← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ "قال في القتيل يؤخذ في الحي: يقسم خمسون -من الحي الذين وُجد فيهم- بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فإن حلفوا برئوا وإن لم يحلفوا أقسم من هؤلاء خمسون بالله: إن دمنا فيكم ثم يغرمون الدية". وأخرج البيهقي (١): من حديث أبي عوانة، عن مغيرة، عن عامر: "أن قتيلًا وُجد في خربة من خرب وادعة همدان، فرفع إلى عمر ﵁، فأحلفهم خمسين يمينًا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، ثم غرمهم الدية، ثم قال: يا معشر همدان حقنتم دماءكم بأيمانكم، فما يبطل دم هذا الرجل المسلم؟ ". وأخرج من حديث الشافعي (٢): عن سفيان، عن منصور، عن الشعبي: "أن عمر ﵁ كتب في قتيل وُجد بين خيوان ووادعة: أن يقاس بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه بمكة، وأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، قالوا: ما دفعت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا، قال عمر ﵁: كذلك الأمر". قال البيهقي: فذكر الشافعي في الجواب عنه: ما يخالفون عمر في هذه القضية من الأحكام. ثم قيل: أفثابت هو؟ قال: لا، إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث مجهول، ونحن نروي عن رسول الله ﵇ بالإسناد الثابت: "أنه بدأ بالمدعين فلما لم يحلفوا قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" وإذْ قال: "تبرئكم يهود" فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصار أيمانهم، وداه النبي ﵇ ولم يجعل على يهود والقتيل بين أظهرهم شيئًا. ثم قال البيهقي: قال الربيع المرادي: أخبرني بعض أهل العلم، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال الحارث الأعور: كان كذابًا.

стр. 7912

قال: وروي عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر، ومجالد غير محتج به. وروي عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع، عن عمر، وأبو إسحاق لم يسمعه منه. روى ابن المديني عن أبي زيد، عن شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: "أن قتيلًا وجد بين وادعة وخيوان" فقلت: يا أبا إسحاق، مَن حدَّثك؟ قال: مجالد، عن الشعبي، عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحاق إلى مجالد، واختلف فيه على مجالد. قلت: أما مخالفتهم عمر ﵁ في تلك الأحكام، لأنه قامت عندهم فيها أدلة أقوى من أدلة عمر ﵁، وقد ذكر عيسى بن أبان في كتاب الحج أن مخالفه قال: قد تركتم من حديث عمر أشياء، لأنه كتب إلى عامله باليمن أن ابعث بهم إلى مكة، وأنتم تقولون: يدفع في الحكومة إلى أقرب القضاة. وفيه: أنه استحلفهم في الحِجْر، وأنتم تنكرون أن يستحلف إلا في مجلس الحكم حيث كان. وفيه: أنه قال لعامله: أبعث إليَّ بخمسين رجلًا. وعندكم الخيار للمدعي. وفيه: حقنتم بأيمانكم دماءكم. وأنتم تقولون: إن لم يحلفوا لم يقتلوا. ثم أجاب ابن أبان عن ذلك بما ملخصه: أنه أراد أن يتولى الحكم، وأن عامله لا يقوم فيه مقامه لينتشر في البلاد ويعمل بها مَن بعده، ولهذا فعله في أشهر المواضع وهو الحِجْر ليراه أهل الموسم وينقلوه إلى الآفاق، ولا شك أن نوابَه كانوا يقضون في البلاد الثانية، ولو وجب حمل كل أحد إليه لم يكتب إلى موسى وغيره في الأحكام، ولهذا لم يستحلف عمر ﵁ والأئمة بعده أحدًا في الحجر، وإنما كتب عمر ﵁ أن لا يقتل دونه احتياطًا واستعظامًا بالدم، ولم يقل: ابعث إليَّ بخمسين تتخيرهم أنت، ولم يكن يولي جاهلًا فإنما كتب إلى من

стр. 7913

يعلم أن الخيار للمدعين؛ لأنه لم يستحلف، فكيف يستحلف من لا يريدونه؟ وإنما قال: "حقنتم بأيمانكم دماءكم"؛ لأنهم لو لم يحلفوا حبسوا حتى يقروا فيقتلوا أو يحلفوا، فأيمانهم حقنت دماءهم إذ تخلصوا بها من القتل أو الحبس، كقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ (١)، فلو لم تلاعن حبست حتى تلاعن فتنجو أو تقر فترجم. وأما قوله: "أفثابت هو عندك؟ " أي: قضية عمر ﵁. . . . إلى آخره. فنقول: لم يذكر أحد -فيما علمنا- أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي، ولم يذكر سنده في ذلك، وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي، عن الحارث الوادعي كما مرَّ ذكره عن قريب، وكذلك مجالد رواه عن الشعبي. ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث هذا، عن عمر ﵁ أمارة على أنه هو الواسطة لا الحارث الأعور كما زعم الشافعي. ورواه في أيضًا عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن منصور، عن الحكم، عن الحارث ابن الأزمع، والحارث هذا ذكره أبو عمر في الصحابة ﵃ كما ذكرناه. وذكره ابن حبان في "الثقات" التابعين، ثم إن الحارث الأعور وإن تكلموا فيه فليس بمجهول كما زعم الشافعي، بل هو معروف، روى عنه: الضحاك والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. ص: وقد وافق ذلك ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ في غير هذا الموضع أنه قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". فسوى رسول الله ﷺ في ذلك بين الأموال والدماء، وحكم فيها بحكم واحد، فجعل اليمين في ذلك كله على المدعى عليه، فثبت بذلك أن معنى حديث سهل هذا أيضًا على ما قد تأولناه.

стр. 7914

ش: أي قد وافق ما ذكرناه أن ابتداء اليمين بالمدعى عليه في باب القسامة ما قد رويناه عن رسول الله ﵇ من قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم. . . . الحديث". أخرجه الطحاوي مسندًا عن ابن عباس في باب: الرجل يقول عند موته: إن مت ففلان قتلني. وأخرجه مسلم (١): أيضّا وقد ذكرناه هناك، وهذا فيه قد سوى ﵇ بين الأموال والدماء وجعل حكمهما حكمًا واحًدا حيث جعل وظيفة المدعى عليه في الجميع اليمين فلا يجوز تخصيصه بغير دليل. فإن قيل: قد خصصه قوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على مَن أنكر إلا في القسامة". رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇. قلت: قد ذكرنا الجواب عنه في هذا الباب: أن هذا الحديث ضعيف ومعلول من وجوه كثيرة، فلا يعارض به الحديث الصحيح الثابت. ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب، عن سعيد بن عبيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﷺ دعاهم بالبينة، فلما ذكروا أن لا بينة لهم قال: أفيحلفون لكم؟ ". فدل ما ذكرنا أن ما كان من حكم رسول الله ﵇ من ذلك هو هذا، وكان ما زاد عليه مما في حديث يحيى بن سعيد وأبي ليلى بن عبد الله ليس على الحكم، ولكن على المعنى الذي تأولناهما عليه. ش: أي وقد دل على ما ذكرنا أيضًا من أن اليمين على المدعى عليه في الأموال والدماء جميعًا: ما ذكرنا من حديث سعيد بن عبيد. . . . إلى آخره. قوله: "وكان ما زاد عليه" أي وكان الذي زاد على حديث سعيد بن عبيد الذي رواه عنه أبو نعيم الفضل بن دُكين، عن الذي في حديث يحيى بن

стр. 7915

سعيد، عن بشير بن يسار، وحديث أبي ليلى الذي رواه عنهما مالك بن أنس وأراد بقوله: وكان ما زاد عليه هو قوله ﵇: "أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم" بأن فيه ابتداء اليمين بالمدعي، وتعلقت به أهل المقالة الأولى حيث قالوا: يُستحلف المدعون بالدم، فإذا حلفوا استحقوا ما ادعوا. قوله: "ليس على الحكم" يعني قوله ﵇: "أتحلفون خمسين يمينًا" ليس على أنه حكم قد شرع لكم، و"لكن على المعنى الذي تأولناهما" وهو أن المراد منه: إنكاره ﵇ عليهم ذلك، وقد ذكرناه مستوفًى. والضمير المنصوب في "تأولناهما" يرجع إلى حديث يحيى بن سعيد وأبي ليلى، فافهم. ص: ثم هذا الزهري قد علم بقضاء رسول الله ﷺ بالقسامة، فمما روي عنه في ذلك: ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇: "أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﵇ على ما كانت عليه، وقضى بها رسول الله ﵇ بين أناس في قتيل ادعوه على اليهود". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعى، قال: ثنا الزهري، قال: ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇ مثله. ثم قال الزهري في القسامة أيضًا ما قد حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: "أن رسول ﵇ قضى بالقسامة على المدعى عليهم". فدل ذلك على أن القسامة على المدعى عليهم لا على المدعى، على ما بيَّن الزهري في حديثه هذا، وإنما كان أخَذَ القسامة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

стр. 7916

وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب رسول الله ﵇، فكان هذا مما أخذه عنهم. ش: ذكره هذا شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من أن القسامة على المدعى عليهم دون المدعين، ولصحة التأويل الذي ذكره في حديث سهل بن أبي حثمة ﵁، بيان ذلك: أن محمَّد بن مسلم الزهري روى "أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﵇ على ما كانت عليه". أخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أيوب بن سويد الحميري السيباني -بفتح السين المهملة- فيه مقال، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وسليمان بن يسار الهلالي المدني مولى ميمونة زوج النبي ﵇، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇. وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن هاشم، ثنا الوليد بن مسلم، أنا الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. غير أن في لفظة: "على يهود خيبر". وقال ابن حزم: هذا خبر صحيح. وأخرجه مسلم: (٢) حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى -قال أبو الطاهر: نا، وقال حرملة: أنا- ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﵇، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ من الأنصار: "أن رسول الله ﵇ أقر القسامة على ما كانت في الجاهلية".

стр. 7917

وحدثنا (١) محمَّد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: حدثني ابن شهاب بهذا الإسناد مثله، وزاد: "وقضى رسول الله ﵇ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسليمان، عن أناس من أصحاب رسول الله ﵇: "أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله ﵇ على ما كانت عليه، وقضى بها بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود". ثم روى الزهري أيضًا: "أنه ﵇ قضى بالقسامة على المدعى عليهم". أخرجه عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد ابن خازم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا شبابة بن سوار، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: "أن النبي ﵇ قضى في القسامة أن اليمين على المدعى عليهم". وأخرج أيضًا نحوه (٤): عن أبي معاوية، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري به. فدل هذا أن القسامة التي كانت في الجاهلية التي قررها رسول الله ﵇ على ما كانت عليه إنما كانت على المدعى عليهم لا على المدعين. قوله: "وإنما كان أخذ القسامة. . . . إلى آخره" جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: هذا من كلام الزهري وهو ليس بحجة علينا.

стр. 7918

فأجاب عنه بأن هذا في الحقيقة عن النبي ﵇؛ لأن الزهري إنما أخذ القسامة عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، وهما أخذاها عن أناس من الصحابة، والصحابة ﵃ أخذوها عن النبي ﵇، وقد وافق الزهري في ذلك عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب. قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، أنه سمع أصحابًا له يحدثون: "أن عمر بن عبد العزيز بدأ المدعى عليهم باليمين، ثم ضمنهم العقل". ثئا أبو معاوية (٢)، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: "أنه كان يرى القسامة على المدعى عليهم". وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك أيضًا. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو معاوية، عن مطيع، عن فضيل ابن عمرو، عن ابن عباس أنه قضى بالقسامة على المدعى عليهم. ص: وقد وافق ذلك ما رويناه عن عمر ﵁ مما فعله وحكم به بحضرة سائر أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكره عليه منكر. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وقد وافق ما روي عن الزهري ما رويناه عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو الذي رواه الحارث بن الأزمع، وقد مر ذكره عن قريب. قوله: "وهذا" أي كون القسامة على المدعى عليهم لا على المدعين، قول أبي حنيفة وصاحبيه ﵏.

стр. 7919

ص: باب: ما أصاب البهائم في الليل والنهار ش: أي هذا باب في بيان حكم ما تصيبه البهائم وتفسده في الليل أو النهار كيف يكون ذلك؟ ص: حدثنا يونس، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء بن عازب ﵁: "أن ناقة لرجل من الأنصار دخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﵇ على أهل الحوائط بحفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي ما أفسدت مواشيهم بالليل". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة: "أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطًا لرجل فأفسدت، فقضى رسول الله ﵇ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. ش: هذان طريقان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن أيوب بن سويد الحميري شيخ الشافعي، فيه مقال. عن أبي عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن حرام -ضد حلال- ابن سعد بن محيصة بن مسعود الأنصاري، وقد ينسب إلى جده، قال ابن سعد: كان ثقة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمود بن خالد، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة الأنصاري، عن البراء بن عازب قال: "كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله ﵇

стр. 7920

فيها، فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت مواشيهم بالليل". وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي. . . . إلى آخره. الثاني: مرسل، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة. وأخرجه مالك في "موطأه"، (٢) والشافعي في "مسنده" (٣) عن مالك. والبيهقي (٤) عن القاضي أحمد بن الحسن، عن محمَّد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي. وأخرجه النسائي (٥) عن محمد بن رمح، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن ابن محيصة أخبره أن ناقة للبراء. . . . إلى آخره نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦) مرفوعًا: نا معاوية بن هشام، نا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء بن عازب: "أن ناقة لآل البراء أفسدت شيئًا، فقضى رسول الله ﵇ أن حفظ الثمار على أهلها بالنهار، وضمن أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل".

стр. 7921

وقال ابن حزم: (١) الخبر المرسل أحسن طرقه: ما رواه مالك ومعمر، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: "أن ناقة للبراء. . . .". وما رواه ابن جريج، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: "أن ناقة دخلت. . . ." فلم يُسند أحد من هاتين الطريقين اللتين لو أسند منهما أو من إحديهما لكان حجةً يجب الأخذ بها، وإنما أسند من طريق حرام بن سعد بن محيصة مرةً، عن أبيه، ولا صحبة لأبيه. ومرةً عن البراء فقط. وحرام بن سعد بن محيصة مجهول لم يرو عنه أحد إلا الزهري، وهو يروي عمن لا يوثق بروايته، كروايته عن سلمان بن قرم، ونبهان مولى أم سلمة وغيرهم من المجاهيل والهلكى، ولا يحل لأحد أن يقطع على رسول الله ﵇ في الدين إلا مَن يعرف حاله وعدالته، فسقط التعلق بهذا الخبر. قلت: حرام بن سعد معروف، روى عنه مثل الزهري، ووثقه ابن سعد كما ذكرنا. وروايته عن أبيه أخرجها عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن الزهري، عن حرام ابن محيصة، عن أبيه: "أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى النبي ﵇ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل". وقال أبو عمر بن عبد البر: رواية عبد الرزاق عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه. لم يتابع على قوله: عن أبيه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: ما أصابت البهائم نهارًا فلا ضمان على أحد فيه، وما أصابت ليلًا ضمنه أرباب تلك البهائم. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

стр. 7922

ش: أراد بالقوم هؤلاء: شريحًا والشعبي والليث بن سعد ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: ما أفسدت البهائم في النهار لا ضمان على أحد فيه، وما أفسدته في الليل يضمنه أصحاب البهائم، إلا أن الليث قال: لا يضمنون أكثر من قيمة الماشية. قال أبو عمر (١): قال مالك: ما أفسدت المواشي والدواب من الزروع والحوائط بالليل فضمان ذلك على أربابها، وما كان بالنهار فلا شيء على أصحاب الدواب، ويقوَّم الزرع الذي أفسدت بالليل على الرَّجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس سواء، والمحظر عليه وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغًا ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها، قال مالك: فإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئًا، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث. وقال ابن القاسم: ما أفسدت المواشي بالليل فهو في مال ربها وإن كان أضعاف قيمتها؛ لأن الجنابة من قبله إذْ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد. حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم. وحكى المزني عن الشافعي قال: الضمان عن البهائم بوجهين: أحدهما: ما أفسدت من الزرع بالليل ضمنه أهلها، وما أفسدت بالنهار لم يضمنوا. واحتجوا بحديث هذا الباب. والوجه الثاني: إذا كان الرجل راكبًا، فما أصابت بيدها أو رجلها أو فيها أو ذنبها من نفس أو جرح فهو ضامن له؛ لأن عليه منعها في تلك الحال من كل ما يتلف فيه أحدًا. قال: واختلف أصحاب داود في هذا الباب، فقال بعضهم بقول مالك والشافعي، وقال بعضهم مثل قول الليث إلا أن يتعدى في إرسالها، أو يربطها في

стр. 7923

موضع لا يجب له ربطها فيه، أو يعنف عليها في السياق فيضمن بجناية نفسه، قال: وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الشعبي "أن شاةً وقعت في غزل حائك، واختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم: أليلًا وقعت فيه أو نهارًا؟ ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (١) قال: والنفش بالليل، والهمل بالنهار. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابته مواشيم في الليل والنهار إذا كانت منفلتة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وبعض الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا ضمان على أصحاب البهائم فيما أفسدت من الزرع وغيره، سواء كان ليلًا أو نهارًا إذا كانت منفلتة. وقال ابن حزم: والقول عندنا في هذا كله ما حكم به رسول الله ﷺ إذ ثبت عنه من أن العجماء جرحها جبار، وعملها جبار، فلا ضمان فيما أفسده الحيوان من أدم أو مال لا ليلًا ولا نهارًا، فإن أتى بها وحملها على شيء وأطلقها فيه ضمن حينئذٍ؛ لأنه فعله، ليلًا كان أو نهارًا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا الخضر بن محمَّد الحراني، قال: ثنا عباد بن عباد، قال: ثنا مجالد، عن الشعبي؛ عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "السائمة عقلها جبار والمعدن جبار". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث جابر، أخرجه عن فهد بن سليمان، عن الخضر بن محمَّد بن شجاع الجزري أبي مروان الحراني، وثقه أحمد وابن حبان، وقال أبو حاتم: ليس به بأس. عن عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صُفْرة العتكي البصري، روى له الجماعة.

стр. 7924

عن مجالد -بالجيم- ابن سعيد الهمداني الكوفي، قال النسائي: ثقة. وعن يحيى: ضعيف. روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة. عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الواحد، نا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "السائمة جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". قوله: "السائمة" أي الدابة السائمة المرسلة في رعيها. قوله: "عقلها" أي ديتها وأرشها. قوله: "جُبار" بضم الجيم، أي هدر لا ينبني عليه حكم. قال أبو عمر: لا يختلفون أن الجبار: الهدر الذي لا أرش فيه ولا دية. قال الشاعر: وكم ملك نزعنا الملك (منه) (١) ... وجبار بها دمه جبار قلت: "السائمة" مبتدأ، و"عقلها" مبتدأ ثان، وخبره "جبار"، والجملة خبر المبتدأ الأول. قوله: "والمعدِن جبار" المعدِن -بكسر الدال- الموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، ويجمع على معادن، واشتقاقه من المعدِن وهو الإقامة، ومعنى قوله: "والمعدن جبار" أي: المعادن التي يطلب فيها الذهب والفضة تحت الأرض إذا سقط منها شيء أو انهار على أحد من العاملين فيها فمات أنه هدر لا دية له في بيت المال ولا غيره، وكذلك من سقط فيها فعطب بعد حفرها.

стр. 7925

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇ "العجماء جبار، والمعدن جبار". حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇ مثله. فقال السائل: يا أبا محمَّد، أبو سلمة معه؟ قال: إن كان معه فهو معه. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا محمَّد بن عمرو. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن محمَّد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ . . . . فذكر مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفرياني، قال: ثنا سفيان، عن ابن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، يرفعه مثله. ش: هذه تسع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن

стр. 7926

مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (٢): عن محمَّد بن رافع، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك. الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (٣): عن ابن منيع، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار". الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله ابن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٤): عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة نحوه. الرابع: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا عبد العزيز، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة،

стр. 7927

عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". الخامس: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف البصري شيخ أحمد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده": (١) ثنا يحيى، عن محمَّد، حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". السادس: عن فهد بن سليمان، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٢): عن يعقوب الدورقي، عن هشيم، عن منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن الزهري، عن النبي ﵇ قال: "البئر جبار، والعجماء جبار. . . ." الحديث. السابع: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون، عن عبد الله بن عون المزني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (٣): عن محمَّد بن جعفر، عن هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "البهيمة عقلها جبار، والبئر عقلها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". وأخرجه النسائي (٢): عن يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن منصور وهشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة نحوه.

стр. 7928

الثامن: عن فهد بن سليمان، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن محمَّد بن زياد الجمحي المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حجاج، ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇-أو قال: قال أبو القاسم ﷺ : "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". قال شعبة: ما سمعت أحدًا يقول: "الركاز" غيره. التاسع: عن حسين بن نصر، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، رفعه إلى النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٢): عن ابن سلمة عن ابن القاسم، عن مالك، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "العجماء جبار". قوله: "العجماء جبار" العجماء عند العرب: كل بهيمة وسبع وحيوان غير ناطق مفصح. وقال ابن الأثير: العجماء: البهيمة؛ سميت به لأنها لا تتكلم، وكل ما لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم، ومنه الحديث: "بعدد كل فصيح وأعجم"، قيل: أراد بعدد كل آدمي وبهيمة. وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن العجماء إذا جنت جناية نهارًا أو جرحت جرحًا لم يكن فيه لأحد سبب أنه هدر لا دية فيه على أحد، ولا أرش. واختلفوا في المواشي يهملها صاحبها ولا يمسكها ليلًا، فتخرج فتفسد زرعًا

стр. 7929

أو كرمًا أو غير ذلك من ثمار الحوائط والأجنة وخضرها، وقد مضى الكلام فيه عن قريب. واحتج أبو الزناد بهذا الحديث: "أن الكلب إذا عقر أحدًا أنه هدر". قال ابن وهب: أخبرني يونس، أنه سأل أبا الزناد عن عقل الكلب أو الفهد أو السبع الداجن أو الكبش النطاح، أو نطح الثور أو البعير أو الفرس، الذي يعض فيعقر مسكينًا أو زائرًا أو عابدًا. فقال أبو الزناد أن قتل واحد من هذه الدواب أو أصاب كسر يد أو رِجْل أو فقأ عين أو أي شيء جرح من ذلك أحدًا من الناس فهو هدر، قضى رسول الله ﵇ أن العجماء جرحها جبار إلا أن يكون قد استعدى في شيء من ذلك، فأمره السلطان [بإيثاق] (١) ذلك فلم يفعل فإن عليه أن يغرم ما جرح بالناس. وأما ما أصيبت به الدابة أو شيء منها فلم يكن السلطان تقدم إلى صاحبه، فإن على مَن أصابها غرم ما أصابها به. وقال مالك فيمن اقتنى كلبًا في دار البادية فعقر ذلك الكلب إنسانًا: إنه إن اقتناه وهو يدري أنه يفترس الناس ويعقرهم فهو ضامن لما فرس الكلب. وعن (٢) سفيان الثوري، عن [طارق] (٣) قال: "كنت عند شريح فأتاه سائل فقال: إني دخلت دار قوم فعقرني كلبهم وخرق جرابي، فقال: إن كنت دخلت بإذنهم فهم ضامنون، وإن كنت دخلت بغير إذنهم فليس عليهم شيء". وعن الشعبي قال: "إذا كان الكلب في الدار فأذن أهل الدار للرجل، فعقره الكلب ضمنوا، وإن دخل بغير إذنهم فعقره فلا ضمان عليهم، وأيما قوم غَشَوْا

стр. 7930

غنمًا في مرابضها فعقرتهم الكلاب فلا ضمان على أصحاب الغنم، وإن عرضت لهم الكلاب في الطريق فعقرتهم في الطريق ضمنوا". وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والحسن بن حي: مَن كان في داره كلب فدخل إنسان بإذنه أو بغير إذنه فقتله الكلب فلا ضمان في ذلك، وكذلك قال ابن أبي ذئب. وقد روى الواقدي عن مالك نحو هذا، وروى عنه ابن وهب: أنه إن اتخذ الكلب وهو يدري أنه يفترس ضَمن، وإن لم يعلم ذلك لم يضمن، إلا أن يتقدم إليه السلطان. ص: قال أبو جعفر ﵀: فجعل رسول الله ﵇ ما أصابته العجماء جبارًا، والجبار هو الهدر فنسخ ذلك ما تقدم ما في حديث حرام بن محيصة وإن كان منقطعًا لا تقوم بمثله عند المحتج به علينا حجة؛ لأنه وإن كان الأوزاعي قد وصله، فإن مالكًا والأثبات من أصحاب الزهري قد قطعوه، ومع ذلك فإن الحكم المذكور فيه مأخوذ من حكم سليمان النبي ﵇ في الحرث إذ نفشت فيه الغنم، فحكم النبي ﵇ بمثل ذلك الحكم حتى أحدث الله له هذه الشريعة فنسخت ما قبلها. ش: هذا جواب عن حديث حرام بن محيصة الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو على وجهين: الأول: أن هذا الحديث منقطع، وهؤلاء لا يحتجون بالمنقطع فكيف يحتجون به على أهل المقالة الثانية، وهذا غير صحيح. فإن قيل: قد أوصله الأوزاعي فصح أن يحتج به على الخصم، فأجاب عنه بقوله: وإن كان الأوزاعي قد وصله فإن مالك بن أنس والأثبات الثقات من أصحاب محمَّد بن مسلم الزهري قد رَوَوْه مقطوعًا.

стр. 7931

قال أبو عمر: روى هذا الحديث جميع رواة "الموطأ" مرسلًا، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة، جمعهما جميعًا في هذا الحديث ولم يقل ذلك غير ابن عيينة، عن ابن شهاب فيما أعلم. والله أعلم. فإن قيل: مذهب أكثر المحدثين: أن الحديث إذا كان منقطعًا من وجه متصلًا من وجه آخر يكون حجة؛ لوجود الاتصال فيه بطريق واحد، والطريق الآخر الذي هو منقطع كأن ليس؛ لأن ذلك الطريق ساكت عن الراوي وحاله أصلًا، وفي الطريق المتصل بيان له، ولا معارضة بين الساكت والناطق. قلت: ولئن سلمنا أنه حجة عند بعض، فليس هو بحجة عند الآخرين؛ لأن اعتبار الاتصال فيه يسقط بالانقطاع من وجه، فإذا كان كذلك فلا تقوم بمثله حجة عند الخصم. الوجه الثاني: أن هذا الحديث منسوخ بحديث جابر وأبي هريرة ﵄. بيان ذلك: أن الحكم المذكور فيه قد أخذه ﵇ من حكم سليمان النبي ﵇، وقد أخبر الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ. . . .﴾ (١) الآية. قال ابن عباس: كان الحرث زرعًا. وقال ابن مسعود: كان كرمًا قد نبت عناقيده؛ وذلك أنه دخل عليه رجلان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلت غنمه ليلًا فوقعت في حرثي فلم تُبق منه شيئًا، فقال له داود ﵇: اذهب فإن الغنم لك، فأعطاه رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرا على سليمان ﵇ فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا، فأُخبر داود ﵇ بذلك فدعاه، فقال له: بحق النبوَّة كيف تقضي؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث سنةً فيكون له نسلها ولبنها وصوفها

стр. 7932

ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا كان العام المقبل وصار الحرث كهيئته يوم أُكل، دُفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود ﵇: القضاء على ما قضيت، وحَكَم بذلك. ثم لا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان ﵉ بما حكما منسوخ، وذلك لأن داود ﵇ حكم بدفع الغنم إلى أهل الحرث، وحكم سليمان له بأصوافها وأولادها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم، وأنه لا يسلم أولادها وألبانها وأصوافها، فثبت أن الحكمين جميعًا منسوخان بشريعة النبي ﵇. ثم إنه حكم بمثل الحكم المذكور إلى أن أحدث الله هذه الشريعة المطهرة، فنسخت ما قبلها. فإن قلت: قد تضمنت القضية معانٍ منها: وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها: تبقية ذلك الضمان، وإنما المنسوخ فيه ما يجب به الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ. قلت: قد ثبت ذلك الضمان على لسان النبي ﵇ بالخبر الذي تلقاه الناس بالقبول واستعملوه، وهو ما رواه أبو هريرة وجابر: "العجماء جبار"، ولا خلاف في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنسانًا أو مالًا أنه لا ضمان على صاحبها؛ إذ لم يرسلها هو عليه. ولما كان هذا الخبر مستعملًا عند الجميع، وكان عمومه ينفي ضمان ما يصيبه ليلًا أو نهارًا، ثبت بذلك نسخ ما ذكرنا من قصة داود وسليمان ﵉ ونسخ ما ذكرنا في حديث حرام بن محيصة من وجوب الضمان في الليل. ووجه آخر: أن الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه. فلما اتفق الجميع على نفي ما أتلفت الماشية نهارًا وجب أن يكون ذلك حكمها ليلًا.

стр. 7933

وجواب آخر: أنه يجوز أن يكون النبي ﵇ إنما أوجب الضمان في حديث حرام بن محيصة لأجل كون صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون المعلوم أن الذي يسوق ماشيته بالليل في الزرع والحوائط لا يخلو من نفش بعضها في زرع الناس وإن لم يعلم بذلك، فبيَّن ﵇ حكمها إذا أصابت ربها، ويكون الضمان حينئذ لسوقه وإرساله في الزرع وإن لم يعلم بذلك، وبيَّن ﵇ تساوي حكم العلم والجهل فيه. والله أعلم. ص: فمما دلَّ على هذا الذي رويناه عن جابر وأبي هريرة ﵄: "أنه كان بعد ما في حديث حرام بن محيصة من قوله: "فقضى رسول الله ﵇ أن على أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل، وأن على أهل الزرع حفظ زرعهم بالنهار" فجعل النبي ﵇ الماشية إذا كان على ربها حفظها مضمونًا ما أصابت، وإذا لم يكن عليه حفظها غير مضمون عليه ما أصابت، فأوجب في ذلك ضمان ما أصابت المنفلتة بالليل إذ كان على صاحبها حفظها. ثم قال في حديث العجماء: "جرحها جبار" فكان ما أصابت في انفلاتها جبارًا، فصارت كما لو هدمت حائطًا أو قتلت رجلًا، لم يضمن صاحبها شيئًا، وإن كان عليه حفظها حتى لا تنفلت إذا كانت مما يخاف عليه مثل هذا، فلما لم يراع النبي ﵇ في هذا الحديث وجوب حفظها عليه، وراعى انفلاتها فلم يضمنه فيها شيئًا مما أصابت ليلًا أو نهارًا رجع الأمر في ذلك إلى استواء الليل والنهار، فثبت بذلك أن ما أصابت ليلًا أو نهارًا إذا كانت منفلتة فلا ضمان على ربها فيه، وإن كان هو سيبها فأصابت شيئًا في فورها أو في سيبها ضمن ذلك كله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وهو أولى ما حملت عليه هذه الآثار لما ذكرنا وبيَّنا. ش: أي فمن الذي دل على هذا، وأشار به إلى ما ذكره من قوله: "فحكم النبي ﵇" إلى قوله: "فنسخت ما قبلها".

стр. 7934

وقوله: "الذي رويناه" فاعل لقوله: "دلّ". وقوله: "أنه كان" بدل من قوله: "الذي". قوله: "إذ كان" أي لأجل كون حفظها غير مضمون عليه. قوله: "فصارت". أي العجماء "كما لو هدمت حائطًا لرجل أو قتلت رجلًا" فإن صاحبها لم يضمن شيئًا. قوله: "وهو أولى ما حُملت عليه" أي الذي ذهب إليه أبو حنيفة وصاحباه أولى ما حملت عليه "الآثار" أي الأحاديث المذكورة، وهي حديث حرام بن محيصة وحديث أبي هريرة وجابر ﵃. فإن قيل: قال أبو عمر: جعلت الحنفية حديث: "جرح العجماء جبار" معارضًا لحديث البراء، وليس كما زعموا وذهبوا إليه؛ لأن التعارض في الآثار إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث: "العجماء جبار" عام قد خُص بحديث البراء، وهذا من باب العموم والخصوص والمجمل والمفسر. وقال البيهقي في "الخلافيات" ما ملخصه: أن الحنفية قالوا: حديث البراء منسوخ بحديث: "العجماء جبار". والجواب فيما ذكره الشافعي، وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، ثنا الربيع قال: قال الشافعي: فأخذنا به -يعني بحديث البراء بن عازب- لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله، ولا يخالفنا هذا الحديث -يعني حديث: "العجماء جبار"- وجملة من الكلام العام المخرج الذي يُراد به الخاص، وقضاء رسول الله ﵇ فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دليل على ما إذا أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار، وفي حال غير جبار. وفي هذا دليل على أنه إذا كان على أهل العجماء حفظها ضمنوا ما أصابت، وإذا لم يكن عليهم حفظها لم يضمنوا شيئًا مما أصابت، فيضمن أهل الماشية بالليل إذا أصابت من زرع، ولا يضمنونه بالنهار.

стр. 7935

قلت: أما قول أبي عمر في نقله عن الحنفية أنهم جعلوا كذا وكذا فغير صحيح، لأنهم لم يدعوا تعارضًا بين الحديثين وإنما ادعوا نسخًا على ما ذكره، فإذا كان حديث: "العجماء جبار" ناسخًا، وثبت ذلك، لا يبقى فيه مجال أن يقال بالعموم والخصوص، والعموم والخصوص بين الحديثين المعمول بهما، وهاهنا حديث البراء منسوخ، فكيف يقال: إنه مخصص للحديث الآخر؟! وكيفية ثبوت النسخ قد ذكرناها آنفًا، وهذا يقع جوابا أيضًا عما نقله البيهقي عن الشافعي من قوله: وجملة من الكلام المخرج الذي يراد به الخاص. . . . إلى آخره. وأما قوله: "لثبوته واتصاله. . . ." إلى آخره. فغير مسلم؛ لأنا قد بينا علة الحديث فيما مضى من أنه مقطوع عند أكثر الأثبات من أصحاب الزهري، وأنه لا تقوم به حجة عنده، فكيف يحتج به على خصمه؟! فافهم.

стр. 7936

ص: باب: غرة الجنين المحكوم بها فيه. لمن هي ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الغرة التي تجب لأجل الجنين، يكون الثمن لأم الجنين أم لمن يرث الجنين لو كان حيًّا؟ وقد مرتا -الغرة والجنين- في باب: شبه العمد الذي لا قود فيه. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن امرأتين من هُذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر، فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة". حدثنا يونس، قال: أنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: "قضى رسول الله ﵇ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، وأن التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﵇ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "قضى رسول الله في الجنين بغرة عبد أو أمة، فقال الذي قضى عليه العقل: كيف يدي مَن لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله ﵇: إن هذا يقول يقول شاعر. فيه غرة عبد أو أمة". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح. عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

стр. 7937

وقد أخرجه الطحاوي مرةً في باب: شبه العمد الذي لا قود فيه، عن يونس، عن ابن وهب، عن يونس بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وقد ذكرناه. الثاني: عن يونس أيضًا، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤): كلاهما عن قتيبة، عن الليث. . . . إلى آخره نحوه. الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه: (٥) نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمَّد بن بشر، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "قضى رسول الله ﵇ في الجنين بغرة عبد أو أمة، فقال الذي قضي عليه: أنعقل من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل مثل ذلك يطل؟! فقال رسول الله ﵇: إن هذا ليقول بقول شاعر، فيه غرة عبد أو أمة". وأخرجه الترمذي (٦): عن علي بن سعيد الكندي، عن ابن أبي زائدة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحوه.

стр. 7938

وقال: حديث حسن. قوله: "أن امرأتين من هذيل" قد ذكرنا أن اسم إحداهما مُليكة، واسم الأخرى: أم غُطيف. و"هذيل": وابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قوله: "بغرة عبد" يتعلق بقوله: "قضى"، وعبد بالجر عطف بيان عن الغرة. قوله: "أو وليدة" أي: أو جارية، وهذا محمول على التفسير لا على الشك عند الجمهور، فافهم. قوله: "من بني لحيان" بكسر اللام وفتحها وهو لحيان بن هذيل بن مدركة، ولحيان قبيل من هذيل، فلذلك جاء في رواية: "امرأتان من هذيل"، وفي أخرى: "من بني لحيان". قوله: "وأن العقل" أي: الدية "على عصبتها" أي: عصبة المرأة القاتلة. قوله: "فقال الذي قضى عليه العقل": أي: الدية، وهو على صيغة المجهول. قوله: "كيف ندي" من ودى يدي، أي: كيف نُودي دية من لا شرب ولا أكل، ولا صاح أي ولا صوَّت. قوله: "فاستهل" بالتاء، تفسير لقوله: "صاح" أي: ولا رفع صوته، وكل من رفع صوته فقد استهل. قوله: "يُطَل" بضم الياء آخر الحروف وفتح الطاء المهملة، من طَلَّ دمه إذا هدر، وروي "بطل" بالباء الموحدة، من البطلان وقد حققنا القول فيه في باب: شبه العمد. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نضلة، عن المغيرة بن شعبة: "أن رجلًا كانت له امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط أو بحجر فأسقطت، فرفع ذلك إلى النبي ﵇، فقال الذي يخاصم: كيف نعقل -أو كيف

стр. 7939

ندِي- من لا صاح فاستهل، ولا شرب ولا أكل؟! فقال النبي ﵇: أسجع كسجع الأعراب؟! فجعل رسول الله ﵇ فيه غرة عبد، وجعله على قومها". ش: إسناده صحيح. وأخرجه مرةً في باب: شبه العمد عن الحسين بن نصر، عن الفريابي، عن سفيان، عن منصور. . . . إلى آخره. وأخرجه الجماعة غير البخاري، وقد بيناه هناك. قوله: "أن رجلًا كانت له امرأتان" هذا الرجل هو حمل بن مالك بن النابغة الهذلي. قوله: "أسجع" أي: أكلامك سجع مثل سجع الأعراب؟! وقد استوفينا الكلام فيه في باب: شبه العمد. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الغرة الواجبة في الجنين إنما تجب لأم الجنين؛ لأن الجنين لم يعلم أنه كان حيًّا في وقوع الضربة بأمه. ش: أراد بالقوم هؤلاء: داود وجماعة الظاهرية، ومالكًا في رواية، والشافعي في قول، فإنهم قالوا: غرة الجنين لأم الجنين ليس لأحد معها فيها شيء، وليست هي دية، وإنما هي بمنزلة جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها، ألا ترى أنه لا يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يعتبر في الديات؟ وقال داود: الغرة لم يملكها الجنين حتى تورث عنه. قلت: يرد عليه دية المقتول خطأ، فإنه لم يملكها وتورث عنه. قال أبو عمر: كان عبد الرحمن بن هرمز يقول: هي لأبويه خاصة، لأبيه ثلثاها، ولأمه ثلثها، مَن كان منهما حيًّا كان ذلك له، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أمّا، لا يرث الإخوة شيئًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل تلك الغرة المحكوم بها للجنين، ثم يرثها مَن كان يرثه لو كان حيًّا.

стр. 7940

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عامرًا الشعبي، والزهري والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في قول، وأحمد وأصحابهم فإنهم قالوا: الغرة تكون للجنين، ثم يرثها من كان يرث الجنين لو كان حيًّا، مثلًا لو كان له أبوان يرث الأب الثلثين والأم الثلث، ولو كان لو إخوة وليس له أب، ترث الأم السدس والباقي بين الإخوة، للذكر مثل حظ الأنثيين. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك ما قد ذكرناه في هذه الآثار: أن رسول الله ﵇ لما قضى على المحكوم عليه بالغرة قال: كيف نعقل مَن لا أكل ولا شرب ولا نطق؟! فقال رسول الله ﷺ : فيه غرة عبد أو أمة. ولم يقل للذي سجع ذلك السجع: إنما حكمت هذا للجناية على المرأة لا في الجنين، وقد دل على ذلك أيضًا ما قد روينا فيما تقدم من هذا الكتاب: أن المضروبة ماتت بعد ذلك من الضربة، فقضى رسول الله ﵇ فيها بالدية مع قضائه بالغرة، فلو كانت الغرة للمرأة المقتولة إذًا لما قضى لها بالدية، ولكن حكمها حكم امرأة ضربتها امرأة فماتت من ضربها فعليها ديتها، ولا يجب عليها للضربة أرش. فلما حكم رسول الله ﵇ مع دية المرأة بالغرة؛ ثبت بذلك أن الغرة دية للجنين لا لها، فهي موروثة عن الجنين كما يورث ماله لو كان حيًّا فمات، اتباعًا لما روي عن رسول الله ﵇. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من أن الغرة يرثها مَن كان يرث الجنين لو كان حيًّا ومات. والباقي كله ظاهر. فإن قيل: الجنين لا يخلو حاله عن أمرين: الأول: أن يكون قد تجاوز الحمل به مائة وعشرين ليلة.

стр. 7941

الثاني: أن لا يكون ذلك. ففي الأول يورثه ورثته لو كان حيًّا مسلم، لأنه قد نفخ فيه الروح، فصار كالقتيل فيرث ورثته ديته. وفي الثاني لا شيء. هذا؛ لأنه إنما هو ماء، أو علقة من دم، أو مضغة من عضل، أو عظام ولحم، وليس هو بحي، فهو في كل ذلك بعض أمه، فإذا سقط بضرب أحد يكون كمن ضرب أمَّه وقطع عضوًا منها، فلا يكون الضارب قاتلًا ولا الجنين مقتولًا، وإذا لم يكن مقتولًا لا يكون له حكم القتيل، فتكون الغرة لأمه. ثم الدليل على ما ذكرنا من التفصيل ما رواه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا وكيع وأبو معاوية، قالا جميعًا: عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﵇ وهو الصادق المصدوق قال: "يجمع أحدكم خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد". قلت: هذا كله سفهه أهل الظاهر. وقول الطحاوي ﵀: "وقد دلَّ على ذلك أيضًا ما رويناه. . . ." إلى آخره يقطع هذه السفهه ويرفع هذا السؤال بأقل قدر. والله أعلم.

стр. 7942

ص: كتاب الحدود ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الحدود، وهو جمع حد وهو المنع لغة ولهذا قيل للبواب حدادًا لمنعه الناس عن الدخول. وفي الشرع: الحد عقوبة مقدرة لله تعالى، وإنما جمعه لاشتماله على أنواع الحدود وهي: حد الزنا، وحد القذف، وحد الشرب. ... ص: باب: حد البكر في الزنا ش: أي هذا باب في بيان حد البكر في الزنا. البكر: بكسر الباء في اللغة: العذباء، وتجمع على أبكار، والبكر أيضًا المرأة التي ولدت بطنًا واحدًا، وبكرها ولدها، الذكر والأنثى فيه سواء. قال ابن الأثير: بكر الرجل -بالكسر: أول ولده. ولكن المراد هاهنا من البكر: خلاف الثيب، فلما كان الثيب يطلق على الرجل والمرأة، فكذلك البكر الذي هو ضده يطلق عليهما جميعًا. "والزنا": من زنى يزني زناء يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (١)، والمد لأهل نجد، قال الفرزدق: أبا حاضرٍ من يَزنِ يُعْرَفُ زناؤه ... ومَنْ يَشْرَبِ الخُرطومَ يصْبح مُسَكّرًا وفي الشرع: الزنا: وطء من قُبل خالٍ، عن ملك وشبهة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، عن قتادة،

стр. 7943

عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا، عني، خذوا، عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر، والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. والحسن هو البصري. وحطان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء- ونسبته إلى رقاش -بفتح الراء والقاف المخففة- بنت ربيعة بن قيس بن ثعلبة، من بني بكر بن وائل. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". وأخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) أيضًا. قوله: "خذوا عني" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥) ثم فسر السبب بقوله: "البكر بالبكر" يراد إذا زنى البكر بالبكر، وكذا قوله: "الثيب بالثيب" يعني إذا زنى الثيب بالثيب. وقال الخطابي: اختلف العلماء في تنزيل هذا الكلام ووجه ترتيبه على الآية، وهل هو ناسخ للآية أو مبيِّن لها؟ فذهب بعضهم إلى أن معناه النسخ، وهذا على قول مَن يرى نسخ الكتاب بالسنة.

стр. 7944

وقال آخرون: بل هو مبين للحكم الموعود بيانه في الآية فكأنه قال: عقوبتهن الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلًا، فوقع الأمر بحبسهن إلى غاية، فلما انتهت مدة الحبس وحان وقت مجيء السبيل قال ﷺ : خذوا، عني تفسير السبيل وبيانه، ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه، وإنما هو بيان أمر كان ذكر السبيل منطويًا عليه، فأبان المبهم منه وفسَّر المجمل من لفظه، فكان نسخ الكتاب بالكتاب لا بالسنة، وهذا أصوب القولين. والله أعلم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا، عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ش: ابن أبي داود: هو إبراهيم البرلسي. ويحيى بن عبد الحميد: أبو زكريا الكوفي، عن يحيى: صدوق مشهور، ما بالكوفة مثله، ما يقال فيه إلا من حسد. وعن النسائي: ضعيف. ونسبته إلى حِمان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون- قبيل من تميم. والفضل بن دلهم الواسطي ثم البصري القصاب، قال أحمد: ليس به بأس. وقال يحيى: صالح. وقال أبو داود: ليس بالقوي ولا بالحافظ. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقبيصة بن حريث، ويقال له: حريث بن قبيصة الأنصاري البصري، قال البخاري: في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الأربعة. وسلمة بن المحبق -بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وقيل بفتحها، والأول أصح، وفي آخره قاف- له صحبة، سكن البصرة.

стр. 7945

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا وكيع، ثنا الفضل بن دلهم. . . . إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا يونس وعيسى بن إبراهيم الغافقي، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل ﵃، قالوا: "كنا قعودًا عند النبي ﵇، فقام إليه رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله ، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادمٍ، ثم سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم، فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المائة شاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت فرجمها". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ومالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: "كنا جلوسًا عند النبي ﵇. . . ." ثم ذكر مثله. ش: هذان طريقان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال "الصحيح" ما خلا عيسى بن إبراهيم شيخ أبي داود. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، وعيسى بن إبراهيم بن عيسى المروزي الغافقي المصري، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه المدني، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني الصحابي وشبل بن خالد ويقال: خليد.

стр. 7946

قال الطبري: شبل بن معبد البجلي، ويقال: شبل بن خليد، ويقال: شبل بن حامد، فصوب بعضهم ابن معبد، وقيل: إن شبل هذا لا صحبة له، وعن هذا أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث، ولم يذكرا في روايتهما شبلًا، ويقال: لا ذكر له في الصحابة إلا في رواية ابن عيينة ولم يتابع عليها، وقال يحيى بن معين: ليست لشبل صحبة. وقال أبو حاتم الرازي: ليس لشبل معنى في حديث الزهري. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: حفظناه من في الزهري، قال: أخبرني عبيد الله، أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: "كنا عند النبي ﵇، فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه. . . ." إلى آخره نحوه. وأخرجه في مواضع متعددة في "جامعه": في كتاب الصلح (٢) وفي الأحكام (٣): عن آدم، عن ابن أبي ذئب. وفى كتاب المحاربين (٤): عن عاصم بن علي، عن ابن أبي ذئب. وفي الشروط (٥): عن قتيبة، عن الليث. وفي النذور (٦): عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.

стр. 7947

وفي كتاب المحاربين أيضًا (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وفيه أيضًا: عن علي (٢)، وعن محمَّد بن يوسف (٣)، عن سفيان بن عيينة. وفي الاعتصام: عن مسدد (٤)، عن سفيان. وفي خبر الواحد: عن زهير بن حرب (٥)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح. وعن أبي اليمان، عن شعيب، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد. وفي الشهادات: عن يحيى بن بكير (٦)، عن الليث، عن عقيل. وفي كتاب المحاربين أيضًا: عن مالك بن إسماعيل (٧)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله، عن زيد وحده، بهذا مختصرًا. ومسلم (٨): عن قتيبة، قال: نا ليث (ح). ونا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلَّا قد قضيت بكتاب الله. . . ." إلى آخره.

стр. 7948

وأخرجه أيضًا (١): عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن عمرو الناقد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد، عن النبي ﵇. وهذا كما ترى لم يذكر البخاري ولا مسلم شبلًا في روايتهما. وأبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر -وكان أفقه: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا -والعسيف: الأجير- فزنى بامرأته، فأخبروني أنما على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﵇: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد إليك، وجلد ابنه مائة وغربه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها". وهذا أبو داود أيضًا لم يذكر شبلا في روايته. والترمذي (٣): عن نصر بن علي وغير واحد، قالوا: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله سمعه من أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل: "أنهم كانوا عند النبي ﵇ فأتاه رجلان يختصمان، فقام إليه أحدهما فقال:

стр. 7949

أنشدك الله يا رسول الله لما قضيت بيننا بكتاب الله، فقال خصمه -وكان أفقه منه: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. . . ." إلى آخره، نحوه. وهذا الترمذي قد ذكر في روايته شبلًا كالطحاوي. والنسائي (١): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل، قالوا: "كنا قعودًا عند النبي ﵇، فأتاه رجل فقال: أنشدك بالله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله. . . ." إلى آخره. وأخرجه أيضًا (٢): عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما أخبراه: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله. . . ." إلى آخره. فهذا النسائي ذكر شبلًا في روايته عن قتيبة، ولم يذكره في حديث مالك. وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح، قالوا: ثنا سفيان. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي. الطريق الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي ومالك بن أنس، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).

стр. 7950

والبخاري (١): عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. والترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك. والنسائي (٣): عن محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. قوله: "كنا قعودًا" أي قاعدين، كالركوع والسجود جمع الراكع والساجد. قوله: "أنشدك الله" أي سألتك بالله، يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله، أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة، وَتَعْدِيتُهُ إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد إلا أنهم ضمنوه معنى ذكرت، فأما أنشدتك بالله فخطأ. قوله: "إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله" فيه تأويلات: أحدها: أن يكون معنى الكتاب الفرض والإيجاب تقول: لأقضين بينكما بما فرضه الله وأوجبه، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ (٤) أي فرضنا. الثاني: أن الرجم وإن لم يكن منصوصًا عليه باسمه الخاص فإنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال، وهو قوله : ﴿فَآذُوهُمَا﴾ (٥) والأذى يقع في معناه الرجم وغيره من العقوبة، الغالب أن الأصل في ذلك قوله تعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٦)، وقد جاء في بيانه في السنة: مائة جلدة والرجم.
следующие страницы →