ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي ليأكله ظلما على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، قال: ليس لك منه إلا ذلك، قال: فانطلق الرجل ليحلف، فقال رسول الله ﵇ لما أدبر: لئن حلف على مالك ليأكله ظلما ليأتين الله وهو عنه معرض".
قوله: "انتزى على أرضه" أي غلبه عليها وأخذها منه قهرًا، يقال: نزى عليه ينزو إذا تطاول، وأنزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره وهو منزٍ بهذا الأمر أي قوي عليه ضابط له.
قوله: "بينتك" بنصب التاء على حذف عامله، والتقدير: هات بينتك.
قوله: "من اقتطع" أي من أخذها لنفسه متملكًا، وهو افتعال من القطع.
قوله: وقد قال رسول الله ﵇: "لو يعطى الناس بدعواهم. . . ." الحديث.
أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأخرجه الطحاوي في باب الرجل يقول عند موته: إن مت ففلان قتلني، على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: كيف قال: "فيما تقدم من هذا الباب" والحال أنه فيما بعد ولم يتقدم؟
قلت: كأن الباب المذكور قد كان متقدمًا في المسودة وأخرّه في المبيضة، أو ترتيب الأبواب يختلف، وهو الظاهر على ما شاهدنا من النسخ والله أعلم.
ص: وأما النظر في هذا فإنه يغنينا عن ذكر أكثره فساد قول الذين ذهبوا إلى القضاء باليمين مع الشاهد فجعلوا ذلك في الأموال خاصة دون سائر الأشياء، فلما ثبت أنه لا يقضى بيمين وشاهد في غير الأموال؛ كان حكم الأموال في النظر كذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما القياس في هذا الباب، فإنه. . . . إلى آخره.
стр. 7422
حاصله أن ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى فاسد من جهة القياس أيضًا؛ لأنهم اتفقوا على بطلان القضاء باليمين والشاهد في غير الأموال، مع أن القصة المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في الأموال أو غيرها، كان القياس يقتضي أن يكون حكم الأموال كغيرها، وتخصيصهم إياه بالأموال ترجيح بلا دليل وهو باطل.
فإن قيل: قال عمرو بن دينار: "في الأموال" أخرج البيهقي ذلك في "الخلافيات" وغيرها (١) وقال: أنا أبو عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، نا الربيع بن سليمان: ثنا الشافعي، ثنا عبد الله بن الحارث المخزومي، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ قضي باليمين مع الشاهد" قال عمرو: "في الأموال".
قلت: هو قول عمرو بن دينار ومذهبه، وليس فيه أن النبي ﵇ قضي بها في الأموال.
وقال ابن حزم: قال الشافعي في بعض الآثار أن النبي ﵇ حكم بذلك في الأموال وهذا لا يوجد أبدًا في شيء من الآثار الثابتة، والواجب أن يحكم بها في الدماء والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة والأموال حاشي الحدود؛ لأن ذلك عموم الأخبار، ولم يأت في شيء من الأخبار منع من ذلك.
وقال الجصاص: فإذا جاز أن [لا] (٢) يقضى به في غير الأموال، وإن كانت القضية مبهمة ليس فيها بيان ذكر الأموال ولا غيرها ولا ذكر الواقعة ولا بيان أسماء الخصمين فكذلك لا يقضى بها في الأموال، إذا لم يبين كيفيتها، وليس القضاء بها في الأموال بأولى منه في غيرها.
стр. 7423
فإن قيل: إنما يقضى به فيما تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال، فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد مع شهادة الآخر.
قيل له: [هذه] (١) دعوى لا دلالة عليها، ومع ذلك فكيف صارت يمين الطالب قائمة مقام شاهد واحدٍ دون أن تقوم مقام امرأة.
ويقال لهم: أرأيت لو كان المدعي امرأة هل يقوم يمينها مقام شهادة رجل؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فقد صارت اليمين آكد في الشهادة لأنكم لا تقبلون شهادة امرأة واحدة في الحقوق، وقبلتم يمينها وأقمتموها مقام شهادة رجل واحد، والله تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى من الشهداء وإن كانت هذه الشهادة لو قامت يمينها مقام شهادة لرجل فقد خالفهم القرآن؛ لأن أحدًا لا يكون مرضيًّا فيما يدعيه لنفسه، ومما يدل على تناقض قولهم: أنه لا خلاف أن شهادة الكافر غير مقبولة على المسلم في عقود المداينات، وكذلك شهادة الفاسق غير مقبولة، ثم إن كان المدعي كافرًا أو فاسقًا وشهد معه شاهد واحد، أيستحلف ويستحق ما يدعيه بيمينه وهو لو شهد مثل هذه الشهادة لغيره وحلف عليها خمسين يمينًا فلم تقبل شهادته ولا أيمانه، وإذا ادعى لنفسه وحلف استحق ما ادعى بقوله، مع أنه غير مرضي ولا مأمون لا في شهادته ولا في أيمانه، وفي ذلك دليل على بطلان قولهم وتناقض مذهبهم.
ص: وقد حدثنا وهبان، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: "أن معاوية ﵁ أول من قضى باليمين مع الشاهد، وكان الأمر على غير ذلك".
ش: أشار بذلك إلى أن محمَّد بن مسلم الزهري قد أنكر القضاء باليمين وشاهد حيث قال: "وكان الأمر على غير ذلك" وروى ابن حزم عن الزهري ولفظه قال: "هو بدعة مما أحدثه الناس، أول من قضي به معاوية" وقال عطاء بن أبي رباح "أول من قضي به عبد الملك بن مروان".
стр. 7424
وأخرجه الطحاوي عن وهبان بن عثمان، عن أبي همام الوليد بن شجاع شيخ مسلم وأبي داود وآخرين، عن عبد الله بن المبارك، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
فإن قيل: كيف قال الزهري إن معاوية أول من قضى باليمين مع الشاهد وقد روي البيهقي في "سننه" (١) من حديث أبي عاصم، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر: "حضرت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ يقضون بشهادة الشاهد واليمين".
وروي أيضًا (٢) من حديث طلحة بن زيد، ثنا جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي ﵁ "أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدعي، قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم".
قلت: أبو بكر بن أبي سبرة ضعيف قد ضعفه البيهقي في باب وطء أم الولد، وقال أحمد: كان يضع الحديث، وذكره الذهبي في كتاب "الضعفاء"، وقال في "مختصر السنن": أبو بكر تركوه. وكذا قال: وطلحة بن زيد متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بخبره. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. ومن يكون حاله هذا كيف يجوز الاستدلال به في المذهب؟! فيا للعجب من البيهقي، يستدل في كتابه "السنن" بمن هو ضعيف فيصرح بضعفه في باب ويسكت عنه في باب آخر ويحتج به! ثم هو يحطّ على الطحاوي بأنه يستدل بالضعفاء، ومع هذا لا يذكر الطحاوي أحاديث الضعفاء إلا في الشواهد والمتابعات، أو في احتجاجات الخصوم؛ يظهر ذلك لمن يتأمل كلامه.
стр. 7425
ص: باب: رد اليمين
ش: أي هذا باب في بيان رد المدعى عليه اليمين على المدعي، هل يجوز ذلك أم لا؟
ص: قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في المدعى عليه يرد اليمين على المدعي. فقال قوم: لا يستحلف المدعي. وقال آخرون: بل يستحلف، فإن حلف استحق ما ادعى بحلفه وإن لم يحلف لم يكن له شيء.
ش: أراد بالقوم: النخعي وابن سيرين وابن أبي ليلى في قول وسوَّار بن عبد الله العنبري وعبيد الله بن الحسن العنبري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأبا عبيد وإسحاق -في قول- وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا يستحلف المدعي، ولا يرد عليه اليمين.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وشريحًا القاضي وابن أبي ليلى -في قول- وإسحاق -في قول- ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يستحلف المدعي ويرد عليه اليمين، فإن حلف استحق ما ادعاه به، وإن لم يحلف فلا شيء له، وقال ابن حزم: قال مالك: ترد اليمين في الأموال ولا نرى ردها في النكاح ولا في الطلاق ولا في العتق، وقال الشافعي وأبو ثور وسائر أصحابه: ترد اليمين في كل شيء؛ في القصاص في النفس فما دونها، وفي النكاح، والطلاق، والعتاق، فمن ادعت عليه امرأته أنه طلق، أو عبده وأمته أنه أعتق، ومن ادعى على امرأته النكاح أو ادعته عليه ولا شاهد لهما ولا بينة؛ لزمه اليمين أنه ما طلق ولا أعتق، ولزمه اليمين أنه ما نكحها، ولزمتها اليمين كذلك فأيهما بكل حلَّف الآخر المدعي، وصح العتق والنكاح والطلاق، وكذلك في القصاص.
ص: واحتجوا في ذلك بما قد روينا في غير هذا الموضع عن سهل بن أبي حثمة في القسامة: "أن رسول الله ﵇ قال للأنصار: "أتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ فقالوا:
стр. 7426
كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فقال رسول الله ﵇: أتحلفون وتستحقون؟ " قالوا: فقد رد رسول الله ﵇ الأيمان التي جعلها في البدء على المدعى عليهم، فجعلها على المدعيين بعد أن جعلها على المدعى عليهم، فدل على جواز رد اليمين على المدعي.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث سهل بن أبي حثمة.
أخرجه في باب "القسامة": عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، سمع بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: "وجد عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من قلب خيبر. . . . الحديث" على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وجه استدلالهم به: أن رسول الله ﵇ رد الأيمان على المدعيين بعد أن جعلها على المدعى عليهم، فدل على جواز رد اليمين على المدعي.
ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: أن رسول الله ﵇ لما قال: "أتبرئكم يهود خمسين يمينًا" لم يكن من اليهود رد الأيمان على الأنصار فيردها النبي ﵇، فيكون ذلك حجة لمن يرى رد اليمين في الحقوق، إنما قال: "أتبرئكم يهود خمسين يمينًا" فقالت الأنصار: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فقال النبي ﵇: أتحلفون وتستحقون؟ " فقد يجوز أن يكون كذلك حكم القسامة، ويجوز أن يكون على النكير منه عليهم إذ قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فقال لهم: أتحلفون وتستحقون"، كما يقال: أيدعون ويستحقون، فلما احتمل الحديث هذين الوجهين لم يكن لأحد أن يحكمه على أحدهما دون الآخر إلا ببرهان يدله على ذلك، فنظرنا فيما سوى هذا الحديث من الآثار المروية في هذا فإذا ابن عباس ﵄ قد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
فثبت بذلك أن المدعي لا يستحق بدعواه دمًا ولا مالًا وإنما يستحق بها يمين المدعى عليه خاصة، هذا حديث ظاهر المعنى وأولى بنا أن نحمل ما خفي علينا معناه من الحديث الأول على ذلك.
стр. 7427
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على الآخرين لأهل المقالة الأولى وأراد بذلك الجواب عما احتجوا به من حديث سهل بن أبي حثمة وهو ظاهر.
وقال ابن حزم: وأما حديث القسامة فاحتجاجهم به إحدى فضائحهم؛ لأن المالكيين والشافعيين مخالفون لما فيه، أما المالكيون فخالفوه جملة، وأما الشافعيون فخالفوا ما فيه من إيجاب القود، فكيف يستحلون الاحتجاج بحديث قد هان عليهم خلافه فيما فيه وزادوا من ذلك تثبيت الباطل الذي ليس في الحديث منه شيء أصلًا، وإنما في هذا الخبر تحليف المدعيين أولًا خمسين يمينًا بخلاف جميع الدعاوى، ثم رد اليمين على المدعى عليهم بخلاف قولهم، فمن أين رأوا أن يقيسوا عليه ضده من تحليف المدعى عليه أولًا فإن نكل؛ حلف المدعي، ولم يقيسوا عليه في تبرئة المدعي في سائر الدعاوى وأن يجعلوا الأيمان في كل دعوى خمسين يمينًا، فهل في التخليط وخلاف السنن وعكس القياس وضعف النظر أكثر من هذا النهي؟!
وقال أبو عمر: في حديث القسامة أن المدعيين الدم يبدءون بالأيمان في القسامة، وهذا في القسامة خاصة، وهو يخص قول النبي ﵇: "البينة على المدعي واليمين على ما أنكر".
وقد روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة" (١).
قلت: ابتداء المدعيين الدم بالأيمان لا يستلزم جواز رد اليمين على المدعي ولا فيه دلالة على هذا، وحديث عمرو بن شعيب في إسناده مقال.
فإن قيل: روى الحكم في "مستدركه" (٢): من حديث سليمان بن عبد الرحمن، ثنا محمَّد بن مسروق، عن إسحاق بن الفرات، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ رد اليمين على طالب الحق".
стр. 7428
وروى البيهقي في "سننه" (١): من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: "اليمين مع الشاهد، وإن لم يكن له بينة فاليمين على المدعى عليه إذا كان قد خالطه فإن نكل حلف المدعي".
قلت: سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ابن بنت شرحبيل قد تفرد به، قال أبو حاتم: هو صدوق مستقيم الحديث ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين وكان عندي في حد لو أن رجلًا وضع له حديثا لم يفهم وكان لا يميز وابن ضميرة ضعيف، قال ابن حزم: الرواية عن علي ﵁ ساقطة؛ لأنها عن الحسين ابن ضميرة، عن أبيه، وهو متروك ابن متروك لا يحل الاحتجاج بروايتهما فلم يصح في هذا عن أحد من الصحابة كلمة.
فإن قيل: أخرج ابن وهب في "مسنده": عن حيوة بن شريح أن سالم بن غيلان التجيبي أخبره أن رسول الله ﵇ قال: "من كانت له طلبة عند أحد فعليه البينة والمطلوب أولى باليمين فإن نكل حلف الطالب وأخذ".
قلت: قال ابن حزم: هذا مرسل ولا حجة في مرسل عندنا ولا عند الشافعيين، ثم لو صح لكان حجة على المالكيين؛ لأنهم مخالفون لما فيه من عموم رد اليمين في كل طلبة طالب.
قوله: فإذا ابن عباس. . . . إلى آخره.
أخرجه مسلم (٢):
حدثني أبو الطاهر [أحمد] (٣) بن عمرو بن سرح قال: أنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
стр. 7429
وأخرجه البخاري (١) أيضًا، والطحاوي على ما يأتي.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا المدعي الذي عليه أن يقيم الحجة على دعواه لا تكون حجته تلك جارة إلى نفسه مغنمًا، ولا دافعة عنها مغرمًا، فلما وجبت اليمين على المدعى عليه فردها على المدعي فإن استحلفنا المدعي جعلنا يمينه حجة له فحكمنا له بحجة كانت منه هو بها جار إلى نفسه مغنمًا، وهذا خلاف ما تُعبد به العباد فبطل ذلك.
ش: أي: وأما وجه رد اليمين على المدعي من طريق النظر والقياس فإنا رأينا المدعي الذي عليه أن يقيم الحجة أن البينة على دعواه لا يكون هو بتلك الحجة جارًّا إلى نفسه مغنمًا ولا دافعًا عنها مغرمًا.
فإن قيل: اليمين أيضًا حجة مثل البينة فلا يكون أيضًا إذا حلف جارًّا إلى نفسه مغنمًا فكيف الفرق بينهما؟
قلت: ظهور المغنم له عند إقامة البينة بواسطة البينة وليس له في ذلك عمل بخلاف ما إذا حلف عند الاستحلاف؛ لأنه حينئذ يكون هو الذي أظهر ذلك المغنم بإقدامه على اليمين وهو عمل ينسب إليه فيكون بذلك جارًّا إلى نفسه مغنمًا فافهم فإنه موضع دقيق.
ص: فإن قال قائل: إنا إنما نحكم له بيمينه وإن كان بها جارًّا إلى نفسه؛ لأن المدعى عليه قد رضي بذلك.
قيل له: وهل يوجب رضى المدعى عليه زوال الحكم عن جهته؟
أرأيت لو أن رجلًا قال: ما ادعى على فلان من شيء فهو مصدق فادعى عليه درهمًا فما فوقه هل يقبل ذلك منه؟ أرأيت لو قال: قد رضيت بما يشهد به زيد علي لرجل فاسق أو لرجل جار إلى نفسه بتلك الشهادة مغنمًا فشهد زيد عليه بشيء هل
стр. 7430
يحكم بذلك عليه؟ فلما كانوا قد اتفقوا أنه لا يحكم عليه بشيء من ذلك وإن رضي به، وأن رضاه في ذلك وغير رضاه سواء، وأن الحكم لا يجب في ذلك -وإن رضي بذلك- إلا بما كان يجب لو لم يرضى كان كذلك أيضًا يمين المدعي لا يجب له بها حق على المدعى عليه وإن رضي المدعى عليه بذلك، وحكم يمينه بعد رضاه بها كحكمها قبل ذلك، فثبت بما ذكرنا بطلان رد اليمين على المدعى عليه وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن المدعي إذا حلف عند الاستحلاف فهو وإن كان بيمينه جارًّا إلى نفسه مغنمًا ولكنه برضى المدعى عليه فلا يضره حينئذ ذلك، فبطل بذلك ما قلتم من قولكم: فإن استحلفنا المدعي جعلنا يمينه حجة له -أي للمدعي- فحكمنا له بحجة كانت منه -أي من المدعي- هو بها -أي بتلك الحجة التي هي اليمين- جارًّا إلى نفسه مغنمًا. وهذه جملة وقعت حالًا بدون الواو كما في قوله: كلمته فوه إلى في.
فأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له:. . . ." إلى آخره وهو ظاهر.
قوله: "أرأيت" أي أخبرني.
قوله: "فهو مصدق" بفتح الدال المشددة.
قوله: "فلما كانوا" أي أهل المقالتين جميعًا.
стр. 7431
ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي عنده شهادة لرجل في قضية من القضايا، هل له أن يخبره بتلك الشهادة؟ وهل يقبل الحاكم هذه الشهادة منه أم لا؟
ص: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير قال: ثنا إسرائيل قال: ثنا عبد الملك بن عمير قال: ثنا جابر بن سمرة ﵁ قال: "خطبنا عمر ﵁ بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﵇ مقامي فيكم اليوم فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف الرجل على اليمين ولا يستحلف".
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش قال: ثنا عارم بن الفضل قال: ثنا جرير بن حازم قال: ثنا عبد الملك بن عمير. . . . فدكر بإسناده مثله غير أنه قال: "أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة نحوه.
الثاني: عن ابن خشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السدوسي إلى آخره.
[وأخرجه ابن ماجه: عن عبد الله بن الجراح، عن جرير، عن عبد الملك بن عمير. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7432
قوله: "بالجابية" أي: في الجابية، وهي مدينة بالشام، وإليها ينسب باب الجابية بدمشق.
قوله: "يلونهم" من ولي يلي وليًا إذا تابعه، وأصل الولي القرب الدنو.
قوله: "ثم يفشو" من فشى الأمر إذا شاع وانتشر.
قوله: "ولا يسألها" على صيغة المجهور، وكذلك قوله: "ولا يستحلف".
ومن فوائد هذا الحديث:
ألا يتعرض أحدٌ إلى أحدٍ من الصحابة إلا بإحسان.
وفيه: معجزة للنبي ﵇ حيث أخبر بشيءٍ قبل كونه.
وفيه: الإشارة إلى فضيلة الصحابة، ثم إلى فضيلة التابعين، وأتباع التابعين؛ لأن الذين يلون الصحابة هم التابعون، والذين يلونهم هم أتباع التابعين؛ فأبو حنيفة من التابعين، وأبو يوسف ومحمد من أتباع التابعين.
وفيه: الإشارة على أن زمن من بعد أتباع التابعين زمن شرٍّ وفساد حيث يظهر فيه الكذب، ويشهد الرجل قبل أن يستشهد، ويحلف قبل أن يستحلف.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن يزيد، قال: ثنا معاوية بن قرة المزني، قال: سمعت كهمسًا يقول: سمعت عمر ﵁ يقول، فذكر نحو حديث أبي بكر عن أبي أحمد.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن يزيد -بالياء آخر الحروف قبل الزاي- ابن مسلم أبي يزيد البصري وثقه ابن حبان، وهذا يشتبه على كثيرٍ ممن ليس لهم يد في هذا الشأن بحماد بن زيد بن درهم البصري، وكلاهما بصريان، وكل منهما يسمى حمادًا، ولكن تميزهما باسم الأب.
стр. 7433
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد بن يزيد البصري -روى عنه جماعة- قال: ثنا معاوية بن قرة، عن كهمس الهلالي، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم ينشأ أقوامٌ يفشوا فيهم السمن، يشهدون ولا يستشهدون، ولهم لغط في أسواقهم".
ولا نعلم أسند كهمس الهلالي عن عمر إلا هذا الحديث، وكهمس قد روى عن النبي ﵇ حديثًا واحدًا.
قلت: هو حديث في الصوم، وقد ذكرناه في ترجمته.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن من شهد بالشهادة قبل أن يُسألها، أنه يكون مذمومًا، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث وطائفة من الظاهرية؛ فإنهم احتجوا بهذه الأحاديث التي رويت عن عمر بن الخطاب ﵁، وقالوا: من شهد بالشهادة قبل أن يُسألها فهو مذموم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: بل هو محمود مأجور على ما كان منه في ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وآخرين؛ فإنهم قالوا: أداء الشهادة قبل أن يسألها محمود غير مذموم، وهو مأجور على ذلك؛ لأن فيه المبادرة إلى إحاء الحق، والاجتناب عن الدخول تحت الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢).
стр. 7434
ص: وكان من الحجة لهم في دفع ما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى أن النبي ﵇ قال: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف على اليمين لا يستحلف". فمعنى ذلك أن يشهد كاذبًا أو يحلف كاذبًا؛ لأنه قال: حتى يفشو الكذب فيكون كذا وكذا؛ فلا يجوز أن يكون الذي يكون إذا فشى الكذب إلا كذبًا، وإلا فلا معنى لذكره فشو الكذب.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين. . . . إلى آخره.
وأراد بهذا الجواب عن استدلال أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة فيا حق من يشهد كاذبًا أو يحلف كاذبًا بقرينة قوله "ثم يفشو الكذب" ولو لم يكن المعنى كما ذكرنا، لم يكن لذكر فشو الكذب فائدة، والدليل على صحة هذا ما جاء في رواية كهمس التي أخرجها البزار (١) "ثم ينشأن أقوام يفشو فيهم السمن؛ فيشهدون ولا يستشهدون" فهذا خارجٌ في معرض الذم لهؤلاء؛ فلا يستحقون الذم إلا بارتكاب أمرٍ عظيم، وهو ظهور السمن فيهم الذي هو كناية عن أكلهم الحرام وشهادتهم الكاذبة؛ لأن معنى قوله "فيشهدون ولا يستشهدون" أن يشهدوا من غير أن يتحملوا الشهادة، وهي شهادة كذب وزور.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم، بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا محمَّد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ "أنه خطبهم بالجابية. فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد".
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب.
أخرجه بإسنادٍ صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي الفارضي الأعور، عن عبد الله بن المبارك، عن محمَّد بن سوقة الغنوي الكوفي، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.
стр. 7435
وأخرجه الترمذي (١): عن أحمد بن منيع، عن أبي المغيرة النضر بن إسماعيل، عن محمَّد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.
وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمَّد بن الوليد الفحام البغدادي عن النضر بن إسماعيل، عن محمَّد بن سوقة. . . . إلى آخره.
ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد المصري، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين الذين يلونهم -قال: والله أعلم أذكر الثالثة أم لا- ثم ينشأ أقوام يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يأتمنون، ويفشو فيهم السمن".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن ثابت البزار، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب الجرمي، أنه سمع عمران بن حصين يقول: قال رسول الله ﷺ : "خيركم قرني"، ثم ذكر مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن عبد الله بن محمَّد المصري، عن عارم وهو محمَّد بن الفضل السدوسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): عن محمَّد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن معاذ بن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين. . . . إلى آخره.
قوله: "قرني" القرن: هم أهل كل زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الأقران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في
стр. 7436
أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن.
قوله: "ثم الذين يلونهم" هم التابعون، والذين يلونهم من أتباع التابعين.
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن ثابت البصري البزار، عن شعبة، عن أبي جمرة بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي، عن زهدم بن مضرب الجرمي البصري، عن عمران.
وأخرجه مسلم أيضًا (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى ومحمد بن بشار، جميعًا عن غندر محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين يحدث، أن رسول الله ﵇ قال: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة- ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يأتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمن".
ص: قالوا: فقد ذم النبي ﵇ في هذا الحديث الذي يشهد ولا يستشهد، قيل لهم: هذا الذي لا يستشهد في بدء الأمر فيكون في شهادته عند الحكم شاهدًا بما لم يشهد عليه ولا يعلمه، فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى الحديث الأول.
ش: أي قال أهل المقالة الأولى؛ وأراد به بيان وجه استدلالهم بالحديث المذكور.
قوله: "قيل لهم" جواب عن استدلالهم بذلك، حاصله: أنه ﵇ أراد] (٢) في هذا الحديث الشاهد الذي يشهد بغير تحمل الشهادة والعلم بالقضية فيكون بذلك شاهد الزور.
ص: وذكروا في ذلك أيضًا ما حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سليم، عن مصعب بن عبد الله بن أبي أمية قال:
стр. 7437
حدثتني أم سلمة أنها سمعت رسول الله ﵇ يقول: "يأتي على الناس زمان يكذب فيه الصادق، ويُصدَّق فيه الكاذب، ويُخوَّن فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخائن، ويشهد فيه المرء وإن لم يستشهد، ويحلف المرء وإن لم يستحلف".
ش: أي ذكر أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه حديث أم سلمة زوج النبي ﵇.
أخرجه عن حسين بن نصر بن المبارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يحيى سليم بن زيد مولى رسول الله ﵇-ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه- عن مصعب بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي أمية المخزومي، عن أم سلمة هند ﵂.
ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عفان قال: ثنا حماد (ح).
وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا هشام بن عبد الملك قال: ثنا أبو عوانة قالا جميعًا: عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم لا أدري أذكر الثالث أم لا؟، ثم تخلف بعدهم خلوف تعجبهم السمانة فيشهدون ولا يستشهدون".
ش: هذان إسنادان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم -شيخ أحمد- عن حماد ابن سلمة، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): عن إسماعيل بن سالم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، -والله أعلم أذكر الثالث أم لا-؟ قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا".
стр. 7438
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا: عن حجاج بن الشاعر، عن أبي الوليد، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "خُلُوف" بضم الخاء جمع خَلْف بفتح الخاء وسكون اللام، والخَلَف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر يقال: خَلَف صدقٍ وخَلْف سوءٍ، ومعناهما جميعًا: القرن من الناس.
ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أبو مسهر قال: ثنا صدقة بن خالد قال: حدثني عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال: "قلنا: يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وقرني. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ويحلفون ولا يستحلفون ويؤتمنون ولا يؤدون".
ش: إسناده صحيح.
وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، شيخ البخاري في غير الصحيح، روى له الجماعة.
وصدقة بن خالد القرشي الأموي وثقه أحمد وأبو زرعة، وعمرو بن شراحيل أبو المغيرة الشامي، وثقه ابن حبان.
وبلال بن سعد السكوني الأشعري العابد القاص، وثقه ابن حبان (٢).
وأبوه سعد بن تميم السكوني الصحابي، إمام جامع دمشق.
стр. 7439
وأخرجه الطبراني (١): ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر الدمشقي، وحدثنا أحمد ابن المعلى الدمشقي، قالا: ثنا هشام بن عمار الدمشقي، ثنا صدقة ابن خالد، نا عمرو بن شراحيل العنسي، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أي أمتك خير. . . ." إلى آخره نحوه.
ص: فالكلام في تأويل هذا هو الكلام الذي ذكرنا في تأويل الآثار التي في الفصل الذي قبل هذا الفصل.
ش: أراد به ما قاله من قوله: "قيل لهم: هذا الذي لا يستشهد في بدء الأمر. . . ." إلى آخره.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن منصور وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم [الذين] (٢) يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن مسعود.
أخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن عَبِيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن عمرو السلماني، عن عبد الله بن مسعود.
стр. 7440
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد وهناد بن السري، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة السلماني، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" -لم يذكر هناد "القرن" في حديثه، وقال قتيبة: "ثم يجيء أقوام".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الترمذي (٢): عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة. . . . به، وقال: حسن صحيح.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن موله القشيري قال: "كنت أسير مع بريدة الأسلمي وهو يقول: اللهم ألحقني بقرني الذي أنا منه وأنا معه، فقلت: وأنا، فدعى لي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم، وأيمانهم شهاداتهم".
ش: رجاله ثقات.
والجُريري -بضم الجيم، وفتح الراء الأولى- هو سعيد بن إياس، روى له الجماعة.
وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي العوفي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
وعبد الله بن مَوَلَة القشيري، وثقه ابن حبان.
стр. 7441
وبُريدة -بضم الباء الموحدة- بن الخُصَيب الأسلمي الصحابي.
والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجُرَيْرِي، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن مَوَلَة، عن بريدة الأسلمي، أن رسول الله ﵇ قال: "يكفي أحدكم من الدنيا خادم ومركب"، قال: وقال بريدة: "اللهم ألحقني بقرني الذي أنا منه، قال: فقلت: وأنا معك، فقال: نعم، قال: قال رسول الله ﵇: خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن على الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﵇ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم وأيمانهم شهاداتهم".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم. . . . فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ثم الذين يلونهم -مرة أخرى- ثم يأتي قوم".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة محمَّد شيخ الشيخين، عن حسين بن علي الجعفي الكوفي، روي له الجماعة، عن زائدة بن قدامة، روي له الجماعة، عن عاصم بن بهدلة المقرئ، ثقة، عن خيثمة بن عبد الرحمن الكوفي، روي له الجماعة.
وأخرجه الطبراني: ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن عاصم، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد أيضًا عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- المقرئ، وقد اختلف في اسمه جدًّا، والصحيح أن اسمه كنيته، قال أحمد: صدوق صاحب قرآن. وعنه: ثقة روي له الجماعة؛ مسلم في مقدمة كتابه.
стр. 7442
وأخرجه الطبراني: عن أبي حصين القاضي، عن يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش. . . . إلى آخره.
ص: فكان من حجتنا على الذين احتجوا بهذه الآثار لأهل المقالة الأولى: أن هذه لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، وقد روي ما يدل على ذلك عن إبراهيم النخعي.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: "قلنا يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه، قال إبراهيم: كان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد".
فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة التي ذم النبي ﵇ صاحبها هو قول الرجل: أشهد بالله بما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما يكره الحلف، فإنه مكروه للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا، فنهي عن الشهادة التي هي حلف كما نهى عن اليمين إلا أن يُستخلف بها، فيكون حينئذٍ معذورًا، ولعله أن يكون أراد بالشهادة التي ذكرنا الحلف بها على ما لم يكن، لقوله: "ثم يفشوا الكذب" فتكون تلك الشهادة شهادة كذب.
ش: أي فكان من دليلنا وبرهاننا على القوم [الذين] (١) احتجوا بالأحاديث المذكورة التي رويت عن عمر بن الخطاب وعمران بن الحصين وأم سلمة وأبي هريرة وسعد بن تميم وعبد الله بن مسعود وبريدة الأسلمي والنعمان بن بشير ﵃. وأشار بذلك إلى الجواب عما قاله أهل المقالة الثانية من الاستدلال بالأحاديث المذكورة فيما ذهبوا إليه، وبيانه أن يقال: استدلالكم بهذه الأحاديث غير تام ولا مطابق لمدَّعاكم؛ لأن المراد من هذه الشهادة هي الشهادة في الأيمان لا الشهادة في الحقوق، والدليل على ذلك: قول إبراهيم النخعي: "كان أصحابنا ينهوننا ونحن
стр. 7443
غلمان أن نحلف بالشهادة"، وهو أن يقول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا أو كان كذا على قصد اليمين، فكره هذا كما يكره اليمين، فإنه لا شك أنه يكره للرجل الإكثار من اليمين وإن كان صادقًا؛ لأن فيه استخفافًا باسم الله تعالى، فدل ذلك أن المراد هي الشهادة التي هي حلف فنهى عن ذلك كما نهى عن اليمين اللهم إلا إذا اسْتُحْلف الرجل بالشهادة؛ فإن ذلك لا يدخل في هذا الباب لأنه معذور في ذلك.
ثم إسناد حديث إبراهيم صحيح.
وشيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي النحوي البصري، روى له الجماعة.
ومنصور هو ابن المعتمر.
وعبيدة -بفتح العين- وقد مَرَّ ذكره آنفًا.
وأخرجه الطبراني (١) عن أبي مسلم الكشي، عن عبد الله بن رجاء عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن منصور. . . . إلى آخره.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ في تفضيل الشاهد المبتدئ بالشهادة: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، أو يخبر بشهادته قبل أن يُسأل عنها" قال مالك: الذي يخبر بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له، أو يأتي بها الإمام.
فهذا رسول الله ﵇ قد مدح الذي يخبر بشهادته من هي له، أو يأتي الإِمام فيشهد بها عنده، وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الآثار الأول على المعاني التي ذكرنا، ويكون هذا الأثر الآخر على تفضيل المبتدئ بالشهادة من هي له، أو المخبر بها الإِمام.
ش: هذه إشارة إلى بيان حجة ظاهرة تشهد لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهي حديث زيد بن خالد الجهني.
стр. 7444
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني -يقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمَّد، ويقال اسمه وكنيته واحد.
عن عبد الله بن عمرو بن عثمان القرشي الأموي، عن أبي عمرة الأنصاري الصحابي، اختلف في اسمه، فقيل: يسير، وقيل: ثعلبة بن عمرو، ويقال: أسيد ابن مالك، قتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته: "عن ابن أبي عمرة".
وأبو داود (٢): عن أحمد بن سعيد الهمداني وابن السرح، عن ابن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته: أن عبد الرحمن بن أبي عمرة.
والترمذي (٣): عن أحمد بن الحسن، عن القعنبي، عن مالك.
وعن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد نحوه، وقال: أكثر الناس يقولون: ابن أبي عمرة، واختلف على مالك فيه، فروى بعضهم عن ابن أبي عمرة، وابن أبي عمرة أصح عندنا؛ لأنه قد روي في غير حديث:
مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد، وقد روي عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد غير هذا الحديث، وهو صحيح أيضًا.
وأبو عمرة هو مولى زيد بن خالد الجهني، وله حديث الغلول.
وأخرجه النسائي (٤): عن محمَّد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن أبي القاسم، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته: عن أبي عمرة.
стр. 7445
وأخرجه ابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، ومحمد بن عبد الرحمن الجعفي، عن زيد بن الحباب، عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة بمعناه.
وقال أبو عمر: اختلف رواة "الموطأ" في إسناد هذا الحديث عن مالك، وهكذا روى يحيى بن يحيى هذا الحديث عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد، وكذا رواه عن مالك ابن القاسم وأبو مصعب الزهري ومصعب الزبيري.
ورواه القعنبي ومعن بن عيسى وسعيد بن عفير ويحيى بن عبد الله بن بكير كلهم عن مالك، وقالوا: عن ابن أبي عمرة. وكذلك قال ابن وهب وعبد الرزاق، إلا أنهما سمياه فقالا: عبد الرحمن بن أبي عمرة.
قوله: "قال مالك: الذي يخبر بشهادته. . . ." إلى آخره.
تفسير عن مالك لمعنى هذا الحديث، وفسره يحيى بن سعيد نحوه. وقال ابن وهب: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال: من دعي بشهادة عنده فعليه أن يجيب إذا علم أنه ينتفع بها الذي يشهد له بها، وعليه أن يؤديها.
ومن كانت عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها فليؤدها قبل أن يُسأل عنها فإنه كان يقال: "من أفضل الشهادات شهادة لا يعلم بها صاحبها قبل أن يُسألها".
وقال أبو عمر: تفسير مالك ويحيى بن سعيد لهذا الحديث أولى ما قيل فيه، فمن سمع شيئًا أو علمه جاز له أن يشهد به قبل أن يُسألها؛ لأن صاحبها لا يعلم بها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ (٤).
стр. 7446
وقال: الترمذي، ومعنى هذا الحديث: هو أن الرجل إذا شُهِّد على شيء لا يمتنع من شهادته، ومعنى حديث ابن مسعود وعمران بن حصين وأمثالهما أن يشهد بالزور، وقد بَيَّنَ ذلك ابن عمر في حديثه عن عمر بن الخطاب عن النبي ﵇ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف الرجل ولا يستحلف".
ص: وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله ﵇ فأتوا الإمام فشهدوا ابتداءً، منهم: أبو بكرة ومن كان معه حين شهدوا على المغيرة بن شعبة فرأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم عمر ﵁ على ابتدائهم إياه بذلك، بل سمع شهاداتهم، ولو كانوا في ذلك مذمومين لَذَمَّهم وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تُسْألوا؟ فلما سمع منهم ولم ينكر ذلك عليهم عمر ﵁ ولا أحد ممن كان بحضرته من أصحاب النبي ﵇؛ دل ذلك أن فرضهم كذلك، وأن من فعل ذلك ابتداءً لا عن مسألة محمود.
ش: أي وقد فعل ابتداء الشهادة قبل السؤال أصحاب رسول الله ﵇، فأتوا الإِمام فشهدوا عنده ابتداء من غير أن يسألوا.
قوله: "منهم" أي من أصحاب رسول الله ﵇ الذين فعلوا ذلك ابتداء: أبو بكرة نفيع بن الحارث الصحابي ومن كان معه، وهم: شبل بن معبد ونافع بن الحارث الثقفي أخو أبي بكرة لأمه أمهما سمية، وزياد بن أبي سفيان على ما يأتي، والباقي ظاهر.
ص: فمما روي في ذلك: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان وسعيد ابن أبي مريم، قالا: ثنا السري بن يحيى، قال: حدثني عبد الكريم، عن أبي عثمان النهدي قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد على المغيرة بن شعبة، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر ﵁ حتى عرفنا ذلك فيه، وجاء آخر يحرك بيديه، فقال: ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح أبو عثمان صيحة يشبه بها صيحة عمر ﵁ حتى كدت أن يغشى
стр. 7447
عليَّ، قال: رأيت أمرًا قبيحًا، فقال عمر ﵁: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمَّد ﷺ ، فأمر بأولئك النفر فجلدوا".
ش: أي فمن الذي روي في ابتداء الشهادة قبل السؤال: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة المصري المعروف، بعلَّان، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، وسعيد بن أبي مريم شيخ البخاري كلاهما عن السري بن يحيى ابن إياس الشيباني البصري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن ملّ النهدي.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن علية، عن التيمي، عن أبي عثمان قال: "لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة؛ جاء زياد، فقال له عمر ﵁: رجل لن يشهد -إن شاء الله- إلا بحق، قال: رأيت انبهارًا ومجلسًا سيئًا، فقال عمر ﵁: هل رأيت المرود دخل المكحلة؟ قال: لا، قال: فأمر بهم فجلدوا".
قوله: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁. . . ." إلى آخره.
فهؤلاء الأربعة هم الذين ذكرناهم وهم: أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد بن أبي سفيان.
وأصل هذه القضية أن المغيرة بن شعبة كان عمر ﵁ قد ولاه البصرة، وكان في قبالة العلية التي فيها المغيرة علية فيها هؤلاء الأربعة، فرفعت الريح الكوة عن العلية، فنظروا إلى المغيرة وهو على أم جبل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة، فكتبوا ذلك إلى عمر ﵁ فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود، وولى البصرة أبا موسى الأشعري، فلما قدم إلى عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا، وأما زياد بن أبي سفيان فلم يفصح بشهادة الزنا، وكان عمر ﵁ قد قال قبل ذلك: أرى رجلًا أرجو أن لا يفضح الله به رجلًا من
стр. 7448
أصحاب رسول الله ﵇، فقال زياد: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة ورأيت رجلين مرفوعتين كَأُذني حمار ونَفَسًا يعلو [واستًا ينبو عن ذكر، ولا أعرف ما وراء ذلك، فقال عمر: رأيت كالهيل] (١) في المكحلة؟ قال: لا. فقال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها. فأمر عمر [بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يُحَدُّوا] (٢) حد القذف، فجلدوا".
وحدثت هذه القضية في سنة سبع عشرة من الهجرة.
قوله: "يا سلح العقاب" [السلح من] (٢) سَلَح سلحًا إذا خرى مائعًا، والسُلاح بالضم النجو. قال الجوهري: [والعقاب طائر معروف؛ فشبه عمر ﵁ زيادًا] (٢) بسلح العقاب وهو نجوه المائع الذي [يذرقه؛ تحقيرًا له وتهديدًا عليه في شهادته؛ لأنه لو شهد مثل شهادة رفيقيه] (٢)، لكان ترتب الرجم على المغيرة، فلما لم يفصح في شهادته استثناه عن الرجم [وجلد الثلاثة حد القذف] (٢)، وفرح عمر ﵁ عنه على ذلك وقال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمَّد ﵇.
[ثم اعلم أن أبا بكرة نفيع] (٢) بن الحارث من خيار الصحابة.
وشبل بن معبد بن عبيد [بن الحارث بن عمرو بن علي بن أسلم بن أحمث بن الغوث بن أنمار البجلي] (٢) الصحابي ﵁.
وأبو عبد الله نافع بن الحارث [صحابي أيضًا، وأما زياد بن أبي سفيان، ويقال له] (٢) زياد بن أبيه، وزياد بن سميّة، وهي أمه، وهو الذي [استحلقه معاوية بن أبي سفيان، وليست له صحبة ولا رواية] (٢).
ص: حدثنا فهد قال: ثنا ابن أبي مريم قال: أنا محمَّد بن مسلم الطائفي قال: حدثني إبراهيم بن ميسرة، عن سعيد بن المسيب قال: "شهد على المغيرة أربعة، فنكل زياد بن أبي سفيان، فجلد عمر ﵁ الثلاثة واستتابهم، فتاب اثنان، وأبى
стр. 7449
أبو بكرة أن يتوب، فكان يقبل شهادتهما حين تابا، وكان أبو بكرة لا تقبل شهادته لأنه أبى أن يتوب، وكان مثل النضو من العبادة".
ش: إسناده صحيح.
وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن قسامة بن زهير قال: "لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة بن شعبة الذي كان قال أبو بكرة تنح عن صلاتنا فإنا لا نصلي خلفك. قال: فكتب إلى عمر ﵁ في شأنه. قال: فكتب على المغيرة: أما بعد، فإنه قد رقى إليّ من حديثك حديثًا فإن يكن مصدوقا عليك فلأن تكون مت قبل اليوم خير لك قال: فكتب إليه وإلى الشهود أن يقبلوا إليه. فلما انتهوا إليه دعا الشهود فشهد أبو بكرة وشبل وأبو عبد الله بن نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: أودى المغيرة أربعة. وشق على عمر شأنه جدًّا، فلما قام زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق ثم شهد، فقال: أما الزنا فلا أشهد به، ولكني قد رأيت أمرًا قبيحًا. قال عمر: الله أكبر، حدوهم. فجلدوهم، فلما فرغ من جَلْد أبي بكرة قام فقال: أشهد أنه زان. فذهب عمر ﵁ يعيد عليه الحد، فقال علي ﵁: إن جلدته فارجم صاحبك. فتركه فلم يجلد قذف مرتين بعد".
قوله: "مثل النضو" بكسر النون وسكون الضاد المعجمة البعير المهزول، والناقة نضوة وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة.
واستفيد من هذا أربعة:
الأول: ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
الثاني: أن حد الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهداء.
стр. 7450
[الثالث: أنهم إذا] (١) فإن نقصوا عن الأربعة يحدُّون حد القذف.
الرابع: أن الزاني إذا حُدَّ وتاب [عن ذلك تقبل توبته.
الخامس: أن مبني الحدُّ على] (١) الستر، ألا ترى أن عمر ﵁ كيف صعب عليه أمر المغيرة لما شهد الثلاثة المذكورون ولم يفصح الرابع وأسقط الحد وفرح على ذلك.
ص: حدثثا فهدٌ قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثني أبو الطفيل قال: "أقبل وهي معهم امرأة، حتى نزلوا فتفرقوا في حوائجهم، فتخلف رجل مع أمرأة، فرجعوا وهو بين رجليها، فشهد ثلاثة منهم أنهم رأه يهب كما يهب المرود في المكحلة وقال الرابع: أحمي سمعي وبصري، لم أره يهب فيها، رأيت سخنتيه -يعني خصيتيه- يضربان أستها ورجليها مثل أذني الحمار، وعلى مكة يومئذ نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فكتب إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر: إن شهد الرابع مثل ما شهد الثلاثة فقدمهما فاجلدهما وإن كانا محصنين فارجمهما، وإن لم يشهد إلا بما كتبت به إليَّ فاجلد الثلاثة، وخل سبيل الرجل والمرأة، قال: فجلد الثلاثة، وخلى سبيل الرجل والمرأة.
ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين الملائي شيخ البخاري.
والوليد بن عبد الله بن جميع الزهري الكوفي، وقد ينسب إلى جده، وثقه يحيى والعجلي، وروى له مسلم ومن الأربعة غير ابن ماجه.
وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي.
ونافع بن عبد الحارث بن حبالة الخزاعي الصحابي، كان من فضلاء الصحابة وكبارهم، قيل: أسلم يوم الفتح، وأنكر الواقدي أن تكون له صحبة.
قوله: "رأوه يَهِبُّ" بالتشديد من الهِبَّة -بكسر الهاء- وهو هياج الفحل تقول: هب التيس يَهِبُّ -بالكسر- هبيبًا وهبابًا إذا هَبَّ للسفاد، أي صاح.
стр. 7451
قوله: "رأيت سُخْنتيه" تثنية سخنة -بضم السين المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها نون- وهي الخصية.
ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بعضهم ابتداءً وقبلها بعضهم، وحضر ذلك أكثرهم فلم ينكره.
فدل ذلك على اتفاقهم جميعًا على هذا المعنى، وثبت أن معاني الآثار الأُوَل على ما ذكرنا من معانيها التي وصفناها في مواضعها.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
ش: قد مَرَّ أن من جملة من شهد من الصحابة ابتداء قبل السؤال: أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع بن الحارث.
ومن جملة من قَبِلَ هذه الشهادة: عمر بن الخطاب، ونافع بن عبد الحارث الخزاعي.
قوله: "وحضر ذلك أكثرهم" أي حضر على ما ذكر من الشهادة ابتداء والعمل بها أكثر الصحابة ﵃.
قوله: "على هذا المعنى" أراد به المعنى الذي ذكره من الشهادة ابتداء، والعمل به، وقبول الصحابة ذلك.
وأراد بـ "الآثار الأول" الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.
стр. 7452
ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر
ش: أي هذا باب في بيان حكم القاضي بشيء وهو في الحقيقة بخلاف ذلك، هل ينفذ ذلك ظاهرًا وباطنًا، أم ينفذ ظاهرًا دون باطن؟.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة قالت: "سمع النبي ﷺ جلبة خصام عند بابه، فخرج إليهم فقال: إنما أن بشر مثلكم، وإنه يأتيني الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أنَّ مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذه".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، سمعه من عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى النبي ﵇ في مواريث بينهما قد درست وليست بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر، فإنه يأتيني الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق
стр. 7453
مسلم فإنما هي قطعة من النار؛ فليأخذها أو ليدعها، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي الآخر، فقال رسول الله ﵇: أما إذا فعلتما هذا فاذهبا فاقتسما وتوخيا الحق. ثم اسْتَهِمَا ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا أسامة بن زيد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع الصائغ، قال حدثني أسامة، فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه سبع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان بن الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن زينب بنت أبي سلمة المخزومية الصحابية ربيبة النبي ﵇.
واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، عن أم سلمة زوج النبي ﵇، واسمها هند بنت أبي أمية.
وأخرجه البخاري (١): عن أبي اليمان إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي شيخ البخاري، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂.
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. . . . إلى آخره نحوه.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن زينب، عن أم سلمة.
стр. 7454
وأخرجه البخاري (١): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام. . . . إلى آخره نحوه.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن كريب عن عبد الله بن نمير، كلاهما عن هشام بن عروة.
وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري.
وعن عمرو الناقد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح.
وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، كلاهما عن عروة.
الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع أبي رافع المدني المخزومي مولى أم سلمة روى له الجماعة، عن أم سلمة ﵂.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة.
وأخرجه أبو داود (٤): عن الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7455
السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة.
وأخرجه الطبراني (١): عن أبي يحيى الرازي، عن سهل بن عثمان، عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "جلبة خصام": الجلبة الصوت واللغط، والخصام: جمع خَصِيم كالكرام جمع كريم، قال الجوهري: الخصم: معروف يستوي فيه الجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل المصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم، والخصيم أيضًا الخصم، والجمع: الخصماء، وخاصمته مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة.
قوله: "ألحن بحجته" أي أفطن لها وأجدل بها، قال أبو عبيد: اللحن -بفتح الحاء- الفطنة، واللحن -بجزم الحاء- الخطأ من القول.
قوله: "في مواريث" جمع ميراث.
قوله: "درست" أي عفيت ومضى عليها زمان.
قوله: "أو ليدعها" أي أو ليتركها.
قوله: "وتوخيا الحق" أي تحرياه واقصداه.
قوله: "ثم استهما" أي اقترعا.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر في الضمائر وغيرها، لأنه قال ﵇: "إنما أنا بشر" أي من البشر ولا أدري باطن ما تتحاكمون فيه عندي وتختصمون فيه إليَّ وإنما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولون، فإذا كان الأنبياء ﵈ لا يعلمون ذلك فغير جائز أن تصح دعوى غيرهم من كاهن أو منجم، وإنما يعلم الأنبياء ﵈ من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي.
стр. 7456
الثاني: فيه أن بعض الناس أدرى بمواضع الحجة وتصرف القول من بعض.
الثالث: فيه أن القاضي إنما يقضي على الخصم بما يسمع منه من إقرار وإنكار أو بِبَيِّنَات على حسب ما أحكمته السنة في ذلك.
وفيه: إبطالٌ ورَدٌّ للحكم بالهوى. قال أبو عمر: قد احتج بعض أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حكم القاضي بعلمه.
قلت: إلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وأبو عبيد، وهو قول شريح والشعبي: أن القاضي لا يقضي بعلمه في شيء من حقوق الناس ولا غيرها من حقوق الله إلا بالْبَيِّنَات أو الإقرار.
وقال ابن حزم (١): فرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعدها، وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: "لا يحكم الحاكم بعلمه في الزنا" وصح عن الشعبي: "لا يكون شاهدًا وقاضيًا".
وقال مالك وابن أبي ليلى -في أحد قوليه- وأحمد وأبو عبيد ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: لا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا، وقال حماد بن أبي سليمان: يحكم الحاكم بعلمه بالاعتراف في كل شيء إلا في الحدود خاصة، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: يحكم بعلمه في كل شيء من قصاص وغيره إلا في الحدود، وسواء علمه قبل القضاء أو بعده، وقال أبو حنيفة: لا يحكم بما علمه قبل ولايته أصلًا، فأما ما علمه بعدها فإنه يحكم به في كل شيء إلا في الحدود خاصة.
وقال: الليث لا يحكم بعلمه إلا أن يقيم الطالب شاهدًا واحدًا في حقوق الناس خاصة، فيحكم القاضي حينئذ بعلمه مع ذلك الشاهد.
стр. 7457
وقال الحسن بن حي: كل ما علم قبل ولايته لا يحكم فيه بعلمه، وما علم بعد ولايته حكم فيه بعلمه بعد أن يستحلفه وذلك في حقوق الناس، وأما الزنا فإن شهد به ثلاثة والقاضي يعرف صحة ذلك حكم فيه بتلك الشهادة مع علمه.
وقال الأوزاعي: إن أقام المقذوف شاهدًا واحدًا وعلم القاضي بذلك حَدَّ القاذف.
وقال الشافعي وأبو سليمان وأبو ثور وأصحابهم كما قلنا.
الرابع: فيه جواز الاجتهاد للحاكم فيما لم يكن فيه نص.
الخامس: فيه جواز التحري في أداء المظالم.
السادس: قال أبو عمر: فيه جواز الصلح على الإنكار خلافًا للشافعي.
السابع: فيه أن قضاء القاضي بالظاهر الذي يعتد به هل يحل في الباطن حرامًا؟ فيه الخلاف الذي عقد له الباب، وسيجيء مفصلًا مستقصى.
الثامن: جواز الاقتراع والاستهمام.
التاسع: فيه استحباب توخي الحق وتحريه بعد العلم به.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روي له الجماعة؛ البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث أخرجه أحمد (١) نحوه.
стр. 7458
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن كل قضاء قضى به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو من حله بطلاق أو بما أشبه ذلك؛ أن ذلك كله على حكم الباطن فإن كان ذلك في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما حكم به، وإن كان ذلك في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان وعلى خلاف ما حكم به فشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا فيه من تمليك ولا تحريم ولا تحليل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وممن قال ذلك: أبو يوسف ﵀.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور وداود وسائر الظاهرية؛ فإنهم جعلوا الحديث المذكور أصلًا في هذا الباب.
وقال ابن حزم: لا يحل ما كان حرامًا قبل قضائه، ولا يحرم ما كان حلالًا قبل قضائه، إنما القاضي منفذ على الممتنع فقط، لا مزية له سوى هذا.
قوله: "وممن قال ذلك" أي القول الذي ذهب إليه هؤلاء القوم: أبو يوسف يعقوب القاضي ﵀.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن كما قال رسول الله ﷺ : "من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذها، فإنما اقطع له قطعة من النار" وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه، فذلك تحريم في الباطن كحرمته في الظاهر.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم عامرًا الشعبي وأبا حنيفة ومحمد بن الحسن ﵏، فإنهم قالوا: ما كان من ذلك. . . . إلى آخره.
وقال ابن حزم: [قال أبو حنيفة] (١) لو أن رجلًا رشى شاهدين فشهدا له بزور أن فلانًا طلق امرأته فلانة أو أعتق أمته فلانة وهما كاذبان متعمدان، وأن المرأتين
стр. 7459
بعد العدة رضيتا بفلان زوجًا فقضى القاضي بهذه الشهادة، فإن وطء تينك المرأتين حلال للفاسق الذي شهدا له بالزور، حرام على المشهود عليه بالباطل، وكذلك من أقام شاهدي زور على فلان أنه أنكحه ابنته برضاها وهي في الحقيقة لم ترضه قط ولا زوجها إياه أبوها فقضى القاضي بذلك، فوطئه إياها حلال.
ثم قال ابن حزم: ما نعلم أحدًا قبله قال بهذه الطامة.
قلت: جهله بذلك لا يرد علم غيره به، وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وجاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وروي ذلك عن الشعبي قبلهما في رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته، فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وهما قد تعمدا الكذب في ذلك أو غلطا، ففرق القاضي بين الرجل وامرأته بشهادتهما، ثم اعتدت المرأة جاز لأحدهما أن يتزوجها وهو عالم أنه كاذب في شهادته، وعالم بأن زوجها لم يطلقها؛ لأن حكم الحاكم لما أحلها للأزواج فإن الشهود وغيرهم في ذلك سواء.
ص: والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ في المتلاعنين:
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال لهما: حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله، صداقي الذي أصدقتها، قال: لا مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فهو بها استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منه".
ش: أي الدليل على ما ذهب إليه الآخرون: حديث المتلاعنين.
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.
стр. 7460
وأخرجه البخاري (١): عن علي بن عبد الله، نا سفيان، قال عمرو: سمعت سعيد بن جبير قال: "سألت ابن عمر عن حديث المتلاعنين، فقال: قال النبي ﵇ للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: مالي، قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك"، قال سفيان: حفظته من عمرو.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير .. إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٣): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.
والنسائي (٤): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "بين أخوي بني العجلان" وهما عويمر بن أبيض العجلاني وزوجته، ووقع في رواية "الموطأ" (٥) وأبي داود: عويمر بن أشقر، وكان الذي رمى به زوجته شريك بن سحماء، وكان ذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة.
قوله: "إن أحدكما كاذب" ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعًا ووجبت التوبة، وذهب الداودي أنه إنما قاله النبي ﵇ قبل اللعان لا بعده تحذيرًا لهما ووعظًا. قال عياض: والأول أظهر وأولى بمساق الكلام.
قلت: الصواب مع الداودي؛ لأن بعد الملاعنة يتحقق الكذب عليهما فلا يصدق أن يقال: "إن أحدكما كاذب" فافهم.