كان يحدث، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﵇: "من ملك ذا رحم من ذي محرم فهو حرٌّ".
فهذا دليل صريح على أن المراد من اللفظين المذكورين، نحو ما ذكره من التأويل.
وإسناد هذا صحيح، ورجاله كلهم من رجال الصحيح.
وأخرجه الترمذي (١) نحوه: ثنا عقبة بن مكرم العمي البصري وغير واحدٍ، قالوا: نا محمد بن بكر البُرْساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ نحوه.
والنسائي (٢) عن [عبيد الله بن سعيد] (٣)، عن محمد بن بكر.
وابن ماجه (٤): عن إسحاق بن منصور وعقبة بن مكرم، عن محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
قلت: بُرْسان -بضم الباء الوحدة- من الأزد.
ص: وقد روي عمن بعد رسول الله ﵇ من أصحابه وتابعيهم ﵃ ما يوافق هذا أيضًا.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ".
стр. 7632
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن المستورد: "أن رجلًا زوج ابن أخيه مملوكته، فولدت له أولادًا، فأراد أن يَسْتَرِقَ أولادها، فأتى ابنُ أخيه عبد الله بن مسعود، فقال: إن عمي زوجني وليدته، وإنها ولدت لي أولادًا، فأراد أن يسترق ولدي، فقال عبد الله: كذب، ليس له ذلك".
حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح قال: "إذا ملك الرجل عمته أو خالته أو أخاه أو أخته، فقد عتقوا وإن لم يعتقهم".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد قال: -أبو جعفر: أظنه- عن حجاج، عن عطاء والشعبي، مثله.
قال: وقال إبراهيم: "لا يعتق إلا الوالد والولد".
فلما روينا عن رسول الله ﵇ ما روينا ووافق ذلك ما روينا عمن ذكرنا من أصحابه وتابعيهم، ولم نعلم في ذلك خلافًا عن مثلهم، وجب القول بما روي عنهم من ذلك، وترك خلافه.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: ذكر في ذلك من الصحابة: عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ومن التابعين: عن عطاء بن أبي رباح وعامر الشعبي.
أما أثر عمر فأخرجه بإسناد صحيح، عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب.
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق الخشني، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم -هو الضحاك بن مخلد- ثنا أبو عوانة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم
стр. 7633
النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب قال: "من ملك ذا رحم محرمة فهو حرٌّ".
وأخرجه أبو داود (١) بغير هذا الإسناد: ثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ".
وأخرجه النسائي أيضًا بطرق عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأما أثر عبد الله بن مسعود ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح.
عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن روح بن عبادة. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن المستورد بن الأحنف الكوفي. . . . إلى آخره نحوه، ثم قال: وإليه ذهب بعض أصحابنا.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٣): من طريق غندر، نا غندار، نا شعبة وسفيان -قال شعبة: عن غيلان، وقال سفيان: عن سلمة بن كهيل، كلاهما عن المستورد هو ابن الأحنف-: "أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال له: إن عمي زوجني جاريته، وإنه يريد أن يَسْتَرِقَ ولدي، فقال ابن مسعود: ليس له ذلك".
وأما أثر عطاء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، عن أسباط بن محمد القرشي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي.
стр. 7634
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء قال: "إذا ملك الأخ أو الأخت والعمة والخالة، عتقوا".
وأما أثر عامر الشعبي فأخرجه من طريق الحجاج بن أرطاة النخعي، وفيه مقال.
قوله: "قال: وقال إبراهيم: لا يعتق إلا الوالد والولد". أي قال الحجاج بن أرطاة: قال إبراهيم النخعي. . . . إلى آخره.
وروي عن إبراهيم النخعي مثل قول الجمهور، أخرجه ابن حزم (٢): من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن ابن شبرمة، عن الحارث العكلي. عن إبراهيم النخعي قال: "من ملك ذا رحم فهو حرٌّ".
وهو قول ابن شبرمة.
وروي عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد، قالا جميعًا: "من ملك ذا رحم عتق".
وأخرج ابن حزم (١): من طريق وكيع، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة وحماد بن أبي سليمان، قالا جميعًا: " [كل من ملك] (٣) ذا رحم محرمة عتق".
قال ابن حزم: وصح أيضًا عن قتادة، وهو قول الزهري وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف والليث وسفيان الثوري والحسن بن حيّ وأبي حنيفة وجميع أصحابه، وعبد الله بن وهب وغيرهم.
стр. 7635
ص: باب: المكاتب متى يعتق ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم المكاتب متى يعتق؟.
المكاتَب -بفتح التاء: هو الرق الذي يلتزم بالمال إما حالًا، وإما مُنَجَّمًا ليعتق عند وفائه.
والمكاتب: بكسر التاء هو المولى.
والكتابة: تحرير مملوك يدًا في الحال، ورقبة بعد أخذ المال.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حُرٍّ وما بقي دية عبد".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يونس، عن عكرمة، عن النبي ﵇، مثله، ولم يذكر ابن عباس.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "قضى رسول الله ﵇ في مكاتبٍ قُتِلَ بدية الحر بقدر ما عتق منه".
قال ابن عباس: "ويقام على المكاتب حَدُّ المملوك".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا الحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵇: "يُؤَدَّى المكاتب بقدر ما أدى دية الحُرِّ وبقدر ما رق منه دية العبد".
ش: هذه أربع طرق صحاح غير أن الثاني مرسل.
стр. 7636
فكالأول: أخرجه الترمذي (١): نا هارون بن عبد الله البزاز، قال: ثنا يزيد ابن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "إذا أصاب المكاتب حدًّا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه". وقال النبي ﵇: "يُودَّى المكاتب بحصة ما أدى دية حُرٍّ وما بقي دية عبد".
وقال: حديث حسن.
وكالثاني: أخرجه أبو داود معلقًا (٢) وقال: وأرسله حماد بن زيد وإسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﵇.
وكالثالث: أخرجه النسائي (٣): أنا القاسم بن زكرياء بن دينار، نا سعيد بن عمرو، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة.
وعن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن مكاتبًا قُتل على عهد رسول الله, فأمر أن يُوَدَّى بما أدى: ديّة الحُر، وما لا: دية المملوك".
وكالرابع: أخرجه أبو داود (٤): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يعلى بن عُبَيْد، ثنا الحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "قضى رسول الله ﵇ في المكاتب يُقتل: يَوَدَّى ما أدى من مكاتبته: ديّة الحُر، وما بقي: ديّة المملوك".
وأخرج الحاكم (٥) هذا الحديث من وجهين، وقال فيهما: صحيح على شرط البخاري.
стр. 7637
ثم رواه (١) من وجه ثالث، وقال: صحيح الإسناد.
فإذ قيل: لما أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه" (٢) وبيّن الاختلاف فيه قال: هذا المذهب إنما يُروى عن علي ﵁ وفي ثبوته عن النبي ﵇ نظر.
قلت: رواه جماعة مرفوعًا وهو زيادة فلا تضرهم رواية من وقف، ولهذا حسّنه الترمذي وصحّحه الحاكم، وقال ابن حزم: خبر علي وابن عباس ﵃ في غاية الصحة، وليت شعري من أين وقع أن العدل إذا أسند الخبر وأوقفه آخر -أو أرسله- أن ذلك علة في الحديث، هذا لا يوجبه نص ولا نظر ولا معقول (٣).
قوله: "يُوَدى المكاتب" على صيغة المجهول من وديتُ القتيل أَدِيه ديةً إذا أعطيت ديته، وأصل دِية وِدْية، كعِدة أصلها وَعْدٌ، حذفت الواو منهما تبعًا للفعل المضارع، وعوضت عنها الهاء، والأمر من هذا: دِ، دَيا، دُوا، كقِ قِيًا قوا، أصله: أود، كما أن أصل قِ: أوق حذفت الواو تبعًا للفعل، فصار "أد"، فاستغني عن الهمزة، فطرحت، فبقي "د" على وزن "ع" لأن المحذوف "فاء" الفعل، و"لامه"، أما الفاء فَلِمَا ذكرنا، وأما اللام فلأن آخر الأمر مجزوم، والجزم في النواقص بحذف اللام، فافهم.
قوله: "بحصة ما أدى" أي بقدر حصة ما أدّى من مال الكتابة.
قوله: "دية الحُر" بنصب الدية على الإطلاق.
стр. 7638
قوله: "وما بقي: دية عبد" أي يَوُدَّى المكاتب بحصة ما بقي من مال الكتابة دية عبدٍ".
قوله: "في مكاتب قُتِلَ" على صيغة المجهول.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: احتجت به طائفة على أن المكاتب يعتق بقدر ما أدى، على ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
الثاني: احتجت به طائفة على أن المكاتب إذا جَنى عليه أحد، فإنه يؤاخذ بحكم الحرية لما عتق منه بمقدار ما أدى وبحكم الرِّقِّية فيما بقي منه من الرِّقِّية، وإليه ذهبت الظاهرية.
وقال ابن حزم في "المحلي" (١): المكاتب عبد ما لم يؤد شيئًا، فإذا أدى من كتابته شيئًا شرع فيه العتق والحرية بقدر ما أدّى، وبقي سائره مملوكًا، وكان لما أعتق منه حكم الحرية في الحدِّ والمواريث و [الديات وغير ذلك، وكان لما بقى منه حكم العبيد في الديات والمواريث] (٢) وغير ذلك وهكذا أبدًا حتى يتم عتقه بتمام أدائه.
ثم استدل على هذا بالحديث المذكور.
وقالت طائفة: المكاتب حُرٌّ ساعة العقد بالكتابة.
قال ابن حزم (٣): روي هذا عن ابن عباس ولم نجد له إسنادًا إليه.
قلت: فعلى هذا القول إذا جني عليه يؤاخذ الجاني بحكم الحرية مطلقًا.
وقالت طائفة: إذا أدى نصف كتابته فهو غريم، وهو قول شريح، ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ نحوه.
стр. 7639
وقالت طائفة: إذا أدى الثلث فهو غريم، رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود.
وقالت طائفة: إذا أدّى الربع فهو غريم، رُوي ذلك عن إبراهيم النخعي.
وقالت طائفة: إذا أدّى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريم، رُوي ذلك عن عطاء بن أبي رباح، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه.
وقالت طائفة: إذا أدى ثمنه فهو غريم، رُوي ذلك عن قتادة عن الحسن، عن ابن مسعود، ورواه شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي.
وقالت طائفة: إذا بقي عليه خمس أواقٍ -أو خمس ذَوْدٍ أو خمسة أوسق- فهو غريم، رُوي ذلك عن ابن عباس.
وقال أصحابنا الحنفية: إذا جنى على المكاتب أحد، فإن كان خطأ فالأرش له والأرش أرش العبد.
وإذا كان عمدًا فالمسألة على ثلاثة أوجه:
* في وجه يجب القصاص في قولهم.
* في وجه لا يجب في قولهم.
* وفي وجه اختلفوا فيه.
أما الأول: فهو أن يقتله رجلٌ عمدًا ولم يترك وفاء، فللمولى أن يقتل القاتل؛ لأنه إذا لم يترك وفاء فقد مات عاجزًا، فمات عبدًا، والعبد إذا قتل عمدًا يجب القصاص على قاتله إن كان عبدًا بالإجماع، وإن كان حرًّا عندنا كذلك هنا.
وأما الثاني: فهو أن يُقتل عمدًا ويترك وفاء، ويترك ورثة أحرار سوى المولى فلا يجب القصاص لاستيفاء وليَّ القصاص، لاختلاف الصحابة ﵃ أنه يموت حرًّا أو عبدًا.
وأما الوجه الثالث: فهو أن يُقتل عمدًا ويترك الوفاء، ولا وارث له سوى المولى.
стр. 7640
فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجب القصاص للمولى؛ لأنه لا استيفاء هاهنا.
وقال محمد: لا يجب.
الثالث: أن المكاتب يُقام عليه حَدُّ المملوك؛ لقول ابن عباس: "ويقام على المكاتب حدُّ المملوك".
قال أصحابنا: يؤخذ المكاتب بأسباب الحدود الخالصة وغيرها نحو الزنا والسرقة والشرب والسكر والقذف؛ لا القن؛ لأن القن يؤخذ بها، فالمكاتب أولى، ولا يقطع في سرقته من مولاه؛ لأنه عبده، وكذا لا يقطع في سرقة من آل مولاه ولا من امرأة مولاه، ولا من كل ذي رحم محرم من مولاه، ولو سرق منه أجنبي يقطع بخصومته؛ لأن المكاتب أحق بمكاسبه ومنافعه فكانت له الخصومة كالحرِّ، فيقطع بخصومته (١).
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويكون حكمه فيه حكم الحُرِّ، ويكون حكمه فيما لم يؤدِّ حكم العبد، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي، وعكرمة، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي، وشريحًا، وعطاء بن أبي رباح، وأحمد بن حنبل في قول، وداود وجماعة الظاهرية، وقد مَرَّ الكلام فيه مستوفى.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يعتق إلا بأداء جميع المكاتبة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الزهري، والثوري، والأوزاعي، وقتادة، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، فإنهم قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
стр. 7641
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الخطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الفوزي الحمصي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، عن سليمان بن سليم الكناني الحمصي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وأخرجه أبو داود (١): عن هارون بن عبد الله، عن أبي بدر شجاع بن الوليد، حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش، وحدثني سليمان بن سُلَيْم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. . . . إلى آخره نحوه.
فإن قيل: ما حال هذا الحديث وبما يحكم فيه؟
قلت: أما خطاب فهو من رجال الصحيح، وأما إسماعيل بن عياش فقد قال ابن معين: ثقة فيما يروي عن الشاميين، وقال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر.
وهو يروي عن سليمان بن سليم وهو شامي من أهل بلده ووثقه يحيى وأبو حاتم، وأما عمرو بن شعيب فهو في نفسه ثقة بلا خلاف، وأما أبوه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه وثقه ابن
стр. 7642
حبان وغيره، وجده هو عبد الله بن عمرو؛ لأن الضمير في جده عائدٌ إلى شعيب، وشعيب ثبت سماعه من عبد الله بن عمرو، قال البخاري وأبو داود وغير واحدٍ: إنه سمع من جده عبد الله بن عمرو، فحينئذٍ يكون حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، صحيحًا متصلًا.
وبهذا يُردُّ على ابن حزم أن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، ومما يؤيد هذا الحديث ويعضده ما روي عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﵇: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" رواه عبد الباقي بن قانع، عن موسى بن زكرياء، عن عباس بن محمد، عن أحمد بن يونس، عن هُشيم، عن جعفر بن إياس، عن نافع عنه به (١).
فهذا وإن كان قد ضعّفه بعضُهم بعبد الباقي، فإنه يصلح للمتابعة والاستشهاد.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكانت هذه الآثار قد اختلف فيها عن رسول الله ﵇، فنظرنا فيما روي عن أصحابه من ذلك فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن مَعْبد الجهني، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر ﵁ قال: "إذا أدى المكاتب النصف فهو غريم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "يا أيها الناس، إنكم تكاتبون مكاتبين، فأيهم أدى النصف فلا رَدٌّ عليه في الرق".
فهذا خلاف ما رويناه قبله عن عمر ﵁.
стр. 7643
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بَشِير، عن سالم سبلان أنه قال لعائشة ﵂ زوج النبي ﵇: "ما أراك ألا تستحي مني؟ فقالت: مالك؟! فقال: كاتبت، قالت: إنك عبد ما بقي عليك شيء".
حدثنا أبو بشر الرقي، حدثنا أبو معاوية وشجاع بن الوليد، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، قال: "استأذنت على عائشة، فقالت: كم بقيَ عليك من كتابتك؟ قلتُ: عشرُ أواقٍ. فقالت: ادخُل، فإنك عبد ما بقيَ عليك شيء".
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا عمرو بن ميمون. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: "إذا أدى المكاتب ثلثًا أو رُبعًا فهو غريم".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله ﵁: "إذا أدى المكاتب قيمة رقبته فهو غريم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، قال: كان عبد الله وشريح يقولان في المكاتب: "إذا أدى الثلث فهو غريم".
حدثنا يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن أبي مَعْشر -وهو السندي- عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، أن أم سلمة ﵂ قالت:"المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته شيء".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، ومالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء".
стр. 7644
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان زيد بن ثابت ﵁ يقول: "المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه شيء من مكاتبته".
وكان جابر بن عبد الله يقول: "شروطهم جائزة فيما بينهم".
ش: أراد أن أحاديث هذا الباب لما اختلفت وتعارضت ظاهرًا؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن عمرو يخالف حديث ابن عباس في المعنى والحكم، ولم يتم الاستدلال بها للخصوم، وجب الرجوع في ذلك إلى ما جاء في هذا الباب من الصحابة، فإن ما جاء منهم على وجه يرجع ما ذهب إليه أحد الخصوم، وقد روي في ذلك عن عمر بن الخطاب وعائشة وعبد الله بن مسعود وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وزيد بن ثابت ﵃، ما يرجح ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، ويرجح حديث عبد الله بن عمرو على حديث ابن عباس.
أما ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب فأخرجه بإسناد صحيح من ثلاث طرق:
الأول: عن علي بن شيبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن مَعْبد الجهني، عن عمر بن الخطاب قال: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم".
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود،
стр. 7645
عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب قال: "إذا أدى المكاتب الشطر فهو غريم".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسْعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الثوري، عن عبد الرحمن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر ﵁ قال: "إذا أدى المكاتب النصف لم يُسْتَرَقّ".
وقال البيهقي: القاسم لم يثبت سماعه من جابر، وإن صحّ فكأنه أرادَ قُربَ عتقه، فليمهل حتى يكتسب ما بقيَ، ولا يُردُّ عبدًا بالعجز عن الباقي.
وأما ما رُوي عن عائشة ﵂ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن عمران بن بشير بن محرر، عن سالم بن عبد الله النصري -بالنون، والصاد المهملة- الملقب سَبَلان -بفتح السين المهملة والباء الموحدة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن سليم، سمعت سالمًا سَبَلان يذكر: "أنه كان يكري عائشة في الحج والعمرة، قال: فكاتبت، ثم جئت فوقفت بالباب، فاستأذنت استئذانًا لم أكن استئذنه، فأنكرتْ ذلك وقالت: يا بني، مالك لا تدخل؟! قلت: يا أم المؤمنين كاتبت. قالت: فادخل عليّ ما كان عليك درهم، فإنك لن تزال مملوكًا ما كان عليك من كتابتك درهم".
стр. 7646
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، وشجاع بن الوليد السكوني، كلاهما عن عمرو بن ميمون بن مهران الجزري، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﵇.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) من حديث عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، قال: "استأذنت عليها، فقالت: مَن هذا؟ فقلت: سليمان. قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قلت: عشرة أواقٍ. قالت: ادخل فإنك عبدٌ ما بقي عليك درهم".
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، نحوه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن حفص بن غياث، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار. . . . إلى آخره نحوه.
وأما ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: منقطع لأن إبراهيم لم يلق عبد الله.
أخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: قال عبد الله بن مسعود.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود: "إذا أدّى المكاتب ثلث كتابته فهو غريم".
الثاني: أيضًا مثل ما قبله عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري، عن المغيرة بن مِقسم الضبِّي، عن إبراهيم. . . . إلى آخره.
стр. 7647
الثالث: أيضًا منقطع؛ لأن الشعبي لم يسمع من عبد الله ﵁ , وأيضًا معلول بجابر الجعفي.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن إبراهيم.
وعن أشعث عن الشعبيّ، قالا: قال عبد الله: "إذا أدى المكاتب ثلث مكاتبته فهو غريم".
وأخرجه ابن حزم (٢): من طريق سفيان بن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قال لي الشعبي: قول شريح مثل قول ابن مسعود: "إذا أدّى المكاتب قيمته فهو غريم من الغرماء".
قال ابن حزم: هذا إسناد جيد, لأن الشعبيّ صحب شريحًا، وشريح صحب ابن مسعود ﵁.
وأما ما روي عن أم سلمة ﵂ فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني، عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السِنْدي المدني، عن سعيد بن أبي سعيد كيْسان المقبري. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم، وقال (٣): أبو معشر السندي ضعيف.
قلت: ضعفه جماعة، ولكن عن أحمد: أنه كان صدوقًا. وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. واحتجت به الأربعة.
стр. 7648
وأما ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد صحيح وأخرجه مالك في "موطأه" (١).
وأما ما رُوِيَ عن زيد بن ثابت فأخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، عن مجاهد.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان زيد يقول: "المكاتب عبد ما بقيَ عليه شيءٌ من مكاتبته، وكان جابر يقول (٢): شروطهم جائزة بينهم".
فإن قيل: إذا كانت الآثار عن الصحابة مختلفة أيضًا مثل الأحاديث عن النبي ﵇ في هذا الباب، لم يترجح لأحد الفريقين استدلالًا بما استدلوا به على ما استدل به الفريق الآخر.
قلت: بل ظهر رجحان ما ذهب إليه الفريق الثاني لما يشهد وجه النظر والقياس لهم، وقد أشار إلى بيان ذلك بقوله:
ص: فلما كانوا قد اختلفوا في ذلك كما ذكرنا، وكلهم قد أجمع أن المكاتب لا يعتق بعقد المكاتبة، وإنما يعتق بحال ثانية؛ فقال بعضهم: تلك الحال أداء جميع المكاتبة.
وقال بعضهم: هي أداء بعض المكاتبة.
وقال بعضهم: يُعتق منه بقدر ما أدى من المكاتبة.
ثبت أن حكم ذلك قد خرج من حكم المعتق على مال؛ لأن المعتق على مال يعتق بالقول قبل أن يؤدي شيئًا، والمكاتب ليس كذلك؛ لإجماعهم على ما ذكرنا.
стр. 7649
فلما ثبت أن المكاتب لا يستحق العتاق بعقد الكتابة، وإنما يستحق بحالة ثانية، نظرنا في ذلك وفي سائر الأشياء التي لا تجبُ بالعقود؛ وإنما تجب في حال آخر بعدها كيف حالها؟
فرأينا الرجل يبيع العبد بألف درهم، فلا يجب للمشتري قبض العبد بنفس العقد حتى يؤدي جميع الثمن، ولا يكون له قبض بعض العبد بأدائه بعض الثمن، وكذلك الأشياء التي هي محبوسة بغيرها مثل: الرهن المحبوس بالدين، وكلٌّ قد أجمع أن الراهن لو قضى المرتهن بعض الدين فأراد أن يأخذ الرهن أو بعضه بقدر ما أدّى من الديْن لم يكن له ذلك إلا بأدائه جميع الدين، فكان هذا حكم الأشياء التي تملك بأشياء إذا وجب احتباسها، فإنما تحبس حتى يؤخذ جميعُ ما جُعل بدلًا منها.
فلما خرج المكاتب من أن يكون في حكم المعتق على المال الذي يعتق بالعقد لا بحال ثانية، وثبت أنه في حكم من يحبس لأداء شيء، ثبت أن حكمه في المكاتبة وفي احتباس المولى إياه كحكم المبيع في احتباس البائع إياه، فكما كان المشتري غير قادر على أخذه إلا بعد أداء جميع الثمن، كان كذلك المكاتب أيضًا غير قادر على أخذ رقبته من ملك المولى إلا بأداء جميع المكاتبة.
فثبت بما ذكرنا قول الذين قالوا: لا يعتق من المكاتب شيء إلا بأداء جميع المكاتبة.
وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي فلما كانت الصحابة وبعدهم التابعون ومَنْ بعدهم من الأئمة قد اختلفوا في حكم المكاتب متى يعتق كما مر ذكره فيما مضى.
قوله: "وكلهم" أي وكل من ذكرنا من هؤلاء قد أجمع أن المكاتب لا يعتق بنفس عقد المكاتبة وإنما يعتق بحالةٍ ثانيةٍ، فاختلفوا في هذه الحالة؛ فقال بعضهم وهم: الزهري والأوزاعي والثوري وسعيد بن المسيب
стр. 7650
وقتادة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، فإنهم قالوا: تلك الحال: أداء جميع المكاتبة، يعني لا يعتق إلا بأداء جميع بدل الكتابة، وهو عبدٌ ما بقي عليه درهم.
وقال بعضهم وهم: شريح، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح: هي أي تلك الحال، وهي حالة العتق أداء بعض المكاتبة، أي أداء بعض ما وقع عليه الكتابة.
فقال الشعبي وشريح: هي أداء النصف.
وقال النخعي: هي أداء الثلث. وعنه: أداء الربع.
وقال عطاء: هي أداء ثلاثة أرباع المكاتبة.
وقال الحسن: هي أداء الثُمن، ورواه عن ابن مسعود ﵁ أيضًا.
وقال بعضهم وهم عكرمة، والحكم بن عتيبة والظاهرية: يُعتق منه -أي من المكاتب- بقدر ما أدى من المكاتبة.
ورُوِيَ ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: "ثبت أن حكم ذلك" جواب "لَمَّا" أي حكم عقد الكتابة، وباقي الكلام ظاهر.
стр. 7651
ص: باب: الأَمة يطأها مولاها، ثم يموت وقد جاءت بولد في حياته هل يكون ابنه وتكون له أُمّ ولدٍ أَمْ لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الأَمة التي قد كان مولاها يطأها ثم مات المولى، والحال أن الأَمة قد كانت جاءت بولد قبل موت مولاها، هل يكون ذلك الولد ابنًا للمولى أم لا؟ وهل تكون تلك الأَمة أم ولدٍ أم لا؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان عتبة بن أبي وقاص عَهِد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مِنِّي فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، وقال: ابن أخي، وقد كان عَهِدَ إليَّ فيه. وقال: عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله ﵇: هو لك يا عبد بن زمعة. وقال رسول الله ﵇: الولد للفراش وللعاهر الحجرُ، ثم قال رسول الله ﵇ لِسَوْدة بنت زمعة: احتجبي منه. لِمَا رأى به من شبهه بعتبة. قالت: فما رآها حتى لقي الله.
ش: ذكر الطحاوي: هذا الحديث بغير هذا الإسناد باب الرجل ينفي ولد امرأته حين يولد هل يلاعن أم لا، ولكنه مقتصرًا على قوله: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
وأخرجه مالك في "موطأه" (١).
وكذلك أخرجه الجماعة (١) غير الترمذي، وقد ذكرناه هناك.
وعتبة بن أبي وقاص هو أخو سعد بن أبي وقاص لأبيه، شهد أُحُدًا مع المشركين ومات بعد ذلك كافرًا، وزمعة بن قيس هو والد سودة بنت زمعة زوج النبي ﵇-وهو بفتح الزاي والميم، والمحدثون يسكنون الميم- وكانت الإماء في الجاهلية
стр. 7652
يبغين، وكان مواليهن يأتونهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولدٍ فربما يدعيه السيد، وربما يدعيه الزاني، فإن مات السيد، ولم يكن ادّعاه ولا أنكره، فادعاه ورثته لحق به إلا أنه يشارك مستلحقه في ميراثه، إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السيد أنكره لم يُلحق به بحال، وكان لزمعة بن قيس أَمة باغية وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص -وهلك كافرًا- فعهد إلى أخيه سعد قبل موته، فقال: استلحق الحمل الذي بأَمَة زمعة، فلما استلحقه سعدٌ ﵁ خاصمه عبد بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقال عبد بن زمعة: "بل هو أخي، ولد على فراش أبي" يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام. فقضى رسول الله ﵇ لعبد بن زمعة؛ إبطالًا لحكم الجاهلية.
فإن قيل: إذا كان الولد استقر لزمعة بن قيس صار أخًا لسودة بنت زمعة، فلما قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه؟!.
قلت: هذا قد أشكل قديمًا على العلماء؛ فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرِّم الحلال، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم، وهو قول عبد الملك بن الماجشون إلاَّ أن قوله ذلك كان منه على وجه التنزه، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها، هذا قول الشافعي.
وقال طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين: حكم ظاهر وهو الولد للفراش، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبه، كأنه قال: ليس بأخ لك يا سودة إلاَّ في حكم الله تعالى، فأمرها بالاحتجاب منه.
ومن هذا أخذ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد أن وطأ الزنا محرم وموجب للحكم، وأنه يجري مجرى الوطأ الحلال في التحريم منه، وحملوا أمره ﵇ لسودة بالاحتجاب على الوجوب، وهو أحد قولي مالك، وفي قوله
стр. 7653
الآخر: الأمر هاهنا للاستحباب، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ لأنهم يقولون: إن وطأ الزنا لا يحرم شيئًا ولا يوجب حكمًا. والحديث حجة عليهم.
قوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" معناه: هو لك بيدك عليه، لا إنك تملكه، ولكن يمنع بيدك عليه كل من سواك منه، كما قال في اللقطة: "وهي لك بيدك عليها، يدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها" ليس على إنه ملك له.
قوله: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش.
"وللعاهر الحجر" أي للزاني الحجر.
قيل: معناه أن الحجر يرجم به الزاني المحصن، وقيل: معناه: أن الزاني له الخَيْبة، ولا حظّ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا في الخَيْبة كما يقال: له التراب، إذا أرادوا: له الخَيْبة، وقد مرّ الكلام فيه مستوفىً في باب الرجل ينفي ولد امرأته.
ص: فدهب قوم إلى أن الأَمة إذا وطأها مولاها فقد لزمه كل ولد تجيء به بعد ذلك، ادعاه أو لم يدعه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث؛ لأن رسول الله ﵇ قال: "هو لك يا عبد بن زمعة، ثم قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر" فألحقه رسول الله ﵇ بزمعة لا لدعوة ابنه؛ لأن دعوة الابن للنسب لغيره من أبيه غير مقبولة، ولكن لأن أُمّه كانت فراشًا لزمعة بوطئه إياها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري، والشافعي، ومالكًا, وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور وداود، فإنهم قالوا: إذا وطئ الرجل أَمَته، لزمه كل ولدٍ تجيء به بعد ذلك، ادَّعاه أو لم يدعه.
وقال أبو عمر: قال مالك: إذا أقر بوطئها صارت فراشًا، وإن لم يدع استبراءً لَحِقَ به وَلدُها، وإن ادّعى استبراءً حَلف وبريء من ولدها.
وقال ابن حزم: قال مالك: يلحق به ولد الأَمَه بوطئه إياها، إلا أن يدعي استبراءً، ثم لم يطأها.
стр. 7654
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما، حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن؟! لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألمَّ بها إلا قد ألحقت ولدها، فاعزلوا أو تركوا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول:. . . . فذكر مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما بال رجالٍ يطأون ولائدهم يدعونهن يخرجن؟! لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألّم بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعدُ أو أمسكوهن".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "من وطىء أَمة ثم ضيعها فأرسلها تخرج، ثم ولدت، فالولد منه والضيعة عليه".
قال نافع: فهذا قضاء عمر بن الخطاب، وقول ابن عمر ﵄.
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بآثار رويت عن عمر بن الخطاب ﵁ وابنه عبد الله بن عمر ﵄.
أخرجها من أربع طرق صحاح رجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وأبو اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، وشعيب هو ابن أبي حمزة.
стр. 7655
وأخرجه عبد الرزَّاق (١): عن معمر وابن جريج، كلاهما عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بلغني أن رجالًا منكم يعزلون: فإذا حملت الجارية، قال: ليس مني، والله لا أوتى برجل منكم فعل ذلك إلا ألحقتُ به الولد، فمن شاء فليعزل، ومن شاء لا يعزل".
وأخرج عبد الرزَّاق (٢) أيضًا: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد، أن عمر بن الخطاب قال: "من كان منكم يطأ جارية فليحصنها، فإن أحدكم لا يقر بإصابته جاريته، إلا ألحقت به الولد".
وأخرجه البيهقي (٣): من طريق ربيع المؤذن، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد. . . . إلى آخره.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ما جاءت به هذه الأمة من ولدٍ فلا يلزم مولاها إلا أن يقرّ به، وإن مات قبل أن يُقرّ به لم يلزمه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية, فإنهم قالوا: إذا أتت الأمة بولدٍ من مولاها فاعترف به المولى ثبت نسبه، وإن لم يعترف لا يثبت، حتى إذا مات قبل الاعتراف لا يثبت نسبه منه لأنه لا فراش لها بخلاف الحُرة، ولو وطئها في دبرها لا يلزم عندهم، خلافًا لمالك وأحمد والشافعي في وجه ضعيف.
ص: وكان من الحجة لهم في الحديث الأول أن رسول الله ﵇ إنما قال لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد. ولم يقل: هو أخوك. فقد يجوز أن يكون أراد بقوله: "هو لك" أي: هو مملوك لك بحق ما لَكَ عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك أن رسول الله ﵇ قد أمر سودة بنت زمعة
стр. 7656
بالحجاب منه، فلو كان النبي ﵇ قد جعله ابن زمعة إذًا لَمَا حجب بنت زمعة منه؛ لأنه ﵇ لم يكن يأمر بقطع الأرحام؛ بل كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، فكيف يجوز أن يأمرها بالحجاب منه وقد جعله أخاها؟! هذا لا يجوز عليه، وكيف يجوز ذلك عليه وهو يأمر عائشة ﵂ أن تأذن لعمها من الرضاعة عليها، ثم يحجب سودة ممن قد جعله أخًا لها وابن أبيها؟!
لكن وجه ذلك عندنا والله أعلم: أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعله بها لعبدٍ، ولسائر ورثة زمعة، دون سَعْد.
ش: أي وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثانية في الحديث الأول -وهو حديث عائشة ﵂، وأراد بها الجواب عنه- الذي احتجت به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه، وبيانه: هو قوله: "إنما قال لعبد بن زمعة. . . ." إلى آخره. وهو ظاهر.
وبه قيل: إن في قوله: "إنما قيل لعبد بن زمعة هو لك يا عبد ولم يقل: هو أخوك" نظر.
لأن أبا داود (١) روى هذا الحديث: عن سعيد بن منصور ومسدد، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﵇ في ابن أَمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمتَ مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه، فإنه ابنه، وقال ابن زمعة: أخي، ابن أَمة أبي، ولد على فراش أبي، فرأى رسول الله ﵇ شبهًا بيَّنًا بعتبة، فقال: الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة".
وزاد مسدد في حديثه: "فقال: هو أخوك يا عبد".
والجواب عن ذلك عن الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحدًا تابعه عليها، نعم قد روي: "هو لك يا عبد" كما مرّ
стр. 7657
في الحديث في أول الباب، ولا يدل ذلك على أنه أثبت النسب؛ لأنه يجوز أن يضاف، فيقال: هو له، وقد قال عبد الله بن رواحة لليهود حين خرص عليهم تمر خيبر: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" (١) ولم يُرد به الملك، والخصم ادعى أنه لم يرد إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه؛ لأن قوله: "هو لك" إضافة نسبة على الحقيقة، فليس حمله على إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد، ولئن سلمنا أن ما زاده مسدد صحيح، ووافقه على ذلك غيره، ولكنه يُراد به أخوك في الدين، وأنه ليس بعبد؛ لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون أصل الحديث: "هو لك" فظن الراوي أن معناه: أخوه في النسب، فحمله على المعنى عنده، والخبر الذي يرويه عبد الله بن الزبير صرّح بأنه ﵇ قال: "فإنه ليس لك بأخ" على ما نذكره عن قريب، وهذا صريح لا احتمال فيه، فوجب حمل خبر الزهري -الذي مضى ذكره- على المعنى الذي ذكرناه.
قوله: "فلو كان النبي ﵇ قد جعله ابن زمعة. . . ." إلى آخره.
قيل: فيه نظر لأن احتجاب الأخت عن أخيها ليس مبطل لأخوته لها؛ لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها، إنما الفرض عليها صلة رحمه، ولم يأمرها ﵇ قط بأن لا تصله.
والجواب عن ذلك: أن هذا كلام صادر من غير تروّي، وذلك أنّا ما ادعينا أن احتجاب الأخت عن أخيها مبطل لأخوته لها، وإنما قلنا: إنه لو كان ابن زمعة لما كان ﵇ أمر سودة بالاحتجاب عنه، فَأَمْره إياها بذلك يدل على أنه ليس بأخ لها، وإلا لا يكون للنهي فائدة، وكلام النبي ﵇ مصون من اللغو.
وقوله: "لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها" كلام ساقط لأنه ليس له دخل في المبحث؛ بل يمكن أن يدّعى فرضية رؤية أحد الأخوين للآخر إذا وجد
стр. 7658
القصد إليها من أحدهما وامتنع الآخر أشد الامتناع؛ لأن في ذلك يكون قطعًا محضًا لصلة الرحم، وهو حرام، وترك الحرام فرض، وصلة الرحم وإن كانت تحصل بدون الرؤية، ولكن لا تقع على ما ينبغي إلا بالتزاور، والتزاور لا يكون إلا بالرؤية، فافهم.
ص: فإن قيل: فما معنى قوله الذي وصله بهذا: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
قيل له: ذلك على التعليم منه لِسَعْد ﵁ أي أنت تدعي لأخيك، وأخوك لم يكن له فراش، وإنما يثبت النسب منه لو كان له فراش، فإذا لم يكن له فراش فهو عاهر، وللعاهر الحجر.
ش: تقرير السؤال أن يقال: لما وقع التنازع في ابن وليدة زمعة بين سَعْد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، ولم يحكم النبي ﵇ فيه بشيء غير اليد التي جعلها لعبد ولسائر ورثة زمعة، ما كان فائدة قوله ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" متصلًا بقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة".
وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له ذلك. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: وقد ثَبَّت هذا المعنى وكشفه: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، قال: ثنا محمد بن قدامة، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: "كانت لزمعة جارية يطأها، وكان يظنُّ برجل آخر أنه يقع عليها، فمات زمعة وهي حبلى، فولدت غلامًا كان يشبه الرجل الذي كان يظن بها، فذكرته سودة لرسول الله ﷺ ، فقال: أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخٍ".
ففي هذا الحديث أن زمعة كان يطأ تلك الأَمَة، وأن رسول الله ﵇ قال لسودة: "ليس هو لك باخٍ" يعني ابن الموطوءة، فدلَّ هذا أن رسول الله ﵇ لم يكن قضى في نسبه على زمعة بشيء، وأن وطئ زمعة لم يكن عنده بموجب أن ما جاءت به تلك الموطوءة من ولدٍ، منه.
стр. 7659
ش: أراد بهذا المعنى هو الذي ذكره من قوله: "لكن" وجه ذلك عندنا والله أعلم. . . . إلى آخره.
وقوله: "ما حدثنا" فاعل لقوله: "بيّن" و"كشفه" وفيه تنازع العاملين.
وإسناد الحديث صحيح.
وأخرجه النسائي (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير مولىً لهم، عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: "كانت لزمعة جارية يطؤها، وكان يظن بآخر يقع عليها، فجاءت بولدٍ شبه الذي كانت تَظُن به، فمات زمعة وهي حبلى، فذكرت ذلك سودة لرسول الله ﵇ (٢).
فقال رسول الله ﵇: "الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ".
قوله: "كان لزمعة جارية يطؤها" وفي رواية النسائي على ما ذكرنا: "يتطؤها"، وهو بمعنى "يطؤها" أيضا، وأصله يوطئها؛ لأنه من باب الافتعال، تقول: أوتطأ يوتطئ فقلبت الواو تاء وأدغمت التاء في الطاء فصار يتطئ.
قوله: "وكان يظن برجل أخر" أي: وكان زمعة يتهمها برجل أنه يطؤها.
ص: فإن قال قائل: قضى هذا الحديث أن رسول الله ﵇ قال: "أما الميراث فله" فهذا يدل على قضائه بنسبه، قيل له: ما يدلك على ذلك على أنه ما ذكرت؟ لأن عبد بن زمعة قد كان ادعاه وزعم أنه ابن أبيه، وأن عائشة ﵂ قد أخبرت في حديثها الذي ذكرناه عنها في أول هذا الباب: أن عبدا قال لرسول الله ﵇ حين نازعه سعد بن أبي وقاص: "أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي".
فقد يجوز أن تكون سودة قالت مثل ذلك، وهما وارثان معه، فكانا بذلك مقرين له بوجوب الميراث مما ترك زمعة.
стр. 7660
فجاز ذلك عليهما في المال الذي يكون لهما لو لم يقرا بما أقر به من ذلك، ولم يجب بذلك ثبوت نسب يجب به حكم فيخلى بينه وبين النظر إلى سودة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم لم يثبت نسب ابن وليدة زمعة؛ لأن النسب إنما يثبت إذا كان فراش، ففي حديث عبد الله بن الزبير المذكور ما يدل على ثبوت نسبه منه؛ لأنه ﵇ قال: "أما الميراث فله".
فهذا يدل على أنه ﵇ قضى بنسبه منه بأنه لا توارث بين الأجنبيين.
وتقرير السؤال أن يقال: إن عبد بن زمعة ادعى نسب هذا -ذلك الابن- وزعم أنه ابن أبيه، فصح إقراره في حق الميراث وشاركه فيه ولم يثبت النسب؛ لأن فيه حمل النسب على غيره، فلم يلزم من ثبوت الميراث بهذه الطريقة ثبوت النسب، وكذلك سودة يجوز أن تكون قالت مثل ما قال عبد، والحال أنهما وارثان معه؛ فكانا بذلك مقرين له بوجوب الميراث من تركة زمعة، فصح ذلك بطريق صحة إقرارهم، ولم يلزم من ذلك ثبوت النسب على ما ذكرنا، وهو معنى قوله: "فجاز ذلك عليهما في المال. . . . إلى آخره".
قوله: "ولم يجب بذلك" أي: بما ادعى عبد وسودة ومشاركته إياهما في الميراث بثبوت نسب يجب به الحكم يقتضي جواز نظره إلى سودة، فلذلك قال ﵇ لسودة: "احتجبي منه".
ص: فإن قال قائل: إنما كان أمرها بالحجاب منه لما كان رأى من شبهه بعتبة كما في حديث عائشة ﵂.
قيل له: هذا لا يجوز أن يكون كذلك؛ لأن وجود الشبه لا يجب به ثبوت النسب، ولا يجب بعدمه انتفاء النسب، ألا يرى أن الرجل الذي قال لرسول الله ﵇: "إن امرأتي ولدت غلاما أسود" فقال له رسول الله ﵇: "هل لك من إبل؟ " فقال: نعم. فقال: "ما ألوانها؟ " فذكر كلاما، قال: "فهل فيها
стр. 7661
من أورق؟ " قال: إن فيها لورقا، قال: "مما ترى ذلك جاءها؟ " قال: من عرق نزعه، فقال رسول الله ﵇: "ولعل هذا عرق نزعها".
وقد ذكرنا هذا بإسناده في باب اللعان، فلم يرخص له رسول الله ﵇ في نفيه لبعد شبهه منه، ولا منعه من إدخاله على بناته وحرمه، بل ضرب له مثلا أعلمه أن الشبه لا يوجب ثبوت الأنساب، وأن عدمه لا يجب به انتفاء الأنساب، فكذلك ابن وليدة زمعة، لو كان وطئ زمعة لأمه يوجب ثبوت نسبه منه، إذ لما كان لبعد شبهه منه معنى، ولو كان نسبه منه ثابتا لدخل على بناته كما يدخل عليهن غيره من بنيه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: أمر النبي ﵇ بالاحتجاب منه إنما كان لشبهه بعتبة بن أبي وقاص كما ذكر ذلك في حديث عائشة ﵂ المذكور في أول الباب، ولم يلزم من ذلك نفي نسبه من زمعة.
وتقرير الجواب أن يقال: أن الشبه لا يُبنى عليه حكم، فلا يثبت النسب بوجوده ولا يُنْفى بعدمه، ثم أوضح الطحاوي ذلك بقوله: "ألا ترى أن الرجل الذي قال لرسول الله ﵇. . . ." إلى آخره.
بيانه: أنه ﵇ لما قال له الرجل: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" لم يحكم بنفي نسبه منه، لعدم الشبه بينه وبينه، فدل ذلك على أن الشبه وعدمه لا يُبْنى عليهما حكم. والباقي ظاهر.
ص: وأما ما احتجوا به عن عمر وابن عمر ﵄ في ذلك مما قد رويناه عنهما، فإنه قد خالفهما في ذلك عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت ﵃.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان ابن عباس يأتي جارية له، فحملت، فقال: ليس مني؛ إني أتيتها إتيانًا لا أُريد به الولد".
стр. 7662
حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي قال: ثنا سفيان، وعن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد: "أن أباه كان يعزل عن جارية فارسيَّة، فحملت بحمل، فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك، وإنما أستطيب نفسك، فجلدها وأعتقها، وأعتق الولد".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت ﵁ مثله، غير أنه لم يقل: "فأعتقها وأعتق ولدها".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "ولدت جاريةٌ لزيد بن ثابت ﵁, فقال: إنه ليس مني، وإني كنت أعزل عنها".
فهذا زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس ﵄ قد خالفا عمر وابن عمر ﵄ في ذلك، فقد تكافأت أقوالهم ووجب النظر لنستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأينا الرجل إذا أقر بأن هذا ولده من زوجته، ثم نفاه بعد ذلك لم ينتف، وكذلك لو ادعى أن حملها منه، ثم جاءت بولد من ذلك الحمل لم يكن له أن ينفيه بلعان ولا بغيره؛ لأن نسبه قد ثبت منه، فهذا حكم ما قد وقعت عليه الدعوة. مما ليس لمدعيه أن ينفيه.
ورأيناه لو أقر أنه وطئ امرأته ثم جاءت بولدٍ فنفاه، لكان الحكم في ذلك أن يُلاعَن بينهما، ويخرج الولد عن نسب الزوج ويُلْحق بأمّه، فلم يكن إقراره بوطء امرأته يجب به ثبوت نسب ما تلد منه. ولم يكن في حكم ما قد لزمه مما ليس له نفيه.
فلما كان هكذا حكم الزوجات كان حكم الإماء أَحْرى أن يكون كذلك، فإن أقر رجلٌ بولد أمته أنه منه، أو أقر وهي حامل أن ما في بطنها منه لزمه ولم يُنتف منه بعد ذلك أبدًا، وإن أقر أنه قد وطئها لم يكن ذلك في حكم إقراره بولدها أنه منه، بل يكون بخلاف ذلك، فيكون له أنه ينفيه، ويكون حكمه وإن أقر بوطأ أمته منه كحكمه لو لم يكن أقر بوطئها، قياسًا على ما وصفنا من الحرائر.
стр. 7663
وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من أثر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر ﵄.
وبيانه أن يقال: نعم هذا الذي ذكرتم قد رُوِيَ عن عمر وابنه عبد الله، ولكن قد رُوِيَ أيضًا عن عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت ﵃ ما يخالف ما رُوِيَ عنهما -على ما نبينه الآن إن شاء الله- فإذا كان الأمر كذلك قد تساوت أقوالهم، وهو معنى، قوله: "فقد تكافت أقوالهم" فإذا تساوت أقوالهم ولم يبق فيما رُوِيَ عنهم حجة لأحد الفريقين, لأن أحد الفريقين، إذا احتج على الآخر بما رُوِيَ عن بعضهم يحتج الآخر عليه بما رُوِيَ عن الآخرين، وجب عند ذلك الرجوع إلى النظر والقياس الصحيح ليُستخرج من القولين قولٌ صحيح على ما هو القاعدة وبَيَّن ذلك بقوله: "فرأينا الرجل. . . . إلى آخره".
أما ما رُوِيَ عن ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن عمارة بن أبي حفصة ثابت الأزدي البصري، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن محمد بن عمر، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عباس وقع على جارية له وكان يعزلها فولدت فانتفى من ولدها".
وأما ما روي عن زيد بن ثابت ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن سفيان بن عُيينة، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد.
стр. 7664
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق محمد بن عبيد الله بن يزيد المقرئ، نا سفيان بن عُيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن سفيان، عن ابن ذكوان، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، قال: "كان زيد بن ثابت يقع على جارية له وكان يعزل عنها، فلما ولدت انتفى من ولدها، وضربها مائة، ثم أعتق الغلام".
الثالث: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب ﵁. . . . إلى آخره.
стр. 7665
ص: كتاب الرهن
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الرهن، وهو في اللغة: مطلق الحبس، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١) أي محبوسة.
وفي الشرع: هو حبس شيء لحقٍّ يمكن استيفاؤه منه كدين، تقول: رهنت الشيء عند فلان، ورهنته الشيء، وأرهنت الشيء، بمعنىً.
قال ثعلب: يجوز رهنته وأرهنته. وقال الأصمعي: لا يقال أرهنتُ الشيء، وإنما يقال رهنته.
ويُجمع الرهن على رهان ورُهُن بضمتين.
وقال الأخفش: رُهُن بضمتين قبيحة؛ لأنه لا يجمع فَعُل على فُعُل إلا قليلًا شاذًّا، نحو سَقْف وسُقُف، قال: وقد يكون رُهُن جمعًا للرهان كأنه يجمع رهن على رهان، ثم يجمع رهان على رُهُن، مثل فراش وفُرُش، والراهن الذي يرهن، والمرتهن الذي يأخذ الرهن والشيء مرهون ورهين، والأنثى رهينة.
стр. 7666
ص: باب: ركوب الرهن واستعماله وشرب لبنه
ش: أي هذا باب في بيان حكم ركوب المرتهن الرهن، وبيان حكم استعماله، وبيان حكم شرب لبنه.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مركوبًا، ولبن الدّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا".
ش: إسناده صحيح، والشعبي هو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي.
وأخرجه البخاري (١): عن أبي نعيم، عن زكرياء عن الشعبي، عن أبي هريرة نحوه.
وعن (٢) محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك، عن زكرياء، نحوه.
وأبو داود (٣): عن هناد، عن ابن المبارك، عن زكرياء، عن الشعبي، عن أبي هريرة نحوه.
والترمذي (٤): عن أبي كريب ويوسف بن عيسى، عن وكيع، عن زكرياء، عن عامر، به نحوه.
وقال: حسن صحيح، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عامر الشعبي.
قال: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفا.
стр. 7667
وابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكرياء، عن الشعبي به.
قوله: "الظهر يركب الإبل التي يحمل عليها وتركب" يقال: عند فلان ظهر، أي: إبل، ويجمع على ظهران بالضم.
قوله: "ولبن الدر" أي ذوات الدر، أي اللبن.
قال الجوهري: الدر اللبن، يقال في الذم: لا در دره، أي لا كثر خيره، ويقال في المدح: لله دره، أي عمله، ويقال: ناقة درور، أي كثيرة اللبن، ودار أيضًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى إن للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، والشافعي، وجماعة الظاهرية، فإنهم قالوا: للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، ويشرب لبنه كذلك.
وروي ذلك أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال البيهقي (٢): قال الشافعي يشبه قول أبي هريرة: أن من رهن ذات درّ وظهر لم يمنع الراهن درّها وظهرها, لأن له رقبتها.
قال: ومنافع الرهن للراهن وليس للمرتهن منها شيء.
قلت: قول أبي هريرة الذي قاله الشافعي هو ما رواه شعبة ووكيع وابن عُيينة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "الرهن محلوب ومركوب".
ذكر في كتب الشافعية: أن الراهن يجوز له استيفاء المنافع التي لا تضر بالمرتهن كسكنى الدار، وركوب الدابة، واستكتاب العبد، ولبس الثياب إلا إذا نقص
стр. 7668
باللبس وإكراء الفحل إلا إذا نقصت قيمته؛ لأن الرهن في ملك الراهن، فلا يمنع التصرف فيه.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومنافع الرهن كلها لا تحاشى منها شيئًا لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق، حاشى ركوب الدابة المرهونة، وحاشى لبن الحيوان المرهون فإنه لصاحب الرهن كما ذكرنا، إلا أن يُضَيِّعهما فلا ينفق عليهما، وينفق على كل ذلك المرتهن، فيكون له حينئذٍ ركوب الدابة، ولبن الحيوان بما أنفق، لا يحاسب به من دينه، كثر ذلك أم قل، وذلك؛ لأن ملك الراهن باقٍ في الرهن، ولم يخرج عن ملكه، لكن الركوب والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب؛ لحديث أبي هريرة: "الظهر يركب. . . . إلى آخره".
ثم قال: وصح عن أبي هريرة قوله مثل قولنا، وهو أنه قال: "وصاحب الرهن يركبه، وصاحب الدَّر يحلبه، وعليهما النفقة" وأنه قال: "الرهن مركوب ومحلوب بعلفه".
ومن طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبرهيم النخعي: "فيمن ارتهن شاة ذات لبن قال: يشرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربًا".
قال علي: هذه الزيادة من إبراهيم لا نقول بها.
وقال الشافعي: جميع منافع الرهن للراهن كما كانت، وقال أبو ثور بذلك، وبقولنا في الركوب والحلب، إلا أنه زاد الاستخدام، ولا نقول بهذا؛ لأنه لم يأت به نص.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): "أما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق
стр. 7669
عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته، متحريًا للعدل في ذلك في إحدى الروايتين، نصّ عليه أحمد في رواية [بكر بن محمد] (١) وأحمد بن القاسم، واختاره الخرقي، وهو قول إسحاق، وسواء اتفق مع تعذر النفقة من الراهن لغيبته، أو امتناعه من الإنفاق، أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه.
والرواية الأخرى: لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع بها، وليس له الانتفاع بالرهن بقدر نفقته.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لقوله ﵇: "الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه".
ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك كغير الرهن" (٢).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس للراهن أن يركب الرهن ولا يشرب لبنه وهو رهن معه، وليس له أن ينتفع بشيء منه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد في رواية, فإنهم قالوا: ليس للراهن ذلك لأنه ينافي حكم الرهن، وهو الحبس الدائم فلا يملكه.
وقال أصحابنا: ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون استخدامًا وركوبًا ولبنًا وسكنى وغير ذلك, لأن حق الحبس ثابت للمرتهن على سبيل اللزوم، وهذا يمنع الاسترداد والانتفاع، وليس له أن يبيعه من غير المرتهن بغير إذنه، ولو باعه يوقف على إجازته فإن أجازه جاز، ويكون الثمن رهنًا سواء شرط المرتهن عند الإجازة أن يكون مرهونًا عنده أو لا.
стр. 7670
وعن أبي يوسف أنه لا يكون رهنًا إلا بالشرط، وكذا ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون حتى لو كان عبدًا ليس له أن يستخدمه، وإن كان دابة ليس له أن يركبها، وإن كان ثوبًا ليس له أن يلبسه، وإن كان دارًا ليس له أن يسكنها، وإن كان مصحفًا ليس له أن يقرأ فيه، وليس له أن يبيعه إلا بإذن الراهن.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى: أن هذا الحديث الذي احتجوا به حديث مجمل, لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن؟ فمن أين جاز لهم أن يجعلوه الراهن دون أن يجعلوه المرتهن؟! هذا لا يكون لأحد إلا بدليل يدله على ذلك إما من كتاب أو سنة أو إجماع، ومع ذلك فقد روى هذا الحديث هشيم فبين فيه ما لم يبين يزيد بن هارون.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم الصائغ، قال: أنا هشيم، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ذكر أن النبي ﵇ قال: وإذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب".
فدل هذا الحديث أن المعْني بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له، وجُعلت النفقة عليه بدلًا مما يتعوض منه مما ذكرنا، وكان هذا عندنا والله أعلم في وقت ما كان الربا مباحا، ولم يُنه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعةً، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حُرِم الربا بعد ذلك، وحرم كل قرض جر منفعة.
وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، وأراد بها: الجواب عن الحديث المذكور.
بيانه: أن هذا الحديث -أعني حديث أبي هريرة المذكور- مجمل؛ لأنه لم يبين