قلت: وعن الشافعي كقول أبي حنيفة، ومحمد، وبعضهم نَصَّ على أنه هو الصحيح عنده.
ص: واحتج في ذلك بما رُوِيَ عن رسول الله ﵇:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا شعبة، عن أبي عبد العزيز الزبيدي، عن عمر بن الحكم، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﵇ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي، وشجاع، (ح).
وحدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا مكي: قالا: ثنا موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇. . . . مثله (١).
ذكر في هذه الآثار، لم يجز لمن أوجب على نفسه صلاة في شيء منها إلا أن يصليها حيث أوجب، أو فيما هو أفضل منه من المواضع.
ش: أي احتج أبو يوسف فيما ذهب إليه بأحاديث أخرجها عن تسعة أنفس من الصحابة وهم: سَعْد بن أبي وقاص، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وميمونة زوج النبي ﵇، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ﵃، ففي أحاديث هؤلاء فضل الصلاة في بعض هذه المساجد [أي] (٢) المسجد الحرام، ومسجد النبي ﵇، ومسجد بيت المقدس، فإذا أوجب الرجل على نفسه صلاةً في مسجدٍ من هذه المساجد ليس له إلا أن يصليها حيث عيّنها فيه، أو في موضع أفضل منه، وهو معنى قوله: "قال: فلما كان فَضَّل".
стр. 7562
أي قال أبو يوسف: فلما كان النبي ﵇ فَضَّل الصلاة .. إلى آخره.
أما حديث سعد فأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن عمرو بن مرزوق البصري شيخ أبي داود، عن شعبة، عن أبي عبد العزيز موسى بن عُبيدة الرَّبَذِي، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة.
ونسبته إلى رَبَذَة -بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة- وهي قرية معروفة قرب المدينة، وبها قبر أبي ذر الغفاري ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده " (١): ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، نا شعبة، عن موسى بن عُبيدة أبي عبد العزيز الرَّبَذِي، عن عمر بن الحكم، عن سَعْد، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام".
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث وأمثاله ومعناه، فتأوله قوم منهم: أبو بكر عبد الله بن نافع الزبيري، صاحب مالك على أن الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال بذلك جماعة من المالكية، ورواه بعضهم عن مالك.
قال أبو عمر: قال عامّة أهل الأثر والفقه: إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ بمائة صلاة.
وقال: وأما تأويل ابن نافع فبعيد عند أهل المعرفة باللسان؛ ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسع مائة ضعف وتسعة وتسعين ضعفًا، وإذا كان هذا لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع، فأنّى حَدَّ حدًّا في ذلك لم يكن لقوله دليل ولا حجّة.
стр. 7563
وأما حديث عائشة فأخرجه من طريقين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن مكي بن إبراهيم البلخي شيخ البخاري.
وعن شجاع بن مخلد الفلاس شيخ مسلم وأبي داود وابن ماجه، كلاهما عن موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، عن داود بن مُدرك، مسكوت عنه، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه البزار في "مسنده" بأتم منه:
ثنا أحمد بن منصور، نا عبيد الله بن موسى، نا موسى -وهو ابن عُبيدة- عن داود بن مُدرك، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن تزار وترحل إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام".
الثاني: عن عبد الرحمن بن الجارود، عن مكي بن إبراهيم، عن موسى بن عُبيدة، عن داود بن مدرك .. إلى آخره.
وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يعلى بن عبيد الطنافسي، عن موسى بن عبد الله ويقال عبد الرحمن الجهني الكوفي، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي وابن مثنى ويحيى، عن موسى الجهني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام".
стр. 7564
وقال النسائي: لا أعلم رواه عن نافع، عن ابن عمر غير موسى، وخالفه ابن جريج وغيره -يعني عروة- عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله (١).
أبي الدرداء فأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إبراهيم بن حميد، قال: ثنا محمد ابن يزيد بن شداد، نا سعيد بن سالم القداح، نا سعيد بن بشير، عن إسماعيل ابن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره: مائة ألف صلاة، وفي مسجدي: ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس: خمسمائة صلاة".
قال البزار: إسناده حسن.
وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه الطبراني (٢).
ثنا معاذ بن المثنى، قال: ثنا مسدد، ثنا حصين بن نُمير، ثنا حصين، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵇: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام".
وأما حديث أبي ذر ﵁ فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣) من رواية قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: "تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﵇ أيهما أفضل؛ مسجد رسول الله ﵇ أو بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﵇: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولَنِعم المُصَلَّى هو. . . ." الحديث.
وأما حديث علي ﵁ فأخرجه البزار (٤) في "مسنده" من رواية سلمة بن وردان، عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "ما بين قبري
стр. 7565
ومنبري روضة من رياض الجنة، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام".
وسلمة بن وردان ضعيف، ولم يسمع من علي ﵁.
ص: وكان من الحجّة لأبي حنيفة ومحمد على أهل هذا القول: أن معنى قول رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه" إنما ذلك على الصلوات المكتوبة؛ لا على النوافل، ألا ترى إلى قوله في حديث عبد الله بن سعد: "لأن أصلي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلي في المسجد".
وقوله في حديث زيد بن ثابت ﵁: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وذلك حين أرادوا أن يقوم بهم في شهر رمضان في التطوع، وورد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، فلما رُوِيَ ذلك على ما ذكرنا، كان تصحيح الآثار يوجب أن الصلاة في مسجد رسول الله ﵇ التي فيها الفضل على الصلاة في البيوت هي الصلاة التي هي خلاف هذه الصلاة وهي المكتوبة.
فثبت بذلك فسادُ ما احتج به أبو يوسف، وثبت أن من أوجب على نفسه صلاة في مكان، فصلّاها في غيره أجزأه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه على قول أبي يوسف، وأراد بها أن احتجاج أبي يوسف بالأحاديث المذكورة لما ذهب إليه فاسدٌ، وبيّن ذلك بقوله: "إن معنى قول رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره.
قوله: "ألا ترى إلى قوله" أي قول النبي ﵇، فحديث عبد الله بن سعد الأنصاري الحرامي الصحابي.
وحديثه رواه ابن ماجه (١): ثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمّه عبد الله بن سعد، قال: "سألت رسول الله ﵇ أيهما أفضل؛ الصلاة في
стр. 7566
بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحبّ إليَّ [من] (١) أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبةً".
وقوله: "في حديث زيد بن أسامة مرّ في كتاب [. . . .] (٢).
ص: وأمّا وجهه من طريق النظر، فإنا رأينا الرجل إذا قال: لله عليّ أن أصلي ركعتين في المسجد الحرام، فالصلاة التي أوجبها قربة حيث ما كانت، فهي عليه واجبة: ثم أردنا أن ننظر في الموطن الذي أوجب على نفسه أن يصليها فيه، هل تجب عليه كما تجب عليه تلك الصلاة، أم لا؟
فرأيناه لو قال: لله عليّ أن ألبث في المسجد الحرام ساعة لم يجب ذلك عليه، وإن كان ذلك اللبث هو لو فعله قربةً، فكان اللبث وإن كان قربةً لا يجب بإيجاب الرجل إياه على نفسه.
فلما كان ما ذكرنا كذلك كان من أوجب على نفسه صلاة في المسجد الحرام ولم يجب عليه اللبث لها في المسجد الحرام، فهذا هو النظر في هذا الباب.
ش: أي وأمّا وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس .. إلى آخره.
حاصله: أن الرجل إذا أوجب على نفسه صلاة مقيدة بمكان، فإن الصلاة تجب عليه بإيجابه إياها على نفسه، ولكن ننظر في المكان الذي قيد الصلاة به، هل له دخل في ذلك الإيجاب أم لا؟ فرأيناه لو قال: عَلَّي أن ألبث في المسجد الحرام ساعةً؛ فإنه لا يجب عليه وإن كان يقع ذلك قربةً عند فعله إياه، فإذا كان لا يجب عليه اللبث في المسجد الحرام لأجل الصلاة المنذورة، كان ذكره وعدمه سواء، فلا يجب عليه إلا تلك الصلاة دون اللبث. والله أعلم.
стр. 7567
ص: بابُ: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام، هل يلزمه شيء أم لا؟
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الهِقْل بن زياد، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن اليمان، عن يحيى بن سعيد، أن حُميدًا الطويل أخبره، أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: "مَرَّ رسول الله ﵇ برجل يُهادى بين [ابنين] (١) له، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي. فقال: إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه. وأمره أن يركب".
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن صالح. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة وابن أبي داود، قالا: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن حُميد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﵇. . . . مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن صالح المصري ورّاق الليث ابن سعد وشيخ البخاري، عن الِهقْل بن زياد بن عُبيد الله السكسكي الدمشقي كاتب الأوزاعي، واسمه محمد، وقيل: عبد الله. وهِقْل لقبٌ عليه، روى له الجماعة سوى البخاري.
يَروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام عن عبد الرحمن بن اليمان أبي معاوية الحضرمي، قد سُكِت عنه.
عن يحيى بن سعد الأنصاري، عن حُميد الطويل، عن أنس ﵁.
стр. 7568
وأخرجه الترمذي (١): عن ابن مثنى، عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد الله بن صالح، عن الهِقْل. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم ابن طهمان، عن يحيى بن سعيد، عن حُميد، عن أنس ﵁.
الثالث: عن محمد بن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود البرلّسي، كلاهما عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد، عن حُميد، عن ثابت البناني، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٣): عن مسدد، عن يحيى، عن حُميد، عن ثابت، عن أنس قال: "مرّ شيخ كبير يُهادى بين ابنَيْه، فقال: النبي ﵇: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت. قال: إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، مُرُوه فليركب".
وأخرجه مسلم (٤) أيضًا.
قوله: "يُهادى" على صيغة المجهول أي يحمل بينهما، وقال ابن الأثير: أي يمشي بينهما معتمدًا عليها من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيها إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز ابن مسلم، قال: ثنا يزيد بن أبي منصور، عن دُخين الحجري، عن عقبة بن
стр. 7569
عامر الجُهَني، قال: "إن أختي نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً حاسرةً، فأتى عليها رسول الله ﵇ فقال: ما هذه؟ قالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً حاسرةً. فقال: مُرُوها فلتركب ولتختمر".
ش: عيسى بن إبراهيم بن سيّار شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان والنسائي، وروى عنه البخاري في غير "الصحيح".
وعبد العزيز بن مسلم القَسْمَليّ المروزي، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
ويزيد بن أبي منصور الأزدي البصري وثقه ابن حبان وروى له الترمذي.
ودُخين -بالدال المهملة المضمومة وبالخاء المعجمة- بن عامر الحُجري أبو ليلى المصري وكان كاتب عقبة بن عامر الجهني، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا عبدان بن أحمد، نا عمار بن عمر بن المختار (ح).
وحدثنا حكيم بن يحيى المثوثي البصري، ثنا أحمد بن عَبْدة الضبي، قالا: ثنا أشهل بن أسلم العدوي، نا يزيد بن أبي منصور، عن دُخَيْن الحجري، عن عقبة بن عامر: "أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافيةً متحسرةً، فمر بها رسول الله ﵇، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: إنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافيةً حاسرةً. قال رسول الله ﵇: مُرُوها فلتختمر ولتركب ولتحج".
وأخرجه البخاري (٢): عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبي ﵇، فاستفتيت النبي ﵇ فقال: لتمشي ولتركب". قال: وكان أبو الخير لا يفارق عقبة.
стр. 7570
وأخرجه مسلم (١): عن زكرياء بن يحيى كاتب العمري، عن مفضل، عن عبد الله بن عياش.
وعن (١) محمد بن رافع، عن عبد الرازق، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة.
وأخرجه أبو داود (٢): عن مخلد بن خالد الشَّعِيري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج. . . . بإسناده نحوه.
قوله: "نذرت أختي" وهي أم حِبَّان بنت عامر الأنصارية الصحابيّة، وحِبّان -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة.
قوله: "حاسرة" أي مكشوفة الرأس.
قوله: "لتختمر" أي لتجعل على رأسها الخمار.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: مَنْ نذر أن يحج ماشيًا؛ أُمر أن يركب، ولا شيء عليه غير ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكًا وداود وسائر الظاهرية، فإنهم قالوا: إذا نذر أن يحجّ ماشيًا لا يلزمه المشي، ويركب ولا شيء عليه أصلًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يركب. كما جاء بهذا الحديث، فإن كان أراد بقوله: "لله عليّ" معنى اليمين، فعليه مع ذلك كفارة يمين؛ لأن معنى "لله عليَّ" قد يكون في معنى والله؛ لأن النذر معناه معنى اليمين.
стр. 7571
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء والشعبي والحسن البصري وقتادة والشافعي في قول، فإنهم قالوا: من نذر أن يمشي إلى بيت الله فله أن يركب؛ لمقتضى حديث عقبة المذكور، وإن كان قد نوى بكلامه اليمين فعليه كفارة اليمين.
وقال الخطابي: قال الشافعي: من نذر أن يمشي إلى بيت الله يمشي، فإن عجز أراق دمًا وركب.
وقال البيهقي: قال الشافعي: إن قدر لزمه.
وقال أصحابنا: لأن المشي إلى موضع البِّر بِرُّ.
قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (١).
وقال ابن حزم: قال الشافعي: من نذر المشي إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس؛ أجزأه الركوب إليهما.
وقال الليث: من نذر أن يمشي إلى مسجد من مساجد الله مشى إلى ذلك المسجد. انتهى
قوله: "يركب كما جاء بهذا الحديث" أي حديث عقبة بن عامر، وحديث أنس أيضًا ﵄.
ص: وقد رُوِيَ عن رسول الله ﵇: "أن في النذر كفارة يمين" فمما رُوِيَ في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن محمد بن الزبير التميمي، عن أبيه، عن عمران بن الحُصَين ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين".
حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن محمد ابن الزبير. . . . فذكر بإسناده مثله.
стр. 7572
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة المنقري، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن الزبير الحنظلي. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أحمد بن عبد المؤمن، قال: ثنا علي بن الحسن، قال: ثنا عباد بن العوام، قال: ثنا محمد بن الزبير. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسّان، قال: ثنا خالد بن عبد الله (ح).
وحدثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قالا: أنا محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن رجل، عن رسول الله ﵇. . . . مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير الذي كان يسكن اليمامة، أنه حدّثه، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن يخبر، عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﵇ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شُمَاسة المهدي، عن أبي الخير، عن عقبة ابن عامر، عن النبي ﵇ قال: "كفارة النذر كفارة يمين".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت يحيى بن عبد الله بن سالم يُحدث، عن سَهْل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: أشهد لسمعتُ رسول الله ﵇ يقول: "مَنْ نذر نذرًا لم يسمّه، فكفارته كفارة اليمين".
ش: هذا بيان لقوله: "إن النذر معناه معنى اليمين"، ولهذا جعل رسولُ الله ﵇ في النذر كفارة يمين، والدليل عليه ما رُوِيَ عنه ﵇ في ذلك من حديث عمران بن الحصين، وعن رجل عن النبي ﵇، وعن عائشة، وعقبة بن عامر ﵃.
أما حديث عمران فأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم
стр. 7573
البصري، عن محمد بن الزبير التميمي البصري، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث وفيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة.
وفيه فسادٌ من وجه آخر وهو ما رواه البيهقي، عن عباس الدوري، قال ابن معين: قيل لمحمد بن الزبير الحنظلي: سمع أبوك من عمران بن الحصين؟ قال: لا.
وأيضًا قال الخطابي: الزبير هذا مجهول لا يُعرف.
وأخرجه النسائي (١): عن هناد، عن وكيع، عن ابن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﵇ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
وأخرجه (٢) عن عمرو بن عثمان، عن بقيّة، عن الأوزاعي.
وعن (٣) علي بن ميمون، عن معمر بن سليمان، عن عبد الله بن بشر.
وعن (٤) إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، كلهم عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران. ومنهم من قال: "في غضب".
وعن قتيبة (٥)، عن حماد، عن محمد، عن أبيه، به. وقال: "في غضب".
قال النسائي: محمد بن الزبير ضعيف لا تقوم بمثله حجّة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، وقيل: إن الزبير لم يسمع هذا من عمران. والله أعلم.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن يحيى بن حسان التنيسي شيخ الشافعي، عن حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير، عن أبيه الزبير، عن عمران.
стр. 7574
وأخرجه النسائى (١): عن قتيبة، عن حماد. . . . إلى آخره نحوه. وقد مَرَّ الآن.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران.
وأخرجه البيهقي (٢) نحوه بطرق مختلفة.
الرابع: عن أحمد بن عبد المؤمن المروزي، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن عباد بن العوّام بن عمر الواسطي، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران.
وأما حديث رجل عن رسول الله ﷺ فأخرجه من طريقين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غَسَّان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل، عن رسول الله ﵇.
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل، عن النبي ﵇.
والظاهر أن هذا الرجل هو عمران بن الحصين.
وهذا الحديث قد اختلف في إسناده جدًّا.
فروى الطبراني (٣) من حديث محمَّد بن الزبير، عن الحسن البصري، عن عمران، بدون ذكر أبيه.
قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثني أحمد بن يونس، نا أبو بكر النهشلي، عن محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن الحسن، عن
стр. 7575
عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﵇: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين".
وأخرجه البيهقي (١) من حديث أبي كريب، عن معاوية، عن سفيان، عن محمَّد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﵇: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
ورواه عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان فقال: "في معصية أو غضب".
قال البيهقي: وهذا أيضًا منقطع؛ لا يصح للحسن سماع من عمران. قاله ابن المديني.
قلت: ذكر البيهقي في "سننه" (٢) في باب: لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها حديث زائدة بن قدامة، عن هشام، عن الحسن، أن عمران بن حصين حدثه. . . . فذكر معناه، ومعنى حديث تعريسهم آخر الليل.
وقد صرَّح في هذا الحديث بأن عمران حدث الحسن.
وقال ابن حبان: سمع الحسن من عمران.
وكذا قال صاحب "المستدرك" وأخرج روايته عنه.
وقال في كتاب "اللباس": مشايخنا وإن اختلفوا في سماع الحسن من عمران؛ فإن أكثرهم على أنه سمع منه.
وذكر صاحب "الكمال" أنه سمع منه.
وأما حديث عائشة ﵂: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أيوب بن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني شيخ البخاري، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أوس المدني الأعمى، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي
стр. 7576
المدني، عن محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، وموسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سليمان بن أرقم البصري مولى الأنصار، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂.
وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن محمَّد المروزي، عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمَّد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. . . . الحديث.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبُّوية يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.
وأخرجه الترمذي (٢): عن أبي إسماعيل محمَّد بن إسماعيل بن يوسف، عن أيوب بن سليمان. . . . بهذا الإسناد مثله، وقال: غريب.
وأخرجه النسائي (٣): عن أبي إسماعيل الترمذي بإسناده مثله، وقال: سليمان بن أرقم متروك الحديث، خالفه غير واحد من أصحاب يحيى في هذا الحديث.
قلت: قال أحمد: سليمان بن أرقم ليس بشيء.
وعن يحيى: ليس بشيء. ليس يُسْوى فلْسًا.
وقال أبو داود: متروك الحديث.
وقال الجوزجاني: ساقط.
стр. 7577
وقال ابن عدي: عامّة ما يرويه لا يتابع عليه.
وأما حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ فأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب، عن كعب بن علقمة بن كعب التَنُوخي، عن عبد الرحمن ابن شماسة بن ذُؤيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني.
وهؤلاء كلهم مصريون ثقات، من رجال مسلم.
وأخرجه مسلم (١): عن هارون الأيلي ويونس بن عبد الأعلى وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه.
وقد اشترك الطحاوي ومسلم في تخريج هذا الحديث، عن يونس بن عبد الأعلى.
وأخرجه أبو داود (٢): عن هارون بن عَبَّاد الأزدي، عن أبي بكر بن عياش، عن محمَّد مولى المغيرة، حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير به.
وعن محمَّد بن عوف، عن سعيد بن الحكم، عن يحيى بن أيوب، عن كعب ابن علقمة، أنه سمع ابن شهاب، عن أبي الخير، به.
وأخرجه الترمذي (٣): عن أحمد بن منيع، عن أبي بكر بن عياش. . . . بإسناده نحوه، وزاد: "إذا لم يُسمِّ". وقال: حسن صحيح غريب.
الثاي: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إسماعيل بن رافع بن عُوَيمر المزني المدني القاص، فيه مقال؛ فعن أحمد ويحيى: ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وكذا قال الدارقطني.
стр. 7578
وهو يروي عن خالد بن يزيد -وقيل: زيد- الجهني، عن عقبة بن عامر ﵁.
وأخرجه ابن ماجه نحوه (١): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر.
ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني حُيي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عقبة بن عامر الجُهني: "أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: مُر أختك فلتركب ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، أنه سمع أبا سعيد الرعيني يذكرُ، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر، مثله.
حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ . . . . مثله.
قالوا: فتلك الثلاثة الأيام إنما كانت كفارة ليمينها التي كانت بها حالفةً؛ لقولها: لله عليّ أن أحُج ماشيةً.
ش: أي ذكر أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حُيَي -بضم الحاء المهملة، وفتح الياء آخر الحروف الأولى- بن عبد الله المَعَافري -بفتح الميم
стр. 7579
والعين المهملة وكسر الفاء- نسبة إلى معافر بن يَعفر، قبيل ينسب إليه كثيرٌ عامّتهم بمصر.
وهو يروي عن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد الحُبُلى -بضم الحاء المهملة والباء الموحدة- نسبة إلى بني الحُبْلى حَيٌّ من اليمن من الأنصار، وذكر سيبويه: الحُبَلى -بضم الحاء وفتح الباء- منسوبًا إلى بني الحبلى، والمحدثون يضمون الباء.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خَلا حُيَي بن عبد الله، قال البخاري: فيه نظر.
وهذا أخرجه عبد الله بن [أحمد] (١) في "مسنده".
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبيد الله بن زَحْر الضَمْري الإفريقي، عن أبي سعيد جعثل بن هاعان الرعيني المصري قاضي إفريقية، وذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه جعيل ووهم في ذلك، وهو يروي عن عبد الله بن مالك اليَحْصبي المصري، وثقه ابن حبان، وقد فرق أبو حاتم الرازي بين هذا وبين أبي تميم عبد الله بن مالك الجَيْشاني الرعيني المصري، وجعلهما ابن يونس واحدًا، وقال الذهبي: هو الصواب. وتشهد له رواية ابن لهيعة لهذا الحديث عن بكر بن سوادة، عن أبي سعيد القتباني وهو الرعيني، عن أبي تميم الجيشاني، عن عقبة بن عامر به.
وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زَحْر، أن أبا سعيد الرعيني أخبره، أن عبد الله بن مالك أخبره، عن عقبة بن عامر. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7580
والترمذي (١): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. . . . بإسناده نحوه.
وقال: حديث حسن.
الثالث: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي الأنطاكي، عن الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد جعثل، عن عبد الله بن مالك. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): عن عمرو بن علي وابن مثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد، عن عبد الله، به.
وابن ماجه (٣): عن علي بن محمَّد، عن عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله به.
ص: وقد دل على ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كُريب، عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول اللهَ، إن أختي نذرت أن تحج ماشيةً، فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحج راكبةً، وتكفر عن يمينها".
ش: أي وقد دل على كون الثلاثة الأيام في الحديث المذكور كفارة عن يمينها: حديث ابن عباس.
أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بِسَعْدَوَيه شيخ البخاري وأبي داود، عن
стр. 7581
شريك بن عبد الله النخعي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن عبيد مولى آل طلحة ابن عُبيد الله القرشي الكوفي، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه أبو داود (١): عن حجاج بن أبي يعقوب، عن النضر، عن شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس .. إلى آخره نحوه.
ص: وخالف هؤلاء آخرون، فقالوا: بل نأمر هذا الذي نذر أن يحج ماشيًا أن يركب ويكفر إن كان أراد يمينًا، ونأمره مع هذا بالهدي.
ش: أي خالف أهل المقالتين المذكورتين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب، وعكرمة، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا ﵏ فإنهم قالوا: من نذر أن يحج ماشيًا فله أن يركب ويكفر، إن أراد به اليمين، ويُهدي هديًا أيضًا، وذلك لأنه ﵇ أمر أخت عقبة بالهدي لأجل ركوبها، وبالتكفير لأجل يمينها، حيث قال في الحديث الآخر: "ولتصم ثلاثة أيام".
قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله: يركب ويريق دمًا، سواء أطاق المشي أو لم يُطق.
وقال الحسن البصري: من نذر أن يحج ماشيًا يمشي، حتى إذا أعيي ركب وأهدى. وكذا قال قتادة.
وقال الشعبي: إذا ركب في نذر نصف الطريق، يجيء من قابل فيركب ما مشيَ ويمشي ما ركب، وينحر بدنة.
وكذا رواه عن ابن عباس، وقال عطاء: أيما امرأة جعلت عليها المشي إلى البيت فلم تستطع، فلتركب ولتُهْدٍ بدنة.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن علي بن شيبة حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن
стр. 7582
عقبة بن عامر الجُهنَي أتى النبي ﵇ فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً ناشرةً شعرها. فقال له النبي ﵇: مُرها فلتركب ولتختمر، ولتُهْد هديا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا مطر الوراق، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة، فأتى عليها ﵇ فقال: ما لهذه؟ فقالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة. فقال: إن الله لغني عن مشيها، مُرُوها فلتركب ولتُهد بدنة".
ففي هذا الحديث أن النبي ﵇ أمرها بالهدي؛ لمكان ركوبها.
فتصحيح هذه الآثار كلها يوجب أن يكون حكم مَنْ نذر أن يحجّ ماشيًا أن يركب إن أحب ذلك، ويهدي هديًا لترك المشي، ويكفّر عن يمينه لحنثه فيها، وبهذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولون.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه [حديث] (١) أخت عقبة بن عامر الذي رواه عبد الله بن عباس، وعكرمة مولاه، عن عقبة بن عامر.
وأخرج ما رواه ابن عباس بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: نا أبو الوليد، قال: ثنا همّام، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبى ﵇: إن الله لغنيٌّ عن مشي أختك ولتهد هديًا".
وأخرج ما رواه عكرمة عن عقبة بإسناد صحيح أيضًا.
стр. 7583
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا شعيب بن أيوب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني: "أنه قال للنبي ﵇: إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال: إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا".
قوله: "ففي هذا الحديث" أي الحديث الذي رواه ابن عباس عن عقبة بن عامر.
والباقي ظاهر.
ص: وأما وجه النظر في ذلك: فإن قومًا قالوا: ليس المشي فيما يوجبه نذر؛ لأن فيه تعبًا للأبدان، وليس الماشي في حال مشيه في حرمة إحرام، فلم يوجبوا عليه المشي ولا بدلًا من المشي.
فنظرنا في ذلك، فرأينا الحج فيه الطواف بالبيت والوقوف بعرفة وبجَمْعٍ، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال إحرامه وهو طواف الزيارة، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه وهو طواف الصدر، فكان ذلك كله إذ كان من أسباب الحج قد أُريد أن يفعله الرجل ماشيًا، وكان من فعله راكبًا مقصرًا، وجُعل عليه الدم، هذا إذا كان فعله لا من عذر، وإن كان فعله من علّة فإن الناس مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: لا شيء عليه. وممن قال بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال بعضهم: عليه دمٌ. وهذا هو النظر عندنا؛ لأن العلل إنما تُسْقط الآثام في انتهاك الحرمات، ولا تُسقط الكفارات، ألا ترى أن الله قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فكان حلق الرأس حرامًا على المحرم في إحرامه إلا من عذر، فإن حلقه فعليه الإثم والكفارة، وإن اضطر إلى
стр. 7584
حلقه فَحَلَقَهُ، فعليه الكفارة ولا إثم عليه، فكان العذر تسقط به الآثام ولا تسقط به الكفارات، فكان يجب في النظر أن يكون كذلك حكم الطواف بالبيت، إذا كان مَنْ طافه راكبًا للزيارة لا من عذر فعليه دم؛ إلا أن يكون من طافه من عذر راكبًا كذلك أيضًا.
فهذا حكم النظر في هذا الباب، وهو قياس قول زفر ﵀, ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا لم يجعلوا على من طاف بالبيت طواف الزيارة راكبًا من عذرٍ شيئًا.
فلما ثبت بالنظر ما ذكرنا، كان كذلك المشي لما رأيناه، قد يجب بعد فراغ الإحرام إذ كان من أسبابه، كما يجب في الإحرام، كان كذلك المشي الذي قبل الإحرام من أسباب الإحرام، حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام؛ فلما كان على تارك المشي الواجب في الإحرام دم؛ كان على تارك هذا المشي الواجب قبل الإحرام دم أيضًا، وذلك واجب عليه في حال قُوَّتهِ على المشي، وفي حال عجزه عنه في قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد أيضًا؛ وذلك دليلٌ لنا صحيح على ما بيناه من حكم الطواف في حال القوة عليه، وفي حال العجز عنه.
ش: أي وأمّا وجه القياس في الحكم المذكور: فإن قومًا وأراد بهم: أهل المقالة الأولى، وهم: عطاء والشعبي والحسن وقتادة قالوا: ليس المشي يعني مَنْ نذره أن يحج ماشيًا مما يوجبه أي من الذي يوجبه نذرٌ، أراد أن النذر لا يوجب المشي؛ لأن فيه تعبًا للأبدان، فإذا لم يجب عليه المشي، لا يجب عليه بدله أيضًا عند تركه إياه.
قوله: "وبِجَمع" أراد به المزدلفة.
قوله: "وكان الطواف. . . ." إلى آخره تقسيم الطواف في الحج.
قوله: "إذ كان" أي حين كان.
قوله: "فقال بعضهم" أراد به: الثوري والنخعي وأبا حنيفة وصاحبيه.
стр. 7585
قوله: "وقال بعضهم: عليه دم" أراد به: زفر والشافعي ومالكًا وأحمد ﵏.
قوله: "وهذا هو النظر عندنا" أشار بهذا إلى أن القياس يقتضي ما قاله زفر ومن تبعه، وهو مختارُه أيضًا وَبَيَّن وجه ذلك بقوله: "لأن العلل. . . ." إلى آخره.
قوله: "فكان يجب في النظر" أي في القياس، والباقي ظاهر جدًّا.
ص: فإن قال قائل: فإذا وجب عليه المشي بإيجابه على نفسه أن يحج ماشيًا، فكان ينبغي إذا ركب أن يكون في معنى مَن لم يأت بما أوجب على نفسه، فيكون عليه أن يحج بعد ذلك ماشيًا، ويكون كمن قال: لله علىّ أن أصلي ركعتين قائمًا. فصلاهما قاعدًا.
فمن الحجة على قائل هذا القول عندنا: أنَّا رأينا الصلوات المفروضات التي علينا أن نصليها قيامًا لو صليناها قعودًا لَا لعذر؛ وجب علينا إعادتُها، وكنا في حكم من لم يصلها، وكان من حجَّ منا حجة الإِسلام التي يجب علينا المشى في الطواف لها، فطاف ذلك الطواف راكبًا ثم رجع إلى أهله، لم يُجْعل في حكم من لم يطف ويؤمر بالعود؛ بل قد قبل في حكم من طاف، وأجزأه طوافه ذلك؛ إلا أنه جعل عليه دم لتقصيره، فكذلك الصلاة الواجبة بالنذر والحج الواجب بالنذر هما مقيسان على الصلاة والحج الواجبين بإيجاب الله ، فما كان من ذلك مما وجب بإيجاب الله يكون المقصر فيه في حكم تاركه، كان كذلك ما وجب عليه من ذلك بإيجابه إياه على نفسه فقصّر فيه، فلم يجب عليه إعادة، ولم يكن بذلك التقصير في حكم تاركه، كان كذلك ما وجب عليه من ذلك الجنس بإيجابه إياه على نفسه فقصّر فيه، فلا يكون بذلك التقصر في حكم تاركه فيجب عليه إعادته، ولكنه في حكم فاعله وعليه لتقصيره ما يجب عليه من التقصير في أشكاله من الدماء.
وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
стр. 7586
ش: تقرير السؤال أن يقال: إذا وجب على الناذر المذكور بإيجابه إياه على نفسه كان ينبغي إذا ركب ألا يكون آثمًا بما أوجبه على نفسه، فيجب عليه أن يحج بعد ذلك ماشيًا، وكذلك قلنا على من نذر أن يُصلِّي ركعتين قائمًا فصلاهما قاعدًا بغير عذر فإنه يجب عليه إعادتهما.
وأجاب عن ذلك بقوله: "فمن الحجة على قائل هذا القول. . . ." إلى آخره.
وهو ظاهر غني عن البيان.
قوله: "في أشكاله" بفتح الهمزة أي في أمثاله وأقرانه.
стр. 7587
ص: بابُ: الرجل ينذر وهو مشرك نذرًا ثم يُسلم
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي نذر نذرًا وهو مشرك، ثم أسلم بعده، هل يجب عليه الوفاء بذلك النذر السابق أم لا؟
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام. فقال: فِ بنذرك".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: ثنا حفص ابن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -أراه عن عمر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية نذرًا، فقد جاء الله بالإِسلام، فقال: فِ بنذرك".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، أن أيوب، حدثه أن نافعًا حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: "أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله بالجعرانة، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام. فقال النبي ﵇: اذهب فاعتكف يومًا".
ش: رجال هذه الأسانيد الثلاثة كلهم من رجال الصحيح ما خلا يزيد بن سنان وعلي بن شيبة وهما أيضًا ثقات.
وعُبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وإسحاق بن إبراهيم هو المعروف بابن راهوَيْه، شيخ الجماعة مما خلا ابن ماجه.
وأيوب: هو السختياني.
فالأول: أخرجه أبو يعلى في "مسنده": ولكن في روايته: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف على باب المسجد. فقال النبي ﵇: أوفي بنذرك" رواه عن محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن محمَّد بن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
стр. 7588
والثاني: أخرجه البخاري (١): نا محمَّد بن مقاتل أبو الحسن، أنا عبد الله، أنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر ﵁ قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. قال: أوفِ بنذرك".
وأبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبيه، به.
والترمذي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى، به.
وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، عن حفص بن غياث.
وعن يعقوب (٥) بن إبراهيم، عن يحيى جميعًا، عن عُبيد الله به.
والثالث: أخرجه مسلم (٦): حدثني أبو الطاهر، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: نا جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعا حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل رسول الله ﵇ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال: اذهب فاعتكف يومًا. . . ." الحديث.
وأخرجه ابن ماجه (٧): عن إسحاق بن موسى الخَطْمي، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع به.
стр. 7589
قوله: "فِ بنذرك" أصله: أَوْف؛ لأنه أمر من وفى يفي، كَقِ أمرٌ من وَقَّى يَقِي، أصله يَوْفي، حذفت "الواو"؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، فصار يفي على وزن يَعِل والأمر منه "فِ".
قوله: "أُراه" بضم الهمزة أي أظنه.
قوله: "بالِجعْرانة" بكسر الجيم وسكون العين المهملة.
وقد تكسر العين وتشدد الراء، وهو موضع قريب من مكة، وهي في الحل، وميقات للإحرام.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه شيئًا في حال شركه، من اعتكاف أو صدقة أو شيء مما يوجبه المسلمون لله، ثم أسلم؛ أن ذلك واجب عليه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوسًا، وقتادة، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة الظاهرية؛ فإنهم قالوا: إذا أوجب المشرك على نفسه شيئًا من اعتكاف أو صدقة أو عتق أو نحو ذلك، ثم أسلم؛ يجب عليه الوفاء به.
وقال ابن حزم (١): ومن نذر في حال كفره طاعةً لله ، ثم أسلم؛ لزمه الوفاء به.
ثم قال: وروينا عن طاوس: "من نذر في كفره، ثم أسلم، فليوف بنذره".
وعن الحسن وقتادة مثله.
وبهذا يقول الشافعي وأبو سليمان وأصحابهما.
وقال الخطابي: قوله ﵇ لعمر ﵁ "فِ بنذرك" يدل على تعلق ذمته بما نذره في الجاهلية، وفيه دليل على أنه يؤاخذ بتوابع الأحكام التي كانت مبَادئها في حالة الكفر، فلو حلف في الجاهلية وحنث في الإِسلام لزمته الكفارة، وهذا أصل الشافعي.
стр. 7590
وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفرائض، مأمورون بالطاعات.
وفيه دليل على أن الاعتكاف جائز بغير صوم؛ لأنه إنما كان نذر اعتكاف ليلة، والليل ليس بمحل للصوم.
قلت: لا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان, ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، فأما وجوب الأداء في أحكام الدين فمذهب العراقيين من مشايخنا: أن الخطاب يتناولهم أيضًا والأداء واجب عليهم، ومذهب مشايخ ما وراء النهر: أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات، وقد عرف هذا في موضعه مستقصىً.
وأما الاعتكاف هل يشترط فيه الصوم أم لا؟ فإن كان تطوعًا فالصوم ليس شرط فيه، في ظاهر الرواية عن المذهب.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه شرط، واختلاف الرواية فيه مبني على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع أنه مقدر بيوم أو غير مقدر، وإن كان الاعتكاف واجبًا فلا يصح إلا بالصوم لرواية عائشة ﵂: "لا اعتكاف إلا بالصوم".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب عليه من ذلك شيء.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي -في قول- وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: لا يجب عليه من ذلك شيء.
ص: واحتجوا في ذلك بما رُوِيَ عن رسول الله ﵇.
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "مَنْ نذر أن يُطع الله فليُطعْه، ومن نذر أن يَعْصي الله فلا يَعْصه".
стр. 7591
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن مالك. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن طلحة بن عبد الملك. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن طلحة. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة المنقري، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن أبان، عن القاسم، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵇ كان يقول: "من نذر أن يَعْصي الله فلا يَعْصه".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد قال: ثنا يحيى. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن كعب الحلبي، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن ابن حرملة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﵇: "إنما النذر ما ابتُغِي به وجه الله تعالى".
قالوا: فلما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب بها إلى الله تعالى، فلا تجب إذا كانت معاصي لله تعالى، وكان الكافر إذا قال: لله عليّ صيام. أو قال: لله عليّ اعتكاف. فهو لو فعل ذلك لم يكن به إلى الله متقربًا، وهو في وقت ما أوجبه إنما قصد به إلى ربه الذي يعبده من دون الله وذلك معصية، فدخل ذلك في قول رسول الله ﵇: "لا نذر في معصية الله".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديثي عائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
أما حديث عائشة فأخرجه من ست طرق صحاح:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن مالك بن أنس. . . . إلى آخره.
стр. 7592
وأخرجه البخاري (١): نا أبو نعيم، نا مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﵇: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري، عن مالك بن أنس.
وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك نحوه.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زُريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الزعافري الكوفي، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
وأخرجه النسائي (٣): عن أبي كُريب، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٤): عن قتيبة، عن مالك. . . . إلى آخره.
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار، [عن يحيى بن أبي كثير] (٥) عن محمَّد بن أبان الأنصاري المدني، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
стр. 7593
السادس: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن أبان، عن القاسم، عن عائشة.
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن يعقوب بن كعب بن حامد الحلبي شيخ أبي داود، عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو المدني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه، وهؤلاء كلهم ثقات، وقد مرّ الكلام في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده غير مرة.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﵇ قال: "إنما النذر ما ابتُغِيَ به وجه الله".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من طريق ابن وهب. . . . نحوه.
قوله: "قالوا" أي هؤلاء الآخرون، وهذا إشارة إلى بيان وجه الاستدلال بالحديثين المذكورين.
فإن قيل: روى أبو داود (٢): من حديث عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأة أتت فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفّ، فقال: أوفي بنذرك".
قلت: إنما قال لها ذلك لإظهار الفرح بظهوره ورجوعه سالمًا لا أنه يجب بالنذر.
وقال البيهقي: يشبه أن يكون أذن لها لأنه فعل مباح.
стр. 7594
وقال الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلق بهذا النذر وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﵇ حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين؛ صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات، ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح؛ لما فيه من الإشاعة لذكره، والخروج به عن معنى السفاح الذي هو الاستتار عن الناس فيه، ومما يبين هذا المعنى قول النبي ﵇ لحسّان حين استنشده وقال له: "كأنما تنضح به وجوه القوم النبل".
ص: وقد يجوز أن يكون قول رسول الله ﵇: "فِ بنذرك" ليس من طريق أن ذلك كان واجبًا عليه، ولكن على أنه قد كان سمح في حال ما نذره أن يفعله فهو معصية لله ، فأمره النبي ﵇ أن يفعله الآن على أنه طاعةٌ لله ، فكان ما أُمِرَ به خلاف ما كان أوجبه على نفسه.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا جواب عن الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى، حاصله: أن أمره ﵇ لعمر بن الخطاب بقوله: "فِ بنذرك" ليس للوجوب، وإنما هو للإباحة، وذلك لأنه لما نذر أن يفعله وهو في كفره كان ذلك على وجه المعصية لله تعالى، فأمره النبي ﵇ بعد إسلامه على وجه الطاعة لله ، فكان الذي أُمر به في هذه الحالة خلاف ما كان أوجبه على نفسه في تلك الحالة. فافهم. والله أعلم.
стр. 7595
ص: كتاب العتاق
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام العتاق، وهو اسم للعتق، يقال: أعتقتُ العبدَ أُعْتِقه إعتاقًا وعتاقةً، فهو مُعتَق وأنا مُعتقِ، وعُتِقَ هو فهو عَتِيق، أي حرَّرته فصار حرًّا.
وقال الجوهري: العِتْقُ: الحرية، وكذلك العَتاق -بالفتح- والعَتَاقة، تقول فيه: عتَقَ العبدى يعتِق -بالكسر- عتقًا وعتاقًا وعتاقة، فهو عتيق وعاتق، وأعتقه أنا انتهى.
والعتق في اللغة: القوة، من عَتَق الطائر إذا قويَ على جناحيه، وفي الشرع: عبارة عن قوة شرعية في مملوك، والإعتاق: إثبات العتق عندهما، وعند أبي حنيفة: إثبات النقل المفضي إلى حصول العتق، والرق ضعف شرعي يثبت في المحل فيعجزه عن التصرفات الشرعية، ويسلبه أهلية القضاء والشهادة والسلطنة والتزوج وغير ذلك، فافهم.
стр. 7596
ص: باب: العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما
ش: أي هذا باب في بيان أحكام العبد المشترك بين الرجلين، إذا أعتقه أحدهما، كيف يكون حكمه؟
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا له في مملوك، ضمن لشركائه حصصهم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن عُفَير، قال: حدثني داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق عبدًا بينه وبين شركائه، قُوِّم عليه قيمته وعتق".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عليّ بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "مَنْ أعتق جزءًا له مِنْ عبد -أو أَمَة- حمل عليه ما بقي في ماله حتى يعتق كله جميعًا".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم والبخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا هناد، قال: نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شقصًا له في عبد؛ ضمن لأصحابه أنصابهم".
стр. 7597
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن عفير المصري شيخ البخاري. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا قتيبة، قال: نا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "من كان له عبد بينه وبين آخر، فأعتق نصيبه. . . ." الحديث.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة، وأسانيد متباينة.
فقال البخاري (٢): نا مسدد، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق شِركًا له في مملوك وجب عليه أن يعتق كله، إن كان له مال قدر ثمنه، يقام قيمة عدل، ويُعطَى لشركاؤه حصّتَهم، ويُخَلَّى سبيل المُعتَق".
حدثنا (٣) علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق عبدًا بين اثنين، فإن كان موسرًا قوِّم عليه، ثم يعتق".
حدثنا (٤) عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، وكان له ما يبلغ ثمن العبد؛ قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأُعطي شركائه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق".
стр. 7598
حدثنا عُبيد (١) بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه كله، إن كان له مال يبلغ ثمنه؛ فإن لم يكن له مال، يقوم عليه قيمة عدل على المعتِق وأعتق ما أعتق".
حدثنا أبو النعمان (٢)، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "مَنْ أعتق نصيبًا له في مملوك، أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل، فهو عتيق".
قال نافع: "وإلا فقد عتق منه ما عتق".
قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء من الحديث.
وقال مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى، قال: قلت لمالك: حدثك نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇. . . . إلى آخره، نحو رواية البخاري.
وحدثنا ابن ابن نمير (٣) قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇ .. . . . إلى آخره، نحو رواية البخاري.
وحدثنا شيبان (٣) بن فروخ، قال: نا جرير بن حازم، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق نصيبًا له في عبدٍ، وكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته، قُوِّم عليه قيمة عدل؛ وإلا فقد عتق منه ما أعتق".
وأخرجه مسلم بأسانيد أخرى (٣).
وقال أبو داود (٤): نا القعنبي، عن مالك، عن نافع. . . . إلى آخره، نحو روايتي البخاري ومسلم.
стр. 7599
وحدثنا (١) إبراهيم بن موسى الرازي، قال: أنا عيسى -يعني ابن يونس- قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه؛ وإن لم يكن له مال عتق نصيبه".
وحدثنا (٢) أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه يبلغ به النبي ﵇: "إذا كان العبد بين اثنين، فأعتق أحدهما نصيبه؛ فإن كان موسرًا تُقوَّم عليه قيمته، لا وكس ولا شطط، ثم يعتق".
وقال الترمذي (٣): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق نصيبًا -أو قال: شقيصًا، أو قال: شركًا- له في عبدٍ، فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق".
وقال: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد روى سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحو ذلك.
وقال النسائي (٤): أنا عمرو بن علي، نا يزيد بن زريع، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو أعتق من ماله".
أخبرنا (٥) نوح بن حبيب، قال: أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، أُتمّ ما بقي في ماله إن كان له مال يبلغ ثمن العبد".
стр. 7600
وقال ابن ماجه (١): نا يحيى بن حكيم، ثنا عثمان بن عُمير، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. . . . إلى آخره، نحو ما ذكرناه آنفًا.
قوله: "شقصًا" بكسر الشين أي نصيبًا، والشقيص النصيب في العين المشتركة في كل شيء.
"والحِصَص" بكسر الحاء جمع حصة، وهي النصيب أيضًا، وكذلك "الشِرْك" بكسر الشين.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن العبد إذا كان بين رجلين، فأعتق أحدهما ضَمن قيمة نصيب شريكه، موسرًا كان أو معسرًا. وقالوا: به جعل العتاق من الشريك جناية على نصيب شريكه، يجب عليه بها ضمان قيمته من ماله، وكان من جَنى على مالٍ لرجلٍ وهو موسر أو معسر وجب عليه ضمان ما أتلف لجنايته، ولم يفترق حكمه في ذلك إن كان موسرًا أو معسرًا في وجوب الضمان عليه.
قالوا: فكذلك لما وجب على الشريك ضمان نصيب شريكه لجنايته لما كان موسرًا، وجب ضمان ذلك أيضًا عليه وإن كان معسرًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وزفر بن الهذيل؛ فإنهم قالوا: من أعتق شركا له في مملوك؛ ضَمِنَ قيمة حصة شريكه، موسرًا كان أو معسرًا.
ورووا ذلك عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب ﵄.
قوله: "وقالوا" أي هؤلاء الآخرون.
تقرير هذا الكلام: أنَّ عِتْق أحد الشريكين نصيبه جناية منه على نصيب الآخر، فالجاني عليه الضمان، سواء كان موسرًا أو معسرًا، وسواء كان شريكًا أو غير شريك، فافهم.