حُقُوق الطَّبع محَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دوله قطر
الطَبَعة الأولى / ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨م
قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة
دَارُ النَّوادِر لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّيْن طَالِب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 7528
(١) كل مسكين مدّ بيضاء".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني سفيان الثوري، عن داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا كفر يمينه فأطعم عشرة مساكين بالمد الأصفر، وقال: إن ذلك يجزئ عنه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالك أخبره، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: "من حلف بيمين فوكدَّها ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف على يمين فلم يوكدها ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مُدّ من حنطة".
стр. 7529
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "يُجزئ في كفارة اليمين مدُّ حنطة لكل مسكين".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني الخليل بن مرة، أن يحيى بن أبي كثير حدثه. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: أي قال هؤلاء القوم: قد ذهب جماعة من الصحابة إلى ما قلنا من أن الكفارة في اليمين هو مدٌّ لكل مسكين، وأخرج في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵃.
أما عن ابن عباس فأخرجه من طريقين ثانيهما صحيح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد القاري المدني، عن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن أبي جعفر مولى ابن عباس ﵄ (١).
الثاني: عن يونس أيضًا. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل وابن إدريس، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "في كفارة اليمين: مدٌّ ربعه إدامه".
وأما عن ابن عمر: فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدّ من حنطة".
стр. 7530
الثاني: عن يونس أيضًا. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وأما زيد بن ثابت فأخرجه أيضًا من طريقين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير. . . . إلى آخره.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن الخليل بن مرة البصري، قال البخاري: منكر الحديث.
وقال الترمذي: ليس بالقوي عند أصحاب الحديث.
وقال أبو زرعة: شيخ صالح.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجزئ في الإطعام في كفارة الأيمان إلا مدين مدين لكل مسكين، ويجزئ من التمر صاع كامل، وكذلك الشعير.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، وعامرًا الشعبي، والثوري، وإبراهيم النخعي، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: لا يجوز في الإطعام في كفارة اليمين إلا نصف صاع لكل مسكين، وهو من الحنطة مدَّان؛ لأن الصاع أربعة أمداد، ومن التمر والشعير صاع كامل، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعائشة أم المؤمنين ﵂، وهو رواية عن سعيد بن المسيب وقتادة.
стр. 7531
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على أهل المقالة الأولى: أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ لما علم حاجته أعطاه ما أعطاه من التمر؛ ليستعين به فيما وجب عليه، لا على أنه جميع ما وجب عليه، كالرجل يشكو إليه ضعف حاله وما عليه من الدين، فيقول: خذ هذه العشرة الدراهم فاقض بها دينك، ليس على أنها تكون قضاء عن جميع دينه، ولكن على أن تكون قضاء بمقدارها من دينه.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عن الحديث استدلوا به لما ذهبوا إليه وهو ظاهر.
ص: وقد رُوِيَ عن النبي ﵇ مقدارٌ ما يجب من الطعام في كفارة من الكفارات وهي ما تجب في حلق الرأس في الإحرام من أذى، فجعل ذلك مُدّين من حنطة لكل مسكين.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعتُ عبد الله بن مَعْقل يقول: "قعدتُ إلى كعب بن عجرة في المسجد، فسألته عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فقال: فيّ أُنزلت، حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أُرى أن الجهد بلغ بك هذا، أَوَ بَلَغَ بك ما أرى؟ فنزلت فيّ خاصّة، ولكم عامّة، فأمرني أن أحلق رأسي، وأن أنسك نسيكة، أو أصوم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع من حنطة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن مَعْقل، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال: "وأطعم فرقًا في ستة مساكين".
стр. 7532
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا وُهَيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبيّ، قال: حدثني كعب بن عجرة، مثله، غير أنه قال: "كل مسكين نصف صاع من تمر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عُمر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه لم يذكر التمر.
حدثنا أبو شريح محمد بن زكرياء، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان الثوري (ح).
وحدثنا نصر، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا وُهَيْب، قالا جميعًا: عن أيوب، عن مجاهد: فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا إسماعيل بن يحيى، المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: أنا مالك بن أنس، عن حميد بن قيْس، عن مجاهد، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن يحيى بن جَعْدة، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن نافع، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﵇ مثله.
وزاد: "وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن كعب بن عجرة،
стр. 7533
عن النبي ﵇ مثله، غير أنه لم يذكر الزيادة التي فيها على ما في الأحاديث التي قبله فكان الذي أمر به النبي ﵇ من الإطعام في هذه الآثار مع تواترها نصف صاع من حنطة لكل مسكين، فَأُجْمِع على العمل بذلك في كفارة حلق الرأس.
وجاء عنه في إطعام المساكين في الظهار من التمر:
حدثنا فهد، قال: ثنا فروة [بن أبي المغراء] (١) قال: ثنا يحيى بن أبي زكرياء، عن محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أخي عبادة بن الصامت: "أن رسول الله ﵇ أعان زوجها حين ظاهر منها بعرق من تمر، وأعانته هي بعرق آخر، وذلك ستون، وقال رسول الله ﵇: تصدق به. وقال: اتقي الله وارجعي إلى زوجك".
فالنظر على ما ذكرنا أن يكون كذلك إطعام كل مسكين في كل الكفارات؛ من الحنطة نصف صاع ومن التمر صاع.
ش: لما كانت الكفارة في حلق الرأس في الإحرام هي الإطعام من المقدار المعين على ما في هذه الأحاديث، وهي نصف صاع من الحنطة لكل مسكين؛ ذكر هذه الأحاديث ليقيس عليها إطعام كل مسكين في كل الكفارات، وهو أن يكون من الحنطة نصف صاع، ومن التمر صاع، ثم لا خلاف أن الإطعام في كفارة حلق الرأس في الإحرام نصف صاع.
قال أبو عمر: قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: الإطعام في ذلك مُدَّان بمُدِّ النبي ﵇.
وهو قول أبي ثور وداود.
ورُوِيَ عن الثوري أنه قال في الفدية: من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع.
стр. 7534
ورُوِيَ عن أبي حنيفة: نصف صاع بُرّ عدل صاع تمر.
وقال أحمد بن حنبل: مرة كما قال مالك والشافعي ومرة قال: إن أطعم برًّا فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمرًا فنصف صاع.
ثم إنه أخرج حديث كعب بن عجرة ﵁ من اثني عشر طريقًا، كلها صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني الكوفي، عن عبد الله بن مَعْقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- بن مقرن المزني الكوفي، عن كعب بن عجرة.
وأخرجه البخاري (١): عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن مَعْقِل. . . . إلى آخره نحوه.
ورواه (٢) أيضًا: عن آدم، عن شعبة.
وأخرجه مسلم (٣): عن أبي موسى وبندار، [عن محمد بن جعفر] (٤) عن شعبة، عن ابن الأصبهاني. . . . إلى آخره.
ورواه (٥) أيضًا: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن زكرياء ابن أبي زائدة، عن ابن الأصبهاني. . . . إلى آخره نحوه.
والنسائي (٦): عن ابن المثنى وابن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني.
стр. 7535
وابن ماجه (١): عن ابن بشار ومحمد بن الوليد، عن غندر، عن شعبة، به.
الثاني: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني. . . . إلى آخره.
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب بن ناصح الحارثي، عن وُهِيْب ابن خالد، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عامر الشعبي.
وأخرجه أبو داود (٢): عن ابن مثنى، عن الثقفي.
وعن نصر بن علي، عن يزيد بن زريع، جميعًا عن داود، عن عامر، به.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وأخرجه الترمذي (٣): عن علي بن حُجْر، عن هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن. . . . نحوه.
الخامس: عن أبي شريح محمد بن زكريا بن يحيى القضاعي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب.
وأخرجه النسائي (٤): عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن. . . . نحوه.
السادس: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب بن ناصح، عن وهيب بن خالد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
стр. 7536
وأخرجه مسلم (١): عن عُبيد الله القواريري وأبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نحوه.
السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله ابن عمرو الرقّي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب.
وأخرجه مسلم (٢): عن ابن أبي عمر، عن ابن عُيَيْنة، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن.
الثامن: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن، عن كعب.
وأخرجه الطيالسي (٣) في "مسنده".
التاسع: عن المزني، عن الشافعي، عن مالك. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).
والشافعي في "مسنده".
العاشر: عن يزيد بن سنان، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار المكي، عن يحيى ابن جَعْدة، عن كعب.
وأخرجه الطبراني (٥) في "معجمه": نا عبدان بن أحمد، نا محمد بن يحيى القطيعي، نا محمد بن بكر البرساني، ثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن
стр. 7537
يحيى بن جعدة، عن كعب بن عجرة: "أن النبي ﵇ أمر كعب بن عجرة أن يحلق رأسه من القمل، قال: صُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين، أو اذبح".
الحادي عشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عبد الله بن نافع، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب، عن كعب بن عجرة، قال: "أمرني رسول الله ﵇ حين آذاني القمل. . . ." الحديث.
الثاني عشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك (٢) في "موطإه".
قوله: "حُمِلْت إلى رسول الله ﵇" على صيغة المجهول.
قوله: "والقمل يتناثر" جملة حالية.
قوله: "ما كنت أُرى" بضم الهمزة أي أظن.
قوله: "أن الجَهْد بلغ بك" بفتح الجيم وهو الشقة، وبالضم الوسع والطاقة.
قوله: "وأن أنسك" أي وأن اذبح، من نَسَكَ يَنْسُكُ -من باب نَصَرَ يَنْصُرُ- نسكًا إذا ذبح، والنسيكة الذبيحة، وجمعها نُسُك.
قوله: "فَرَقا" بفتح الفاء والراء وفي آخره قاف، وهو مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثني عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل الفرق: خمسة أقساط، والقِسْط نصف صاع، فأما الفرْق بسكون الراء، فمائة وعشرون رطلًا.
стр. 7538
قوله "وجاء عنه" أي عن النبي ﵇، ذكره شاهدًا لما قبله.
وأخرجه عن فهد بن سليمان، عن فروة بن أبي المغراء الكندي شيخ البخاري، واسم أبي المغراء معد كرب، وهو يروي عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة.
قال الذهبي: لا يُدْرى من هو.
عن يوسف بن عبد الله بن سلّام بن الحارث الإسرائيلي أبي يعقوب المدني حليف الأنصار، أجلسه رسول الله ﵇ في حجره ووضع يده على رأسه وسماه يوسف، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: رأى النبي ﵇ وليست له صحبة.
وقال البخاري في "كتابه": إن له صحبة. فسمعت أبي يقول: ليست له صحبة، له رؤية.
وهو يروي عن خولة بنت مالك بن ثعلبة، وكانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها، وفيها نزلت: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ (١) الآيات.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: "ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﵇ أشكو إليه، ورسول الله ﵇ يجادلني فيه ويقولى: اتق الله؛ فإنه ابن عمك. فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١) فقال: ليعتق رقبةً. قالت: لا يجد. قال: فيصوم شهرين متتابعين. قالت: يا رسول الله، إنه شيخٌ كبير ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينًا. قالت: ما عنده من شيء يتصدق به. قال: فإني سَأُعِينُه بعرق من تمر. قلتُ: يا رسول الله، وأنا سَأُعينُه بعرق آخر.
стр. 7539
قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك". قال: والعَرَق: ستون صاعًا.
قال أبو داود: في هذا أنها كفرت عنه من غير أن تستأمره.
قوله: "بعَرَق" بفتح العين والراء المهملتين وفي آخره قاف.
قال ابن الأثير: هو زَبيل منسوج من نسائج الخوص، وكل شيء مضفور فهو عَرَق وعَرَقة، بفتح الراء فيهما.
وقال الخطابي: وأصل العَرَق السَّفيفة التي تُنْسج من الخوص، فتتخذ منها المكاييل والزَّبيل.
وقد جاء تفسيره في هذا الحديث ستون صاعًا وروى أبو داود (١)، عن محمد ابن إسحاق: أن العَرَق مكتل يسع ثلاثين صاعًا.
وعن أبي سلمة (٢): أن العرَق زِنْبيل يَسع خمسة عشر صاعًا (٣).
فدل أن العَرَق قد يختلف في السعة والضيق.
فهذا الحديث قد دل على أن المُظاهر إذا كَفَّر بالإطعام فعليه أن يعطي لكل مسكين من التمر صاعًا، وهو حجة على الشافعي وأحمد حيث قالا: يعطي لكل مسكين مدّ.
وكذلك قال مالك: إلا أنه بمدِّ الشام، وهو مدُّ وثلث.
وفيه دلالة أيضًا أن المرأة إذا أعانت زوجها في الكفارة يجوز ويجزيء عنها، وكذلك غيرها لو أعانه في ذلك، والله أعلم.
ص: وقد رُوِيَ ذلك عن نفر من أصحاب رسول الله ﵇.
стр. 7540
حدثنا أبو بشر الرَّقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن يسار بن نمير، قال: قال لي عمر ﵁: "إني أحلف أن لا أُعطي أقوامًا، ثم يبدو لي أن أعطيهم، فهذا رأيتني فعلتُ ذلك فأطعم عني عشر مساكين؛ كل مسكين صاعًا من تمر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن يسار بن نُمَيْر، عن عمر ﵁، مثله.
غير أنه قال: " [عشرة] (١) مساكين كل مسكين نصف صاع حنطة، أو صاع تمر".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل، عن يسار. . . . فذكر مثله، وزاد: "أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن يسار، مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى، قال: ثنا أبو يوسف، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن يسار مثله.
حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا بشر بن الوليد وعلي بن صالح، قالا: ثنا أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ في كفارة الأيمان. . . . فذكر نحوًا مما رُوِيَ عن عمر ﵁.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حسن بن صالح، عن مسلم -وهو الأعور- عن مجاهد، عن ابن عباس في كفارة اليمين، قال: "نصف صاع من حنطة".
وهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس في الفصل الذي قبل هذا.
стр. 7541
فهذا عمر وعلي ﵄ قد جعلا الإطعام في كفارات الأيمان من الحنطة مُدّين مُدَّين لكل مسكين، ومن الشعير والتمر صاعًا صاعًا.
فكذلك نقول: كل إطعام في كفارة أو غيرها؛ هذا مقداره على ما أُجمع على ذلك في كفارة الأذى، وقد شدّ ذلك أيضًا ما قد بيّناه في صدقة الفطر من مقدارها، وما ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي قد رُوِيَ الإطعام في الكفارات بصاع من تمر أو شعير، ونصف صاع من حنطة، عن جماعة من الصحابة ﵃.
وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃.
أما عن عمر ﵁ فأخرجه من خمس طرق صحاح غير أن هلالًا في الطريق الخامس قد تكلم فيه:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن يسار -بفتح الياء آخر الحروف، والسين المهملة- ابن نُمير -بضم النون- مولى عمر بن الخطاب.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن شقيق، عن يسار بن نمير قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁: "إني أحلف أن لا أعطي أقوامًا شيئًا، ثم يبدو لي فأعطيهم، فإذا فعلتُ ذلك، فأطعم عَنِّي عشرة مساكين، بين كل مسكينين صاع من بُر، أو صاع تمر لكل مسكين".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن سليمان الأعمش. . . . إلى آخره.
стр. 7542
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن يسار بن نمير. . . . إلى آخره نحوه.
ثم قال البيهقي: هذا شيء كان يراه عمر ﵁؛ فلعله كان يتفضل بما زاد.
قلت: هذا التأويل خلاف الأصل.
الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، [عن] (٢) أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن يسار بن نمير.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
الرابع: عن أبي بكرة بكَّار أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن يسار.
الخامس: عن أبي بكرة أيضًا، عن هلال بن يحيى الرأي، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن يسار بن نمير. . . . إلى آخره.
وأما عن علي ﵁ فأخرجه: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن بشر بن الوليد الكندي الفقيه أحد الأئمة الحنفية، وثقه الدارقطني.
وعن علي بن صالح بن صالح بن حَيّ الكوفي، كلاهما عن أبي يوسف، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة الجملي الكوفي، عن عبد الله بن سَلِمة -بكسر اللام- عن علي ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي قال: "كفارة اليمين إطعام عشرة
стр. 7543
مساكين، لكل مسكين نصف صاع". وأما عن ابن عباس ﵄.
فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن حسن بن صالح بن حَيّ الكوفي العابد، عن مسلم بن كيْسان البرّاد الكوفي الأعور، قال يحيى: لا شيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي متروك. وقال أبو داود: ليس بشيء.
وهو يروي عن مجاهد، عن ابن عباس.
قوله: "وهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس في الفصل الذي قبل هذا".
أراد به ما رواه في حجج أهل المقالة الأولى: عن يونس، عن ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن أبي جعفر، عن ابن عباس: "أنه كان يقول في كفارات الأيمان: إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مُدّ بيضاء".
فهذا يخالف ما رواه عنه مجاهد [عنه] (١) فسقط الاحتجاج به لأهل المقالة الأولى.
فإن قيل: كيف يعارضه ما رواه مجاهد، وهو ضعيف لما قلنا؟
قلت: فكذلك ذاك لأن أبا جعفر لا يُدرى حاله ومع هذا يكفينا ما رُوِيَ عن عمر وعلي ﵄ ولاسيّما قد شدّ ذلك وأيده بما رواه في باب صدقة الفطر في بيان مقدار ذلك، وما ذكره هناك مما رُوِيَ عن النبي ﵇ وعن أصحابه من بعده.
стр. 7544
ص: بابُ: الرجل يحلف لا يكِّلم الرجل شهرًا كم عدد ذلك الشهر من الأيام ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم يمين الرجل الذي يحلف ألَّا يكلم زيدًا -مثلًا- شهرًا، كم يحسب عدد ذلك الشهر من الأيام؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا محمد ابن بشر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمد بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا ونقص في الثالثة إصبعًا".
ش: إسناده صحيح.
ومحمد بن بشر بن الفرافصة العبدي، وثقه يحيى.
وإسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي، روى له الجماعة.
ومحمد بن سعد القرشي الزهري المدني، روى له الجماعة.
وأبوه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة.
وأخرجه النسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بشر، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن محمد بن سَعْد، عن أبيه: "أن النبي ﵇ ضرب بيده على الأخرى، وقال: الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، ونقص في الثالثة إصبعًا".
وأخرجه أيضًا (٢): عن سويد، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، قال: قال النبي ﵇. . . . لم يذكر أباه.
قال النسائي: رواه يحيى وغيره، عن إسماعيل، عن محمد مرسلًا، وحديث يحيى أولى بالصواب عندي.
стр. 7545
وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر، عن إسماعيل، به مسندًا، نحو رواية الطحاوي.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي يَعْفور، قال: "تذاكرنا عند أبي الضحى الشهر، فقال بَعضُنا: تسع وعشرون. وقال بَعضُنا: ثلاثون.
فقال أبو الضُحى: حدثنا ابن عباس، قال: أصبحنا يومًا ونساء النبي ﵇ يبكين عند كل امرأة منهن أهلُها، فجاء عمر بن الخطاب ﵁، فصعِد إلى النبي ﵇ وهو في غرفة له، فسلّم، فلم يُجبْه أحدٌ، ثم سلّم، فلم يُجبْه أحد، فلما رأى ذلك انصرف، فدعاه بلال ﵁، فدخل على النبي ﵇، فقال: اطلّقتَ نسائك؟ قال: لا، ولكن آليتُ شهرًا شهرًا. فمكث تسعًا وعشرين ثم نزل، فدخل على نسائه".
ش: رجاله ثقات، وهشام بن إسماعيل بن يحيى بن سليمان الدمشقي العطار شيخ البخاري في غير الصحيح.
ومروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي نزيل دمشق، روى له الجماعة.
وأبو يعفور وقدان الكوفي ويقال: اسمه واقد. والأول أشهر، روى له الجماعة.
وأبو الضُحى مسلم بن صُبيح الكوفي العطار روى له الجماعة.
والحديث أخرجه النسائي (٢): عن أحمد بن عبد الله بن الحكم، عن مروان بن معاوية، عن أبي يعفور، عن أبي الضحى، عن ابن عباس نحوه.
قوله: "وهو في غرفة" جملة حالية، والغُرفة -بضم الغين- العُلِّيَّة (٣) والجمع غُرَفَات وغُرْفات.
стр. 7546
قوله: "ولكن آليتُ" أي حلفت من الإيلاء وهو اليمين.
ص: حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا جَبَلة ابن سُحَيْم، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﵇: "الشهر هكذا، وهكذا، [وهكذا] (١) وضم إبهامَهُ في الثالثة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الأسود بن قيس، قال: سمعت سعيد بن عمرو يقول: سمعت عبد الله بن عمر يذكر عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا بشر بن المُفضّل، عن سلمة ابن علقمة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "الشهر تسع وعشرون، فهذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له".
قال أبو جعفر ﵀: وقد ذكرنا في هذا آثارًا أيضًا فيما تقدم من كتابنا هذا.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن بكر بن إدريس، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن جَبَلة، به نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن الأسود بن قيس العبدي الكوفي، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة القرشي الأموي المدني، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن
стр. 7547
قيس، عن سعيد بن عمرو -يعني: ابن سعيد بن العاص- عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "إنا أُمّة أُمّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وحبس سليمان إصبعه في الثالثة، يعني تسعًا وعشرين، وثلاثين".
وأخرجه النسائي (١): عن ابن مثنى وابن بشار، عن غندر، عن شعبة، بنحوه.
وعن ابن مثنى (٢): عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأسود نحوه.
الثالث: رجاله رجال الصحيح ما خلا أحمد بن داود المكّي.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا حُميد بن مَسْعدة الباهلي، قال: [حدثنا] (٤) بشر بن المفضل، قال: ثنا سلمة -وهو ابن علقمة- عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له".
قوله: "فإن غُمّ عليكم" أي إن حال بينكم وبينه غيم، ويروى: "فإن أُغْمِيَ عليكم" يقال: غُمَّ علينا الهلال وغُمِّي وأُغمي فهو مُغْمى، وقد غامت السماء تغيم غيمومة فهي غائمة وغيمة، وأغامت وغيّمت وتغيمت وأَغْيمت وغيّمت.
قال القاضي: روي هذا الحرف في "الموطأ" "غُم" بضم الغين وتشديد الميم بلا خلاف، وكذلك في أكثر أحاديث مسلم، وعنده في حديث يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة: "أُغْمي" وفي رواية بعضهم في حديث يحيى بن يحيى: "غُمي" بالضم مخففًا.
وللعذري في حديث محمد بن سلام مثله مشدد الميم، وكذا لابن بحر في حديث عبد الله ومعاذ، وكلها صحيحة المعنى.
стр. 7548
وقيل: معنى هذه الألفاظ مأخوذ من إغماء المريض، يقال: غُمِّي عليه، وأُغْمِي، والرباعي أفصح، وقد يصح أن يُرجع إلى ما تقدم من إغماء السماء والسحاب، وقد يكون أيضًا من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيء، إذا سترته، والغمى مقصور ما سُقِّف به البيت من شيء، ووقع في حديث محمد بن سلام الجمحي في هذا الحرف عند القاضي الشهيد عُمِيَ -بالعين المهملة والميم المخففة- وكذا حدثنا به الحُسَني عن الطبري، ومعناه: خفي، يقال: عمي عليه الخبر: خفي.
وقيل: هو من العَماء، وهو السحاب الرقيق، وقيل: السحاب المرتفع أي دخل في العَماء أو يكون من العمى المقصور وهو عدم الرؤية.
وقد وقع في كتاب أبي داود: "فإن حالت دونه غائمة". وفي كتاب الترمذي: "غيامة". وهو بمعنى، وهذا يفسر أنه من الغمام على من رواه "غُمّ" وقد وقع عند البعض فإن غَبي عليه بفتح الغين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة، ومعناه خفِي، وبعضهم ضم الغين على ما لم يُسمّ فاعله.
قوله: "فاقدروا له" أي قَدَّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا، يُقال: قَدَرْتُ الشيء أقْدُرُه وأَقْدِره وقدّرته وأقدرته بمعنىً.
وقال ابن قتيبة: معناه أي قدروه بالمنازل.
قال الإمام: ذهب بعض العلماء إلى أن الهلال إذا التبس يحسب له بحساب المنجمين، وزعم أن هذا الحديث يدل عليه، واحتج أيضًا بقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١) وحمل جمهور العلماء معنى الحديث على أن المراد به إكمال العدة ثلاثين يومًا، كما فسره في حديث آخر، وكذلك تأولوا قوله سبحانه: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١) على أن المراد به الاهتداء في الطريق في البر والبحر، وقالوا أيضًا: لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم لضاق الأمر فيه، ولا يعرف ذلك إلا قليل من الناس، والشرع مبني على ما يعرفه الجماهير، وأيضًا فإن
стр. 7549
الأقاليم على رأيهم مختلفة، ويصح أن يُرى في إقليم دون إقليم، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها مع كون الصائمين منهم لا يُعَوِّلون غالبًا على طريق مقطوع به، ولا يلزم قوم ما ثبت عند قوم.
قال القاضي: لم يحك مذهب الصوم بتقدير النجوم والمنازل إذا غُمَّ الهلال إلا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، من كبار التابعين؛ بل من المخضرمين.
قال ابن سيرين: وليته لم يفعل.
وحكى ابن شريح عن الشافعي مثله.
والمعروف من مذهب الشافعي والموجود في كتبه خلافه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أنبأني سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا الحكم السلمي، يحدث عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ آلى من نسائه شهرًا، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، الشهر تسع وعشرون".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكَّار، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو الحكم السُلَمي اسمه عمران بن الحارث، من رجال مسلم والنسائي.
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن يزيد، عن بهز، عن شعبة نحوه.
وعن (٢) ابن بشار، عن غندر، عن شعبة نحوه. ولم يذكر جبريل ﵇.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا معاوية بن سلّام، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الشهر تسع وعشرون".
ش: إسناده صحيح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ﵁.
стр. 7550
وأخرجه مسلم (١): حدثني حجاج بن الشاعر، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا شيبان، عن يحيى، قال: أخبرني أبو سلمة، أنه سمع ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الشهر تسع وعشرون".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، أن عكرمة بن عبد الرحمن أخبره، أن أم سلمة أخبرته: "أن النبي ﵇ حلف لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسع وعشرون غدا عليهم -أو راح- فقيل له: حلفت يا نبي الله ألَّا تدخل عليهن شهرًا؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون يومًا".
ش: إسناده صحيح، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثني حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، أن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث أخبره، أن أم سلمة أخبرته: "أن النبي ﵇ حلف ألا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهم أو راح. . . ." إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، قال: ثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "هجر رسول الله ﵇ نسائه شهرًا، وكان يكون في العلوّ ويَكُنّ في السفل، فنزل إليهن في تسع وعشرين، فقال رجل: إنك مكثت تسعًا وعشرين ليلةً! فقال: الشهر هكذا وهكذا -بأصابع يديه- وهكذا. وقبض في الثالثة إبهامه".
стр. 7551
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول:. . . . فذكر مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن زكرياء بن إسحاق، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي.
وأخرجه مسلم (١): ثنا هارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر، قالا: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "اعتزل النبي ﵇ نسائه شهرا، فخرج إلينا صباح تسع وعشرين، فقال بعض القوم: يا رسول الله، إنما أصبحنا لتسع وعشرين. فقال النبي ﵇: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طَبَّقَ النبي ﵇ يديه ثلاثًا مرتين بأصابع والثالثة بتسع منها".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (٣) نحوه.
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، قال: "آلى رسول الله ﵇ من نسائه، فقام في مَشْربةٍ تسعًا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليتَ شهرًا؟ فقال: الشهر تسع وعشرون".
ش: إسناده صحيح.
стр. 7552
وأخرجه البخاري (١): ثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن حميد الطويل، سمع أنس بن مالك يقول: "آلى رسول الله ﵇ من نسائه، وكانت انفكت رِجْلُهُ، فأقام في مَشْرُبة له تسعًا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرًا؟ فقال: الشهر تسع وعشرون".
قوله: "في مَشْرُبة" بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها: الغرفة، والميم فيه زائدة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا حلف أن لا يُكَلِّمَ رجلًا شهرًا فكلمه بعد مضي تسعة وعشرين يومًا؛ أنه لا يحنث، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي، وسويد بن غفلة، والشافعي في قولٍ، وأحمد في رواية، فإنهم قالوا: مَن حلف ألا يكلم زيدًا -مثلًا- شهرًا، فكلمهُ بعد مُضي تسعة وعشرين يومًا؛ أنه لا يحنث، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
وإليه ذهب محمد بن الحكم من المالكية.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: إن كان الحلف مع رؤية الهلال؛ فهو على ذلك الشهر كان ثلاثين يومًا أو تسعًا وعشرين يومًا، وإن كان حلف في بعض شهر فيمينه على ثلاثين يومًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدا، ومالكًا، والشافعي في قول، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: إن كان الحلف. . . . إلى آخره.
وقال عياض: ومذهبنا أن من عليه صوم شهر غير معين أو صوم شهر من الكفارات المتتابعة، وكان ابتداء صومه للأهلة، فإنه يجزئه ما كان منها تسعًا وعشرين.
стр. 7553
وحكى الخطابي أنه لا يجزئه إلا أن يكون معينًا.
ومذهب مالك أنه إن صامه على غير الأهلة، فلا يجزئه إلا ثلاثين يومًا.
ص: واحتجوا في ذلك بالحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب، أن رسول الله ﵇ قال: "الشهر تسع وعشرون، فهذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا ثلاثين".
أفلا تراه قد أوجب عليهم إذا غُمّيَ: ثلاثين، وجعله على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك، وكذلك أيضًا في شعبان أمر بالصوم بعد ما يُرى هلال شهر رمضان، فهذا غُمي عليهم لم يصوموا وكان شعبان على الثلاثين، إلا أن ينقطع ذلك برؤية الهلال.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر ﵄ المذكور فيما مضى.
قوله: "أفلا تراه" توضيح لما قبله أي: أفلا ترى النبي ﵇ قد أوجب على أمته. . . . إلى آخره.
ص: وقد رُوِيَ عن رسول الله ﵇ في ذلك غير ما في الآثار الأُوَل:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "حلف رسول الله ﵇ ليهجرنا شهرًا، فدخل علينا لتسع وعشرين، فقلتُ: يا رسول الله، إنك حلفت ألا تكلمنا شهرًا، وإنما أصبحتَ من تسع وعشرين، فقال: الشهر لا يتم".
فأخبر أنه إنما فعل ذلك لنقصان الشهر، فهذا دليل على أنه كان حلف عليهن مع غرة الهلال، فكذلك نقول.
ش: أشار بهذا إلى أن استدلال أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بالأحاديث المتقدمة غير تام؛ لأنه قد رُوِيَ في هذا الباب غير ما في الأحاديث المتقدمة، وهو حديث عائشة ﵂، فإنه دليل على أنه ﵇ قد كان حلف على نسائه مع غرة
стр. 7554
الهلال، فلذلك قال: "إن الشهر لا يتم" لمّا قالت له عائشة: "إنك حلفتَ ألا تكلمنا شهرًا، وإنما أصبحتَ من تسع وعشرين".
فثبت بهذا ما قاله أهل المقالة الثانية، واندفع ما قاله أهل المقالة الأولى.
وإسناد حديثها صحيح، والوهبي هو أحمد بن خالد الكنْدي شيخ البخاري في غير "الصحيح".
وابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق المدني صاحب المغازي، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، رَوى له الجماعة.
وعمرة: هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي خالة لعبد الله بن أبي بكر المذكور.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو سعيد، نا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال: سمعت أبي يحدث، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ حلف ألا يدخل على نسائه شهرًا، فلما كان تسعة وعشرون من الشهر جاء ليدخل، فقلت: ألم تحلف شهرًا؟ قال: إن الشهر تسعة وعشرون".
ص: وقد رُوِيَ في ذلك ما هو أَبْيَنُ من هذا.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "وقولهم: إن رسول الله ﵇ قال: إن الشهر تسعٌ وعشرون. لا والله، ما كذلك قالها، والله إني لأعلم بما قال في ذلك؛ إنما قال حين هجرَنا: لأهجرنكنّ شهرًا. فجاء حين ذهبت تسعٌ وعشرون ليلة، فقلتُ: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرا، وإنما غبْت عنا تسعًا وعشرين ليلة، فقال: إن شهرنا هذا كان تسعًا وعشرين ليلةً".
فثبت بذلك أن يمينه كانت مع رؤية الهلال.
ش: أي قد رُوِيَ في هذا الباب ما هو أظهر مما رُوِيَ قبل هذا في أن الحلف إذا كان مع رؤية الهلال فهو على ذلك الشهر سواء كان ثلاثين أو تسعة وعشرين،
стр. 7555
ألا ترى أنه ﵇ عليه قال في حديث عائشة هذا جوابًا لها: "إن شهرنا هذا كان تسعًا وعشرين ليلةً" فظهر من ذلك أن يمينه كانت مع رؤية الهلال.
ورجال هذا الحديث ثقات غير ابن أبي الزناد فيه مقال، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان.
ص: وقد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁ في هذا شيء.
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زُمَيل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ .. فذكر إيلاء رسول الله ﵇ من نسائه، وأنه نزل لتسع وعشرين، وقال: "إن الشهر سيكون تسعًا وعشرين".
ش: أي في كون الشهر تسعًا وعشرين.
أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكّار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي اليمامي قاضي اليمامة، عن عكرمة بن عمّار، عن سماك بن الوليد الحنفي وكنيته أبو زميل -بضم الزاي المعجمة.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١) مطولًا جدًّا: ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عمر ابن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمّار، قال: حدثني أبو زُميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لما اعتزل رسول الله ﵇ نسائه؛ دخلتُ المسجدَ، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﵇ نسائه؛ وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، قال: فدخلت على عائشة ﵂، فقلت: يا ابنة أبي بكر، لقد بلغ من شأنك أن تُؤذي رسول الله ﵇؟! قالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب، عليك بِعَيْلتك. فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت: يا حفصة، قد بلغ من شأنك أن تؤذي الله ورسوله ﵇، لقد علمت أن رسول الله ﵇ لا يُحبك ولولا أنا لطلقك. قال:
стр. 7556
فبكت أشدَّ البكاء، فقلت: أين رسول الله ﵇؟ قالت: في خزانته في المَشْرُبة. فإذا بغلام رسول الله ﵇ رباح قاعدٌ على أسكفة المَشْرُبة مُدْلي رجليه على نقير من خشب وجذعًا يرقى عليه رسول الله ﵇، فناديتُ: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﵇؛ فنظر إلى الغرفة، ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا. فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﵇ فإني أظن أن رسول الله ﵇ ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لو أمرني أن أضرب عنقها لضربتُ عنقها. فأومأ إليّ بيده، فدخلت على رسول الله ﵇ وهو مضطجع على حصير، فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جسده فذهبت أرمي ببصري [في] (١) خزانة رسول الله ﵇ فاذا شطر من شعير قدر صاع وقرظ في ناحية الغرفة، فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا رسول الله، ألا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جسدك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وقيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته، وهذه خزانتك؟! قال: ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قلت: بلى. قال: ودخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت: يا رسول الله، ما شق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر، وقل ما تكلمت -وأحمد الله- بكلامٍ إلا رجوت أن يصدق الله قولي، ونزلت هذه الآية، ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (٢) ونزلت: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) إلى آخر الآية، وكانت بنت أبي بكر وحفصة تظاهرتا على سائر نساء رسول الله ﵇، فقلت: يا رسول الله، طلقتهن؟ قال: لا. قلت: أنزل فأخبرهن أنك لم تطلقهن؟ قال:
стр. 7557
نعم إن شئت. فلم أزل أحدثه حتى كشر الغضب عن وجهه، وكشر يضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا، فنزل النبي ﵇، ونزلت أتشبث بالجذع، ونزل كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، كنت في الغرفة تسعةً وعشرين يومًا؟ قال رسول الله ﵇: إن الشهر قد يكون تسعة وعشرين. فقمتُ على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﵇ نسائه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) قال: "فكنت أنا الذي استنبطتُ ذلك من رسول الله ﵇" (٢).
ص: ورُوِيَ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇ في ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة حدثه، أن رسول الله ﵇ قال: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة".
فأخبر رسول الله ﵇ في هذا الحديث أنه إنما يكون تسعًا وعشرين برؤية الهلال قبل الثلاثين، فقد دلّت هذه الآثار لمّا كشفَت على ما ذكرنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي فيما ذكرناه من أن الشهر يكون تسعًا وعشرين برؤية الهلال.
وأخرجه بإسناد صحيح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه النسائي (٣): عن سليمان بن سيف، عن هارون بن إسماعيل البصري، عن علي بن المبارك، عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحوه.
стр. 7558
ورواه (١) أيضًا معاوية بن سلام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن ابن عمر ﵄.
ص: وقد رُوِيَ ذلك عن الحسن:
حدثنا أبو بشر الرّقّي، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن الحسن، في رجل نذر أن يصوم شهرًا، قال: "إن ابتدأ رؤية الهلال صام لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإن ابتدأ من بعض الشهر صام ثلاثين يومًا".
ش: أي قد رُوِيَ عن الحسن البصري ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرّقّي، عن معاذ ابن معاذ بن نصر بن حسان العنبري قاضي البصرة، عن أشعث بن عبد الملك عن الحسن البصري ﵁.
стр. 7559
ص: بابُ: الرجل يُوجب على نفسه أن يصلي في مكان فيصلي في غيره
ش: أي هذا باب في بيان حكم من يوجب على نفسه أن يصلي في مكان بعينه، مثلًا في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، فيصلي في غيره؛ هل سقط عنه ما أوجبه أم لا؟
ص: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، قال: ثنا الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب المُعَلِّم، عن عطاء -وهو ابن أبي رباح- عن جابر ﵁: "أن رجلًا قال يوم فتح مكة: يا رسول الله، إني نذرتُ إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال له النبي ﵇: صلِّ هاهنا. فأعادها على النبي ﵇ مرتين أو ثلاثًا، فقال النبي ﵇: شأنك إذًا".
ش: إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود (١): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن حبيب المُعَلِّم. . . . إلى آخره نحوه.
والبيهقي في "سننه" (٢): من حديث حبيب بن الشهيد، عن عطاء، عن جابر، نحوه.
ويستفاد منه:
صحة النذر بالصلاة ونحوها، إن فعل الله كذا وكذا.
وفيه: وجوب النذر لقوله ﵇: "صَلِّ هاهنا" فلو لم يكن نذره موجبًا لم يأمره بالصلاة، وبهذا يُردّ على ابن حزم ومن تبعه في أن مَنْ نذر صلاة تطوع في بيت المقدس، أو في مكة، أو مسجد المدينة؛ فإنه لا يلزمه شيء من ذلك.
وفيه: أن من نذر أن يصلي في مكان فصلى في مكان أعلى منه في الفضل، فإنه يجوز على ما يجيء الآن مع الخلاف فيه.
стр. 7560
ص: قال أبو جعفر ﵀: معنى هذا الحديث: أن رسول الله ﵇ أمر الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس أن يصلي في غيره.
فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏: مَنْ جعل لله عليه أن يصلي في مكان فصلّى في غيره أجزأه ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الأثر، غير أن أبا يوسف قد قال في "أماليه": مَنْ نذر أن يصلي في بيت المقدس فصلى في المسجد الحرام، أو في مسجد رسول الله ﵇ أجزأه ذلك؛ لأنه صلّى في موضعٍ الصلاةُ فيه أفضل من الصلاة في الموضع الذي أوجب الصلاة فيه على نفسه.
ومن نذر أن يصلي في المسجد الحرام فصلّى في بيت المقدس لم يجزئه ذلك؛ لأنه صلّى في مكانٍ ليس للصلاة فيه من الفضل ما للصلاة في المكان الذي أوجب على نفسه [الصلاة] (١) فيه.
ش: هذا ظاهر، ومذهب زفر هاهنا كمذهب أبي يوسف: أنه لا يجوز ذلك إلا في مكان عَيَّن فيه، أو في مكان أعلى شرعًا منه، لا أحط؛ كمن نذر في المسجد الأقصى يجوز أن يؤديه في أحد الحرمين وبالعكس لا، وبه قال أحمد، والشافعي في قول.
وقد ذكر المتأخرون من الحنفية أن أبا يوسف مع صاحبيه، وجعلوا الخلاف بينهم وبين زفر، ولم يذكروا ما ذكره الطحاوي.
وقال ابن حزم (٢): قال الشافعي: مَنْ نذر أن يصلي بمكة لم يجزه إلا فيها، فإن نذر أن يصلي بالمدينة، أو ببَيْتِ المقدس، أجزأه أن يصلي بمكة، أو في المسجد الذي ذكر لا فيما سواه، فإن نذر صلاةً في غير هذه الثلاثة المساجد لم يلزمه؛ لكن يصلي حيث هو.
стр. 7561
قلت: وعن الشافعي كقول أبي حنيفة، ومحمد، وبعضهم نَصَّ على أنه هو الصحيح عنده.
ص: واحتج في ذلك بما رُوِيَ عن رسول الله ﵇:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا شعبة، عن أبي عبد العزيز الزبيدي، عن عمر بن الحكم، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﵇ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي، وشجاع، (ح).
وحدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا مكي: قالا: ثنا موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇. . . . مثله (١).
ذكر في هذه الآثار، لم يجز لمن أوجب على نفسه صلاة في شيء منها إلا أن يصليها حيث أوجب، أو فيما هو أفضل منه من المواضع.
ش: أي احتج أبو يوسف فيما ذهب إليه بأحاديث أخرجها عن تسعة أنفس من الصحابة وهم: سَعْد بن أبي وقاص، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وميمونة زوج النبي ﵇، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ﵃، ففي أحاديث هؤلاء فضل الصلاة في بعض هذه المساجد [أي] (٢) المسجد الحرام، ومسجد النبي ﵇، ومسجد بيت المقدس، فإذا أوجب الرجل على نفسه صلاةً في مسجدٍ من هذه المساجد ليس له إلا أن يصليها حيث عيّنها فيه، أو في موضع أفضل منه، وهو معنى قوله: "قال: فلما كان فَضَّل".
стр. 7562
أي قال أبو يوسف: فلما كان النبي ﵇ فَضَّل الصلاة .. إلى آخره.
أما حديث سعد فأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن عمرو بن مرزوق البصري شيخ أبي داود، عن شعبة، عن أبي عبد العزيز موسى بن عُبيدة الرَّبَذِي، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة.
ونسبته إلى رَبَذَة -بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة- وهي قرية معروفة قرب المدينة، وبها قبر أبي ذر الغفاري ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده " (١): ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، نا شعبة، عن موسى بن عُبيدة أبي عبد العزيز الرَّبَذِي، عن عمر بن الحكم، عن سَعْد، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام".
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث وأمثاله ومعناه، فتأوله قوم منهم: أبو بكر عبد الله بن نافع الزبيري، صاحب مالك على أن الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال بذلك جماعة من المالكية، ورواه بعضهم عن مالك.
قال أبو عمر: قال عامّة أهل الأثر والفقه: إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ بمائة صلاة.
وقال: وأما تأويل ابن نافع فبعيد عند أهل المعرفة باللسان؛ ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسع مائة ضعف وتسعة وتسعين ضعفًا، وإذا كان هذا لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع، فأنّى حَدَّ حدًّا في ذلك لم يكن لقوله دليل ولا حجّة.
стр. 7563
وأما حديث عائشة فأخرجه من طريقين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن مكي بن إبراهيم البلخي شيخ البخاري.
وعن شجاع بن مخلد الفلاس شيخ مسلم وأبي داود وابن ماجه، كلاهما عن موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، عن داود بن مُدرك، مسكوت عنه، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه البزار في "مسنده" بأتم منه:
ثنا أحمد بن منصور، نا عبيد الله بن موسى، نا موسى -وهو ابن عُبيدة- عن داود بن مُدرك، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن تزار وترحل إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام".
الثاني: عن عبد الرحمن بن الجارود، عن مكي بن إبراهيم، عن موسى بن عُبيدة، عن داود بن مدرك .. إلى آخره.
وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يعلى بن عبيد الطنافسي، عن موسى بن عبد الله ويقال عبد الرحمن الجهني الكوفي، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي وابن مثنى ويحيى، عن موسى الجهني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام".
стр. 7564
وقال النسائي: لا أعلم رواه عن نافع، عن ابن عمر غير موسى، وخالفه ابن جريج وغيره -يعني عروة- عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله (١).
أبي الدرداء فأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إبراهيم بن حميد، قال: ثنا محمد ابن يزيد بن شداد، نا سعيد بن سالم القداح، نا سعيد بن بشير، عن إسماعيل ابن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره: مائة ألف صلاة، وفي مسجدي: ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس: خمسمائة صلاة".
قال البزار: إسناده حسن.
وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه الطبراني (٢).
ثنا معاذ بن المثنى، قال: ثنا مسدد، ثنا حصين بن نُمير، ثنا حصين، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵇: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام".
وأما حديث أبي ذر ﵁ فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣) من رواية قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: "تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﵇ أيهما أفضل؛ مسجد رسول الله ﵇ أو بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﵇: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولَنِعم المُصَلَّى هو. . . ." الحديث.
وأما حديث علي ﵁ فأخرجه البزار (٤) في "مسنده" من رواية سلمة بن وردان، عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "ما بين قبري
стр. 7565
ومنبري روضة من رياض الجنة، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام".
وسلمة بن وردان ضعيف، ولم يسمع من علي ﵁.
ص: وكان من الحجّة لأبي حنيفة ومحمد على أهل هذا القول: أن معنى قول رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه" إنما ذلك على الصلوات المكتوبة؛ لا على النوافل، ألا ترى إلى قوله في حديث عبد الله بن سعد: "لأن أصلي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلي في المسجد".
وقوله في حديث زيد بن ثابت ﵁: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وذلك حين أرادوا أن يقوم بهم في شهر رمضان في التطوع، وورد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، فلما رُوِيَ ذلك على ما ذكرنا، كان تصحيح الآثار يوجب أن الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ التي فيها الفضل على الصلاة في البيوت هي الصلاة التي هي خلاف هذه الصلاة وهي المكتوبة.
فثبت بذلك فسادُ ما احتج به أبو يوسف، وثبت أن من أوجب على نفسه صلاة في مكان، فصلّاها في غيره أجزأه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه على قول أبي يوسف، وأراد بها أن احتجاج أبي يوسف بالأحاديث المذكورة لما ذهب إليه فاسدٌ، وبيّن ذلك بقوله: "إن معنى قول رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره.
قوله: "ألا ترى إلى قوله" أي قول النبي ﵇، فحديث عبد الله بن سعد الأنصاري الحرامي الصحابي.
وحديثه رواه ابن ماجه (١): ثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمّه عبد الله بن سعد، قال: "سألت رسول الله ﵇ أيهما أفضل؛ الصلاة في