← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ووصف بول الغلام بأنه كالماء، فإنه يتفرق في مواضع، ولأن الذكر يتحرك، فبالضرورة يتفرق ما يخرج منه، بخلاف الفرج. ويؤيد هذا أيضًا ما رواه ابن ماجه (١): ثنا أحمد بن موسى بن معقل، نا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي ﵇: "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" والماءان جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم. ثم قال لي: فهمت؟ قلت: لا. قال: إن الله لما خلق آدم خلق حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك الله به. قلت: لا يضرنا ذلك؛ لأن النظر فيما نقله الطحاوي إلى مخرجي بولهما، ولا شك أن مخرج بول الغلام ضيق، فبالضرورة الذي يخرج منه ينزل في موضع واحد، وإن كان في نفسه مائعا كالماء، ومخرج بول الجارية واسع، فبالضرورة الذي يخرج منه يتفرق وينتشر وإن كان في نفسه ثخينا. ص: وقد روي عن بعض المتقدمين ما يدل على ذلك؛ فمن ذلك ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلها". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حميد، عن الحسن أنه قال: "بول الجارية يغسل غسلا، وبول الغلام يتتبع بالماء". أفلا ترى أن سعيدا قد سوى بين حكم الأبوال كلها من الصبيان وغيرهم، فجعل ما كان منه رشا يطهر بالرش، وما كان منه صبّا يطهر بالصب، ليس لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر، ولكنها كلها عنده نجسه، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته.

стр. 772

ش: أي قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى، فمن ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب. أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عنه. ومنه ما رُوي عن الحسن البصري، أخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن خزيمة، عن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل. وذلك أن سعيد بن المسيب قد سوى بين حكم الأبوال كلها، سواء كانت من الصغار أو من الكبار، من الذكور والإناث؛ فَحَكَم بأن الذي يرش منه يطهر بالرش، والذي يصب منه يطهر بالصب، وهو معنى قوله: "الرش بالرش" أي الرش من البول يطهر بالرش من الماء، والصب منه يطهر بالصب من الماء، وقوله: "من الأبوال كلها" بيان لهذا. ثم إنه لم يقل هكذا لكون بعض الأبوال عنده طاهرا وبعضها نجسا، بل الكل عنده نجسة، ولكن الفرق بين التطهير من نجاستها عنده لأجل ضيق مخرج الأبوال وسعته، فإن مخرج بول الصبي ضيق كما قلنا فيرش البول، ومخرج بول الجارية واسع فيصب البول صبّا، فيقابل الرش بالرش، والصب بالصب. ومن ذلك قال الحسن البصري أيضًا: بول الجارية يغسل غسلا؛ لأنه ينصب فيحتاج إلى صب الماء عليه، وبول الغلام يتتبع بالماء؛ لأنه يرتش، ولا فرق عنده أيضًا في الأبوال، فقال أبو داود: قال هارون بن تميم الراسبي، عن الحسن قال: "الأبوال كلها سواء". ص: ثم أردنا بعد ذلك أن ننظر في الآثار المأثورة عن رسول الله ﵇: هل فيها ما يدل على شيء مما ذكرنا؟ فنظرنا في ذلك، فإذا محمَّد بن عمرو بن يونس قد حدثنا قال: أنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان

стр. 773

رسول الله ﵇ يؤتى بالصييان فيدعو لهم، فأتي بصبي مرة فبال عليه، فقال: صُبُّوا عليه ماء صبّا". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﵇ أتُي بصبي فبال عليه، فأتبعه الماء ولم يغسله". حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه عن هشام ... فذكر بإسناده مثله غير أنه لم يقل: "ولم يغسله". واتباع الماء حكمه حكم الغسل؛ ألا ترى أن رجلًا لو أصاب ثوبه عذرة فاتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر. وقد روى هذا الحديث زائدة، عن هشام بن عروة، قال فيه: "فدعا بماء فنضحه عليه". وقال مالك وأبو معاوية وعَبْدَة، عن هشام بن عروة: "فدعا بماء فصبه عليه" فدل ذلك أن النضح عندهم هو الصب. ش: "هل فيها" أي في الآثار المذكورة "ما يدل على شيء مما ذكرنا"، من أن النضح في هذه الآثار بمعنى الصب، فوجدنا ذلك في الحديث الذي رواه عروة عن عائشة، حيث صرح فيه بقوله: "صبوا عليه ماء صبا". وقد مضى في روايتها الأخرى: "فدعا بماء فنضحه عليه" فعلم أن الراد من النضح هو الصب؛ لأن هذا الحديث قد روي بألفاظ مختلفة كما قد ذكرت، ولكن كلها ترجع إلى معنى واحد وهو الصب؛ لأن بعضها يفسر بعضا، ولأن ما قلنا أقرب إلى المعقول وللمنقول. وكذلك معنى اتباع الماء في روايتها الأخرى هو معنى الغسل، والدليل عليه: أن رجلًا إذا أصاب ثوبه شيء من النجاسة ثم أتبعه الماء حتى أذهبه، فإن ثوبه قد تطهر بلا خلاف. فعُلم أن معنى هذا أيضًا يرجع إلى الغسل والصب.

стр. 774

قوله: "وقد روى هذا الحديث" أي حديث عائشة الذي رواه عروة عنها: زائدة ابن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وقال فيه "فدعا بماء فنضحه عليه". وقد مر هذا فيما مضى في هذا الباب، رواه الطحاوي عن ابن خزيمة، عن عبد الله ابن رجاء، عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال مالك في روايته: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "فصبه عليه". وكذا روى أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير في روايته عن هشام، عن أبيه، عن عنها. وكذا روى عَبْدَة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عنها. فهذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد. ومن هذا قال أبو عمر في "التمهيد": هذه الآثار المرفوعة في هذا الباب غير متدافعة ولا متضادة. يشير به إلى أن حاصل الجميع يرجع إلي معنى واحد وهو الصب. ويؤيد ذلك أيضًا ما روي عن بعض الصحابة ومن بعدهم، فقد روي عن أم سلمة قالت: "بول الغلام يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل، طعمت أو لم تطعم" (١) ذكره البغوي والقرطبي في "مختصر التمهيد". وذكره الطبراني في "الأوسط" مرفوعا (١)، وقد ذكرناه عن قريب. وروى أبو داود في "سننه" (٢): ثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن أمه: "أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية".

стр. 775

وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن معن، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إن كان طَعِمَ غُسِل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء". ثنا وكيع، عن واقد، عن عطاء قال: "قال له رجل: يحمل أحدنا الصبي فيصيبه من أذاه، قال: إن كان طَعِمَ غُسل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء". ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "يُصَّبُّ الماء على بول الصبي". ثنا محمَّد بن بكر، عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: الصبي ما لم يأكل الطعام تغسل ثوبك من بوله وسَلْحِه (٢) أيضًا؟ قال: اَرشش عليه الماء، أو أصبب عليه قال: قلت: فالصبي يلعق قبل أن يأكل الطعام من السمن والعسل وذاك طعام؟ قال: اَرْشُش عليه أو أَصبب عليه". ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ هذا من أربع طرق صحاح: الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي المعروف بالسُّوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "أتي رسول الله ﵇ بصبي يرضع، فبال في حجره، فدعا بماء فصبه عليه". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. الثالث: عن ربيع، عن أسد، عن عبدة بن سليمان الكلابي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرجه العدني في "مسنده" (٣): ثنا محمَّد، ثنا ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يؤتى بالصبيان يدعو لهم، فأتي بصبي فبال عليه، فأتبع النبي ﵇ الماء بوله".

стр. 776

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو، ثنا يحيى بن سعيد، نا هشام بن عروة، حدثني أبي، عن عائشة: "أن النبي ﵇ أتي بصبي فبال في حجره، فأتبع النبي ﵇ الماء بوله". وأخرجه أحمد (١): أيضًا عن يحيى عن هشام إلى آخره. قوله: "ولم يغسله" أراد أنه لم يغسله بالعرك والعصر، كما في سائر النجاسات، والغرض هو الإزالة، فقد حصلت به. الرابع: عن يونس بن عبد الأعل، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه في "موطئه" (٢)، وكذا أخرجه النسائي (٣)، وليس فيه "ولم يغسله". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا ابن شهاب، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال: "كنت عند رسول الله ﵇ فجيء بالحسن ﵁ فبال عليه، فأراد القوم أن يُعْجِلُوه، فقال: ابني ابني. فلما فرغ من بوله صب عليه الماء". حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد قال: أنا وكيع، عن ابن أي ليلى ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عبد الله بن عيسى، عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: "كنت جالسا عند رسول الله ﵇ وعلى بطنه أو على صدره حسن أو حسين، فبال عليه حتى رأيت بوله أساريع، فقمنا إليهن، فقال: دعوه. فدعا بماء فصبه عليه".

стр. 777

ش: حديث أبي ليلى هذا أيضًا قد دل على أن المراد من النضح الصب؛ لأنه صرح فيه بالصب كما صرح في غيره بالنضح، فمعناهما واحد لأن الحكم واحد، والقضية واحدة. وأخرجه من ثلاثة طرق: الأول: عن فهد بن سليمان. عن أحمد بن عبد الله بن يونس، شيخ البخاري ومسلم، وينسب إلي جده غالبا. عن محمد بن مسلم بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، فيه مقال، وروى له الأربعة. عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخو محمَّد المذكور، وثقه ابن معين، وروى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، والد عيسى المذكور. عن أبي ليلى، واسمه يسار ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بُلَيْل بن أحيحة الأنصاري من الأوس قتل بصفين مع علي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده أبي ليلى قال: "كنا جلوسا عند النبي ﵇ فجاء الحسين بن علي ﵄ يحبو حتى جلس على صدره فبال عليه، قال فابتدرناه لنأخذه، فقال: ابني ابني، ثم دعا بماء فصبه عليه". قوله: "ابني ابني" كرر للتأكيد في محل النصب؛ معناه: دعوا ابني، دعوا ابني، ولا تتعرضوا له. وإنما قال ذلك لغاية شفقته وحبه له، ولأن فيه قطع بوله وذلك مما يضره، كما قد نهى [عنه] (٢) أم الفضل في حديث آخر بقوله: "لا تزرمي ابني

стр. 778

لا تُزْرِمي ابني" (١) أي لا تقطعي عليه البول، وكما قد نهى عن قطع بول الأعرابي لما بال في مسجده. الثاني: عن فهد، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن وكيع، عن محمد بن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ليلى ... إلى آخره نحو رواية ابن أبي شيبة [المذكورة] (٣) آنفا. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي. عن يحيى بن صالح الوحاظي روى له الجماعة. عن زهير بن معاوية بن حُدَيْج الكوفي، روى له الجماعة. عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، روى له الجماعة. عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، روى له الجماعة. عن أبي ليلى. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد "مسنده" (٤): ثنا حسن بن موسول، نا زهير، عن عبد الله بن عيسى ... إلى آخره نحوه، غير أن روايته: "دعوا ابني، لا تُفْزِعُوه حتى يقضي بوله، ثم أتبعه الماء، ثم قام فدخل بيت تمر الصدقة ودخل معه الغلام، فأخذ تمرة فجعلها في فيه، فاستخرجها النبي ﵇ وقال: إن الصدقة لا تحل لنا".

стр. 779

قوله "أساريع" أي طرائق، واحدها أُسروع ويسروع (١) قاله في "النهاية"، وقال الجوهري: الأسروع واحد أساريع القوس، وهي خطوط فيها وطرائق. قلت: المعنى رأيت بوله ذا طرائق وخطوط. وانتصابه على الحال؛ لأن "رأيت" بمعنى أبصرت فلا تقتضي إلَّا مفعولا واحدا، ولكنه بتأويل مخططا كما تقول رأيت زيدا أسدا، أي: شجاعا، وبعت البُرَّ قفيزا بدرهم، أي: مسعرا وبعته يدا بيدٍ، أي متناجزين. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٢) و ﴿نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٣) ونظائره كثيرة. ص: حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسان: قال: ثنا شريك، عن سماك، عن قابوس، عن أم الفضل قالت: "لما ولد الحسين ﵁ قلت: يا رسول الله، أعطنيه -أو ادفعه إليَّ- فلأكفله، أو أرضعه بلبني، ففعل، فأتيته به، فوضعه على صدره، فبال عليه فأصاب إزاره، فقلت له: يا رسول الله، أعطني إزارك أغسله. قال: إنما يصب على بول الغلام ويغسل بول الجاريه. قال أبو جعفر ﵀: فهذه أم الفضل في حديثها هذا: "إنما يصب بول الغلام" وفي حديثها الذي ذكرناه في الفصل الأول: "إنما يُنْضح من بول الغلام، فلما ذكرنا كذلك ثبت أن النضح الذي "أراد به" (٤) في الحديث الأول، هو الصب المذكور ها هنا؟ حتى لا يتضاد الأثران. وهذا أبو ليلى ﵁ فلم يختلف عنه أنه رأى النبي ﵇ صب على البول الماء.

стр. 780

فثبت بهذه الآثار أن حكم بول الغلام هو الغسل؛ إلا أن ذلك الغسل يجزئ منه الصب، وأن حكم بول الجارية هو الغسل أيضًا، وفرق في اللفظ بينهما وإن كانا مستويين في المعنى التي ذكرنا: من ضيق المخرج وسعته، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأينا الغلام والجارية حكم أبوالهما سواء بعدما يأكلان الطعام، فالنظر في ذلك أن يكونا أيضا سواء قبل أن يأكلا الطعام، فإذا كان بول الجارية نجسا، فبول الغلام أيضا نجس وهذا قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: أشار بهذا إلى تأكيد ما ادعى من أن النضح في هذا الباب بمعنى الصب والبرهان عليه: أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي عنها حديثان: أحدهما فيه النضح وهو الذي مر في أول هذا الباب، والثاني فيه الصب، فحمل النضح على الصب الذي في هذا الحديث؛ دفعا لتضاد الأثرين كما هو الأصل في باب التعارض، وعملا بالحديثين. وإسناد هذا حسن جيد. وأبو غسان اسمه مالك بن إسماعيل النهدي، شيخ البخاري. وشريك هو ابن عبد الله النخعي، روى له مسلم في المتابعات واحتج به الأربعة. وسماك -بكسر السين- هو ابن حرب، روى له الجماعة إلَّا البخاري، وقابوس ابن المخارق الكوفي، وثقه ابن حبان. وأم الفضل هي لبابة بنت الحارث، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا وهيب، ثنا أيوب، عن صالح أبي الحليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: "أتيت النبي ﵇ فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي -أو في حجرتي- عضوا من

стр. 781

أعضائك. قال: تلد فاطمة -إن شاء الله- غلاما فتكفلينه، فولدت فاطمة ﵂ حسينا، فدفعه إليها، فأرضعتُهُ بلبن قثم، وأتيت به النبي ﵇ يوما أزوره، فأخذه النبي ﵇ فوضعه على صدره فبال، فأصاب إزاره [فزخخت] (١) بيدي بين كتفيه، فقال: أوجعت ابني أصلحك الله- أو قال: -رحمك الله- فقلت: أعطني إزارك أغسله. قال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام". وأخرجه الطبراني (٢): أيضا نحوه، وفي آخره: "دعي ابني، فإن ابني ليس بنجس، ثم دعا بماء فصبه عليه". قلت: ميلاد الحسن بن علي ﵄ في السنة الثالثة من الهجرة في رمضان. قوله: "وهذا أبو ليلى ... إلى آخره" كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: ما وجه ترجيح معنى الصب على معنى النضح، فلم لا يجعل الأمر بالعكس؟ فأجاب عنه بأن أبا ليلى ﵁ لم يُختلف عنه فمرة روى بالصب، ومرة بالنضح، فعلم من ذلك أن الصب هو الأصل وأن ما ورد في لفظ النضح وغيره ففي الحقيقة يرجع إلى معنى الصب. قوله: "وفرق في اللفظ بينهما" أي بين الغلام والجارية. وهذا أيضًا كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا كان حكم بول الغلام الغسل كبول الجارية، فما الفائدة في أنه ﵇ فرق بينهما حيث قال في الغلام بالنضح أو الرش أو الصب أو الاتباع بالماء، وقال في حق بول الجارية بالغسل؟ فأجاب عنه بقوله: وقد فرق رسول الله ﵇ بينهما وإن كانا مستويين في المعنى للعلة التي ذكرنا فيما مضى، أن مخرج بول الغلام ضيق فيخرج بوله مستقيما ويقع مجتمعا، وأن مخرج بول الجارية واسع فيخرج بولها مترششا، فيقع متفرقا، كما قد قررناه فيما مضى، والباقي ظاهر، والله أعلم.

стр. 782

ص: باب: الرجل لا يجد إلَّا نبيذ التمر هل يتوضأ به أو يتيمم ؟ ش: أي هذا باب في بيان حال الرجل الذي لا يجد إلا نبيذ التمر هل يتوضأ به لأجل الصلاة، أو يتركه ويتيمم بالصعيد؟ والنبيذ فَعِيل بمعنى مفعول، من نَبَذْتُ الشيء إذا طرحته، وهو الماء الذي تُنبذ فيه تمرات لتخرج حلاوتها إلى الماء. وفي "النهاية" لابن الأثير: النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب، إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته اتخذته نبيذا، وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ: خمر. وقال ابن فارس في "المجمل": نبذت الشيء أنبذه، إذا ألقيته من يدك، والنبيذ التمر يلقى في الآنية ويصب عليه الماء. قلت: هو من باب فَعَلَ يَفْعلُ بالفتح في الماضي والكسر (في) (١) المضارع، كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وكذا ذكره صاحب "الدستور" في هذا الباب. وقال ابن سيده: النبذ طرحك الشيء، وكل طرح نبذ، والنبيذ الشيء المنبوذ، والنبيذ ما نبذته من عصير ونحوه، وقد نَبَذَ وانْتَبَذَ ونَبَّذَ. وفي "الصحاح": العامة تقول: أنبذت وكذا ذُكر في كتاب "الشرح" لابن درستويه، وذكر اللحياني في "نوادره": ومن حط الحامض: أنبذت، لغة ولكنها قليلة. وذكره أيضًا ثعلب في كتاب "فعلت وأفعلت".

стр. 783

وفي "الجامع" للقزاز: أكثر الناس يقولون: نبذت النبيذ. بغير ألف. وحكى الفراء عن الرؤاسي: أنبذت النبيذ، قال ولم أسمعها أنا من العرب. وفي "العُبَاب": وأنبذت النبيذ، لغة عامية، ونَبَّذْتَ الشيء تنبيذا، شُدِّد للمبالغة، ثم المناسبة بين البابين من حيث إن كُلا منهما يشتمل على حكم يرجع إلي حال المكلف من الصحة والفساد. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: أخبرنا أسد، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أنا قيس ابن الحجاج عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس ﵄: "أن ابن مسعود ﵁ خرج مع النبي ﵇ ليلة الجن، فسأله رسول الله ﷺ : أمعك يا ابن مسعود ماء؟ قال: معي نبيذ في إداوتي: فقال رسول الله ﷺ : تعال، أصْبُب عليّ. فتوضأ به وقال: شراب وطهور". ش: رجاله ثقات ما خلا عبد الله بن لهيعة، فإن فيه مقالا. وحنش -بفتح الحاء المهملة والنون وبالشين المعجمة- ابن عبد الله الصنعاني، من صنعاء دمشق، والنون في النسبة زائدة. وأخرجه ابن ماجه (١): عن العباس بن الوليد الدمشقي، عن مروان بن محمَّد، عن ابن لهيعة ... إلى آخره، ولفظه: "قال لابن مسعود: معك ماء؟ قال: لا، إلَّا نبيذ في سَطِيحة. فقال رسول الله ﵇ تمرة طيبة وماء طهور، صُبَّ عليّ. قال: فصببت عليه فتوضأ به". قوله "ليلة الجن" أي في ليلة حضرت فيها الجن عند رسول الله ﵇ وكانوا من جن نُصَيبين، قيل: كانوا بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: كانوا من الشَّيْصيان وهم أكثر الجن عددا، وعامّة جنود إبليس منهم. ويقال: إن الجن كانت تسترق السمع، فلما حُرِست السماء ورُجِمُوا بالشهب، قالوا: ما هذا إلَّا لنبأ حدث، فنهض سبعةُ نفر -أو

стр. 784

تسعة- من أشرف جن نصيبين، أو نَيْنَوي منهم زَوْبَعَةُ، فضربوا في الأرض حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافوا رسول الله ﷺ ، وهو قائم في جوف الليل يصلي -أو في صلاة الفجر- فاستمعوا القرآن، وذلك حين مُنْصَرَفِهِ من الطائف، حين خرج إليهم يستنصرهم، وفي رواية أخبر رسول الله ﷺ ابن مسعود لما خرج معه، فقال: "أولئك جن نصيبين"، وكانوا اثني عشر ألفا، وكانت السورة التي قرأها رسول الله ﵇: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). قوله: "أمعك ماء" الهمزة فيه للاستفهام، وليست في رواية ابن ماجه. قوله: "في إداوتي" الإداوة -بكسر الهمزة- إناء صغير من جلد يتخذ للماء، كالسطيحة ونحوها، وجمعها أَدَواي على وزن فَعَالي بالفتح. قوله: "أصبُب" أمرٌ من: صَبَّ يَصُبُّ، خرج على الأصل، ويجوز فيه صُبّ، بالإدغام مع الحركات الثلاث في الباء، كما في قولك مدّ وامددُ. قوله: "شراب" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا شراب أو هو شراب. و"طهور" بفتح الطاء بمعنى مطهر، والمعنى أنه جامع للصفتين، الأولى: كونه مشروبا حلوا، والثانية: كونه مطهرا للحديث. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع مولى آل عمر، عن عبد الله بن مسعود ﵁: "أنه كان مع النبي ﵇ ليلة الجن، وأن رسول الله ﵇ احتاج إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلَّا النبيذ، فقال النبي ﵇: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ به رسول الله ﷺ ". ش: أبو بكرة: بكَّار القاضي. وأبو عمر -بضم العين وفتح الميم- هو حفص بن عمر الضرير، مشهور باسمه وكنيته، روى عنه أبو داود وابن ماجه وأحمد.

стр. 785

وعلي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو الحسن البصري المكفوف، فيه اختلاف، روى له الأربعة، ومسلم مقرونا بثابت البناني. وأبو رافع: نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، مولى ابن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١)، والدارقطني في "سننه" (٢): عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: "أن النبي ﵇ قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا. قال: أمعك نبيذ؟ -قال: أحسبه- قال: نعم. فتوضأ به" (٣). قوله: "وأن رسول الهَ ﵇" عطف على "أنه كان". قوله: "يتوضأ به" جملة في محل الجر لأنها صفة لقوله: "ماء". قوله: "تمرة" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو: الذي، معك تمرة و"طيبة" صفتها، والطيب خلاف الخبيث، والمعنى: لم يخرج الماء عن طهوريته لوقوع التمرة الطيبة فيه. ص: فذهب قوم إلى أن من لم يجد إلا نبيذ التمر في سَفَرِه توضأ به، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵁. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة والأوزاعي وحميدا صاحب الحسن بن حي وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر عند عدم الماء المطلق، وإليه ذهب أيضًا أبو حنيفة.

стр. 786

وفي "المغني" لابن قدامة: وروي عن علي ﵁ أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر وبه قال الحسن والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إليَّ من التيمم، وجمعهما أحب إليَّ. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد، عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود. وفي "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات. أحدها: يتوضأ به، ويشترط فيه النيّة ولا يتيمم، قال: وهذه هي المشهورة. وقال قاضي خان: وهو قوله الأول، وبها قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمرو والحسن بن زياد، قال قاضي خان: هو الصحيح عنه، وقوله الآخِر، والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي. والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمَّد، وقال صاحب "المحيط": صفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تمرات حتى يأخذ الماء حلاوتها، ولا يشتد ولا يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء وإن كان مطبوخا؟! فالصحيح أنه لا يتوضأ به. وقال في "المفيد": إذا أُلقي فيه تمرات فحلا، ولم يزل عنه اسم الماء، وهو رقيق، فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما قاله في "المبسوط" من أنه يجوز الاغتسال به. وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، إلَّا عند محمَّد. وقال الدباس: لا يجوز.

стр. 787

وفي "البدائع": واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في المعنى. ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف؛ وهو أن يُلْقَى في الماء شيء من التمر فتخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود ﵁ في تصير النبيذ الذي توضأ به النبي ﵇ فقال: "تميرات ألقيتها في الماء"، لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء الملح ليحلو. فمادام رقيقا، حلوا أو قارصا، يُتَوَضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظا كالرُب، لا يجوز التوضؤ به، وكذا إذا كان رقيقا لكنه علا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنه صار مسكرا، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به؛ لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله ﵇ كان رقيقا حلوا، فلا يلحق به الغليظ. والنبيذ إذا كان نِيَّا (١) أو كان مطبوخا أدنى طبخة، فما دام قارصا أو حلوا، فهو على الخلاف. وإن علا واشتد وقذف بالزبد، ذكر القدوري في شرحه "مختصر الكرخي" الاختلاف فيه بين الكرخي وأبي طاهر الدباس: على قول الكرخي يجوز، وعلى قول أبي طاهر لا يجوز. وذكر القاضي في شرحه "مختصر الطحاوي" وجعله على الاختلاف في شربه، فقال: على قول أبي حنيفة يجوز التوضؤ به كما يجوز شربه، وعند محمَّد لا يجوز كما لا يجوز شربه، وأبو يوسف فرق بين الوضوء والشرب فقال: يجوز شربه ولا يجوز التوضؤ به؛ لأنه لا يرى التوضؤ بالنبيذ الحلو، فبالمرّ المطبوخ أولى، وأما نبيذ الزبيب وسائر الأنبذة فلا يجوز الوضوء بها عند عامّة العلماء، وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بالأنبذة كلها، نيَّا كان النبيذ أو مطبوخا، حلوا كان أو مرّا، قياسا على نبيذ التمر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يتوضأ بنبيذ التمر، ومن لم يجد غيره تيمم ولم يتوضأ به، وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف ﵀.

стр. 788

ش: أي وخالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والثوري والحسن البصري ومالك والشافعي وأحمد وأبا عبيد وأبا ثور وداود، فانهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر، سواء كان في الحضر أو في السفر، وممن ذهب إلى ذلك الإِمام أبو يوسف. وفي "مصنف" (١) ابن أبي شيبة: نا وكيع، قال: نا سفيان، عمن سمع الحسن يقول: "لا يتوضأ بنبيذ ولا لبن". ص: وكان من الحُجّة لأهل هذا القول على أهل القول الأول: أن عبد الله بن مسعود إنما رُوي عنه ما ذكرنا في أول هذا الباب من الطرق التي وصفنا، وليست هذه الطرق طرقا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد، ولم يجئ أيضًا المجيء الظاهر، فيجب العمل على من يستعمل الخبر إذا تواترت الروايات به. فهذا مما لا يجب استعماله له لما ذكرناه على مذهب الفرقتين اللتين ذكرنا. ش: أشار بهذا إلى أن الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الأولى آثار ضعيفة؛ لأن في طرقها ضعفاء، وفي طرق بعضها مما رواه غير الطحاوي من لا يعرف ومن لا خير فيه، ألا ترى إلى الحديث الذي رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤): عن شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: "أن النبي ﵇ قال في ليلة الجن: ماذا في إداوتك؟ قال: نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء طهور" فذكروا فيه ثلاث علل.

стр. 789

الأولى: جهالة أبي زيد؛ لقد قال الترمذي (١): أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن حبان في كتاب "الضعفاء" (٢): أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود، وليس يُدرى من هو، ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلَّا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، استحق مجانبته. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٣): سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول. وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﵇ وهو خلاف القرآن. العلة الثانية: هي التردد في أبي فزارة؛ فقيل: هو راشد بن كيسان، وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وأن هذا ليس براشد بن كيسان، وإنما هو رجل مجهول. وقد نقل عن الإِمام أحمد أنه قال: أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. وذكر البخاري أن أبا فزارة العبسي غير مسمى، فجعلهما اثنين. العلة الثالثة: هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن؛ وذلك لما روى مسلم (٤): من حديث الشعبي، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود: هل شهد منكم أحد مع رسول الله ﵇[ليلة الجن] (٥)؟ قال: لا .. " الحديث.

стр. 790

وفي لفظ له (١) قال: "لم أكن مع النبي ﵇ ليلة الجن، وودت أني كنت معه". وما روى أبو داود (٢): عن علقمة قال: "قلت لابن مسعود: من كان منكم مع النبي ﵇[ليلة الجن] (٣)؟ قال: ما كان معه منا أحد". ورواه الترمذي (٤): أيضا في تفسير سورة الأحقاف، ورواه الطحاوي أيضا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قلت: هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة؛ فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي (٥) وأبو داود (٦). ورواه عنه سفيان والجراح بن مليح كما أخرجه ابن ماجه (٧). ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٨)، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق أيضًا (٩). والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين فصاعدا، فأين الجهالة بعد ذلك؟! إلَّا أن يراد جهالة الحال؛ هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان فقال: مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان وهو مشهور، وأبو زيد عمرو بن حريث مجهول. وحُكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة، في حديث النبيذ، اسمه راشد بن كيسان.

стр. 791

وقال ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": أبو فزارة العبسي راشد بن كيسان ثقة عندهم. وقولهم أيضًا "أبو زيد مجهول" فيه نظر من حيث أن أربعة عشر رجلا رووه عن عبد الله بن مسعود كما رواه أبو زيد (١) مع النبي ﵇ في خبر أجمع الفقهاء على العمل به، وهو "أنه طلب منه ثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثه ... " الحديث، وقال ابن العربي: في البعض صحبه، واستوقفه وبَعُد عنه ﵇، ثم عاد إليه فصح أنه لم يكن معه غير الجن، لا نفس الخروج. وفي "البدائع" (٢): ولأبي حنيفة ما روى ابن مسعود أنه قال: "كنا أصحاب النبي ﵇ جلوسا في بيته، فدخل علينا رسول الله ﵇ فقال: ليقم منكم من ليس في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقمت -وفي رواية: فلم يقم منا أحد، فأشار إليَّ بالقيام، فقمت- ودخلت البيت فتَزَوَّدت إداوة من نبيذ، فخرجت معه، فخط لي خطّا، فقال: إن خرجت من هذا لم ترني إلى يوم القيامة، فقمت قائما حتى انفجر الصبح، فإذا أنا برسول الله ﵇ وقد عرق جبينه كأنه [حارب جنّا] (٣)، فقال لي: يا ابن مسعود، هل معك ما أتوضأ به؟ فقلت: لا إلَّا نبيذ تمر في إداوة، فقال: تمرة طيبة وماء طهور. فأخذ ذلك وتوضأ وصلى الفجر". وكذا جماعة من الصحابة منهم: علي وابن عباس وابن مسعود ﵃ كانوا يجوزون التوضؤ بنبيذ التمر. ورُوي عن النبي ﵇: "توضئوا بنبيذ التمر، ولا توضئوا باللبن". وروي عن أبي العالية أنه [قال] (٤): "كنت في جماعة من أصحاب رسول الله ﵇

стр. 792

في سفينة في البحر، فحفرت الصلاة فَفَنِيَ ماؤهم، ومعهم نبيذ التمر، فتوضأ بعضهم بماء البحر وكره الوضوء بنبيذ التمر، وتوضأ بعضهم بنبيذ التمر وكره الوضوء بماء البحر" وهذا حكايته لا إجماع، فإن من كان يتوضأ بماء البحر كان يعتقد [جواز] (١) التوضؤ بماء البحر، فلم يتوضأ بالنبيذ لكونه واجدا للماء المطلق، ومن كان يتوضأ بالنبيذ كان لا يرى ماء البحر طهورا وكان يقول هو سخطة ونقمة، كأنه لم يبلغه قوله ﵇ في صفة البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" فيتوضأ بنبيذ التمر لكونه عادِما للماء الطاهر. وبه تبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة، حتى عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول، فصار مُوجبا علمًا استدلاليا، كخبر المعراج، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأخبار الرؤية والشفاعة، وغير ذلك مما كان الراوي في الأصل واحدا ثم اشتهر وتلقته العلماء بالقبول، ومثله مما ينسخ به الكتاب، انتهى. قلت: قد عملت الصحابة بهذا الحديث على ما في "سنن الدارقطني" (٢): عن عبد الله بن [محرر] (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "النبيذ وضوء من لم يجد الماء". وأخرج أيضا (٤): عن الحارث، عن علي ﵁: "أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ". وروى أيضا في "سننه" (٥): من حديث مجاعة، عن أبان، عن عكرمة، عن

стр. 793

ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به" قال: المحفوظ من قول عكرمة، غير مرفوع إلى النبي ﵇ ولا إلى ابن عباس. وقال البيهقي: هذا حديث واهٍ. قلت: (هذا) (١) مجرد دعوى منه فلا تقبل. وقال أبو بكر الرازي في كتاب "أحكام القرآن": رَوَى الوضوء بالنبيذ عن النبي ﵇ أبو مامة ﵁ أيضا. فإن قيل: هذا الحديث من أخبار الآحاد، ورَدَ على مخالفه الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الآحاد ألَّا يخالف الكتاب، فإذا خالف لا يثبت، أو يثبت لكنه نُسِخَ؛ لأنه كان بمكة، وهذه الآية -أعني قوله تعالى: ﴿تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ (٢) نزلت بالمدينة، وقال ابن القصار من المالكية، وابن حزم: من ذهب إلى أنه وإن صح يكون منسوخا؛ لأنه كان بمكة، ونزول قوله تعالى: ﴿تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣) كان بالمدينة. وقال ابن حزم (٤): "نزول أمر الوضوء كان بالمدينة". قلت: قد ذكر لك أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حتى عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول، فصار موجبا علمًا استدلاليّا، ومثله مما ينسخ به الكتاب. مع أنه لا حجة لهم في الكتاب؛ لأن عدم نبيذ التمر في الأسفار، يسبق عدم الماء عادة؛ لأنه أعسر وجودا من الماء، وتعليق جواز التيمم بعدم الماء تعليق بعدم النبيذ دلالة. فكأنه قال: فلم تجدوا ماء، ولا نبيذ تمر، فتيمموا، إلا أنه لم ينص عليه لثبوته عادة. يؤيد هذا ما ذكرنا من فتاوى نجباء الصحابة ﵃ في زمان استدَّ فيه باب الوحي، وأنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ، فتبطل دعوى النسخ.

стр. 794

وقول ابن حزم (١): "نزول أمر الوضوء كان بالمدينة"، يرده ما ذكره الطبراني في "الكبير" (٢) والدارقطني (٣) "أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﵇ بأعلى مكة، فهمز له بعقبه، فأنبع الماء، وعلمه الوضوء". وقال السهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة ﵂: "آية التيمم"، ولم تقل "الوضوء"؛ لأن الوضوء كان مفروضا قبل، غير أنه لم يكن قرآنا يُتْلى حتى نزلت آية التيمم. وقال أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن": يستدل بقوله تعالى: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٤) الآية على جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين. أحدهما: قوله تعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ عموم في جميع المائعات؛ لأنه يسمى غاسلا بها، إلا ما قام الدليل فيه، ونبيذ التمر مما قد شمله العموم. الثاني: قوله: ﴿تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (٥) فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنه لفظ مُنَكَّرٌ يتناول كل جزء منه، سواء كان مخالطا بغيره، أو منفردا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر: ماء، فلما كان كذلك وجب ألَّا يجوز التيمم مع وجوده، بالظاهر. ويدل على ذلك أن النبي ﵇ توضأ بمكة قبل نزول الآية في التيمم، وقبل أن نُقِلَ من الماء إلى بدل، فدل على أنه توضأ به، على أنه بقي حكم الماء الذي فيه، لا على وجه البدل عن الماء؛ إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة مقصورة على الماء بدون غيره، والله أعلم.

стр. 795

ص: فإن قال قائل: الآثار الأُول أولى من هذا؛ لأنها متصلة وهذا منقطع, لأن أبا عُبَيدة لم يسمع من أبيه شيئا. قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عُييدة، إنما احتججنا به لأن مثله، على تقدمه في العلم، وموضعه من عبد الله، وخِلْطَتِه بخاصته من بعده، لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرنا، لا من طريق الذي وصفت. ش: السؤال والجواب ظاهران، وأراد بالاتصال اتصال الإسناد، وبالانقطاع انقطاعه. وقال الترمذي: لا يعرف اسم أبي عُبَيدة، ولم يسمع من أبيه شيئًا. وقال أبو داود: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين. قوله: "وخِلْطَتُه بخاصته من بعده" أي وخلطة أبي عبيدة بخواص أبيه عبد الله، وهم أصحابه الذين كانوا يلازمونه ويأخذون منه، والجواب لا يتمم به التقريب على ما لا يخفى. ص: وقد روينا عن عبيد الله من كلامه بالإسناد المتصل ما قد وافق ما قال أبو عُبَيدة، وحدثناه ابن أبي داود، قال: نا عمرو بن عون، قال: نا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: "لم أكن مع النبي ﵇ ليلة الجن، ولوددت أني كنت". ش: أكد بهذا ما رُوي عن أبي عبيدة من عدم كون أبيه عبد الله مع النبي ﵇ ليلة الجن. قوله: "ما قد وافق" مفعول "روينا". وقوله: "ما قال" مفعول "وافق". وقوله: "حدثناه ابن أبي داود" بيان لقوله: "روينا". وإسناد هذا صحيح على شرط مسلم.

стр. 796

وخالد الأول هو الطحان الواسطي، والثاني هو خالد بن مهران الحذَّاء -بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة- ولم يكن حذَّاء، وإنما كان ملازما القعود عند حذَّاء، فنسب إليه. وأبو مِعْشَر اسمه زياد بن كُلَيْب الكوفي. وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه مسلم (١): من حديث الشعبي، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع رسول الله ﵇؟ قال: لا ... " الحديث. وفي لفظ (٢): له أخرجه عن خالد الحذاء عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "لم أكن مع النبي ﵇ ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه" فبهذا استدلوا على أن ابن مسعود ﵁ -لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن، فيبطل بذلك العمل بالآثار الأُول. وللمناقش أن يقول: إنه لم يكن معه ﵇ في الحالة التي خاطب فيها الجن، ومعنى قوله: "ولوددت أني كنت" أي أحببت أني كنت مع النبي ﵇ وقت الخطاب وعدم كونه معه في هذه الحالة؛ لا ينافي كونه معه في غير هذه الحالة في تلك الليلة، وقد قلنا: إن الوضوء بالنبيذ إنما كان بعد الانصراف من عند الجن. ورُوي عنه: "أنه مر بقوم يلعبون بالكوفة، فقال: ما رأيت أحدا أشبه بهؤلاء من الجن الذين رأيتهم مع النبي ﵇ (٣) وفي رواية: "رأى قوما من (الزُّطِّ) (٤) بالعراق، فقال: ما أشبه هؤلاء بالجن الذين رأيتهم ليلة الجن (٥) ".

стр. 797

على أنه قد ذكر بعضهم أن غير عبد الله حضر الليلة أيضا، وهو الزبير بن العوام. ذكره الإسماعيلي (١): عن موسى بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن سلمة، ثنا أبو [يحمد] (٢) بقية بن الوليد، حدثني نمير بن يزيد الحمصي -معروف حسن الحديث- عن أبيه، عن عمه قحافة بن ربيعة، ثنا الزبير بن العوام قال: "صلى بنا النبي ﵇ صلاة الصبح في مسجد المدينة ثم قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ... " الحديث. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: أنا أسد، قال: ثنا زكريا بن أبي زائدة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود هل كان مع النبي ﵇ ليلة الجن أحد؟ فقال: لم يصحبه منا أحد، ولكن فقدناه ذات ليلة فقلنا: استُطير أم اغتيل؟ فتفرقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فبتنا بشَرِّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أم اغتيل؟ فقال: إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أُقْرِئهم القرآن، فأرانا آثارهم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعامر هو الشَّعبي. وأخرجه مسلم (٣): عن محمَّد بن المثني، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: "سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﵇ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، هل صحب النبي ﵇ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ... " إلى آخره نحوه، وفيه: "فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء" وفي آخره: "فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بَعْرةٍ علفٌ لدوابكم. وقال رسول الله ﵇: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".

стр. 798

وأخرجه الترمذي (١): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشعبي ... إلى آخره نحوه، وفيه الزيادة: "وكانوا من جن الجزيرة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "فقدناه ذات ليلة" يقال: ذات يوم وذا يوم، وذات ليلة وذا ليلة، وهو كناية عن يوم وليلة، والمعنى: فقدناه مدة التي هي الليلة، والمعنى في التذكير: وقتا وزمانا الذي هو يوم. قوله: "استطير" على صيغة المجهول، أي ذُهِبَ به بسرعة، كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد. والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب. وقال الجوهري: استطير الشيء أي: طُيَّر. قوله: "أم اغتيل" على صيغة المجهول أيضا، من: اغتال يغتال، من الغَوْل -بالفتح - وهو البعد في السير، وكذلك المغَاوَلة هي المبادرة في السَّيْر، والمعنى ها هنا: أم أُخِذ غيلة، والاغتيال: الاحتيال. قوله: "في الشِّعاب" -بكسر الشين- جمع شِعب -بكسر الشين- وهو الطريق في الجبل. قوله: "نلتمسه" أي نطلبه، وهي جملة في موضع النصب على الحال عن الضمير الذي في "تفرقنا". قوله: "فقال إنه" أي: الشأن. ص: فهذا عبد الله قد أنكر أن يكون مع النبي ﵇ ليلة الجن، فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإسناد، فهذا الحديث الذي فيه الإنكار أولى؛ لاستقامة طريقه وثبت رواته، وإن كان من طريق النظر فإنا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضا كذلك.

стр. 799

وقد أجمع العلماء أن نييذ التمر إذا كان موجودا في الحال وجودَ الماء، أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس بماء، فلما كان خارجا من حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في حال عدم الماء. وحديث ابن مسعود الذي فيه التوضؤ بنبيذ التمر إنما فيه: أن النبي ﵇ توضأ به وهو غير مسافر, لأنه إنما خرج من مكة يريدهم، فقيل: إنه توضأ بنبيذ التمر في ذلك المكان، وهو في حكم من هو بمكة, لأنه يتم الصلاة فهو أيضًا في حكم استعمال ذلك النبيذ هنالك، في حكم استعماله إياه في مكة، فلو ثبت بهذا الأثر أن النبيذ مما يجوز التوضؤ به في الأمصار والبوادي ثبت أنه يجوز التوضؤ به في حال وجود الماء وفي حال عدمه. فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضده، فلم يجيزوا التوضؤ به في [الأمصار] (١)، ولا فيما حكمه حكم الأمصار؛ ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه. فثبت بذلك أنه لا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهذا هو قول أبي يوسف ﵀ وهو النظر عندنا، والله أعلم. شْ: هذا كله ظاهر، ولكنه لا يخلو عن مناقشة ونظر؛ لأنا قد ذكرنا أن الخبر الذي فيه الوضوء بالنبيذ، وكون ابن مسعود ﵁ مع النبي ﵇ ليلتئذ، قد ورد من طرق متعددة. وأن خبر "مسلم" ونحوه محمول على أنه ما كان معه وقت خطاب الجن، وكيف وقد عمل به نجباء الصحابة من بعده؟! ولئن سلمنا أن القياس يقتضي ما ذكره، ولكنه ورد [الخبر] (٢) على خلافه فنعمل به. ولو قيل: هذا خبر آحاد قد ورد على مخالفة الكتاب، فلا يثبت ولا يعمل به، فالجواب عنه ما قدمناه.

стр. 800

قوله: "فإذا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب" فيه نظر لأن؛ الأوزاعي يرى الوضوء بسائر الأنبيذة مطلقا، على أي وجه كان. قوله: "فلما كان خارجا" أي فلما كان نبيذ التمر خارجا "عن حكم المياه ... " إلى آخره، فيه نظر لأنه ليس بخارج عن حد المياه عند عدم الماء المطلق، لقوله ﵇ "تمرة طيبة وماء طهور". أطلق عليه عند عدم الماء المطلق أنه ماء، وأنه طهور، فكيف يستوي حكمه في الحالتين؟!

стр. 801

ص: باب: المسح على النعلين ص: (١) حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرْزوق، قالا: نا أبو داود، قال: أنا حماد بن سلمة. وحدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "رأيت أبي توضأ ومسح على نعلين له، فقلت له: أتمسح على النعلين؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على النعلين". ش: هذان طريقان رجالهما ثقات. وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي. وأوس بن أبي أوس الثقفي الصحابي. وأبوه، أبو أوس الثقفي، اسمه حذيفة والد أوس، وقال ابن أبي حاتم: أوس ابن أوس الثقفي له صحبه .. ويقال: أوس بن أبي أوس، قال الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكشي، كلاهما عن حجاج بن المنهال إلى ... آخره نحوه سواء. وأخرجه أبو داود (٣): عن أوس نفسه: ثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: نا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أنه قال: "رأيت رسول الله ﵇ أتى كظامة قوم يعني الميضأة [ولم يذكر مسدد

стр. 802

الكظامة ثم اتفقا- فتوضأ] (١)، ومسح على نعليه وقدميه". ص: حدثنا فهد، قال: نا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "كنت مع أبي في سفر، فنزلنا بماء من مياه الأعراب، فبال، فتوضأ ومسح على نعليه، فقلت له: أتفعل هذا؟! فقال: ما أزيدك على ما رأيت رسول الله ﵇ فعل". ش: هذا طريق آخر بإسناد جيد. وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي قاضيها. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك ... إلى آخره، نحوه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن شريك، عن يعلى بن عطاء .. إلى آخره، نحوه سواء. ص: فذهب قوم في المسح على النعلين كما يمسح على الخفين. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والوليد بن مسلم، ونفرا من الظاهرية؛ فإنهم قالوا بجواز المسح على النعلين، وادعوا أنه مذهب عليّ وأوس بن أبي أوس. ص: فقالوا قد شد ذلك ما قد رُوي عن علي ﵁؛ فذكروا في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود ووهب، قالا: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان: "أنه رأى عليّا ﵁ بال قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلى". ش: أي قال هؤلاء القوم "قد شد" أي: قوَّى وأحكم "ذلك" أي: ما ذهبنا إليه

стр. 803

من جواز المسح على النعلين لحديث أوس "ما قد رُوِيَ عن علي ﵁ فذكروا في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه، ما قد حدثنا أبو بكرة: بكَّار القاضي، قال: نا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، قالا: نا شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، الثقة الثبت، عن أبي ظَبْيان -بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة- واسمه حُصَيْن بن جُنْدب الجنَبِي الكوفي، روى له الجماعة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظَبْيان الجنبي قال: "رأيت عليّا ﵁ بال قائما حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه فجعلهما في كمه ثم صلى". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: "رأيت عليًّا بال قائما ثم توضأ ومسح على نعليه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نرى المسح على النعلين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم وجمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ فإنهم لا يجوزون المسح على النعلين. ص: وكان من الحجة في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ مسح على نعلين تحتهما جوربان وكان قاصدا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي يطهر به، ومسحه على النعلين فضل.

стр. 804

ش: هذا جواب عما تمسك به هؤلاء القوم، وهو ظاهر. فإن قيل: من أين هذا الاحتمال؟ قلت: الحديث الذي يأتي يدل على ذلك، وهو قول أبي موسى ﵁: "إن النبي ﵇ مسح على جوربيه ونعليه" (١)، فهذا صريح، وذاك محتمل، فيحمل المحتمل على الصريح. وجواب آخر: أن معنى ما ورد من المسح على النعلين: الغسل؛ لأن المسح قد يجيء بمعنى الغسل، وعن أبي زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك. أي أذهبه عنك وطهرك من الذنوب. وجواب آخر: أن الذي نقل عن النبي ﵇ أنه غسل رجله جمُّ غفير وعدد كثير، والذي نقل عنه أنه مسح نعليه عدد قليل، والقضية واحدة، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل من حفظ على من [لم] (٢) يحفظ. وقد يقال: إن ذلك كان منه ﵇ في الوضوء التطوع، لا في الوضوء من حدث؛ يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): وترجم عليه: باب ذكر الدليل على أن مسح النبي ﵇ على النعلين كان في وضوء تطوع، لا من حدث: عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﵁: "أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءا خفيفا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﵇ للطاهر ما لم يحدث". قال في "الإمام": وهذا الحديث أخرجه أحمد بن عبيد الصفار في "مسند" بزيادة لفظ، وفيه: "قال: هكذا فعل رسول الله ﵇ ما لم يحدث".

стр. 805

وقال ابن حبان في "صحيحه" (١): هذا إنما كان في الوضوء للنفل، ثم استدل عليه بحديث أخرجه عن النَّزَّال بن سَبرة، عن عَلي ﵁: "أنه توضأ ومسح برجليه وقال: رأيت رسول الله ﵇ فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث". وكذا ذكر البزار في "مسنده" (٢). ص: وقد بيّن ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: نا المعلى بن منصور، قال: نا عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: "أن النبي ﵇ مسح على جوربيه ونعليه". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: نا أبو عاصم، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﵇ مثله. فأخبر أبو موسى والمغيرة عن مسح النبي ﵇ على نعليه كيف كان منه. ش: أي قد بيَّنَ ما ذكرنا من التوجيه، وهو أنه يجوز أن يكون النبي ﵇ مسح على نعلين تحتهما جوربان ... إلى آخره، وهو (٣) على صيغة المعلوم. وقوله: "ما حدثنا" في محل الرفع، فاعله. وأخرج فيه حديثين: أحدهما: عن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، ورجاله ثقات. وأبو سِنَان -بكسر السين المهملة وبالنون المخففة- اسمه عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني. فإن قيل: قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال البيهقي: الضخاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه عن أبي موسى الأشعري، وعيسى بن سنان لا يحتج به.

стр. 806

قلت: قال عبد الغني في "الكمال": الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: عرزم، سمع أباه وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة (١). وقال في ترجمة عيسى بن سنان: قال يحيى بن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان أيضًا (٢). وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا سعيد بن سليمان، عن عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى قال: "دعا النبي ﵇ بوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين والعمامة والنعلين". والآخر: عن [المغيرة ﵁] (٤) ورجال حديثه ثقات أيضًا، وأبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد. وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. وأخرجه أبو داود (٥): نا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري .. إلى آخره ولفظه: "أن رسول الله ﵇ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين". والترمذي (٦): عن هناد ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.

стр. 807

وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. واحتج [به] (٢) الجمهور من العلماء على جواز المسح على الجوربين. قال الترمذي (٣): وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين. قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمَّد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: "دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما غير منعلين". وفي "البدائع" (٤): وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين أو منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ورُوي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، واحتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة، ولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصّا، بخلاف القياس، فكان كل ما في معنى الخف في إدمان (٥) المشي عليه، وإمكان قطع السفر به يُلْحَق به، وما لا فلا.

стр. 808

ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق. وأما الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين، وبه نقول، ولا عموم له لأنه حكاية حال؛ ألا ترى أنه لا يتناول الرقيق من الجوارب؟ انتهى. وفي "المغني" (١): قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي ﵇ وقال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﵇: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن يُنْعلا. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢): نا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام: "أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين". نا (٣) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن عقبة بن عمرو: "أنه مسح على الجوربين من شعر". نا (٤) وكيع، عن أبي جناب، عن أبيه، عن خلاس أبي عمرو: "أن عمر ﵁ توضأ ومسح على جوربيه ونعليه".

стр. 809

نا أبو بكر (١) بن عياش، عن حصين، عن إبراهيم قال: "الجوربان والنعلان بمنزلة الخفين". نا (٢) وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أنه كان يمسح على الجوربين". نا (٣) أبو بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعد، عن [خلاس] (٤)، قال: "رأيت عليا ﵁ بال، ثم مسح على جوربيه ونعليه". نا (٥) إسحاق الأزرق، عن جويبر، عن الضحاك: "أنه كان يقول في المسح على الجوربين: لا بأس به". نا (٦) الثقفي، عن إسماعيل بن أمية قال: "بلغني أن البراء بن عازب كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا وبلغني عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: "أنهما كانا لا يريان بأسا بالمسح على الجوربين". نا (٧) زيد بن حباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أنه مسح على الجوربين". وقال ابن حزم في "المحلى" (٨): والعجب من الحنفيين والشافعيين والمالكيين يشنعون ويعظمون مخالفة الصاحب إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا ها هنا أحد عشر صحابيّا لا مخالف لهم من الصحابة، ممن يجيز المسح، منهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود؛ فخالفوا السنة الثابتة عن رسول الله ﵇ والقياس بلا معنى.

стр. 810

قلت: هذا تشنيع ساقط وكلام واهٍ؛ فالحنفيون ما خالفوا ها هنا أحدا من الصحابة، بل مذهبهم جميعا جواز المسح على الجوربين، وما رُوي عن أبي حنيفة في المنع فقد صح رجوعه عنه كما صرح به الترمذي في جامعه (١). والشافعيون فقد ذكر الترمذي قول الشافعي مع قول من يجيز، غاية ما في الباب: اشترط الشافعي عدم نفوذ الماء من الجورب، وإمكان متابعة المشي. ولم يُنقل عن أحد عدم اشتراط هذين الشرطين. والمالكيون فأكثرهم على الجواز. ص: وقد رُوي عن ابن عمر ﵄ في ذلك وجه آخر. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أحمد الحسين اللَّهَبِيّ، قال: نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان النبي ﵇ يصنع هكذا". ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عمر ﵄ في معنى المسح على النعلين وجه آخر، ثم بيَّن ذلك بقوله: "حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي" .... إلى آخره، وقد ذكر هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في باب فرض الرجلين في الوضوء، وإسناده صحيح. واللَّهبي نسبه إلى أبي لهب بن عبد المطلب، وأحمد بن الحسن من ذريته، ثقة مشهور. وابن أبي فديك هو محمَّد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك. وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أبو الحارث المدني. وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إبراهيم بن سعيد، نا روح بن عبادة، عن
следующие страницы →