← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

ص: قال أبو جعفر ﵀: فاحتج قوم بهذا الحديث، فزعموا أن فيه ما قد دلهم أن القافة يحكم بقولهم وتثبت به الأنساب، قالوا: ولولا ذلك لأنكر النبي ﵇ على مجزز ولقال له: وما يدريك، فلما سكت ولم ينكر عليه؛ دل أن ذلك القول مما يؤدي إلى حقيقة يجب بها الحكم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد ابن حنبل وداود وسائر الظاهرية وأكثر أهل الحديث؛ فإنهم حكموا بقول القافة في تمييز الأنساب إذا اشتبهت، وقال الخطابي: في حديث عائشة دليل على ثبوت أهل القافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد، وذلك أنه ﵇ لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده، وممن أثبت الحكم بالقافة: عمر وابن عباس ﵃، وبه قال مالك والشافعي، وعليه أهل الحديث. وقال ابن حزم في "المحلي" (١): والحكم بالقافة في لحاق الولد واجب في الحرائر والإماء، وهو قول الشافعي وأبي سليمان، وقال مالك: يحكم بشهادتهم في ولد الأمة ولا يحكم به في ولد الحرة، وهذا تقسيم بلا برهان. وقال عياض: اختلف الناس في القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة وأثبته الشافعي، ونفاه مالك في المشهور عنه في الحرائر وأثبته في الإماء، وقد روى الأبهري، عن الرازي، عن ابن وهب، عن مالك أنه أثبته في الحرائر والإماء جميعًا. ثم اختلفوا: هل يحتاج فيه إلى اثنين وأنه بمعنى الشهادة -وهو قول مالك والشافعي- أم يكتفى فيه بواحد -وهو قول القاسم من أصحابنا-؟. واختلفوا إذا ألحقته القافة بمدعييه معًا، هل يكون ابنًا لهما؟ وهو قول سحنون وأبي ثور. وقيل: يترك حتى يكبر فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطاب، وقاله مالك والشافعي، وقال عبد الملك ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة: يلحق بأكثرهما له شبهًا، قال ابن مسلمة: إلا إن علم الأول

стр. 7492

فيلحق به، والقافة جمع قائف، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف بشبه الرجل بأخيه وأبيه، من قَافَ يقُوفُ، يقال: فلان يقوف الأثر ويقتافه قيافة مثل قفا الأثر واقتفاه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز أن يحكم بقول القافة في نسب ولا غيره. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: سفيان الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وإسحاق؛ فإنهم منعوا الحكم بقول القافة. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن سرور النبي ﵇ بقول مجزز المدلجي الذي ذكروا في حديث عائشة ﵂ ليس فيه دليل على ما توهموا من وجوب الحكم بقول القافة؛ لأن أسامة قد كان نسبه ثبت من زيد قبل ذلك ولم يحتج النبي ﵇ في ذلك إلى قول أحد، ولولا ذلك لما كان دعى أسامة فيما تقدم إلى زيد، وإنما تعجب النبي ﵇ من إصابة مجزز كما تعجب من ظن الرجل الذي يصيب بظنه حقيقة الشيء الذي ظنه، ولا يجب الحكم بذلك، وترك رسول الله ﵇ الإنكار عليه؛ لأنه لم يتعاطى بقوله ذلك إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم، فهذا ما يحتمله هذا الحديث. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث مجزز، وهو ظاهر. قوله: "وتَرْكُ رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره جواب عن قوله: "فلما سكت ولم ينكر عليه". قوله: "لأنه لم يتعاطى" أي لم يتناول ولم يأخذ بقوله ذلك. ص: وقد روي في أمر القافة عن عائشة ﵂ ما يدل على غير هذا: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا ابن وهب، قال:

стр. 7493

أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته "أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء، فمنه أن يجتمع الرجال العدد على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا، وكن ينصبن على أبوابهن رايات، فيطأها كل من دخل عليها، فهذا حملت ووضعت حملها جمع لهم القافة، فأيهم ألحقوه به صار أباه ودعي بأبيه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدًا بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية وأقر نكاح أهل الإِسلام". ففي هذا الحديث أن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية، وأن رسول الله ﵇ هدم ذلك النكاح الذي كان يكون فيه ذلك الحكم، وأقر الثاني على النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة، وجعل الولد لأبيه الذي يدعيه، فيثبت نسبه بذلك، ونسخ الحكم المتقدم الذي كان الحكم فهي بقول القافة، وقد كان أولاد البغايا الذين ولدوا في الجاهلية من أدعى أحدًا منهم في الإِسلام ألحق به. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد (ح). وحدثنا يونس، نا أبي، ثنا أنس، عن يحيى بن سعيد -قال مالك في حديثه: عن سليمان بن يسار وقال أنس: أخبرني سليمان بن يسار: "أن عمر ﵁ كان يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام، فدل ذلك أنهم لم يكونوا يلحقون بهم بقول القافة، فيكون قولهم كالبينة التي تشهد على ذلك، فلو كان قولهم مستعملًا في الإِسلام كما كان مستعملًا في الجاهلية إذا لم قالت عائشة ﵂:إن ذلك مما هدم، إذًا كان يجب به علم أن الصبي ممن وطئ أمه من الرجال، ففي نسخ ذلك دليل على أن قولهم لا يجب به حكم ثبوت النسب. ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عما احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه أن حديث عائشة الذي احتج به هؤلاء منسوخ، والدليل عليه ما روي عن عائشة أيضًا، لأن في حديثها هذا يخبر أن إثبات النسب بقول القافة، كان من حكم الجاهلية، وأنه ﵇ هدم النكاح الذي كان يكون فيه الحكم بالقافة، وأقر النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة؛ فثبت بذلك انتساخ إثبات النسب بالقافة.

стр. 7494

ومما يدل على ذلك أيضًا أنه ﵇ حكم باللعان في قصة العجلاني، ولم يؤخر حتى تضع ويرى الشبه. وأيضًا فقد ذكر في قصة المتلاعنين: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، ثم لم ينقضي حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة، ولا حَدَّهَا؛ فدل ذلك على أن الشبه غير معتبر. ثم إسناد حديث عائشة ﵂ صحيح. وابن أبي داود إبراهيم البرلسي. وأصبغ بن الفرج أبو عبد الله الفقيه القرشي الأموي مولى عبد العزيز بن مروان المصري وراق عبد الله بن وهب وشيخ البخاري، وابن وهب هو عبد الله ابن وهب. ويونس هو ابن يزيد الإيلي، روي له الجماعة. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأخرجه البخاري (١) بأتم منه من حديث عائشة: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحببت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع الرجل،

стр. 7495

ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا ينصبن على أبوابهن الرايات وتكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمِعُوا لها، ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمَّد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم". وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عنبسة بن خالد، قال: حدثني يونس بن يزيد، قال: قال محمَّد بن مسلم بن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء. . . ." إلى آخره نحوه، إلا أنه قدم الرابع فجعله أولًا. قوله: "أنحاء" جمع نحو، وأراد به على أربعة ضروب. قوله: "من طمثها" أي من حيضها. قوله: "فاستبضعي منه" من الاستبضاع وهو استفعال من البضع وهو الجماع، والبضع يطلق على عقد النكاح والجماع معًا، وعلى الفرج. قوله: "يجتمع الرهط" قال أبو عبيدة: هو ما دون العشرة من الناس وكذلك النفر، وقيل: من ثلاثة إلى عشرة، وقال غيره: الرهط من الرجال ما دون العشرة لا يكون فيهم امرأة قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (٢) وليس له واحد من لفظه كذَوْد وقيل: هو من ثلاثة إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة. قوله: "وهن البغايا" جمع بَغِيّ، وهي الزانية. قوله: "فالتاط به" أي استلحقه، من اللوط وهو الإلصاق. قوله: وقد كان أولاد البغايا. . . ." إلى آخره ذكره تأييدًا لقوله: "إن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية، ولم يبق له حكم في الإِسلام.

стр. 7496

قوله: "حدثنا يونس. . . ." إلى آخره، بيان لقوله: "وقد كان أولاد البغايا". وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، عن سليمان بن يسار المدني. الثاني: عن يونس أيضًا، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. قوله: "كان يليط" من أَلاط إلاطة إذا أَلصق، والظاهر أنه من لاط يليط وهو يتعدى بنفسه، وجاء لاط يلوط، ومنه حديث أشراط الساعة: "وليقومن وهو يلوط حوضه"، وفي رواية "يليط حوضه" والله أعلم. ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا: بما حدثنا يونس، قال: أنا أنس، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن رجلين أتيا عمر ﵁ كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعى لهما رجلًا من بني كعب قائمًا، فنظر إليهما فقال لعمر ﵁: قد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، ودعى المرأة فقال: أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيها وهي في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يطأ ويظن أن قد استمر بها حمل ثم ينصرف عنها، فأهراقت عنه دمًا، ثم خلفها هذا -تعنى الآخر- فلا يفارقها حتى استمر بها حمل، فلا تدري ممن هو، فكبَّر الكعبي، فقال عمر ﵁ للغلام: "والي أيهما شئت" (١). حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثنا، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان، مثله. حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن حاطب، عن أبيه قال: "أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب ﵁ يختصمان في غلام من ولادة الجاهلية، يقول هذا: هو ابني،

стр. 7497

ويقول هذا: هو ابني، فدعى لهما عمر ﵁ قائفًا من بني المصطلق، فسأله عن الغلام، فنظر إليه المصطلقي، ثم نظر، ثم قال لعمر ﵁: والذي أكرمك، ليس لأحدهما، قد اشتركا فيه جميعًا، فقام إليه عمر بالدرة فضربه حتى اضطجع، ثم قال: والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب، ثم دعى أم الغلام فسألها , فقالت: إن هذا -لأحد الرجلين- قد كان غلب على الناس حتى ولدت له أولادًا، ثم وقع بي على نحو ما كان يفعل، فحملت فيما أرى، فأصابتني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيء في بطني، ثم إن هذا الآخر، وقع بي فوالله ما أدري من أيهما هو، فقال عمر ﵁ للغلام: اتبع أيهما شئت، فاتبع أحدهما، قال عبد الرحمن بن حاطب: فكأني أنظر إليه متبعًا لأحدهما فذهب به، فقال عمر ﵁: قاتل الله أخا بني المصطلق". قالوا: ففي هذا الحديث أن عمر ﵁ حكم بالقافة، فقد وافق ما تأولنا من حديث مجزّز المدلجي. ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار المدني. وأخرجه البيهقي في "الخلافيات" من حديث يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام، قال سليمان: فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعى عمر بن الخطاب ﵁ قائفًا فنظر إليهما، فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر ﵁ بالدرة، ثم قال للمرأة: أخبريني خبرك، فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيها وهي في إبل أهلها، فلا يفارقها حتى يظن أنه قد استمر بها حمل، ثم انصرف

стр. 7498

عنها فأهريقت دمًا، ثم خلف هذا -تعنى الآخر- فلا أدري من أيها هو، فكبَّرَ القائف، ثم قال عمر بن الخطاب للغلام: وَالِ أيهما شئت". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، والبيهقي في "سننه" (٢) من حديث مالك. الثالث: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة ابن الزبير بن العوام، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه عبد الرحمن ابن حاطب. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) من حديث ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أبيه: "أتى رجلان يختصمان في غلام من ولاد الجاهلية، يقول هذا: ابني، ويقول هذا: ابني، فدعى عمر ﵁ قائمًا من بني المصطلق. . . ." إلى آخره نحوه. وأخرجه الشافعي أيضًا (٤): عن أبي ضمرة، عن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن، نحوه. قوله: "قالوا" أي أهل المقالة الأولى "ففي هذا الحديث" أراد به أثر عمر بن الخطاب ﵁. ص: فكان من الحجة عليهم للآخرين: أن في هذا الحديث ما يدل على بطلان ما قالوا، وذلك أن فيه أن القائف قال: هو منهما جميعًا، فلم يجعله عمر ﵁ كذلك،

стр. 7499

وقال له: "وَالِ أَيهما شئت" على ما يجب في صبي ادعاه رجلان، فإن أقر أحدهما كان ابنه، فلما رَدَّ عمر ﵁ حكم ذلك الصبي إلى الصبي المدعى إذا ادعاه رجلان ولم يكن بحضرة الإِمام قائف لا إلى قول القائف؛ دل ذلك على أن القافة لا يجب بقولهم ثبوت نسب من أحد. ش: أي: فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى للجماعة الآخرين، وأراد بها الجواب عن أثر عمر ﵁ المذكور الذي احتج به هؤلاء فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر. قوله: "على ما يجب في صبي ادعاه رجلان" أراد أن عمر ﵁ حكم في الأثر المذكور بقول الصبي بأن يختار أيهما شاء، كما هو الحكم في الصبي الذي يدعيه اثنان كل واحد يقول: إنه ابنه، فإن الصبي لا يكون إلا لمن أقرّ أنه ابنه، وهاهنا تفصيل: وهو أن الغلام إذا كان في يد إنسان وادعى صاحب اليد أنه ابنه ولدته أمَّه هذه في ملكه، وأقام البينة على ذلك، وادعى خارج أن الغلام ابنه ولدته الأمة في ملكه، وأقام البينة، فإن كان الغلام صغيرًا لا يتكلم يقضى لصاحب اليد لاستوائهما في البينة، فترجح صاحب اليد باليد كما في النكاح، وإن كان كبيرًا يتكلم فقال: أنا ابن الآخر؛ يقضى بالأمة والغلام للخارج؛ لأن الغلام إذا كان كبيرًا يتكلم كان في يد نفسه. فالنسبة التي يدعيها الغلام أولى، وكذلك لو كان الغلام ولد حرة وهما في يد رجل، فأقام صاحب اليد البينة على أنه ولد على فراشه، والغلام يتكلم ويدعي ذلك، وأقام خارج البينة على مثله؛ يقضي بالمرأة والولد للذي هما في يده لما قلنا، وإن كان الذي في يديه من أهل الذمة والمرأة ذمية، فأقام شهودًا مسلمين، يقضى بالمرأة والولد للذي هما في يده؛ لأن شهادة المسلمين حجة مطلقة، وهاهنا مسائل كثيرة طوينا ذكرها. ص: وقد روي عن عمر ﵁ من وجوه صحاح أنه جعله ابن الرجلين جميعًا: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن توبة العنبري،

стр. 7500

عن الشعبي، عن ابن عمر: "أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت، فدعى عمر ﵁ القافة، فقالوا: أخذ الشبه منهما جميعًا، فجعله بينهما". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁، نحوه، قال: فقال لي سعيد، لمن ترى ميراثه؟ قال: هو لآخرهما موتًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا عوف بن أبي جميلة، عن أبي المهلب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في رجل ادعاه رجلان كلاهما يزعم أنه ابنه -وذاك في الجاهلية- فدعى عمر أم الغلام المدعى، فقال: أذكرك بالذكر هداك للإسلام، لأيهما هو؟ فقالت: لا والذي هادني للإسلام ما أدري لأيهما هو؛ أتاني هذا أول الليل، وأتاني هذا آخر الليل، فما أدري لأيهما هو، قال: فدعى عمر ﵁ من القافة أربعة، ودعى ببطحاء فغشوها، فأمر الرجلين المدعيين فوطئ كل واحد منهما بقدم، وأمر المدعى فوطئ بقدم ثم أراها القافة فقال: انظروا فهذا أثبتُّم فلا تتكلموا حتى أسألكم، قال: فنظر القافة فقالوا: قد أثبتنا، ثم فرق بينهم ثم سألهم رجلًا رجلًا قال: فتقادعوا -يعني فتتابعوا- أربعتهم كلهم يشهد أن هذا لَمِنْ هذين، فقال عمر ﵁: يا عجبًا لما يقول هؤلاء، قد كنت أعَلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا، إني لأرى ما يرون، اذهب فهما أبواك". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن رجلين اشتركا في طهر امرأة، فولدت لهما ولدًا، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فدعى لهما ثلاثة من القافة، فدعى بتراب فوطئ فيه الرجلان والغلام، ثم قال لأحدهم: انظر، فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر، ثم قال: أُسِرُّ أم أُعْلِن؟ قال عمر ﵁: بل أَسِرَّ، قال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا، فما أدري لأيهما هو، فأجلسه، ثم قال للآخر: انظر، فنظر

стр. 7501

واستقبل واستعرض واستدبر ثم قال: أُسِرُّ أم أُعْلن؟ قال: لا، بل أَسِرَّ، قال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا فلا أدري لأيهما هو، فأجلسه، ثم أمر الثالث، فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر، ثم قال: أُسِرُّ أم أُعْلن؟ قال: أَعْلِنْ، قال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا فما أدري لأيهما هو، فقال عمر ﵁: إنا نقوف الآثار ثلاثًا بقولها، وكان عمر ﵁، فجعله لهما يرثانه ويرثهما، فقال لي سعيد: أتدري مَنْ عصبته؟ قلت: لا، قال: الباقي منهما". قال أبو جعفر ﵀: فليس يخلو حكمه في هذه الآثار التي ذكرنا من أحد وجهين: إما أن تكون بالدعوى؛ لأن الرجلين ادعيا الصبي وهو في أيديهما، فألحقه بهما بدعواهما. أو يكون فعل ذلك بقول القافة، وكان الذين يحكمون بقول القافة لا يحكمون بقولهم إذا قالوا: هو ابن هذين، فلما كان قولهم كذلك ثبت على قولهم أن يكون قضاء عمر ﵁ بالولد للرجلين كان بغير قول الفاقة، وفي حديث سعيد بن المسيب ما يدل على ذلك؛ وذلك أنه قال: فقال القافة: لا ندري لأيهما هو، فجعله عمر ﵁ ابنهما، والقافة لم يقولوا: هو ابنهما، فدل ذلك أن عمر ﵁ أثبت نسبه من الرجلين بدعواهما ولما لهما عليه من اليد، لا بقول القافة. ش: لما أدعت أهل المقالة الأولى أن عمر بن الخطاب ﵁ حكم بقول القافة عند اشتباه الأنساب، وذكروا في ذلك ما مَرَّ ذكره عن قريب، وأجاب عنه الطحاوي بما أجاب من نفي حكم عمر ﵁ بقول القافة، وأن بقولهم لا يجب ثبوت النسب؛ شرع فذكر هاهنا ما هو شاهد على ذلك، وأنه صح عن عمر ﵁ أنه لم يرجع إلى قول القافة في الصورة المتنازع فيها، بل هو جعل الولد بين المدعيين، وذلك لأن حكم عمر في الآثار المذكورة لم يكن بقول القافة , لأنهم قالوا: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا فما ندري لأيهما هو، ولم يقولوا: هو لهما وأنه ابنهما، ومع هذا كان عمر ﵁ أيضًا قائفًا فلم يلتفت إلى ذلك بل حكم بالنسب بين الرجلين بسبب

стр. 7502

تساويهما في الدعوى، ولأجل أن لهما عليه من اليد، فلم يكن ذلك بقول القافة، ومن الدليل القاطع على ذلك أن أهل المقالة الأولى لا يقولون بالحكم بقول القافة إذا قالوا: هو ابن الاثنين، إذا ادعياه جميعًا. ثم إنه أخرج عن عمر ﵁ من أربع وجوه صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن توبة العنبري البصري، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن حزم (١) ثم طعن فيه لترويج مذهبه، فقال: توبة العنبري ضعيف متفق على ضعفه. قلت: هذا غير صحيح، فإن توبة روى عنه الحفاظ الأجلاء نحو الثوري وشعبة وهشام بن حسان وحماد بن سلمة وغيرهم، ووثقه يحيى بن معين وأبو حاتم، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وقال ابن حزم أيضًا: قول ابن عمر: "جعله بينهما" ليس فيه أنه ألحقه بنسبهما، لكن الظاهر أن معناه: وقفه بينهما حتى يلوح له فيه وجه حكم، ولا يجوز أن يظن بعمر ﵁ غير هذا. قلت: هذا غير صحيح، بل معناه أنه جعله بينهما وألحقه بنسبهما، والدليل عليه ما في رواية سعيد بن المسيب: "وكان عمر ﵁ قائفًا؛ فجعله لهما يرثانه ويرثهما" على ما يأتي إن شاء الله تعالى. والثاني: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث همام، عن قتادة، عن ابن المسيب: "أن رجلين اشتركا في طهر امرأة، فولدت ولدًا، فارتفعوا إلى عمر ﵁، فدعي لهم ثلاثة من القافة فدعوا بتراب فوطأ فيه الرجلان والغلام، ثم قال لأحدهم:

стр. 7503

انظر، فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر وقال: أُسِرُّ أم أُعْلن؟ [قال: بل أَسِرَّ] (١) فقال: لقد أخذ الشبه منهما، فلا أدري لأيهما هو، فقال عمر: إنا نقوف الآثار -ثلاثًا يقولها- وكان عمر ﵁ قائفًا، فجعله لهما يرثانه ويرثهما، فقال سعيد: أتدري من عصبته؟ قلت: لا، قال: الباقي منهما". فإن قيل: قال البيهقي: هذه رواية منقطعة. وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة عن عمر ﵁؛ لأنها مرسلة من طريق سعيد بن المسيب عن عمر، ولم يحفظ سعيد من عمر شيئًا إلا نعي النعمان بن مقرن على المنبر مع أن فيها حكم مع القافة. قلت: الشافعي يحتج بمرسل سعيد بن المسيب في مثل هذه الصورة فما للبيهقي يتبرأ عن هذه الرواية وهي عند إمامه مقبولة؟! وقول ابن حزم مع أن فيها حكم بالقافة غير صحيح، لأنه لو حكم بقول القافة لألحق الولد بأحدهما؛ لأن القافة لم يقولوا: هو ابنهما، وقد مر تحقيق الكلام فيه آنفًا. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن عوف الأعرابي، عن أبي المهلب الجرمي البصري عم أبي قلابة، وقال النسائي: أبو المهلب عمرو بن معاوية، وقال غيره: اسمه معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو، روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح. وأخرج البيهقي (٢) نحوه من حديث مبارك بن فضالة، عن الحسن، وفيه: "وكان عمر ﵁ قائفًا، فقال: قد كانت الكلبة ينزو عليها الكلب الأسود والأصفر والأحمر فتؤدي إلى كل كلب شبهه، ولم أكن أرى هذا في الناس حتى رأيت هذا، فجعله عمر لهما يرثانه ويرثهما وهو للباقي منهما". قوله: "ودعى ببطحاء" البطحاء الحصى الصغار اللين في بطن الوادي. قوله: "فنثرها" من نثرت النثار.

стр. 7504

قوله: "فتقادعوا" قد فسره في الحديث بقوله: "يعني فتتابعوا". قال الجوهري: التقادع: التتابع والتهافت في الشيء، كأن كل واحد منهما يدفع صاحبه لكي يسبقه، وتقادعوا بالرماح تطاعنوا. قلت: مادته: قاف، ودال وعين مهملتان. قوله: "تلقح بالكلاب" وأصله من ألقح الفحل الناقة إلقاحًا ولقاحًا إذا أولدها، كما يقال: أعطى إعطاء وعطاء، والأصل فيه للإبل، ثم استعير للناس وغيرهم. الرابع: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون -شيخ أحمد- عن همام بن يحيى، عن قتادة بن دعامة، عن سعيد بن المسيب. . . . إلى آخره. قوله: "إنا نقوف الآثار" من قاف الأثر يقوفه ويقتافه قيافة، وقد ذكرنا معناه مرة. ص: فإن قال قائل: فإذا كان ذلك كما ذكرت فما كان احتياج عمر ﵁ إلى القافة حين دعاهم؟ قيل له: يحتمل عندنا ذلك -والله أعلم- أن يكون عمر ﵁ وقع بقلبه أن حملًا لا يكون من رجلين ليستحيل إلحاق الولد بمن يعلم أنه لم يلده، فدعى القافة ليعلم منهم: هل يكون ولد يحمل من نطفة رجلين أم لا؟ وقد بين ذلك ما ذكرنا من حديث أبي المهلب، فلما أخبره القافة بأن ذلك قد يكون وأنه غير مستحيل؛ رجع إلى الدعوى التي كانت بين الرجلين فحكم بها، فجعل الولد ابنهما جميعًا يرثهما ويرثانه، فذلك حكم بالدعوى لا بقول القافة. ش: تقرير السؤال أن يقال: إذا كان إثبات عمر ﵁ نسب الولد من الرجلين فيما ذكر بدعواهما لا بقول القافة كما ذكرت، فما كان احتياج عمر إلى القافة حتى طلبهم؟ والجواب ظاهر.

стр. 7505

قوله: "في حديث أبي المهلب" وهو الذي أخرجه عن أبي بكرة، عن سعيد بن عامر، عن عوف عنه. وقد اعترض ابن حزم هاهنا وقال: وما نعرف إلحاق الولد باثنين عن أحد من المتقدمين إلا عن إبراهيم النخعي ولا حجة في أحد دون رسول الله ﵇، والثابت عنه ﵇ يكذب جواز كون ولد من مني أبوين. وهو الذي رويناه من طريق مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: ثنا الأعمش، عن زبد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، حدثنا رسول الله ﷺ : "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروح. . . ." الحديث فصح يقينًا أن ابتداء العدد من حين وقوع النطفة وبلا شك أن الدقيقة التي تقع فيها النطفة في الرحم هي غير الدقيقة التي تقع فيها نطفة الواطئ الثاني فلو جاز أن يجمع الماءين فيصير منهما ولد واحد لكان العد مكذوبًا فيه؛ لأنه إن عد في حين وقوع نطفة الأولى فهو للأول وحده فلو استضاف إليه الثاني لابتداء العدد من وقت حلول المني الثاني فكان يكون في الأربعين يومًا نقص وزيادة بلا شك. قلت: هذا تخبيط ولا يلزم من اجتماع الماءين في رحم المرأة كون العد مكذوبًا فيه؛ لأنه لا شك أن ابتداء العد من حين وقوع النطفة في الرحم، فإذا وقعت نطفة الأول في ساعة مثلًا ووقعت نطفة الثاني عقيب تلك الساعة صار كله ماءً واحدًا فلم يتعلق الخلق بالماء الأول وحده، بل إنما تعلق به العد، وذا لا يضر ولا ينافي أن يكون الولد من ماءين أو أكثر، ولو لم يكن هذا جائزًا لما حكم به عمر ﵁ حيث جعل الولد فيما ذكرنا بين الاثنين، وكذلك على بن أبي طالب ﵁ حكم كذلك، على ما يأتي الآن.

стр. 7506

ص: وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك أيضًا: ما حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن مولى لبني مخزوم قال: "وقع رجلان على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية، فلم يُدر من أيهما هو، فأتيا عمر ﵁ يختصمان في الولد، فقال عمر ﵁: ما أدري كيف أقضي في هذا، فأتيا عليًّا ﵁، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما". فهذا علي ﵁ قد حكم بالولد لمدعييه جميعًا فجعله ابنهما، ولم يَحْتَجْ في ذلك إلى قول القافة، فبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: إسناده فيه مجهول، والباقي ثقات. ويوسف بن عدي شيخ البخاري، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وسماك هو ابن حرب. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن علي ﵁: "أنه أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر واحد، فقال: الولد بينكما، وهو للباقي منكما". ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁. وهذا السند على شرط مسلم، وإليه ذهب الكوفيون، وأكثر أهل العراق، وعمل بذلك أبو ثور فقال: إذا قال القافة: الولد بينهما؛ لحق بهما وورثهما وورثاه. وقال الشافعي: إذا كبر الولد قيل له انتسب إلى أيهما شئت. فهذا الشافعي لم يعمل هاهنا بقول القافة.

стр. 7507

ص: باب: الرجل يبتاع السلعة فيقبضها ثم يموت أو يفلس وثمنها عليه دين [ص] (١): حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد، أنه أخبره أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا هريرة يحدث، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وبشر بن عمر (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالوا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه ستة طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن يحيى ابن سعيد الأنصاري القاضي، عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، عن الإِمام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بن مروان، عن

стр. 7508

أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة، عن أبي هريرة. وهذا الحديث أخرجه الجماعة على ما يأتى: فأخرجه أبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني البصري، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد. . . . إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٢): عن قتيبة، عن ليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم. . . . إلى آخره، وقال: حسن صحيح. الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن ليث، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره نحوه. الرابع: عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٤) عن ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، وعن ابن رمح عن الليث، جميعًا عن يحيى بن سعيد، به. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وبشر بن عمر، كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس بن مالك الأنصاري، عن بَشير -بفتح الباء الموحدة- بن نَهِيك -بفتح النون- السدوسي، عن أبي هريرة.

стр. 7509

وأخرجه مسلم (١) عن أبي موسى، عن غندر وابن مهدي، عن شعبة. وعن زهير، عن ابن علية، عن سعيد. وعن زهير بن حرب، عن معاذ بن هشام، عن أبيه. كلهم عن قتادة، عن النضر، عن بَشير بن نَهيك بهذا. السادس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن النضر، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٢) عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. . . . إلى آخره. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا اشترى عبدًا بثمن، وقبض العبدَ ولم يدفع ثمنه، فأفلس المشتري وعليه دين والعبد قائم في يده بعينه؛ أن بائعه أحق به من غيره من غرماء المشتري، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وطاوسًا وعامرًا الشعبي والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وداود؛ فإنهم [قالوا] (٣): صاحب السلعة أحق بها في هذه الصورة. وإليه ذهب أهل الظاهر أيضًا. وقال أبو عمر (٤): حديث التفليس هذا من رواية الحجازيين والبصريين حديث صحيح عند أهل النقل ثابت، وأجمع فقهاء الحجاز وأهل الأثر على القول بجملته وإن اختلفوا في أشياء من فروعه.

стр. 7510

ثم قال: واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبي غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك: ذلك لهم، وليس لصاحبها أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال، قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة، فالغرماء أبعد من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء. لأنه ﵇ جعل صاحبها أحق بها منهم. وبه قال أبو ثور وأحمد وجماعة. واختلف مالك والشافعي أيضًا إذا اقتضي صاحب السلعة من ثمنها شيئًا، فقال ابن وهب وغيره، عن مالك: إن أحب صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن ويقبض سلعته كان ذلك له. وقال الشافعي: لو كانت السلعة عبدًا فأخذ نصف ثمنه ثم أفلس الغريم كان له نصف العبد، لأنه بعينه وبيع النصف الثاني الذي بقي للغرماء، ولا يرد شيئًا مما أخذ؛ لأنه مستوف لما أخذ. وبه قال أحمد. واختلف مالك والشافعي في المفلس يموت قبل الحكم عليه وقبل توقيفه، فقال مالك: ليس حكم المفلس كحكم الميت، وبائع السلعة إذا وجدها بعينها أسوة للغرماء في الموت، بخلاف التفليس. وبه قال أحمد. انتهى. وقال ابن حزم: قال قتادة: من وجد بعض سلعته -قل أو كثر- فهو أحق بها من سائر الغرماء في التفليس في الحياة، وأما بعد الموت فهو أسوة الغرماء فيها. وقال الشافعي: إن وجدها أو بعضها فهو أحق بها -أو بالذي وجد منها- من الغرماء -ولم يخص حياة من موت- قال: فإن كان قبض من الثمن شيئًا فهو أحق بما بقي له فقط.

стр. 7511

وقال أحمد: هو أحق بها في الحياة وأما في الموت فهو أسوة الغرماء. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بائع العبد وسائر الغرماء فيه سواء؛ لأن ملكه قد زال عن العبد، وخرج من ضمانه، فإنما هو في مطالبته غريم من غرماء المطلوب، يطالبه بدين في ذمته لا وثيقة في يديه به، فهو وهم في جميع ماله سواء. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي -في رواية- ووكيع بن الجراح وعبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر ﵏؛ فإنهم قالوا: بائع السلعة أسوة الغرماء. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. وروى وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال: "هو فيهما أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها، إذا مات الرجل وعليه دين وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها، فهو أسوة الغرماء. قال ابن حزم: وهو قول إبراهيم النخعي والحسن. وقال الشعبي: من أعطى إنسانًا مالًا مضاربة، فمات فوجد كسبه بعينه؛ فهو والغرماء فيه سواء. وصح عن عمر بن عبد العزيز أن من أقبض من ثمن سلعة شيئًا ثم أفلس، فهو أسوة الغرماء وهو قول الزهري. ص: وكان من حجتهم على أهل المقالة الأولى على فساد ما ذهبوا إليه واحتجوا به لقوهم من حديث أبي هريرة الذي ذكرنا: أن الذي في ذلك الحديث "فأصاب رجل ماله بعينه"، والمبيع ليس هو عين ماله وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على الغصوب والعواري والودائع وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وفي ذلك جاء هذا الحديث عن رسول الله ﵇ وإنما يكون هذا الحديث حجة لأهل المقالة الأولى لو كان: "فأصاب رجل عين مال قد كان له، فباعه من الذي وجده في يده ولم يقبض منه ثمنه فهو أحق به من سائر الغرماء" فهذا الذي

стр. 7512

يكون حجة لهم لو كان لفظ الحديث كذلك , فأما إذا كان على ما روينا في الحديث؛ فلا حجة لهم في ذلك، وهو على الودائع والغصوب والعواري والرهون أموال الطالبين في وقت المطالبة بها وذلك كما جاء عن رسول الله ﵇ في حديث سمرة ﵁، فإنه حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن سعيد بن زيد بن عقبة، عن أبيه، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "ومن سرق له متاع -أو ضاع له متاع- فوجده في يد رجل بعينه، فهو أحق بعينه، ويرجع المشتري على البائع بالثمن". ش: أي: وكان من حُجَّة هؤلاء الآخرين، وأراد بها الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من حديث أبي هريرة المذكور، وبيانه أن يقال: استدلالهم به لما ذهبوا إليه فاسد؛ وذلك لأن المذكور في الحديث "فأصاب رجل ماله بعينه". والمبيع ليس هو عين ماله؛ لأنه خرج عن ملكه بالعقد وملكه المشتري فكأن العين قد تبدلت بتبدل الملك الوارد عليها، نعم قد كان ذلك عين ماله قبل ورود العقد عليه. وقوله: "ماله بعينه" إنما يقع على الغصوب والعواري والودائع ونحوها؛ لقيام ملكه فيها، والحديث إنما يكون حجة لهؤلاء لو كان رجل أصاب غير ماله الذي قد كان له، فباعه من الرجل الذي وجده في يده، والحال أنه لم يقبض منه ثمنه، فهو أحق به من سائر الغرماء، فلو كان لفظ الحديث هكذا كان يكون حجة لهم، فأما إذا كان على اللفظ الذي روي فيما مضى، فليس لهم فيه حجة، وإنما هو على الغصوب والودائع والرهون ونحوها، والدليل على ذلك ما روى عن سمرة بن جندب. أخرجه عن محمَّد بن عمرو بن يونس الثعلبي السوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن الحجاج بن أرطاة النخعي فيه مقال، عن سعيد بن زيد الفزاري الكوفي وثقه ابن حبان، عن أبيه زيد بن عقبة الفزاري الكوفي -أخي حصين بن عقبة، وثقه العجلي والنسائي وروى له وأبو داود والترمذي أيضًا.

стр. 7513

وأخرجه الطبراني (١): نا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح). وحدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن سعيد بن زيد. . . . إلى آخره نحوه. فهذا يبين أن المراد من حديث أبي هريرة أنه على الودائع والعواري ونحوهما، وأن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في يد رجل بعينه، وليس للغرماء فيه نصيب، لأنه باق على ملكه ولم يخرج؛ لأن يد الغاصب يد التعدي والظلم، وكذلك يد السارق، بخلاف ما إذا باعه وسلمه إلى المشتري، فإنه يخرج عن ملكه وإن لم يقبض الثمن. ص: فقال أهل المقالة الأول: لو كان الحديث على ما ذكرتم من التأويل الذي وصفتم؛ إذا لما كان بنا إلى ذكر النبي ﵇ ذلك من حاجة؛ لأن هذا تعلمه العامة فضلًا عن الخاصة، فالكلام بذلك فضل وليس من صفته ﵇ الكلام بالفضل ولا الكلام بما لا فائدة فيه، فكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: أن ذلك ليس بفضل بل هو كلام صحيح وفيه فائدة؛ وذلك أنه أعلمهم أن الرجل إذا أفلس فوجب أن يقسم جميع ما في يده بين غرمائه، فثبت ملك رجل لبعض ما في يده؛ أنه أولى بذلك، وإذا كان الذي ذلك في يده قد ملكه وغَرَّ فيه؛ فلا يجب له فيه حكم إذ كان مغرورًا؛ فعلمهم بهذا الحديث ما علمهم بحديث سمرة ﵁، وبقي أن يكون المغرور الذي يُشكِل حكمه عند العامة يستحق بذلك المغرور شيئًا، فهذا وجهٌ لهذا الحديث صحيح. ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى على ما ذكره أهل المقالة الثانية من التأويل المذكور في حديث أبي هريرة، وهو ظاهر، وأجاب عن ذلك بقوله: فكان من الحجة للآخرين عليهم -أي على أهل المقالة الأولى وهو ظاهر. قوله: "أنه أعلمهم" أي أن رسول الله ﵇ أعلم أمته.

стр. 7514

قوله: "أنه أولى" جملة وقعت خبرًا في قوله: "أن الرجل". قوله: "إذْ كان" "إذْ" هاهنا للتعليل. قوله: "صحيح" مرفوع؛ لأنه صفة لقوله: "فهذا وجه". ص: فقال أهل المقالة الأولى: فقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه بألفاظ غير ألفاظ الحديث الأول، فذكروا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﵇ قضى بالسلعة يبتاعها الرجل فيفلس وهي عنده بعينها , ولم يقبض البائع من ثمنها شيئًا أن ترد إلى صاحبها، فإن كان صاحبها قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء، قال أبو بكر: وقضى رسول الله ﵇ أنه من توفي وعنده سلعة رجل بعينه لم يقبض من ثمنها شيئًا؛ فصاحب السلعة أسوة الغرماء". قالوا: فقد بان بهذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما أراد في الحديث الأول الباعة لا غيرهم. ش: هذا منع من جهة أهل المقالة الأولى لما قاله أهل المقالة الثانية من التأويل المذكور في حديث أبي هريرة، وذلك أنهم قالوا: إن حديث أبي هريرة محمول على الودائع والعواري والغصوب ونحوها، وجه المنع أن يقال: إن ما ذكرتم من ذلك يبطله ما روي عنه ﵇: "أنه قضي بالسلعة يبتاعها الرجل. . . ." الحديث فإنه قد بَيَّن أن المراد في حديث أبي هريرة هو الباعة لا غيرهم، وهو جمع بائع، كالجاكة جمع جائك. وهو ما أخرجه بإسناد مرسل: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمَّد، والصحيح أن اسمه وكنيته سواء.

стр. 7515

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) وفي "الخلافيات": أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد ابن الحسن العدل، أنا أبو بكر بن جعفر، نا محمَّد بن إبراهيم، نا بكير، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله ﵇ قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه منه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به من غيره، وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء". وقال ابن حزم (٢): وأما من فرق بين الموت والحياة وبين أن يدفع من الثمن شيئًا أو لا يدفع منه شيئًا فإنهم احتجوا بآثار مرسلة، منها طريق مالك ويونس بن عبيد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن رسول الله ﵇. وعن عمر بن عبد العزيز، أن رسول الله ﵇. وإسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، أن رسول الله ﵇. ومسند من طريق إسماعيل بن عياش وبقية، كلاهما عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇[وبقية وإسماعيل ضعيفان. وآخر من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جوتي عن عبد الرزاق، عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇] (٣) قال: "أيما رجلٌ باع رجلًا متاعًا، فأفلس المبتاع ولم يقبض الذي باع من الثمن شيئًا، فإن وجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها، وإن مات المشترى فهو أسوة الغرماء" فإن إسحاق بن إبراهيم بن جوتي مجهول وهذا غير معروف من حديث مالك. وخبر آخر من طريق عبد الرزاق، عن وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثل حديث الزهري،

стр. 7516

هكذا لم يذكر متنه ولا لفظه، ثم هو منقطع , لأن قتادة لم يسمعه من بَشير بن نَهيك إنما سمعه من النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، هكذا رويناه من طريق شعبة وسعيد بن أبي عروبة والدستوائي كلهم عن قتادة، مثل قولنا. ثم لو صحت هذه الآثار لكانت مخالفة لقول مالك والشافعي؛ لأن في جميعها الفرق بين الموت والحياة، والشافعي لا يفرق بينهما، وفي جميعها الفرق بين أن يكون قبض من الثمن شيئًا وبين أن لا يكون قبض، ومالك لا يفرق بينهما؛ فحصل قولهما مخالفًا لكل الآثار. ص: فكان من الحجة عليهم: أن هذا الحديث منقطع لا يقوم بمثله حجة، فإن قالوا: إنما قبلناه وإن كان منقطعًا؛ لأنه بين ما أشكل في الحديث المتصل. قيل لهم: قد كان ينبغي لكم لما اضطرب حديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا فرواه عنه الزهري كما ذكرنا آخرًا، ورواه عنه عمر بن عبد العزيز على ما وصفنا أولًا، أن ترجعوا إلى حديث غيره وهو بَشير بن نَهيك فتجعلونه أصل حديث أبي هريرة، وتسقطون ما خالفه، فإذا فعلتم ذلك عادت الحجة الأولى عليكم، وإن لم تفعلوا ذلك كان لخصمكم أيضًا أن يقول: هذا الحديث الذي رواه الزهري عن أبي بكر ففرق فيه بين حكم التفليس والموت هو غير الحديث الأول، فيكون الحديث الأول عنده مستعملًا من حيث تأوله ويكون هذا الحديث الثاني حديثًا منقطعًا شاذًّا لا تقوم بمثله حجة، فيجب لذلك ترك استعماله، فهذا الذي ذكرنا هو وجه الكلام في الآثار المروية في هذا الباب. ش: أي: فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما قالوه من قولهم: "فقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. وقد ذكرنا ما قاله ابن حزم آنفًا.

стр. 7517

ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الرجل إذا باع من رجل شيئًا، كان له أن يحبسه حتى ينقده الثمن، وإن مات المشتري وعليه دين فالبائع أحق بذلك الشيء من سائر الغرماء، وإن دفعه إلى المشترى ثم مات وعليه دين فالبائع أسوة الغرماء، فكان البائع متى كان محتبسًا لما باع حتى مات المشترى كان أولى به من سائر غرماء المشتري، ومتى دفعه إلى المشتري وقبضه منه فمات، فهو وسائر غرماء المشتري فيه سواء، فكان الذي يوجب له الانفراد بثمنه دون الغرماء إنما هو بقاؤه في يده، فلما كان ما وصفنا كذلك؛ كان كذلك إفلاس المشترى إن كان العبد في يد البائع أولى به من سائر غرماء المشتري، وإن كان قد أخرجه من يده إلى المشتري؛ فهو وسائر غرمائه فيه سواء، فهذه حجة صحيحة. ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: فإنا رأينا. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "فهذه" إشارة إلى ما ذكره من وجه القياس، والتأنيث باعتبار الحجة. ص: وحجة أخرى: أَنَّا رأيناه إذا لم يقبضه المشتري وقد بقي للبائع كل الثمن أو نقده بعض الثمن وبقيت له عليه طائفة منه؛ أنه أولى بالعبد حتى يستوفي ما بقي له من الثمن، فكان ببقائه في يده أولى به إذا كان له كل الثمن أو بعض الثمن، ولم يفرق بين شىء من ذلك، بل جعل حكمه حكمًا واحدًا، فلما كان ذلك كذلك، وأجمعوا أن المشتري إذا قبض العبد ونقد البائع من ثمنه طائفة ثم أفلس المشتري؛ أن البائع لا يكون بتلك الطائفة الباقية له أحق بالعبد من سائر الغرماء، بل هو وهم فيه سواء، وكذلك إذا بقي له ثمنه كله حتى أفلس، فلا يكون بذلك أحق بالعبد من سائر الغرماء، ويكون هو وهم فيه سواء، فيستوى حكمه إذا بقي له كل الثمن على المشتري أو بعض الثمن حتى أفلس المشتري، كما استوى بقاؤهما جميعًا له عليه حتى كان الموت الذي أجمعوا فيه على ما ذكرنا؛ فثبت بالنظر ما ذكرنا من ذلك. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.

стр. 7518

ش: أراد بها وجهًا آخر في القياس الصحيح وهو أيضًا ظاهر. قوله: "رأيناه" أي المباع. قوله: "طائفة منه" أي من الثمن، وأراد بالطائفة بعض الثمن؛ لأن الطائفة من الشيء هي قطعة منه. قوله: "بل هو وَهُمْ" أي الغرماء. ص: وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم. وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن أشعث مولى آل حمران، عن الحسن قال: "هو أسوة الغرماء". ش: هذان أثران ذكرهما شاهدًا لصحة القياس المذكور: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن شعبة، عن المغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي. الثاني: عن سليمان أيضًا، عن عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن أشعث بن عبد الملك الحمراني -وهو حمران مولى عثمان بن عفان، وثقه النسائي وغيره. قوله: "هو أسوة الغرماء" أي صاحب السلعة أسوة لغرماء المشتري الذي أفلس أو مات وعليه دين، والأسوة بالكسر والضم لغتان، والمعنى هاهنا: مُساوٍ للغرماء، ومادته: (ألف، وسين، وياء) فافهم.

стр. 7519

ص: باب: شهادة البدوي هل تقبل على القروي ش: أي: هذا باب في بيان شهادة أهل البادية هل تقبل على أهل القري؟ و"البدوي" من سكن في البادية، وهو نسبة إلى البدو لا إلى البادية؛ لأن النسبة إلى البادية بادوي، والنسبة إلى البدو بدوي، والبدو والبادية واحد. و"القروي" نسبة إلى القرية. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد ويحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي". ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح. وابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني. وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن سعيد الهمداني، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد، عن ابن الهاد، عن محمَّد بن عمرو، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية". وأخرجه ابن ماجه (٢): عن حرملة، عن ابن وهب، عن نافع بن يزيد، عن ابن الهاد. . . . إلى آخره نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الشهادة من أهل البادية غير مقبولة على أهل الحضر، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن يسار ومالك بن أنس وطائفة من المحدثين، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر هذا الحديث، وقالوا: لا تجوز شهادة البدوي على أهل المدينة والقرى والريف.

стр. 7520

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما ما كان من أهل البادية ممن يجيب إذا دعي وفيه من أسباب العدالة ما في أهل العدالة من أهل الحضر؛ فشهادته مقبولة، وهو كأهل الحضر، ومن كان منهم لا يجيب إذا دعي، فلا تقبل شهادته. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: البدوي إذا كان عدلًا ظاهر العدالة وممن يجيب إذا دعي؛ تقبل شهادته، وإن كان من أهل الجفاء والغلظ غير ظاهر العدالة ولا يجيب إذا دعي؛ فإنه لا تقبل شهادته. وقال الخطابي: إنما قال ﵇: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي" لما في أهل البادية من الجفاء في الدين ومن الجهالة بأحكام الشريعة، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها , ولا يقيمونها على حقها؛ لقصور علمهم عما يحيلها ويُغَيرِّها عن جهتها، وأما إذا كان عدلًا يقيم الشهادة على وجهها فإن شهادته جائزة، وهو قول عامة أهل العلم. وقال أيضًا: والذي يُشهِد بدويًا ويدع جيرته من أهل الحضر؛ عندي مريب. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في تبيان ذلك ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: "قدمت أم سنبلة الأسلمية ومعها وطب من لبن تهديه لرسول الله ﵇، فوضعته عنده ومعها قدح لها، فدخل النبي ﵇ فقال: مرحبًا وأهلأ يا أم سنبلة فقالت: بأبي أنت وأمي، أهديت لك هذا الوطب من لبن، قال: بارك الله عليك صُبِّي في هذا القدح، فصبت له في القدح، فلما أخذه قلتُ: قد قلتَ لا أقبل هدية من أعرابي! فقال: أأعراب أسلم يا عائشة؟ إنهم ليسوا بأعراب ولكنهم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، إذا دعوناهم أجابونا وإذا دعونا أجبناهم، ثم شرب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 7521

حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الله بن دينار، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ بنحوه، وزاد في آخره: "فليسوا بالأعراب". فأخبر رسول الله ﵇ أن من كان من أهل البادية ممن يجيب إذا دعي فهو كالحضري، وأن الأعراب المذمومين الذين لا تقبل هداياهم خلاف هؤلاء، وهم الذين لا يجيبون إذا دعوا، فمن كان كذلك لم تقبل شهادته وهم الذين عناهم رسول الله ﵇ في حديث أبي هريرة الذي ذكرنا فيما نرى والله أعلم. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في بيان المراد من قوله: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي" وهو حديث عائشة ﵂، فإنه ﵇ أخبر فيه أن من كان من أهل البادية ممن يجيب إذا دعي فهو كالحضري، فمن كان كذلك فشهادته تقبل على الحضري وغيره، ومن كان بخلاف ذلك فلا تقبل. وأخرجه من ثلاث صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن محمَّد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان المدني، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): نا عقبة بن مكرم، نا يونس، نا محمَّد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا أقبل هدية من أعرابي، فجاءته أم سنبلة الأسلمية بوطب لبن أهدته له، فقال: أفرغي منه في هذا الثعب فأفرغت، فتناوله فشرب، وقلت: ألم تقل: لا أقبل هدية من أعرابي فقال: إن أعراب أسلم ليسوا بأعراب، ولكنهم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، إن دعونا أجبناهم وإن دعوناهم أجابوا".

стр. 7522

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن يونس بن بكير الشيباني، عن محمَّد بن إسحاق. . . . إلى آخره. الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو المدني، عن عبد الله بن نِيَار بكسر النون بعدها الياء آخر الحروف المخففة وفي آخره راء. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن غيلان، نا المفضل، حدثني يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن عبد الله بن نِيَار الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أهدت أم سنبلة لرسول الله ﵇ لبنًا فلم تجده، فقالت لها: إن رسول الله ﵇ قد نهي أن يؤكل من طعام الأعراب، فدخل رسول الله ﵇ وأبو بكر فقال: ما هذا معك يا أم سنبلة؟ قالت: لبن أهديته لك يا رسول الله، قال: اسكبي أم سنبلة، فسكبت، فقال: ناولي أبا بكر ففعلت، فقال: اسكبي أم سنبلة فسكبت، فناولي عائشة فناولتها فشربت، ثم قال: اسكبي أم سنبلة فسكبت فناولته رسول الله ﵇ فشرب، قالت عائشة: ورسول الله ﵇ يشرب من لبن أسلم وأبردها على الكبد يا رسول الله؛ قد كنت حدثت أنك قد نهيت عن طعام الأعراب؟! فقال: يا عائشة: إنهم ليسوا بأعراب، وهم أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دُعوا أجابوا فليسوا بالأعراب". قوله: "وطب" بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفي آخره باء موحدة، وهو الزق الذي يكون فيه السمن واللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه، وجمعه أوطاب ووطاب. قوله: "أأعرابٌ أسلم؟ " أراد أن أسلم ليسوا بأعراب، والهمزة الأولى فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، والثانية همزة الجمع، وأسلم -بفتح اللام-

стр. 7523

ابن أقصى، وهو خزاعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ومنهم سلمة بن الأكوع. وفي مذحج أسلم أيضًا حيّ باليمن، وهو أسلم بن أوس الله بن سعد العشيرة بن مذحج. وفي عيلة أسلم، بطن، وهو أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهّم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن عيلة ذكره ابن الكلبي. وأما الأعراب فقال الجوهري: هم سكان البادية خاصة، والنسبة إلى الأعراب أعرابي، لأنه لا واحد له من لفظه، وليس الأعراب جمعًا لعرب كما أن الأنباط جمع لنبط، وإنما العرب اسم جنس. ومعنى قوله ﵇: "أسلم ليسوا بأعراب" وإن كانوا من سكان البادية؛ لأنهم كالحضر في أحكام الدين وأحكام الشريعة والمعاملات مع الناس، وليسوا كغيرهم من سكان البادية في الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة، وعدم الضبط في الأمور. قوله: "باديتنا" البادية خلاف الحاضرة، والبادي خلاف الحاضر، والحاضرة: هي المدن والقرى والريف، يقال: فلان من أهل البادية وفلان من أهل الحاضرة. قوله: "عناهم" أي قصدهم، وأراد بحديث أبي هريرة: الذي احتجت به أهل المقالة الأولى (١).

стр. 7524

نُخَب الأَفْكَارِ فِي تَنقِيحِ مَبَانِي الأَخَبار فِي شَرْح مَعَاني الآثارِ تَألِيفُ الإِمَام بَدْر الدّيِن العَيْنِيِّ مَحَمُود بنِ أحمَد بنِ مُوسَى العَينتَابيِّ الحَلَبِيِّ ثُمَ القَاهِرِيِّ الحَنَفِيِّ المولود سنه ٧٦٢هـ والمتوفى سنة ٨٧٥هـ رَحِمَهُ الله تَعَالى المُجَلَّدُ الخَامِسَ عَشَرَ حَقّقهُ وَضَبَطَ نَصَّهُ أَبُو تَمِيم يَاسر بن إِبرَاهِيم إصدارات وَزَارَةِ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوْن الإِسلاَمِيّةُ إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسلاَمِيَةِ -دَولةِ قَطَر

стр. 7525

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7526

نُخب الأَفكَارِ

стр. 7527

حُقُوق الطَّبع محَفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دوله قطر الطَبَعة الأولى / ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨م قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة دَارُ النَّوادِر لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّيْن طَالِب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 7528

(١) كل مسكين مدّ بيضاء". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني سفيان الثوري، عن داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا كفر يمينه فأطعم عشرة مساكين بالمد الأصفر، وقال: إن ذلك يجزئ عنه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالك أخبره، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: "من حلف بيمين فوكدَّها ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف على يمين فلم يوكدها ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مُدّ من حنطة".

стр. 7529

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "يُجزئ في كفارة اليمين مدُّ حنطة لكل مسكين". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني الخليل بن مرة، أن يحيى بن أبي كثير حدثه. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: أي قال هؤلاء القوم: قد ذهب جماعة من الصحابة إلى ما قلنا من أن الكفارة في اليمين هو مدٌّ لكل مسكين، وأخرج في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵃. أما عن ابن عباس فأخرجه من طريقين ثانيهما صحيح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد القاري المدني، عن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن أبي جعفر مولى ابن عباس ﵄ (١). الثاني: عن يونس أيضًا. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل وابن إدريس، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "في كفارة اليمين: مدٌّ ربعه إدامه". وأما عن ابن عمر: فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدّ من حنطة".

стр. 7530

الثاني: عن يونس أيضًا. . . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). وأما زيد بن ثابت فأخرجه أيضًا من طريقين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير. . . . إلى آخره. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن الخليل بن مرة البصري، قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: ليس بالقوي عند أصحاب الحديث. وقال أبو زرعة: شيخ صالح. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجزئ في الإطعام في كفارة الأيمان إلا مدين مدين لكل مسكين، ويجزئ من التمر صاع كامل، وكذلك الشعير. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، وعامرًا الشعبي، والثوري، وإبراهيم النخعي، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: لا يجوز في الإطعام في كفارة اليمين إلا نصف صاع لكل مسكين، وهو من الحنطة مدَّان؛ لأن الصاع أربعة أمداد، ومن التمر والشعير صاع كامل، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعائشة أم المؤمنين ﵂، وهو رواية عن سعيد بن المسيب وقتادة.
следующие страницы →