ص: باب: العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما
ش: أي هذا باب في بيان أحكام العبد المشترك بين الرجلين، إذا أعتقه أحدهما، كيف يكون حكمه؟
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا له في مملوك، ضمن لشركائه حصصهم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن عُفَير، قال: حدثني داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق عبدًا بينه وبين شركائه، قُوِّم عليه قيمته وعتق".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عليّ بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "مَنْ أعتق جزءًا له مِنْ عبد -أو أَمَة- حمل عليه ما بقي في ماله حتى يعتق كله جميعًا".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم والبخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا هناد، قال: نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شقصًا له في عبد؛ ضمن لأصحابه أنصابهم".
стр. 7597
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن عفير المصري شيخ البخاري. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا قتيبة، قال: نا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "من كان له عبد بينه وبين آخر، فأعتق نصيبه. . . ." الحديث.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة، وأسانيد متباينة.
فقال البخاري (٢): نا مسدد، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق شِركًا له في مملوك وجب عليه أن يعتق كله، إن كان له مال قدر ثمنه، يقام قيمة عدل، ويُعطَى لشركاؤه حصّتَهم، ويُخَلَّى سبيل المُعتَق".
حدثنا (٣) علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق عبدًا بين اثنين، فإن كان موسرًا قوِّم عليه، ثم يعتق".
حدثنا (٤) عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، وكان له ما يبلغ ثمن العبد؛ قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأُعطي شركائه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق".
стр. 7598
حدثنا عُبيد (١) بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه كله، إن كان له مال يبلغ ثمنه؛ فإن لم يكن له مال، يقوم عليه قيمة عدل على المعتِق وأعتق ما أعتق".
حدثنا أبو النعمان (٢)، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "مَنْ أعتق نصيبًا له في مملوك، أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل، فهو عتيق".
قال نافع: "وإلا فقد عتق منه ما عتق".
قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء من الحديث.
وقال مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى، قال: قلت لمالك: حدثك نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇. . . . إلى آخره، نحو رواية البخاري.
وحدثنا ابن ابن نمير (٣) قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇ .. . . . إلى آخره، نحو رواية البخاري.
وحدثنا شيبان (٣) بن فروخ، قال: نا جرير بن حازم، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق نصيبًا له في عبدٍ، وكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته، قُوِّم عليه قيمة عدل؛ وإلا فقد عتق منه ما أعتق".
وأخرجه مسلم بأسانيد أخرى (٣).
وقال أبو داود (٤): نا القعنبي، عن مالك، عن نافع. . . . إلى آخره، نحو روايتي البخاري ومسلم.
стр. 7599
وحدثنا (١) إبراهيم بن موسى الرازي، قال: أنا عيسى -يعني ابن يونس- قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه؛ وإن لم يكن له مال عتق نصيبه".
وحدثنا (٢) أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه يبلغ به النبي ﵇: "إذا كان العبد بين اثنين، فأعتق أحدهما نصيبه؛ فإن كان موسرًا تُقوَّم عليه قيمته، لا وكس ولا شطط، ثم يعتق".
وقال الترمذي (٣): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق نصيبًا -أو قال: شقيصًا، أو قال: شركًا- له في عبدٍ، فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق".
وقال: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد روى سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحو ذلك.
وقال النسائي (٤): أنا عمرو بن علي، نا يزيد بن زريع، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو أعتق من ماله".
أخبرنا (٥) نوح بن حبيب، قال: أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، أُتمّ ما بقي في ماله إن كان له مال يبلغ ثمن العبد".
стр. 7600
وقال ابن ماجه (١): نا يحيى بن حكيم، ثنا عثمان بن عُمير، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. . . . إلى آخره، نحو ما ذكرناه آنفًا.
قوله: "شقصًا" بكسر الشين أي نصيبًا، والشقيص النصيب في العين المشتركة في كل شيء.
"والحِصَص" بكسر الحاء جمع حصة، وهي النصيب أيضًا، وكذلك "الشِرْك" بكسر الشين.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن العبد إذا كان بين رجلين، فأعتق أحدهما ضَمن قيمة نصيب شريكه، موسرًا كان أو معسرًا. وقالوا: به جعل العتاق من الشريك جناية على نصيب شريكه، يجب عليه بها ضمان قيمته من ماله، وكان من جَنى على مالٍ لرجلٍ وهو موسر أو معسر وجب عليه ضمان ما أتلف لجنايته، ولم يفترق حكمه في ذلك إن كان موسرًا أو معسرًا في وجوب الضمان عليه.
قالوا: فكذلك لما وجب على الشريك ضمان نصيب شريكه لجنايته لما كان موسرًا، وجب ضمان ذلك أيضًا عليه وإن كان معسرًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وزفر بن الهذيل؛ فإنهم قالوا: من أعتق شركا له في مملوك؛ ضَمِنَ قيمة حصة شريكه، موسرًا كان أو معسرًا.
ورووا ذلك عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب ﵄.
قوله: "وقالوا" أي هؤلاء الآخرون.
تقرير هذا الكلام: أنَّ عِتْق أحد الشريكين نصيبه جناية منه على نصيب الآخر، فالجاني عليه الضمان، سواء كان موسرًا أو معسرًا، وسواء كان شريكًا أو غير شريك، فافهم.
стр. 7601
واعلم أن هاهنا أربعة عشر مذهبًا:
الأول: مذهب هؤلاء المذكورين.
الثاني: مذهب ربيعة.
فإنه قال: من أعتق حصة له من عبد بينه وبين آخر لم يُعد عتق. روى ذلك الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران، عن محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف، أن ربيعة قال له ذلك.
الثالث: مذهب الزهري، وعبد الرحمن بن يزيد، وعطاء بن رباح، وعمرو ابن دينار.
فإنهم قالوا: ينفذ عتق من أعتق ويبقى من لم يعتق على نصيبه، يفعل فيه ما شاء.
الرابع: مذهب عثمان البتِّي.
فإنه قال: ينفذ عتق الذي أعتق في نصيبه، ولا يلزمه شيء لشريكه؛ إلا أن تكون جارية رائعة إنما تلتمس للوطئ؛ فإنه يضمن للضرر الذي أدخل على شريكه.
الخامس: مذهب الثوري، والليث، والنخعي في قول.
فإنهم قالوا: شريكه بالخيار، إن شاء أعتق، وإن شاء ضمّن المُعْتِق.
السادس: مذهب ابن جريح وعطاء بن أبي رباح في قول.
فإنهما قالا: إن أعتق أحد الشريكين نصيبه استسعي العبد، سواء كان المُعْتِق موسرًا أو معسرًا.
قال ابن جريح: هذا أول قول خطأ. ثم رجع إلى ما ذكر أولًا.
السابع: مذهب عبد الله بن أبي يزيد.
فإنه قال: إن أعتق شِركًا له في عبدٍ وهو مُفلس، فأراد العبد أخذ نفسه بقيمته، فهو أولى بذلك إن يُفْد.
стр. 7602
الثامن: مذهب ابن سيرين.
فإنه قال في عبد بين اثنين أَعْتَقَ أحدهما نصيبه: إن باقيه يعتق من بيت مال المسلمين.
التاسع: مذهب مالك.
فإنه قال: من أعتق شِركَا له في عبدٍ أو أَمَة فإن كان موسرًا قُوِّم عليه حصصُ شركائه وأغرمها لهم، وأُعتق كله بعد التقويم لا قبله، وإن شاء الشريك أن يُبق حصته فله ذلك، وليس له أن يمسكه رقيقًا ولا أن يكاتبه ولا أن يبيعه ولا أن يدبِّره، فإن غفل عن التقويم حتى مات المعتق أو العبد بطل التقويم، وماله كله لمن يمسك بالرق، فإن كان الذي أعتق نصيبه معسرًا، فقد عتق ما أعتق، والباقي رقيق يبيعه الذي هو له إن شاء، أو يمسكه رقيقًا، أو يكاتبه، أو يهبه، أو يدبِّره، وسواء أيْسر المعتق بعد عتقه أو لم يُوسر، فإن كان عبدًا أو أمة بين ثلاثة، فأعتق أحدهم نصيبه وهو معسر، ثم أعتق الآخر وهو موسر لم يُقوَّم عليه ولا على المعتق، وبقي بحصته، فإن كان كلاهما موسرًا قُوِّم على الذي أعتق أولًا فقط، فلو أعتق الاثنان معًا وكانا غنيين قُوَّمت حصة الباقين عليهما، فمرة قال: نصفين. ومرة قال: على قدر حصصهما، فإن كان أحدهما غائبًا لم يُنتظر، لكن يُقوّم على الحاضر.
العاشر: مذهب الشافعي -في قول- وأحمد وإسحاق.
فإنهم قالوا: إن كان الذي أعتق موسرًا قوِّم عليه حصة مَنْ شركه وهو حُرّ كله حين أعْتَق الذى أعْتَق نصيبه، وليس لمن شركه أن يعتقوا ولا أن يمسكوا، فإن كان المُعْتِق معسرًا فقد عتق ما عتق، وبقي سائره مملوكًا يتصرف فيه مالكه كما شاء.
الحادي عشر: مذهب ابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن بن حي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والشعبي، والحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان وقتادة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏.
стр. 7603
فإنهم قالوا: إن كان المعتق لنصيبه معسرًا استسعي العبد في قيمة من لم يعتق، وعتق كله. وذهب إليه الطحاوي.
وقال ابن حزم: وقد ذكرناه عن ثلاثين من الصحابة ﵃.
قلت: اختلف هؤلاء، أيكون حرًّا منذ يعتِق الأول نصيبه ولا يكون للآخر تصرف بعتق ولا بغيره، أو لا يعتق إلا بأداء؟ ولمن يكون ولاؤه إن عتِق باستسعائه؟ وهل يرجع على الذي أعتَق بعضه أولًا بما بقي له أم لا؟.
أما الفصل الأول: فإن أبا يوسف، ومحمدًا والأوزاعي والحسن بن حيّ قالوا: هو حرّ ساعة التلفظ بعتقه.
وقال قتادة: هو عبد حتى يؤدى إلى من يعتق حقه.
وأما الفصل الثاني: فإن حمادًا والحسن البصري قالا: إن كان للمعتق مال فضمنه فالولاء كله له، وإن عتق بالاستسعاء فالولاء بينهما. وهو قول سفيان أيضًا.
وقال الشعبي وابن شبرمة وابن أبي ليلى وكل من قال: هو حُرٌّ حين يعتق بعضه: إن ولاءه كله للذي أعتق بعضه، عتق عليه أو بالاستسعاء. وهو قول النخعي أيضًا.
وأما الفصل الثالث: فإن ابن أبي ليلى وابن شبرمة قالا: يرجع المعتق بما أدّى على العبد، ويرجع العبد إذا استسعى بما أدى على الذي ابتدأ عتقه.
وقال أبو يوسف وغيره: لا رجوع لأحدهما على الآخر.
الثاني عشر: مذهب أبي حنيفة.
فإنه قال: من أعتق نصيبًا له من عبد أو أمة، فشريكه بين خيارين: إن شاء أعتق نصيبه، ويكون الولاء بينهما سواء كان في كلا الأمرين موسرًا أو معسرًا، وله إن كان موسرًا خيار في وجه ثالث وهو: إن شاء ضَمَّن المعتِقَ حصته, ويرجع المعتِق الآخر على العبد بما ضمنه شريكه الذي أعتق، فإذا أداها العبد عتق رقبته، والولاء في هذا الوجه خاصةً للذي أعتق حصته فقط.
стр. 7604
قال: فإن أعتق أم ولد بينه وبين آخر فلا ضمان عليه ولا عليها أيضًا، موسرًا كان المعتِق أو معسرًا، أو قال: فإن دبَّر عبدًا بينه وبين آخر فهو بالخيار إن شاء احتبس نصيبه رقيقًا كما هو، ويكون نصيب شريكه مدبرًا وإن شاء دبر نصيبه أيضًا، وإن شاء ضمَّن العبد حصته منه مدبرًا، فإذا أداها عتق وضمَّن الشريك الذي دبر العبد أيضًا قيمة حصته مدبرًا, ولا سبيل له إلى شريكه في تضمين، وإن شاء عتق نصيبه فإن ضمَّن كان لشريكه الذي دبره أن يضمِّن الشريك المعتق قيمة نصيبه مدبرًا.
الثالث عشر: مذهب بكير بن الأشج.
فإنه قال في رجلين بينهما عبد، فأراد أحدهما أن يعتق أو يكاتب: فإنهما يتقاومانه.
الرابع عشر: مذهب الظاهرية.
فإنهم قالوا: من أعتق نصيبه من العبد أو الأمة، فإنه يُعتق كله حين يلفظ بذلك، فإن كان له مال يفي بقيمة حصة شريكه حين لفظ بالعتق إذا ما أبى شريكه، وإلا كلف العبد أو الأمة بالاستسعاء في قيمة حصة شريكه على حسب طاقته، ليس للشريك غير ذلك ولا له أن يعتق، والولاء للذي أعتق أولًا، ولا يرجع العبد على من أعتقه بشيء مما سعى فيه، حدث له مال أو لم يحدث.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب الضمان عليه لقيمة نصيب شريكه لعتاقه إلا أن يكون موسرًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجب الضمان على أحد الشريكين للآخر لقيمة نصيبه، إلا إذا كان موسرًا.
وتقرير مذهب الشافعي ما قاله في الجديد: أنه إذا كان المعتق لحصته من العبد موسرًا عتق جميعه حين أعتقه، وهو حر من يومئذٍ يرث ويورث، وله ولاءه ولا
стр. 7605
سبيل للشريك على العبد، وعليه قيمة نصيب شريكه كما لو قتله وجعل عتقه إتلافًا هذا كله إذا كان موسرًا في حين العتق للشقص، سواء أعطاه القيمة أو منعه، وإن كان معسرًا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه أو يخدمه يومًا ويُخلي لنفسه يومًا، ولا سعاية عليه.
قال أبو عمر بن عبد البر (١): ولم يختلف قول الشافعي أن المعتق لحصته من عبد بينه وبين غيره وهو معسر في حين تكلم بالعتق؛ أنه لا شيء عليه من سعاية ولا غيرها، وأنه لا يعتق من العبد غير تلك الحصة، وهو قول مالك في عتق المعسر، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود والطبري.
وقال مالك: إن مات المعتق الموسر قبل أن يُحكم عليه بعتق الباقي، لم يُحكم على ورثته بذلك.
وقال الشافعي: يحكم بعتقه إذا مات ولو أتى على تركته، إلا أن يَعْتِقَ في المرض، فيقوم في الثلث.
ص: وقالوا في حديث ابن عمر هذا: إنما الضمان المذكور فيه على الموسر خاصة دون المعسر وقد بُين ذلك عن ابن عمر في غير هذه الآثار، فمما روي عنه في ذلك:
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوَّم عليه قيمة العبد فأعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا بن أبي ذئب، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "من أعتق شركا له في مملوك، وكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه، فهو عتيقٌ كله".
стр. 7606
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇ "مَنْ أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه، وإن لم يكن له مال فيُقوَّم قيمة عَدْلِ على المُعْتِق، وقد عتق ما عتق".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق شركًا له في مملوك، فقد عتق كله، فإن كان للذي أعتقه من المال ما يبلغ ثمنه، فعليه عتقه كله".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا صخر بن جويرية، عن نافع: "أن ابن عمر كان يفتي في العبد أو الأمة يكون أحدهما بين شركائه، فيعتق أحدهم نصيبه منه، فإنه يجب عتقه على الذي أعتقه إذا كان له من المال ما يبلغ ثمنه، يقوم في ماله قيمة عدل، فيدفع إلى شركائه أنصابهم، ويُخلَى سبيل العبد، يخبر بذلك عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﵇".
حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرًا فإنه يقوّم عليه بأعلى القيمة، ثم يعتق".
قال سفيان: وربما قال عمرو بن دينار: "قيمة عدل لا وكس فيها ولا شطط".
فثبت بتصحيح هذه الآثار، أن ما رواه ابن عمر عن النبي ﵇ من ذلك إنما هو في الموسر خاصة، فأردنا أن ننظر في حكم عتاق المعسر كيف هو؟.
فقال قائلون: قول رسول الله ﵇: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" دليل على أن ما بقي من العبد لم يدخله عتاق، فهو رقيق لم يعتق على حاله.
стр. 7607
ش: أي قال هؤلاء الآخرون، أشار بذلك إلى بيان استدلالهم لما ذهبوا إليه، وهو أن الضمان المذكور في حديث عبد الله بن عمر ﵄ إنما هو على الموسر خاصةً دون المعسر، وقد بين ذلك ابن عمر في غير الأحاديث المذكورة.
فمما روي عنه في ذلك ما أخرجه الطحاوي من ستة طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عنه.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣): من حديث مالك، وقد ذكرناه عن قريب.
قال أبو عمر: هكذا قال يحيى بن يحيى في هذا الحديث "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد" وتابعه ابن القاسم وابن وهب وابن بكير في بعض الروايات عنه، وقال القعنبي: "من أعتق شركًا له في مملوك قُيِّم عليه بقيمة عدل" ولم يقل: "فكان له مال يبلغ ثمن العبد".
وقد تابعه بعضهم عن مالك ومن ذكر هذه الكلمة فقد حفظ وجوَّد، ومن لم يذكرها سقطت له ولم يفهم الحديث، ولا خلاف بين العلماء أن هذه اللفظة مستعملة صحيحة.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المديني، عن نافع.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا محمَّد بن رافع، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر. . . . إلى آخر نحوه.
стр. 7608
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (١): عن ابن نمير، عن أبيه، عن عبيد الله، عن نافع، عنه، نحوه.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع.
وأخرجه النسائي (٢): عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد.
وعن ابن قدامة (٣).
وعن يحيى (٤)، عن عبيد الله، عن نافع.
الخامس: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن روح بن عبادة، عن صخر بن جويرية، عن نافع.
وأخرجه البخاري (٥): عن أحمد بن المقدام، عن فضيل بن سليمان، عن موسى ابن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يُفتي في العبد أو الأَمَة يكون بين الشركاء فيعتق أحدهم نصيبه فيه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله؛ إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلغ، يقوم من ماله قيمة العدل ويدفع إلى الشركاء أنصبائهم، ويُخلّى سبيل المُعْتَق" يخبر بذلك ابن عمر عن النبي ﵇.
السادس: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه عبد الله، عن النبي ﵇.
стр. 7609
وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه. . . . فذكر مثله.
قوله: "شِركًا" بكسر الشين، وهو النصيب.
قوله: "وإلا فقد عتق عليه ما عتق". أي فإن لم يكن له مال يبلغ ثمن العبد، عتق منه ما عتق.
وقال الخطابي: فيه دليل على أنه لا عتاقة وراء ذلك، وفيه سقوط السعاية.
قلت: وفي حديث آخر وجوب السعاية، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله: "لا وَكس" بفتح الواو، أي لا نقصان، والشطط: الجور والظلم والبعد عن الحق.
وقال الخطابي: فيه حجة لمن ذهب إلى أن العتق لا يقع بنفس الكلام، ولكنه بعد التقويم والأداء وهو قول مالك وربيعة.
قوله: "تصحيح هذه الآثار" أراد بها هذه الأحاديث التي رواها من ستة طرق.
قوله: "كيف هو" يعني: قوله: "عتاق المعسر كيف هو" أي كيف يكون حكمه.
قوله: "قائلون" أي قوم قائلون من أهل هذه المقالة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يسعى العبد في نصف قيمته للذي لم يعتقه.
ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عامر الشعبي والحسن البصري، والأوزاعي، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وعبد الله بن شبرمة القاضي، والحسن بن حَيّ، وأبا يوسف ومحمد ﵏ فإنهم قالوا: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد يُعتق كله، ويسعى البعد في نصيب الذي لم
стр. 7610
يعتق إذا من نصيبه كان المعتق معسرًا ولا يرجع المعتق على العبد بشيء ولا العبد بما سعى عليه بشيء إلا أن ابن شبرمة قال: يرجع العبد على المعتق بما سعى عنه متى أيسر، وبه قال ابن أبي ليلى.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن أبا هريرة ﵁ قد روى ذلك عن النبى ﵇ كما رواه ابن عمر وزاد عليه شيئًا بَيَّن كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب المعتق.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "من أعتق نصيبًا -أو شركًا- له في مملوك فعليه خلاصُه كله في ماله، فإن لم يكن له مال؛ استسعى العبد غير مشقوق عليه".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، عن قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني جرير بن حازم، عن قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحمن بن سليمان الرازي، عن حجاج بن أرطاة، عن قتادة .. فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن صَبيح، عن قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله.
فكان هذا الحديث فيه ما في حديث ابن عمر، وفيه وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرا.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه: أن أبا هريرة ﵁ قد روى ذلك -أي: حكم العبد المشترك بين اثنين إذا أعتقه أحدهما- كما رواه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇، وزاد -أي أبو هريرة- عليه
стр. 7611
أي على ما رواه ابن عمر شيئًا بيّنَ به أن ذلك الشيء الزائد كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب الذي أعتقه، تلك الزيادة هي قوله: "فإن لم يكن له مال، استسعى العبد غير مشقوق عليه" فهذا صريح على وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرًا.
قوله: "حدثنا يزيد بن سنان. . . ." إلى آخره.
بيان لما رواه أبو هريرة، وأخرجه من خمس طرق:
الأول: بإسناد صحيح، والنضر بالنون والضاد المعجمة، وبَشِير بفتح الباء الموحدة، ونَهيك بفتح النون.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهيك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من أعتق نصيبًا -أو قال: شقيصًا- في مملوك، فخلاصه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال قُوِّم قيمة عدل، ثم يستسعى في نصيبه الذي لم يعتق، غير مشقوق عليه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثانى: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود. . . . إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناده صحيح.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "من أعتق شقيصًا في مملوك، فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه".
стр. 7612
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري. . . . إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة، حدثني النضر بن أنس بن مالك، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زُريق شيخ البخاري، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل، عن حجاج بن أرطاة النخعي، فيه مقال، عن قتادة، عن النضر، عن بشير، عن أبي هريرة.
الخامس: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن صَبِيح بفتح الصاد الخراساني المقرئ، كلاهما عن قتادة. . . . إلى آخره.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (٢) بأسانيد مختلفة.
قوله: "فكان هذا الحديث" أي حدث أبي هريرة فيه ما في حديث عبد الله بن عمر المذكور فيما مضى، وفيه زيادة عليه، وهو وجوب السعاية على العبد إذا كان معسرًا.
فإن قيل: قال الخطابي: قوله: "استسعى العبد غير مشقوق عليه" كلام لا يثبته أهل النقل مسندًا عن النبي ﵇، ويزعمون أنه من قول قتادة.
стр. 7613
وقد تأوله بعض الناس فقال: معنى السعاية: أن يستسعى العبد لسيده، أي يستخدم، ولذلك قال: "غير مشقوق عليه" أي لا يحمَّل فوق ما يلزمه من الخدمة إلا بقدر ما فيه من الرق، ولا يطالب بأكثر منه.
وأيضًا لم يذكر ابن أبي عروبة السعاية في روايته عن قتادة، وفيه اضطراب؛ فدل أنها ليست من متن الحديث عنده، وإنما هي من كلام قتادة، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر ﵄.
وقال أبو عمر بن عبد البر (١): روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما رواه ابن عمر، واختلف في حديثه وهو حديث يدور على قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁.
واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء، وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر في رواية مالك وغيره، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث، والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم، وأصحاب قتادة الذين هم حجة فيه هؤلاء الثلاثة، فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة، وإن اختلفوا نظر، فإن اتفق منهم اثنان وانفرد واحد فالقول قول الاثنين لاسيما إذا كان أحدهما شعبة، وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه، وتابعهما همام وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره، وهو أولى ما قيل به في هذا الشأن.
وقال البيهقي: ضعف الشافعي السعاية بوجوه: منها: أن شعبة وهشامًا روياه عن قتادة وليس فيه استسعاء، وهما أحفظ.
стр. 7614
ومنها: أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لو كان حديث سعيد منفردًا لا يخالفه غيره ما كان ثابتًا.
قلت: تابع ابن أبي عروبة على روايته عن قتادة يحيى بن أبي صبيح رواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي عروبة ويحيى بن أبي صبيح، عن قتادة، على ما رواه الطحاوي.
وقد ذكر البيهقي أيضًا في "سننه": أن الحجاج وأبان وموسى بن خلف وجرير بن حازم رووه عن قتادة كذلك يعني ذكروا فيه الاستسعاء، وإذا سكت شعبة وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة, لأنه ثقة وقد زاد عليهما شيئًا فالقول له، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة.
وقال ابن حزم (١): هذا خبرٌ في غاية الصحة فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه وقد رواه عنه يزيد بن هارون وعيسى بن يونس وجماعة كثيرة ذكرهم صاحب "التمهيد" ولم يختلفوا عليه في أمر السعاية منهم عبدة بن سليمان وهو أثبت الناس سماعًا من أبي عروبة.
وقال صاحب "الاستذكار": وممن رواه عنه كذلك روح بن عبادة ويزيد بن زريع وعلي بن مسهر ويحيى بن سعيد ومحمد بن بكر ويحيى بن أبي عدي ولو كان هذا الحديث غير ثابت كما زعمه الشافعي لما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".
وقال شارح "العمدة": الذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات على البعد ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدل فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعليلات.
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ ما قد حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه: "أن رجلًا أعتق
стр. 7615
شِقْصًا له في مملوك، فأعتقه النبي ﵇ كله عليه وقال: ليس لله شريك".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام. . . . فذكر بإسناده مثله.
فدل قول النبي ﵇: "ليس لله شريك" على أن العتاق إذا أوجب بعض العبد لله تعالى، انتفى أن يكون لغيره على بقيته ملكٌ؛ فثبت بذلك أن إعتاق الموسر والمعسر جميعًا يبرئان العبد من الرق، فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أبي هريرة، وزاد حديث أبي هريرة عليه وعلى حديث ابن عمر ﵄ وجوب السعاية للشريك الذي لم يُعْتِق إذا كان المعتق معسرًا.
فتصحيح هذه الآثار يوجب العمل بذلك، ويوجب الضمان على المعتق الموسر لشريكه الذي لم يعتق، ولا يوجب الضمان على المعتق المعسر، ولكن العبد يَسْعى في ذلك للشريك الذي لم يعتق.
وهذا كله قول أبي يوسف ومحمد، وبه نأخذ.
ش: ذكر هذا الحديث إشارة إلى أن الإعتاق لا يتجزأ، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، وتنبيهًا على أنه في المعنى مثل حديث أبي هريرة، لكن حديث أبي هريرة يزيد عليه وعلى حديث ابن عمر أيضًا بوجوب السعاية على العبد للشريك عند إعسار المعتِق.
وأشار بقوله: "وبه نأخذ" إلى أنه اختار ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد ومن تبعهما فيه.
وأخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي المليح عامر وقيل: زيد -عن أبيه أسامة بن عمير بن عامر الهذلي الصحابي ﵁.
стр. 7616
وأخرجه أبو داود (١): عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٢): عن ابن المثنى، عن أبي الوليد، عن همام. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن همام. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٣): عن محمَّد بن يحيى القزاز، عن أبي عمر الحوضي وهانئ بن يحيى، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه: "أن رجلًا أعتق شقيصًا من مملوك، فأجاز النبي ﵇ عتقه، وقال: ليس لله شريك".
ص: فأما أبو حنيفة ﵁ فكان يقول: إذا كان المعتق موسرًا فالشريك بالخيار، إن شاء أعتق كما أعتق وكان الولاء بينهما نصفين، وإن شاء استسعى العبد في نصف القيمة فإذا أداها عُتِقَ وكان الولاء بينهما نصفين، وإن شاء ضمن المعتق نصف القيمة، فإذا أداها عُتِقَ، ورجع بها المضمن على العبد فاستسعاه فيها، وكان الولاء للمعتق.
وإن كان المعتق معسرًا فالشريك بالخيار، إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، فأيهما فعل فالولاء بينهما نصفان.
ش: قد قررنا مذهب أبي حنيفة فيما مضى، وحاصل مذهبه أنه يرى بتجزيء العتق، وأن يسار المعتق لا يمنع السعاية، على ما عرف في موضعه من فروع الحنفية.
ص: واحتج في ذلك بما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان لنا غلام قد شهد القادسية فأبلى فيها، كان بيني وبين أمي وبين أخي الأسود، فأرادوا عتقه،
стр. 7617
وكنتُ يومئذٍ صغيرًا، فذكر ذلك الأسود لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: أعتقوا أنتم، فإذا بلغ عبد الرحمن، فإن رغب فيما رغبتم أعتق، وإلا ضَمَّنكم".
ففي هذا الحديث أن لعبد الرحمن بعد بلوغه أن يعتق نصيبه من العبد الذي قد كان دخله عتاق أمه وأخيه قبل ذلك.
قال أبو حنيفة ﵀: فلما كان له أن يعتق بلا بدل كان له أن يأخذ العبد بأداء قيمة ما بقي له فيه حتى يعتق بأداء ذلك إليه.
وكما كان للذي لم يُعتق أن يَعْتق نصيبه من العبد، فضمَّن الشريك المعتق، رجع إلى هذا المضمَّن من هذا العبد مثل ما كان للذى ضمَّنه، فوجب له أن يستسعى العبد في قيمة ما كان لصاحبه فيه، وفيما كان لصاحبه أن يستسعيه فيه.
فهذا مذهب أبي حنيفة في هذا الباب.
والقول الأول الذي ذهب إليه أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-، أصح القولين عندنا؛ لموافقته لما رويناه عن رسول الله ﵇.
ش: أي احتج أبو حنيفة ﵀: فيما ذهب إليه بما حدثنا أبو بشر عبد الملك ابن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي.
وفيه إشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "كان بيني وبين الأسود وبين أمِّنا غلام قد شهد القادسية، وأبلى فيها، فأرادوا عتقه، وكنت صغيرا فذكر ذلك الأسود لعمر ﵁، فقال عمر: اعتقوا أنتم، ويكون عبد الرحمن على نصيبه حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه".
وجه احتجاج أبي حنيفة: أن عمر ﵁ أثبت لعبد الرحمن الإعتاق بعد بلوغه، بعد أن ثبت في العبد إعتاق، فدل على تجزئ الإعتاق.
стр. 7618
وبهذا سقط كلام ابن حزم (١): وأما قول أبي حنيفة ففي غاية الفساد؛ لأنه قول لم يتعلق بقرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة، ولا بقول صاحب.
ومما احتج به أبو حنيفة ﵀: ما رواه إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده، قال: "كان لهم غلام يقال له: طهمان أو ذكوان، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي ﵇ فأخبره، فقال: "يعتق في عتقك، وترق في رقك"، قال: وكان يخدم سيده حتى مات".
أخرجه عبد الرزاق (٢): عن عمر بن حوشب، عن إسماعيل بن أمية.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من طريق عبد الرزاق.
فإن قيل: قال البيهقي: تفرد به عمر عن إسماعيل بن أمية بن عمرو الأشدق، والأشدق لا صحبة له، وهو عمرو بن سعيد بن العاص.
قلت: ذكر ابن حبان في التابعين وكذا فعل ابن منده، وقال ابن الجوزي في "التحقيق": له صحبة.
وأخرج أحمد هذا الحديث في "مسنده" (٤): في مسند عمرو بن سعيد.
ومما احتج به أبو حنيفة ما رواه البيهقي في "سننه" (٥): من حديث الثوري عن الأشعث عن الحكم، عن علي ﵁ قال: "إذا كان لرجل عبد فأعتق نصفه ولم يعتق منه إلا ما عتق".
فإن قيل: قال البيهقي: هذا منقطع.
قلت: قد روي عن علي ﵁ من وجه آخر.
стр. 7619
فقال ابن أبي شيبة (١): ثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن، قال: قال علي: "يعتق الرجل ما شاء من غلامه".
وذكر صاحب "الاستذكار": أن هذا قول: الحكم بن عتيبة، وربيعة، والحسن، والشعبي، وطاوس، وحماد، وعبيد الله بن الحسن، وأهل الظاهر.
قوله: "والقول الأول. . . ." إلى آخره.
والعجب من الطحاوي أنه أثبت ترجيح قول أبي يوسف ومحمد في هذا الباب على قول أبي حنيفة؛ لأنه موافق للآثار، وقول أبي حنيفة أيضًا كذلك فإن أكثر الحنفية احتجوا لأبي حنيفة في ذلك بما رواه البخاري (٢): بإسناده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ قال: "من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وقد مرّ ذكره [. . . .] (٣).
واحتجوا في ذلك بما رواه البخاري (٤): بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "من أعتق نصيبًا أو شقصًا في مملوك فخلاصه عليه من ماله إن كان له مال، وإلا قوِّم عليه فاستسعي به غير مشقوق عليه" أي لا يستغلى عليه الثمن، فدل هذا أيضًا على تجزء الإعتاق لأنه قال: "خلاصه عليه إن كان له مال" فلو لم يكن الإعتاق متجزئًا لم يقل: "خلاصه عليه" لأنه خلص قبل، وأثبت السعاية أيضًا، وهي دليل على التجزء أيضًا, لأن السعاية إنما تكون على العبد، فعلم أنه بقي منه ملك.
فإن قلت: ذات الإعتاق لا يتجزأ؛ لأنه معنى واحد لا يقبل التجزء.
стр. 7620
قلت: "ليس المراد ذلك، بل المراد من تجزييء الإعتاق والملك أن يتجزأ المحل في قبول أحكام الإعتاق، وهو زوال الملك بأن يزول في البعض دون البعض، وأن يتجزأ المحل في قبول حكم الملك، وهو أن يكون البعض مملوكًا لواحد، والبعض لآخر.
فإن قلت: العتق والرق لا يتجزآن بالاتفاق، والإعتاق (١) عن العتق لأنه علته فلا يتجزأ الإعتاق أيضًا، وهذا لأن ما لا يتجزأ إذا أضيف إلى المحل ثبت كله كالطلاق، والعفو عن القصاص.
ويؤيد ذلك ما رواه البخاري (٢): عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: "من أعتق نصيبًا له في مملوك، أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة عدل فهو عتيق".
قلت: لا نسلم أن ما لا يتجزأ إذا أضيف إلى المحل يثبت كله، وفي الطلاق والعفو عن القصاص عدم التجزء؛ لعدم الحالة المتوسطة، وفيما نحن فيه حالة متوسطة، وهو زوال بعض الملك فلم يلزم العتق والمراد بالحديث: بعد ما أدى حصص الشركاء، بدليل الحديثين المذكورين.
стр. 7621
ص: باب: الرجل يملك ذا رحم محرَّم منه هل يعتق عليه أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يملك ذا رحم محرم منه بوجه من وجوه التملك، هل يعتق عليه بدون العتق أو لا؟
الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء، يقال: ذو رحم محرَّم. ومحرَّم هو من لا يحل نكاحه، كالأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه فيعتقه".
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا زهير بن معاوية، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود (١): عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7622
الثانى: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى النَّهْشلي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن سهيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي: عن علي بن خَشْرم، عن عيسى بن يونس، عن الثوري، عن سهيل، به نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان، عن سهيل، نحوه
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل، نحوه.
الرابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن علي بن الجعد شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "لا يجزي ولدٌ" معناه لا يعطيه جزاء ما أسلف من إحسانه وبِرَّه إليه وتربيته إياه وتحمله المشاق له ومن هذا قولهم: جزاه الله خيرًا أي: أعطاه جزاء ما أسلف من طاعته، ويقال: جزي عني هذا الأمر أي قضى.
قوله: "فيعتقه" بالنصب عطفًا على قوله: "فيشتريه" وأصل "الفاء" للعطف، وموجبه التعقيب بعتق الرجل ألا ترى أنهم وصلوا حرف "الفاء" بالجزاء، وسموه حرف الجزاء؛ لأن الجزاء يتصل بالشرط، على أن يتعقب نزوله وجود الشرط بلا فصل.
وأما "الفاء" هاهنا فلعطف الحكم على العلة كما يقال: جاء الشتاء فتأهب، وكما يقال: ضرب فأوجع أي بذلك الضرب، وأطعم فأشبع أي بذلك الإطعام وكذا قوله: "فيشتريه فيعتقه" أي بذلك الشراء، ولهذا جعل الشراء إعتاقًا في القريب بواسطة الملك.
стр. 7623
قال المحققون من الأصوليين: "الفاء" للتعقيب فلهذا تدخل في الجزاء، فإن قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق. فالشرط أن تدخل على الترتيب من غير تراخ. وقد تدخل في المعمول نحو جاء الشتاء فتأهب.
وقد يكون المعلول عين العلة في الوجود لكن في المفهوم غيرها، نحو: سقاه فأرواه.
وقوله: "لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه".
وقال الخطابي (١): قوله: "فيعتقه" ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الملك؛ لأن العلماء قد أجمعوا على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما وجهه أنه إذا اشتراه ودخل في ملكه عُتِقَ عليه، فلما كان الشراء سببًا لعتقه أضيف العتق إلى عقد الشراء إذا كان تولد منه ووقوعه به، وإنما صار هذا جزاء له، وأداءً لحقه؛ لأن العتق أفضل ما يُنْعِم به أحد على أحدٍ؛ لأنه يخلصه من الرق، ويجبر منه النقص الذي فيه، ويكمل له أحكام الأحرار في الأملاك والأنكحة والشهادة ونحو ذلك.
ص: فذهب قوم إلى أن من ملك أباه لم يعتق عليه حتى يعتقه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة ومالكًا ومكحولًا، فإنهم قالوا: لا يعتق إلا بعتق شراء.
وقال الكاساني (٢): إذا اشترى أباه أو أمه أو ابنه عتق عليه، نوى أو لم ينو، عند عامة العلماء.
وقال مالك: لا يعتق إلا بإعتاق مبتدأ واحتج بحديث أبي هريرة المذكور، وقال: حقق الإعتاق عقيب الشراء ولو كان الشراء نفسه إعتاقًا لم يتحقق الإعتاق عقيبه, لأن إعتاق المُعْتق لا يتصور، فدل أن شراء القريب ليس
стр. 7624
بإعتاق، ولأن الشراء إثبات الملك، والإعتاق إزالة الملك، وبينهما منافاة فكيف يكون اللفظ الواحد إثباتًا وإزالة؟!.
والجواب: أما عن الحديث فعن قريب يجيء.
وأما قوله: الشراء إثبات الملك والإعتاق إزالة الملك، فنعم، لكن الممتنع إثبات الحكم [وضده] (١) بلفظ واحد في زمان واحد، أما في زمنين فلا؛ لأن علل الشرع في الحقيقة دلائل وأعلام على المحكومات الشرعية، فيجوز أن يكون لفظ الشراء السابق عَلَمًا على إثبات الملك في الزمان الأول، وذلك اللفظ بعينه عَلَمًا على ثبوت العتق في الزمان الثاني، إذ لا تنافي عند اختلاف الأزمان.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يعتق عليه بملكه إياه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، والشافعي وإسحاق، وداود فإنهم قالوا: إذا ملك أباه يعتق عليه بمجرد الملك، ولا يحتاج إلى عتق مستأنف، وأما إذا ملك غير الوالدين من ذي الرحم المحرمة وغيرهم ففيه خلاف وتفصيل.
فقال أصحابنا: شرط العتق أن يكون من ذوي الرحم المحرمة، وذو الرحم المحرم كل شخصين يدليان إلى أصل واحد بغير واسطة كالأخوين، أو أحدهما بواسطة والآخر بواسطة كالعم وابن العم وكذلك إذا ملك ابن العم والعمة أو ابنتها أو ابن خاله أو خالته أو ابنتيهما، وكذا لو ملك حليلة ابنه أو منكوحة أبيه، أو أما من الرضاع لا تعتق؛ لأن في الأول وجد رحم بلا محرم، وفي الثاني وجد المحرم بلا رحم.
وقالت طائفة: لا يعتق إلا من ولده من جهة أب أو أم, أو من ولده هو كذلك، ولا يعتق غير هؤلاء لا أخ ولا غيره وهو قول الشافعي، وقال
стр. 7625
الأوزاعي: يعتق كل ذي رحم محرمة حتى ابن العم وابن الخال فإنهما يعتقان عليه ويستسعيهما.
وقال ابن حزم (١): ما نعلم قول الشافعي عن أحدٍ قبله، فإن قالوا: إنه روي عن إبراهيم: "إذا ملك الوالد أو الولد عتق"، قلنا: نعم، وقد صح عنه هذا أيضًا في كل ذي رحم، وليس في قوله: "إذا ملك الوالد والولد عتق" أن غيرهما لا يعتق.
وقال ابن حزم أيضًا: ومن ملك ذا رحم محرم فهو حر ساعة تملكه، فإن ملك بعضه لم يعتق عليه إلا الوالدين خاصة والأجداد والجدات فقط، فإنهم يعتقون عليه كلهم إن كان له مال يحمل قيمتهم، فإن لم يكن له مال يحمل قيمتهم اسْتُسْعوا، وهم كل من ولده، من جهة أم أو جدة أو أب، وكل من ولده هو من جهة ولد، أو ابنة الأعمام والعمات وإن علوا كيف كانوا، لأم أو لأب، والأخوة والأخوات كذلك، وكل من نالته ولادة أخت أو أخ بأي جهةٍ كانت، ومن كان له مال وله أب أو أم أو جد أو جدة أُجبر على ابتياعهم بأغلى قيمتهم، وعتقهم إذا أراد سيدهم بيعهم، فإن أبى لم يُجبر السيد على البيع، فإن ملك ذا رحم غير محرمة، أو ملك ذا محرم من غير رحم لكن بصهر، أو وطئ أب، أو ابن لم يلزمه عتقهم، وله بيعهم إن شاء.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﵇ هذا يحتمل ما قالوا، ويحتمل: "فيشتريه فيعتقه بشرائه" هذا في الكلام صحيح، وهو أولى ما حمل عليه هذا الحديث حتى يتفق هو وغيره مما روي عن النبي ﵇.
فإنه حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: ثنا أبو عُمير النحاس، قال: ثنا ضمرة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرمة فهو حرٌّ".
стр. 7626
حدثنا محمد بن عبد الله، قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج وعبد الواحد بن غياث، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا محرم فهو حر".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج. (ح)
وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد، قالا: ثنا حماد بن سلمة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن عبد الله، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا رحم فهو حر".
وتصحيح حديثي سمرة هذين يوجب أن ذا الرحم المذكور فيهما هو ذو الرحم المحرم، وأن ذا المحرم المذكور فيهما هو ذو المحرم من الرحم، فيكون معناهما لما جمع ما فيهما هو مثل ما في حديث ابن عمر: من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ".
وقد بلغني أن محمد بن بكر كان يحدث، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا رحم من ذي محرم فهو حرٌّ".
فدل على ما ذكرناه.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: أن قول النبي ﵇: "لا يجزي ولد والده .. . . ." الحديث يحتمل أن يكون معناه مثل ما قاله أهل المقالة الأولى، وهو أن يكون العتق بهذا الشراء بكلام مبتدأ، ويحتمل ما قاله أهل المقالة الثانية، وهو أن يكون نفس الشراء عتقًا من غير كلام مبتدأ، وهذا في الكلام صحيح كما قلنا في قولهم: سقاه فأرواه، وأطعمه فأشبعه، وضربه فأوجعه.
فإذا كان الحديث محتملًا للمعنيين المذكورين، فصرفه إلى المعنى الثاني أولى؛ ليتفق هو وحديث عبد الله بن عمر وحديث سمرة بن جندب ﵃، فإن حديثهما
стр. 7627
يقتضي أن يكون الملك هو الإعتاق، من غير حاجة إلى كلام مستأنف، وحمل معاني الآثار على الاتفاق أولى بل المتُعَيَّن من حملها على التضاد.
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه بإسناد صحيح.
وأبو عُمير النحاس هو عيسى بن محمد بن إسحاق الرملي شيخ أبي داود النسائي وابن ماجه.
وضمرة هو ابن ربيعة الفلسطيني الرملي من الثقات المأمونين.
والحديث أخرجه النسائي (١): أنا عيسى بن محمد -هو أبو عُمير الرملي- وعيسى بن يونس الفاخوري، عن ضمرة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا رحم محرم عتق".
وأخرجه البيهقي بهذا الإسناد (٢) ولفظه: "فهو عتيق". ثم قال: تفرد به ضمرة والمحفوظ بهذا الإسناد: "نهى عن بيع الولاء"، وقد رواه أبو عمير أيضًا مع الحديث الأول.
قلت: ليس انفراد ضمرة به دليلًا على أنه غير محفوظ، ولا يوجب ذلك علةً فيه، لأنه من الثقات المأمونين لم يكن بالشام رجل يشبهه، كذا قال ابن حنبل.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا لم يكن هناك أفضل منه. وقال أبو سعيد بن يونس: كان فقيه أهل فلسطين في زمانه.
والحديث إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحًا، ولا يضره تفرده، فلا ندري من أين وهم في هذا الحديث روايه كما زعم البيهقي.
وقال ابن حزم: هذا خبر صحيح، تقوم به الحجة على الخصم، وكل رواته
стр. 7628
ثقات، وإذا انفرد به ضمرة كان ماذا، ودعوى أنه أخطأ فيه، باطل لأنه دعوى بلا برهان.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (١): عن أبي علي الحسين بن علي الحافظ، ثم قال: وثنا أبو على بإسناده سواء "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الولاء وعن هبته".
وهذا يقتضي أن المتنين محفوظان.
ثم قال عن حديث "من ملك ذا رحم محرم": صحيح على شرط الشيخين، وشاهده الحديث الصحيح المحفوظ عن سمرة بن جندب، ثم ذكره بإسناده من طريق سمرة ﵁ انتهى.
وأما حديث سمرة فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن إبراهيم بن الحجاج السامي -بالسين المهملة- الناجي -بالنون- البصري شيخ أبي زرعة الرازي وأبي يعلى الموصلي.
وعن عبد الواحد بن غياث البصري الصيرفي.
كلاهما عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة.
وأخرجه الترمذي (٢): نا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﵇ قال: "مَن ملك ذا محرم فهو حرٌّ".
الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره.
стр. 7629
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو كامل، ثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن النبي ﵇ قال: "من ملك ذا محرَّم فهو حرٌّ".
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره.
الرابع: عن محمد بن عبد الله الأصبهاني، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد ابن هارون الواسطي، عن حماد. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "من ملك ذا رحم فهو عتيق".
وأخرجه أبو داود (٣) نحوه غير مرفوع. ثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: "من ملك ذا رحم فهو حرٌّ".
وهذا كما رأيت الحديث صحيح.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤) وصححه.
وقال ابن حزم: صحح الحنفيون هذا الخبر، ورأوه حجة، وقالوا: لا يضره ما قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة، والمنقطع تقوم به الحجة.
قلت: الحديث صحيح وليس بمنقطع؛ لأن الحسن قد ثبت سماعه من سمرة في غير ما حديث، قاله البخاري وغيره، وقد مَرَّ هذا غير مرة.
стр. 7630
فإن قيل: أخرج البيهقي هذا الحديث (١): من طريق محمد بن بكر، عن حماد بن سلمة، عن عاصم وقتادة، عن الحسن، عن سمرة.
ومن طريق مسلم (٢): بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل: عن حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ قال موسى في موضع آخر، عن سمرة فيما يحسب حماد ثم علله البيهقي بأن حمادًا شك في سمرة.
قلت: رواه النسائي والترمذي وابن ماجه من غير شك كما ذكرناه، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي كامل ويزيد بن هارون عن حماد كما ذكرناه، ومن شك ليس بحجة على من لم يشك، كيف والذين لم يشكوا جماعة؟.
قوله: "وتصحيح حديثي سمرة هذين. . . ." إلى آخره.
إشارة إلى وجه التوفيق بين حديثي سمرة المذكورين بلفظين متغايرين، وبين [حديث] (٣) عبد الله بن عمر، ففي رواية إبراهيم بن الحجاج وعبد الواحد بن غياث: "من ملك ذا مَحْرم فهو حرٌّ" وفي رواية أسد وحجاج ويزيد بن هارون: "من ملك ذا رحم فهو حرٌّ".
وفي رواية عبد الله بن عمر: "من ملك ذا رحم محَرْم فهو حرٌّ".
ووجه التوفيق بينها أن المراد من قوله: "ذا رحم" هو ذو الرحم المحرم، وأن المراد من قوله: "ذا محرم" هو ذو المحرم من الرحم، فإذا جمع معناهما يكون مثل ما في حديث ابن عمر: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ"
قوله: "وقد بلغني. . . ." إلى آخره.
ذكره شاهدًا لصحة تأويله، لأن محمد بن بكر بن عثمان البُرْسَاني البصري
стр. 7631
كان يحدث، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا رحم من ذي محرم فهو حرٌّ".
فهذا دليل صريح على أن المراد من اللفظين المذكورين، نحو ما ذكره من التأويل.
وإسناد هذا صحيح، ورجاله كلهم من رجال الصحيح.
وأخرجه الترمذي (١) نحوه: ثنا عقبة بن مكرم العمي البصري وغير واحدٍ، قالوا: نا محمد بن بكر البُرْساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ نحوه.
والنسائي (٢) عن [عبيد الله بن سعيد] (٣)، عن محمد بن بكر.
وابن ماجه (٤): عن إسحاق بن منصور وعقبة بن مكرم، عن محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
قلت: بُرْسان -بضم الباء الوحدة- من الأزد.
ص: وقد روي عمن بعد رسول الله ﵇ من أصحابه وتابعيهم ﵃ ما يوافق هذا أيضًا.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ".
стр. 7632
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن المستورد: "أن رجلًا زوج ابن أخيه مملوكته، فولدت له أولادًا، فأراد أن يَسْتَرِقَ أولادها، فأتى ابنُ أخيه عبد الله بن مسعود، فقال: إن عمي زوجني وليدته، وإنها ولدت لي أولادًا، فأراد أن يسترق ولدي، فقال عبد الله: كذب، ليس له ذلك".
حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح قال: "إذا ملك الرجل عمته أو خالته أو أخاه أو أخته، فقد عتقوا وإن لم يعتقهم".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد قال: -أبو جعفر: أظنه- عن حجاج، عن عطاء والشعبي، مثله.
قال: وقال إبراهيم: "لا يعتق إلا الوالد والولد".
فلما روينا عن رسول الله ﵇ ما روينا ووافق ذلك ما روينا عمن ذكرنا من أصحابه وتابعيهم، ولم نعلم في ذلك خلافًا عن مثلهم، وجب القول بما روي عنهم من ذلك، وترك خلافه.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: ذكر في ذلك من الصحابة: عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ومن التابعين: عن عطاء بن أبي رباح وعامر الشعبي.
أما أثر عمر فأخرجه بإسناد صحيح، عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب.
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق الخشني، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم -هو الضحاك بن مخلد- ثنا أبو عوانة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم
стр. 7633
النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب قال: "من ملك ذا رحم محرمة فهو حرٌّ".
وأخرجه أبو داود (١) بغير هذا الإسناد: ثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ".
وأخرجه النسائي أيضًا بطرق عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأما أثر عبد الله بن مسعود ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح.
عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن روح بن عبادة. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن المستورد بن الأحنف الكوفي. . . . إلى آخره نحوه، ثم قال: وإليه ذهب بعض أصحابنا.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٣): من طريق غندر، نا غندار، نا شعبة وسفيان -قال شعبة: عن غيلان، وقال سفيان: عن سلمة بن كهيل، كلاهما عن المستورد هو ابن الأحنف-: "أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال له: إن عمي زوجني جاريته، وإنه يريد أن يَسْتَرِقَ ولدي، فقال ابن مسعود: ليس له ذلك".
وأما أثر عطاء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، عن أسباط بن محمد القرشي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي.
стр. 7634
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء قال: "إذا ملك الأخ أو الأخت والعمة والخالة، عتقوا".
وأما أثر عامر الشعبي فأخرجه من طريق الحجاج بن أرطاة النخعي، وفيه مقال.
قوله: "قال: وقال إبراهيم: لا يعتق إلا الوالد والولد". أي قال الحجاج بن أرطاة: قال إبراهيم النخعي. . . . إلى آخره.
وروي عن إبراهيم النخعي مثل قول الجمهور، أخرجه ابن حزم (٢): من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن ابن شبرمة، عن الحارث العكلي. عن إبراهيم النخعي قال: "من ملك ذا رحم فهو حرٌّ".
وهو قول ابن شبرمة.
وروي عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد، قالا جميعًا: "من ملك ذا رحم عتق".
وأخرج ابن حزم (١): من طريق وكيع، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة وحماد بن أبي سليمان، قالا جميعًا: " [كل من ملك] (٣) ذا رحم محرمة عتق".
قال ابن حزم: وصح أيضًا عن قتادة، وهو قول الزهري وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف والليث وسفيان الثوري والحسن بن حيّ وأبي حنيفة وجميع أصحابه، وعبد الله بن وهب وغيرهم.
стр. 7635
ص: باب: المكاتب متى يعتق ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم المكاتب متى يعتق؟.
المكاتَب -بفتح التاء: هو الرق الذي يلتزم بالمال إما حالًا، وإما مُنَجَّمًا ليعتق عند وفائه.
والمكاتب: بكسر التاء هو المولى.
والكتابة: تحرير مملوك يدًا في الحال، ورقبة بعد أخذ المال.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حُرٍّ وما بقي دية عبد".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يونس، عن عكرمة، عن النبي ﵇، مثله، ولم يذكر ابن عباس.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "قضى رسول الله ﵇ في مكاتبٍ قُتِلَ بدية الحر بقدر ما عتق منه".
قال ابن عباس: "ويقام على المكاتب حَدُّ المملوك".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا الحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵇: "يُؤَدَّى المكاتب بقدر ما أدى دية الحُرِّ وبقدر ما رق منه دية العبد".
ش: هذه أربع طرق صحاح غير أن الثاني مرسل.