ش: أي: فقال القوم الذين أجازوا الشرط في العمرى بقوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم" وهم أهل المقالة الأولى، ومنهم: مالك والليث بن سعد كما قد ذكرنا، والحاصل أنهم قالوا: نحن نقول مثلكم من كون العمرى للمُعْمَر ولعقبه بتة إذا وقعت معقبة على ما وصف في حديث أبي سلمة عن جابر، وأما إذا لم يكن فيها ذكر العقب فهي راجعة إلى المعطِي -بكسر الطاء بعد زوال المُعْمَر-بفتح الميم الثانية- قالوا: "وهذا أولى" أي الذي رواه أبو سلمة أولى مما رواه عطاء بن أبي رباح وأبو الزبير محمَّد بن مسلم عن جابر، وهو الذي ذكر فيما قبل هذا؛ "لأن هذا" أي أبا سلمة "قد زاد عليهما" أي على عطاء وأبي الزبير. قوله: "لعقبه" حيث قال في روايته: "أيما رجل أُعْمِرَ عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها. . . ." الحديث. "وليس هو" أي أبو سلمة "بَدونهما" أي بدون عطاء وأبي الزبير في ارتفاع الشأن وجلالة القدر "فالزيادة أولى" لأنها من الثقة الثبت والعمل بالزيادة أكثر فائدة وأشد إيضاحًا وأقوى بيانًا في الحكم.
ص: فكان من حجتنا للآخرين في ذلك: أنه لو لم يكن روي عن رسول الله ﵇ في العمرى حديث غير حديث أبي سلمة هذا؛ لكان فيه أكبر الحجة للذين يقولون أن العمرى لا ترجع إلى المُعْمِر أبدًا ولا يجوز شرطه، وذلك أن العمرى لا تخلو من أحد وجهين:
إما أن تكون داخلة في قول النبي ﵇: "المسلمون عند شروطهم" فينفذ للمُعْمِر فيها الشرط على ما شرطه لا يبطل من ذلك شيء، كما تنفذ الشروط من الموقف فيما يوقف.
أو تكون خارجة من ملك المُعْمِر داخلة في ملك المُعَمر فتصير بذلك في سائر ماله.
ويبطل ما شرطه عليه فيها، فنظرنا في ذلك، فإذا العمرى إذا أوقعت على أنها للمُعْمَر ولعقبه فمات وله عقب وزوجة أو أوصى بوصايا، أو كان عليه دين؛ أن
стр. 7352
تلك الأشياء تنفذ فيها كما تنفذ في ماله، ولا يمنعها الشرط الذي كان من المُعْمِر في جعله إياها له ولعقبه، وزوجته ليست من عقبه ولا غُرَمَاؤه ولا أهل وصاياه، وكذلك لو مات المُعْمَر ولا عقب له لم يرجع بشيء من ذلك إلى المُعْمِر، فلما كان ما وصفنا كذلك كانت كذلك أبدًا تجوز على ما جعلها عليه المعمَر، ويبطل شرطه الذي اشترطه فيها فلا ينفذ منه قليل ولا كثير، وتخرج من قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" فتكون شروطها ليست من الشروط التي عناها النبي ﵇.
وهذا القول الذي صححناه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: فكان من دليلنا وبرهاننا لأهل المقالة الثانية في ما ذكروا: أنه أي أن الشأن لو لم يكن روي عن النبي ﵇ غير حديث أبي سلمة عن جابر هذا المذكور أي لكان فيه أكبر الحجة لأهل المقالة الثانية، ثم بين ذلك بقوله: "وذلك أن العمرى. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "لا ترجع إلى المُعْمِر" بكسر الميم الثانية.
قوله: "في الموقف" بكسر القاف، فاعل من الإيقاف، من أوقفَ، وهذه لغة ردية، واللغة الفصيحة: يوقف يقف وقفًا، قال الجوهري: وقفت الدار للمساكين وقفًا وأوقفتها -بالألف- لغة ردية، وليس في الكلام "أوقفت" إلا حرف واحد، وأوقفت عن الأمر الذي كنت فيه أي أقلعت.
قوله: "من ملك المُعْمِر" بكسر الميم الثانية.
قوله: "داخلة في ملك المُعْمَر" بفتح الميم الثانية، وكذلك قوله: "على أنها للمُعْمَر"، والميم تكسر وتفتح بحسب المعنى ولا يظهر ذلك إلا بالتأمل.
ص: وقد روي عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ابن عمر وسأله رجل عن رجل وهب لرجل ناقة حياته فنتجت، فقال: هي له وأولادها، فسألته بعد ذلك فقال: هي له حيًّا وميتًا".
стр. 7353
ش: أي قد روي عند عبد الله بن عمر ﵄ مثل ما ذكرنا من أن العمرى تكون للمُعْمَر حياته وبعده لعقبه.
وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: "أتاه أعرابي، فقال: إني أعطيت ابن أختي ناقة حياته، فنمت حتى صارت إبلًا، فما ترى فيها؟ قال: هي له حياته وموته، فقال الأعرابي: إنما جعلتها صدقة، قال: ذاك أبعد لك منها".
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث ابن عيينة، عن عمرو، عن حميد الأعرج، عن حبيب بن أبي ثابت قال: "كنت عند ابن عمر ﵄، فجاءه رجل من أهل البادية، فقال: إنى وهبت لابني ناقة حياته، وإنها نتجت إبلًا، فقال ابن عمر: هي له حياته وموته، فقال: إني تصدقت عنه بها، فقال: ذاك أبعد لك منها".
وأخرج (٣) أيضًا من حديث ابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "حضرت شريحًا قضى لأعمي بالعمرى، فقال له الأعمى: يا أبا أمية، بم قضيت لي؟ فقال شريح: لست أنا قضيت لك، ولكن محمَّد ﷺ قضى لك منذ أربعين سنة، قال: من أُعْمِر شيئًا حياته، فهو لورثته إذا مات" والله أعلم.
стр. 7354
ص: باب: الصدقات الموقوفات
ش: أي: هذا باب من بيان أحكام الصدقات الموقوفة.
الوقف في اللغة: الحبس، يقال: وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها، وفي الشرع: الوقف حبسُ عينٍ على ملك الواقف وتصدق بالمنفعة، وقد ذكرنا في الباب السابق أن اللغة الفصيحة وقفت، ولا يقال: أوقفت بالهمزة إلا على لغة ردية.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، وسعيد بن سفيان الجحدري، قالا: ثنا ابن عون، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﵇ فقال: إنى أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أحسن منها، فكيف تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها لا تباع ولا توهب -قال أبو عاصم: فأراه قال: ولا تورث- فتصدق بها في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها غير متمول. قال: فذكرت ذلك لمحمد فقال: غير متأثل".
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن عبد العزيز بن مطلب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ استشار النبي ﷺ في أن يتصدق بماله بثمغ، فقال رسول الله ﵇: تصدق به، يقسم تمره ويحبس أصله، لا يباع ولا يوهب".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد شيخ البخاري، وعن سعيد بن سفيان الجحدري نسبة إلى جحدر اسم رجل، وهو ربيعة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكانة بن معبد بن علي بن بكر بن وائل البصري، قال أبو حاتم: محله الصدق. روي له الترمذي.
وهما يرويان عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، روي له الجماعة.
стр. 7355
عن نافع مولى عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه البخاري (١): نا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، قال: نا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أصاب عمر ﵁ بخيبر أرضًا، فأتى النبي ﵇ فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أفضل منه، فكيف تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر ﵁ أنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه.
وأخرجه (٢) عن أبي عاصم، عن ابن عون أيضًا مختصرًا.
وأخرجه مسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، قال: أنا سليم بن جعفر، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﵇ يستشيره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر ﵁ أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه". قال: فحدثت بهذا الحديث محمدًا، فلما بلغت هذا المكان "غير متمول" قال محمَّد: "غير متأثل مالًا"، قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: "غير متأثل مالًا".
وأخرجه النسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي داود الحفري عمر بن سعد، عن الثوري، عن ابن عون، عن نافع.
стр. 7356
وعن هارون (١) بن عبد الله، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن عون، عن نافع.
وعن إسماعيل (٢) بن مسعود، عن بشر، عن ابن عون، عن نافع.
وعن إسحاق (٣) بن إبراهيم، عن أزهر السمان، عن ابن عون، عن نافع.
الطريق الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن، عن عمه عبد الله بن وهب المصري. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٤): من حديث ابن وهب: أخبرني إبراهيم بن سعد إلى آخره نحوه.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٥): ثنا محمَّد بن عبد الله بن زكرياء، نا أبو عبد الرحمن النسائي، نا محمَّد بن مصفى بن بهلول، نا بقية، عن سعيد بن سالم المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ قال: "سألت رسول الله ﵇ عن أرض من ثمغ فقال: حَبِّس أصلها وَسبِّل ثمرها".
قوله: "بخيبر" هي بلد بين عنزة في جهة الشمال والشرق عن المدينة على نحو ستة مراحل. "وخيبر" بلغه اليهود: الحصن، وقيل: أول من سكن فيها رجل من بني إسرائيل اسمه خيبر فسميت به، ولها نخيل كثير وكان في صدر الإِسلام دارًا لبني قريظة والنضير، وحكي عن الزهري أن خيبرًا فتحت في سنة ست من الهجرة، والصحيح أن ذلك كان في أول سنة سبع من الهجرة.
قوله: "فأراه" أي أظنه.
стр. 7357
قوله: "والقربى" على وزن فُعْلى -بالضم- مصدر في الأصل، تقول: بيني وبينه قرابة وقربي وقرب ومَقْرَبة ومَقْرُبة وقُرْبَة وقُرْبة بضم الراء وسكونها، قال الله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) أراد به هاهنا القرابة في الرحم.
قوله: "والرقاب" جمع رقبة، وفي معناها قولان:
أحدهما: أنهم المكاتبون يدفع إليهم شيء من الوقف تفك به رقابهم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وجماعة.
والثاني: أنه العتق وذلك بالابتياع مَنْ بالوقف ثم العتق.
ويكون ولاؤهم لأصحاب الوقف إن كان له أهل.
قال مالك: سبيل الله كثيرة، وقال أبو يوسف، سبيل الله منقطع الغزاة، وقال محمَّد: منقطع الحاج، وبه قال أحمد وإسحاق.
قوله: "وابن السبيل" وهو الذي انقطعت به الأسباب في سفره، وغاب عن بلده وماله بحيث لا يقدر عليه.
قوله: "لا جناح على من وليها" أي لا إثم على من ولي الأرض الموقوفة وأراد به القَيِّم عليها والناظر في أمرها من جهة الواقف أو من جهة الإِمام.
قوله: "غير متمول" نصب على الحال، يقال: مال الرجل وتمول إذا صار ذا مال، وقد مَوَّله غيره، ويقال: رجل مال أي كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالًا، وحقيقته: ذو مال.
قوله: "غير متأثل" أي غير جامع، يقال: مال مؤثل، ومجد ماثل، أي مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء أصله، ومنه ما جاء في حديث أبي قتادة أنه لأول مالٍ تأثلته.
قوله: "فذكرت ذلك لمحمد" أراد به محمَّد بن سيرين، والذاكر هو ابن عون.
قوله: "بثمغ" أي في ثَمَغ، وهو بفتح الثاء المثلثة والميم، وفي آخره غين معجمة، وهي بقعة على نحو ميل من المدينة، وكان بها مال لعمر بن الخطاب ﵁.
стр. 7358
ويستنبط منه أحكام:
الأول: فيه أن الوقف مشروع؛ خلافًا لمن يبطله جملة، وهو قول شريح، ولا خلاف بين الجمهور في جواز الوقف في حق وجوب التصدق بالفرع ما دام الواقف حيًّا حتى إن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة.
ولا خلاف أيضًا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مُتُّ، فقد جعلت داري أو أرضي وقفًا على كذا، أو قال: هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي.
واختلفوا في جوازه مزيلًا لملك الرقبة إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتصل به حكم حاكم، فقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى كان للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات يصير ميراثًا لورثته.
وقال أبو يوسف ومحمد وعامة العلماء: يجوز حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة لا فرق بينهما إذا وقف في حالة المرض حتى لا يجوز عنده في الحالين جميعًا إذا لم توجد الإضافة ولا حكم الحاكم، وروى الطحاوي عنه أنه إذا وقف في حالة المرض جاز عنده ويعتبر من الثلث، ويكون بمنزلة الوصية بعد وفاته، وأما عندهما فهو جائز في الصحة والمرض، وعلى هذا الخلاف إذا بنى رباطًا أو خانًا للمسافرين أو سقاية للمسلمين، أو جعل أرضه مقبرة، لا تزول رقبة هذه الأشياء عن ملكه عند أبي حنيفة إلا إذا أضاف إلى ما بعد الموت أو حكم به حاكم وعندهما يزول بدون ذلك، لكن عند أبي يوسف بنفس القول وعند محمَّد بواسطة التسليم، وذلك تسليم المسافرين في الرباط والخان واستسقاء الناس في السقاية والدفن في المقبرة، وأجمعوا على أن من جعل داره أو أرضه مسجدًا يجوز، وتزول الرقبة عن ملكه، لكن عزل الطريق وإفرازه والإذن للناس بالصلاة فيه والصلاة شرط عند أبي حنيفة ومحمد حتى كان له أن يرجع قبل
стр. 7359
ذلك، وعند أبي يوسف تزول الرقبة عن ملكه بنفس قوله: جعلته مسجدًا وليس له أن يرجع عنه.
الثاني: احتج به الجمهور وأبو يوسف ومحمد على ما ذهبوا إليه، وقد ذكرناه مفصلًا.
الثالث: فيه أن الوقف لا يجوز بيعه ولا هبته ولا يصير ميراثًا؛ لأنه صار لله تعالى وخرج عن ملك الواقف، واختلفوا: هل يدخل في ملك الموقوف عليه أم لا؟
فقال أصحابنا: لا يدخل، لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه؛ لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك المحبوس كالرهن، وعن الشافعي ومالك وأحمد: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان أهلًا له، وعن الشافعي في قول: ينتقل إلى الله تعالى. وهو رواية عن أصحابنا، وعن الشافعي أن الملك في رقبة الوقف لله تعالى، وذكر صاحب "التحرير" أنه إذا كان الوقف على شخص، وقلنا الملك للموقوف عليه افتقر إلى قبضه كالهبة، وقال النووي في "الروضة": هذا غلط ظاهر.
الرابع: فيه أن الوقف يجوز بلفظ: حبست، بل الأصل هذه اللفظة؛ لأن الوقف في اللغة الحبس.
وفي "الروضة": لا يصح الوقف إلا بلفظ، فلو بنى على هيئة المساجد أو على غير هيئتها وأذن في الصلاة فيه لم يصر مسجدًا وألفاظه على مراتب:
إحداها: قوله: وقفت كذا أو حبست أو سبَّلت، أو أرضي موقوفة، أو محبسة أو مسبلة، فكل لفظ من هذا صريح، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور وفي وجهٍ: هذا كله كناية، وفي وجه: الوقف صريح والباقي كناية.
الثانية: قوله: حرمت هذه البقعة للمساكين أو أَبَّدْتُها، أو داري محرمة، أو مؤيدة، كناية على المذهب.
стр. 7360
الثالثة: تصدقت بهذه البقعة، ليس بصريح فإن زاد معه صدقة محرمة أو محبسة أو موقوفة؛ التحق بالصريح، وقيل: لابد من التقييد بأنها لا تباع ولا توهب، وقال الحنابلة: يصح الوقف بالقول، وفي الفعل الدال عليه روايتان، وألفاظه الصريحة: وقفت وحبست وسلبت، والكناية: تصدقت وحرمت وأبدت، وتحتاج الكناية إلى نية أو زيادة حكم الوقف، وإن كان على -أو من- معيَّن افتقر إلى قبول، كالوصية والهبة.
وقال القاضي: منهم لا يفتقر إلى قبوله كالعتق.
الخامس: فيه أن قيم الوقف له أن يتناول من غلة الوقف بالمعروف، ولا يأخذ أكثر من حاجته، هذا إذا لم يعين الواقف له شيئًا معينًا، فإذا عَيَّنَهُ، له أن يأخذ ذلك قليلًا أو كثيرًا. والله أعلم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا وقف داره على ولده وولد ولده ثم من بعدهم في سبيل الله أن ذلك جائز، وأنها خرجت بذلك من ملكه إلى الله ، ولا سبيل له بعد ذلك إلى بيعها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن قال ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وهو قول أهل المدينة والبصرة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر.
وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن عثمان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وخالد بن الوليد ﵃.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، منهم: أبو حنيفة وزفر بن الهذيل فقالوا: هذا كله ميراث لا يخرج من ملك الذي أوقفه بهذا السبب.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: شريحًا وعطاء بن السائب وأبا بكر بن محمَّد وأبا حنيفة وزفر؛ فإنهم قالوا: الوقف غير لازم، وهو ميراث لا يخرج عن ملك الواقف.
стр. 7361
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك، أن رسول الله ﵇ لما شاوره عمر ﵁ في ذلك، قال له: "حَبِّس أصلها وَسبِّل الثمرة" فقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك تخرج به من ملكه، ويجوز أن يكون ذلك لا يخرجها من ملكه ولكنها تكون جارية على ما أجراها عليه من ذلك ما تركها، ويكون له فسخ ذلك متى شاء، كرجل جعل لله عليه أن يتصدق بثمرة نخله ما عاش، فيقال له: أنفذ ذلك ولا يجبر عليه، ولا يؤخذ به إن شاء وإن أبى، ولكن إن أنفذ ذلك فحسن فإن منعه لم يجبر عليه وكذلك ورثته من بعده إن أنفذوا ذلك على ما كان أبوهم أجراه عليه فحسن، وإن منعوه ذلك كان ذلك لهم وليس في بقاء حبس عمر ﵁ إلى غايتنا هذه مما يدل على أنه لم يكن لأحد من أهلهم نقضه فإنما الذي يدل على أنه ليس لهم نقضه لو كانوا خاصموا فيه بعد موته فمنعوا من ذلك، فلو كان ذلك لكان فيه لعمري ما يدل على أن الأوقاف لا تباع ولكن إنما جاء في تركهم لوقف عمر ﵁ يجرى على ما كان عمر أجراه عليه في حياته ولم يبلغنا أن أحدًا منهم عرض فيه بشيء.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه؛ وأراد به: أن الذي احتج به أهل المقالة الأولى من قضية عمر بن الخطاب ﵁ في لزوم الوقف غير تام، وبين ذلك بقوله: فقد يجوز أن تكون. . . . إلى آخره وهو ظاهر.
قوله: "لَعَمْرِي" بفتح اللام، وهو قسم في محل الرفع على الابتداء، وخبره محذوف تقديره لعمري قسمي أو ما أقسم به، وكذلك لعمرك قسمي.
ص: وقد روي عن عمر ﵁ ما يدل على أنه قد كان له نقضه.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﵇-أو نحو هذا- لرددتها".
فلما قال عمر ﵁ هذا، دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها وأنه إنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﵇ أمره فيها بشيء وفارقه
стр. 7362
على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك كما كره عبد الله بن عمرو أن يرجع بعد موت رسول الله عن الصوم الذي كان فارقه عليه أنه يفعله، وقد كان له أن لا يصوم.
ش: ذكر هذا شاهدًا لما قاله من الكلام فيما تقدم.
وأخرجه بإسناد صحيح مرسل: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن زياد بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.
فإن قلت: قال ابن حزم: الخبر الذي ذكروه عن مالك منكر وبليَّة من البلايا، وكذب بلا شك، وما ندري من رواه عن يونس، ولا هو معروف من حديث مالك وَهَبْكَ لو سمعناه من الزهري لما وجب أن نتشاغل به، ولقطعنا بأنه سمعه ممن لا خير فيه كسليمان ابن أرقم وضربائه، ونحن نثبت ونقطع بأن عمر ﵁ لم يندم على قبوله أمر رسول الله ﵇ وما اختاره له من حبس أرضه وتسبيل ثمرتها، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) وليت شعري إلى أي شيء كان يصرف عمر تلك الصدقة لو ترك ما أمره ﵇ فيها؟! حاشى لعمر من هذا.
قلت: هذا تهافت عظيم وكيف يكون هذا كذبًا ورواته من رجال الصحيح؟ وكيف لا يكون معروفًا من حديث مالك وقد روى عنه مثل عبد الله بن وهب، وروى عن عبد الله مثل يونس بن عبد الأعلى أحد مشايخ مسلم في "صحيحه"، وقد روى عن يونس مثل الطحاوي الإِمام؟!
قوله: "ونقطع بأن عمر لم يندم. . . ." إلى آخره. كلام صادر من غير رويّ لأنه ما ادعى أحد أن عمر ﵁ ندم لأجل أمر رسول الله ﵇ إياه بالصدقة والتحبيس، وإنما كان تدارك لنفسه ما صدر منه من ذكره صدقته لرسول الله ﵇؛ لأنه بعد ذكره له
стр. 7363
لم يكن له رجوع عمَّا فارقه عليه، وذلك كما أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ كره أن يرجع عن الصوم الذي فارق رسول الله ﵇ عليه ومع هذا كان له أن لا يصوم، وهو صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
ص: ثم هذا شريح ﵁ وهو قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين ﵃ قد روي عنه في ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب قال: "سألت شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الآخر فالآخر من ولده فقال: إنما أقضي ولست أفتي، قال: فناشدته فقال: لا حبس عن فرائض الله".
فهذا لا يسع القضاة جهله، ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله، ثم لا ينكر عليه منكر من أصحاب رسول الله ﵇ ولا من تابعيهم.
ش: ذكر هذا أيضًا تأييدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) بأتم منه من حديث الحميدي: ثنا سفيان، ثنا عطاء بن السائب، قال: "أتيت شريحًا في زمن بشر بن مروان، فقلت: يا أبا أمية أفتني، فقال: يا ابن أخي إنما أنا أقضي ولست بمفت، قلت: إني والله ما جئت أريد خصومة، إن رجلًا من الحي جعل داره حبسًا، قال عطاء: فدخل من الباب الذي في المسجد في المقصورة فسمعته حين دخل وتبعته وهو يقول: فحسب الرجل تقدم إليه الخصومة، أجب الرجل، إنه لا حبس عن فرائض الله".
قوله: "لا حبس عن فرائض الله" أراد أنه لا يوقف مال ولا يزول عن ورثته ولا يمنع عن القسمة بينهم، والحبس بضم الحاء وفتحها، فبالضم الاسم، وبالفتح المصدر، يقال: حَبَسْتُ أَحبْسُ حَبْسًا وأَحْبَسْت أَحْبِسُ إحْبَاسًا، أي وقفت.
стр. 7364
فإن قيل: قال ابن حزم: قوله: لا حبس عن فرائض الله قول فاسد؛ لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة والصدقة في الحياة، والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة.
قلت: لا نسلم أن هذه الأشياء تسقط فرائض الورثة، أما الهبة والصدقة فإنهما تكونان في حياة الرجل ففي ذلك الوقت لا فرائض للورثة، فكيف تسقطها؟.
وأما الوصية فإنها لا تنفذ إلا في الثلث، ففرائض الورثة في الثلثين؛ فافهم، بخلاف الحبس فإنه إذا حبس ماله ومات، فلو فرضنا لزوم هذا الحبس لكان قد أسقط فرائض الورثة.
ص: ثم قد روي عن ابن عباس عن النبي ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أخي عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "سمعت رسول الله ﵇-بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض- نهى عن الحبس".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير وعمرو بن خالد، قالا: ثنا عبد الله بن لهيعة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح ومحمد بن خزيمة، قالا: قال لنا أحمد بن صالح: هذا حديث صحيح وبه أقول.
قال روح: قال لي أحمد: وحدثنيه الدمشقي -يعني عبد الله بن يوسف- عن ابن لهيعة.
فأخبر ابن عباس أن الأحباس منهي عنها غيره جائزة ولذا قد كانت قبل نزول الفرائض بخلاف ما صارت عليه بعد نزول الفرائض؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
стр. 7365
ش: ذكر ما روي عن ابن عباس؛ تأييدًا لما قاله شريح ﵁.
وأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث يحيى بن يحيى، عن ابن لهيعة، عمن سمع عكرمة يحدث، عن ابن عباس أنه قال: "لما أنزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله ﵇: لا حبس بعد سورة النساء".
الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير وعمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري، كلاهما عن ابن لهيعة، عن أخيه، عن عكرمة.
وأخرجه ابن حزم (٢) من طريق العقيلي، عن روح بن الفرج. . . . إلى آخره نحوه.
الثالث: عن عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله الكوفي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن ابن لهيعة إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني (٣): عن عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، عن كامل بن طلحة، عن ابن لهيعة، نحوه.
الرابع: عن روح بن الفرج، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن يوسف الدمشقي، عن ابن لهيعة.
وأخرجه ابن حبان (٤) في ترجمة عيسى بن لهيعة نحوه.
стр. 7366
فإن قيل: قال ابن حزم (١): هذا حديث موضوع، وابن لهيعة لا خير فيه وأخوه مثله وبيان وضعه: أن سورة النساء نزلت أو بعضها بعد أحد -يعني آية المواريث- وحُبْس الصحابة بعلم رسول الله ﵇ بعد خيبر، وبعد نزول المواريث في سورة النساء وهذا أمر متواتر جيلًا بعد جيل، ولو صح هذا الخبر لكان منسوخًا باتصال الحبس بعلمه ﵇ إلى أن مات. انتهى.
وقال الدارقطني: لم يسند هذا الحديث غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان، وقال البيهقي في "الخلافيات" والمشهور أنه قول شريح، وابن لهيعة وأخوه ضعيفان.
قلت: قوله: هذا حديث موضوع عَسْفٌ عظيم غير مقبول منه، وكيف يكون موضوعًا وليس في رواته من يتهم بالوضع، ولا فيه أمارة من الأمارات التي يثبت بها الوضع؟! فإن كان هذا من أجل ابن لهيعة عن أخيه فابن لهيعة في نفسه صادق، فقد قال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقًا، وقال في موضع آخر: وحدثني الصادق البار والله ابن لهيعة.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة.
وعنه: من مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه. ولهذا حدث عنه أحمد في "مسنده" بحديث كثير.
وقال ابن حبان: كان صالحًا، غاية ما في الباب أنه قد اشتهر بالضعف عند أكثر الناس؛ لأنه كان يدلس عن الضعفاء واحترقت كتبه.
وكان ابن حبان يقول: كان أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد، وعبد الله بن مسلمة القعنبي صحيح، وقد قال مثل أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري الحافظ الكبير المشهور المصري أحد مشايخ البخاري وأبي داود: هذا حديث
стр. 7367
صحيح وبه أقول. وكفى به شهيدًا، ولو لم تثبت عنده صحة هذا الحديث ووضوح طريقه وسلامة إسناده من الكدر لما حكم فيه بالصحة.
وإن كان هذا من أجل أخيه عيسى بن لهيعة فإن ابن حبان ذكره في الثقات وأدخله بينهم، وروى هذا الحديث عند ترجمته.
وإن كان ذلك من أجل قوله: "بيان وضعه أن سورة النساء. . . ." إلى آخره.
فنقول: نعم إن آية المواريث نزلت بعد أُحُد، كما روي في حديث جابر بن عبد الله الطويل (١): "فجاءت المرأة بابنتين لها إلى رسول الله ﵇، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد، وقد استفى عمهما مالهما وميراثهما كله، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، قال رسول الله ﵇: يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢).
وأما حبس الصحابة بعلم رسول الله ﵇ بعد خيبر وبعد نزول آية المواريث فلا نسلم صحة ذلك أن يكون كذلك؛ فإنه يحتمل أن يكون قد كان قبل نزول ذلك فلم يقع حبسًا عن فرائض الله.
فإن قيل: فما تقول في وقف رسول الله ﵇ وفي أوقاف الصحابة بعد موت رسول الله ﵇؟.
قلت: أما وقف رسول الله ﵇ فإنما جاز لأن المانع من وقوعه حبسًا عن فرائض الله، ووقفه ﵇ لم يقع حبسًا عن فرائض الله، لقوله ﵇: "إنَّا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" (٣).
стр. 7368
وأما أوقاف الصحابة ﵃ بعد موته فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، هذا هو الظاهر، والله أعلم.
وأما قوله: "ولو صح هذا الخبر لكان منسوخًا" فغير صحيح أيضًا؛ لأنه مجرد دعوى، والنسخ لا يثبت إلا بدليل، ولم يبين دليله في ذلك ولا الناسخ ما هو، فَخَلُص الحديث حينئذ عما ذكره، وصح على ما قاله أحمد بن صالح المصري على ما ذكرنا، ولئن سلمنا أنه ضعيف على ما ذهب إليه الأكثرون، ولكن لا نسلم أنه موضوع لما ذكرنا، والضعيف يصلح للاستشهاد والمتابعة، فإنه لما روى هذا الحديث عن شريح بطرق صحيحة رواه أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا مسندًا تأييدًا لذلك وتأكيدًا لصحته، على أنه يفهم من كلمته أيضًا أنه يذهب مذهب أحمد بن صالح في هذا الحديث.
ص: وأما وجهه من طريق النظر فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر ﵏ وجميع المخالفين لهم والموافقين قد اتفقوا أن الرجل إذا وقف داره في مرضه على الفقراء والمساكين ثم توفي في مرضه ذلك، أن ذلك جائز من ثلثه، وأنها غير موروثة عنه، فاعتبرنا ذلك هل يدل على أحد القولين؟
وكان الرجل إذا جعل شيئًا من ماله من دنانير أو دراهم صدقة فلم ينفذ ذلك حتى مات أنه ميراث، وسواء جعل ذلك في مرضه أو في صحته، إلا أن يجعل ذلك وصية بعد موته فينفذ ذلك بعد موته من ثلث ماله كما تنفذ الوصايا.
فأما إذا جعله في مرضه ولم ينفذه للمساكين بدفعه إياه إليهم فهو كما جعله في صحته وكان جميع ما يفعله في صحته فينفذ من جميع ماله ولا يكون له عليه بعد ذلك ملك، مثل العتاق والهبات والصدقات هو الذي ينفذ إذا فعله في مرضه من ثلث مال.
стр. 7369
وكان الواقف إذا وقف في مرضه داره أو أرضه وجعل آخرها في سبيل الله كان ذلك جائزًا باتفاقهم من ثلث ماله بعد وفاته، لا سبيل لوارثه عليه، وليس ذلك بداخل في قول النبي ﵇: "لا حبس عن فرائض الله".
فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك سبيله إذا وقف في الصحة، فيكون نافذًا من جميع المال ولا يكون له عليه سبيل بعد ذلك. قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا.
وإلى هذا أذهب وبه أقول من طريق النظر لا من طريق الآثار؛ لأن الآثار في ذلك قد تقدم وصفي لها وبيان معانيها وكشف وجوهها.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس. . . . إلى آخره وهو ظاهر.
قوله: "على أحد القولين" أراد بهما قول أهل المقالة الأولى وقول أهل المقالة الثانية.
ص: فإن قال قائل: أفتخرج الأرض بالوقف من ملك ربها بوقفه إياها لا إلى ملك مالك؟
قيل له: وما تنكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدًا للمسلمين، ويخلي بينها وبينهم؛ أنها قد خرجت بذلك من ملكه لا إلى ملك مالك، ولكن إلى الله ، فالذي يلزم مخالفك فيما احتججت عليه بما وصفنا يلزمك من هذا مثله.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن الوقف إذا صح يخرج من ملك الواقف بلا خلاف، ولكن هل يدخل في ملك الموقوف عليه أم يصير إلى ملك مالك، وهو معنى قوله: أفتخرج الأرض -بهمزة الاستفهام- وعند الشافعي وأحمد وآخرين: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه وإلا يلزم أن يكون ملكًا بلا مالك.
وأشار إلى الجواب عن ذلك بقوله: "قيل له" أي لهذا القائل: "وما تنكر من هذا" أي من خروج الوقف عن ملك الواقف لا إلى ملك مالك، وبَيَّنَ صورة ذلك ونظيره بأرض يجعلها صاحبها مسجدًا ليصلي فيه المسلمون، فإن تلك الأرض تخرج بذلك
стр. 7370
من ملكه لا إلى ملك مالك؛ لأنها تنتقل إلى الله تعالى، وهذا لا خلاف فيه، ولهذا نظيرٌ أحسن من هذا؛ وهو العبد المشتري لخدمة الكعبة، فإنه ملك بلا مالك، وكذا كسوة الكعبة ملك بلا مالك، ولما كان الشافعي يعترض على الحنفي بأنه لا يوجد ملك بلا مالك، كيف يقول يخرج الوقف من ملك الواقف ولا يدخل في ملك الموقوف عليه، أجاب عن ذلك بقوله: "كالذي يلزم مخالفك فيما احتججت عليه بما وصفنا" أراد به قوله: "أفتخرج الأرض بالوقف من ملك ربها لا إلى ملك مالك" حاصلة: إن ألزمتنا أنت بهذا الذي ذكرته؛ يلزمك أنت أيضًا في هذا مثله، وهو ما ذكره من قوله: "وقد اتفقت أنت وخصمك. . . ." إلى آخره، حاصله: أن ما كان جوابك في مسألة المسجد فهو جوابنا فيما سألت، فافهم.
ص: فإن قال قائل: فما معنى نهي رسول الله ﵇ عن الحبس الذي رويته عنه في حديث ابن عباس ﵄؟
قيل له: قد قال الناس في ذلك قولين:
أحدهما: القول الأول الذي ذكرناه عند روايتنا إياه.
والآخر: أن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فكانوا يُحَبِّسون ما يجعلونه كذلك، فلا يورثونه أحدًا، فلما أنزلت سورة النساء وبين الله فيها المواريث، وقسم الأموال عليها؛ قال رسول الله ﷺ : "لا حبس".
ش: لما بين أن الوقف صحيح نافذ، فإن كان في الصحة فمن جميع المال، وإن كان في المرض فمن الثلث، ولا سبيل للورثة عليه، وأقام عليه دليلًا من السنة والقياس انتهض سائل فقال: إذا كان الأمر كذلك، فما يكون معنى نهيه ﵇ عن الحبس الذي روي عن ابن عباس مرفوعًا، وعن شريح موقوفًا عليه؟!
فأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له. . . ." إلى آخره، بيانه: أن العلماء أجابوا عن ذلك بجوابين: منهم من قال: إن هذا كان قبل نزول الفرائض، وقد مضى الكلام فيه.
стр. 7371
ومنهم من قال: "إن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية. . . ." إلى آخره، وهذا القول منقول عن الشافعي ومالك، فقال البيهقي في "الخلافيات": أنا أبو عبد الله الحافظ محمَّد بن عبد الله والأستاذ أبو الطاهر محمَّد بن محمش الفقيه من أصل كتابه، قالا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، قال: سمعت محمَّد بن عبد الله ابن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال مالك: "الحبس الذي جاء محمَّد ﵇ بإطلاقه هو الذي في كتاب الله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١) قال محمَّد بن عبد الله: كَلَّم به مالك أبا يوسف عند أمير المؤمنين".
وأخرجه في "سننه الكبرى" (٢): من حديث ابن عبد الحكم أيضًا، سمعت الشافعي يقول: "اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلما في الوقوف وما يحبسه الناس، فقال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمَّد ﷺ بإطلاق الحبس، وقال مالك: إنما جاء محمَّد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة.
فأما الوقوف فهذا وقف عمر ﵁ حيث استأذن النبي ﵇ فقال: "حَبِّس أصلها وَسبِّل ثمرتها"، وهذا وقف الزبير ﵁. فأعجب الخليفة ذلك منه وبقي يعقوب" قلت: يعني انقطع.
و"البحيرة" من البحر وهو الشق، كانوا إذا ولدت إبلهم سَقْبًا بحروا أذنه -أي شقوها- وقالوا: اللهم إن عاش فَفَتِيّ، وإن مات فَذَكِيّ، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة.
وقيل: البحيرة هي بنت "السائبة"، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، وتركوها مسيَّبَة لسبيلها،
стр. 7372
وسموها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلوا سبيلها وحرم منها ما حرم من أمها وسموها البحيرة.
وقيل: السائبة كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو شفاء من مرض أو غير ذلك قال: ناقتي سائبة، فلا تمنع من ماء ولا مرعى، ولا تحلب ولا تركب، وكان الرجل إذا أعتق عبدًا فقال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث، وأصله من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجئ كيف شاءت.
"والوصيلة": هي الشاة ولدت ستة أبطن اثنين اثنين وولدت في السابعة ذكرًا أو أنثى قالوا: وصلت أخاها فأحلوا لبنها للرجال، وحرموه على النساء.
وقيل: إن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاه ولم يذبح، وكان لبنها حرامًا على النساء.
"والحام": هو الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم. قال الفراء: إذا لقح ولد وَلَدَهُ فقد حمى ظهره، فلا يركب، ولا يجزّ له وبر، ولا يمنع من مرعى، فهو فاعل من حمَى يحمي حماية، إذا وقيت عنه.
ص: ثم تكلم الذين أجازوا الصدقات الموقوفات فيما بعد تثبيتهم إياها على ما ذكرنا، فقال بعضهم: هي جائزة قبضت من المتصدق بها أو لم تقبض، وممن قال بذلك: أبو يوسف.
وقال بعضهم: لا تنفذ حتى يخرجها من يده ويقبضها منه غيره، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى ومالك بن أنس ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أراد بالذين أجازوا الصدقات أهل المقالة الأولى، وأنهم بعد اتفاقهم على صحة الوقف وجوازه، اختلفوا في القبض هل هو شرط فيه كالهبة، أم ليس بشرط كالعتق؟ فقال بعضهم وأراد بهم: الشافعي -في قول- وأحمد وإسحاق: القبض ليس بشرط، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف.
стр. 7373
وقال بعضهم: وأراد بهم: طائفة من فقهاء المدينة والكوفة يشترط القبض، حتى إنه لا ينفذ حتى يقبضها منه غير الواقف.
وممن قال بذلك: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، ومالك بن أنس ومحمد بن الحسن والشافعي في أصح أقواله.
ص: فاحتجنا أن ننظر في ذلك لنستخرج من ذلك القولين قولًا صحيحًا، فرأينا أشياء يفعلها العباد على ضروب:
فمنها: العتاق ينفد بالقول؛ لأن العبد إنما يزول ملك مولاه عنه إلى الله .
ومنها: الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي مَلَّكها له.
فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيهما هي أشبه فنعطفه عليه؟ فرأينا الرجل إذا وقف أرضه أو داره فإنما ملك الذي أوقفها عليه منافعها ولم يملكه من رقبتها شيئًا، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله ، فثبت أن ذلك نظير ما أخرجه من ملكه إلى الله .
فلما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول؛ كان كذلك أيضًا الوقف لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول.
ش: أشار بهذا الكلام إلى ترجيح قول من لا يشرط القبض، وَبَيَّنَ وجه الترجيع بقوله: "فرأينا أشياء. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "على ضروب" أي على أنواع وهو جمع ضرب.
قوله: "بأيهما" أي بأي الضربين "أشبه فنعطفه عليه" أي فنضمه إليه ونجعل حكمه كحكمه.
ص: وحجة أخرى: أن القبض لو أوجبناه؛ فإنما لأن القابض يقبض ما لم يملك بالوقف، فقبضه إياه وغير قبضه إياه سواء.
стр. 7374
فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو يوسف ﵀.
ش: أي دليل آخر لمن لا يشترط القبض، حاصله: أن اشتراط القبض لا يفيد، لأن الموقوف عليه يقبض حينما يقبض ما لم يملكه؛ لأنه لا يملك رقبته، فإذا كان كذلك فقبضه وعدم قبضه سواء، فظهر بذلك قول أبي يوسف على قول غيره، والله أعلم بالصواب.
стр. 7375
ص: كتاب القضاء والشهادات
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام القضاء وأحكام الشهادات، و"القضاء": الحكم، وأصله قضاي؛ لأنه من قضيت إلا أن "الياء" لما جاءت بعد "الألف" همزت، والجمع الأقضية والقضية مثله والجمع القضايا، وقضى: أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ويجيء لمعان أخرى.
و"الشهادات" جمع شهادة وهي الخبر القاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شَهْدَ الرجل بسكون الهاء للتخفيف، وشَهِدَ شهودًا أي حضره فهو شاهد، وقوم شهود أي حضور، وهو في الأصل مصدر، وشُهَّد أيضًا مثل رُكَّع، جمع راكع، وشهد له بكذا شهادة أي أدى ما عنده من الشهادة فهو شاهد، والجمع: شَهْد، مثل صاحب وصَحْب، وبعضهم ينكره، وجمع الشَهْد: شهود وأشهاد، والشهادة عند الفقهاء: إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، وإليه الإشارة بقوله ﵇: "إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع -أي اترك".
стр. 7376
ص: باب: القضاء بين أهل الذمة
ش: أي هذا باب في بيان أحكام القضاء بين أهل الذمة، وهم أهل العهد من الكفار كاليهود والنصاري والسامرة.
و"الذمة" في اللغة العهد والأمان، وكذلك الذمام، وسمي أهل الذمة؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ رجم يهوديًّا ويهودية حين تحاكموا إليه".
ش: إسناده صحيح. ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن معبد بن شداد العبدي الرقي صاحب محمَّد الحسن الشيباني، وثقه أبو حاتم وغيره.
وأخرجه الجماعة فقال البخاري (١): ثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﵇ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﵇: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمَّد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﵇ فرجما، فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها الحجارة.
وقال مسلم (٢): حدثني الحكم بن موسى أبو صالح، قال: ثنا شعيب بن إسحاق، قال: أنا عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله أخبره: "أن رسول الله ﵇ أتي
стр. 7377
بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﵇ حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زني؟ قالوا نسود وجوههما ونحممها، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بها وقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﵇: مره فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﵇ فرجمهما، قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، ولقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه".
وأخرجه أيضًا (١) عن أبي الطاهر، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. . . . نحو رواية البخاري.
وقال أبو داود (٢): حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن نافع. . . . إلى آخره.
وقال الترمذي (٣): ثنا إسحاق بن [موسى عن] (٤) معن، عن مالك مختصرًا: "أن النبي ﵇ رجم يهوديًّا ويهودية". وقال: وفي الحديث قصة، وهو حسن صحيح.
وقال النسائي (٥): أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك .. إلى آخره مطولًا.
وقال ابن ماجه (٦): ثنا علي بن محمَّد الطنافسي، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر .. إلى آخره.
قوله: "نفضحهم" أي نكشف مساوئهم، والاسم: الفضيحة والفضوح.
стр. 7378
قوله: "يَجْنَأ" بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة وهمزة، يقال: جَنَأَ الرجل الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه إذا أكَبَّ عليه، ويروي بضم الياء يقال: أجني عليه، يُجْنِئ إجناءً إذا أكب عليه يقيه شيئًا وروي يَحْني بفتح الياء وسكون الحاء المهملة أي يكب عليه، ويروى يحاني من المحاناة، ويروي بجيم ثم باء موحدة ثم همزة، أي يركع عليها، ويروي بعضهم "يُحَنِّي عليها" بفتح الحاء المهملة وتشديد النون.
قوله: "ونحممها" من التحميم، وهو تسويد الوجه بالحمم وهو جمع حممة، وهي الفحمة، وقال الحافظ المنذري: هذه المرأة المرجومة ذكر أبو القاسم الخثعمي عن بعض أهل العلم أن اسمها بسرة.
ويستفاد منه أحكام:
فيه: سؤال أهل الكتاب عن كتابهم، وفيه دليل على أن التوراة صحيحة لديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﵇ عنها ولا دعى بها.
وفيه: دليل على أن الكتاب الذي كانوا يكتبونه بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله، هي كتب أحبارهم وفقهائهم ورهبانهم، كانوا يضيفون لهم أشياء من عندهم وأهوائهم ويضيفوها إلى الله ، ولهذا وشبهه من أشكال أمرهم نهينا عن التصديق بما حدثونا به وعن التكذيب بشيء من ذلك؛ لئلا نصدق بباطل أو نكذب بحق، وقد خلطوا الحق بالباطل، ومن صح عنده شيء من التوراة ففعل مثل عبد الله بن سلام وغيره من أحبار اليهود الذين يعلمون جاز له أن يقرأه ويعمل بما فيه إن لم يكن مخالفًا لشريعتنا وسنة نبينا محمد ﵇.
وفيه: دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم ويضيفون كذبهم إلى ربهم وكتابهم، لأنهم قالوا وهم يقرءون في التوراة إن الزناة يفضحون ويجلدون محصنين كانوا بالنكاح أو غير محصنين وفي التوراة غير ذلك من رجم الزناة المحصنين.
وفيه: دليل على ما اليهود عليه من الخبث والمكر والتبديل.
стр. 7379
وفيه: إثبات الرجم والحكم به على الثيب الزاني، وهو أمر أجمع عليه أهل الحق، وهم الجماعة أهل السنة والأثر، ولا يخالف في ذلك من بعده أهل العلم خلافًا.
وفيه: دليل على أن شرائع مَنْ قَبلَنا شرائع لنا إلا ما ورد في القرآن أو السنة نسخه.
وفيه: أن أهل الكتاب وسائر أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا ورضوا بحكم حكامنا هل يحكمون بينهم أم لا؟ فيه خلاف سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن أهل الذمة إذا أصابوا شيئًا من حدود الله تعالى، لم يحكم عليهم بحكم المسلمين حتى يتحاكموا إليهم ويرضوا بحكمهم، فإذا تحكموا إليهم كان الإِمام مخيَّرًا؛ إن شاء أعرض عنهم فلم ينظر فيما بينهم وإن شاء حكم، واحتجوا في ذلك بقول الله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١).
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومالكًا والشافعي في قول؛ فإنهم قالوا: أهل الذمة إذا أصابوا شيئًا من حدود الله. . . . إلى آخر ما ذكره.
وقال ابن حزم: هل تقام الحدود على أهل الذمة أم لا؟ قال علي: اختلف الناس في هذا: جاء عن علي بن أبي طالب ﵁: لا حد على أهل الذمة في الزنا، وجاء عن ابن عباس: لا حد على أهل الذمة في السرقة، وقال مالك: لا حد عليهم في زنا ولا في شرب الخمر، وعليهم الحد في القذف والسرقة، وقال الشافعي وأبو سليمان وأصحابهما: عليهم الحد في كل ذلك.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: على الإِمام أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين، وكل ما وجب على الإمام أن يقيمه على المسلمين فيما أصابوا من الحدود وجب أن يقيمه على أهل الذمة، غير ما يستحلونه في دينهم كشربهم الخمر وما أشبهه فإن ذلك يختلف حالهم فيه وحال المسلمين؛ لأن المسلمين
стр. 7380
يعاقبون على ذلك، وأهل الذمة لا يعاقبون عليه، وخلا الرجم في الزنا فإنه لا يقام عندهم على أهل الذمة. لأن الأسباب التي يجب بها الإحصان في قولهم: أحدها الإسلام، فأما ما سوى ذلك من العقوبات الواجبات في انتهاك الحرمات فإن أهل الذمة فيه كأهل الإسلام، ويجب على الإمام أن يقيمه عليهم وإن لم يتحاكموا إليه، كما يجب عليه أن يقيمه على أهل الإسلام وإن لم يتحاكموا إليه.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في قول.
ولكن فيما بينهم خلاف من وجه آخر، فقال أبو حنيفة: إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، فإن جاءت المرأة وحدها ولم يرضى الزوج لا يحكم.
وقال أبو يوسف ومحمد وزفر: بل يحكم.
وكذلك اختلف أصحاب مالك على هذين القولين، والمشهور من مذهب مالك في الذميين يشكو أحدهما ويأبى صاحبه من الحاكم عندنا أنه لا يحكم بينهما إلا بأن يتفقا جميعًا على الرضى بحكمنا، فإن كان ظلمًا ظاهرًا منعوا بأن يظلم بعضهم بعضًا.
وقال مالك وجمهور أصحابه في الذمي والمعاهد والمستأمن يسرق من مال ذِمِّي: أنه يقطع كما لو سرق من مال مسلم.
وقال أبو عمر: إذا سرق الذمي من ذمي ولم يترافعوا إلينا فلا تعرَّض لهم عندنا، وإن ترافعوا إلينا حكمنا عليهم بحكم الله بينهم، وإذا سرق ذمي من مسلم كان الحكم حينئذ إلينا فوجب القطع.
وقال أيضًا: اختلف الفقهاء في اليهوديَّيْن الذمين إذا زنيا هل يُحَدَّان أم لا؟ فقال مالك: إذا زني أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإِمام إلا أن يُظهروا ذلك في ديار المسلمين ويُدْخِلُون عليهم الضرر، فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين.
стр. 7381
وقال الشافعي: إن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم أو ندع وإن حكمنا رجمنا المحصن، وجلدنا البكر مائة وغربناه عامًا، واختار هذا القول جماعة من أصحابه، وقال في كتاب الجزية: لا خيار للإمام ولا للحاكم إذا جاءوا في حدٍّ لله تعالى، وعليه أن يقيمه عليهم.
وهذا القول اختاره المزني.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يحدان إذا زنيا كحد المسلم. انتهى.
وقال أبو بكر الرازي في "الأحكام" قال أصحابنا: أهل الذمة يُحْكَمون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإِسلام كالمسلمين إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما بينهم؛ لأنهم مُقِّرون على أن يكون مَالًا لهم ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرًا: أن عليه قيمتها، وقد روي أنهم كانوا يأخذون الخمر في العشور فكتب إليهم عمر ﵁ أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها، فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما، وما عدا ذلك فهم محمولون على أحكامنا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).
ثم قال: فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات والحدود، وأهل الذمة والمسلمون فيها سواء، إلا أنهم لا يرجمون؛ لأنهم غير محصنين.
واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم. فقال أبو حنيفة: هم مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا بأحكامنا، فإن تراضى بها الزوجان حملًا على أحكامنا، وإن أبي أحدهما لم يعترض عليهم، فإن تراضيا جميعًا حملهما على أحكام الإِسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه لا يفرق بينهم، وكذلك إن أسلموا، وقال محمَّد: إذا رضى أحدهما حُمِلَا جميعًا على أحكامنا، وإن أبوا، إلا في النكاح بغير شهود فإنه يجيزه إذا تراضوا بها.
стр. 7382
وقال زفر: يحملون في النكاح بغير شهود على أحكامنا، ولا نجيزه إذا تراضوا بها.
ص: وكان من الحجة لهم في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرنا: أنه إنما أخبر فيه ابن عمر أن رسول الله ﵇ رجم يهودية ويهودي حين تحاكموا إليه، ولم يقل: إن رسول الله ﵇ قال: إنما رجمتهم لأنهم تحاكموا إلي، ولو كان قال ذلك لَعُلِم أن الحكم منه إنما يكون إليه بعد أن يتحاكم إليه، وأنهم إذا لم يتحاكموا إليه لم ينظر في أمورهم، ولكنه لم يجيء هكذا، وإنما جاء عنه أنه رجمهما حين تحاكموا إليه، فإنما أخبر عن فعل النبي ﵇ وحكمه إذا تحكموا إليه، ولم يخبر عن حكمهم عنده قبل أن يتحاكموا إليه هل يجب عليهم فيه إقامة الحد عليهم أم لا؛ فبطل أن يكون في هذا الحديث دلالة في ذلك عن رسول الله ﵇ ولا عن ابن عمر من رأيه.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين في حديث عبد الله بن عمر ﵄. . . . إلى آخره، وأرد بذلك الجواب عن حديثه الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، حاصلة: أنه لا يدل على ما ادعوا من ذلك، وَبَيَّنَ ذلك بقوله: "ولم يقل: إن رسول الله ﵇ قال. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: ثم نظرنا فيما سوى ذلك من الآثار، هل فيه ما يدل على شيء من ذلك؟
فإذا أحمد بن أبي عمران قد حدثنا، قال: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: ثنا حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله: " [أن] (١) اليهود جاءوا إلى رسول الله ﵇ برجل وامرأة منهم زنيا، فقال لهم رسول الله ﵇: ائتوني بأربعة منكم يشهدون".
فثبت بهذا أن رسول الله ﵇ قد كان نظر بينهم قبل أن يُحَكِّمه الرجل والمرأة المدعى عليهما الزنا، لأنهما جميعًا جاحدان، ولو كانا مقرين لما احتاج مع إقرارها إلى أربعة يشهدون.
стр. 7383
ش: ذكر هذا شاهدًا لما قاله من قوله: إن الإِمام يجب عليه أن يحكم بأحكام المسلمين إذا تحاكموا إليه فيما أصابوا من الحدود إلا في المواضع المسستثناة على ما مَرَّ آنفًا.
أخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن زهير بن حرب بن شداد النسائي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن حفص بن غياث النخعي قاضي الكوفة، عن مجالد بن سعيد، فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن جابر ﵁.
وأخرجه أبو داود بأتم منه (١): نا يحيى بن موسى البلخي قال: ثنا أبو أسامة، قال: نا مجالد، أنا عامر، عن جابر بن عبد الله قال: "جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم، فأتوه بابني صورياء، فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة؛ رُجِمَا، فقال: ما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعى رسول الله ﵇ بالشهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﵇ برجمهما".
وأخرجه (٢) عن الشعبي أيضًا مرسلًا.
قوله: "بابني صُورياء" لعله أراد عبد الله وكنانة ابني صورياء.
وصُورِياء ممدود وبضم الصاد المهملة، وسكون الواو وكسر الراء.
ص: وقد روي عن البراء بن عازب، عن رسول الله ﵇ ما يدل على ذلك أيضًا:
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال:
стр. 7384
ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن البراء ﵁ قال: "مر رسول الله ﵇ بيهودي قد حمم وقد ضرب، يطاف به، فقال رسول الله ﵇: ما شأن هذا؟ فقالوا: زنى، قال: فما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نحمم وجهه ويعزر ويطاف به، فقال: أنشدكم بالله ما تجدون حده في كتابكم؟ فأشاروا إلى رجل منهم فسأله رسول الله ﵇ فقال الرجل: نجد في التوراة الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا وندع أشرافنا، فاصطلحنا على شيء فوضعنا هذا، فرجمه رسول الله ﵇ وقال: أنا أول من أُحيي ما أماتوا من أمر الله ".
ففي هذا ما قد دل أن النبي ﵇ قد كان له أن يحكم بينهم وإن لم يحكموه؛ لأن في هذا الحديث أنهم مروا به عليه وهو يحمم. . . . فذكر باقي الحديث، ثم رجمه رسول الله ﵇، فلما دعاهم رسول الله ﵇؛ إنكارًا لما فعلوا من قبل أن يأتوه، فرد أمرهم إلى حكم الله الذي قد عطلوه وغيروه؛ ثبت بذلك أنه قد كان له أن يحكم فيما بينهم حَكَّمُوه أو لم يُحَكِّمُوه.
فهذا ما في هذه الآثار من الدليل على ما تكلمنا فيه.
ش: أي: قد روي عن البراء بن عازب، عن النبي ﵇ ما يدل على أن الإِمام له أن يحكم فيما بين أهل الذمة سواء حكمَّوه أو لا، ويجب عليه أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي معاوية -قال يحيى: أنا أبو معاوية- عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: "مُرَّ على النبي ﵇ بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حَدُّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعى رجلًا من علمائهم فقال:
стр. 7385
أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، قال رسول الله ﵇: اللهم إني أول من أُحيي أمرك إذا أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (١) يقول: ائتوا محمدًا ﵇ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) في الكفار كلها".
وأخرجه أبو داود (٥): عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٦) وابن ماجه (٧) أيضًا.
قوله: "حمم" أي سوده بالحممة وهي الفحمة، وقد مَرَّ تفسيرها مرة.
قوله: "أنشدكم بالله" يقال: نشدتك بالله وناشدتك، وأنشدك عهد الله، وأنشدك الله، قيل: معناه سألتك بالله، وقيل: ذكرتك بالله، وقيل: هو من النشيد وهو رفع الصوت أي سألت الله يرفع صوتي لك بذلك.
стр. 7386
قوله: "على سَفَلَتِنَا" السَّفَلَة بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس، والسفالة: النذالة، يقال: هو من السفلة. ولا يقال: هو سفلة والعامة تقول: هو رجل سفلة من قوم سفل، وليس بعربي، وبعض العرب يخفف فيقول: فلان من سِفْلة الناس، فينقل كسرة الفاء إلى السين.
ويستنبط منه أحكام:
حكم النبي ﵇ على اليهود بحكم التوراة، وأن حكم التوراة كان باقيًا في زمن رسول الله ﵇، وأن مبعث النبي ﵇ لم يوجب نسخه، ودل ذلك على أن ذلك الحكم كان كائنا لم ينسخ بشريعة الرسول ﵇.
وفيه إيجاب الحكم بما أنزل الله وأن لا يُعدل عنه ولا يُحابي فيه مخافة الناس.
وفيه أن اليهود قد حرفوا أكثر التوراة لأجل الدنيا، وأخذوا الرشا على ذلك، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١).
وفيه أن من لم يحكم بما أنزل الله يطلق عليه الكافر والظالم والفاسق، ولكن المراد من الكفر كفران النعمة من غير جحود حكم، وقد اختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: هو في الجاحد لحكم الله، وقال: هي في اليهود خاصة، وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هي عامة.
يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله، وحكم بغيره أنه حكم الله، وفي رواية البراء: هي كلها في الكفار كما مَرَّ آنفًا، وقال إبراهيم النخعي: "الآية نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها" وروى الثوري، عن زكرياء، عن الشعبي قال: "الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى". والله أعلم.
ص: وأما قول الله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢) فإن الذين ذهبوا إلى تثبيت الحكم يقولون: هي منسوخة.
стр. 7387
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال: نسختها هذه الآية: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).
وقال الآخرون: تأويلها: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إن حكمت.
فلما اختلف في تأويل هذه الآية، وكانت الآثار قد دلت على ما ذكرنا؛ ثبت أن الحكم عليهم على إمام المسلمين ولم يكن له تركه؛ لأن في حكمه النجاة في قول جميعهم؛ لأن من يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد فعل ما هو عليه أن يفعله، ومن يقول: هو مخير يقول: قد فعل ما له أن يفعله، وإذا ترك الحكم فمن يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد ترك ما كان عليه أن يفعله، ومن يقول: له أن لا يحكم يقول: قد ترك ما كان له تركه، فإذا حكم شهد له الفريقان جميعًا بالنجاة، فإذا لم يحكم لم يشهدا بذلك.
فأولى الأشياء بنا أن تفعل ما فيه النجاة بالاتفاق دون ما فيه ضد النجاة بالاختلاف.
وهذا الذي ذكرنا من وجوب الحكم عليه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا جواب عن الآية التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢)، وكانوا قد قالوا: إن الله تعالى قد خير نبيه ﵇ بين الحكم والإعراض إذا ارتفع أهل الذمة إليه، فَدَلَّ ذلك أنه لا يجب على الإِمام أن يحكم عليهم إذا ارتفعوا إليه، وبيان الجواب عن ذلك أن التخيير منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).
стр. 7388
أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي، عن عكرمة مولى ابن عباس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن عكرمة نحوه.
وكذا روى سعيد بن الجبير، عن الحكم، عن مجاهد.
وكذا روى عثمان، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄.
قال الجصاص: ذكر هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) ناسخ للتحيز المذكور في قوله تعالى:
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣) ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي والاجتهاد، وإنما طريقه التوقيف.
قوله: "وقال الآخرون" وأراد بهم أهل المقالة الأولى "تأويلها" أي تأويل الآية المذكورة وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية، غير ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ﴾ (٣) وإنما تأويلها: احكم بينهم بما أراك الله إن حكمت. ويقال: يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢) قبل أن تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الإِسلام بالجزية، ويكون قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) بعد عقد الذمة لهم ودخولهم في أحكام الإِسلام، والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس: "أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣) إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف ويدون دية كاملة، وأن بني قريظة يدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﵇، فأنزل الله ذلك فيهم،
стр. 7389
فحملهم رسول الله ﵇ على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء، ومعلوم أن بني قريظة والنضير لم يكن لهم ذمة قط، وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة فنقضوها فأخبر ابن عباس أن آية التخيير نزلت فيهم، فجائز أن يكون حكمها باقيًا في أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الآخرى في وجوب الحكم في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله ثابتًا في أهل الذمة، فلا يكون فيها نسخ.
قال الجصاص: هذا تأويل سائغ لولا ما روي من السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى.
قوله: "ولم يكن له" أي للإمام "تركه" أي ترك الحكم، والباقي ظاهر.
ص: فإن قال قائل: فأنتم لا ترجمون اليهود إذا زنوا، فقد تركتم بعض ما في الحديث الذي به احتججتم!.
قيل له: إن الحكم كان في الزناة في عهد موسى ﵇ هو الرجم على المحصن وغير المحصن، وكذلك كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله ﵇ عن حد الزنا في كتابهم، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله ﵇، فكان على النبي ﵇ اتباع ذلك والعمل به؛ لأن على كل نبي اتباع شريعة النبي الذي كان قبله حتي يحدث الله شريعة تنسخ شريعته، قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فرجم رسول الله ﵇ اليهوديين على ذلك الحكم ولا فرق حينئذ في ذلك بين المحصن وغير المحصن، ثم أحدث الله لنبيه ﵇ شريعة نسخت هذه الشريعة فقال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) فكان هذا ناسخًا لما كان قبله، ولم يفرق في ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن، ثم نسخ الله ذلك فجعل الحد هو الأذى بالآية التي بعدها ولم يفرق في
стр. 7390
ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن، ثم جعل الله لهن سبيلًا، فقال رسول الله ﵇: "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ففرق حينئذ بين حد المحصن وحد غير المحصن، فجعل حد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد استدللتم فيما ذهبتم إليه من وجوب الحكم على الإِمام بين أهل الذمة وإن لم يُحَكِّموه بحديثي جابر والبراء ﵄ وحديثاهما عام في المحصن وغير المحصن، ثم تركتم بعض ما فيه، حيث قلتم: إن اليهود إذا زنوا لا يرجمون، وشرطتم في وجوب الرجم الإِسلام، وجعلتموه من جملة شروط الإحصان.
فأجاب عنه بقوله: "قيل له. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر، ولكنا نتكلم في الآية الكريمة فنقول: لم يختلف السلف في حد الزانِيَيْن في أول الإِسلام ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (٢) فكان حد المرأة الحبس والأذي بالتعيير، وكان حد الرجل التعيير، ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) ونسخ عن المحصن بالرجم، وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﵇: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر. . . . الحديث". وكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١).
وقال الجصاص ما ملخصه: إن كون حد الزانيين في أول الإِسلام الحبس والأذى وكون المحصن وغير المحصن فيه سواء، دليل على أنه ﵇ رجم اليهوديين بحكم