← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

قوله: "على سَفَلَتِنَا" السَّفَلَة بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس، والسفالة: النذالة، يقال: هو من السفلة. ولا يقال: هو سفلة والعامة تقول: هو رجل سفلة من قوم سفل، وليس بعربي، وبعض العرب يخفف فيقول: فلان من سِفْلة الناس، فينقل كسرة الفاء إلى السين. ويستنبط منه أحكام: حكم النبي ﵇ على اليهود بحكم التوراة، وأن حكم التوراة كان باقيًا في زمن رسول الله ﵇، وأن مبعث النبي ﵇ لم يوجب نسخه، ودل ذلك على أن ذلك الحكم كان كائنا لم ينسخ بشريعة الرسول ﵇. وفيه إيجاب الحكم بما أنزل الله وأن لا يُعدل عنه ولا يُحابي فيه مخافة الناس. وفيه أن اليهود قد حرفوا أكثر التوراة لأجل الدنيا، وأخذوا الرشا على ذلك، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١). وفيه أن من لم يحكم بما أنزل الله يطلق عليه الكافر والظالم والفاسق، ولكن المراد من الكفر كفران النعمة من غير جحود حكم، وقد اختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: هو في الجاحد لحكم الله، وقال: هي في اليهود خاصة، وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هي عامة. يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله، وحكم بغيره أنه حكم الله، وفي رواية البراء: هي كلها في الكفار كما مَرَّ آنفًا، وقال إبراهيم النخعي: "الآية نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها" وروى الثوري، عن زكرياء، عن الشعبي قال: "الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى". والله أعلم. ص: وأما قول الله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢) فإن الذين ذهبوا إلى تثبيت الحكم يقولون: هي منسوخة.

стр. 7387

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال: نسختها هذه الآية: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١). وقال الآخرون: تأويلها: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إن حكمت. فلما اختلف في تأويل هذه الآية، وكانت الآثار قد دلت على ما ذكرنا؛ ثبت أن الحكم عليهم على إمام المسلمين ولم يكن له تركه؛ لأن في حكمه النجاة في قول جميعهم؛ لأن من يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد فعل ما هو عليه أن يفعله، ومن يقول: هو مخير يقول: قد فعل ما له أن يفعله، وإذا ترك الحكم فمن يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد ترك ما كان عليه أن يفعله، ومن يقول: له أن لا يحكم يقول: قد ترك ما كان له تركه، فإذا حكم شهد له الفريقان جميعًا بالنجاة، فإذا لم يحكم لم يشهدا بذلك. فأولى الأشياء بنا أن تفعل ما فيه النجاة بالاتفاق دون ما فيه ضد النجاة بالاختلاف. وهذا الذي ذكرنا من وجوب الحكم عليه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا جواب عن الآية التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢)، وكانوا قد قالوا: إن الله تعالى قد خير نبيه ﵇ بين الحكم والإعراض إذا ارتفع أهل الذمة إليه، فَدَلَّ ذلك أنه لا يجب على الإِمام أن يحكم عليهم إذا ارتفعوا إليه، وبيان الجواب عن ذلك أن التخيير منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).

стр. 7388

أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي، عن عكرمة مولى ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن عكرمة نحوه. وكذا روى سعيد بن الجبير، عن الحكم، عن مجاهد. وكذا روى عثمان، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄. قال الجصاص: ذكر هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) ناسخ للتحيز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣) ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي والاجتهاد، وإنما طريقه التوقيف. قوله: "وقال الآخرون" وأراد بهم أهل المقالة الأولى "تأويلها" أي تأويل الآية المذكورة وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية، غير ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ﴾ (٣) وإنما تأويلها: احكم بينهم بما أراك الله إن حكمت. ويقال: يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢) قبل أن تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الإِسلام بالجزية، ويكون قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) بعد عقد الذمة لهم ودخولهم في أحكام الإِسلام، والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس: "أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣) إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف ويدون دية كاملة، وأن بني قريظة يدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﵇، فأنزل الله ذلك فيهم،

стр. 7389

فحملهم رسول الله ﵇ على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء، ومعلوم أن بني قريظة والنضير لم يكن لهم ذمة قط، وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة فنقضوها فأخبر ابن عباس أن آية التخيير نزلت فيهم، فجائز أن يكون حكمها باقيًا في أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الآخرى في وجوب الحكم في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله ثابتًا في أهل الذمة، فلا يكون فيها نسخ. قال الجصاص: هذا تأويل سائغ لولا ما روي من السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى. قوله: "ولم يكن له" أي للإمام "تركه" أي ترك الحكم، والباقي ظاهر. ص: فإن قال قائل: فأنتم لا ترجمون اليهود إذا زنوا، فقد تركتم بعض ما في الحديث الذي به احتججتم!. قيل له: إن الحكم كان في الزناة في عهد موسى ﵇ هو الرجم على المحصن وغير المحصن، وكذلك كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله ﵇ عن حد الزنا في كتابهم، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله ﵇، فكان على النبي ﵇ اتباع ذلك والعمل به؛ لأن على كل نبي اتباع شريعة النبي الذي كان قبله حتي يحدث الله شريعة تنسخ شريعته، قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فرجم رسول الله ﵇ اليهوديين على ذلك الحكم ولا فرق حينئذ في ذلك بين المحصن وغير المحصن، ثم أحدث الله لنبيه ﵇ شريعة نسخت هذه الشريعة فقال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) فكان هذا ناسخًا لما كان قبله، ولم يفرق في ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن، ثم نسخ الله ذلك فجعل الحد هو الأذى بالآية التي بعدها ولم يفرق في

стр. 7390

ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن، ثم جعل الله لهن سبيلًا، فقال رسول الله ﵇: "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ففرق حينئذ بين حد المحصن وحد غير المحصن، فجعل حد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد استدللتم فيما ذهبتم إليه من وجوب الحكم على الإِمام بين أهل الذمة وإن لم يُحَكِّموه بحديثي جابر والبراء ﵄ وحديثاهما عام في المحصن وغير المحصن، ثم تركتم بعض ما فيه، حيث قلتم: إن اليهود إذا زنوا لا يرجمون، وشرطتم في وجوب الرجم الإِسلام، وجعلتموه من جملة شروط الإحصان. فأجاب عنه بقوله: "قيل له. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر، ولكنا نتكلم في الآية الكريمة فنقول: لم يختلف السلف في حد الزانِيَيْن في أول الإِسلام ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (٢) فكان حد المرأة الحبس والأذي بالتعيير، وكان حد الرجل التعيير، ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) ونسخ عن المحصن بالرجم، وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﵇: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر. . . . الحديث". وكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). وقال الجصاص ما ملخصه: إن كون حد الزانيين في أول الإِسلام الحبس والأذى وكون المحصن وغير المحصن فيه سواء، دليل على أنه ﵇ رجم اليهوديين بحكم

стр. 7391

مبتدأ وأن الرجم الذي أوجبه الله تعالى في التوراة قد كان منسوخًا، ولما ثبت أنه رجمها؛ صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما إلا أنه لما رجمهما لم يكن من شرط الرجم الإحصان فلذلك رجمهما، فلما شُرِطَ الإحصان فيه، وقال ﵇: "من أشرك بالله فليس بمحصن" صار حدهما الجلد، وسيجيء زيادة تحقيق في هذا، وفي قوله ﵇: "البكر بالبكر. . . ." الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت وأخرجه في كتاب الحدود مستوفى. وأما قوله ﵇: "من أشرك بالله فليس بمحصن". فنقول: قال الدارقطني (١): ثنا عبد الله بن خشيش، ثنا سلم بن جنادة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن". ثنا دعلج (٢)، ثنا ابن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن". قال الدارقطني: لم يرفعه غير إسحاق، ويقال: إنه رجع عنه، والصواب موقوف. وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا من حديث جويرية، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: "من أشرك بالله فليس بمحصن". قال البيهقي: وهكذا رواه أصحاب نافع عنه، وقال البيهقي في "الخلافيات" وابن عمر إنما أرد به إحصان العفائف في حد القذف دون الإحصان الذي من شرائط الرجم، فهو يروي: "أن رسول الله ﵇ رجم يهوديين زنيا" وهو لا يخالف النبي ﵇ فيما روى عنه.

стр. 7392

قلت: إسحاق هو ابن راهويه، حجة حافظ، فإذا رفع الثقة حديثا لا يضره وقف من وقفه فظهر أن الصواب فيه الرفع، وتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه، وليس ابن عمر مخالف لما رواه ولا يقال فيه ذلك، وكلها روايات صحيحة، أما روايته الأولى التي فيها: "أنه ﵇ رجم يهوديين زنيا" فكان ذلك قبل اشتراط الإحصان كما ذكرنا، وأما روايته الأخرى فكان ذلك حين اشترط الإحصان؛ فافهم، والله أعلم. وروى الدارقطني (١) أيضًا: ثنا عبد الله بن أحمد بن ثابت البزاز، حدثنا أحمد بن يوسف الثعلبي، ثنا أحمد بن أبي نافع، ثنا عفيف بن سالم، ثنا سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﵇ "لا يحصن المشرك بالله شيئًا". قال الدارقطني: وَهِمَ عفيف في رفعه، والصواب موقوف من قول ابن عمر. قلت: عفيف ثقة. قاله ابن معين وأبو حاتم، ذكره ابن القطان، وقال صاحب "الميزان": محدث مشهور، صالح الحديث، وقد قلنا: إن الثقة إذا رفع الحديث لا يضره وقف من وقفه (٢). ص: ثم اختلف الناس من بعد في الإحصان، فقال قوم: لا يكون الرجل محصنًا بامرأته ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حُرَّين مسلمين بالغين، قد جامعها وهما بالغان في نكاح صحيح، وممن قال بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏. ش: لما ذكر أن اليهود لا يرجمون إذا زنوا لعدم شرط الإحصان وهو الإِسلام؛ أخذ في بيان شروط الإحصان مع بيان الخلاف فيه، واعلم أن شروط إحصان الرجم

стр. 7393

سبعة: العقل والبلوغ والحرية والإِسلام والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جُمعا على هذه الصفات وهو أن يكونا جميعًا عاقلين بالغين حُرَّين مسلمين، فوجود هذه الصفات فيهما معًا شرط لكون كل واحد منها محصنًا، والدخول في النكاح الصحيح بعد سائر الشروط متأخرًا عنها، وإن تقدمها لم يعتبر ما لم يوجد دخول آخر بعدها، فلا إحصان للصبي والمجنون والعبد والكافر، ولا بالنكاح الفاسد، ولا بنفس النكاح ما لم يوجد الدخول، وما لم يكن الزوجان جميعًا وقت الدخول على صفة الإحصان حتى أن الزوج العاقل البالغ الحر المسلم إذا دخل بزوجته وهي صبية أو مجنونة أو أمة أو كتابية، ثم أدركت الصبية وأفاقت المجنونة وأعتقت الأمة وأسلمت الكتابية، لا يصير محصنًا ما لم يوجد دخول آخر بعد زوال هذه العوارض، حتى لو زنى قبل دخول آخر لا يرجم، فإذا وجدت هذه الصفات صار الشخص محصنًا، وأشار إلى ذلك بقوله: "فقال قوم: لا يكون الرجل محصنًا. . . ." إلى آخره. وأراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي وطاوسًا وموسى بن عقبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا. قال أبو عمر (١): اختلف الفقهاء في الإحصان الموجب للرجم، فجملة قول مالك ومذهبه أن يكون الزاني حرًّا مسلمًا بالغًا عاقلًا قد وطيء وطئًا مباحًا في عقد نكاح، ثم زنى بعد هذا، والكافر عنده والعبد لا يثبت لواحد منهما إحصان، وكذلك الوطء المحظور كالوطء في الإحرام أو في الصيام أو في الاعتكاف أو في الحيض، لا يثبت بذلك إحصان، إلا أن الأمة والكافرة والصغيرة تحصن الحر المسلم، ولا يحصنهن، هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه. وَحَدُّ الحصانة في مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه على ضربين: أحدهما: إحصان يوجب الرجم يتعلق بسبع شرائط: الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والنكاح الصحيح، والدخول.

стр. 7394

والآخر: إحصان يتعلق به حد القذف، له خمس شرائط في المقذوف: الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والعفة. ص: وقال آخرون: يحصن أهل الكتاب بعضهم بعضًا، ويحصن المسلم النصرانية ولا تحصن النصرانية المسلم، وقد كان أبو يوسف قال بهذا القول في "الإملاء" فيما حدثني به سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف ﵀. ش: أي: وقال جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: يحصن أهل الكتاب. . . . إلى آخره. قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن زيد وسعيد بن المسيب: "في اليهودية والنصرانية تكون تحت المسلم ثم يفجر، قالا: يرجم". ثنا إسماعيل (٢) بن علية، عن يونس، عن الحسن قال كان يقول: "تحصن اليهودية والنصرانية المسلم". حدثنا الضحاك (٣) بن مخلد، عن ابن جريج، عن عطاء: "في الرجل يتزوج المرأة من أهل الكتاب أنها تحصنه". حدثنا ابن مهدي (٤)، عن إسرائيل، عن سالم قال: "سألت سعيد بن جبير عن الرجل يتزوج اليهودية والنصرانية والأمة، أيحصن معهن؟ قال: نعم". وقال أبو عمر: قال الشافعي: إذا دخل بامرأته وهما حران ووطئها فهذا إحصان، كافرين كانا أو مسلمين، وقد قال مالك: تحصن الأمة الحر ويحصن العبد

стр. 7395

الحرة، ولا تحصن الحرة العبد، ولا الحر الأمة، وتحصن اليهودية والنصرانية المسلم، وتحصن الصبية الرجل، وتحصن المجنونة العاقل، ولا يحصن الصبي المرأة ولا يحصن العبد الأمة، ولا تحصنه إذا جامعها في حال الرق، وإذا تزوجت المرأة خصيًّا وهي لا تعلم أنه خصي فوطئها ثم علمت أنه خصي فلها أن تختار فراقه ولا يكون ذلك الوطء إحصانًا. وقال الأوزاعي في العبد تحته الحرة: إذا زنى فعليه الرجم. وقال ابن حزم في "المحلى": اختلف الناس في المملوك الذكر إذا زنى، فقالت طائفة: حده حد الحر من الجلد والرجم والنفي، وقال مجاهد: إحصان العبد أن يتزوج الحرة، وإحصان الأمة أن يتزوجها الحر، وبهذا يأخذ أصحابنا كلهم. وقال أبو ثور: الأمة المحصنة والعبد المحصن عليهما الرجم إلا أن يمنع من ذلك إجماع. وقال الأوزاعي: إذا أُحِصَن العبد بزوجة حرة فعليه الرجم، وإن لم يعتق، فإن كان تحته أمة لم يجب عليه الرجم إن زنى، وإن أعتق، وكذلك قال أيضًا: إذا أُحْصِنَت الأمة بزوج حر فعليها الرجم، وإن لم تعتق، ولا تكون محصنة بزوج عبد. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد: حد العبد المحصن وغير المحصن والأمة: الجلد لا الرجم في شيء من ذلك. قوله: "وقد كان أبو يوسف قال بهذا القول" أي بقول الجماعة الآخرين، روى الطحاوي ذلك عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن أبي يوسف. وقال أبو عمر: وقد روي عن أبي يوسف في "الإملاء": أن المسلم يحصن النصرانية ولا تحصنه، وروي عنه أيضًا أن النصراني إذا دخل بامرأته النصرانية ثم أسلما أنهما محصنان بذلك الدخول.

стр. 7396

وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى: إذا زنى اليهودي أو النصراني بعد ما أحصنا فعليهما الرجم. قال أبو يوسف: وبه نأخذ. ص: فاحتمل قول رسول الله ﷺ : "الثيب بالثيب: الرجم" أن يكون هذا على كل ثيب، واحتمل أن يكون على خاص من الثيب، فنظرنا في ذلك فوجدناهم مجمعين أن العبيد غير داخلين في ذلك، وأن العبد لا يكون محصنًا ثيبًا كان أو بكرًا، ولا يحصن زوجته حرة كانت أو أمة، وكذلك الأمة لا تكون محصنة بزوجها حرًّا كان أو عبدًا، فثبت بما ذكرنا أن قول النبي ﵇: "الثيب بالثيب: الرجم" إنما وقع على خاص من الثيب لا على كل الثيب، فلم يدخل فيما قد أجمعوا أنه وقع على خاص إلا ما قد أجمعوا أنه فيه داخل، وقد أجمعوا أن الحرين المسلمين البالغين الزوجين اللذين قد كان منهما جماع محصنين، واختلفوا فيمن سواهما، فقد أحاط علمنا أن ذلك قد دخل في قول رسول الله ﵇: "الثيب بالثيب: الرجم" فأدخلناه فيه، ولم نحط علمًا بما سوى ذلك فأخرجناه منه، وقد كان يجيء في القياس لما كانت الأمة لا تحصن الحر ولا يحصنها الحر، وكانت هي في عدم إحصانها إياه كهو في عدم إحصانه إياها؛ أن تكون كذلك النصرانية لما كانت لا تحصن زوجها المسلم كان هو أيضًا كذلك لا يحصنها، وقد رأينا الأمة أيضًا لما بطل أن تكون تحصن الحر، بطل أن تكون تحصن العبد، فكذلك يجيء في النظر أيضًا أن تكون النصرانية لما بطل أن تحصن المسلم بطل أن تحصن الكافر؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا. ش: أشار بهذا إلى الجواب عما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، محتجين بعموم قوله ﵇: "الثيب بالثيب: الرجم" وذلك أنه يعم المسلمين والكافرين ولا يُخَصُّ منه شيء إلا ما خصَّه الله ورسوله ﵇ من العبيد والإماء. وتقرير الجواب: أن يقال: إن قوله ﵇: "الثيب بالثيب" يحتمل أن يكون على عمومه فيشمل كل ثيب، ويحتمل أن يراد به الثيب الخاص، فلما نظرنا فيه فوجدنا

стр. 7397

العبيد والإماء قد خرجوا منه باتفاق الخصوم، ظهر لنا أن المراد به الثيب الخاص لا مطلق الثيب، فإذا كان كذلك وقد كانوا أجمعوا على إحصان الحرين المسلمين البالغين الزوجين اللذين حصل بينها الجماع، واختلفوا فيمن سواهما فقد دخل ما أجمعوا عليه في قوله ﵇: "الثيب بالثيب: الرجم" لإحاطة علمنا بذلك، ولم يدخل ما اختلفوا فيه في ذلك لعدم إحاطة علمنا به، فلذلك قلنا: النص لا يتناول الكافرين كما لا يتناول العبيد والإماء؛ فافهم، هذا حاصل ما ذكره الطحاوي. وقد يقال: إن قوله ﵇: "الثيب بالثيب: الرجم" خُصَّ بقوله: "من أشرك بالله فليس بمحصن" والذمي مشرك على الحقيقة فلم يكن محصنًا، والله أعلم بالصواب.

стр. 7398

ص: باب: القضاء باليمين مع الشاهد ش: أي هذا باب في بيان حكم القاضي بيمين المدعي مع الشاهد الفرد هل يجوز أم لا؟ ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرني سيف بن سليمان المكي، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ : قضى باليمين مع الشاهد". ش: رجاله ثقات إلا أن النسائي قال: يحيى بن عبد الحميد ضعيف. ووثقه غيره. وزيد بن الحباب بن الريان الكوفي، روي له الجماعة سوى البخاري، وسيف بن سليمان ويقال: ابن أبي سليمان المكي، روي له الجماعة سوى الترمذي. وقيس بن سعد المكي مولى نافع بن علقمة، روي له مسلم والأربعة غير الترمذي. والحديث أخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي، أن زيد بن الحباب حدثهم، قال: ثنا سيف المكي -قال عثمان: سيف بن سليمان- عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ قضي بيمين وشاهد". وأخرجه النسائي (٢) عن عبيد الله بن سعيد، عن عبد الله بن الحارث، عن سيف. . . . بإسناده نحوه. وابن ماجه (٣) عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، عن عبد الله بن الحارث، عن سيف، به نحوه. فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟

стр. 7399

قلت: قال البيهقي: قال الشافعي: حديث ابن عباس ثابت، ومعه ما يشده. وأخرجه مسلم في "الصحيح" (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، عن زيد ابن الحباب. وقال البيهقي في "الخلافيات": سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: وقد تعرض لهذا الحديث بعض المخالفين ممن ليس بصناعته معرفة الحديث الصحيح من السقيم، واحتج فيه بما روى العباس الدوري، عن يحيى بن معين قال: حديث ابن عباس: "أن النبي ﵇ قضى بشاهد ويمين" ليس هذا بمحفوظ. قال أبو عبد الله: فنقول وبالله التوفيق: إن شيخنا أبا زكريا لم يطلق هذا القول على حديث سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وإنما أراد الحديث الخطأ الذي روي عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. أو الحديث الذي تفرد به إبراهيم بن محمَّد عن ابن أبي مليكة. وأما حديث سيف بن سليمان فليس في إسناده من يجرح، ولم تعلم له أيضًا علة يعلل بها الحديث، والإمام أبو زكرياء أعرف بهذا الشأن من أن يظن به يوهن حديثا يرويه الثقات الأثبات، قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن سيف بن سليمان، فقال: كان عندنا ثبتًا ممن يصدق ويحفظ. وعلل الطحاوي هذا الحديث بأنه لا يعلم قيسًا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره، وقد أخبرنا الحسن بن أبي عبد الله الفارسي، أنا أبو حامد بن إسماعيل بن أبي حامد العدل، أنا أبو عبد الله بن مخلد الدوري، ثنا يحيى بن مسلم بن عبد الله الرزاي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن رجلًا وَقَصَتْهُ ناقته وهو محرم" ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا،

стр. 7400

وليس من شرط قبول الأخبار كثرة رواية الراوي عن من روى عنه، وإذا روى الثقة عن من لا ينكر سماعه منه حديثا واحدًا وجب قبوله، وإن لم يرو عنه غيره. قلت: ذكره الترمذي في "علله" وقال: سألت محمدًا عنه -أي عن هذا الحديث- فقال: عمرو بن دينار لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس، فعل هذا يُرمى الحديث بالانقطاع في موضعين: الأول: من البخاري بين عمرو وابن عباس. والثاني: من الطحاوي بين قيس وعمرو، وطعن البيهقي في كلام الطحاوي لا وجه له؛ لأن أحدًا من أهل هذا الشأن لم يصرح بأن قيس بن سعد سمع من عمرو بن دينار، ولا يلزم من قول جرير: سمعت قيسًا يحدث عن عمرو أن يكون قيس سمع ذلك من عمرو، وقد روى البيهقي في باب فضل التأذين على الإمامة من حديث أبي حمزة السُّكري، سمعت الأعمش يحدث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال ﵇: "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن. . . ." الحديث. ثم لم يجعل البيهقي ذلك سماعًا للأعمش من أبي صالح، بل قال: هذا الحديث لم يسمعه الأعمش من أبي صالح إنما سمعه من رجل عن أبي صالح. وأما سيف فإن الذهبي ذكره في كتابه في "الضعفاء" وقال: رُمِي بالقدر، وقال في "الميزان": ذكره ابن عدي في "الكامل" وساق له هذا الحديث، وسأل عباس يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: ليس بمحفوظ. ثم لو سلمنا ما ذكروا كله وقطعنا بصحة هذا الحديث وخلوه عن العلة، فنقول: إن نص القرآن يرده على ما يجيئ بيانه مستقصًى، إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 7401

حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا سليمان بن بلال والدراوردي. . . . فذكر بإسناده مثله. قال عبد العزيز: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه. ش: هذان طريقان: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود (١) قال: ثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري ثنا الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ قضى باليمين مع الشاهد"، وسيأتي الكلام على هذا الحديث. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن الحماني، عن سليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (٢) بدون قصة السؤال. ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "قضى رسول الله ﵇ باليمين مع الشاهد الواحد". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذا مرسل، وجعفر بن محمَّد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃.

стр. 7402

قال أبو عمر (١): هذا الحديث في "الموطإ" عن مالك مرسل عند جميع رواته، وقد رواه عنه مسندًا عثمان بن خالد المديني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﵇ قضى بشاهد ويمين". هكذا حدث عنه به عثمان مسندًا، والصحيح فيه: عن مالك أنه مرسل في روايته، وقد تابع عثمان على روايته هذه عن مالك: إسماعيل بن موسى الكوفي، فرواه أيضًا عن مالك، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر، وقد أسنده عن جعفر بن محمَّد جماعة حفاظ منهم: عبيد الله بن عمر وعبد الوهاب الثقفي ومحمد بن عبد الرحمن بن رداد المديني ويحيى بن سليم وإبراهيم بن أبي حية، ورواه عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه مرسلًا ابن عيينة كما رواه مالك، وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وعمرو بن دينار جميعًا عن محمَّد بن علي مرسلًا. ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني عثمان بن الحكم، عن زهير بن محمَّد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: عثمان بن الحكم الجذامي المصري، قال أبو حاتم: هو شيخ ليس بالمتقن. روي له أبو داود والنسائي. وزهير بن محمَّد التميمي العنبري، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي (٢) من حديث ابن وهب، نا عثمان بن الحكم، حدثني زهير بن محمَّد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁: "أن النبي ﵇ قضي بيمين وشاهد". قال الذهبي: هذا منكر، عثمان متكلم فيه.

стр. 7403

ص: حدثنا وهبان بن عثمان، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله، ولم يذكر جابرًا. حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمَّد ومالك بن أنس ويحيى بن أيوب، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن رسول الله ﵇، مثله. ش: هذه ثلاث طرق: الأول: مسند مرفوع، وأبو همام اسمه الوليد بن شجاع الكندي الكوفي نزيل بغداد، وشيخ مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه. وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار ومحمد بن أبان قالا: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﵇ قضى باليمين مع الشاهد". وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن بشار، عن عبد الوهاب. . . . إلى آخره. الثاني: مرسل، وقد ذكره آنفًا بهذا الإسناد، غير أن هاهنا زاد قوله: "ولم يذكر جابرًا". الثالث: أيضًا مرسل، عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، عن عمر بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومالك بن أنس ويحيى بن أيوب الغافقي المصري، ثلاثتهم عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن النبي ﵇. وقد تكلمنا فيه عن ابن عمر بما فيه الكفاية.

стр. 7404

وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله ﵃. ولما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة قال: وفي الباب عن علي وجابر وابن عباس وَسُرَّق ﵃. قلت: وفي الباب أيضًا عن سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو وعمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة ورجل له صحبة وزُبَيْب بن ثعلبة ﵃. أما حديث علي ﵁ فأخرجه الدارقطني (١): ثنا ابن مخلد، ثنا عباس بن محمَّد، ثنا شبابة، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق، وقضى به علي في العراق". وأما حديث سُرَّق فأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنا جويرية بن أسماء، ثنا عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن رجل من أهل مصر، عن سرق: "أن النبي ﵇ أجاز شهادة رجل ويمين الطالب". وأما حديث سعد بن عبادة فأخرجه الدارقطني (٣): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا صلت بن مسعود، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن سعد بن عبادة قال: "وجدنا في كتاب سعد بن عبادة: أن رسول الله ﵇ قضى باليمين مع الشاهد". وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي (٤): من حديث مطرف بن مازن، ثنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "قضى النبي ﵇ بشاهد ويمين في الحقوق".

стр. 7405

وقال الذهبي: مطرف كذبه ابن معين. وأخرجه (١) أيضًا من حديث النفيلي: ثنا محمَّد بن عبد الله بن عتبة بن عمير، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ قضى باليمين مع الشاهد". وقال الذهبي: محمَّد واهٍ. وأما حديث عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة، فأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": أخبرني ابن لهيعة، ونافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل: "أنه وجد في كتاب آبائه: هذا ما رفع -أو ذكر- عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة، قالا: بينا نحن عند رسول الله ﵇، دخل رجلان يختصمان، مع أحدهما شاهد له على حقه، فجعل رسول الله ﵇ يمين صاحب الحق مع شاهده، فاقتطع بذلك حقه". وأما حديث رجل له صحبة فأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الشافعي، أنا إبراهيم بن محمَّد، عن ربيعة بن عثمان، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن ابن عباس وآخر له صحبة: "أن رسول الله ﵇ قضى باليمين مع الشاهد". وأما حديث زُبَيْب -بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة- بن ثعلبة فأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن عبدة، قال: ثنا عمار بن شعيث بن عبيد الله بن الزبيب العنبري، قال: حدثني أبي، قال: سمعت جدي الزبيب يقول: "بعث نبي الله ﵇ جيشًا إلى بني العنبر فأخذوا بركبة -من ناحية الطائف- واستاقوهم إلى نبي الله ﵇، فركبت فسبقتهم إلى النبي ﵇، فقلت: السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أتانا جندك فأخذونا، وقد كنا أسلمنا وخضرمنا آذان النعم، فلما قدم

стр. 7406

بلعنبر قال لي نبي الله ﵇: هل لكم بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا في هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: من بينتك؟ قلت: سمرة رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه له، فشهد الرجل وأبي سمرة أن يشهد، فقال النبي ﵇: قد أبى أن يشهد لك، فتحلف مع شاهدك الآخر؟ قلت: نعم، فاستخلفني، فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا وكذا، وخضرمنا آذان النعم، فقال النبي ﵇: اذهبوا فقاسموهم أنصاف الأموال، ولا تمسوا ذرايهم، لولا أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عقالًا. . . ." الحديث. قلت: زُبيب -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره باء موحدة أيضًا- هو ابن ثعلبة بن عمرو بن سواء بن أبي بن عبدة بن عدي بن جندب بن المعتمر بن عمرو بن تميم التميمي العنبري، وفد على النبي ﵇ ومسح رأسه ووجهه وصدره، وقيل: هو أحد الغلمة الذين أعتقتهم عائشة ﵂ كان ينزل بالبادية على طريق الناس بين الطائف والبصرة. وشعيث -آخره ثاء مثلثة-، وابنه عمار، قال أبو محمَّد عبد الحق الأزدي: عمار ابن شعيث لا يحتج بحديثه. قوله: "خضرمنا آذان الأنعام" يعني قطعنا أطراف آذانها وكان ذلك علامة بين من أسلم ومن لم يسلم، والمخضرمون قوم أدركوا الجاهلية وبقوا إلى أن أسلموا. قوله: "لا يحب ضلالة العمل" أي بطلانه. قوله: "ما رزيناكم" قال الخطابي: اللغة الفصيحة: ما رزأناكم يقال: ما أصبنا من أموالكم عقالًا، وقال الخطابي: وفي الحديث استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال، إلا أن إسناده ليس بذاك، وقد يحتمل أن يكون أيضًا اليمين قصد بها هاهنا المال؛ لأن الإِسلام يعصم المال كما يحمي الدم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى القضاء باليمين مع الشاهد في خاصٍّ من الأشياء في الأموال خاصة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

стр. 7407

ش: أراد بالقوم هؤلاء: سليمان بن يسار وأبا سلمة بن عبد الرحمن وأبا الزناد وعبد الرحمن بن عبد الحميد ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد وأبا ثور وداود بن علي؛ فإنهم قالوا: يجوز القضاء باليمين مع الشاهد المفرد في الحقوق المالية. قال الخطابي: حديث فصل رسول الله ﵇ بيمين وشاهد خاص في الأموال دون غيرها؛ لأن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يعد حجة ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاه فعلًا، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاص، ولما قال الراوي: هو في الأموال كان مقصورًا عليه. وقال ابن حزم: قال الشافعي في بعض الآثار: إن النبي ﵇ حكم بذلك في الأموال، وهذا لا يوجد أبدًا في شيء من الآثار الثابتة، ورأى مالك والشافعي: أن لا يقضى باليمين والشاهد إلا في الأموال. وقال مالك: وفي القسامة، وهذا لا معنى له؛ لأنه تخصيص للخبر بلا دليل. وجاء عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قضى بذلك في جراح العمد والخطأ، ويقضي به مالك أيضًا، في النفس ولا يقضي به في العتق. والشافعي يقضي به في العتق. وقال أبو عمر بن عبد البر: وممن روي عنه القضاء باليمين مع الشاهد من الصحابة منصوصًا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو، وإن كان في الأسانيد عنهم ضعف. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب أن يقضى في شيء من الأشياء إلا برجلين أو رجل وامرأتين، ولا يقضى بشاهد ويمين في شيء من الأشياء. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والزهري والثوري والأوزاعي والحكم بن عتيبة والليث بن سعد ويحيى بن يحيى وعروة بن الزبير وعبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا

стр. 7408

وزفر ﵏؛ فإنهم قالوا: لا يجوز القضاء في شيء من الأشياء إلا برجلين أو رجل وامرأتين لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) فوجب بطلان القول بالشاهد واليمين، فقد ألزم الله الحكام الحكم بالعدد المذكور بالأمر، والأمر للوجوب؛ فلا يجوز العدول عن العدد المذكور، كما لا يجوز الاقتصار على العدد المذكور في قوله ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وقال ابن حزم: وروينا إنكار الحكم به عن الزهري، وقال: هو بدعة مما أحدثه الناس، أول من قضى به: معاوية. وقال عطاء: أول من قضى به: عبد الملك بن مروان. وأشار إلى إنكاره الحَكَم بن عُتيبة، وروي عن عمر بن عبد العزيز الرجوع إلى ترك القضاء به؛ لأنه وجد أهل الشام على خلافه. ص: وقال: ما رويتموه عن رسول الله ﵇ مما ذكر فيه أنه قضى باليمين مع الشاهد فقد دخله الضعف الذي لا تقوم معه حجة. فأما حديث ربيعة عن سهيل؛ فقد سأل الدراوردي عنه سهيلًا فلم يعرفه، ولو كان ذلك من السنن المشهورة والأمور المعروفة إذًا لما ذهب علمه، وأنتم قد تضعفون من الأحاديث ما هو أقوى من هذا الحديث بأقل من هذا. وأما حديث عثمان بن الحكم، عن زهير بن محمَّد، عن سهيل، عن أبيه، عن زيد بن ثابت؛ فمنكر أيضًا؛ لأن أبا صالح لا تعرف له رواية عن زيد، ولو كان عند سهيل من ذلك شيء ما أنكر على الدراوردي ما ذكره له عن ربيعة ويقول له: لم يحدثني أبي عن أبي هريرة، ولكن حدثني به عن زيد بن ثابت، مع أن عثمان ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته.

стр. 7409

وأما حديث ابن عباس؛ فمنكر؛ لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو ابن دينار بشيء؛ فكيف تحتجون به في مثل هذا؟! وأما حديث جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر؛ فإن عبد الوهاب رواه كما ذكرتم، وأما الحفاظ مالك وسفيان الثوري وأمثالهما فرووه عن جعفر، عن أبيه، عن النبي ﵇ ولم يذكروا فيه عن جابر، وأنتم لا تحتجون بعبد الوهاب فيما يخالف فيه الثوري ومالك. ش: هذا جواب عن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وهي أربعة أحاديث التي أخرجها عن أربعة أنفس من الصحابة، وهم: ابن عباس وأبو هريرة وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله ﵃. أما حديث ابن عباس فقد تقدم الكلام فيه مستقصى. وأما حديث أبي هريرة فإنه معلول أيضًا، لأن عبد العزيز الدراوردي قد سأل سهيلًا عنه فلم يعرفه، وهذا قدح فيه؛ لأن الخصم يضعف الحديث بما هو أدنى من ذلك. وقال أبو داود -لما أخرج هذا الحديث-: وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث، قال: أنا الشافعي، عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيل علة أزالت بعض عقله؛ فنسي حديثه؛ فكان سهيل بعدُ يحدثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه. وقال أبو داود: ثنا محمَّد بن داود الإسكندراني، ثنا زياد -يعني ابن يونس-، حدثني سليمان بن بلال، عن ربيعة، بإسناد أبي مصعب ومعناه. قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت: إن ربيعة أخبرني به عنك قال: فإن كان ربيعة أخبرك به عني، فحدث به عن ربيعة عني. ومثل هذا الحديث لا تثبت به شريعة مع إنكار من روى عنه إياه، وفقد معرفته به.

стр. 7410

فإن قلت: يجوز أن يكون رآه ثم نسيه. قلت: يجوز أن يكون قد وهم في أول الأمر وروى ما لم يكن سمعه، وقد علمنا أن آخر أمره كان جحوده؛ وفقد العلم به، فهو أولى. وأما حديث زيد بن ثابت؛ فمنكر أيضًا، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى. وأما حديث جابر فإنه معلول أيضًا؛ لأن عبد الوهاب هو الذي أوصله وأسنده، وخالف فيه الحافظ مثل مالك والثوري وابن عيينة وعمرو بن دينار والحكم بن عتيبة، فإنهم رووه مرسلًا، والخصم لا يحتج بعبد الوهاب في ما يخالف فيه الثوري وأضرابه، على أن ابن معين قال: اختلط عبد الوهاب في آخر عمره. وقال ابن سعد: هو ثقة، وفيه ضعف. وقال ابن مهدي: أربعة كانوا يحدثون من كتب الناس ولا يحفظون ذلك الحفظ، فذكر منهم عبد الوهاب. وقال ابن عبد البر: إرساله أشهر، ورواه الترمذي من حديث عبد الوهاب موصولًا، ثم أخرجه من حديث إسماعيل بن جعفر، عن جعفر، عن أبيه مرسلًا، ثم قال: وهذا أصح. وكذا روى الثوري عن جعفر عن أبيه مرسلًا. ولهذا ذكر البيهقي في كتاب "المعرفة" أن الشافعي لم يحتج بهذا الحديث في هذه المسألة؛ لذهاب بعض الحفاظ إلى كونه غلطًا. ص: ثم لو لم ينازع في طريق هذا الحديث، وسلمت على هذه الألفاظ التي قد رويت عليها، لكانت محتملة للتأويل الذي لا يقوم لكم بمثلها حجة معه؛ وذلك أنكم إنما رويتم أن رسول الله قضى باليمين مع الشاهد الواحد، ولم يُبَيِّن في هذا الحديث كما كان ذلك السبب، ولا المستحلف من هو؛ فقد يجوز أن يكون ذلك على ما ذكرتم، ويجوز أن يكون أريد به يمين المدعى عليه، ادعى المدعي ولم يقم على دعواه إلا شاهدًا واحدًا، فاستحلف له النبي ﵇ المدعى عليه فروى ذلك ليعلم الناس أن المدعي لا يجب له اليمين على المدعى عليه إلا بحجةٍ أخرى غير الدعوى

стр. 7411

لا يجب له اليمين إلا بها، كما قال قوم: إن المدعي لا يجب له اليمين فيما ادعى إلا أن يقيم البينة أنه قد كانت بينه وبين المدعي عليه خلطة ولبس؛ فإن أقام على ذلك بَيِّنة استحلف له، ولا لم يستحلف. فأراد الذي روى هذا الحديث أن ينفي هذا القول، ويثبت اليمين بالدعوى وإن لم يكن مع الدعوى غيرها، فهذا وجه. ش: هذا جواب آخر عن الأحاديث المذكورة بطريق التسليم، تقريره أن يقال: سلمنا صحة هذه الأحاديث وسلامة طرقها عن ما ذكرنا، ومجيئها على الألفاظ التي رويت عليها، ولكنها تحتمل التأويل الذي يدفع به الاحتجاج بها، وذلك أنكم رويتم أنه ﵇ قضى باليمين مع الشاهد الواحد، ولم يبين فيه كيفية السبب، ولا بين الذي يستحلف من هو؛ فقد يجوز أن يكون المستحلف هو المدعي كما ذهبتم إليه، ويجوز أن يكون هو المدعي عليه إذا لم يقم المدعي إلا شاهدًا واحدًا؛ فيكون النبي ﵇ قد استحلف المدعي عليه لعدم كمال النصاب في بينة المدعي، فروى الراوي ذلك كذلك حتى يعلم الناس أن اليمين إنما يتعين على المدعي عليه بدعوى المدعي لا بحجة أخرى من غير دعواه، كما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم، وهم الشعبي والنخعي وشريح في قول؛ فإنهم قالوا: لا يحب اليمين للمدعي على المدعي عليه فيما ادعاه إلا إذا أقام البينة أنه قد كانت بينهما خلطة، فإن أقام بينة على ذلك استحلف له وإلا لا. فأراد إذًا الراوي بقوله: "قضى رسول الله ﵇ بيمين وشاهد" نَفْيَ هذا القول وإثبات اليمين بالدعوى، وإن لم يكن معها غيرها. هذا ما ذكره الطحاوي، وقد يقال يحتمل أن يراد به أن وجود الشاهد الواحد لا يمنع استحلاف المدعي عليه، وأنه يستحلفه مع شهادة شاهد؛ فأفاد أن شهادة الواحد لا تمنع استحلاف المدعي عليه، وأن وجوده وعدمه بمنزلة. قال الجصاص -في هذا الموضع-: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن اليمين إنما يجب على المدعي عليه إذا لم يكن للمدعي شاهد أصلًا؛ فأبطل الراوي بنقله لهذه القضية ظن الظان بذلك.

стр. 7412

ص: وقد يجوز أن يكون ذلك أريد به يمين المدعي مع شاهده الواحد؛ لأن شاهده الواحد كان ممن يحكم بشهادته وحده وهو خزيمة بن ثابت ﵁؛ فإن رسول الله ﵇ قد كان عدل شهادته بشهادة رجلين. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي ﵇ "أن رسول الله ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﵇ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبي ﵇ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي ﵇، فنادى الأعرابي النبي ﵇، فقال: إن كنت مبتاعًا لهذا الفرس فابتعْهُ وإلا بعْتَهُ، فقام النبي ﵇ حين سمع نداء الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﵇: بلى قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﵇ والأعرابي وهما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول: هَلَمَّ شاهدًا يشهد لك أني قد بايعتك فمن جاء من المسلمين قال: يا أعرابي، ويلك، إن النبي ﵇ لم يكن يقول إلا حقًّا، حتى جاء خزيمة ﵁، فاستمع لمراجعة النبي ﵇ ومراجعة الأعرابي وهو يقول: هلم شهيدًا يشهد لك أني قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﵇ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﵇ شهادة خزيمة بشهادة رجلين". فلما كان ذلك الشاهد الذي ذكرنا قد يجوز أن يكون هو خزيمة بن ثابت، فيكون المشهود له شهادة واحدة مستحقًّا؛ لما شُهِدَ له به كما يستحق غيره بالشاهدين ما شهدا له به، فادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إلى المدعى، فاستحلفه به النبي ﵇ على ذلك، وأريد بنقل هذا الحديث ليعلم أن المدعي إذا أقام البينة على دعواه، وادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إليه أن عليه اليمين مع بينته، فهذه وجوه تحملها ما جاء عن النبي ﵇ من قضائه باليمين مع الشاهد، فلا ينبغي لأحد

стр. 7413

أن يأتي إلى خبر قد احتمل هذه التأويلات فيعطفه على أحدها بلا دليل يدله على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع، ثم يزعم أن من خالف ذلك مخالف لما روي عن النبي ﵇[وكيف يكون مخالفًا لما قد روي عن رسول الله] (١) وقد تأول ذلك على معنى يحتمل ما قال؟! بل ما خالف إلا تأويل مخالفه لحديث رسول الله ﵇ ولم يخالف شيئًا من حديث رسول الله ﵇. ش: هذا جواب آخر عن الأحاديث المذكورة التي فيها الإخبار عن القضاء بيمين وشاهد واحد، وهو تأويل حسن يقع به التطابق بين الكتاب والسنة، وما ذهب إليه الخصم يؤدي إلى ترك العمل بالكتاب والسنة المجتمع عليها. بيان ذلك أن يقال: يجوز أن يكون المراد من قوله: "قضي باليمين مع الشاهد" هو يمين المدعي مع شاهده الواحد؛ لأن شاهده الواحد كان يقوم مقام الشاهدين وهو خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁؛ وذلك لأنه ﵇ قد كان عدل شهادته بشهادة رجلين وذلك فيما أخرجه بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت، وثقه النسائي وابن حبان، وروي له الأربعة. عن عمه خزيمة بن ثابت الصحابي ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب رسول الله ﵇: "أن النبي ﵇ ابتاع فرسًا. . . ." إلى آخره. وأخرج الطبراني (٣) من حديث خزيمة بن ثابت، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة (ح).

стр. 7414

وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة (ح). وحدثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا ليث بن هارون العكلي، قالوا: ثنا زيد بن الحباب، حدثني محمَّد بن زرارة بن خزيمة بن ثابت، حدثني عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه: "أن النبي ﵇ اشترى فرسًا من سواء بن الحارث، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال رسول الله ﷺ : ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا؟! قال: صدقتك لما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا، فقال رسول الله ﵇: من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه". قوله: "ابتاع فرسًا من أعرابي" أي اشترى، واسم هذا الفرس: المترجز، من الارتجاز؛ سُمي بذلك؛ لحسن صهيله، كأنه ينشد رجزًا، واسم الأعرابي سواء بن الحارث، ويقال: هو سواء بن قيس المحاربي، وقد فرق بينهما ابن شاهين فجعل لكل منهما ترجمة وهما واحد، وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة. قوله: "فاستتبعه" أي استتبع النبي ﵇ الأعرابي بأن قال له: اتبعني حتى أدفع إليك الثمن. قوله: "فطفق رجال" طفق من أفعال المقاربة ملحق بأخذ وجعل في الدلالة على الشروع، وفيها ثلاث لغات: طَفِقَ بوزن سَمِعَ، قال الله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ (١)، وطَفَقَ بوزن ضَرَبَ، وطَبِقَ بكسر الباء الموحدة. قوله: "فيساومون الفرس" أي يطلبون منه بيعه. قوله: "لا يشعرون" جملة وقعت حالًا، أي لا يعلمون. قوله: "إن كنت مبتاعًا" أي مشتريًا. قوله: "يلوذون بالنبي ﵇" أي ينضمون به وبالأعرابي. قوله: "هَلُمَّ شاهدًا" أي هات شاهدًا، وهو مركب من "ها" و"لم" من لممت الشيء إذا جمعته، ويستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجيء

стр. 7415

متعديًا ولازمًا، فالمتعدي نحو قوله: هلم شاهدًا، قال الله تعالى: ﴿قُل هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (١) واللازم نحو: هلم لك وهلم لكما وهلم لكم، قال الله تعالى ﴿هَلُمَّ إِلَينَا﴾ (٢). قوله: "فبم تشهد" أصله: فبما حذفت منه الألف كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاَءَلُونَ﴾ (٣). قوله: "فلما كان ذلك الشاهد" أراد به الشاهد المذكور في متن الأحاديث المذكورة. قوله: "فهذه وجوه يحتملها ما جاء عن النبي ﵇" أراد بها الوجوه التي ذكرها من التأويلات في قوله: "قضى باليمين مع الشاهد". قوله: "فيعطفه على أحدها" أي فيعطف الخبر على أحد التأويلات. قوله: "على ذلك" أي على التأويل الذي تأوله، والباقي ظاهر. ص: وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "إذا بلغكم عن رسول الله ﷺ حديث فَظنُوُّا به الذي هو أهنا، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى، والذي هو خير". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو. . . . فذكر بإسناده مثله. غير أنه لم يقل: "والذي هو خير". فهكذا ينبغي للناس أن يفعلوا، وأن يحسنوا تحقيق ظنونهم، ولا يقولوا على رسول الله ﵇ إلا بما قد علموه؛ فإنهم منهيون عن ذلك معاقبون عليه، وكيف يجوز لأحد أن يحمل حديث رسول الله ﵇ على ما حمله عليه هذا المخالف، وقد وجدنا

стр. 7416

كتاب الله لدفعه، ثم السنة المجمع عليها تدفعه أيضًا، فأما كتاب الله فإن الله يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقد كانوا قبل نزول هاتين الآيتين لا ينبغي لهم أن يقضوا بشهادة ألف رجل ولا أكثر منهم ولا أقل؛ لأنه لا يوصل بشهادتهم إلى حقيقة صدقهم، فلما أنزل الله ما ذكرنا قطع بذلك العذر وحكم بما أمر به على ما تعبد به خلقه، ولم يحكم بما هو أقل من ذلك؛ لأنه لم يدخل فيما تُعبدوا به، وأما السنة المتفق عليها فهي أنه لا يحكم بشهادة جارٍّ إلى نفسه مغنمًا ولا دافع عنها مغرمًا، والحكم باليمين مع الشاهد على ما حمل عليه هذا المخالف لنا حديث رسول الله ﵇ فيه حكم لمدع بيمينه؛ فذلك حكم لجارٍّ إلى نفسه بيمينه، فهذه سنة متفق عليها تدفع الحكم باليمين مع الشاهد على ما قد دفعه مما قد ذكرنا من كتاب الله والسنة المتفق عليها، لا إلى ما يخالفهما أو يخالف أحدهما. ش: ذكر أثر علي ﵁ شاهدًا لقوله: "فلا ينبغي لأحد أن يأتي إلى خبر. . . ." إلى آخره. وأخرجه بإسناد صحيح من طريقين رجالها ثقات: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، عن مسعر بن كدام الكوفي، عن عَمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الأعمى، عن أبي البختري -بفتح الباء الموحدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الراء- واسمه سعيد بن فيروز الطائي الكوفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب، ولأبيه صحبة. وأخرجه ابن ماجه (٣): عن محمَّد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن. . . . به نحوه.

стр. 7417

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي -شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن مسعر، ثنا عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "إذا حُدثتم عن رسول الله ﵇ فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه". قوله: "فَظُنوا به" أي استيقنوا به؛ لأن الظن يجيء بمعنى العلم، قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرَّد أي استيقنوا، وإنما يخوف عدوه باليقين لا بالشك. قوله: "أهنا" أي أطيب وأقرب إلى الاتباع. قوله: "وأهدي" أي إلى الصواب. قوله: "وأتقى" أي في العمل. فقد دل هذا على أن الواجب على الرجل إذا بلغه الحديث وله تأويلات أو معاني كثيرة لا يصرف تأويله أو معناه إلا إلى معنى يوافق الكتاب أو سنة أخرى أو الإجماع، فإذا صرفه إلى غير ذلك يكون مخالفًا لما قصده النبي ﵇، وصارفًا معناه إلى غير ما قصده، فيكون كاذبًا فيه، فيدخل تحت قوله: "من كذب على متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" (٢). قوله: "هذا المخالف" أراد به الشافعي، والواو في قوله: "وقد وجدنا" للحال. قوله: "جارٍّ" بتشديد الراء من جَرَّ يَجُرُّ.

стр. 7418

ص: ولقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدفع القضاء باليمين مع الشاهد على ما أدعى هذا المخالف لنا. حدثنا إبراهيم بن مرزوق ومحمد بن خزيمة، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن علقمة، عن وائل بن حجر قال: "كنت عند رسول الله ﵇ فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا يا رسول الله انتزى على أرضه في الجاهلية -وهو امرئ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان- فقال له: بيِّنتكَ، فقال: ليس لي بَيِّنة، قال: لك يمينه، [قال] (١) إذًا يذهب بها، قال؛ ليس لك منه إلا ذلك، فلما قام ليحلف؛ قال رسول الله ﵇: من اقتطع أرضًا ظالمًا لقي الله وهو عليه غضبان". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: "جاء رجل من حضرموت ورجل من كنده إلى رسول الله ﵇، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﵇ للحضرمي: ألك بيِّنة؟ فقال: لا، فقال النبي ﵇: فأحلفه، فقال: إنه ليس له يمين، فقال رسول الله ﵇: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق لِيُحْلِفَهُ، فقال رسول الله ﵇: أما إنه إن حلف على مالك ظالمًا ليأكله؛ لقي الله وهو عنه معرض". حدثنا فهد، قال: ثنا جندل بن والق، قال: ثنا أبو الأحوص. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي". قال أبو جعفر ﵀: فلما قال رسول الله ﵇: بينتك أو يمينه ليس لك منه إلا ذلك، دل على أنه لا يستحق شيئًا بغير البينة، فهذا ينفي القضاء باليمين مع

стр. 7419

الشاهد، والذي هو أولى بنا أن نحمل وجه ما اختلف فيه تأويله من الحديث الأول على ما يوافق هذا لا على ما يخالفه، وقد قال رسول الله ﵇: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" فدل ذلك أن اليمين لا يكون أبدًا إلا على المدعى عليه، وقد ذكرنا ذلك بالإسناد فيما تقدم من هذا الكتاب. ش: ذكر هذا لبيان خطأ ما ذهب أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من جواز القضاء باليمين مع الشاهد، وهو حديث وائل ابن حجر الحضرمي الكندي الصحابي. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ومحمد بن خزيمة، كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عبد الملك بن عمير بن سويد الكوفي، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل ابن حجر ﵁. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني (١): من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه نحوه. قوله: "فأتاه رجلان يختصمان" وقد بينهما بقوله: "وهو امرئ القيس: بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان". أما امرئ القيس: فهو ابن عابس بن المنذر بن امرئ القيس الكندي، وفد إلى النبي ﵇ فأسلم وثبت على إسلامه ولم يرتد فيمن ارتد من كندة وكان شاعرًا وله. وأما ربيعة فهو ابن عبدان بن وائل بن ذي العرف بن وائل بن ذي طوف الحضرمي ويقال: الكندي. قاله ابن يونس، شهد فتح مصر وله صحبة وليست له رواية. وعبدان بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون، وقال عبد الغني: وقيل: عبدان بالباء الموحدة وبكسر العين.

стр. 7420

الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن سماك بن حرب، عن علقمة. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣). قوله: "فجاء رجل من حضرموت ورجل من كندة" قد بينهما الطبراني (٤) في تخريجه: ثنا أحمد بن داود المكي وأبو خليفة، قالا: ثنا إبراهيم بن أبي سويد، ثنا إبراهيم بن عثمان، ثنا عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: "اختصم الأشعث بن قيس الكندي ورجل من حضرموت إلى رسول الله ﵇ في أرض في يد الأشعث بن قيس الكندي ادعاها الحضرمي، فقال رسول الله ﵇ للحضرمي: بينتك، قال: ليس لي بينة، قال: فإن لم تكن لك بينة حَلِّف الأشعث، قال: هلك حقي يا رسول الله إن جعلتها يمين الأشعث: فقال رسول الله ﵇: من حلف على يمين وهو فيها كاذب ليقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن جندل بن والق بن هجرس الكوفي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن أبي الأحوص سلام، عن سماك، عن علقمة. وأخرجه الترمذي: (٥) ثنا قتيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه قال: "جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﵇، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرضٍ لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق، فقال النبي ﵇ للحضرمي:

стр. 7421

ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي ليأكله ظلما على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، قال: ليس لك منه إلا ذلك، قال: فانطلق الرجل ليحلف، فقال رسول الله ﵇ لما أدبر: لئن حلف على مالك ليأكله ظلما ليأتين الله وهو عنه معرض". قوله: "انتزى على أرضه" أي غلبه عليها وأخذها منه قهرًا، يقال: نزى عليه ينزو إذا تطاول، وأنزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره وهو منزٍ بهذا الأمر أي قوي عليه ضابط له. قوله: "بينتك" بنصب التاء على حذف عامله، والتقدير: هات بينتك. قوله: "من اقتطع" أي من أخذها لنفسه متملكًا، وهو افتعال من القطع. قوله: وقد قال رسول الله ﵇: "لو يعطى الناس بدعواهم. . . ." الحديث. أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأخرجه الطحاوي في باب الرجل يقول عند موته: إن مت ففلان قتلني، على ما يجيء إن شاء الله تعالى. فإن قيل: كيف قال: "فيما تقدم من هذا الباب" والحال أنه فيما بعد ولم يتقدم؟ قلت: كأن الباب المذكور قد كان متقدمًا في المسودة وأخرّه في المبيضة، أو ترتيب الأبواب يختلف، وهو الظاهر على ما شاهدنا من النسخ والله أعلم. ص: وأما النظر في هذا فإنه يغنينا عن ذكر أكثره فساد قول الذين ذهبوا إلى القضاء باليمين مع الشاهد فجعلوا ذلك في الأموال خاصة دون سائر الأشياء، فلما ثبت أنه لا يقضى بيمين وشاهد في غير الأموال؛ كان حكم الأموال في النظر كذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وأما القياس في هذا الباب، فإنه. . . . إلى آخره.

стр. 7422

حاصله أن ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى فاسد من جهة القياس أيضًا؛ لأنهم اتفقوا على بطلان القضاء باليمين والشاهد في غير الأموال، مع أن القصة المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في الأموال أو غيرها، كان القياس يقتضي أن يكون حكم الأموال كغيرها، وتخصيصهم إياه بالأموال ترجيح بلا دليل وهو باطل. فإن قيل: قال عمرو بن دينار: "في الأموال" أخرج البيهقي ذلك في "الخلافيات" وغيرها (١) وقال: أنا أبو عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، نا الربيع بن سليمان: ثنا الشافعي، ثنا عبد الله بن الحارث المخزومي، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ قضي باليمين مع الشاهد" قال عمرو: "في الأموال". قلت: هو قول عمرو بن دينار ومذهبه، وليس فيه أن النبي ﵇ قضي بها في الأموال. وقال ابن حزم: قال الشافعي في بعض الآثار أن النبي ﵇ حكم بذلك في الأموال وهذا لا يوجد أبدًا في شيء من الآثار الثابتة، والواجب أن يحكم بها في الدماء والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة والأموال حاشي الحدود؛ لأن ذلك عموم الأخبار، ولم يأت في شيء من الأخبار منع من ذلك. وقال الجصاص: فإذا جاز أن [لا] (٢) يقضى به في غير الأموال، وإن كانت القضية مبهمة ليس فيها بيان ذكر الأموال ولا غيرها ولا ذكر الواقعة ولا بيان أسماء الخصمين فكذلك لا يقضى بها في الأموال، إذا لم يبين كيفيتها، وليس القضاء بها في الأموال بأولى منه في غيرها.

стр. 7423

فإن قيل: إنما يقضى به فيما تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال، فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد مع شهادة الآخر. قيل له: [هذه] (١) دعوى لا دلالة عليها، ومع ذلك فكيف صارت يمين الطالب قائمة مقام شاهد واحدٍ دون أن تقوم مقام امرأة. ويقال لهم: أرأيت لو كان المدعي امرأة هل يقوم يمينها مقام شهادة رجل؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فقد صارت اليمين آكد في الشهادة لأنكم لا تقبلون شهادة امرأة واحدة في الحقوق، وقبلتم يمينها وأقمتموها مقام شهادة رجل واحد، والله تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى من الشهداء وإن كانت هذه الشهادة لو قامت يمينها مقام شهادة لرجل فقد خالفهم القرآن؛ لأن أحدًا لا يكون مرضيًّا فيما يدعيه لنفسه، ومما يدل على تناقض قولهم: أنه لا خلاف أن شهادة الكافر غير مقبولة على المسلم في عقود المداينات، وكذلك شهادة الفاسق غير مقبولة، ثم إن كان المدعي كافرًا أو فاسقًا وشهد معه شاهد واحد، أيستحلف ويستحق ما يدعيه بيمينه وهو لو شهد مثل هذه الشهادة لغيره وحلف عليها خمسين يمينًا فلم تقبل شهادته ولا أيمانه، وإذا ادعى لنفسه وحلف استحق ما ادعى بقوله، مع أنه غير مرضي ولا مأمون لا في شهادته ولا في أيمانه، وفي ذلك دليل على بطلان قولهم وتناقض مذهبهم. ص: وقد حدثنا وهبان، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: "أن معاوية ﵁ أول من قضى باليمين مع الشاهد، وكان الأمر على غير ذلك". ش: أشار بذلك إلى أن محمَّد بن مسلم الزهري قد أنكر القضاء باليمين وشاهد حيث قال: "وكان الأمر على غير ذلك" وروى ابن حزم عن الزهري ولفظه قال: "هو بدعة مما أحدثه الناس، أول من قضي به معاوية" وقال عطاء بن أبي رباح "أول من قضي به عبد الملك بن مروان".

стр. 7424

وأخرجه الطحاوي عن وهبان بن عثمان، عن أبي همام الوليد بن شجاع شيخ مسلم وأبي داود وآخرين، عن عبد الله بن المبارك، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره. فإن قيل: كيف قال الزهري إن معاوية أول من قضى باليمين مع الشاهد وقد روي البيهقي في "سننه" (١) من حديث أبي عاصم، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر: "حضرت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ يقضون بشهادة الشاهد واليمين". وروي أيضًا (٢) من حديث طلحة بن زيد، ثنا جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي ﵁ "أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدعي، قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم". قلت: أبو بكر بن أبي سبرة ضعيف قد ضعفه البيهقي في باب وطء أم الولد، وقال أحمد: كان يضع الحديث، وذكره الذهبي في كتاب "الضعفاء"، وقال في "مختصر السنن": أبو بكر تركوه. وكذا قال: وطلحة بن زيد متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بخبره. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. ومن يكون حاله هذا كيف يجوز الاستدلال به في المذهب؟! فيا للعجب من البيهقي، يستدل في كتابه "السنن" بمن هو ضعيف فيصرح بضعفه في باب ويسكت عنه في باب آخر ويحتج به! ثم هو يحطّ على الطحاوي بأنه يستدل بالضعفاء، ومع هذا لا يذكر الطحاوي أحاديث الضعفاء إلا في الشواهد والمتابعات، أو في احتجاجات الخصوم؛ يظهر ذلك لمن يتأمل كلامه.

стр. 7425

ص: باب: رد اليمين ش: أي هذا باب في بيان رد المدعى عليه اليمين على المدعي، هل يجوز ذلك أم لا؟ ص: قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في المدعى عليه يرد اليمين على المدعي. فقال قوم: لا يستحلف المدعي. وقال آخرون: بل يستحلف، فإن حلف استحق ما ادعى بحلفه وإن لم يحلف لم يكن له شيء. ش: أراد بالقوم: النخعي وابن سيرين وابن أبي ليلى في قول وسوَّار بن عبد الله العنبري وعبيد الله بن الحسن العنبري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأبا عبيد وإسحاق -في قول- وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا يستحلف المدعي، ولا يرد عليه اليمين. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وشريحًا القاضي وابن أبي ليلى -في قول- وإسحاق -في قول- ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يستحلف المدعي ويرد عليه اليمين، فإن حلف استحق ما ادعاه به، وإن لم يحلف فلا شيء له، وقال ابن حزم: قال مالك: ترد اليمين في الأموال ولا نرى ردها في النكاح ولا في الطلاق ولا في العتق، وقال الشافعي وأبو ثور وسائر أصحابه: ترد اليمين في كل شيء؛ في القصاص في النفس فما دونها، وفي النكاح، والطلاق، والعتاق، فمن ادعت عليه امرأته أنه طلق، أو عبده وأمته أنه أعتق، ومن ادعى على امرأته النكاح أو ادعته عليه ولا شاهد لهما ولا بينة؛ لزمه اليمين أنه ما طلق ولا أعتق، ولزمه اليمين أنه ما نكحها، ولزمتها اليمين كذلك فأيهما بكل حلَّف الآخر المدعي، وصح العتق والنكاح والطلاق، وكذلك في القصاص. ص: واحتجوا في ذلك بما قد روينا في غير هذا الموضع عن سهل بن أبي حثمة في القسامة: "أن رسول الله ﵇ قال للأنصار: "أتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ فقالوا:
следующие страницы →