← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

قال الطبري: شبل بن معبد البجلي، ويقال: شبل بن خليد، ويقال: شبل بن حامد، فصوب بعضهم ابن معبد، وقيل: إن شبل هذا لا صحبة له، وعن هذا أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث، ولم يذكرا في روايتهما شبلًا، ويقال: لا ذكر له في الصحابة إلا في رواية ابن عيينة ولم يتابع عليها، وقال يحيى بن معين: ليست لشبل صحبة. وقال أبو حاتم الرازي: ليس لشبل معنى في حديث الزهري. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: حفظناه من في الزهري، قال: أخبرني عبيد الله، أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: "كنا عند النبي ﵇، فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه. . . ." إلى آخره نحوه. وأخرجه في مواضع متعددة في "جامعه": في كتاب الصلح (٢) وفي الأحكام (٣): عن آدم، عن ابن أبي ذئب. وفى كتاب المحاربين (٤): عن عاصم بن علي، عن ابن أبي ذئب. وفي الشروط (٥): عن قتيبة، عن الليث. وفي النذور (٦): عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.

стр. 7947

وفي كتاب المحاربين أيضًا (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وفيه أيضًا: عن علي (٢)، وعن محمَّد بن يوسف (٣)، عن سفيان بن عيينة. وفي الاعتصام: عن مسدد (٤)، عن سفيان. وفي خبر الواحد: عن زهير بن حرب (٥)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح. وعن أبي اليمان، عن شعيب، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد. وفي الشهادات: عن يحيى بن بكير (٦)، عن الليث، عن عقيل. وفي كتاب المحاربين أيضًا: عن مالك بن إسماعيل (٧)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله، عن زيد وحده، بهذا مختصرًا. ومسلم (٨): عن قتيبة، قال: نا ليث (ح). ونا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلَّا قد قضيت بكتاب الله. . . ." إلى آخره.

стр. 7948

وأخرجه أيضًا (١): عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن عمرو الناقد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد، عن النبي ﵇. وهذا كما ترى لم يذكر البخاري ولا مسلم شبلًا في روايتهما. وأبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر -وكان أفقه: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا -والعسيف: الأجير- فزنى بامرأته، فأخبروني أنما على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﵇: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد إليك، وجلد ابنه مائة وغربه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها". وهذا أبو داود أيضًا لم يذكر شبلا في روايته. والترمذي (٣): عن نصر بن علي وغير واحد، قالوا: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله سمعه من أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل: "أنهم كانوا عند النبي ﵇ فأتاه رجلان يختصمان، فقام إليه أحدهما فقال:

стр. 7949

أنشدك الله يا رسول الله لما قضيت بيننا بكتاب الله، فقال خصمه -وكان أفقه منه: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. . . ." إلى آخره، نحوه. وهذا الترمذي قد ذكر في روايته شبلًا كالطحاوي. والنسائي (١): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل، قالوا: "كنا قعودًا عند النبي ﵇، فأتاه رجل فقال: أنشدك بالله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله. . . ." إلى آخره. وأخرجه أيضًا (٢): عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما أخبراه: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله. . . ." إلى آخره. فهذا النسائي ذكر شبلًا في روايته عن قتيبة، ولم يذكره في حديث مالك. وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح، قالوا: ثنا سفيان. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي. الطريق الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي ومالك بن أنس، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).

стр. 7950

والبخاري (١): عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. والترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك. والنسائي (٣): عن محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. قوله: "كنا قعودًا" أي قاعدين، كالركوع والسجود جمع الراكع والساجد. قوله: "أنشدك الله" أي سألتك بالله، يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله، أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة، وَتَعْدِيتُهُ إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد إلا أنهم ضمنوه معنى ذكرت، فأما أنشدتك بالله فخطأ. قوله: "إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله" فيه تأويلات: أحدها: أن يكون معنى الكتاب الفرض والإيجاب تقول: لأقضين بينكما بما فرضه الله وأوجبه، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ (٤) أي فرضنا. الثاني: أن الرجم وإن لم يكن منصوصًا عليه باسمه الخاص فإنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال، وهو قوله : ﴿فَآذُوهُمَا﴾ (٥) والأذى يقع في معناه الرجم وغيره من العقوبة، الغالب أن الأصل في ذلك قوله تعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٦)، وقد جاء في بيانه في السنة: مائة جلدة والرجم.

стр. 7951

الرابع: أنه مما رفعت تلاوته وبقي حكمه. قوله: "وكان أفقه" أي أفهم وأزكى منه، والفقه معناه: الفهم، قال الله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١) وذلك لأنه تأدب في سؤاله النبي ﵇ بقوله: "وائذن لي" وخاف من الوقوع في النهي عن التقدم بين يديه، ومخاطبته بخطاب بعضهم بعضًا، وهذا ضد ما فعله الآخر من قوله: "أنشدك الله" وكلامه له بجفاء الأعراب. أو كان أفقه منه، لأنه بيَّن القصة على وجهها. قوله: "كان عسيفا" قد فسر أبو داود في روايته وقال: العسيف: الأجير. والعسيف أيضًا: العبد المستهان به، قال الزمخشري: لا يخلو من أن يكون فعيلًا بمعنى فاعل، كعليم بمعنى عالم، أو بمعنى مفعول كأسير، فهو على الأول من قولهم: هو يعسُف ضيعته أي يرعاها، ويقال: لم أعسِفْ عليك، أي لم أعمل لك. وعلى الثاني من العَسف؛ لأن مولاه يعسفه على ما يريده، ويجمع على عسفاء في الوجهين، نحو قولهم: علماء وأسراء. قوله: "وخادم" أراد بها الجارية كما وقع هكذا في رواية أبي داود، والخادم يقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعاتق. قوله: "المائة شاة" بالإضافة، و"الخادمُ" بالرفع عطفًا على المائة. قوله: "ردّ" مصدر، ولهذا وقع خبرًا، عن اثنين، والمعنى مردودان إليك. قوله: "واغد يا أنيس" من غدا يغدو غدوًّا، وهو الذهاب، وهو بالغين المعجمة. و"أنيس" بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، قيل هو ابن الضحاك الأسلمي يعد في الشاميين، ومخرج الحديث عليهم، وقد حدث، عن النبي ﵇.

стр. 7952

قوله: "فاعترفت فرجمها" فيه حذف، أي: فسألها فاعترفت، فرجمها باعترافها. ويستنبط منه أحكام: فيه: أن أولى الناس بالقضاء بينهم: الخليفة إذا كان عالمًا بوجوه القضاء. وفيه: أن المدعي أولى بالقول، والمطالب أحق أن يتقدم بالكلام، وإن بدأ المطلوب. وفيه: أن الباطل من القضاء مردود، وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل. وفيه: أن قبض مَن قضى له بما قضي له به، إذا كان خطأ وجورًا وخلافًا للسنة لا يُدخله قبضه في ملكه، ولا يصح ذلك له، وعليه رده. وفيه: أن للعالم أن يُفتي في مصر فيه مَن هو أعلم منه إذا أفتى بعلم. قال القاسم بن محمَّد: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يفتون على عهد رسول الله ﵇. وفيه: أن يمين رسول الله ﵇ كانت: والذي نفسي بيده، وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة. وفيه: أنه لم يجمع بين الرجم والجلد على المحصن. وفيه: أنه لم يوقع بينهما الفرقة بالزنا. وفيه: أنه لا يجب على الإمام حضور المرجوم بنفسه. وفيه: إثبات الإجارة والحديث فيها قليل. وفيه: دليل على وجوب قبول خبر الواحد. وفيه: أدب السائل في طلب الإذن. وفيه: أن الرجم إنما يجب على المحصن. وفيه: إثبات النفي والتغريب سنةً، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيه: أنه لم يجعله قاذفًا بقوله: زنى بامرأته.

стр. 7953

وفيه: أنه لم يشترط في الاعتراف التكرار، وهو حجة على الشافعي، واحتج أصحابنا بحديث ماعز على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وفيه: أن للإمام أن يسأل المقذوف، فإن اعترف حكم عليه بالواجب، وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بحقه، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء؛ فقال مالك: لا يحدّ الإمام القاذف حتى يطالبه المقذوف إلا أن يكون الإمام سمعه، فيحده إن كان معه شهود غيره عدول. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي والشافعي: لا يحد القاذف إلا بمطالبة المقذوف. وقال ابن أبي ليلى: يحده الإِمام وإن لم يطلبه المقذوف. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن البكر إذا زنى فعليه جلد مائة وتغريب، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن حيّ والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: الرجل إذا لم يكن محصنًا وزنى يجلد مائة جلدة ويغرب عامًا. قال أبو عمر ﵀: لا خلاف بين المسلمين أن البكر إذا زنى فإنه يجلد مائة جلدة، واختلفوا في التغريب، فقال مالك: ينفى الرجل ولا تُنفى المرأة ولا العبد. وقال الأوزاعي: ينفى الرجل ولا تُنفى المرأة. وقال الثوري والشافعي والحسن بن حي: ينُفى الزانى إذا جلد، امرأة كان أو رجلًا. واختلف قول الشافعي في العبد، فقال مرةً: أستحي الله في تغريب العبد، وقال مرةً: يُنفى العبد نصف سنةٍ. وقال مرة: ينفى سنةً إلى غير بلده، وبه قال الطبري.

стр. 7954

وقال الترمذي: وقد صح عن رسول الله ﷺ النفي، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ منهم: أبو بكر وعمر وعلي وأبي كعب وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وغيرهم، وكذلك روي عن غير واحد من فقهاء التابعين، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: حد البكر إذا زنى مائة جلدة، ولا نفي عليه مع الجلد إلا أن يرى الإمام أن ينفيه للدعارة التي كانت منه، فينفيه إلى حيث أحب كما يُنفى الدعار غير الزناة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر؛ فإنهم قالوا: البكر إذا زنى جُلد مائة جلدة ولا يُنفي، اللهم إلا إذا كان داعرًا فإن الإِمام ينفيه إلى حيث شاء إن أحب ذلك، وهو معنى قوله: "أن ينفيه للدَّعارة" بفتح الدال والعين المهملتين، والفاعل منه داعر وهو المفسد الخبيث. وقال ابن الأثير: الدعارة الفساد والشر. وقال الجوهري: الدَّعَر -بالتحريك-: الفساد، والدعر أيضًا مصدر، قولك: دَعِرَ العود -بالكسر- يدعر دَعَرًا فهو عودٌ دَعِر: أي رديء كثير الدخان، ومنه أخذت الدعارة وهي الفسق والخبث، يقال: هو خبيث داعْر بيِّن الدعر، والمرأة داعرة. وإنما يجوز للإمام نفي الزاني الداعر لفشو فساده وكثرة فسقه، فينفيه قطعًا لشره وحسمًا لفساده، ومكان النفي ومدته موكولان إلى رأي الإمام. قوله: "كما يُنفي الدُّعَّار غير الزناة" الدُّعَّار بضم الدال وتشديد العين جمع داعر، والزناة جمع زاني، أراد أنه كما يجوز للإمام نفي الداعرين الذين يُفسدون في الأرض من غير ثبوت الزنا عليهم، وذلك لما روي عن بعض السلف التغريب في الخمر والسرقة. وروي عن عمر ﵁ أنه غرَّب في الخمر، وكان عمر ﵁ -

стр. 7955

إذا غضب على رجل نفاه إلى الشام، وروي عن علي ﵁ أنه قطع يد سارق ونفاه إلى زرارة وهي قرية قريبة من الكوفة، وكذا جاء النفي في المخنثين كما رواه البخاري بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﵇ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم وأخرج فلانًا وأخرج فلانًا" فهذا هو حدهم. قال ابن حزم: وبنفي المخنثين يقول يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس. روى ذلك عنه ابن وهب، فنفيهم واجب إلى مكان لا يتمكنون به من أذى الرجال والنساء. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄: "أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: إذا زنت ولم تحصن فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". قال مالك: قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة". ش: أي احتج أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. أخرجه بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). والبخاري (٢): عن إسماعيل، عن مالك.

стр. 7956

وعن (١) عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى. والقعنبي (٢): عن مالك. وعن (٣) أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك. قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث مالك عن ابن شهاب بهذا الإسناد، وتابعه يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد. ورواه عُقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن شبلًا أو شُبيل بن خالد المزني أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره: "أن رسول الله ﵇ سئل عن الأمة. . . ." وذكروا الحديث إلا أن عقيلًا وحده، قال: مالك بن عبد الله الأويسي، وقال الزبيدي وابن أخي الزهري: عبد الله بن مالك. وكذلك قال يونس بن يزيد: عن ابن شهاب، عن شبل بن خالد المزني، عن عبد الله بن مالك الأوسي، فجمع يونس بن يزيد الإسنادين جميعًا في هذا الحديث، وانفرد مالك ومعمر بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد. ثم وجه الاستدلال به من وجهين: الأول: أن النفي لو كان ثابتًا لذكره ﵇ مع الجلد. والثاني: أن الله تعالى، قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤)، فلما كان حد الأمة نصف حد الحرة، وأخبر النبي ﵇ أن حدها الجلد دون النفي، دل ذلك على أن حد الحرة هو الجلد ولا نفي فيه.

стр. 7957

فإن قلت: إنما أراد بذلك التأديب دون الحد، وقد روي عن ابن عباس أن الأمة إذا زنت قبل أن تحصن أنه لا حد عليها. قلت: قوله ﵇: "ثم بيعوها ولو بضفير" يدل على أنها لا تُنفى؛ لأنها لو وجب نفيها لما جاز بيعها، إذ لا يمكن للمشتري تسلمها؛ لأن حكمها أن تُنفى. قوله: "ولو بضفير" أي حبل مفتول من شعر، وهو فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عمر: هذا على وجه الاختيار والحض على مباعدة الزانية لما في ذلك من الاطلاع بها على المنكر والمكروه، وأجمع العلماء أن بيع الأمة الزانية ليس بواجب لازم على ربها، وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها إذا زنت في الرابعة، منهم داود. قال الحافظ المنذري: في هذا الحديث مجانبة أهل المعاصى، وجواز التغابن وبيع الحقير باليسير، وقال بعضهم: ليس فيه عندي ما يستدل على المسألة به، وإنما هو على طريق المبالغة في بيعها بما أمكن ولا يحبس ليرصد بها ما يرضى من الثمن. وقال أبو عمر: فيه دليل على التغابن في البيع، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله القدر الكبير بالتافه اليسير، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: إذا عرف قدر ذلك جاز كما تجوز الهبة لو وهب. وقال آخرون: عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدًا حرًّا بالغًا. ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا القول قوله ﵇: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن شبل بن خالد المزني أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "الوليدة إذا زنت. . . ." مثله. إلا أنه قال في الثالثة أو الرابعة: البيع. وأخبره زيد بن خالد صاحب رسول الله ﵇ مثل ذلك.

стр. 7958

قال أبو جعفر: هذا خطأ، شبل هذا ابن خليد المزني. حدثنا فهد، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية، عن الزبيدي، عن عبيد الله بن عبد الله، أن شبل بن خليد المزني أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "الوليدة إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير، والضفير: الحبل". ش: هذان طريقان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن شبل بن خالد قال البخاري فيه: شبل بن خليد، وهذا هو الصحيح؛ ولهذا، قال الطحاوي: "هذا خطأ" أي شبل بن خالد خطأ، وإنما شبل هذا وابن خليد المزني، على ما ذكره الزبيدي عن الزهري في روايته على ما يأتي الآن. وأخرجه مسلم (١): عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن شبل بن خليد المزني أخبره أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أن رسول الله ﵇ قال: "الوليدة إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير. والضفير: الحبل". الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن حيوة بن شريح بن يزيد الحمصي شيخ البخاري وأبي داود، عن بقية بن الوليد الحميري الحمصي فيه مقال، عن محمَّد بن الوليد الزُّبَيْدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- عن محمَّد بن مسلم الزهري.

стр. 7959

وأخرجه الطبراني (١): نا عبدان بن أحمد، ثنا محمَّد بن مصفى، ثنا بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن شبل بن خليد أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي، أخبره أن رسول الله ﷺ ، قال: "الوليدة إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوه، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير. والضفير الحبل". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا زنت أمة أحدهم فليجلدها الحد ولا يُثرِّب عليها، قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة أو الرابعة: ثم ليبعها ولو بضفير". حدثنا بحر بن نصر، عن شعيب بن الليث، أن أباه أخبره، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول. . . . فذكر مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري تعليقًا (٢). الثاني: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني المصري، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه أبي سعيد كيسان، عن أبي هريرة.

стр. 7960

وأخرجه مسلم (١): حدثني عيسى بن حماد المصري، قال: نا الليث، عن سعيد ابن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه سمعه يقول: سمعت النبي ﵇ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبيَّن زناها فليبعها ولو بحبل من شعر". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ولم يذكر، عن أبيه. وأخرجه مسلم (١): عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ولم يذكر، عن أبيه. وكذا رواه إسماعيل بن أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة، رواه البيهقي. قوله: "ولا يثرب عليها" أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب، وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد؛ فإن زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروهًا ولا منكرًا، فأمرهم بحد الإماء كما أمرهم بحد الحرائر. وقال أبو ثور: في هذا الحديث إيجاب البيع وإيجاب الحد، ولا يمسكها إذا زنت أربعًا، حكى ذلك الخطابي. وقال أبو عمر: اختلف العلماء في القول بهذا الحديث، فقال مالك: يحد المولى عبده وأمته في الزنا وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود، ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام، وهو قول الليث، وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر وابن مسعود وأنس ﵃، ولا مخالف لهم من الصحابة. وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم.

стр. 7961

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنا وسائر الحدود. وهو قول الحسن بن حي. وقال الثوري في رواية الأشجعي: يحده المولى في الزنا. وبه قال الأوزاعي. وقال الشافعي: يحده الولي في كل حد ويقطعه. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال: أنا أبو أويس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". ش: أبو أويس اسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس ابن ابن عم مالك بن أنس، عن أحمد: صالح. وعنه: ثقة. وعن يحيى: ضعيف. وعنه: صدوق وليس بحجة. روى له الجماعة سوى البخاري. وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري، روى له الجماعة. وعباد بن تميم بن غزية الأنصاري المدني، روى له الجماعة. وعمه عبد الله بن عاصم الأنصاري الصحابي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن معلى بن منصور، عن أبي أويس. . . . إلى آخره نحوه. والطبراني في "الكبير": عن محمَّد بن علي الصائغ المكي، عن محمَّد بن معاوية النيسابوري، عن أبي أويس. . . . إلى آخره نحوه. ص: حدثنا علي، قال: ثنا معلى، عن أبي أويس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد مثله. ش: علي هو ابن معبد المذكور، ومعلى وابن منصور المذكور، وأبو أويس هو عبد الله المذكور.

стр. 7962

وهذا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (١): عن أبي داود الحراني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد جميعًا. وأبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد جميعًا نحوه. وأخرجه الطبراني (٣): عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أحمد بن إبراهيم الموصلي، نا عبد الله بن جعفر، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليبعها، ولو بضفير". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن زيد بن أبي حبيب، عن عمارة بن أبي فروة، أن محمَّد بن مسلم، حدثه أن عروة، حدثه أن عمرة بنت عبد الرحمن، حدثته أن عائشة ﵂، حدثتها أن رسول الله ﵇ قال. . . . ثم ذكر مثله. ش: رجاله كلهم ثقات غير أن عمارة بن أبي فروة لم أر أحدًا ذكره بشيء (٤).

стр. 7963

وأخرجه ابن ماجه (١): نا محمَّد بن رمح، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمارة بن أبي فروة، أن محمَّد بن مسلم، حدثه أن عروة، حدثه أن عمرة بنت عبد الرحمن، حدثته أن عائشة ﵂، حدثتها أن رسول الله ﵇ قال: "إن زنت الأمة فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي جميلة، عن علي ﵁ قال: "أُخبر النبي ﷺ بأمة فجرت، فأرسلني إليها فقال: اذهب فأقم عليها الحد، فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها، فرجعت إليه، فقال لي: فرغت؟ فقلت: وجدتها لم تجف من دمها، فقال: إذا هي جفت من دمها فاجلدها، قال علي ﵁: قال رسول الله ﵇: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". ش: يوسف بن عدي، شيخ البخاري. وأبو الأحوص سلام بن سُليم الحنفي، روى له الجماعة. وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة- فيه مقال، ضعفه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. روى له الأربعة. وأبو جميلة الطهوي اسمه ميسرة، وثقه ابن حبان. وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن كثير، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي بنحوه. والنسائي (٣): عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة به.

стр. 7964

واحتج الشافعي ومالك بهذا الحديث على أن للمولى أن يقيم الحد على مملوكه، وهو قول الثوري والأوزاعي، وقد ذكرناه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيم الحد على أحد إلا الإمام. والجواب عن هذا الحديث أنه ضعيف؛ لأن فيه عبد الأعلى الثعلبي وهو لا يحتج به. فإن قيل: أخرج مسلم في "صحيحه" (١): من حديث أبى عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب قال: "خطب علي ﵁ فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﵇ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ فقال: أحسنت". وأخرجه الترمذي (٢). قلت: هذا حجة لنا لا علينا؛ لأن عليًّا ﵁ يخبر أن رسول الله ﵇ أمره أن يقيم الحد على تلك الأمة التي زنت فكان الحد بأمر الإمام، وأما قول علي ﵁: "أقيموا على أرقائكم الحد"، فمعناه كمعنى قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤) ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة الحد، فالمخاطبون بإقامة الحد الأئمة، وسائر الناس مخاطبون برفعهم إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود، وكذا معنى قوله ﵇ في الحديث الذي رواه أبو جميلة، عن علي، عن النبي ﵇:

стр. 7965

"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (١) أي ارفعوا إلى الأئمة ليقيموا الحدود عليهم. ص: قالوا: فلما أمر رسول الله ﵇ في الأمة إذا زنت أن تجلد، ولم يأمر مع الجلد بنفي، وقد قال الله : ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) فأعلمنا بذلك أن ما يجب على الإماء إذا زنين هو نصف ما يجب على الحرائر إذا زنين، ثم ثبت أن لا نفي على الأمة إذا زنت كان كذلك أيضًا لا نفي على الحرة إذا زنت. ش: أي قال أهل المقالة الثانية: لما أمر رسول الله ﵇ في الأحاديث المذكورة في الأمة إذا زنت أن تجلد ولم يأمر مع ذلك بالنفي، فدل على أنه لا نفي على الأمة مع الحد، فإذا لم يثبت النفي على الأمة إذا زنت، لم يثبت على الحرة أيضًا إذا زنت؛ لأن ما يجب على الإماء نصف ما يجب على الحرائر، فإذا ثبت النفي في ذلك النصف لم يثبت في الكل. فافهم. ص: وقد روينا عن رسول الله ﷺ فيما تقدم من كتابنا أنه نهى عن أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فدل ذلك أيضًا أن لا تسافر المرأة ثلاثة أيام في حد الزنا بغير محرم، وفي ذلك إبطال النفي عن النساء في الزنا. فإذا انتفى أن يكون يجب على النساء اللاتي غير المحصنات نفي في الزنا، انتفى ذلك أيضًا عن الرجال أيضًا، وكان درء النبي ﵇ إياه عن الإماء فيما ذكرنا درءًا عن الحرائر، وفي درئه إياه عن الحرائر دليل على درئه إياه عن الأحرار. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 7966

ش: حديث النهي عن مسافرة المرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم قد مرَّ في. . . . (١) وباقي الكلام ظاهر. فإن قيل: يلزم الحنفية على ما ذكروا أن لا يمنعوا من تغريب المرأة إلى ما دون ثلاثة أيام. قلت: لا يلزم ذلك؛ لأن النفي ليس من الحد، حتى يستعملوه فيما يمكنهم، وإنما هو من باب التعزير، ومن الدليل على ذلك: أن الحدود معلومة المقادير والنهايات؛ ولذلك سميت حدودًا، لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها، فلما لم يذكر النبي ﵇ للنفي مكانًا معلومًا ولا مقدارًا من المسافة والبعد، علمنا أنه ليس بحد، وأنه موكول إلى رأي الإِمام، والإمام لا يرى بالنفي في النساء خوفًا عليهن من الفتنة. وقال إبراهيم النخعي: كفى بالنفي فتنة (٢)، وروى عبيد الله، عن نافع، عن [أبي بكر] (٣): "أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها"، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ (٤) "أنه غرَّب ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر ﵁: "لا أغرب بعدها أحدًا". ولم يستثن الزنا. ص: فإن قال قائل: إني أنفي الأمة إذا زنت ستة أشهر مثل نصف ما تنفى الحرة، وقال: لم ينف النبي ﵇ النفي فيما ذكرتموه عنه من جلد الأمة إذا زنت، ولا بقوله: "ثم بيعوها" في المرة الرابعة. فكفى بهذا القائل المخالف جهلًا إذ قد خالف كل من تقدمه من أهل العلم وخرج من أقاويلهم، ويقال له: بل فيما روينا عن النبي ﵇ من

стр. 7967

قوله: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، ثم قال في الرابعة: "فليبعها"، دليل على أن لا نفي عليها؛ لأنه إنما علمهم في ذلك ما يفعلون بإمائهم إذا زنين، فمحال أن يكون يقصر في ذلك عن جميع ما يجب عليهن، ومحال أن يأمر ببيع مَن لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه ولا يصل إلى ذلك إلا بعد مضي ستة أشهر. ويقال له أيضًا: أنت زعمت أن قول النبي ﵇ لأنيس: "اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" دليل على أن لا جلد عليها مع ذلك، وإن كان إبطال الجلد لم يذكر في هذا الحديث، وجعلت ذلك معارضًا لما قد روي عن رسول الله ﵇ من قوله: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" فإذا كان هذا عندك دليلًا على ما ذكرنا، فما تنكر على خصمك أن يكون قول النبي ﵇: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" عنده دليلًا على إبطاله النفي عن الأمة، فإن كان ما ذكرنا في السكوت عن نفي الأمة ليس يرفع النفي عنها، فما ذكرت أنت أيضًا في السكوت عن الجلد مع الرجم لا يرفع الجلد عن الثيب الزاني مع الرجم، فما يلزم خصمك من قول النبي ﵇: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" شيء إلا لزمك مثله في قول النبي ﵇ لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها". ويقال له: قد روي عن النبي ﵇ في النفي في غير الزنا: ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد العزيز الواسطي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا قتل عبده عمدًا، فجلده النبي ﵇ مائة ونفاه سنة ومحى سهمه من المسلمين، وأمره أن يعتق أمته". فلم يكن ما فعله رسول الله ﵇ في هذا من نفيه القاتل سنة دليلًا عندنا ولا عندك على أن ذلك حد واجب لا ينبغي تركه، وإنما كان على أنه للدعارة، لا لأنه حد واجب، فما تُنكر أيضًا أن يكون ما روي عن النبي ﵇ مما أمر به من نفي الزاني على أنه للدعارة لا لأنه حد واجب لوجوب الجلد والرجم.

стр. 7968

ش: تقرير السؤال أن يقال: إن نفي الأمة عندنا قدر نصف نفي الحرة؛ لأن حد الأمة نصف حد الحرة، والحديث الذي احتججتم به من جلد الأمة إذا زنت لا ينافي النفي، وكذا قوله ﵇: "ثم بيعوها" لا ينافي ذلك حتى قال بعض من يتعصب لهم: إنه يبيعها في مكان ينفيها إليه. وأجاب الطحاوي عن ذلك بثلاثة أجوبة بعد أن جنى على هذا القائل بقوله: فكفى بهذا القائل المخالف جهلًا. . . . إلى آخره. الجواب الأول: هو قوله: "ويقال له بل فيما روينا. . . ." إلى آخره، بيانه أن يقال: الذي ذكرتم غير صحيح، بل الحديث يدل على أن لا نفي عليها؛ وذلك لأنه ﵇ مأمور بالبيان وتعليم الأحكام الشرعية لأمته، منزه عن التقصير في ذلك، وقد علم بهذا الحديث أُمتَّه ماذا يفعلون بالإماء إذا زنين، ولو كان النفي واجبًا كما ذكر هؤلاء لما ترك النبي ﵇ بيانه هاهنا، فمن المحال أن يقصر النبي ﵇ في بيان ذلك عن جميع ما يجب عليهن. وأيضًا من المحال أن يأمر النبي ﵇ ببيع من لا يقدر المشتري على قبضه من البائع ولا يصل إلى ذلك إلا بعد ستة أشهر. الجواب الثاني: هو قوله: "ويقال له أيضًا: أنت زعمت. . . ." إلى آخره. وحاصل هذا: أنه معارضة بالمثل، وإلزام للخصم بمثل ما يُلزم هو خصمه، وهو ظاهر. الجواب الثالث: هو قوله: "ويقال له: قد روي عن النبي ﵇ في النفي في غير الزنا"، بيانه أن يقال: ما ورد في هذا الباب من النفي محمول على أنه كان تأديبًا لرفع الفساد لا حدًّا كما ينفي الإمام أهل الدعارة، ونظير ذلك نفيه ﵇ في غير الزنا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد العزيز الواسطي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وفي

стр. 7969

آخره شين معجمة- عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمَّد بن يحيى، عن ابن الطباع، عن إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه. فهذه الأشياء التي فعلها رسول الله ﵇ لم تكن حدًّا باتفاق الخصوم، وإنما كان ﵇ فعلها لأجل دعارة الرجل -أي فساده وشره- وكذلك ما روي عنه ﵇ من النفي يكون على هذا المعنى، لا لأنه حد واجب كوجوب الجلد والرجم. وقد طعن البيهقي في كتابه "الخلافيات" على الطحاوي لذكره هذا الحديث في هذا المقام فقال: وهو يحتج بما هو أضعف من هذا الإسناد فيما يوافق هواه، فأما نحن فإنما تركناه لضعف إسناده. وهذا لا يقبل من البيهقي؛ لأن الطحاوي لم يحتج هاهنا بهذا الحديث على شيء، وإنما ذكره شاهدًا لما قاله من أن النفي الذي أمر به ﵇ في الزاني ليس لكونه حدًّا لا يجوز تركه، وإنما هو لأجل الدعارة كما ذكرناه، فسبحان الله هل بلغ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلى حد لا يجوز الاستشهاد به ولئن سلمنا أنه احتج به فماذا يقال فيه؟ فإن قيل: فيه أن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ليس بحجة. فيقال: كيف كان حجة في مواضع من "سننه" وغيره فيما وافق هواه على أنا قد ذكرنا غير مرة أن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده صحيح متصل إذا صح الإسناد إليه.

стр. 7970

وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: من الناس بعدهم. وإن قيل: لأجل إسماعيل بن عياش بن سُليم الشامي. فيقال: ما لإسماعيل؟! فإن دُحيمًا قال: هو في الشاميين غاية. وقال الفسوي: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل، أعلم الناس بحديث أهل الشام أكثر ما تكلموا فيه، قالوا: يغرب عن ثقات الحجازيين. وقال البخاري: إذا حدَّث عن أهل بلده فصحيح. ولا شك أن حديثه هذا عن إمام أهل الشام وهو الأوزاعي، فافهم.

стр. 7971

ص: باب: حد الزاني المحصن ش: أي هذا باب في بيان كيفية الحد على الزاني المحصن. والإحصان على نوعين: إحصان الرجم، وإحصان القذف. أما إحصان الرجم فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعًا على هذه الصفات، وهو أن يكونا عاقلين بالغين حرين مسلمين، فوجود هذه الصفات فيهما جميعًا شرط لكون كل واحد منهما محصنًا، والدخول في النكاح الصحيح بعد سائر الشروط متأخرًا عنها، وإن تقدمها لم يعتبر ما لم يوجد دخول آخر بعدها. وأما إحصان القذف فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع، وهي خمسة: العقل، والبلوغ، والحرية والإسلام، والعفة عن الزنا. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج، يحدث عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أن رجلًا زنى، فأمر به النبي ﵇ فجلد، ثم أخبر أنه كان قد أحصن فأمر به فرجم". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. ويونس هو ابن عبد الأعلى، شيخ مسلم. وابن وهب هو عبد الله بن وهب، روى له الجماعة. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، روى له الجماعة. وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.

стр. 7972

وأخرجه أبو داود (١): نا ابن السرح، قال: نا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه أيضًا (٢)، عن أبي يحيى البزاز، عن أبي عاصم، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا حد المحصن إذا زنى: الجلد والرجم جميعًا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي والحسن البصري وإسحاق وداود وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: المحصن يُجلد ويرجم. وقال الترمذي: وهو مذهب بعض أهل العلم من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم ﵁، قالوا: الثيب يجلد ويرجم، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل حده الرجم دون الجلد، وقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﵇ إنما رجمه لما أخبر أنه محصن؛ لأن الجلد الذي كان جلده إياه ليس من حده في شيء؛ لأن حده كان الرجم دون الجلد، ويجوز أن يكون رجمه؛ لأن ذلك الرجم هو حده مع الجلد. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: إبراهيم النخعي والزهري والثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد في الأصح؛ فإنهم قالوا: المحصن إذا زنى يرجم فقط. قال المنذري: قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب والنخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة

стр. 7973

والشافعي وأصحابه ما عدا ابن المنذر: إن الثيب إنما عليه الرجم ولا يجلد، ورأوا حديث عبادة منسوخًا، وتمسكوا بأحاديث تدل على النسخ، واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة وفيه: "فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها". قال: فهذا الحديث آخر الأمرين؛ لأن أبا هريرة قد رواه، وهو متأخر الإسلام ولم يعرض للجلد. وقال الترمذي: وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ منهم: أبو بكر وعمر وغيرهما: الثيب إنما عليه الرجم دون الجلد، وقد روي عن النبي ﵇ مثل هذا في غير حديث في قصة ماعز وغيره، أنه أمر بالرجم ولم يأمر أن يجلد قبل أن يرجم، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي. قوله: "وقالوا: قد يجوز" أي قال هؤلاء الآخرون، وهذا جواب عن حديث جابر الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وهو على وجهين: الأول: قوله: قد يجوز أن يكون النبي ﵇. . . . إلى آخره. والثاني: قوله: ويجوز أن يكون رجمه. . . . إلى آخره. ص: واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا لقولهم: بما حدثنا يونس، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت ﵁، أن النبي ﵇ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا منصور بن زاذان، عن الحسن، قال: ثنا حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﵇: "خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".

стр. 7974

قالوا: فبهذا نقول: نرى أن يجلد المحصن ثم يرجم بعد ذلك كما، قال رسول الله -﵇-. ش: احتجاجهم بحديث عبادة ظاهر، ولكنه منسوخ على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أسد بن موسى، عن شعبة. . . . إلى آخره. وأخرجه الطحاوي مرة في باب: حد البكر، عن ابن أبي داود، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن قتادة. . . . إلى آخره. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن منصور. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا، وقد استوفينا الكلام فيه في باب: حد البكر. ص: وكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: ما قد رويناه عن رسول الله ﵇ في أمره أنيسًا الأسلمي برجم المرأة التي أمره أن يغدو عليها فيرجمها إن اعترفت، ولم يأمره بجلدها. وقد ذكرت ذلك بإسناده في الباب الأول، وفي ذلك الحديث أيضًا أن الذي قام إلى النبي ﵇ قال له: "إني سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أن على أمرأة هذا الرجم " ولم يذكر معه الجلد، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله ﷺ ، فدل

стр. 7975

هذا أن جميع ما كان عليها من الحد في الزنا الذي كان منها: هو الرجم دون الجلد. وقد شد ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله ﵇ فيما فعل بماعز ﵁. حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة: "أن النبي ﵇ رجم ماعزًا" ولم يذكر جلدًا. ففيما ذكرنا من ذلك ما يدل أن حد المحصن هو الرجم دون الجلد. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الأولى وهم أهل المقالة الثانية "عليهم" أي على أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: ما قد رويناه عن النبي ﵇ وهو حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني؛ فإنهما أخبرا في حديثهما: "أن النبي ﵇ أمر أنيسًا الأسلمي بأن يغدو على تلك المرأة ويرجمها إن اعترفت، فغدا عليها فسألها فاعترفت فرجمها". ولم يأمره بجلدها، فدل ذلك على أن حد المحصن هو الرجم فقط. وأيضًا لما قال ذلك الرجل مخبرًا عن أهل العلم أن عليها الرجم لم ينكر عليه رسول الله ﵇ في ذلك، ولو كان الجلد من جملة الحد لأنكر عليه. وقد شد هذا -أي عضده- وقواه ما رواه جابر بن سمرة أنه ﵇ رجم ماعزًا، ولم يذكر فيه جلدًا، فدل أن حد المحصن هو الرجم فقط. وأخرجه بإسناد صحيح. وأخرجه مسلم (١) مطولًا: عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة. وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) أيضًا.

стр. 7976

ص: فإن قال قائل: فلم لا كان ما فيه الرجم والجلد أولى مما فيه الرجم خاصةً. قيل له: لدلالة قد دلت على نسخ الجلد مع الرجم، وهو أنا رأينا أصل ما كان على الزاني قبل أن يفرق بين حكمه إذا كان محصنًا وبين حكمه إذا كان غير محصن ما وصف الله في كتابه بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١)، فكان هذا هو حد الزانية أن تمسك في البيوت حتى تموت أو يجعل الله لها سبيلًا، ثم قال النبي ﵇: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا". فذكر ما قد ذكرناه في حديث عبادة، فكان ذلك هو السبيل الذي قال الله ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، فجعل الله ذلك السبيل على ما قد بينه على لسان نبيه ﵇، وفرض في ذلك الجلد والرجم على الثيب والجلد والنفي على غير الثيب فعلمنا أن ذلك القول كان من النبي ﵇ بعد نزول هذه الآية وأنه لم يتقدم نزول هذه الآية وجوب الرجم على الزاني؛ لأن حده كان ما وصف الله في كتابه من الحبس في البيوت، ولم يكن بين قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ وبين حديث عبادة ﵁ حكم آخر، فعلمنا أن حديث عبادة كان بعد نزول هذه الآية، وأن حديث ماعز الذي سأله رسول الله ﵇ فيه عن إحصانه لتفرقته بين حد المحصن وغير المحصن، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنه فرق رسول الله ﵇ فيه بين حكم البكر والثيب، فجعل على البكر جلد مائة وتغريب عام، وعلى الثيب الرجم، متأخرًا عنه، فكان ذلك ناسخًا له؛ لأن ما تأخر من حكم رسول الله ﵇ ينسخ ما تقدم منه، فلهذا كان ما ذكرنا من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد وحديث ماعز أولى من حديث عبادة مع ما قد شد ذلك من النظر الصحيح وذلك أنا رأينا

стр. 7977

العقوبات المتفق عليها في انتهاك الحرمات كلها إنما هي شيء واحد، من ذلك أنا رأينا أن السارق عليه القطع لا غير، والقاذف عليه الجلد لا غير. فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك الزاني عليه شيء واحد لا غير فيكون عليه الرجم الذي قد اتفق أنه عليه، وينتفي عنه الجلد الذي لم يتفق به عليه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: تقرير السؤال أن يقال: لمَّا كان حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه الزيادة -وهي الرجم والجلد- أولى من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وجابر بن سمرة في قصة ماعز التي فيها الرجم فقط، والأخذ بالزائد أولى لشموله الكل، فيكون العمل بكل الآثار، وهو أولى من إعمال بعضها إهمال بعضها. والجواب ما ذكره بقوله: "قيل له: لدلالة. . . ." إلى آخره. وملخصه أن يقال: إن الذي ذكرتم إنما يتمشى إذا لم يكن ثمة نسخ، وحديث عبادة منسوخ فلا يُعمل به، ووجه النسخ ما بينه مستقصى. وقال أبو عمر: أما حديث عبادة فإنما كان هذا في أول نزول الجلد؛ وذلك أن الزناة كانت عقوبتهم إذا شهد عليهم أربعة من العدول في أول الإسلام أن يُمْسَكوا في البيوت إلى الموت، أو يجعل الله لهم سبيلًا، فلما نزلت آية الجلد قام رسول الله ﵇ فقال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر .. الحديث". فكان هذا في أول الأمر، ثم رجم رسول الله ﵇ ولم يجلد، فعلمنا أن هذا كان حكمًا أحدثه الله نسخ به ما قبله، ومثل هذا كثير في أحكامه وأحكام رسوله ﵇ ليبتلي عباده، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇، وقد كان الزهري يُنكر الجلد مع الرجم ويقول: "رجم رسول الله ﵇ ولم يجلد" ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. قال أبو عمر (١): حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا

стр. 7978

بكر بن حماد، ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله ﵇ قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وإنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا". قال أبو عمر: الخوارج والمعتزلة يكذبون بهذا كله. نعوذ بالله من ذلك. انتهى. قلت: لم يختلف السلف في حد الزَّانِيَيْن في أول الإسلام ما قال الله : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾، فكان حد المرأة: الحبس والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل: التعيير ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) ونسخ عن المحصن بالرجم؛ وذلك لأن في حديث عبادة: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا" بيانًا على أن المراد من السبيل هو ما ذكره من قوله: "البكر بالبكر. . . ." الحديث. ولم يكن بينهما حكم آخر؛ وذلك لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدمًا لقول النبي ﵇، وقد بيَّن ﵇ بحديث عبادة أن المراد من السبيل هو ما ذكره دون غيره. فإذا كان كذلك كان الأذى والحبس منسوخين عن غير المحصن بالآية، وعن المحصن بالسنة وهو الرجم، ثم جاء حديث أبي هريرة بعد حديث عبادة، فصار ناسخًا لما فيه من الجلد؛ إذ لو كان الجمع بينهما ثابتًا لاستعمله النبي ﵇

стр. 7979

ولاسيما في قضية ماعز، وقد وردت قصة ماعز ﵁ من جهات مختلفة، ولم يذكر في شيء منها الجلد مع الرجم. فإن قيل: سلمنا أن حديث عبادة بعد نزول الآية فمن أين لنا التاريخ الذي يدل على أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديثه؟ قلت: قد ثبت فيما مضى أنه لم يكن بين قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) وبين حديث عبادة حكم آخر، وأن الآية المذكورة في سورة النور ونزولها كان في قصة الإفك، وقصة الإفك كانت قبل إسلام أبي هريرة ﵁، فبالضرورة يكون حديثه متأخرًا فيكون ناسخًا. والله أعلم. قوله: "مما قد شد ذلك" أشار به إلى عدم جواز الجمع بين الجلد والرجم، وأراد بالنظر الصحيح: القياس وبيَّن وجهه بقوله: "وذلك أنا رأينا العقوبات. . . ." إلى آخره. ولقائل أن يقول: السارق عليه القطع والضمان عندي، فلم يصح القياس فيه، فافهم. ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك منسوخًا، وقد عمل به علي ﵁ بعد رسول الله ﵇؟ فذكر ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "جاءت امرأة من همدان -يقال لها: شراحة- إلى علي ﵁ فقالت: "إني زنيت، فردَّدها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، فأمر بها فجلدت، ثم أمر بها فرجمت". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 7980

حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا محمد بن بكار بن بلال، قال: ثنا سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن الرضراض بن أسْعَد، قال: "شهدت عليًّا ﵁ جلد شراحة ثم رجمها". حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن مسلم الأعور، عن حبة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:"أتته شراحة فأقرت عنده أنها زنت، فقال لها علي ﵁: لعلك غُصبت نَفْسُكِ؟ قالت: أتيت طائعة غير مكرهة، قال: فأخرها حتى ولدت وفطمت ولدها، ثم جلدها الحد بإقرارها، ثم دفنها في الرحبة إلى منكبها، ثم رماها هو أول الناس، ثم قال: ارموا، ثم قال: جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة محمد ﷺ ". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، عن الشعبي قال: "جلد علي ﵁ شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله ﵇". ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم أن يكون حديث عبادة منسوخًا، والدليل على أن حكمه وهو الجمع بين الجلد والرجم في الزاني باقٍ: فعل علي بن أبي طالب ﵁ فإنه جمع بين الجلد والرجم بعد النبي ﵇، وذلك في قضية شراحة الهمدانية، ولو كان حكم الجمع بين الجلد والرجم منسوخًا لما عمل به علي ﵁ بعد النبي ﵇. وأخرج في ذلك، عن علي من خمس طرق: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الشيخين، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري. وهذا إسناد صحيح، وفيه حجة لأصحابنا حيث يشترطون إقرار الزاني أربع مرات، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي مرة واحدة، وهو قول حماد بن أبي سليمان والحسن بن حي.

стр. 7981

الثاني: أيضًا صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره. الثالث: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، عن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي قاضيها، عن سعيد بن بشير الأزدي النصري -بالنون والصاد المهملة- فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وكذا عن النسائي. روى له الأربعة. وهو يروي عن قتادة، عن الرضراض بن أسعد وثقه ابن حبان. الرابع: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى بن أعين الجزري الحراني، عن مسلم بن كيسان البراد الكوفي الأعور، فيه مقال، فعن يحيى: لا شيء. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك. روى عن حبة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن جوين بن علي العرني البجلي الكوفي قيل: إنه رأى النبي ﵇. الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عامر الشعبي. وهذا إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، نا شعبة، نا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي، يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: "قد رجمتها بسنة رسول الله ﵇". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي قال: "أتي علي ﵁ بشراحة -امرأة من همدان- وهي حبلى من زنا،

стр. 7982

فأمر بها علي ﵁ فحبست في السجن، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة سوط، ورجمها يوم الجمعة". وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، أن عليًّا ﵁ قال لشراحة: "لعلك استكرهت؟ لعل زوجك أتاك؟ لعلك. . . . قالت: لا، فلما وضعت جلدها، ثم رجمها، فقيل له: لم جلدتها ثم رجمتها؟ قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﵇". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) مطولًا من حديث جعفر بن عون: أنا الأجلح، عن الشعبي قال: "جيء بشراحة إلى علي ﵁ فقال لها: ويلك، لعلك وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا، قال: لعلك استكرهت؟ قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك، فأنت تكرهي أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إذًا يصيب بعضكم بعضًا، صفوا كصف الصلاة صفًّا خلف صف، ثم قال: أيها الناس، أيما امرأة جيء بها وبها حبل، أو رجل زانٍ فشهد عليه أربعة بالزنا، فالشهود أول من يَرجم، ثم الإمام، ثم الناس، ثم رجمها، ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم". ص: قيل له: إن هذا وإن كان قد روي عن علي ﵁ كما ذكرنا، فإن غير علي من أصحاب رسول الله ﵇ قد روى عنه في ذلك خلاف ما قد روي عن علي ﵁، فمن ذلك: ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن أبا واقد الليثي ثم الأشجعي -

стр. 7983

وكان من أصحاب رسول الله ﵇ قال: "بينما نحن عند عمر ﵁ مقدمه الشام بالجابية، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن امرأتي زنت بغلام، فهي هذه تعترف بذلك، فأرسلني عمر ﵁ في رهط إليها لنسألها عن ذلك، فجئتها فإذا هي جارية حديثة السن، فقلت: اللهم أفرج فاها اليوم عما شئت، فسألتها وأخبرتها بالذي قال زوجها، فقالت: صدق، فبلغنا عمر ﵁، فأمر برجمها". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا، حدثه عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي "أن عمر بن الخطاب ﵁ أتاه رجل وهو بالشام، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلًا، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي إلى امرأته ليسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها، فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب ﵁، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع، ذهبت أن تنتزع وثبتت على الاعتراف، فأمر بها عمر ﵁ فرجمت". فهذا عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ لم يجلدها قبل رجمه إياها، فهذا خلاف لما فعل علي ﵁ بشراحة، مِن جلده إياها قبل رجمها، وهو أولى الفعلين عندنا لما قد ذكرنا في هذا الباب. والله أعلم. ش: هذا جواب عن السؤال المذكور، بيانه أن يقال: إن فعل علي ﵁ معارض بفعل عمر بن الخطاب ﵁؛ وذلك أنه أمر برجم امرأة اعترفت بالزنا ولم يجلدها، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد منهم، فصار فعل عمر أولى الفعلين لما قد ذكر في هذا الباب من دلالة أحاديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وجابر بن سمرة، على عدم الجمع بين الجلد والرجم، وأنها ناسخة لحديث عبادة بن الصامت مع شهادة القياس الصحيح على عدم الجمع بينهما، على ما مر مستوفى. ويمكن أن يجاب بوجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون علي ﵁ لم يعلم يإحصان شراحة فجلدها، ثم لما علم أنها محصنة أمر برجمها.

стр. 7984

فإن قيل: قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه جلد ورجم. فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: "كان عمر ﵁ يرجم ويجلد، وكان علي ﵁ يرجم ويجلد". قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن ابن سيرين لم يدرك عمر ﵁؛ لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، فيكون منقطعًا. والثاني: أن قوله: يرجم ويجلد لا يدل على أنه كان يجمع بينهما، فيحتمل أن يكون معناه: يرجم في الثيب، ويجلد في البكر. والثالث: أن أفعال الصحابة ﵃ إذا تعارضت يرجع إلى نقل النبي ﵇، ولم يثبت عن النبي ﵇ في قضية ماعز أنه جلد ورجم، ولا في تحصينه تلك المرأة التي بعث إليها أنيسًا الأسلمي، فكان هذا آخر الفعل من النبي ﵇. ثم إنه أخرج أثر عمر بن الخطاب من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي واقد الليثي الصحابي، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار المدني. . . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).

стр. 7985

قوله: "بينما" أصله "بين" فزيدت فيه "ما" فصار "بينما" وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم المعنى، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذْ أو إذا، وهاهنا هكذا وقع الجواب وهو قوله: "أتاه"، وكذا الكلام في "بينا". قوله: "مقدمه الشام" أي وقت قدومه الشام، ومنه قولك: وردت مقدم الحاج، تجعله ظرفًا، وهو مصدر، أي وقت قدوم الحاج، وكان قدوم عمر ﵁ الشام أربع مرات: مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين. قال ابن جرير: وفي سنة سبع عشرة قدم عمر بن الخطاب إلى الشام فوصل إلى سرغ في قول ابن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية وهي مدينة بالشام والآن هي قرية ومن أبواب سور الشام باب ينسب إليها، فيقال لها: باب الجابية. قوله: "في رهط" وهو اسم لما دون العشرة، ليس فيهم امرأة. قوله: "وجعل يلقنها أشباه ذلك"، وفي أكثر نسخ "الموطأ": "وجعل يلقنها أشياء". قوله: "وثبتت على الاعتراف" وفي بعض نسخ "الموطأ": "وتمت على الاعتراف"، والله أعلم.
следующие страницы →