الثاني: فيه أن بعض الناس أدرى بمواضع الحجة وتصرف القول من بعض.
الثالث: فيه أن القاضي إنما يقضي على الخصم بما يسمع منه من إقرار وإنكار أو بِبَيِّنَات على حسب ما أحكمته السنة في ذلك.
وفيه: إبطالٌ ورَدٌّ للحكم بالهوى. قال أبو عمر: قد احتج بعض أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حكم القاضي بعلمه.
قلت: إلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وأبو عبيد، وهو قول شريح والشعبي: أن القاضي لا يقضي بعلمه في شيء من حقوق الناس ولا غيرها من حقوق الله إلا بالْبَيِّنَات أو الإقرار.
وقال ابن حزم (١): فرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعدها، وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: "لا يحكم الحاكم بعلمه في الزنا" وصح عن الشعبي: "لا يكون شاهدًا وقاضيًا".
وقال مالك وابن أبي ليلى -في أحد قوليه- وأحمد وأبو عبيد ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: لا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا، وقال حماد بن أبي سليمان: يحكم الحاكم بعلمه بالاعتراف في كل شيء إلا في الحدود خاصة، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: يحكم بعلمه في كل شيء من قصاص وغيره إلا في الحدود، وسواء علمه قبل القضاء أو بعده، وقال أبو حنيفة: لا يحكم بما علمه قبل ولايته أصلًا، فأما ما علمه بعدها فإنه يحكم به في كل شيء إلا في الحدود خاصة.
وقال: الليث لا يحكم بعلمه إلا أن يقيم الطالب شاهدًا واحدًا في حقوق الناس خاصة، فيحكم القاضي حينئذ بعلمه مع ذلك الشاهد.
стр. 7457
وقال الحسن بن حي: كل ما علم قبل ولايته لا يحكم فيه بعلمه، وما علم بعد ولايته حكم فيه بعلمه بعد أن يستحلفه وذلك في حقوق الناس، وأما الزنا فإن شهد به ثلاثة والقاضي يعرف صحة ذلك حكم فيه بتلك الشهادة مع علمه.
وقال الأوزاعي: إن أقام المقذوف شاهدًا واحدًا وعلم القاضي بذلك حَدَّ القاذف.
وقال الشافعي وأبو سليمان وأبو ثور وأصحابهم كما قلنا.
الرابع: فيه جواز الاجتهاد للحاكم فيما لم يكن فيه نص.
الخامس: فيه جواز التحري في أداء المظالم.
السادس: قال أبو عمر: فيه جواز الصلح على الإنكار خلافًا للشافعي.
السابع: فيه أن قضاء القاضي بالظاهر الذي يعتد به هل يحل في الباطن حرامًا؟ فيه الخلاف الذي عقد له الباب، وسيجيء مفصلًا مستقصى.
الثامن: جواز الاقتراع والاستهمام.
التاسع: فيه استحباب توخي الحق وتحريه بعد العلم به.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روي له الجماعة؛ البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث أخرجه أحمد (١) نحوه.
стр. 7458
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن كل قضاء قضى به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو من حله بطلاق أو بما أشبه ذلك؛ أن ذلك كله على حكم الباطن فإن كان ذلك في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما حكم به، وإن كان ذلك في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان وعلى خلاف ما حكم به فشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا فيه من تمليك ولا تحريم ولا تحليل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وممن قال ذلك: أبو يوسف ﵀.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور وداود وسائر الظاهرية؛ فإنهم جعلوا الحديث المذكور أصلًا في هذا الباب.
وقال ابن حزم: لا يحل ما كان حرامًا قبل قضائه، ولا يحرم ما كان حلالًا قبل قضائه، إنما القاضي منفذ على الممتنع فقط، لا مزية له سوى هذا.
قوله: "وممن قال ذلك" أي القول الذي ذهب إليه هؤلاء القوم: أبو يوسف يعقوب القاضي ﵀.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن كما قال رسول الله ﷺ : "من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذها، فإنما اقطع له قطعة من النار" وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه، فذلك تحريم في الباطن كحرمته في الظاهر.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم عامرًا الشعبي وأبا حنيفة ومحمد بن الحسن ﵏، فإنهم قالوا: ما كان من ذلك. . . . إلى آخره.
وقال ابن حزم: [قال أبو حنيفة] (١) لو أن رجلًا رشى شاهدين فشهدا له بزور أن فلانًا طلق امرأته فلانة أو أعتق أمته فلانة وهما كاذبان متعمدان، وأن المرأتين
стр. 7459
بعد العدة رضيتا بفلان زوجًا فقضى القاضي بهذه الشهادة، فإن وطء تينك المرأتين حلال للفاسق الذي شهدا له بالزور، حرام على المشهود عليه بالباطل، وكذلك من أقام شاهدي زور على فلان أنه أنكحه ابنته برضاها وهي في الحقيقة لم ترضه قط ولا زوجها إياه أبوها فقضى القاضي بذلك، فوطئه إياها حلال.
ثم قال ابن حزم: ما نعلم أحدًا قبله قال بهذه الطامة.
قلت: جهله بذلك لا يرد علم غيره به، وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وجاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وروي ذلك عن الشعبي قبلهما في رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته، فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وهما قد تعمدا الكذب في ذلك أو غلطا، ففرق القاضي بين الرجل وامرأته بشهادتهما، ثم اعتدت المرأة جاز لأحدهما أن يتزوجها وهو عالم أنه كاذب في شهادته، وعالم بأن زوجها لم يطلقها؛ لأن حكم الحاكم لما أحلها للأزواج فإن الشهود وغيرهم في ذلك سواء.
ص: والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ في المتلاعنين:
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال لهما: حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله، صداقي الذي أصدقتها، قال: لا مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فهو بها استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منه".
ش: أي الدليل على ما ذهب إليه الآخرون: حديث المتلاعنين.
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.
стр. 7460
وأخرجه البخاري (١): عن علي بن عبد الله، نا سفيان، قال عمرو: سمعت سعيد بن جبير قال: "سألت ابن عمر عن حديث المتلاعنين، فقال: قال النبي ﵇ للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: مالي، قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك"، قال سفيان: حفظته من عمرو.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير .. إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٣): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.
والنسائي (٤): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "بين أخوي بني العجلان" وهما عويمر بن أبيض العجلاني وزوجته، ووقع في رواية "الموطأ" (٥) وأبي داود: عويمر بن أشقر، وكان الذي رمى به زوجته شريك بن سحماء، وكان ذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة.
قوله: "إن أحدكما كاذب" ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعًا ووجبت التوبة، وذهب الداودي أنه إنما قاله النبي ﵇ قبل اللعان لا بعده تحذيرًا لهما ووعظًا. قال عياض: والأول أظهر وأولى بمساق الكلام.
قلت: الصواب مع الداودي؛ لأن بعد الملاعنة يتحقق الكذب عليهما فلا يصدق أن يقال: "إن أحدكما كاذب" فافهم.
стр. 7461
وقوله: "إن أحدكما"، فيه رد على من ذهب من النحاة أن أحدًا لا تستعمل إلا في النفي، وقول بعضهم: لا يستعمل إلا في الوصف وأنه لا يوضع موضع واجب ولا يوقع موقع واحد، وقد أجار هذا المبرد، وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنى واحد، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أحَدِهِم﴾ (١) قال الخطابي: فيه أن البَيِّنتيْن إذا تعارضتا تهاترتا وسقطتا.
قوله: "لا سبيل لك عليها" حمله جمهور العلماء على العموم، فلا تحل له أبدًا، واختلفوا إذا أكذبَ نفسه: هل تحل له أم لا؟
فعند أبي حنيفة: إذا أكذب نفسه حلت له، لارتفاع المعنى المانع لإكذاب نفسه، وبه قال محمَّد بن الحسن، وهو قول حماد بن أبي سليمان وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري والزهري.
وقال الأوزاعي والثوري والحسن بن حي والليث بن سعد والشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف وزفر وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد: لا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه أو لا، ولكنه إن أكذب نفسه جُلِدَ الحدّ ولحق به الوالد، ولا يجتمعان أبدًا.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵃.
وقال الشعبي والضحاك: إذا كذب نفسه جُلد الحدّ وَرُدَّت إليه امرأته.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع سهل بن سعد الساعدي يقول: "شهدت النبي ﵇ فرق بين المتلاعنين، فقال: يا رسول الله كذبت عليها إن أمسكتها".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: "أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله
стр. 7462
فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله ﵇، فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير؛ قد كره رسول الله ﵇ المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﵇ وسط الناس، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﵇: فقد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﵇، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﵇ بطلاقها. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن عاصم بن عدي قال: "جاءني عويمر. . . ." ثم ذكر مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (١): عن سفيان، عن الزهري، عن سهل نحوه.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل.
وأخرجه البخاري (٢): عن إسماعيل، عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد. . . . إلى آخره نحوه.
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
стр. 7463
وأبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٢): عن محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك.
وابن ماجه (٣): عن محمَّد بن عثمان، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد ﵁.
وأخرجه الطبراني (٤): نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا علي بن الجعد، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: "جاء رجل من بني العجلان إلى عاصم بن عدي، فقال: يا عاصم، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي رسول الله ﵇، فكره رسول الله ﵇ المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﵇، فلما جاء عاصم إلى أهله، جاء عويمر فقال: ماذا قال لك رسول الله ﵇؟ فقال: قد كره رسول الله ﵇ المسألة التي سألت عنها، فأقبل عويمر حتى سأل رسول الله ﵇ في وسط الناس فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال: قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﵇، فلما فرغا من تلاعنهما قال: يا رسول الله، كذبت عليها إن أمسكتها، قال: فطلقها قبل أن يأمره رسول الله ﵇ بطلاقها، فكان فراقه إياها سنة بين المتلاعنين".
стр. 7464
قوله: "أرأيت" أي أخبرني.
قوله: "أيقتله" الهمزة فيه للاستفهام.
وفيه: تحرز في السؤال لئلا يصرح بالقذف؛ فيجب عليه الحد في الرجل، ولا يخلصه منه لزوجته إلا لعانه؛ خلافًا للشافعي في إسقاطه عنه الحد في الرجل بلعان زوجته؛ لأنه عنده كحكم التبع، ولأنه في ترك تسميته لا حد عليه حتى يصرح باسمه خلافًا للشافعي في حده وإن لم يسمه إن لم يلتعن، أو لعله كان يعتقد أن ذلك كان يجب عليه في زوجته فلذلك لم يصرح، أو أبهم الأمر حتى يرى كيف يكون الحكم فيه فيعمل بحسب ذلك من كتمه أو إبدائه.
وقال عياض: وقوله: "أيقتله فيقتلونه؟ " يحتمل أن يكون سؤالًا عن الحكم إذا فعله، ويحتمل أنه علم الحكم ولكنه قال على سبيل التوصل إلى وجه آخر غيره يصل به إلى شفاء غيظه وإزالة عثرته.
قال الإِمام: وجعل بعض الناس حجة على الزوج إذا قتل رجلًا وزعم أنه وجده مع امرأته أنه يقتل به ولا يصدق إلا ببينة؛ لأنه ﵇ لم ينكر عليه ما قال.
قال القاضي: قد يكون سكوته ﵇ لئلا يتسبب بذلك أهل الأذى والشر إلى القتل وَيَدَّعون هذا السبب لكل من قتلوه.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فجمهور العلماء على أنه يقتل به إن لم يأت بأربعة شهداء، وهو قول الشافعي وأبي ثور، قالا: ويسعه قتله فيما بينه وبين الله تعالى. وقال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء بشاهدين.
قال عياض: اختلف أصحابنا هل يهدر دمه إذا قامت البينة إذا لم يكن المقتول محصنًا؟ فعند ابن القاسم: هما سواء ويهدر دمه واستحق الدية في غير المحصن، وقال ابن حبيب: إن كان المقتول محصنا فهذا الذي ينجي قاتله البينة من القتل، وقد اختلف عن عمر ﵁ في هدر دم قتل هذا، وروي عن علي ﵁: يقاد منه.
стр. 7465
وقال أبو عمر: لا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلًا ثم ادعى إنه إنما قتله لأنه وجده مع امرأته بين فخذيها أو نحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يعلم ما ذكر عنه إلا بدعواه أنه لا يقبل منه ما ادعاه، وأنه يقتل به إلا أن يأتى بأربعة شهداء يشهدون أنهم رأوا وطأه لها وإيلاجه فيها، ويكون مع ذلك محصنا مسلمًا بالغًا.
قوله: "قد كَرِهَ رسول الله ﵇" قيل: يحتمل أنه كره قذف الرجل امرأته ورميها في غير بَيِّنَة لاعتقاده أن الحد يجب عليه، وذلك قبل نزول حكم اللعان، بدليل قوله في الحديث الآخر لهلال بن أمية: "البينة وإلا حد في ظهرك. . . ." الحديث. وفيه نزل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) الآية، ويحتمل أنه كره السؤال لما فيه من قبح النازلة والفاحشة وهتك ستر المسلم، أو لما كان فيه من نهيه عن كثرة السؤال إما سدًّا لباب سؤال أهل الشغب من الجهلة والمنافقين وأهل الكتاب، أو لما يخشى من كثرة السؤال من التضييق عليهم في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم يُلْزَموها وتُرِكُوا إلى اجتهادهم كما قال: "اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبيائهم".
قلت: المسائل إذا كانت فيما يضطر إليها السائل فلا بأس بها، وقد كان ﵇ يُسأل عن الأحكام فلا يكره ذلك، وإن كان على جهة التعنيت فهو منهي عنه.
وعاصم بن عدي هذا إنما سأل لغيره، ولعله لم يكن به ضرورة إلى ذلك.
قوله: "وَسْط النَّاس" بسكون السين؛ لأن الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدواب وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه "بين" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بين" فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه الأشبه.
стр. 7466
قوله: "فقد أُنزل فيك وفي صاحبتك" يحتمل أنه ﵇ عرف أن عويمر صاحب المسألة حين كرر السؤال له عليها؛ إما بما دل عليه من قوله أو حاله مما لم يذكر في الحديث، أو بوحي أوحى إليه عند نزول آية اللعان، وفيه أن القرآن لم ينزل جملة واحدة إلى الأرض وإنما نزل بحسب الوقائع والحوادث، آية فآية، سورة فسورة.
قوله: "فتلاعنا" أجمع المسلمون على صحة حكم اللعان بين الزوجين بهذا الحديث إذا أدعى رؤية، وكذلك قال الجمهور إذا نفى ولدًا، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقالت فرقة: لا لعان في القذف المجرد وهو أحد قولي مالك وقول الليث وأبي الزناد والبتي ويحيى بن سعيد، وأن في هذا الحدّ بكل حال.
وقال الكوفيون والشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث باللعان في القذف المجرد، وروي عن مالك أيضًا.
واختلفوا إذا أقام الزوج البينة على زناها: فعند مالك والشافعي: يلاعن؛ إذْ لا عمل للشهود في نفي الولد.
وقال أبو حنيفة وداود: إنما اللعان لمن لم يأت بأربعة شهداء، فمن أتى بهم فلا لعان.
واختلفوا في اللعان ينفي الحمل وفي وقته، فذهب الكوفيون إلى أنه لا لعان به إلا أنه ينفيه ثانية بعد الولادة.
وهو قول عبد الملك بن ماجشون. كذا حكاه ابن عبد البر.
وذهب الشافعي إلى أن كل من نفي الحمل يلاعن، وهو قول أحمد وداود وأبي ثور وحكي عنه أنه لا يلاعن حتى تلد، وهو المعروف عن عبد الملك.
وروي عن مالك وعبد العزيز وأشهب.
وعن مالك وأصحابه في ذلك ثلاثة أقوال أيضًا: يلاعن إذا ادعى رؤية واستبراء معًا، ويلاعن بالجملة دون استشهاد، ويلاعن بدعوى الاستبراء، ولا يلاعن إن لم يدعه إلا أن تلد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية.
стр. 7467
ونحوه عن أبي يوسف ومحمد، بن الحسن إلا أن يكون مقرونًا بحمل، أو رآه فلم ينكره.
قوله: "وأنا مع النَّاس" فيه أن سنة التلاعن أن لا يكون مكتومًا ويكون مشهودًا بحضرة الناس، وأن سنته أن يكون بحضرة الإِمام أو من يستنيبه الإِمام لذلك من الحكام، وهذا إجماع أن لا يكون إلا بالسلطان.
قوله: "كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﵇" قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما دعي به -أي إلى هذا القول- لأنه لما قيل له: لا سبيل لك عليها، وجد من ذلك في نفسه شيئًا، فقال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثًا يريد بذلك تحقيق ما مضى وتوكيده. وقال عياض: احتج بهذا الشافعي على جواز الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة.
وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها قد بانت منه باللعان، فوقعت الثلاث على غير زوجة فلم يكن لها تأثير، وقال الخطابي: وقد يحتج بذلك من يرى أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم، وذلك أن الفرقة لو كانت واقعة بينهما لم يكن للتطليقات الثلاث معنى.
قيل: يندفع هذا بما ذكرناه عن عياض آنفًا، وأيضًا فإن الفرقة لو لم تكن بنفس اللعان لكانت المرأة في حكم المطلقات ثلاثًا، وقد أجمعوا على أنها ليست في حكم المطلقات ثلاثًا فدل أن الفرقة واقعة قبل.
قلت: قال الحنفية: لا تقع الفرقة بينهما بنفس اللعان حتى يحكم القاضي بينهما بالفراق، لقوله: "ففرق بينهما" وهذه إشارة للحكم، وأيضًا فإن هذا من الفسوخ التي يحتاج فيها إلى حضرة الحاكم فإنها لا تقع إلا بهم.
قوله: "فكانت سنة المتلاعنين" أي الفرقة بينهما.
ص: فقد علمنا أن النبي ﵇ لو علم الكاذب منهما بعينه لم يفرق بينهما ولم يلاعن، ولو علم أن المرأة صادقة لحدَّ الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج
стр. 7468
صادق لحد المرأة للزنا الذي كان منها، فلما خفي الصادق منهما على الحكم وجب حكم آخر، فحرم الفرج على الزوج في الباطن والظاهر ولم يردّ ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن كذلك الفروق كلها والقضاء بما ليس فيه تمليك أموال أنه على حكم الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يُحدث في ذلك التحريم والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنه خلاف الأموال التي يقضى بها على حكم الظاهر وهي في الباطن على خلاف ذلك؛ فتكون الآثار الأول هي على القضاء بالأموال، والآثار الأُخر هي على القضاء بغير الأموال في إثبات العقود وحلها؛ حتى تتفق معاني وجوه الآثار والأحكام ولا تتضاد.
وقد حكم رسول الله ﵇ في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها ويحرم على المشترى، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما يقول الصادق، ولم يقض بفسخ بيع ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا؛ كان كذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر، لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-.
ش: هذا كله ظاهر.
قوله: "منهما" أي من المتلاعنين، وهما الزوجان.
قوله: "فتكون الآثار الأُول": وهي الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى.
قوله: "وقد حكم رسول الله ﷺ . . . ." إلى آخره، ذكره شاهدًا لما قبله.
قوله: "أنهما يتحالفان" مفعول لقوله: "حكم" أي أن المتبايعين.
قوله: "إذًا" أي حينئذ.
стр. 7469
ص: باب: الحر يجب عليه دين ولا يكون له مال، كيف حكمه ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الحر الذي ركبت عليه ديون وليس له مال يوفى به ديونه، كيف يكون حكمه؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: "كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﵇؟ فقلت: بلى، فأشار إلى رجل فجئته فقلت: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سرق، فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم فأنت رجل من أصحاب رسول الله ﵇، فقال: إن رسول الله ﵇ سماني بسرق فلن أدع ذلك أبدًا. قلت: ولم سماك سرق؟ قال: لقيت رجلًا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما، فابتعتهما منه، فقلت له: انطلق معي حتى أعطيك، فدخلت بيتى ثم خرجت من خلف لي وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج، فخرجت والأعرابي مقيم، فأخذني وقدمني إلى رسول الله ﵇ فأخبرته الخبر، فقال رسول الله ﵇: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله قال: فاقضه، قال: قلت: ليس عندي، قال: أنت سرق اذهب به يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك، قال: فجعل الناس يسومونه بي، ويلتفت إليهم فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعه منك، قال: فوالله إن منكم أحد أحوج إليه مني، اذهب فقد أعتقتك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال: "لقيت رجلًا بالأسكندرية يقال له سرَّق، فقلت له: ما هذا الاسم؟ قال: سمانيه رسول الله ﵇، قدمت المدينة فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني فاستهلكت أموالهم، فأتوا النبي ﵇: فقال أنت سرق، فباعني بأربعة أبعرة، فقال له غرماؤه: ما تصنع به؟ قال: أعتْقِه، قالوا: ما نحن بأزهد في الأجر منك، فأعتقوني".
стр. 7470
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي أبي زكرياء الدمشقي -ويقال: الحمصي- أحد الأئمة الحنفية وشيخ البخاري، ونسبته إلى وُحَاظة -بضم الواو، وبالحاء المهملة وبعد الألف ظاء معجمة- وهو وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي، يروي عن مسلم بن خالد الزنجي الملكي -شيخ الشافعي، ضعفه يحيى وأبو داود، وقال ابن المديني: ليس بشيء.
وقال البخاري: منكر الحديث. روي له أبو داود وابن ماجه، عن زيد بن أسلم القرشي المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب ﵁ روى له الجماعة، عن عبد الرحمن ابن البيلماني، قال أبو حاتم: لين. روي له الأربعة وعن سُرَّق -بضم السين المهملة وفتح الراء المشددة وفي آخره قاف- وقال ابن الأثير: سرق محفف بوزن غدر ونسق، وأصحاب الحديث يشددون الراء والصواب تخفيفها، وهو سرق بن أسد الجهني. ويقال: الديلمي، ويقال: الأنصارى، سكن مصر، قيل: كان اسمه الحباب فسماه رسول الله ﵇ سُرَّق لما ذكره في الحديث المذكور.
وأخرجه الطبراني (١): حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا معلي بن مهدي الموصلي (ح).
وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني العباس بن [عبد] (٢) الواحد القرشي، قالا: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني. . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث التميمي العنبري البصري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار العدوي المدني، عن زيد بن أسلم. . . . إلى آخره.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 7471
وأخرجه ابن يونس (١) في ترجمة سرق فقال: سُرَّق رجل من أصحاب النبي ﵇، روى عنه زيد بن أسلم، كان بالإسكندرية وهو معروف من أهل مصر وقد روى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا محمَّد بن المثنى، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ثنا زيد بن أسلم قال: "رأيت شيخًا بالإسكندرية يقال له: سرق، فقلت: ما هذا الاسم؟! فقال: سمانيه رسول الله ﵇ فلن أدعه، قال: قلت: ولم سماك؟ قال: قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم، فبايعوني، فاستهلكت أموالهم، فأتوا النبي ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: أنت سرق، فباعني -قال: بأربعة أبعرة- فقال الغرماء للذي اشتراني: فما تصنع به؟ قال: أعتقه، قالوا فلسنا بأزهد في الأجر منك، قال: فأعتقوه، قال: وبقي اسمي هذا فلن أدعه".
قوله: "ثم خرجت من خلف لي" أراد به [ظهر بيته، يعني كان لبيته بابان، دخل من أحدهما فخلى الأعرابي عليها، وخرج من الآخر فقضى حاجته ثم عاد، وظن أن الأعرابي قد ذهب، فلا خرج مسكه وذهب به إلى النبي ﵇؛ ومن هذا القبيل ما جاء في حديث عائشة وبناء الكعبة، قال: "لولا حدثان قومك بالكفر؛ بنيتها على أساس إبراهيم، وجعلت لها خلفين. . . ." الحديث. كأنه أراد أن يجعل لها بابين، والجهة التي تقابل الباب من البيت ظهره؛ فإذا كان لها بابان فقد صار لها ظهران، والخلف: الظهر فافهم، ويقال للمربد أيضًا خلف. قال الجوهري: يقال: وراء بيتك خلف حيد وهو المربد. ويمكن أن يكون راء بيت مربد فخرج منه وغيبه.
ص: وقال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث بيع الحر في الدين، وقد كان ذلك في أول الإسلام يباع من عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مال يقضيه عن ئفسه، حتى نسخ الله من الدين؛ فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) وقضى رسول الله ﵇ بذلك في الذي ابتاع الثمار فأصيب فيها، فكثر
стр. 7472
دينه، فقال رسول الله ﵇: "تصدقوا عليه، فتصدق عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﵇: خذوا ما وجد نفر، وليس لكم إلا ذلك".
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا.
ففي قول رسول الله ﵇ لغرمائه: "ليس لكم إلا ذلك" دليل على أن لا حق لهم في بيعه، ولولا ذلك لباعه كما باع سرق في دينه لغرمائه، وهذا قول أهل العلم جميعًا.
ش: كان بيع الحر بالدين جائزًا في صدر الإِسلام إذا لم يكن له مال يُوفي ما عليه؛ فلذلك باع ﵇ سرق لما استهلك أموال الناس وركبت عليه ديون، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) وعليه وقع الإجماع، إلا ما روي عن الليث بن سعد أنه قال: يُؤاجر الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته.
وقال الجصاص: ولا نعلم أحدًا قال بمثل هذا القول إلا الزهري؛ فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال: يُؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى يقضي عنه.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وفي هذا خلاف قديم وحديث نورد -إن شاء الله- منه ما تيسر لإيراده؛ ليعلم مدعي الإجماع فيما هو أخفى من هذا أنه كاذب.
روينا من طريق محمَّد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن هشام الدستوائي -قال عبد الرحمن: ثنا همام بن يحيى، وقال معاذ: ثنا أبي، ثم اتفق هشام وهمام- كلاهما عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة: "أن رجلًا باع نفسه فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بأنه عبد كما أقر على نفسه، وجعل ثمنه في سبيل الله " هذا لفظ همام.
وأما لفظ هشام: "فإنه أقر لرجل حتى باعه" واتفقا فيما عدا ذلك، والمعنى واحد في كلا اللفظين.
ومن طريق ابن أبي شيبة، ثنا شريك، عن جابر، عن عامر الشعبي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد".
ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم
стр. 7473
النخعي -فيمن ساق إلى امرأته رجلًا حرًّا- فقال إبراهيم: "هو رهن بما جعل فيه حتى يَفْتَكّ نفسه".
وعن زرارة بن أوفى قاضي البصرة من التابعين أنه باع حرًّا في دين، وقد روينا هذا القول عن الشافعي وهي قول غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار؟. انتهى.
ثم الكلام في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ (١) فنقول: فيه تأويلان:
أحدهما: أن تكون "كان" من النواقص ويكون الخبر محذوفًا تقديره: وإن كان ذو عسرة غريمًا لكم، فنظرة أي فعليكم انتظاره إلى ميسرته.
والثاني: أن تكون "كان" تامة بمعنى وُجِدَ ووقع، أي: وإن وُجِدَ ذو عسرة فنظرة.
وقد اختلف في حكم هذه الآية: فروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة.
وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون.
وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خثيم والضحاك أنه في سائر الديون.
وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك.
وقال آخرون: إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا، وسائر الديون في حكمه قياسًا عليه.
قلت: اللفظ عام يجب حمله على العموم ولا يُقتصر به على الربا إلا بدلالة؛ لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة.
قوله: "وقضى رسول الله ﵇" ذكره شاهدًا لصحة ما ذكره فيما قبله، وقد تقدم ذكر هذا في باب (٢).
قوله: "وهذا قول أهل العلم جميعًا" أي نسخ بيع الحر في الدين، وإنظار المعسر إلى وقت الميسرة هو قول [أهل] (٣) العلم جميعًا، ولا خلاف فيه اليوم، والله أعلم.
стр. 7474
ص: باب: الوالد هل يملك مال ولده
ش: أي هذا باب في بيان حكم الوالد في مال ولده، هل يملك ماله كما يملك مال نفسه أم لا؟
ص: حدثنا ربيع الجيزي وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، وانه أراد أن يأخذ مالي إلى ماله، فقال رسول الله ﵇: أنت ومالك لأبيك".
ش: إسناده صحيح. ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي، وابن المنكدر هو محمَّد بن المنكدر.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس، عن يوسف ابن إسحاق، عن محمَّد بن المنكدر به.
وأخرجه البزار أيضًا: نا محمَّد بن يحيى وعبد الكريم، ثنا عبد الله بن داود -هو الخُرَيْبي- عن هشام بن عروة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "أنت ومالك لأبيك".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رجل: "يا رسول الله إن لي مالًا، ولي والد يريد أن يجتاح مالي، فقال رسول الله ﵇: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم.
ش: رجاله ثقات.
стр. 7475
وأبو عمر اسمه حفص بن عمر شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى حوض داود محلة ببغداد.
وأخرجه أبو داود (١): عن حميد بن مسعدة، عن خالد بن الحارث.
عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم".
وأخرجه النسائي (٢): عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن حسين. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أحمد بن الأزهر، عن روح بن عبادة، عن حسين المعلم به نحوه.
قوله: "يريد أن يجتاح" بالجيم وفي آخره حاء مهملة، قال الخطابي أي يريد أن يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة وهي الآفة التي تصيب الأموال فتهكلها، ويمكن أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدرا ما يحتاج إليه منها كثير لا يسعه عفو مال إلا بأن يجتاح أصله، فلم يعذره النبي ﵇ ولم يرخص له في ترك النفقة، وقال له: أنت ومالك لأبيك على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، فأما أن يكون أراد به إباحة ماله حتى يجتاحه ويأتي عليه فلا أعلم أحدًا ذهب إليه.
стр. 7476
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن ما كسب الابن من مال فهو لأبيه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح ومسروق بن الأجدع ومجاهدًا والحكم بن عتيبة وعامرًا الشعبي والحسن البصري وابن أبي ليلى؛ فإنهم قالوا: مال الابن لأبيه، يأخذ منه ما شاء ويأكل منه ما شاء.
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وعائشة الصديقة ﵃.
وقال ابن حزم (١): روينا من طريق ابن الجهم، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا روح -هو ابن عبادة- نا ابن جريج، أنا ابن الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "يأخذ الأب والأم من مال ولدهما بغير إذنه، ولا يأخذ الابن ولا الابنة من مال أبويهما بغير إذنهما" وصح مثله أبي عن عائشة ﵂ من قولها، وعن أنس ﵁.
وروى (٢) من طريق أبي داود، عن محمَّد بن أبان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أولادكم هبة الله لكم، وأموالهم لكم".
ومن طريق ابن مسعود (٢) عن عمر بن الخطاب: "أنه أتاه أب وابن، والابن يطلب أباه بألف درهم أقرضه إياه، والأب يقول أنه لا يقدر عليها، فأخذ عمر بيد الابن فوضعها في يد الأب فقال: هذا وماله من هبة الله لك".
وعن علي بن أبي طالب (٢) ﵁ نحو هذا وأنه "قضى بمال الولد للوالد".
وأخرج ابن أبي شيبة (٣): عن عبيد الله بن موسى، عن الحسن بن حي، عن ليث، عن مجاهد والحكم قالا: "يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء إلا الفرج".
стр. 7477
وأخرج أيضًا (١): عن معاوية بن هشام، عن الثوري، عن أبي حمزة، عن إبراهيم النخعي قال: "الوالد في حل من مال ولده إلا الفرج".
وأخرج عبد بن حميد (٢)، عن يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند، عن سعيد ابن المسيب قال: "الوالد يأكل من مال ولده ما شاء، والولد لا يأكل من مال والده إلا بإذنه".
وأخرج عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: "يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء، وإن كانت جارية تسراها" قال قتادة: "لم يعجبني ما قال في الجارية".
وقال ابن أبي ليلى (٣): "لا يغرم الأب ما استهلك من مال ولده، ويجوز بيعه لمال ولده الكبير".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما كسب الابن من شيء فهو له خاصة دون أبيه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والزهري ومحمد بن سيرين وحماد بن زيد ومجاهدًا -في قول- وحماد بن أبي سليمان سفيان وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: مال الابن له دون أبيه إلا إذا احتاج الأب أو الأم، فإنهما يأكلان من مال ابنهما بالمعروف، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وقال ابن حزم (٤): للأب والأم أن يأكلا من مال الولد حيث وجداه من بيت أو غير بيت فقط، ثم لا شيء لهما ولا حكم في شيء من ماله لا بعتق ولا بإصداق
стр. 7478
ولا بارتهان إلا إن كانا فقيرين، فيأخذ الفقير منهما من مال ولده من كسوة وأكل وسكني وخدمة وما احتاجا إليه فقط، وأما الولد فيأكل من بيت أبيه وبيت أمه ما شاء بغير إذنها ولا يأكل من غير البيت شيئًا.
ص: وقالوا: قول النبي ﵇ ليس على التمليك منه للأب كسب الابن، إنما هو على أنه لا ينبغي للابن أن يخالف الأب في شيء من ذلك، وأن يجعل أمره فيه نافذًا كأمره فيما يملك، ألا تراه يقول: "أنت ومالك لأبيك"؟ فلم يكن الابن مملوكًا لأبيه بإضافة النبي ﵇ إياه إليه، فكذلك لا يكون مالكًا لماله بإضافة النبي ﵇ إياه إليه.
وقد حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نفعني مال قط ما نفعي مال أبي بكر، فقال أبو بكر ﵁: أنا ومالي لك يا رسول الله".
فلم يرد أبو بكر ﵁ بذلك أنّ ماله للنبي ﵇ ملكًا ,ولكنه أراد أن أمره ينفذ فيه وفي نفسه كما ينفذ أمر ذى المال في ماله بإيجابه ذلك له، فكذلك قوله: "أنت ومالك لأبيك" هو على هذا المعنى أيضًا.
ش: أي قال أهل المقالة الثانية، وهذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى بالحديث المذكور، وهو ظاهر، واستشهد على ذلك بحديث أبي هريرة.
وأخرجه بإسناد صحيح. ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
وأبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير.
والأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو صالح ذكوان الزيات.
وأخرجه النسائى (١): عن محمَّد بن عبد العزيز، عن أبي معاوية، عن الأعمش نحوه.
стр. 7479
وابن ماجه (١): عن ابن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، عن أبي معاوية. . . . إلى آخره نحوه.
وادعى ابن حزم أن حديث: "أنت ومالك لأبيك" منسوخ لا شك فيه؛ لأن الله حكم بميراث الأبوين والزوج والزوجة والبنين والبنات من مال الولد إذا مات، وأباح في القرآن لكل مالك أمة وطأها بملك يمين، وحرمها على من لا يملكها بقوله تعالى: ﴿إَلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿الْعَادُونَ﴾ (٣) فدخل في هذا من له والد ومن لا والد له، فصح أن مال الولد له بيقين لا لأبويه ولا حق لهما فيه، إلا ما جاء به النص مما ذكرنا من الأكل، أو عند الحاجة فقط، ولو كان مال الولد للوالد لما ورثت زوجة الولد ولا زوج البنت ولا أولادهما من ذلك شيئًا؛ لأنه مال لإنسان حي ولا كان يحل لذي والد أن يطأ جاريته أصلًا؛ لأنها لأبيه كانت تكون، فصح بورود هذين الحكمين وبقائهما إلى يوم القيامة بآيتين غير منسوختين أن ذلك الخبر منسوخ، وكذلك أيضًا صح بالنص والإجماع المتيقن أن من ملك أمة أو عبدًا لهما والد فإن ملكهما لمالكهما لا لأبيهما، فصح أن قوله ﵇ أنه لأبيه منسوخ، وارتفع الإشكال.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه حرم أموال المؤمنين كما حرم دماءهم ولم يستثنِ في ذلك والدًا ولا غيره، فمما روي عنه في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة بن شراحيل، قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﵇-وأحسبه قال: في غرفتي هذه- قال: "قام فينا رسول الله ﵇
стр. 7480
فقال: هل ترون أي يوم هذا؟ قالوا: نعم، يوم النحر، قال: صدقتم، يوم الحج الأكبر، قال: هل تدرون أي شهر هذا؟ قالوا: نعم، ذو الحجة، قال: صدقتم، شهر الله الأصم، قال: هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: نعم، المشعر الحرام، قال: صدقتم فقال رسول الله ﵇: إن دماءكم وأموالكم -وأحسبه قال: وأعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
ش: ذكر هذا الحديث وما بعده شاهدة لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة الفقيه، عن مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي، عن رجل من أصحاب النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (١): عن ابن مثنى وابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو ابن مرة، عن مرة الهمداني، قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﵇. . . . فذكره.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير. . . . إلى آخره.
واستفيد منه: أن حرمة مال الرجل ودمه وعرضه سواء.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة البكراوي، قال: ثنا عوف الأعرابي، عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة ﵁: "أن النبي ﵇ قال في خطبة يوم النحر يوم حجة الوداع: إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام بينكم في مثل يومكم هذا في مثل شهركم هذا في مثل بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات إلا في رواية عن أحمد أن هوذة ضعيف.
وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث.
стр. 7481
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن عبد الوهاب قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن محمَّد، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة ذكر النبي ﵇ قال: "فإن دماءكم وأمو الكم -قال محمَّد: وأحسبه قال: وأعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
وأخرجه من طرق أخرى متعددة.
وأخرجه مسلم (٢) بطرق متعددة أيضًا.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "إن أعظم الأيام حرمة هذا اليوم، وإن أعظم الشهور حرمة هذا الشهر، وإن أعظم البلدان حرمة هذا البلد، وإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد، هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد".
ش: إسناده صحيح.
وعمر بن حفص النخعي الكوفي شيخ البخاري ومسلم.
وأبوه حفص بن غياث بن طلق النخعي، روى له الجماعة.
والأعمش هو سليمان، وأبو صالح ذكوان.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا هشام بن عمار، نا عيسى بن يونس، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵇ في حجة الوداع: "ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا، ألا إن أحرم الشهور شهركم هذا، ألا وإن أحرم البلد بلدكم هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد".
стр. 7482
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله ﵇ خطبهم في حجة الوداع، قال: ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا نبيكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
ش: إسناده صحيح.
وجعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃.
وهذا حديث مطول في صفة حج النبي ﵇.
أخرجه مسلم (١) في المناسك: عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بطوله.
وأبو داود (٢) وابن ماجه أيضًا (٣) مطولًا والنسائي (٤) مختصرًا وقد ذكرناه في كتاب الحج.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا هشام بن الغاز الجرشي، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "خطبنا رسول الله ﵇. . . ." ثم ذكره مثله.
ش: دحيم هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي المعروف بدحيم بن اليتيم قاضي الأردن وفلسطين، شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
والوليد بن مسلم الدمشقي روي له الجماعة.
وهشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي الدمشقي، وثقه أحمد ودحيم وروى له الأربعة.
стр. 7483
وأخرجه ابن ماجه (١): عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن هشام بن الغاز، سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ وقف يوم النحر [بين] (٢) الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال النبي ﵇: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد [الله] (٢) الحرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر [الله] (٢) الحرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد [في هذا الشهر] (٢) في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم، فطفق النبي ﵇ يقول: اللهم أشهد، ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع".
ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا غادية الجهني قال: "خطبنا رسول الله ﵇ .. ثم ذكر مثله".
ش: إسناده صحيح.
وربيعة بن كلثوم البصري وثقه يحيى والنسائي، وروى له مسلم والنسائي.
وأبوه كلثوم بن جبر البصري، وثقه يحيى وابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وأبو غادية -بالغين المعجمة- اختلف في اسمه، فقيل: يسار بن أزهر، وقيل: مسلم، يعد في الشاميين، وكان من شيعة عثمان ﵁، وهو قاتل عمار بن ياسر ﵁.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عبد الصمد بن عبد الوراث، ثنا ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن أبي غادية، قال: "خطبنا رسول الله ﵇ غداة العقبة
стр. 7484
فقال: ألا إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حسين بن عازب، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه عمرو قال: "خطب رسول الله ﵇ في حجة الوداع. . . ." فذكر مثله.
ش: يونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي المؤذن، روى له الجماعة.
وحسين بن عازب ذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل وسكت عنه.
وشبيب بن غرقدة السلمي الكوفي، روى له الجماعة.
وسليمان بن عمرو الجشمي الكوفي، وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة.
وأبوه عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب الجشمي الكلابي الصحابي ﵁.
وأخرجه ابن ماجه مطولًا (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن شبيب، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه قال: "سمعت النبي ﵇ يقول في حجة الوداع: يا أيها الناس، ألا أي يوم أحرم؟ ثلاث مرات، قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. . . . الحديث".
ص: فجعل رسول الله ﵇ حرمة الأموال كحرمة الأبدان، فلما لا تحل أبدان الأبناء للآباء إلا بالحقوق الواجبة، فكذلك لا تحل أموالهم إلا بالحقوق الواجبة.
ش: أي سَوَّى رسول الله ﵇ بين الأموال والأبدان في الحرمة، فلا يحل مال الابن للأب كما لا يحل له بدنه إلا بالحق الواجب، وهو احتياجه إلى مال ابنه لأجل النفقة وما أشبه ذلك.
ص: فإن قال قائل: نريد أن توجدنا ما ذكرت في الأب منصوصًا عليه عن النبي ﵇.
стр. 7485
قلت: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: "أن رسول الله ﵇ قال لرجل: أمرت بيوم الأضحى عيدًا جعله الله لهذه الأمة، فقال الرجل: أفرأيت إن لم أجد إلا منيحة ابني، أفأضحي بها؟ قال: لا , ولكن تأخذ من شعرك ومن أظفارك، وتقص من شاربك وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله".
ش: أن توجدنا: أي أن توجد لنا ما ذكرت من قولك: إن مال الابن لا يجوز للأب تملكه إلا عند الحاجة؛ منصوصًا عليه من النبي ﵇ فقال: حدثنا يونس. . . . إلى آخره، وأراد به أنه جاء منصوصًا من النبي ﵇ أن الأب ليس له أن يتملك مال ابنه إلا عند الحاجة.
وأخرجه بإسناد مصري صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن سعيد بن أبي أيوب مقلاص الخزاعي المصري، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة- بن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني -بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون، نسبة إلى قتبان من رعين.
روي عن عيسى بن هلال الصدفي المصري، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﵇ قال: "أمرت بيوم الأضحى عيدًا. . . ." إلى آخره نحوه.
стр. 7486
وأخرجه النسائي (١): عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا.
وقد اشترك الطحاوي مع النسائي في تخريج هذا الحديث عن شيخ واحد.
قوله: "إلا منيحة ابني" وهي الناقة التي يعطيها صاحبها لآخر ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثم يردها، وفيه دلالة على أن الأب لا يملك مال ابنه، وأن قوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك" ليس للتمليك في جميع مال الابن وإنما هو في الأكل والشرب منه بمقدار حاجته عند احتياجه إليه، وفيه الحض على الأضحية، حتى احتج به بعضهم على وجوبها، وفيه استحباب حلق الرأس وقص الأظفار والشارب وحلق العانة يوم عيد الأضحية، وعن هذا قال بعضهم: من أراد أن يضحي ينبغي أن لا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئًا إلا يوم العيد، وكان ابن سيرين يكره إذا دخل العشر أن يأخذ الرجل من شعره حتى يكره أن يحلق الصبيان في العشر، وهو قول الشافعي وأبي ثور وإسحاق وأبي سليمان، وإليه ذهب الأوزاعي وأهل الظاهر، وخالفهم في ذلك مالك وأبو حنيفة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في كتاب الأضاحي.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما قال هذا الرجل: يا رسول الله، أضحي بمنيحة ابني فقال رسول الله ﵇: لا، وقد أمره أن يضحي من ماله وحَضَّه عليه؛ دل ذلك على أن حكم مال ابنه خلاف حكم ماله، مع أن أولى الأشياء بنا حمل هذه الآثار على هذا المعنى لأن كتاب الله يدل على ذلك، قال الله : ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) ثم قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٢) فورث الله غير الوالد مع الوالد من مال الابن، فاستحال أن يكون المال للأب في حياة الابن ثم يصير بعضه لغير الأب في حياة الأب، ثم قال الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) فجعل الله المواريث للوالد وغيره بعد قضاء الدين -إن كان على الميت- وبعد إنفاذ وصاياه من ثلث ماله.
стр. 7487
وقد أجمعوا أن الأب لا يقضي من ماله دين ابنه ولا ينفذ وصايا ابنه من ماله، ففي ذلك ما قد دل على ما قد ذكرنا.
وقد أجمع المسلمون أن الابن إذا ملك مملوكة حل له وطؤها، وهي ممن أباح الله له وطؤها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (١) فلو كان ماله لأبيه إذا لحرم عليه وطء ما كسب من الجواري كحرمة وطء جواري أبيه عليه فدل ذلك أيضًا على انتفاء ملك الأب لمال الابن وأن ملك الابن فيه ثابت دون أبيه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: استدل على عدم تملك الأب مال ابنه بالحديث المذكور، واستدلاله به ظاهر، وبالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) ووجه دلالته على ذلك ظاهر.
وبالقياس أشار إليه بقوله: "وقد أجمعوا. . . ." إلى آخره.
قوله: إذًا. أي حينئذ.
стр. 7488
ص: باب: الوليد يدعيه رجلان كيف حكمه ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الولد الذي يدعيه الرجلان أنه ولد لهما يعني أن كل واحد منهما يقول أنه ولده، كيف يكون حكمه؟.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "دخل مجزز المدلجي على رسول الله ﵇، فرأى أسامة وزيدًا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل رسول الله ﵇ مسرورًا".
حدثنا يونس، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: "دخل عَليَّ رسول الله ﵇ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟ ".
ش: هذان إسنادان صحيحان ورجالهما كلهم رجال الصحيح.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير.
وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١) عن قتيبة، عن الليث .. إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة، كلهم عن الليث.
وأبو داود (٣): عن مسدد وعثمان بن أبي شيبة وابن السرح، عن سفيان، عن الزهري، به.
стр. 7489
والترمذي (١): عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، به.
والنسائي (٢): عن قتيبة عن ليث، وعن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان، جميعًا عن الزهري، نحوه.
وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح، عن سفيان، عن الزهري.
قوله: "دخل مُجَزز" بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى، وهو مجزز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن غثوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، وإنما قيل له: مجزز، لأنه كان كلما أسر أسيرًا جَزَّ ناصيته، وهو معدود في الصحابة.
قوله: "تبرق أسارير وجهه" يعني الخطوط التي في جبهته مثل التكسر، واحدها سر وسرر، والجمع أسرار، وأسارير جمع الجمع، قال القاضي: ومعنى ذلك مثل قوله في الرواية الأخرى: مسرورًا, لأن المسرور ينطلق وجهه ويجري ماء البشر فيه ويحسن، بخلاف المقطب والحزين.
وقال ابن الأثير: الأسارير: الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر، واحدها سر وسرر، وجمعها أسرار وأسره، وجمع الجمع أسارير.
ثم سبب هذا ما ذكره المحدثون: أنه كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن، كذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح، فلما قضي هذا القائف بإلحاق هذا النسب مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تصغي إلى قول القافة؛ سُرَّ بذلك ﵇ لكونه كافًّا لهم عن الطعن فيه.
стр. 7490
وقال القاضي: قال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأدمة، وزيد بن حارثة عربي صريح من كلب، أصابه سباء فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته للنبي ﵇ فتبناه، فكان يدعى زيد بن محمَّد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) فقيل: زيد بن حارثة، وابنه أسامة أمه أم أيمن بركة وتدعى أم الظباء مولاة عبد الله بن عبد المطلب ورابَّة النبي ﵇، ولم يقل أحد أنها كانت سوداء إلا أن أحمد بن سعيد الصدفي ذكر في تاريخه من رواية عبد الرزاق، عن ابن سيرين: "أن أم أيمن هذه كانت سوداء فلهذا خرج أسامة، لكن لو كان هذا صحيحا لم ينكر الناس لونه لمعرفتهم أسامة، إذْ لا يُنكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء.
وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت حصين بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سليمان بن عمرو بن النعمان.
وذكر مسلم (٢) في كتاب الجهاد: عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﵇، وكذا ذكر الواقدي.
وأما زوجها عبيد قبل ذلك فكان حبشيًّا، إلا أن يكون معنى قول ابن شهاب: حبشية: أي من مهاجرة الحبشة فيحتمل؛ فقد كانت منهن كما قال عمر ﵁ لأسماء بنت عميس: الحبشية هذه.
والمعروف أنه كانت للنبي ﵇ بركة أخرى حبشية، كانت تخدم أم حبيبة، فلعله اختلط أمرهما لاشتباه اسمهما، وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وأظنها أم أيمن.
وذكر بعض المؤرخين أن أم أيمن هذه من سبي حبش أبرهة صاحب الفيل، لما انهزم عن مكة أخذها عبد المطلب، من فل عسكره، والله أعلم.
وهذا يؤكد أيضًا ما ذكره ابن سيرين.
стр. 7491
ص: قال أبو جعفر ﵀: فاحتج قوم بهذا الحديث، فزعموا أن فيه ما قد دلهم أن القافة يحكم بقولهم وتثبت به الأنساب، قالوا: ولولا ذلك لأنكر النبي ﵇ على مجزز ولقال له: وما يدريك، فلما سكت ولم ينكر عليه؛ دل أن ذلك القول مما يؤدي إلى حقيقة يجب بها الحكم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد ابن حنبل وداود وسائر الظاهرية وأكثر أهل الحديث؛ فإنهم حكموا بقول القافة في تمييز الأنساب إذا اشتبهت، وقال الخطابي: في حديث عائشة دليل على ثبوت أهل القافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد، وذلك أنه ﵇ لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده، وممن أثبت الحكم بالقافة: عمر وابن عباس ﵃، وبه قال مالك والشافعي، وعليه أهل الحديث.
وقال ابن حزم في "المحلي" (١): والحكم بالقافة في لحاق الولد واجب في الحرائر والإماء، وهو قول الشافعي وأبي سليمان، وقال مالك: يحكم بشهادتهم في ولد الأمة ولا يحكم به في ولد الحرة، وهذا تقسيم بلا برهان.
وقال عياض: اختلف الناس في القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة وأثبته الشافعي، ونفاه مالك في المشهور عنه في الحرائر وأثبته في الإماء، وقد روى الأبهري، عن الرازي، عن ابن وهب، عن مالك أنه أثبته في الحرائر والإماء جميعًا.
ثم اختلفوا: هل يحتاج فيه إلى اثنين وأنه بمعنى الشهادة -وهو قول مالك والشافعي- أم يكتفى فيه بواحد -وهو قول القاسم من أصحابنا-؟.
واختلفوا إذا ألحقته القافة بمدعييه معًا، هل يكون ابنًا لهما؟
وهو قول سحنون وأبي ثور. وقيل: يترك حتى يكبر فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطاب، وقاله مالك والشافعي، وقال عبد الملك ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة: يلحق بأكثرهما له شبهًا، قال ابن مسلمة: إلا إن علم الأول
стр. 7492
فيلحق به، والقافة جمع قائف، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف بشبه الرجل بأخيه وأبيه، من قَافَ يقُوفُ، يقال: فلان يقوف الأثر ويقتافه قيافة مثل قفا الأثر واقتفاه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز أن يحكم بقول القافة في نسب ولا غيره.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: سفيان الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وإسحاق؛ فإنهم منعوا الحكم بقول القافة.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن سرور النبي ﵇ بقول مجزز المدلجي الذي ذكروا في حديث عائشة ﵂ ليس فيه دليل على ما توهموا من وجوب الحكم بقول القافة؛ لأن أسامة قد كان نسبه ثبت من زيد قبل ذلك ولم يحتج النبي ﵇ في ذلك إلى قول أحد، ولولا ذلك لما كان دعى أسامة فيما تقدم إلى زيد، وإنما تعجب النبي ﵇ من إصابة مجزز كما تعجب من ظن الرجل الذي يصيب بظنه حقيقة الشيء الذي ظنه، ولا يجب الحكم بذلك، وترك رسول الله ﵇ الإنكار عليه؛ لأنه لم يتعاطى بقوله ذلك إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم، فهذا ما يحتمله هذا الحديث.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث مجزز، وهو ظاهر.
قوله: "وتَرْكُ رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره جواب عن قوله: "فلما سكت ولم ينكر عليه".
قوله: "لأنه لم يتعاطى" أي لم يتناول ولم يأخذ بقوله ذلك.
ص: وقد روي في أمر القافة عن عائشة ﵂ ما يدل على غير هذا:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا ابن وهب، قال:
стр. 7493
أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته "أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء، فمنه أن يجتمع الرجال العدد على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا، وكن ينصبن على أبوابهن رايات، فيطأها كل من دخل عليها، فهذا حملت ووضعت حملها جمع لهم القافة، فأيهم ألحقوه به صار أباه ودعي بأبيه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدًا بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية وأقر نكاح أهل الإِسلام".
ففي هذا الحديث أن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية، وأن رسول الله ﵇ هدم ذلك النكاح الذي كان يكون فيه ذلك الحكم، وأقر الثاني على النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة، وجعل الولد لأبيه الذي يدعيه، فيثبت نسبه بذلك، ونسخ الحكم المتقدم الذي كان الحكم فهي بقول القافة، وقد كان أولاد البغايا الذين ولدوا في الجاهلية من أدعى أحدًا منهم في الإِسلام ألحق به.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد (ح).
وحدثنا يونس، نا أبي، ثنا أنس، عن يحيى بن سعيد -قال مالك في حديثه: عن سليمان بن يسار وقال أنس: أخبرني سليمان بن يسار: "أن عمر ﵁ كان يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام، فدل ذلك أنهم لم يكونوا يلحقون بهم بقول القافة، فيكون قولهم كالبينة التي تشهد على ذلك، فلو كان قولهم مستعملًا في الإِسلام كما كان مستعملًا في الجاهلية إذا لم قالت عائشة ﵂:إن ذلك مما هدم، إذًا كان يجب به علم أن الصبي ممن وطئ أمه من الرجال، ففي نسخ ذلك دليل على أن قولهم لا يجب به حكم ثبوت النسب.
ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عما احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه أن حديث عائشة الذي احتج به هؤلاء منسوخ، والدليل عليه ما روي عن عائشة أيضًا، لأن في حديثها هذا يخبر أن إثبات النسب بقول القافة، كان من حكم الجاهلية، وأنه ﵇ هدم النكاح الذي كان يكون فيه الحكم بالقافة، وأقر النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة؛ فثبت بذلك انتساخ إثبات النسب بالقافة.
стр. 7494
ومما يدل على ذلك أيضًا أنه ﵇ حكم باللعان في قصة العجلاني، ولم يؤخر حتى تضع ويرى الشبه.
وأيضًا فقد ذكر في قصة المتلاعنين: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، ثم لم ينقضي حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة، ولا حَدَّهَا؛ فدل ذلك على أن الشبه غير معتبر.
ثم إسناد حديث عائشة ﵂ صحيح.
وابن أبي داود إبراهيم البرلسي.
وأصبغ بن الفرج أبو عبد الله الفقيه القرشي الأموي مولى عبد العزيز بن مروان المصري وراق عبد الله بن وهب وشيخ البخاري، وابن وهب هو عبد الله ابن وهب.
ويونس هو ابن يزيد الإيلي، روي له الجماعة.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البخاري (١) بأتم منه من حديث عائشة: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحببت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع الرجل،
стр. 7495
ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا ينصبن على أبوابهن الرايات وتكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمِعُوا لها، ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمَّد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم".
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عنبسة بن خالد، قال: حدثني يونس بن يزيد، قال: قال محمَّد بن مسلم بن شهاب:
أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء. . . ." إلى آخره نحوه، إلا أنه قدم الرابع فجعله أولًا.
قوله: "أنحاء" جمع نحو، وأراد به على أربعة ضروب.
قوله: "من طمثها" أي من حيضها.
قوله: "فاستبضعي منه" من الاستبضاع وهو استفعال من البضع وهو الجماع، والبضع يطلق على عقد النكاح والجماع معًا، وعلى الفرج.
قوله: "يجتمع الرهط" قال أبو عبيدة: هو ما دون العشرة من الناس وكذلك النفر، وقيل: من ثلاثة إلى عشرة، وقال غيره: الرهط من الرجال ما دون العشرة لا يكون فيهم امرأة قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (٢) وليس له واحد من لفظه كذَوْد وقيل: هو من ثلاثة إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة.
قوله: "وهن البغايا" جمع بَغِيّ، وهي الزانية.
قوله: "فالتاط به" أي استلحقه، من اللوط وهو الإلصاق.
قوله: وقد كان أولاد البغايا. . . ." إلى آخره ذكره تأييدًا لقوله: "إن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية، ولم يبق له حكم في الإِسلام.