← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

هو أكد كلامه بما أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، عن المغيرة ابن مقسم الضبي، عن عامر الشعبي، عن النعمان ﵁. وأخرجه الطبراني في "معجمه" بأتم منه: ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني (ح). وحدثنا الحسن بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال: "سمعت النعمان بن بشير على منبرنا هذا يقول: طلبت عمرة بنت رواحة إلى بشير بن سعد أن ينحلني نُحلًا من ماله فأبى عليها، ثم بدا له بعد حول أو حولين أن ينحلنيه، فقال لها: إن الذي سألت لابني كنت منعته وقد بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي ﵇ فتشهده، فأخذ بيدي فانطلق بي إلى النبي ﵇ فقال: يا نبي الله، إن عمرة بنت رواحة طلبت إليَّ أن أنحل ابني هذا نحلًا، وإني كنت أبيت عليها، ثم بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي ﵇ فتشهده، فقال: هل لك معه ولد غيره؟ قال: نعم، قال: فهل آتيت كل واحد منهم ما آتيت هذا؟ قال: لا، قال: فإني لا أشهد على هذا؛ هذا جور، أشهد على هذا غيري، اعدلوا بين أولادكم في النُّحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف". قوله: "فكان المقصود إليه" أي الذي قصد إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم -أي بين الأولاد- في العطية ليستووا جميعًا في البر والإحسان وليس فيه شيء يدل على فساد العقد المذكور الذي عُقِدَ على التفضيل أي تفضيل بعضهم على بعض. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حصين، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد

стр. 7317

رسول الله ﵇، فأتى رسول الله ﵇ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، وإني أشهدك، قال: كل ولدك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فليس في هذا الحديث أن النبي ﵇ أمره برد شيء، وإنما فيه الأمر بالتسوية بينهم. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجَّي -أظنه- عن داود، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: "انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا، فقال له رسول الله ﵇: أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، قال: أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا". فقد اختلف لفظ داود هذا فيما روى عنه مرجَّي هاهنا وفيما روى عنه وهيب فيما تقدم من هذا الباب، وهكذا رواه الشعبي عن النعمان، وقد رواه أبو الضحى، عن النعمان أيضًا: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن فطر (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر، قال: ثنا أبو الضحي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "ذهب بي أبي إلى رسول الله ﵇ ليشهده على شيء قد أعطانيه، فقال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، فقال بيده: ألا سويت بينهم". فلم يخبر في هذا الحديث أنه أمره برده، وإنما قال: "ألا سويت بينهم" على طريق المشورة وأن ذلك لو فعله كان أفضل. ش: هذه ثلاث وجوه أخرى في حديث النعمان، وقد سبق ذكر الوجهين فالجملة خمسة أوجه، فدل على اضطراب شديد متنًا، فالعمل بحديث جابر الذي يأتى إن شاء الله تعالى أولى، لأن جابرًا أحفظ له وأضبط، لأن النعمان كان صغيرًا على ما أشار إليه الطحاوي ﵀.

стр. 7318

وقال أبو عمر: وأما قصة النعمان بن بشير هذه فقد روي في حديثه ألفاظ مختلفة تدل على أن ذلك على الندب لا على الإيجاب. منها: ما رواه داود بن أبي هند، عن الشعبي، عنه. ورواية حصين عن الشعبي، نحو ذلك. رواه البخاري (١)، وفيه قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع فرد عطيته" فلم يذكر فيه أن رسول الله ﵇ أمره أن يرجع في صدقته، وإنما فيه: "فرجع فرد عليه عطيته". ورواه أبو داود (٢) وقال فيه -وذكر مجالد في حديثه-: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك" فهذه الألفاظ كلها مع قوله: "أشهد على هذا غيري" دليل واضح على جواز العطية. وأما رواية من روى عنه: "لا أشهد إلا على حق" فيحتمل أن لا يكون مخالفًا لما تقدم؛ لاحتماله أن يكون أراد الحق الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق وإن كان ما دونه حقًّا. انتهى. الوجه الأول: أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم، عن عباد بن العوام الواسطي، عن حُصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي، عن عامر الشعبي. وأخرجه مسلم (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة إلى آخره نحوه. والبخاري (٤): عن حامد بن عمر، عن أبي عوانة، عن حصين. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7319

الوجه الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن مرجي بن رجاء اليشكري، خال أبي عمر المذكور، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي. وهذا إسناد لا بأس به، فإن مرجي فيه خلاف، وثقه قوم وضعفه آخرون. وأخرجه مسلم (١): من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي نحوه. الوجه الثالث: أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيْح الكوفي العطار، عن النعمان بن بشير. وأخرجه النسائي (٢): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر، قال: حدثني مسلم بن صبيح، قال: سمعت النعمان. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن فطر. . . . إلى آخره. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵄ في قصة النعمان هذا خلاف كل ما روينا عن النعمان: حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: "قالت امرأة بشير لبشير: انحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله ﵇، قال: فأتى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: وأشهد رسول الله ﵇، فقال: ألَهُ إخوة؟ قال: نعم، قال: أفكلهم أعطيت؟ قال: لا، قال: فإن هذا لا يصلح، وإني لا أشهد إلا على حق".

стр. 7320

ففي هذا الحديث أن النبي ﵇ إنما كان أمره لبشير بالرد قبل إنفاذ بشير الصدقة، فأشار النبي ﵇ بما ذكرنا، وهذا خلاف جميع ما روي عن النعمان؛ لأن في تلك الأحاديث أنه نحلة قبل أن يجيء يسأل النبي ﵇، وأنه قال للنبي ﵇: إني نحلت ابني هذا كذا وكذا، فأخبر أنه قد كان فعل، وفي حديث جابر هذا إخباره للنبي ﵇ بسؤال امرأته إياه، فكان كلام النبي ﵇ إياه بما كلمه به على طريق المشورة، وعلى ما ينبغي أن يُفْعَل عليه الشيء إن آثر أن يفعله. ش: مخالفة حديث جابر لحديث النعمان من كل الوجوه المذكورة ظاهرة، وقد بَيَّنَهَا بقوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث جابر. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمَّد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (١): عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير. . . . إلى آخره. قوله: "قالت امرأة بشير" هي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. وَبشِير -بفتح الباء الموحدة- هو والد النعمان. قوله: "انحل" أمر من نحل ينحل إذا أعطى ابتداء من غير تعويض. قوله: "وأَشْهِدْ لي" بفتح الهمزة، من الإشهاد، و"رسولَ الله" بنصب اللام على أنه مفعول "أَشْهِدْ". قوله: "ألَهُ إخوة" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "وإني لا أشهد إلا على حق" استدلت به الظاهرية وبقوله: "فإن هذا لا يصلح" على أن أحدًا لا يجوز له أن ينحل بعض بنيه دون بعض، فإن فعل ذلك

стр. 7321

فهو مردود؛ لأنه ﵇ منع هذا بقوله: "لا يصلح" وأخبر أن هذا ليس بحق، فإذا لم يكن حقًّا يكون باطلًا. قلنا: قد ذكرنا أن معنى قوله: "لا أشهد إلا على حق" أي الحق الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق، وإن كان ما دونه حقًّا. قوله: "إن آثر" أي إن اختار أن يفعله. ص: وقد روى شعيب ابن أبي حمزة هذا الحديث عن الزهري، موافقًا لهذا المعنى. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: "نحلني أبي غلامًا، ثم مشى بي حتى إذا أدخلني على رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني غلامًا، فإن أذنت أن أجيزه له أجزت. . . ." ثم ذكر الحديث. فدل ما ذكرنا على أنه لم تكن النحلى كملت فيه من حين نحله إياه إلى أن أمره النبي ﵇ برده. ش: أراد بـ"هذا الحديث" حديث النعمان بن بشير، وأراد بـ"هذا المعنى" المعنى المذكور في حديث جابر. وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير، كلاهما عن النعمان. . . . إلى آخره. وقد روى هذا الحديث أيضًا سفيان، عن الزهري، عن حميد، ومحمد عن النعمان، على خلاف هذا، وقد تقدم في أول الباب. قوله: "لم تكن النُّحْلَى" بضم النون على وزن فعلى، بمعنى النحلة وهي العطية.

стр. 7322

ص: وقد كان رسول الله ﵇ إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا، فأعطى المملوك منهم كما يعطى الحر. حدثنا بذلك يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن القاسم ابن عباس، عن عبد الله بن دينار، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "أتي رسول الله ﵇ بظَبيَة خرز، فقسمها بين الحرة والأمة، قالت عائشة: وكذلك كان أبي يقسم للحر والعبد". فكان هذا مما كان النبي ﵇ يعم بعطاياه جميع أهله حرهم وعبدهم ليس على أن ذلك واجب، ولكنه أحسن من غيره، فكذلك كانت مشورته في الولدان أن يسوى بينهم في العطية ليس على أنه واجب ولا على أن غيره إن فُعِلَ لم يثبت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ذكر هذا شاهدًا لما قاله من أن التسوية بين الأولاد في العطية غير واجبة وإنما هي أفضل من غيرها تطيبًا لقلوبهم، كما كان النبي ﵇ إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم، حتى كان يعطي المملوك منهم مثل ما كان يعطي للحر، وهذا لم يكن لأجل كون التسوية واجبة، وإنما كان ذلك منه مراعاة لخواطرهم، وتطيبًا لأنفسهم؛ وإشارة أيضًا إلى أن الأمر المذكور بالتسوية المذكور في الأحاديث السابقة إنما هو للندب لا للوجوب. ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵄ بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس بن مغيث الهاشمي المدني، عن عبد الله بن نِيَار -بكسر النون وتخفيف الياء آخر الحروف وفي آخره راء- ابن مكرم الأسلمي المدني، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (١): عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن ابن نيار، عن عروة، عن عائشة، نحوه.

стр. 7323

قوله: "بظَبْيَة فيها خرز" "الظبية" -بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء-: جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شبه الخريطة والكيس. و"الخرز" بفتح الخاء المعجمة والراء، وفي آخره زاي معجمة: الذي ينظم، واحده خرزة، قاله الجوهري. ص: وقد فَضَّلَ بعض أصحاب رسول الله ﵇ بعض أولادهم على بعض في العطايا. فحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق ﵁ نحلها جادَّ عشرين وَسْقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من أحد من الناس أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وَسْقًا، فلو كنت جددته وأحرزته كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك واختاك، فاقتسموه على كتاب الله تعالى، فقالت عائشة: والله يا أبه لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية". حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن شقيق، قال: ثنا مسروق قال: "كان أبو بكر الصديق ﵁ قد أعطى عائشة نحلًا، فلما مرض قال لها: اجعليه في الميراث، وذكر القبض في الهبة والصدقة". حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان عن عمرو، أخبره صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده". فهذا أبو بكر ﵁ قد أعطى عائشة دون سائر ولده، ورأى ذلك جائزًا، ورأته هي كذلك، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﵇.

стр. 7324

وهذا عبد الرحمن بن عوف قد فضل أيضًا بعض ولده فيما أعطاهم على بعض، ولم ينكر ذلك عليه منكر، فكيف يجوز لأحد أن يحمل فعل هؤلاء على خلاف قول النبي ﵇، ولكن قول النبي ﵇ عندنا فيما ذكرنا من ذلك إنما كان على الاستحباب كاستحبابه التسوية بين أهله في العطية وترك التفضيل لحرِّهِم على مملوكهم، ليس على أن ذلك مما لا يجوز غيره، ولكن على استحبابه لذلك، وغيره في الحكم جائز كجوازه. ش: ذكر هذين الأثرين عن أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف ﵄ شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن ما كان من قول النبي ﵇ في حديث النعمان بن بشير إنما كان على الاستحباب لا الوجوب، كما كان ﵇ استحب التسوية بين أهله في إعطائه العطايا إياهم وترك التفضيل لحرهم على عبدهم، ولم يكن ذلك على أن غيره لا يجوز فعله، ولكن إنما كان على استحبابه لذلك تطييبًا لقلوبهم ومراعاة لهم في رضاهم، والدليل على ذلك: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قد أعطى عائشة ما أعطى دون سائر ولده، ورأى ذلك جائزًا، وكذلك عائشة رأته جائزًا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فدل ذلك على الجواز، ولو كان الأمر كما قاله أهل المقالة الأولى، لكان يلزم خلاف أبي بكر لما قال ﵇، وحاشاه من ذلك، وكذلك عبد الرحمن بن عوف قد فَضَّل بعض ولده فيما أعطاهم على بعض، وكان ذلك أيضًا بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهم أحد منهم، فدل ذلك أيضًا على الجواز. ثم إنه أخرج أثر أبي بكر الصديق ﵁ من طريقين صحيحين: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير. . . . إلى آخره.

стр. 7325

وأخرجه مالك في "موطإه" (١). وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: "كان أبو بكر ﵁ نحلني جداد عشرين وسقًا من ماله، فلما حضرته الوفاة جلس ناحيتي، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد: أي بنية إن أحب الناس إلى غنى بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وَسْقًا من مالي، فوددت والله لو أنك كنت جَرَنْتِهِ وجددته، ولكن إنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك، فقلت: يا أبتاه هذه أسماء فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة خارجة -أراه جارية- فقلت: لو أعطيتني ما هو كذا إلى كذا لرددته إليك". قال الشافعي ﵁: وفضل عمر ﵁ عاصمًا بشيء، وفضل ابن عوف ولد أم كلثوم. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع. . . . إلى آخره. وأخرجه الشافعي في "مسنده". وأخرج أثر عبد الرحمن بن عوف عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عبد الرحمن. . . . إلى آخره" وهذا منقطع؛ لأن صالح بن إبراهيم لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف. وأخرج عبد الله بن وهب في "مسنده" وقال: بلغني عن عمرو بن دينار: "أن عبد الرحمن بن عوف نحل ابنته من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أربعة آلاف درهم، وله ولد من غيرها".

стр. 7326

قلت: وهذا أيضًا منقطع. قوله: "نحلها" أي أعطاها. قوله: "جَادَّ عشرين وَسْقًا" الجاد بالجيم وتشديد الدال بمعنى المجدودة، والمعنى: أعطاها نحلًا تجدُّ منها ما يبلغ عشرين وَسْقًا، أي: تقطع. "والوَسْق" بفتح الواو: ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد. قوله: "بالغابة" أي في الغابة وهو موضع قريب من المدينة من عواليها، وبها أموال لأهلها. "والغابة": الأجمة ذات الشجر المتكاثف؛ لأنها تغيب ما فيها، وتجمع على غابات. قوله: "فلو كنت جددته" أي قطعته، وفي رواية البيهقي: "أنك كنت جرنته" أي ضميته في الجرن وهو بيدر التمر، ومادته: جيم وراء ونون. وقوله: "وإنما هما" الضمير يرجع إلى الوارث، ولكنه إنما ثَنَّاهُ بالنظر إلى قوله: "أخواك". قوله: "يا أبه" الهاء فيه للوقف والسكت. قوله: "ذو بطن" بالباء الموحدة والطاء المهملة وبالنون (١). ص: وقد اختلف أصحابنا في عطية الولد التي يُتَّبع فيها أمر النبي ﵇ لبشير كيف هي؟

стр. 7327

فقال أبو يوسف: يسوى فيها بين الذكر والأنثى. وقال محمَّد بن الحسن: بل يجعلها بينهم على قدر الوارث للذكر مثل حظ الأنثيين. قال أبو جعفر ﵀: وفي قول النبي ﵇: "سَوُّوا بينهم في العطية كما تحبون أن يسووا لكم في البر" دليل على أنه أراد التسوية بين الإناث والذكور؛ لأنه لا يراد من البنت شيء من البر إلا والذي يراد من الابن مثله. فلما كان النبي ﵇ أراد من الأب لولده ما يريد من ولده له، وكان ما يريد من الأنثى من البر مثل ما يريد من الذكر، كان ما أراد منه لهم في العطية للأنثى مثل ما أراد للذكر، وفي حديث أبي الضحى: "فقال النبي ﵇: ألك ولد غيره؟ فقال: نعم، فقال: ألا سويت بينهم" ولم يقل: ألك ولد غيره ذكرًا أو أنثى؛ فذلك لا يكون إلا وحكم الأنثى فيه كحكم الذكر، ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم ذكور كلهم، فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم في ذلك عنده، فهذا أحسن عندنا مما قال محمَّد ﵀. ش: أراد بقوله: "أصحابنا أصحاب أبي حنيفة، ونبه أيضًا على أنه اختار قول أبي يوسف في عطية الرجل أولاده، وهو أن يسوي بينهم ولا يخص الذكر بشيء على أنثى، وهو مذهب الثوري وعبد الله بن المبارك أيضًا، وأشار إلى الحجة في ذلك بقوله ومن "قول النبي ﵇" وهو ظاهر. ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك أيضًا: حدثنا أحمد بن أبي داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الله ابن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: "كان مع رسول الله ﵇ رجل، فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت ابنة له فأجلسها إلى جنبه، فقال: فهلا عدلت بينهما". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضًا، والله أعلم. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ ما يدل على ما ذكرنا من ثبوت استواء الحكم في العطية للأولاد، وقد ذكر هذا تأييدًا لما قاله أبو يوسف، وذهب إليه.

стр. 7328

أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن عبد الله بن معاذ بن نشيط وثقه ابن معين، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن مسلم الزهري. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا بعض أصحابنا، عن عبد الله بن موسى، عن معمر، عن الزهري، عن أنس: "أن رجلًا كان عند رسول الله ﵇ فجاء ابن له فقبله وأقعده على فخذه، وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله ﵇: ألا سويت بينهما؟! ". وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن معمر إلا عبد الله بن موسى، وكان صنعانيًّا تحول إلى مكة. والله أعلم.

стр. 7329

ص: باب: العمرى ش: أي هذا باب في بيان أحكام العُمْرى، وهو على وزن فُعلى بضم الفاء، وهو اسم من أعمرته الدار عمري أي جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلى، وكذا كانوا يفعلون في الجاهلية. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "المسلمون عند شروطهم". ش: إبراهيم بن حمزة بن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري المدني، شيخ البخاري وأبي داود. وعبد العزيز بن [أبي حازم سلمة] (١) بن دينار، روى له الجماعة، وكثير بن زيد الأسلمي المدني، فيه مقال، فقال النسائي: ضعيف. وعن يحيى: ليس بذاك. وعنه: صالح. وعن ابن حبان: ثقة. والوليد بن رباح الدوسي المدني، وثقه ابن حبان، استشهد به البخاري. وأخرجه أبو داود (٢) بأتم منه: ثنا سليمان بن داود، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال (ح). وحدثنا أحمد عبد [الواحد] (٣) الدمشقي، قال: ثنا مروان -يعني ابن محمَّد- قال: ثنا سليمان بن بلال -أو عبد العزيز الشك من أبي داود- قال: نا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" زاد أحمد: "إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا"، وزاد سليمان: قال رسول الله ﵇: "المسلمون على شروطهم".

стр. 7330

وقال ابن حزم: هذا خبر فاسد، لأنه إما عن كثير بن زيد وهو هالك، وإما مرسل. قلت: لما أخرجه أبو داود سكت عنه، وذا دليل رضاه به، وكثير بن زيد قد وثقه ابن حبان كما ذكرنا، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي، يكتب حديثه. وقال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال يعقوب بن شيبة ليس بذاك الساقط وإلى الضعف ما هو. قوله: "المسلمون عند شروطهم" يعني المسلمون هم الذين يَثْبتُون عند شروطهم، وأراد بالشروط: الشروط الجائزة في الدين لا الشروط الفاسدة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى إجازة العمري، وجعلوها راجعة إلى المُعْمِر بعد موت المُعْمَر، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: القاسم بن محمَّد ويزيد بن قسيط ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعد ومالكًا؛ فإنهم قالوا: العمرى جائزة، ولكنها ترجع إلى الذي أعمرها. قال أبو عمر: قال مالك: الأمر عندنا أن العمري ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل: لك ولعقبك إذا مات المُعْمَر، وكذلك لو قال: هي لك ولعقبك ترجع إلى صاحبها أيضًا بعد انقراض عقيب المعمَر. وقال ابن حزم: قالت طائفة: العمرى راجعة إلى المعمِر أو إلى ورثته على كل حال، فإن قال: أعمرتك هذا الشيء لك ولعقبك كانت كذلك، فإذا انقرض المعمَر وعَقِبَه؛ رجعت إلى المعمِر أو إلى ورثته، وهو قولٌ روي عن القاسم بن محمَّد ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو قول مالك والليث. قوله: "راجعة إلى المعمِر" بكسر الميم الثانية على صيغة الفاعل. وقوله: "بعد موت المعمَر" بفتح الميم الثانية على صيغة المفعول.

стр. 7331

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إنما وقع قول رسول الله ﵇ هذا على الشروط التي قد أباح الكتاب اشتراطها وجاءت بها السنة وأجمع عليها المسلمون، وما نهى عنه الكتاب ونهت عنه السنة فهو غير داخل في ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: طاوسًا ومجاهدًا والنخعي والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والزهري في رواية وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وبعض الظاهرية وعبد الله بن شبرمة وأبا عبيد؛ فإنهم قالوا: العمرى هبة مقبولة يملكها المعمَر ملكًا تامًّا، رقبتها ومنافعها، واشترطوا فيها القبض على أصولهم في الهبات. وقال ابن حزم في "المحلي": العمرى والرقبى هبة صحيحة ثابتة يملكها المعمَر والمرقَب كسائر ماله يبيعها إن شاء وتورث عنه، ولا يرجع إلى المعمِر ولا إلى ورثته شَرَطَ أن ترجع إليه أو لم يشترط، وشرطُه لذلك ليس بشيء، والعمرى هي أن يقول: هذه الدار [طمس بالأصل مقدار لوحة]. والطحاوي أيضًا في باب: البيع يشترط فيه شرط بوجوه كثيرة وطرق متعددة. قوله: "ولكان هذا الحديث معارضا لذلك" أراد بهذا الحديث حديث النهي عن الشرطين في البيع، وأشار بقوله: "لذلك"، إلى حديث أبي هريرة: "المسلمون عند شروطهم" وجه المعارضة بينهما ظاهر، ودفعها بما ذكره آنفًا. قوله: "ولقوله: كل شرط" أي: ولكان هذا الحديث أيضًا معارضًا لقوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" ووجه المعارضة بينهما أيضًا ظاهر على تقدير عموم قوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم" فإذا جعل معناه: الشروط التي أباحها الكتاب والسنة أو إجماع الأمة تندفع تلك المعارضة. قوله: "لمن هي لهم عليه نقضها" الضمير في "هي" و"نقضها" للشروط، وفي "لهم" للأصحاب الشروط، وفي "عليه" يرجع إلى مَنْ، فافهم.

стр. 7332

ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما قد دل على ذلك أيضًا: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي، قال: ثنا عبد الله بن نافع الصائع، قال: ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون عند شروطهم إلا (شرط) (١) أحل حرامًا أو حرم حلالًا". فدل هذا أن الشروط التي المسلمون عندها هي بخلاف هذه الشروط المستثناة. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ ما قد دل على أن المراد [من] (٢) الشروط هي الشروط التي تكون في كتاب أو سنة أو من أمر مجمع عليه. وقوله: "حدثنا. . . ." إلى آخره: بيان لذلك. وأحمد بن داود المكي شيخ الطبراني. وإبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن مغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الأسدي الحزامي بالزاي المعجمة -المدني، شيخ البخاري في غير الصحيح، وثقه يحيى والنسائي. وعبد الله بن نافع الصائغ المدني، روي له الجماعة، البخاري في غير الصحيح. وكثير بن عبد الله المزني البصري، فيه مقال كثير، فعن أحمد: منكر الحديث ليس بشيء. وعن يحيى: ليس بشيء. وعن أبي داود: كان أحد الكذابين. وعن أبي زرعة: واهي الحديث ليس بقوي. وعن النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأبوه: عبد الله بن عمرو المزني المدني، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.

стр. 7333

وجده: عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني الصحابي. والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الصلح جائز بين المسلمين إلا (صلح) (٢) حرم حلالًا أو أحل حرامًا". وأخرجه البيهقي (٣): من حديث أبي يحيى بن أبي ميسرة، ثنا ابن زبالة، نا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده. . . . إلى آخره نحوه. ثم قال: وكذا رواه العقدي عن كثير بن عبد الله وعليه الاعتماد؛ لأن محمَّد بن الحسن بن زبالة واهٍ، ورواية كثير بن عبد الله إذا انضمت إلى ما قبلها قويت. قلت: رواه الترمذي (٤) عن الحسن بن علي الخلال، عن أبي عامر العقدي، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا (صلح) (٥) حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا أخرجه الطبراني (٦): عن محمَّد بن إسحاق بن راهويه، عن أبيه، عن أبي عامر العقدي. . . . إلى آخره نحوه. ص: وكانت الشروط في العمرى قد وَقَفَنَا رسول الله ﵇ على بطلانها في آثار قد

стр. 7334

جاءت عنه مجيئًا متواترًا، فمنها: ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو عن سليمان بن يسار: "أن أميرًا كان على المدينة يقال له: طارق قضى بالعمرى للوارث عن قول جابر ﵁ عن النبي ﵇. حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن حجر، عن زيد ابن ثابت: "أن النبي ﵇ قضى بالعمرى للوارث" فجعل رسول الله ﵇ العمري للوارث فقطع بذلك شرط المُعْمِر. ش: "وَقَفَنَا" بفتح الفاء فعل ومفعول. وقوله: "رسول الله" فاعله، وأراد بالمتواتر: المتكاثر المتظاهر الصحيح، ولم يرد به المتواتر المصطلح عليه. وأشار بهذا الكلام إلى أن الشروط في العمرى باطلة وليست بداخله. تحت قوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم" الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وذلك لما ذكرنا أن المراد منه هي الشروط الجائزة في الدين، وشروط العمرى شروط باطلة؛ لأحاديث وردت ببيان بطلانها، منها: ما أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني: "أن أميرًا كان على المدينة يقال له طارق -وهو طارق المكي، قاضي مكة- قضى بالعمرى للوارث عن قول جابر بن عبد الله عن النبي ﵇". وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لأبي بكر، قال إسحاق: أنا، وقال أبو بكر-: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن سليمان بن يسار: "أن طارقًا قضى بالعمرى للوارث بقول جابر عن رسول الله ﵇".

стр. 7335

ومنها ما أخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بن كيسان، عن حجر بن قيس الهمداني المدري، عن زيد بن ثابت ﵁. وأخرجه أبو داود (١) بأتم منه: ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، قال: قرأت على مَعقل، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حجر، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعمر شيئًا فهو لمعمَرِهِ محياه ومماته، ولا ترقبوا، ومن أرقب شيئًا فهو سبيله". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حجر المدري، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﵇ جعل العمري للوارث". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: ص: فقال الأولون: فلم يبين رسول الله ﵇ في هذا الحديث ذلك الوارث وارث من هو؟ فقد يجوز أن يكون أراد وارث المُعْمِر. قيل له: هذا عندنا محال؛ لأنه إنما كان الذكر على شيء، قد جعل للمُعْمَر حياته على أن يعود بعد موته إلى المُعْمِر، فجعل رسول الله ﵇ ذلك للوارث أي جعله لوارث المعمَر ما كان ليشترط فيه المعمر إلا أن يكون ميراثًا. ش: أي قال القوم الأولون وهم أهل المقالة الأولى الذين قالوا: إن العمرى راجعة إلى المعمِر -بكسر الميم الثانية- بعد موت المعمَر -بفتح الميم الثانية- وهذا اعتراض من جهتهم على ما قاله أهل المقالة الثانية، بيانه أن يقال: إن قوله: "قضى

стр. 7336

بالعمرى للوارث" لا يدل على مدعاكم، لأنه ﵇ لم يبين لنا ذلك للوارث من هو، فهل هو وارث المعمَر أو وارث المعمِر؟ فقد يجوز أن يكون أراد وارث المعمِر -بكسر الميم الثانية. قوله: "قيل لهم. . . ." إلى آخره: جواب عن هذا الاعتراض، وهو ظاهر. قوله: "قد جعل المعمَر" بفتح الميم الثانية. قوله: "بعد موته إلى المعمِر" بكسر الميم الثانية. وقوله: "لوارث المعمَر" بفتح الميم الثانية. وقوله: "اشترط فيه المعمِر" بكسر الميم الثانية. ص: والدليل على ذلك أن محمَّد بن بحر بن مطر حدثنا، قال: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: ثنا محمَّد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله ﵇ قال: "من أعمر شيئًا حياته فهو له ولوارثه". فدل قول رسول الله ﵇ هذا على الوارث المحكوم بها له في هذا الحديث الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا أنه وارث المعمَر. ش: أي الدليل على ما ذكرنا أن المراد من الوارث هو وارث المعمَر -بفتح الميم الثانية- أن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي حدثنا، قال: ثنا أبو النضر -بالنون والضاد المعجمة-. وهذا إسناد صحيح وأخرجه النسائي نحوه بإسناده، عن طاوس، عن زيد بن ثابت. قوله: "فدل قول رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره: أراد أن هذا الحديث قد فسر قوله: "للوارث" في الحديث الأول أن المراد منه هو وارث المعمَر -بفتح الميم الثانية- والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.

стр. 7337

ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن طاوس، أن حجر بن قيس أخبره، أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﵇: "العمرى ميراث". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حجر المدري، عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﵇ قال: "سبيل العمرى سبيل الميراث". فهذا أيضًا معناه مثل معنى ما قبله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، شيخ البخاري -عن عبد الملك بن جريج المكي. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق وأبي بكر، قالا: ثنا ابن جريج (ح). وثنا روح قال: ثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن طاوسًا أخبره، أن حجرًا المدري أخبره، أنه سمع زيد بن ثابت ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "العمرى في الميراث". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري البصري. . . . إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٢): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمَّد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حجر المدري، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﵇ قال: "العمري سبيلها سبيل الميراث".

стр. 7338

قوله: "المَدَرِّي" بفتح الميم والدال المهملة وتشديد الراء، نسبة إلى مدر موضع بقصور اليمن، ذكرها الرشاطي في "الأنساب" وقال: ينسب إليها من الرواة حجر المَدَرِّي الهمداني روى عن: زيد بن ثابت، روى عنه: طاوس. قوله: "فهذا أيضًا معناه مثل معنى ما قبله" أراد أن قوله ﵇: "العمرى ميراث" وقوله: "سبيل العمرى سبيل الميراث" مثل الحديث الذي رواه طارق عن جابر، وحجر عن زيد بن ثابت في أنه مجمل يتناول وارث المعمر والمعمر، وأنه مفسر بالحديث الذي رواه طاوس عن زيد، وقد مَرَّ تحقيقه. ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن معاوية، عن النبي ﵇ قال: "العمرى جائزة لأهلها". فقال أهل المقالة الأولى: أهلها هم الذي أعمروها. ش: هذا من الأحاديث الدالة على صحة العمرى، واحتج به أهل المقالة الأولى أن أهلها هم الذين أعمروها، فإذا كان كذلك تعود العمرى بعد موت المعمَر -بفتح الميم الثانية- إلى المعمِر -بكسر الميم الثانية- أو إلى ورثته. وأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب، فيه مقال، فعن البخاري: مقارب الحديث. وعن النسائي: ضعيف. عن محمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو خليفة الفضل بن حباب، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7339

ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك: أن فهدًا قد حدثنا، قال: ثنا عبيد بن يعيش، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمَّد ابن عقيل، عن محمَّد بن الحنفية، قال: قال معاوية: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من أعمر عمرى فهي له، يرثها من عقبه من ورثه". فدل هذا الحديث على أن أهلها الذين جازت لهم هم المعُمَرون لا المُعْمِرون. ش: أي فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وأراد بهذا منع ما قالوا من قولهم: "أهلها هم الذين أعمروها" بيان ذلك أن حديث معاوية الآخر يدل صريحًا على أن المراد من قوله ﵇: "لأهلها" هم المعمَرون -بفتح الميم الثانية- لا المعمِرون -بكسر الميم الثانية- بأنه صرح فيه بقوله: فهي له يرثها من عقبة من ورثه". أخرجه عن فهد بن سليمان، عن عبيد بن يعيش المحاملي العطار شيخ مسلم، والبخاري في غير الصحيح، عن يونس بن بكير الشيباني، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يعلى، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "فهي له" أي: فالعمرى للمُعْمَر -بفتح الميم الثانية. قوله: "يرثها" أي العمرى، وهي جملة من الفعل والمفعول. وقوله: "من ورثه" فاعلها، والضمير المنصوب في "ورثه" يرجع إلى "مَنْ" في قوله: "من أعمَر". قوله: "من عقبه" أي من بعده، أي من بعد موته. ص: وقد حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﵇ قال: "العمرى لمن وُهِبَتْ له".

стр. 7340

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام بن عبد الله، عن يحيى. . . . فذكر مثله بإسناده. حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها، فمن أُعْمِر شيئًا فهو له". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا عمرى، فمن أُعْمِر شيئًا فهو له". ش: من الأحاديث الدالة على صحة العمرى: ما روي عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃. أما حديث جابر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر. وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن أبي الحواري، عن الوليد، عن الأوزاعي .. إلى آخره نحوه. والنسائي (٢): عن عيسى بن مساور، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة. . . . إلى آخره.

стр. 7341

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﵇: "العمرى لمن وهبت له". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه. وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد [الحميد] (٣) الحماني، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف. ثقة، روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "العمرى جائزة لمن أعمرها". وأخرجه النسائي (٥): عن أحمد بن حرب، عن أبي معاوية، عن حجاج. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7342

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن إسماعيل بن أبي كثير المدني قارئ أهل المدينة، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ابن عوف المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (١): أنا علي بن حجر أنا إسماعيل، عن محمَّد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا عمرى، فمن أُعْمِر شيئًا فهو له". وأخرجه ابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، به. وقال ابن عساكر في "الأطراف": المحفوظ رواية أبي سلمة عن جابر، كذلك رواه الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. واعلم أن الطحاوي قد أخرج أحاديث هذا الباب عن زيد بن ثابت ومعاوية وجابر وابن عباس وأبي هريرة وسمرة بن جندب على ما يأتي. ولما أخرج الترمذي حديث سمرة قال: وفي الباب عن زيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وعائشة وابن الزبير ومعاوية. قلت: وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄. أما حديث عائشة فأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا محمَّد بن يزيد بن سنان، عن يزيد بن سنان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "لا تُعمروا شيئًا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئًا فهو لمن أُعْمِرَه أو أُرْقِبَهُ".

стр. 7343

وقد رواه غيره، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال فيه: حفص بن ميسرة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي الزبير. وأما حديث عبد الله بن الزبير فالآن ذكرناه عن البزار. وأخرجه الطبراني أيضًا: ثنا عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم، نا عمرو ابن أبي سلمة التنيسي، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﵇: "العمرى جائزة لمن أُعْمِرَها والرقبي لمن أُرْقِبَهَا، سبيلها سبيل الميراث". وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه النسائي (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، عن عطاء، أنا حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "لا عمرى ولا رقبي، فمن أُعْمِرَ شيئًا أو أُرْقِبَهُ فهو له حياته ومماته". ص: فقال أهل المقالة الأولى: فنحن لا ننكر أن تكون العمرى لمن أُعمِرَها، وإنما قلنا: إنها ترجع إلى المُعْمِر بعد موت المُعْمَر، فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن رسول الله ﵇ نهى فيما ذكرنا من الآثار عن العمرى، فاستحال أن يكون ينهى عنها وهي تجري كما عُقدت؛ ولكنه نهى عنها لأنها تجرى على خلاف ذلك، ثم قال: "من أُعْمِرَ شيئًا فهو له" فأرسل ذلك ولم يقل: فهو له ما دام حيًّا، فدل ذلك على أنها له كسائر ماله في حياته وبعد موته، وهذا معنى ما روي عن رسول الله ﵇ أنه جعلها جائزة، أي جعلها جائزة للمُعْمَر، لا حق فيها للمُعْمِر بعد ذلك أبدًا. ش: حاصل هذا الكلام أن أهل المقالة الأولى قالوا لأهل المقالة الثانية: كل ما ذكرتم من الحجج لا تضرنا؛ لأنَّا لا ننكر أن تكون العمرى لمن أُعْمِرَهَا، فتكون العمرى لمن أُعْمِرها ولكنها ترجع إلى المُعْمِر -بكسر الميم الثانية- بعد موت المُعْمَر -بفتح الميم- فأجاب الطحاوي عن هذا بقوله: فكان من حجتنا عليهم في ذلك أي

стр. 7344

فيما قالوا: أن رسول الله ﵇ نهى في الأحاديث المذكورة عن العمرى، فمن المحال أن يكون النبي ﵇ ينهى عن العمرى والحال أنها تجري مثل ما عقدت، ولكنه إنما نهى عنها لأنها تجرى على خلاف ذلك، ثم قال: "من أُعْمِرَ شيئًا فهو له" فأرسل أي: أطلق، أراد أنه لم يقيده بحياته ولم يقل: ما دام حيًّا، فدل إطلاقه ذلك على أن العمرى له كسائر ماله في حياته وبعد موته، فإذا كان كذلك تكون من بعده لورثته، وهذا مستفاد من معنى قوله ﵇: "العمرى جائزة لأهلها" ومعنى جوازها لأهلها أن تكون للمُعْمَر -بفتح الميم الثانية- لا حق فيها للمُعْمِر -بكسر الميم الثانية- بعد ذلك أبدًا. ص: فمما روي عن رسول الله ﷺ أنه جعلها جائزة: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرى جائزة". ش: أي: فمن الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﵇ أنه ﵇ جعلها جائزة حديث سمرة بن جندب ﵁. أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى .. إلى آخره. وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﵇ قال: "العمرى جائزة لأهلها، أو ميراث لأهلها". وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): عن محمَّد بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة. . . . إلى آخره. فإن قيل: قد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا عمرى" كما مَرَّ

стр. 7345

ذكره يعارض هذا الحديث، وكذلك يعارض حديث أبي هريرة الآخر الذي رواه عنه بشير بن نهيك. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن معنى قوله: "لا عمرى" بالشروط الفاسدة نفي لا تجري العمرى كما هي عقدت كما أشار إليها الطحاوي فيما مضى، ومعنى قوله: "العمرى جائزة" يعني قد جازت على المُعْمِرَ، وجازت على المُعْمِر في حياته ولورثته بعد مماته كسائر أمواله. ص: والدليل على ذلك أيضًا: أن ابن أبي داود وأحمد بن داود قد حدثانا، قالا: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، قال: قال لي سليمان بن هشام: "ما تقول في العمرى؟ فقلت له: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "العمرى جائزة". قال الزهري: إنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه، فقال لعطاء بن أبي رباح: ما تقول؟ فقال: حدثني جابر، أن رسول الله ﵇ قال: "العمرى ميراث". فهذا عطاء وقتادة قد جعلاها جائزة للمُعْمَرِ موروثة عنه، ولم ينكر ذلك عليهما الزهري، وإنما قال: لا تكون عمرى فيكون هذا حكمها حتى تجعل للمُعْمَر ولعقبه، فتكون كماله، وتكون موروثة عنه كما يورث عنه سائر ماله، وإن كان من يرثها عنه فيهم خلاف عقبه على ما حدثه أبو سلمة، وسنذكر ذلك في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي: الدليل على ما ذكرنا من أن العمرى جائزة وأنها تكون للمُعْمَرِ في حياته وبعده لورثته: أن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وأحمد بن داود المكي، قالا: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود .. إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. وبشير -بفتح الباء- بن نهيك السدوسي روي له الجماعة، وسليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، كان أميرًا في عهد أبيه هشام.

стр. 7346

وأخرجه البيهقي مطولًا (١): من حديث الأصم: ثنا عباس الدوري، ثنا الحوضي، ثنا همام، ثنا قتادة قال: قال لي سليمان بن هشام: إن هذا لا يدعنا -يعني الزهري- نأكل شيئًا إلا أمرنا أن نتوضأ منه، قلت: سألت عنه سعيد بن المسيب فقال: إذا أكلت وهو طيب فليس عليك فيه وضوء، وإذا خرج فهو خبث عليك فيه الوضوء، فقال: ما أراكما إلا قد اختلفتما فهل في البلد أحد؟ قلت: نعم، أقدم رجل في جزيرة العرب، قال: من؟ قلت: عطاء، فأرسل إليه، فجيء به، فقال: إن هذين قد اختلفا عَلَيَّ، فما تقول؟ قال: حدثني جابر بن عبد الله أنهم أكلوا مع أبي بكر ﵁ خبزًا ولحمًا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ، فقال لي: ما تقول في العمرى؟ قلت: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: العمرى جائزة، قال: وقال الزهري: إنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه، قال: فقال لعطاء: ما تقول؟ قال: حدثني جابر، أن رسول الله ﵇ قال: العمرى جائزة. قال الزهري: إن الخلفاء لا يقضون بذلك، قال عطاء: بلى؛ قضى به عبد الملك بن مروان في كذا وكذا. ورواه البخاري (٢) دون القصة. ص: ومما يدل أيضًا على صحة ما ذكرنا: أن يونس حدثنا، قال: ثنا سفيان، [عن ابن جريج عن عطاء] (٣)، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أُعْمِر شيئًا أو أُرْقبَه فهو للوارث إذا مات". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها، فإنه من أُعْمِرَ فهي له حيًّا وميتًا ولعقبه".

стр. 7347

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا هشام، [عن أبي الزبير] (١) عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "من أُعْمِر عمرى حياته فهي له في حياته ولورثته بعد موته". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حميد، عن جابر قال: "نحل رجل منا أمه نحلى لها حياتها، فلما ماتت قال: أنا أحق بنحلي، فقضى النبي ﵇ أنها ميراث". قال ابن أبي شيبة: حميد هذا رجل من كندة. فقد كشفت لنا هذه الآثار مراد رسول الله ﵇ في الآثار التي قبلها، وأنها على ما وصفنا من التأويل الذي ذكرنا. ش: أي: ومن الذي يدل على صحة ما ذكرنا من أن العمرى جائزة، وأنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه؛ حديث جابر بن عبد الله ﵁. أخرجه من أربع طرق: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه النسائي (٢): عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن ابن جريج عن عطاء، عن جابر .. إلى آخره نحوه. قوله: "لا تعمروا" من الإعمار، "ولا ترقبوا" من الإرقاب، والاسم: الرقبي وهي فُعلى -بالضم- من المراقبة، وهي أن يقول الرجل لآخر: قد وهبت لك هذه الدار، فإن مُتَّ قبلي رجعت إلي، وإن مُتُّ قبلك فهي لك. وقد اختلف العلماء فيها، فأجازها أبو يوسف والشافعي وأحمد، وأبطلها القاضي شريح وأبو حنيفة ومحمد ﵏. الثاني: أيضًا إسناده صحيح.

стр. 7348

وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه. الثالث: أيضًا صحيح: وأخرجه النسائي (٢): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، ثنا خالد، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﵇ قال: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها، فمن أُعْمِر شيئًا حياته فهو له حياته وبعد موته". الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي زكرياء بن أبي زائدة، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حميد الكندي -وليس هو بحميد الطويل، ولم أر أحدًا تكلم فيه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣). قوله: "فقد كشفت لنا هذه الآثار" أي الأحاديث المروية فيما مضى. ص: وقد رويت في العمرى أيضًا آثار بغير هذا اللفظ، فمنها: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵇ قال: "أيما رجل أُعْمِر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لأنه أعطي عطاء وقعت فيه المواريث". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب (ح). وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا؟ ليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أُعْمِرَها ولعقبه".

стр. 7349

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: "قضى رسول الله ﵇ فَمَن أُعْمِرَ عمرى فهي له ولعقبه بتَّةٌ، لا يجوز للمعطِي فيها شرط ولا ثُنْيا". ففي هذه الآثار: من أُعْمرَ عمرى له ولعقبه، فهي للذي أُعْمِرَها لا ترجع إلى المعطي بشرط ولا ثنيا؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. ش: أي: قد رويت عن النبي ﵇ أيضًا أحاديث بغير لفظ الأحاديث المذكورة عن جابر وغيره فيما مضى. قوله: "فمنها" أي فمن هذه الآثار المروية: ما حدثنا يونس بن عبد الأعلى .. إلى آخره. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري -عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن جابر. وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن

стр. 7350

أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جبار، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من أعمر رجلًا. . . ." إلى آخره نحوه. الثالث: عن ربيع المؤذن -صاحب الشافعي- عن أسد بن موسى، عن ليث بن سعد. . . . إلى آخره. الرابع: عن ربيع أيضًا، عن أسد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن جابر. وأخرجه مسلم (١): نا محمَّد بن رافع، نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ قضى فيمن أُعْمِرَ عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه". قوله: "بتة" أي قاطعة من البت وهو القطع، وكذلك البتل، ومنه ما جاء في الحديث: "بتل رسول الله ﷺ العمرى". أي أوجبها وملكها ملكًا لا يتطرق إليه نقض، يقال: بتَلَه يَبْتِلُه بَتْلًا إذا قطعه، وانتصاب "بَتَّةً" على المصدرية. قوله: "ولا ثنيا" بضم الثاء المثلثة وسكون النون، وهو بمعنى الاستثناء. ص: فقال الذين أجازوا الشرط في العمرى: بهذا نقول، إذا وقعت فيه العمرى على هذا لم ترجع إلى المعطي أبدًا، وإذا لم يكن فيها ذكر العقب فهي راجعة إلى المعطي بعد زوال المُعْمَر. قالوا: وهذا أولى مما روى عطاء وأبو الزبير، عن جابر؛ لأن هذا قد زاد عليهما قوله: "ولعقبه" وليس هو بدونهما، فالزيادة أولى.

стр. 7351

ش: أي: فقال القوم الذين أجازوا الشرط في العمرى بقوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم" وهم أهل المقالة الأولى، ومنهم: مالك والليث بن سعد كما قد ذكرنا، والحاصل أنهم قالوا: نحن نقول مثلكم من كون العمرى للمُعْمَر ولعقبه بتة إذا وقعت معقبة على ما وصف في حديث أبي سلمة عن جابر، وأما إذا لم يكن فيها ذكر العقب فهي راجعة إلى المعطِي -بكسر الطاء بعد زوال المُعْمَر-بفتح الميم الثانية- قالوا: "وهذا أولى" أي الذي رواه أبو سلمة أولى مما رواه عطاء بن أبي رباح وأبو الزبير محمَّد بن مسلم عن جابر، وهو الذي ذكر فيما قبل هذا؛ "لأن هذا" أي أبا سلمة "قد زاد عليهما" أي على عطاء وأبي الزبير. قوله: "لعقبه" حيث قال في روايته: "أيما رجل أُعْمِرَ عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها. . . ." الحديث. "وليس هو" أي أبو سلمة "بَدونهما" أي بدون عطاء وأبي الزبير في ارتفاع الشأن وجلالة القدر "فالزيادة أولى" لأنها من الثقة الثبت والعمل بالزيادة أكثر فائدة وأشد إيضاحًا وأقوى بيانًا في الحكم. ص: فكان من حجتنا للآخرين في ذلك: أنه لو لم يكن روي عن رسول الله ﵇ في العمرى حديث غير حديث أبي سلمة هذا؛ لكان فيه أكبر الحجة للذين يقولون أن العمرى لا ترجع إلى المُعْمِر أبدًا ولا يجوز شرطه، وذلك أن العمرى لا تخلو من أحد وجهين: إما أن تكون داخلة في قول النبي ﵇: "المسلمون عند شروطهم" فينفذ للمُعْمِر فيها الشرط على ما شرطه لا يبطل من ذلك شيء، كما تنفذ الشروط من الموقف فيما يوقف. أو تكون خارجة من ملك المُعْمِر داخلة في ملك المُعَمر فتصير بذلك في سائر ماله. ويبطل ما شرطه عليه فيها، فنظرنا في ذلك، فإذا العمرى إذا أوقعت على أنها للمُعْمَر ولعقبه فمات وله عقب وزوجة أو أوصى بوصايا، أو كان عليه دين؛ أن

стр. 7352

تلك الأشياء تنفذ فيها كما تنفذ في ماله، ولا يمنعها الشرط الذي كان من المُعْمِر في جعله إياها له ولعقبه، وزوجته ليست من عقبه ولا غُرَمَاؤه ولا أهل وصاياه، وكذلك لو مات المُعْمَر ولا عقب له لم يرجع بشيء من ذلك إلى المُعْمِر، فلما كان ما وصفنا كذلك كانت كذلك أبدًا تجوز على ما جعلها عليه المعمَر، ويبطل شرطه الذي اشترطه فيها فلا ينفذ منه قليل ولا كثير، وتخرج من قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" فتكون شروطها ليست من الشروط التي عناها النبي ﵇. وهذا القول الذي صححناه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: فكان من دليلنا وبرهاننا لأهل المقالة الثانية في ما ذكروا: أنه أي أن الشأن لو لم يكن روي عن النبي ﵇ غير حديث أبي سلمة عن جابر هذا المذكور أي لكان فيه أكبر الحجة لأهل المقالة الثانية، ثم بين ذلك بقوله: "وذلك أن العمرى. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "لا ترجع إلى المُعْمِر" بكسر الميم الثانية. قوله: "في الموقف" بكسر القاف، فاعل من الإيقاف، من أوقفَ، وهذه لغة ردية، واللغة الفصيحة: يوقف يقف وقفًا، قال الجوهري: وقفت الدار للمساكين وقفًا وأوقفتها -بالألف- لغة ردية، وليس في الكلام "أوقفت" إلا حرف واحد، وأوقفت عن الأمر الذي كنت فيه أي أقلعت. قوله: "من ملك المُعْمِر" بكسر الميم الثانية. قوله: "داخلة في ملك المُعْمَر" بفتح الميم الثانية، وكذلك قوله: "على أنها للمُعْمَر"، والميم تكسر وتفتح بحسب المعنى ولا يظهر ذلك إلا بالتأمل. ص: وقد روي عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ابن عمر وسأله رجل عن رجل وهب لرجل ناقة حياته فنتجت، فقال: هي له وأولادها، فسألته بعد ذلك فقال: هي له حيًّا وميتًا".

стр. 7353

ش: أي قد روي عند عبد الله بن عمر ﵄ مثل ما ذكرنا من أن العمرى تكون للمُعْمَر حياته وبعده لعقبه. وأخرجه بإسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: "أتاه أعرابي، فقال: إني أعطيت ابن أختي ناقة حياته، فنمت حتى صارت إبلًا، فما ترى فيها؟ قال: هي له حياته وموته، فقال الأعرابي: إنما جعلتها صدقة، قال: ذاك أبعد لك منها". وأخرجه البيهقي (٢): من حديث ابن عيينة، عن عمرو، عن حميد الأعرج، عن حبيب بن أبي ثابت قال: "كنت عند ابن عمر ﵄، فجاءه رجل من أهل البادية، فقال: إنى وهبت لابني ناقة حياته، وإنها نتجت إبلًا، فقال ابن عمر: هي له حياته وموته، فقال: إني تصدقت عنه بها، فقال: ذاك أبعد لك منها". وأخرج (٣) أيضًا من حديث ابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "حضرت شريحًا قضى لأعمي بالعمرى، فقال له الأعمى: يا أبا أمية، بم قضيت لي؟ فقال شريح: لست أنا قضيت لك، ولكن محمَّد ﷺ قضى لك منذ أربعين سنة، قال: من أُعْمِر شيئًا حياته، فهو لورثته إذا مات" والله أعلم.

стр. 7354

ص: باب: الصدقات الموقوفات ش: أي: هذا باب من بيان أحكام الصدقات الموقوفة. الوقف في اللغة: الحبس، يقال: وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها، وفي الشرع: الوقف حبسُ عينٍ على ملك الواقف وتصدق بالمنفعة، وقد ذكرنا في الباب السابق أن اللغة الفصيحة وقفت، ولا يقال: أوقفت بالهمزة إلا على لغة ردية. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، وسعيد بن سفيان الجحدري، قالا: ثنا ابن عون، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﵇ فقال: إنى أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أحسن منها، فكيف تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها لا تباع ولا توهب -قال أبو عاصم: فأراه قال: ولا تورث- فتصدق بها في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها غير متمول. قال: فذكرت ذلك لمحمد فقال: غير متأثل". حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن عبد العزيز بن مطلب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ استشار النبي ﷺ في أن يتصدق بماله بثمغ، فقال رسول الله ﵇: تصدق به، يقسم تمره ويحبس أصله، لا يباع ولا يوهب". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد شيخ البخاري، وعن سعيد بن سفيان الجحدري نسبة إلى جحدر اسم رجل، وهو ربيعة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكانة بن معبد بن علي بن بكر بن وائل البصري، قال أبو حاتم: محله الصدق. روي له الترمذي. وهما يرويان عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، روي له الجماعة.

стр. 7355

عن نافع مولى عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه البخاري (١): نا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، قال: نا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أصاب عمر ﵁ بخيبر أرضًا، فأتى النبي ﵇ فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أفضل منه، فكيف تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر ﵁ أنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه. وأخرجه (٢) عن أبي عاصم، عن ابن عون أيضًا مختصرًا. وأخرجه مسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، قال: أنا سليم بن جعفر، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﵇ يستشيره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر ﵁ أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه". قال: فحدثت بهذا الحديث محمدًا، فلما بلغت هذا المكان "غير متمول" قال محمَّد: "غير متأثل مالًا"، قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: "غير متأثل مالًا". وأخرجه النسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي داود الحفري عمر بن سعد، عن الثوري، عن ابن عون، عن نافع.
следующие страницы →