قلت: قال عبد الغني في "الكمال": الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: عرزم، سمع أباه وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة (١).
وقال في ترجمة عيسى بن سنان: قال يحيى بن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان أيضًا (٢).
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا سعيد بن سليمان، عن عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى قال: "دعا النبي ﵇ بوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين والعمامة والنعلين".
والآخر: عن [المغيرة ﵁] (٤) ورجال حديثه ثقات أيضًا، وأبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد.
وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي.
وأخرجه أبو داود (٥): نا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري .. إلى آخره ولفظه: "أن رسول الله ﵇ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين".
والترمذي (٦): عن هناد ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
стр. 807
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
واحتج [به] (٢) الجمهور من العلماء على جواز المسح على الجوربين.
قال الترمذي (٣): وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين.
قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمَّد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: "دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما غير منعلين".
وفي "البدائع" (٤): وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين أو منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ورُوي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، واحتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة، ولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصّا، بخلاف القياس، فكان كل ما في معنى الخف في إدمان (٥) المشي عليه، وإمكان قطع السفر به يُلْحَق به، وما لا فلا.
стр. 808
ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق.
وأما الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين، وبه نقول، ولا عموم له لأنه حكاية حال؛ ألا ترى أنه لا يتناول الرقيق من الجوارب؟ انتهى.
وفي "المغني" (١): قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي ﵇ وقال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﵇: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن يُنْعلا.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢): نا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام: "أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين".
نا (٣) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن عقبة بن عمرو: "أنه مسح على الجوربين من شعر".
نا (٤) وكيع، عن أبي جناب، عن أبيه، عن خلاس أبي عمرو: "أن عمر ﵁ توضأ ومسح على جوربيه ونعليه".
стр. 809
نا أبو بكر (١) بن عياش، عن حصين، عن إبراهيم قال: "الجوربان والنعلان بمنزلة الخفين".
نا (٢) وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أنه كان يمسح على الجوربين".
نا (٣) أبو بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعد، عن [خلاس] (٤)، قال: "رأيت عليا ﵁ بال، ثم مسح على جوربيه ونعليه".
نا (٥) إسحاق الأزرق، عن جويبر، عن الضحاك: "أنه كان يقول في المسح على الجوربين: لا بأس به".
نا (٦) الثقفي، عن إسماعيل بن أمية قال: "بلغني أن البراء بن عازب كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا وبلغني عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: "أنهما كانا لا يريان بأسا بالمسح على الجوربين".
نا (٧) زيد بن حباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أنه مسح على الجوربين".
وقال ابن حزم في "المحلى" (٨): والعجب من الحنفيين والشافعيين والمالكيين يشنعون ويعظمون مخالفة الصاحب إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا ها هنا أحد عشر صحابيّا لا مخالف لهم من الصحابة، ممن يجيز المسح، منهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود؛ فخالفوا السنة الثابتة عن رسول الله ﵇ والقياس بلا معنى.
стр. 810
قلت: هذا تشنيع ساقط وكلام واهٍ؛ فالحنفيون ما خالفوا ها هنا أحدا من الصحابة، بل مذهبهم جميعا جواز المسح على الجوربين، وما رُوي عن أبي حنيفة في المنع فقد صح رجوعه عنه كما صرح به الترمذي في جامعه (١).
والشافعيون فقد ذكر الترمذي قول الشافعي مع قول من يجيز، غاية ما في الباب: اشترط الشافعي عدم نفوذ الماء من الجورب، وإمكان متابعة المشي. ولم يُنقل عن أحد عدم اشتراط هذين الشرطين.
والمالكيون فأكثرهم على الجواز.
ص: وقد رُوي عن ابن عمر ﵄ في ذلك وجه آخر.
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أحمد الحسين اللَّهَبِيّ، قال: نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان النبي ﵇ يصنع هكذا".
ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عمر ﵄ في معنى المسح على النعلين وجه آخر، ثم بيَّن ذلك بقوله: "حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي" .... إلى آخره، وقد ذكر هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في باب فرض الرجلين في الوضوء، وإسناده صحيح.
واللَّهبي نسبه إلى أبي لهب بن عبد المطلب، وأحمد بن الحسن من ذريته، ثقة مشهور.
وابن أبي فديك هو محمَّد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك.
وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أبو الحارث المدني.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إبراهيم بن سعيد، نا روح بن عبادة، عن
стр. 811
ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﵇ يفعل" وهذا الحديث لا يعلم رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا يعلم رواه عنه إلا روح، وإنما كان يمسح عليهما لأنه توضأ من غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا. انتهى.
قلت: قوله: "ولا نعلم رواه عنه إلا روح" تعارضه رواية الطحاوي؛ فإن الراوي عنه روايته ابن أبي فديك.
ص: فأخبر ابن عمر ﵄ أن النبي ﵇ قد كان في وقتِ ما كان يمسح على نعليه ويمسح على قدميه، فقد يحتمل عندنا أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلا؛ فحديث أبي أوس يحتمل ما ذكر فيه عن النبي ﵇ من مسحه على نعليه، أن يكون كما قال أبو موسى والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى والمغيرة فإنا نقول بذلك؛ لأنا لا نرى بأسا بالمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، قد قال ذلك أبو يوسف ومحمد.
وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى ذلك حتى يكونا صفيقين ويكونا مجلدين، فيكونان كالخفين.
وإن كان كما قال ابن عمر فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد بينا ذلك، وما عارضه وما نسخه، في باب فرض القدمين.
فعلى أي المعنيين كان وجه حديث أوس بن أبي أوس: من معنى حديث أبي موسى والمغيرة، ومن معني حديث ابن عمر، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلما احتمل حديث أوس ما ذكرنا ولم يكن فيه حجة في جواز المسح على النعلين؛ التمسنا ذلك من طريق النظر لنعلم كيف حكمه، فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما، أو أكثر القدمين، فكلُّ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيبا القدمين، ويبطل إذا لم
стр. 812
يُغِيبا القدمين، وكانت النعلان غير مغيبتين للقدمين، ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين.
ش: ملخص هذا أن حديث ابن عمر بخبر أنه ﵇ حين كان يمسح على نعليه يمسح على قدميه، فيحتمل أن يكون مسحه على قدميه فرضا، وعلى نعليه إصابة الفضيلة، وحديث أوس، إن كان معناه كمعنى حديث ابن عمر هذا، فإن فيه إثبات المسح على القدمين، ولكن قد ثبت ما عارضه وما نسخه في باب فرض القدمين.
وإن كان معناه كمعنى حديث أبي موسى والمغيرة، فإنا نقول بذلك؛ لأنا نُجَوِّز المسح على الخفين إذا كانا ثخينين لا يشفَّان، وأيّا ما كان، فلا يبقي في حديث أوس ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلا يبقى حُجَّة لمن يرى [ذلك] (١).
قوله "وأما أبو حنيفة ... " إلى آخره قد ذكرنا التحقيق فيه عن قريب ..
قوله: "إذا غييا" على صيغة المعلوم أي إذا غيب الخفان القدمين بأن [ستراهما] (٢).
قوله "غير مُغَيِّبتَيْن" على صيغة الفاعل، تثنية مُغَيَّبَة، فافهم.
стр. 813
ص: باب: المستحاضة كيف تتطهر للصلاة ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن المستحاضة كيف [تتطهر] (١) لإقامة الصلاة، و"المستحاضة": من ترى الدم في غير أوانها.
وفي "العُباب": المستحاضة المرأة التي يسيل منها الدم ولا يرقأ، ولا يسيل من المحيض ولكن يسيل من عِرقٍ يقال له: العاذل.
والمناسبة بينه وبين الأبواب التي قبله: أن كلا منها مشتمل على أحكام الوضوء.
ص: حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: نا الحميدي، قال: نا عبد العزيز ابن أبي حازم، قال: نا ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﵂: "أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأنها استحيضت حتى لا تَطْهُر، فذُكِرَ شأنُها لرسول الله ﵇ فقال: ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، لتَنْظُر قذر قرئها الذي تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي".
ش: رجاله رجال الصحيحين ما خلا محمَّد بن النعمان بن بشير النيسابوري السقطي نزيل بيت المقدس، وهو أيضا ثقة مشهور.
والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن أسامة بن عبد الله بن حميد القرشي الأسدي.
وعبد العزيز بن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- واسمه سلمة بن دينار المدني.
وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني.
وعَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدينة.
стр. 814
وأم حبيبة بنت جحش هي حمنة بنت جحش الأسدية، وهي أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﵇ ولها صحبة.
وأخرجه النسائي (١): عن الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم، عن إسحاق ابن بكر، قال: حدثني أبي: عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن محمَّد .. إلى آخره، نحوه سواء.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢)، و"المعرفة" (٣): عن أبي سعيد الإسفرايني، عن أبي بحر البربهاري، عن بشر بن موسى، عن الحميدي ... إلى آخره نحوه سواء، وقال في "المعرفة": قال أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، فيما قرأنا على محمَّد بن عبد الله الحافظ، عنه، قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ.
قال البيهقي: وقد رواه محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال فيه: "فأمرها بالغسل لكل صلاة" وكذلك رواه سليمان بن كثير عن الزهري -في إحدى الروايات عنه- والصحيح رواية الجمهور عن الزهري، وليس فيه الأمر بالغسل إلا مرة واحدة، ثم كانت تغتسل عند كل صلاة من عند نفسها، وكيف يكون الأمر بالغسل صحيحا عن عروة عن عائشة، وصح عن كل واحد منهما أنه كان يرى عليها الوضوء لكل صلاة؟! وقد رُوي الأمر بالغسل لكل صلاة من أوجه كلها ضعيفة.
قلت: الطريق المذكور صحيح لا يمكن رميه بالضعف، ولكن الجمهور ما عملوا به؛ لكونه منسوخا على ما يأتي إن شاء الله.
قوله: "وأنها استحيضت" عطف على قوله: "أن أم حبيبة".
قوله: "حتى لا تَطُهُر" بالرفع.
стр. 815
قوله: "فَذُكرَ شأنُها" أي حالها. "ذُكِرَ" على صيغة المجهول، وفي رواية البيهقي "فَذَكَرَت" أي أم حبيبة.
قوله: "ليست بالحيضة" -بفتح الحاء- المرة الواحدة من دُفع الحيض ونُوبِهِ، والحيضة -بكسر- الاسم من الحيض، والفرق بينهما بالقرينة من مساق الحديث، وها هنا يحتمل الوجهين، والفتح أظهر.
وفي كتاب "الواعي": الحيض اجتماع دم المرأة، والحَيضة والحِيضة بفتح الحاء وكسرها، أصلها عند قوم من حُضتُ الماءَ، أحُوضهُ، حَوْضا، إذا جمعته، وأحيضه حيضا، فيصبح فيه الواو والياء.
وجمع الحِيضة -بالكسر- حِيَض، وجمع الحيضة -بالفتح- حَيضات، والمحيض اسم للحيض.
وقال ابن سيده: حاضت المرأة حيضا ومحيضا وهن حائض وحُيَّض وحَوَائض، والحَيضة: المرَّة الواحدة، والحيضة: الاسم، وقيل: الحيضة الدم نفسه، والحياض دم الحيضة، قال الفرزدق:
خَواقُ حياضهن يسيل سيلا ... على الأعقاب تحسبه خضابا (١)
وفي "العباب": حاضت المرأة تحيض حَيضا ومَحِيضا ومَحَاضا، فهي حائض وحائضة أيضا، والحَيضَةُ: المرَّة الواحدة، والحِيضة -بالكسر-: الاسم. وكذا قال في "الصحاح" و"الغريب"، عن الفراء، وأنشد:
كحائضة يُزْنى بها [غير] (٢) طاهرٍ
стр. 816
وفي "شرح الفصيح" للتدميري: سمي حيضا على التشبيه بالحيض، وهو ماء أحمر يخرج من شجر السَّمر فيقال في ذلك: حاضت السمرة، وفي شرحه (١) للهروي: حاضت المرأة وتحيضت، ودرَسَت، وعركت، وطَمِثَت. وقال الأزهري [دم] (٢) يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها يخرج من قعره، يقال: حاضت محاضا.
وفي "الغريبين" عن ابن عرفة: هو اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سمي الحوض، لاجتماع الماء فيه.
وقال صاحب "مجمع الغرائب" هذا زلل ظاهر؛ لأن الحوض من الواو، والحيض من الياء، وأيضا فالحائض تسمى حائضا عند سيلان الدم، لا عند اجتماع الدم في رحمها، فإذا أخذُ الحوض من الحيض خطأ لفظا، فلست أدري كيف وقع.
قلت: قال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض لأن الماء يحيضُ إليه، أي: يسيل: والعرب تُدخِل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حيِّزٍ واحد، وهو الهواء.
فعَرْفتَ من هذا أن نسبة صاحب "مجمع الغرائب" ابن عرفة إلى الخطأ غير صحيح، غير أنه كان ينبغي أن يقول: وبه سُمِّي الحوض؛ لأن الماء يحيض إليه، كما قاله الأزهري.
وفي "العباب": قال الفراء: حاضت السَّمرةُ، إذا سال منها الدُّودِمَ، وهو شيء كالدم يسيل منها، وحاض وجاض وحاص وحاد بمعنى. وقال القاضي عياض: أصل الحيض السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وقال ابن حزم: الحيض هو الدم الأسود الخاثر الكريه الرائحة، وقيل: هو الدم الخارج بنفسه من فرج الممكن حملها، عادة".
стр. 817
قوله: "ولكنها ركضة" أي ولكن تلك الحيضة ركضة من الرحم؛ وأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تُركض الدابةُ وتصاب بالرجل، والمعنى ها هنا: أن الرحم لما دفعت تلك الحيضة لبست بها على صاحبتها في أمر دينها وطهرها، حتى أنستها عادتها، وصار في التقدير كأنها ركضة من الشيطان، فكأنه قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركضة.
قوله: "لتنظر" بالجزم.
قوله: "قدر قرئها" أي قدر حيضها الذي كانت تحيض.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الوهبي، قال: نا محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش كانت استحيضت في عهد النبي ﵇ فأمرها النبي ﵇ بالغُسل لكل صلاة، فإن كانت لتغتمس في المركن وهو مملوء ماء، ثم تخرج منه وإن الدم لعاليه، ثم تصلي".
ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى -ويقال: ابن محمَّد- الوهبي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله بن وهب عن محمَّد بن إسحاق بن يسار المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرجه أبو داود (١): عن هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن يزيد، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في روايته: "زينب بنت جحش"، موضع "أم حبيبة بنت جحش".
стр. 818
واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله ﵇ خمس: حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله ﷺ وأختها أم حبيبة- وقيل: أم حبيب بغير هاء، وفاطمة بنت أبي حُبيش القرشية الأسدية، وسهلة بنت سهيل القرشية العامرية، وسَوْدَة بنت زمعة، زوج رسول الله ﵇ وقد ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت، كما وقع في رواية أحمد، والمشهور خلافه، وإنما المستحاضتان أختاها.
فإن قيل: كيف قلت: إن اسم أم حبيبة حمنة، ثم جعلت حمنة غير أم حبيبة؟!
قلت: الأصح أن حمنة غير أم حبيبة: وأنهما أختان لزينب بنت جحش، قال ابن الأثير في باب كني النساء الصحابيات: أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، والأول أكثر، وهي بنت جحش بن رئاب الأسدية، أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين. وكانت تستحاض.
وأهل السِّير يقولون: إن المستحاضة حمنة.
قال أبو عمر: الصحيح أنهما كانتا تستحاضان، وكانت حمنة زوج مصعب بن عمير، قتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدا وعمران، ابنا طلحة، وأمها أُمَيْمَةُ بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﵇.
وجعل ابن مندة حَمْنَةَ غير أم حبيبة، وقال: حمنة بنت جحش، ويقال: حبيبة بنت جحش، وجعل أبو نعيم أم حبيبة كنية حمنة، وجعلهما أبو عمر اثنتين، كما ذكرناه.
وفي بعض شروح البخاري (١): وكان في زمنه ﵇ جماعة من النساء مستحاضات، منهن أم حبيبة بنت جحش، وحمنة بنت جحش، ذكرها أبو داود، وسهلة بنت سهيل ذكرها أيضًا، وزينب بنت جحش ذكرها أيضا، وسودة بنت زمعة، ذكرها العلاء بن مسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، وزينب بنت أم سلمة ذكرها الإسماعيلي في جمعه لحديث يحيى بن أبي كثير،
стр. 819
وأسماء بنت [مرثد] (١) الحارثية ذكرها البيهقي، وبادية بنت غيلان، ذكرها (ابن الأثير) (٢).
قوله: "فإن كانت" إن مخففة من المثقلة، أصلها فإنها كانت، واللام في "لتغتمس" للتأكيد.
"والمركن" -بكسر الميم- الإجَّانة التي تُغسل فيها الثياب، والميم زائدة وهي التي تخص الآلات (٣).
قوله: "وهو مملوء" جملة اسمية حالية.
و"ماء" نصب على التمييز.
قوله: "لعاليه" اللام للتأكيد، وهو من علا الشيء يعلوه، والمعنى أن الدم قد علا الماء أي ركبه وغشيه، وضبطه بعضهم "لغالبه" بالغين المعجمة من الغَلَبة، يقال: غلبه غَلَبا وغَلَبَة، وفي لفظ: "كانت تجلس في المركن ثم تخرج وهي عالية الدم"، أي يعلو دمها الماء.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بقول النبي ﵇ المروي في هذه الآثار, وبفعل أم حبيبة بنت جحش ذلك على عهد النبي ﵇.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جير، وقتادة؛ فإنهم قالوا: المستحاضة تغتسل لكل صلاة.
ورُوي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأم حبيبة ﵃ وإليه ذهبت الظاهرية.
стр. 820
وقد روى ابن حزم الآثار المذكورة في "المحلى" (١): ثم قال: فهذه آثار في غاية الصحة، وقال بهذا جماعة من الصحابة، ورُوي عن ابن عمر في المستحاضة قال: "تغتسل لكل صلاة".
وقد رواه أيضا: عكرمة ومجاهد عن ابن عباس، قال مجاهد عنه: "تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا".
وقال أيضًا: وروينا من طريق ابن جريج، عن عطاء "تنتظر المستحاضة أيام أقرائها، ثم تغتسل غسلا واحدا للظهر والعصر، تؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر قليلا، وكذلك المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح غسلا".
وروينا من طريق سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي مثل قول عطاء سواء بسواء، وروينا من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "المستحاضة تغتسل لكل صلاة وتصلي".
ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو مُعَيْد حفص بن غيلان، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن عمرة، عن عائشة قالت: "استحيضت أم حبيبة ابنة جحش، فاستفتت النبي ﵇ فقال لها رسول الله ﵇: إن هذه ليست بحيضة، ولكنه عِرْق فتقه إبليس، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة. قالت عائشة ﵂: فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة، وكانت تغتسل أحيانا في مِرْكنٍ في حجرة أختها زينب وهي عند النبي ﵇ حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء، فتصلي مع رسول الله ﷺ ، فما يمنعها ذلك من الصلاة".
ش: هذا الحديث بطرقه واختلاف متنه بيان لقوله: "وبفعل أم حبيبة بنت جحش ذلك"، أي الاغتسال لكل صلاة "على عهد النبي ﵇" أي في زمنه وأيامه.
стр. 821
والربيع بن سليمان بن داود الأعرج المصري، نسبته إلى جيزة مصر، بكسر الجيم وفتح الزاي المعجمة.
وعبد الله بن يوسف التِّنيسي أحد مشايخ البخاري.
والهيثم بن حُمَيْد -بضم الحاء- الغساني، أبو أحمد الدمشقي، وثَّقه ابن حبان وغيره، وروى له الأربعة.
والنعمان بن المنذر الغساني أبو الوزير الدمشقي، ثقة لكنه يُرْمى بالقدر، روى له أبو داود والنسائي.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو.
وأبو مُعَيْد -بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف- اسمه حفص بن غيلان الهَمْداني الدمشقي، وثقه ابن حبان وتكلم فيه غيره، وروى له النسائي وابن ماجه.
والزهري محمَّد بن مسلم.
وأخرجه النسائي (١): عن الربيع بن سليمان مثل الطحاوي ... إلي آخره، ولكن في رواية النسائي: أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، بواو العطف بين عروة وعمرة، وفي رواية الطحاوي: أخبرني عروة عن عمرة بحرف "عن" بينهما، قال القاضي عياض: قال الأوزاعي: عن عروة، عن عمرة بغير واو، وقد رواه يحيى بن سعيد عن عروة وعمرة، وكذا قال ابن أبي ذئب.
قلت: وتأتي الآن رواية الطحاوي أيضا من طريق ابن أبي ذئب عن عروة وعمرة، بواو العطف كما في رواية النسائي.
قوله: "ليست بحيضة" بكسر الحاء كذا قال بعض الأساتذة الكبار، وقالوا: كل موضع فيه "أقبلت الحيضة" بفتح الحاء، وكل موضع فيه "ليست بالحيضة" بكسر الحاء.
стр. 822
قلت: قد وقع في كثير من النسخ المعتمدة كلاهما بالفتح.
قوله "فتقه إبليس" من فتقت الشيء فتقا: شققته، وفتَّقته تفتيقا مثله، فتفتق وانفتق.
ثم إن إسناد الفتق إلى إبليس يجوز أن يكون على وجه الحقيقة على معنى أن يشق موضع الدم من الرحم لتبتلي بكثرة الدم، ليلتبس عليها أمر دينها، ويجوز أن يكون على وجه المجاز على معنى أن الشيطان بذلك يجد طريقا إلى التلبيس عليها في أمر في دينها وطهرها وصلاتها، فيصير كأنه هو الذي أسال هذا الدم.
قوله: "فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي" المراد من الإدبار: انقطاع الحيض، وقد وقع في رواية أبي داود: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ولكنه مشكل في ظاهره؛ لأنه لم يذكر الغسل، ولابد بعد انقضاء الحيض من الغسل.
والجواب عنه: أنه وإن لم يذكره في هذه الرواية فقد ذكر في رواية غيره.
وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار وانقضاء أيام الحيض والاغتسال، وجعل قوله: "واغسلي عنك الدم" محمولا على دم يأتي بعد الغسل، والجواب الأول أصح.
فإن قيل: ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه والدخول في الطهر؟
قلت: أما عند أبي حنيفة وأصحابه: الزمان والعادة هو الفيصل بينهما، فإذا أضَّلت عادتها تَحرّت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل.
وأما عند الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل، فالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر إذا جعلناهما حيضا؛ فتكون حائضا في أيام القوي، مستحاضة في أيام الضعيف، والتمييز عنده بثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوما.
والثاني: أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضا.
стр. 823
والثالث: أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما ليمكن جعله طهرا بين الحيضتين. وبه قال مالك وأحمد.
وقال النووي: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر: أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة، وسواء خرجت رطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلا.
قال البيهقي وابن الصَّبَاغ: التَرِيَّةُ رطوبة خَفيَّة (١) لا صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثر لا لون، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض، والتَّرِيّة بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف مشددة.
ثم اعلم أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها, ولا يجوز لها أن تترك صلاة أو صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات ولا تستظهر بشيء أصلا، وبه قال الشافعي.
وعن مالك ثلاث روايات:
الأولى: تستظهر ثلاثة أيام، وما بعد ذلك استحاضة.
والثانية: تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوما، وهي أكثر مدة الحيض عنده.
والثالثة: كمذهبنا.
ومن فوائد هذا الحديث:
جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء.
وجواز استماع صوتها عند الحاجة.
ومنها: نهيُ المستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض والنفل، ويتبعها الطواف وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسجدة الشكر.
ومنها: أنها بعد غُسْلِهَا تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، وفي وجه للشافعية أنها لا تصلي النافلة أصلا.
стр. 824
وقال النووي: والمذهب أنها لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، وحُكي ذلك عن عروة والثوري وأحمد وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدرة بالوقت فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت.
وقال مالك وربيعة وداود: الاستحاضة لا تنقض الوضوء، فإذا تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض والنوافل إلا أن تُحْدث بغير الاستحاضة.
ولا يصح وضوءها الفريضة قبل دخول وقتها عند الشافعي، ويصح عند أبي حنيفة.
ووطء المستحاضة جائز في حال جريان الدم عند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر المزني، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وعن عائشة: أنه لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعي، والحكم، وسليمان بن يسار، والزهري، والشعبي، وابن علية، وكرهه ابن سيرين.
وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها.
وفي رواية: لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت.
وعن منصور: تصوم ولا يأتيها زوجها ولا تمس المصحف.
ومنها: أن فيه دليلا على نجاسة الدم، وأن الصلاة تجب بمجرد الانقطاع.
ص: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: أنا أسد، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت النبي ﵇ عن ذلك فأمرها أن تغتسل، وقال: إن هذه عرق وليست بحيضة. فكانت هي تغتسل لكل صلاة".
стр. 825
ش: هذا طريق آخر عن الربيع، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم الزهري .. إلى آخره، وهذا فيه عن عروة وعمرة بواو العطف.
وكذا رواه أحمد في مسنده (١): عن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة وعمرة بنة عبد الرحمن، عن عائشة ... إلى آخره نحوه سواء، وفيه: "وكانت امرأة عبد الرحمن بن عوف".
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن إسحاق المسيِّبي، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة: "أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله ﵇ أن تغتسل، وكانت تغتسل لكل صلاة".
وهذا كما ترى بكلمة "عن" بين عروة وعمرة دون حرف العطف.
قوله: "إنما هذا عرق" أي دم عرق لأن الدم ليس بعرق، فحذف المضاف توسعا؛ يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العرق، فاتصل الدم، وليس بدم الحيض، الذي يدفعه الرحم لميقات معلوم.
وقد قلنا: إن الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، ولكنه يخرج من عِرْق يقال له العَاذِل -بالعين المهملة والذال المعجمة المكسورة- بخلاف دم الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم.
وقال ابن سيده: في بعض الحديث "تلك" (٣) عاذل [تغذو] (٤) يعني: تسيل وربما سُمي ذلك العرق عاذرا بفتح الراء.
стр. 826
وفي "المغيث": العاذر عرق الاستحاضة والعاذرة المستحاضة، قاله اللحياني، وقيل: إنها أقيمت مقام المفعول؛ لأنها معذورة في ترك الصلاة، وفي رواية عن ابن عباس (١) وسئل عن الاستحاضة: "إنه عرق عاند"، أراد أنه كالإنسان يعاند عن القصد.
قوله: "فكانت تغتسل لكل صلاة" من كلام عائشة ﵂ وبهذا احتج أهل المقالة الأولى على وجوب الاغتسال على المستحاضة عند كل صلاة؛ وذلك لأنها قد فعلت ذلك، ولم ينكر عليها النبي ﵇.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة .. مثله.
قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﵇ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة.
ش: هذا طريق آخر على شرط مسلم، وليس فيه "عمرة" بين عروة وعائشة.
وأخرجه مسلم (٢): عن قتيبة بن سعيد، عن ليث، وعن محمد بن رمح، عن ليث ... إلى آخره نحوه.
وقال ابن عينية: قوله "وكانت تغتسل عند كل صلاة" كان تطوعا منها غير ما أمرت به، وذلك واسع لها.
وقال الشافعي: ما أمرها رسول الله ﵇ إلا أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة.
стр. 827
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: أنا محمَّد بن إدريس الشافعي، قال: أنا إبراهيم بن سعد، سمع ابن هشام، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مثله، ولم يذكر قول الليث.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، وليس فيه ذكر عروة بن الزبير.
وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (١): عن أبي إسحاق الفقيه، عن أبي شافع بن محمَّد، عن الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، أنه سمع ابن شهاب يحدث، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵄: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ واستفتته فيه، فقالت عائشة: فقال لها رسول الله ﵇: ليست تلك بالحيضة، وإنما ذلك عرق، فاغتسلي وصلي، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، وكانت تجلس في مركن فتعلو الماء حمرةُ الدم، ثم تخرج وتصلي".
رواه مسلم في الصحيح (٢): عن محمَّد بن جعفر بن زياد، عن إبراهيم بن سعد.
وأخرجه (٣) من حديث عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٤): من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري عنهما جميعا.
وأخرجه مسلم (٥): من حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
وقال القاضي عياض: "فكانت تغتسل لكل صلاة" عند مسلم وفي حديث قتيبة، عن الليث، عن الزهري.
стр. 828
وفي "الموطأ" (١): "فكانت تغتسل وتصلي".
قال الليث في كتاب مسلم: لم يقل ابن شهاب: إن النبي ﵇ وما في الموطأ يحتمل أنها تغتسل عند انقطاع الدم، أو عند إدبار دم الحيضة، وتقادم الاستحاضة، أو لكل صلاة كما قال في كتاب مسلم.
وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث عن الزهري فيه: "فأمرها رسول الله ﵇ أن تغتسل لكل صلاة" ولم يُتَّابع ابن إسحاق أصحابُ الزهري على هذا، وحكى الطحاوي أنه منسوخ بحديث فاطمة، على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا إسماعيل، قال: أنا الشافعي، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة مثله.
ش: هذا طريق آخر عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عمرة، عن عائشة.
وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢): أنا أبو زكريا وأبو بكر، قالا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا ابن عيينة، قال: أخبرني الزهري، عن عمرة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﵇ فقال: إنما هو عرق وليست بالحيضة، فأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة، وتجلس في المركن فيعلو الدم".
رواه مسلم في الصحيح (٣): عن محمَّد بن المثنى، عن سفيان بن عيينة.
وأعلم أن المراد من قول الشافعي: أنا سفيان هو ابن عيينة كما صرحنا به، وليس هو الثوري، ولهذا صرح به البيهقي في روايته، والشافعي لم يأخذ من الثوري شيئا
стр. 829
لأنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وكان عمر الشافعي حينئذ إحدى عشرة سنة، وتوفي سفيان بن عيينة بمكة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وكان عمر الشافعي حينئذ ثمانية وأربعين سنة.
ص: قالوا فهذه أم حبيبة قد كانت تفعل هذا في عهد رسول الله ﵇ لأمر النبي ﵇ إياها بالغسل، فكان ذلك عندها على الغسل لكل صلاة.
ش: أي قال هؤلاء القوم المذكورون: فهذه أم حبيبة ﵂ قد كانت تغتسل لكل صلاة في زمن رسول الله ﵇ وذلك لأن النبي ﵇ أمرها بالغسل، ففهمت من ذلك الغسل لكل صلاة، وأنها كانت تغتسل لكل صلاة، ولم ينكر عليها النبي ﵇ فعلم أن الفرض على المستحاضة أن تغتسل عند كل صلاة.
ص: وقد قال ذلك علي وابن عباس ﵃ من بعد رسول الله ﵇ وأفتيا بذلك:
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب بن ناصح، قال: أنا همام، عن قتادة، عن أبي حسان، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصرة، فدفعه إلي ابنه فتَرْترَ فيه، فدفعه إليَّ فقرأته، فقال لابنه: ألا هَذْرَمْتَه كما هَذْرمَه الغلام المصري. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من امرأة من المسلمين، أنها استحيضت فاستفتت عليّا ﵁ فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: اللهم لا أعلم القول إلا قول علي- ثلاث مرات".
قال قتادة: وأخبرني عزرةُ، عن سعيد: "أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق علينا الغسل لكل صلاة. فقال: لو شاء الله لابتلاها بما هو أشد منه".
ش: أي وقد قال بوجوب الاغتسال عليها عند كل صلاة: علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس من بعد رسول الله ﵇ وأفتيا بذلك، ولو لم يعلما بذلك في زمن النبي ﵇ لما كانا أفتيا بعده، ثم بين الطحاوي فتواهما بقوله: حدثنا سليمان بن شعيب .. إلى آخره.
стр. 830
ورجاله ثقات تكرر ذكرهم. وأبو حسان: الأعرج، وقيل: الأجرد، اسمه مسلم بن عبد الله البصري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس بكتاب، فدفعه إلى ابنه ليقرأه فتتعتع فيه، فدفعه إليَّ فقرأته، فقال ابن عباس لابنه: أمَا لو هَذْرَمْتَها كما هَذْرمها الغلام المصري. فإذا في الكتاب: إني امرأة مستحاضة أصابني بلاء وضُر، وإني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن ذلك فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس ﵄: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر. قال: فقيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق عليها. قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) مختصرًا: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال: "كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأة بكتاب فَقَرَأْتُهُ، فإذا فيه: إني امرأة مستحاضة، وإن عليّا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما أجد ما أجد إلا ما قال علي ﵁".
قوله "فَتْرتَر" من التَرْتَرة وهي التحريك، والمعنى أنه حرك لسانه ولم يُفْهم شيئا، وكذلك معنى التلتلة، وفي حديث ابن مسعود (٣) "تَرْتِرُوه ومَزْمِزُوه"، أي: حركوه ليُسْتَنكه، وفي رواية "تلتلوه" ومعنى الكل التحريك (٤)، ومعنى "فتعتع" في رواية عبد الرزاق: تردد في قراءته، وتبلد فيها لسانه، ومعناه قريب من الأول.
قوله: "ألا هَذرَمْته" من الهذرمة، وهي السرعة في الكلام والمشي أيضًا، والمعنى: هلا أسرعت في قراءتك كما أسرع الغلام المصري، أراد به سعيد بن جبير، وأراد
стр. 831
بالمصري: الكوفي, لأن كوفة وبصرة يقال لهما المصران، ولأن مصرا في أصل الوضع واحد الأمصار، و"إلا" كلمة تحضيض تختص بالجمل الفعلية الخبرية، كسائر أدوات التحضيض.
قوله: "فقال: اللهم لا أعلم القول إلا ما قال عليّ" اعلم أن هذه الكلمة تستعمل على ثلاثة أنحاء:
أحدها: للنداء المحض، وهو ظاهر.
والثاني: للإيذان بندرة المستثنى، كقول الحريري: اللهم إلا أن [تِقِدَ نار] (١) الجوع، كأنه يناديه مستيقنا دفعه أو [حصوله] (٢).
الثالث: ليدل على تيقن المجيب [في الجواب] (٣) المقترن هو به، كقولك لمن قال: أزيد قائم؟ اللهم نعم، أولًا، كأنه يناديه مستشهدا على ما قال من الجواب، وها هنا من القبيل الثالث.
قوله: "ثلاث مرات" أي قال ابن عباس قوله ذلك ثلاث مرات.
قوله: "وأخبرني عزرة" هو عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور، وهو من رجال صحيح مسلم.
قوله: "وإنه يشق" أي وإن الشأن يُثقل علينا الغسل.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب، قال: أخبرني يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة من أهل الكوفة استُحيضت، فكتبت إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ﵃ تناشدهم الله، وتقول:
стр. 832
إني امرأة مسلمة أصابني بلاء، وإنما استُحِضْتُ منذ سنين فما [ترون] (١) ذلك؟ فكان أول من وقع الكتاب في يده ابن الزبير فقال: ما أعلم لها إلا أن تدع قرأها وتغتسل عند كل صلاة وتصلي، فتتابعوا على ذلك".
ش: الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- هو ابن ناصح.
ويزيد بن إبراهيم التُسْتُري، أبو سعيد البصري، روى له الجماعة.
وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تَدْرَس المكي، روى له الجماعة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): مقتصرا على ابن الزبير، فقال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أن سعيد بن جبير أخبره قال: "أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير غلاما لها -أو مولى لها-: إني مبتلاة، لم أصل منذ كذا وكذا -قال: حسبت أنه قال سنتين- وإني أنشدك الله ألا ما بَيَّنْتَ لي في ديني.
قال: وكتبت إليه: إني أُفتِيتُ أن أغتسل لكل صلاة، فقال ابن الزبير: لا أجد لها إلا ذلك".
قوله "تناشدهم الله" بنصب لفظة "الله" معناه تسألهم بالله وتقسم عليهم، يقال: نَشَدتُك اللهَ، وأنَشَدُك اللهَ، وباللهِ، وناشدتك الله وبالله، أي سألتك وأقسمت عليك.
ونشدتُه نِشْدة ونُشدانا ومنشَادة. وتعديته إلى مفعولين؛ إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدا وبزيد، وإما لأنهم ضَمَّنُوه معنى ذكرت. فأما أنشدتك بالله فخطأ.
قوله "ابن الزبير" مرفوع لأنه اسم كان في قوله: "فكان أول من وقع" و"أول من وقع" منصوب على أنه خبر [مقدم] (٣).
стр. 833
قوله "إلا أن تدع قرأها" أي إلا أن تترك أيام قرئها، أي حيضها.
قوله: [فتتابعوا] (١) أي [فتعاقبوا] في الجواب (٢).
"على ذلك" أي كل وجوب الاغتسال عليها عند كل صلاة.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: نا حماد، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس خاصة، مثله.
غير أنه قال: "تدع الصلاة أيام حيضها" فجعل أهل هذه المقالة على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، لما ذكرنا من هذه الآثار.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع سعيد بن جبير يقول: "كتبت مستحاضة إلى ابن عباس: أن قلت إني أدع الصلاة قدر أقرائي، وأن أغتسل لكل صلاة. قال ابن عباس: ما أجد لها إلا ما في كتابها".
قوله: "فجعل أهل هذه المقالة" أشار به إلى قوله: "فذهب قوم إلى أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل لك صلاة".
وأشار بقوله: "من هذه الآثار" إلى الآثار المذكورة من أول الباب إلى هنا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الذي يجب عليها: أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، فتصلي به الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها،
стр. 834
وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا تصليهما به , فتؤخر الأولى منهما وتُقدِّم الآخرة، كما فعلت في الظهر والعصر، وتغتسل للصبح غسلا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومنصور بن المعتمر، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، فإنهم ذهبوا إلى ما ذكره الطحاوي عنهم، ورُوِي ذلك أيضًا عن علي وابن عباس ﵃.
ص: وذهبوا في ذلك إلى ما حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا نعيم بن حماد، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمَّد، عن زينب بنت جحش قالت: "سألت امرأة رسول الله ﷺ أنها مستحاضة، فقال: لتجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل فتصلي، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر".
ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون في ذلك، أي فيما ذهبوا إليه من الذي بيَّنه الطحاوي، إلى ما حدثنا .. وهو حديث زينب بنت جحش.
وإسناده منقطع؛ لأن القاسم لم يدرك زينب أصلا، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
ونعيم بن حماد المروزي الأعور مختلف فيه، وإن كان قد أخرج له الجماعة غير النسائي، فإنه كان يضعفه جدّا وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك، وزينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين ﵂ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) عن محمَّد بن
حاتم المروزي، عن حسان بن موسى وسويد بن نصر.
وعن يحيى بن عثمان، عن نعيم بن حماد، قالوا: أنا ابن المبارك ... إلى آخره نحوه.
стр. 835
قوله: "سألت امرأة" قيل: إنها سهلة بنت سُهَيل، وقيل: هي بادنة بنت غيلان، وقيل: هي أم حبيبة.
قوله: "أيام أقرائها" أي أيام حيضها وهو جمع قرء، وقال ابن سيده: هو الحيض، والطهر ضِدُّ، وذلك أن القرء: الوقت، فقد يكون للحيض والطهر، والجمع أقراء وقروء وأَقْرُؤ، الأخيرة عن اللحياني، ولم يعرف سيبويه أقراء ولا أُقْرُءا (١)، استغنوا عنه بفُعول، وفي التنزيل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) أراد ثلاثة قروء من قروء (٣): وأقرأت المرأة، وهي مقرئ، حاضت وطهرت، وقرأت إذا رأت الدم، والمُقرَّأَة التي يُنْظَر بها انقضاء أقرائها.
وفي "المنتهى" لأبي المعالي: قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) وهي أوقات الحيض أو الطهر؛ أراد به الوقت لأن الحيض مؤنثه، ويجوز أنه أراد الطهر، والوقت أصح، قال أهل العراق: هي الحيض. وقال أهل المدينة: هي الطهر، والأصل فيه الوقت على ما بَيَّنَّا، وأقرأت المرأة: حاضت، قيل: قَرَتْ -بلا ألف- يقال: قرت حيضة أو حيضتين، وقيل: أقرأت: انتقلت من وقت إلى وقت، أي من وقت الحيض إلى وقت الطهر، ومن وقت الطهر إلى وقت الحيض.
وقال بعضهم: القرء انفصال الطهر أو الحيض. وقيل: ما بين الحيضتين.
قلت: وفيه حُجة لأبي حنيفة على الشافعي؛ حيث حمل القَرْء على الحيض في باب العِدَّة، والشافعيُّ على الطهر؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يكون معنى قوله: "تجلس أيام أقرائها" أيام طهرها، وإنما المعنى أيام حيضها.
стр. 836
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت من المسلمين، فسألوا النبي ﵇ ... " ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: "نحو أيامها".
ش: إسناده منقطع, لأن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃ لم يدرك النبي ﵇.
وأخرجه أبو داود تعليقا (١): وقال: رواه ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت، فسألت النبي ﵇، فأمرها ... "، بمعناه.
قلت: يعني بمعنى الحديث الذي قبله، وهو حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن سهلة بنت سهيل استُحيضت، فأتت النبي ﵇ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح".
وأخرجه أبو داود (٢): عن عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.
ويستفاد من هذا الحديث: أن هذه المرأة كانت مُعْتَادة مُمَيِّزة؛ لأنه قال: فيه "قدر أيامها" أي لتجلس قدر أيامها المعتادة في الحيض، لا تصوم ولا تصلي. ثم إذا خرجت أيامها تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، كما مر بيانه آنفا.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: أنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة استحيضت على عهد النبي ﵇ فأمرت .. " ثم ذكره نحوه، غير أنه لم يذكر تركها الصلاة أيام أقرائها ولا أيام حيضها.
стр. 837
ش: إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﵇ فأمرت أن تُعَجِّل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح. فقلت لعبد الرحمن: أعن النبي ﵇؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ﵇ بشيء".
وأخرجه النسائي (٢): وقال: أنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله ﵇ قيل لها: إنه عرق عاند، وأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلا واحدا".
وذكر الدارمي في "سننه" (٣): أن المرأة المذكورة هي بادية بنت غيلان الثقفية، وقال: أخبرنا أحمد بن خالد، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم: "أنها كانت بادية بنت غيلان الثقفية" وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إنما هي سهلة بنت سهيل بن عمرو، واستحيضت، وأن رسول الله ﵇ كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما (٤) جهدها ذلك، أمر أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل للصبح". أخبرنا أحمد بن خالد، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن سعد بن إبراهيم، قال إنما جاء اختلافهن, لأنهن كنا عند عبد الرحمن بن عوف، فقال بعضهم: هي أم حبيبة، وقال بعضهم: هي بادنة، وقال بعضهم: هي سهلة بنت سهل.
стр. 838
وقال ابن الأثير: في كتاب "الصحابة" في حرف الباء الموحدة: بادنة (١) بنت غيلان الثقفية، روى القاسم بن محمَّد، عن عائشة: "أن بادنة بنت غيلان أتت النبي ﵇ فقالت: إني لا أقدر على الطهر، أفأترك الصلاة؟ فقال: ليست تلك بالحيضة، إنما ذلك عرق، فإذا ذهب قرء الحيض فارتفعي عن الدم، ثم اغتسلي وصلي".
و [بادنة هذه] (٢) هي التي قال عنها: هيت المخنث: "تقبل بأربع وتدبر بثمان"، أخرجها ابن منده وأبو نعيم (٣).
قوله: "أُستُحيضت" بضم الهمزة والتاء، معناه: استمر بها الدم.
قوله: "عرق عاند"، بالنون: من العِناد، شُبِّه به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته، وقيل: العاند الذي لا يرقأ، وقيل: العاند السائر.
ومما يستفاد منه: وجوب الغسل ثلاث مرات في كل يوم وليلة، ثم إن النبي ﵇ إنما أمرها بتعجيل العصر وتأخير الظهر، والاغتسال لهما غسلا واحدا، لما رأى أن الأمر قد طال عليها، وقد جَهَدَها الاغتسال لكل صلاة، ورخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كالمسافر الذي رخص له الجمع بين الصلاتين، على مذهب من يرى ذلك.
وفيه حجة لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرضٍ بتيمم واحد؛ لأن علتهما واحدة، وهي الضرورة.
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: نا خالد بن عبد الله، عن سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عُمَيْس، قالت: "قلت: يا رسول الله، إن فاطمة ابنة أبي حُبَيش أُستُحِيضَتْ منذ كذا وكذا فلم تُصلِّ، فقال:
стр. 839
سبحان الله، هذا من الشيطان، لتَجْلِس في مِرْكَنٍ، فإذا رأت صُفْرَة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، ثم تغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتتوضأ فيما بين ذلك".
فقوله: "فيما بين ذلك" يحتمل: تتوضأ لما يكون بها من الأحداث التي يُوجَبُ بها نقضُ الطهارات، ويحتمل: تتوضأ للصبح، فليس فيه دليل على خلاف ما تقدمه من حديث شعبة وسفيان.
قالوا: فهذه الآثار قد رويت عن النبي ﵇ كما ذكرنا في جمع الظهر والعصر بغسل واحد، فبهذا نأخذ، وهي أولى من الآثار الأُوَل التي فيها ذكر الأمر بالغسل لكل صلاة؛ لأنه قد رُوي ما يدل على أن هذا هو ناسخ لذلك، فذكروا ما:
حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا الوهبي، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "إن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت، وإن النبي ﵇ كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل للصبح".
قالوا: فدلَّ ذلك على أن هذا الحكم ناسخ للحكم الذي في الآثار الأُوَل, لأنه إنما أمر به بعد ذلك، فصار القول به أولى من القول بالآثار الأُوَل.
ش: حديث أسماء بنت عُمَيْس من جملة ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من ثلاث اغتسالات: غسل للظهر والعصر، وغسل للمغرب والعشاء، وغسل للصبح.
ورجال إسناده ثقات، إلا أن يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحِمّاني فيه كلام كثير؛ ضعفه ناس ووثقه آخرون، ونسبته إلى حمان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم.
стр. 840
وأخرجه أبو داود (١): نا وهب بن بقية، قال: نا خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري ... إلى آخره نحوه سواء، إلا أن في لفظه: "فإذا رأت صَفَارة" وزيادة قوله: "وتغتسل للفجر غسلا"، وبعده قوله: "وتتوضأ فيما بين ذلك" كما في رواية الطحاوي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن محمود بن محمَّد الواسطي، عن وهب بن بقية، قال: نا خالد ... والباقي مثل رواية أبي داود سواء.
وأخرجه [الدارقطني] (٣) في "سننه": نا محمَّد بن مخلد، نا محمَّد بن عبد الواحد ابن مسلم الصيرفي، ثنا علي بن عاصم، عن سهيل بن أبي صالح، أخبرني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: "قلت: يا رسول الله، فاطمة بنت أبي حبيش لم تصل منذ كذا وكذا، قال: سبحان الله، إنما ذلك عرق -فذكر كلمة بعدها -أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، وتؤخر من الظهر وتعجل من العصر وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر من المغرب وتعجل من العشاء وتغتسل لهما غسلا وتصلي" وهذا ليس في روايته: "وتغتسل للفجر" مثل رواية الطحاوي، ولا فيها: "وتتوضأ فيما بين ذلك" كما هو في رواية الطحاوي، وأبي داود.
قوله: "منذ كذا وكذا" منذُ: مبني على الضم، كما أن "منذ" مبني على السكون، وكل منهما يكون حرف جر فيجر ما بعده، ويجري مجرى "في" ولا يدخل -حينئذ- إلا على زمان أنت فيه تقول: "ما رأيته منذ الليلة" وتكون اسما فترفع ما بعده على التاريخ أو على التوقيت، فنقول في التاريخ: "ما رأيته منذ يوم الجمعة" أي أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وفي التوقيت: "ما رأيته منذ سنة" أي أمَدُ ذلك سنة.
стр. 841
و"كذا" عبارة عن العهد المبهم.
قوله: "سبحان الله" تعجب واستبعاد لفعلها ذلك.
قوله: "هذا من الشيطان" له معنياه:
الأول: مجازي، وهو أنه أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تَلَبُّس في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها.
والثاني: حقيقي بمعنى أنه ضَرَبها حتى فتق منها عرق الاستحاضة.
قوله: "في مِرْكَنٍ" بكسر الميم وهي الإجانة.
ويُستفاد منه حكمان:
الأول: وجوب تكرار الغسل كما تقدم، قبل هذا.
والثاني: فيه حجة من اعتبر التمييز باللون؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض.
قوله: "فقوله له فيما بين ذلك ... " إلى آخره كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره، أن يقال: إن حديث أسماء بنت عميس الذي احتججتم به مخالف لأحاديث شعبة والثوري وابن عيينة التي احتججتم بها أولا من وجهين:
الأول: أنه ليس فيها "وتتوضأ فيما بين ذلك".
والثاني: فيها "وتغتسل للفجر"، وليس هذا في حديث أسماء بنت عميس.
فأجاب عنه بقوله: "وتتوضأ فيما بين ذلك، يحتمل أن يكون المراد أنها تتوضأ لما يكون بها من الأحداث التي يُوجب بها نقض الطهارات" يعني: إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ ولا تكتفي بالاغتسال؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس، ويحتمل أن يكون المراد: أنها تتوضأ لصلاة الصبح، فعلى كلا التقديرين، ليس فيه دليل على خلاف ما تقدمه من حديث شعبة الذي رواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة استحيضت". ولا من
стр. 842
حديث سفيان وسفيان، وأراد بالأول: سفيان الثوري، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمَّد، عن زينب ابنة جحش.
وبالثاني: سفيان بن عُيينة، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت ... " الحديث.
قوله: "فهذه الآثار" أراد بها الآثار التي رواها شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عُيينة والزهري، عن عروة.
قوله: "فبهذا نأخذ" أي: "بما في هذه الآثار, وهذا حكايته عن أهل المقالة الثانية، ثم بيَّنَ وجه الأخذ بهذه الآثار بقوله: "وهي أولى من الآثار الأُوَلِ" وهي التي احتجت بها أهل المقالة الأولى التي فيها وجوب الغسل لكل صلاة من الصلوات الخمس؛ وذلك لأنه قد رُوي عن النبي ﵇ ما يدل على أن هذا ناسخ لتلك الآثار.
ثم أشار إلى الحديث الناسخ لتلك الأحاديث بقوله: "فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود .. " إلى آخره، وهو حديث سهلة بنت سهيل.
ثم بين وجه النسخ بقوله: "لأنه إنما أمر به بعد ذلك" أي: لأن النبي ﵇ أمر بما في حديث سهلة بنت سهيل بعد أن أمر بما في الأحاديث الأوُل، ولاشك أن مثل هذا نسخ؛ لأن النسخ هو رفع الحكم الأول، فلما أمر أولا بالاغتسال لكل صلاة من الصلوات الخمس، ثم أمر بعد ذلك أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وبين المغرب والعشاء بغسل واحد، وتصلي الصبح بغسل واحد؛ دل أن هذا رَفعَ حكم الأول.
ورجال هذا الحديث ثقات.
والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد، أحد مشايخ البخاري، نسبه إلى والد عبد الله بن وهب.
стр. 843
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد العزيز بن يحيى، قال: حدثني محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﵇ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصُّبح".
قوله "فلما جَهِدَهَا" بكسر الهاء، أي فلما شق عليها الاغتسال، من: جَهِده الشيء -بكسر الهاء- جَهدا -بالفتح- والجُهد -بالضم- الطاقة، وقيل: هما لغتان في الوِسْع والطاقة.
ص: وقالوا: وقد رُوي ذلك أيضا عن علي وابن عباس ﵃ فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو معمر، قال: نا عبد الوارث، قال: نا محمَّد بن جحادة، عن إسماعيل بن رجاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جاءته امرأة مستحاضة تسأله، لم يفتها وقال لها: سلي [غيري] (٢) قال: فأتت ابن عمر ﵄ فسألته، فقال لها: لا تصلي ما رأيت الدم. فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته، فقال ﵀: إن كاد ليُكفِرْك، قال: ثم سألت علي بن أبي طالب فقال: تلك ركزة من الشيطان -أو قرحة في الرحم- اغتسلي عند كل صلاتين مرَّة وصلي. قال: فَلَقِيَت ابن عباس بعد فسَألتْه، فقال: ما أجد لك إلا ما قال علي ﵁.
حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا الحجاج، قال: أنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: "قيل لابن عباس: إن أرضنا أرض باردة. قال: تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل للفجر غسلا".
فذهب هؤلاء إلى الآثار التي ذكرنا.
стр. 844
ش: أي قال أهل المقالة الثانية أيضا: روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مثل ما ذهبنا إليه، فذكروا ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المقعد البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن محمد بن جُحَادة -بضم الجيم وفتح الحاء المهملة- الأودي الكوفي، عن إسماعيل بن رجاء الكوفي، عن سعيد بن جبير.
وهذا على شرط مسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن علي ﵁: "في المستحاضة تؤخر من الظهر وتعجل من العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء -قال: وأظنه قال: وتغتسل للفجر- قال: فذكرت ذلك لابن الزبير وابن عباس، فقالا: ما نجد لها إلا ما قال علي ﵁".
وإسناد الأثر الثاني أيضا صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد أبي عبد الملك المكي، عن مجاهد ... إلى آخره.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا الحسن بن ربيع، نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، قال: "كان ابن عباس ﵄ يقول في المستحاضة: تغتسل غُسلا للظهر والعصر، وغُسلا للمغرب والعشاء، وكان يقول: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء".
قوله: "إن كاد ليُكَفِرُك" أي إنه كاد، و"اللام" في "ليكفرك" للتأكيد، ومعناه أنه قارب أن يكفرك، بأمره لها بترك الصلاة، وهي من أفعال المقاربة، ولا يستعمل منه إلا الماضي والمضارع؛ إلا ما سمع نادرا، وحكمه حكم سائر الأفعال في أن معناه منفي إذا صحبها حرف نفي، فإذا قال القائل: كاد زيد يبكي،
стр. 845
فمعناه: قارب زيد البكاء، فالمقاربة ثابتة، ونفس البكاء منتف، وكذلك المعنى ها هنا: المقاربة ثابتة، ونفس التكفير منتف.
قوله "تلك ركزة من الشيطان" بفتح الراء من ركزت الرمح أَرْكُزُهُ رَكْزا، إذا غرزته في الأرض، وهو يحتمل الحقيقة بأن يركز الشيطان في فرجها، ويفتق عرق الاستحاضة، ويحتمل المجاز بأن يكون المعنى أنه وَجَدَ بذلك طريقا إلى أن يُلبِّس عليها أمر دينها، بأن أنساها أيام عادتها وأقرائها.
قوله: "أو قرحه في الرحم" أي جراحة وانكشاف لعرق في الرحم.
قوله: "اغتسلي عند كل صلاتين" أراد بهما: الظُّهرين والعشاءين.
ويستفاد منه:
أن الواجب على المستحاضة أن تجمع بين كل صلاتين بغسل واحد، بأن تؤخر الظهر وتعجل العصر كما مرَّ بيانه.
وأن ترك الصلاة قريب من الكفر.
وأن لعلي بن أبي طالب مزية فضيلة على غيره في العلم، وجلالة قدر.
قوله: "إن أرضنا" أراد بها أرض الكوفة لأن المستفتية كانت منها.
قوله: "فذهب هؤلاء" أي أهل المقالة الثانية.
"إلى هذه الآثار" وهي الأحاديث المذكورة عن شعبة والثوري وابن عيينة والزهري، عن عروة والقاسم بن محمَّد، عن عائشة، والأثر الذي روي عن علي وابن عباس ﵃.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي.
ش: أي خالف أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية؛ جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن،