهر من الشمس، وأنه ولد بعد الهجرة بلا خلاف من أحد من أهل العلم، وقد بين ذلك في حديث أبي حيان عن الشعبي، عن النعمان "وأنا يومئذ غلام" ولا يطلق هذا اللفظ على رجل بالغ. قلت: نعم، ولد النعمان بعد الهجرة، ولكن ابن حزم ما بين تاريخ ميلاده وأبهمه ترويجًا لكلامه، وكان ميلاده على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود من الأنصار، وقيل: ولد بعد سنة أو أقل من سنة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي ﵇ بثمان سنين، والأول أصح. فإذا كان الأمر كذلك يكون مراد الطحاوي من قوله: وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، يعني قبل بلوغه سن التميز وهو خمس سنين أو سبع سنين، ويكون المراد من قوله: "ولعله قد كان كبيرًا" يعني بعد بلوغه سن التمييز، ولا يشترط

стр. 7314

البلوغ في صحة قبض الهبة، فيجوز قبض الصبي العاقل ما وُهِبَ له، لأن قبض الهبة من التصرفات النافعة المحضة، فيملكه الصبي العاقل كما يملك وَلِيُّه، وكذا الصبية إذا عقلت جاز قبضها لما قلنا. فإذا كان الأمر كذلك يكون معنى كلامه: "ولعله قد كان كبيرًا" يعني صبيًّا عاقلًا أهلا للقبض، ولكنه لم يكن قبضه، فلذلك أمر والده بالرجوع لعدم تمام الهبة، لأنها لا تتم إلا بالقبض. الوجه الثاني: بطريق المنع؛ وهو أن يقال: لا نسلم دلالة ما رويتم من حديث النعمان على ما ادعيتم، لأنه قد روي على وجوه مختلفة: منها الوجه المذكور، ومنها ما أشار إليه بقوله: "وقد روي أيضًا على غير المعنى الذي في الحديث الأول". وبينه بتخريجه بإسناد صحيح عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عامر الشعبي. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن مثنى، قال: ثنا عبد الوهاب وعبد الأعلى (ح). وثنا إسحاق بن إبراهيم ويعقوب الدورقي جميعًا عن ابن علية -واللفظ ليعقوب- قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: انطلق بي [أبي] (٢) يحملني إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله اشْهَد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: أكل بنيك نحلت مثل ما نحلت للنعمان، قال: لا، قال: فَأَشْهِد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال بلى، قال: فلا إذا". قوله: "فهذا" أي هذا الوجه في هذا الحديث "خلاف ما في الحديث الأول" وبَيَّن وجه المخالفة بقوله: "لأن هذا القول" يعني قوله ﵇: "أشهد على

стр. 7315

هذا غيرى" لا يدل على فساد العقد الذي صدر عن بشير للنعمان ﵄، وبَيَّن ذلك من وجهين: الأول: أن النبي ﵇ قد كان يتوقى الشهادة أي يتجنبها على شيء له إن شهد عليه، وذلك لغلبة ورعه وجلالة قدره؛ لأن تحمل الشهادة أمر عظيم لأجل الأداء، وكذلك غير النبي ﵇ مثله في هذه القضية؛ لأن الشهادة ليست من الأمور اللازمة على الشخص؛ لأن الشاهد مخير في تحملها، فله أن يتحمل وله أن لا يتحمل. الوجه الثاني: أن يكون إنما كان أمره بإشهاد غيره بقوله: "أشهد على هذا غيري" لأنه إمام، وليس من شأن الإِمام أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، وقد طعن ابن حزم هاهنا هذا الكلام بقوله: "بل الإِمام يشهد" لأنه أحد المسلمين المخاطبين بأن لا يأبوا إذا دعوا، وبقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (١) الآية، فهذا أمر للأئمة بلا شك، والعجب من هذا القائل ومن قوله ومذهبه أن الإِمام إذا شهد عند حاكم من حكامه جازت شهادته، فلو لم يكن من شأنه أن يشهد لما جازت شهادته. قلت: هذا كلام صادر من يَبْس دماغ، من غير روية ولا فكر، لأن مراده من مقولة: "والإمام ليس من شأنه أن يشهد" أي: ما دام في صدد الحكم، فإنه ليس له حنيئذ أن يشهد لأحد ولا عليه، وإنما له أن يسمع الدعوى والشهادة ويحكم بينهم، وأما إذا أدى عند حاكم آخر فله ذلك، سواء كان في حال انتصابه للحكم أو بعده. وأما الآية التي استشهد بها فلا تدل على مُدَّعاه؛ لأنها ليست واردة في باب الشهادة في أمور الناس والله أعلم. قوله: "وفي قوله: أشهد على هذا غيري دليل صحة العقد" أراد بهذا الرد على أهل المقالة الأولى في قولهم: الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض أن ذلك باطل، ودلالة هذا القول على صحة العقد ظاهرة إذْ لو كان هذا الفعل باطلًا لقال قولًا دالًّا علي.

стр. 7316

هو أكد كلامه بما أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، عن المغيرة ابن مقسم الضبي، عن عامر الشعبي، عن النعمان ﵁. وأخرجه الطبراني في "معجمه" بأتم منه: ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني (ح). وحدثنا الحسن بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال: "سمعت النعمان بن بشير على منبرنا هذا يقول: طلبت عمرة بنت رواحة إلى بشير بن سعد أن ينحلني نُحلًا من ماله فأبى عليها، ثم بدا له بعد حول أو حولين أن ينحلنيه، فقال لها: إن الذي سألت لابني كنت منعته وقد بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي ﵇ فتشهده، فأخذ بيدي فانطلق بي إلى النبي ﵇ فقال: يا نبي الله، إن عمرة بنت رواحة طلبت إليَّ أن أنحل ابني هذا نحلًا، وإني كنت أبيت عليها، ثم بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي ﵇ فتشهده، فقال: هل لك معه ولد غيره؟ قال: نعم، قال: فهل آتيت كل واحد منهم ما آتيت هذا؟ قال: لا، قال: فإني لا أشهد على هذا؛ هذا جور، أشهد على هذا غيري، اعدلوا بين أولادكم في النُّحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف". قوله: "فكان المقصود إليه" أي الذي قصد إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم -أي بين الأولاد- في العطية ليستووا جميعًا في البر والإحسان وليس فيه شيء يدل على فساد العقد المذكور الذي عُقِدَ على التفضيل أي تفضيل بعضهم على بعض. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حصين، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد

стр. 7317

رسول الله ﵇، فأتى رسول الله ﵇ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، وإني أشهدك، قال: كل ولدك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فليس في هذا الحديث أن النبي ﵇ أمره برد شيء، وإنما فيه الأمر بالتسوية بينهم. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجَّي -أظنه- عن داود، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: "انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا، فقال له رسول الله ﵇: أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، قال: أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا". فقد اختلف لفظ داود هذا فيما روى عنه مرجَّي هاهنا وفيما روى عنه وهيب فيما تقدم من هذا الباب، وهكذا رواه الشعبي عن النعمان، وقد رواه أبو الضحى، عن النعمان أيضًا: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن فطر (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر، قال: ثنا أبو الضحي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "ذهب بي أبي إلى رسول الله ﵇ ليشهده على شيء قد أعطانيه، فقال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، فقال بيده: ألا سويت بينهم". فلم يخبر في هذا الحديث أنه أمره برده، وإنما قال: "ألا سويت بينهم" على طريق المشورة وأن ذلك لو فعله كان أفضل. ش: هذه ثلاث وجوه أخرى في حديث النعمان، وقد سبق ذكر الوجهين فالجملة خمسة أوجه، فدل على اضطراب شديد متنًا، فالعمل بحديث جابر الذي يأتى إن شاء الله تعالى أولى، لأن جابرًا أحفظ له وأضبط، لأن النعمان كان صغيرًا على ما أشار إليه الطحاوي ﵀.

стр. 7318

وقال أبو عمر: وأما قصة النعمان بن بشير هذه فقد روي في حديثه ألفاظ مختلفة تدل على أن ذلك على الندب لا على الإيجاب. منها: ما رواه داود بن أبي هند، عن الشعبي، عنه. ورواية حصين عن الشعبي، نحو ذلك. رواه البخاري (١)، وفيه قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع فرد عطيته" فلم يذكر فيه أن رسول الله ﵇ أمره أن يرجع في صدقته، وإنما فيه: "فرجع فرد عليه عطيته". ورواه أبو داود (٢) وقال فيه -وذكر مجالد في حديثه-: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك" فهذه الألفاظ كلها مع قوله: "أشهد على هذا غيري" دليل واضح على جواز العطية. وأما رواية من روى عنه: "لا أشهد إلا على حق" فيحتمل أن لا يكون مخالفًا لما تقدم؛ لاحتماله أن يكون أراد الحق الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق وإن كان ما دونه حقًّا. انتهى. الوجه الأول: أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم، عن عباد بن العوام الواسطي، عن حُصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي، عن عامر الشعبي. وأخرجه مسلم (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة إلى آخره نحوه. والبخاري (٤): عن حامد بن عمر، عن أبي عوانة، عن حصين. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7319

الوجه الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن مرجي بن رجاء اليشكري، خال أبي عمر المذكور، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي. وهذا إسناد لا بأس به، فإن مرجي فيه خلاف، وثقه قوم وضعفه آخرون. وأخرجه مسلم (١): من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي نحوه. الوجه الثالث: أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيْح الكوفي العطار، عن النعمان بن بشير. وأخرجه النسائي (٢): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر، قال: حدثني مسلم بن صبيح، قال: سمعت النعمان. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن فطر. . . . إلى آخره. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵄ في قصة النعمان هذا خلاف كل ما روينا عن النعمان: حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: "قالت امرأة بشير لبشير: انحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله ﵇، قال: فأتى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: وأشهد رسول الله ﵇، فقال: ألَهُ إخوة؟ قال: نعم، قال: أفكلهم أعطيت؟ قال: لا، قال: فإن هذا لا يصلح، وإني لا أشهد إلا على حق".

стр. 7320

ففي هذا الحديث أن النبي ﵇ إنما كان أمره لبشير بالرد قبل إنفاذ بشير الصدقة، فأشار النبي ﵇ بما ذكرنا، وهذا خلاف جميع ما روي عن النعمان؛ لأن في تلك الأحاديث أنه نحلة قبل أن يجيء يسأل النبي ﵇، وأنه قال للنبي ﵇: إني نحلت ابني هذا كذا وكذا، فأخبر أنه قد كان فعل، وفي حديث جابر هذا إخباره للنبي ﵇ بسؤال امرأته إياه، فكان كلام النبي ﵇ إياه بما كلمه به على طريق المشورة، وعلى ما ينبغي أن يُفْعَل عليه الشيء إن آثر أن يفعله. ش: مخالفة حديث جابر لحديث النعمان من كل الوجوه المذكورة ظاهرة، وقد بَيَّنَهَا بقوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث جابر. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمَّد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (١): عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير. . . . إلى آخره. قوله: "قالت امرأة بشير" هي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. وَبشِير -بفتح الباء الموحدة- هو والد النعمان. قوله: "انحل" أمر من نحل ينحل إذا أعطى ابتداء من غير تعويض. قوله: "وأَشْهِدْ لي" بفتح الهمزة، من الإشهاد، و"رسولَ الله" بنصب اللام على أنه مفعول "أَشْهِدْ". قوله: "ألَهُ إخوة" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "وإني لا أشهد إلا على حق" استدلت به الظاهرية وبقوله: "فإن هذا لا يصلح" على أن أحدًا لا يجوز له أن ينحل بعض بنيه دون بعض، فإن فعل ذلك
следующие страницы →