الثاني: أيضًا صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره.
الثالث: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، عن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي قاضيها، عن سعيد بن بشير الأزدي النصري -بالنون والصاد المهملة- فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وكذا عن النسائي. روى له الأربعة.
وهو يروي عن قتادة، عن الرضراض بن أسعد وثقه ابن حبان.
الرابع: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى بن أعين الجزري الحراني، عن مسلم بن كيسان البراد الكوفي الأعور، فيه مقال، فعن يحيى: لا شيء. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك.
روى عن حبة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن جوين بن علي العرني البجلي الكوفي قيل: إنه رأى النبي ﵇.
الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عامر الشعبي.
وهذا إسناده صحيح.
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، نا شعبة، نا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي، يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: "قد رجمتها بسنة رسول الله ﵇".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي قال: "أتي علي ﵁ بشراحة -امرأة من همدان- وهي حبلى من زنا،
стр. 7982
فأمر بها علي ﵁ فحبست في السجن، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة سوط، ورجمها يوم الجمعة".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، أن عليًّا ﵁ قال لشراحة: "لعلك استكرهت؟ لعل زوجك أتاك؟ لعلك. . . . قالت: لا، فلما وضعت جلدها، ثم رجمها، فقيل له: لم جلدتها ثم رجمتها؟ قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﵇".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) مطولًا من حديث جعفر بن عون: أنا الأجلح، عن الشعبي قال: "جيء بشراحة إلى علي ﵁ فقال لها: ويلك، لعلك وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا، قال: لعلك استكرهت؟ قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك، فأنت تكرهي أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إذًا يصيب بعضكم بعضًا، صفوا كصف الصلاة صفًّا خلف صف، ثم قال: أيها الناس، أيما امرأة جيء بها وبها حبل، أو رجل زانٍ فشهد عليه أربعة بالزنا، فالشهود أول من يَرجم، ثم الإمام، ثم الناس، ثم رجمها، ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم".
ص: قيل له: إن هذا وإن كان قد روي عن علي ﵁ كما ذكرنا، فإن غير علي من أصحاب رسول الله ﵇ قد روى عنه في ذلك خلاف ما قد روي عن علي ﵁، فمن ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن أبا واقد الليثي ثم الأشجعي -
стр. 7983
وكان من أصحاب رسول الله ﵇ قال: "بينما نحن عند عمر ﵁ مقدمه الشام بالجابية، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن امرأتي زنت بغلام، فهي هذه تعترف بذلك، فأرسلني عمر ﵁ في رهط إليها لنسألها عن ذلك، فجئتها فإذا هي جارية حديثة السن، فقلت: اللهم أفرج فاها اليوم عما شئت، فسألتها وأخبرتها بالذي قال زوجها، فقالت: صدق، فبلغنا عمر ﵁، فأمر برجمها".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا، حدثه عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي "أن عمر بن الخطاب ﵁ أتاه رجل وهو بالشام، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلًا، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي إلى امرأته ليسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها، فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب ﵁، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع، ذهبت أن تنتزع وثبتت على الاعتراف، فأمر بها عمر ﵁ فرجمت".
فهذا عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ لم يجلدها قبل رجمه إياها، فهذا خلاف لما فعل علي ﵁ بشراحة، مِن جلده إياها قبل رجمها، وهو أولى الفعلين عندنا لما قد ذكرنا في هذا الباب. والله أعلم.
ش: هذا جواب عن السؤال المذكور، بيانه أن يقال: إن فعل علي ﵁ معارض بفعل عمر بن الخطاب ﵁؛ وذلك أنه أمر برجم امرأة اعترفت بالزنا ولم يجلدها، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد منهم، فصار فعل عمر أولى الفعلين لما قد ذكر في هذا الباب من دلالة أحاديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وجابر بن سمرة، على عدم الجمع بين الجلد والرجم، وأنها ناسخة لحديث عبادة بن الصامت مع شهادة القياس الصحيح على عدم الجمع بينهما، على ما مر مستوفى.
ويمكن أن يجاب بوجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون علي ﵁ لم يعلم يإحصان شراحة فجلدها، ثم لما علم أنها محصنة أمر برجمها.
стр. 7984
فإن قيل: قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه جلد ورجم.
فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: "كان عمر ﵁ يرجم ويجلد، وكان علي ﵁ يرجم ويجلد".
قلت: الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن ابن سيرين لم يدرك عمر ﵁؛ لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، فيكون منقطعًا.
والثاني: أن قوله: يرجم ويجلد لا يدل على أنه كان يجمع بينهما، فيحتمل أن يكون معناه: يرجم في الثيب، ويجلد في البكر.
والثالث: أن أفعال الصحابة ﵃ إذا تعارضت يرجع إلى نقل النبي ﵇، ولم يثبت عن النبي ﵇ في قضية ماعز أنه جلد ورجم، ولا في تحصينه تلك المرأة التي بعث إليها أنيسًا الأسلمي، فكان هذا آخر الفعل من النبي ﵇.
ثم إنه أخرج أثر عمر بن الخطاب من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي واقد الليثي الصحابي، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار المدني. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
стр. 7985
قوله: "بينما" أصله "بين" فزيدت فيه "ما" فصار "بينما" وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم المعنى، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذْ أو إذا، وهاهنا هكذا وقع الجواب وهو قوله: "أتاه"، وكذا الكلام في "بينا".
قوله: "مقدمه الشام" أي وقت قدومه الشام، ومنه قولك: وردت مقدم الحاج، تجعله ظرفًا، وهو مصدر، أي وقت قدوم الحاج، وكان قدوم عمر ﵁ الشام أربع مرات: مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين.
قال ابن جرير: وفي سنة سبع عشرة قدم عمر بن الخطاب إلى الشام فوصل إلى سرغ في قول ابن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية وهي مدينة بالشام والآن هي قرية ومن أبواب سور الشام باب ينسب إليها، فيقال لها: باب الجابية.
قوله: "في رهط" وهو اسم لما دون العشرة، ليس فيهم امرأة.
قوله: "وجعل يلقنها أشباه ذلك"، وفي أكثر نسخ "الموطأ": "وجعل يلقنها أشياء".
قوله: "وثبتت على الاعتراف" وفي بعض نسخ "الموطأ": "وتمت على الاعتراف"، والله أعلم.
стр. 7986
ص: باب: الاعتراف بالزنا الذي يجب به الحد
ش: أي هذا باب في بيان حكم إقرار الرجل بالزنا الذي يجب به الحد.
ص: قال أبو جعفر ﵀: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا أقر بالزنا مرة واحدة، أقيم عليه حد الزنا، واحتجوا في ذلك بما رويناه عن رسول الله ﵇ في هذا الكتاب من قوله لأنيس: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، ففي هذا دليل على أن الاعتراف بالزنا مرة واحدة يوجب الحد.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: حماد بن أبي سليمان وعثمان البتي والحسن بن حي ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: إذا أقر الرجل بالزنا مرة واحدة يجب عليه الحد، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني المدني: "أمر رسول الله ﵇ أنيسًا الأسلمي بأن يغدو على تلك المرأة؛ فإن اعترفت فليرجمها، فاعترفت فرجمها".
فهذا صريح على أنه حدَّها بإقرارها مرة واحدة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يجب حدّ الزنا على المعترف بالزنا حتى يقر به على نفسه أربع مرات، وقالوا: ليس فيما ذكرتم من حديث أنيس دليل على ما قد وصفتم وذلك أنه قد يجوز أن يكون أنيس قد كان علم حد الاعتراف الذي يوجب حدَّ الزنا على المعترف ما هو بما علمهم النبي ﷺ في ماعز وغيره، فخاطبه النبي ﵇ بهذا الخطاب بعد علمه أنه قد علم الاعتراف الذي يوجب الحد ما هو؟
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في الأصح عنه وإسحاق؛ فإنهم قالوا: بإقرار واحدٍ لا يثبت حد الزنا، ولا يجب عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 7987
قوله: "وقالوا" أي قال هؤلاء الآخرون في الجواب عن حديث أبي هريرة الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه أن يقال: إن أُنيسًا الذي أمر له ﵇ بأن يغدو على تلك المرأة ويرجمها إن اعترفت يجوز أن يكون قد علم من قبل ذلك حد الاعتراف الموجب لحد الزنا بتعليم النبي ﵇ إياهم في قضية ماعز وغيره، فأمره النبي ﵇ بإقامة الحد عليها بعد علمه الاعتراف الموجب لحد الزنا بأنه أربع مرات، فاكتفى لذلك على قوله: "فإن اعترفت فارجمها" والمعنى على هذا: إن اعترفت الاعتراف الذي تعلمه وهو أربع مرات.
ص: وقد جاء غير هذا الأثر من الآثار ما قد بيَّن الاعتراف بالزنا الذي يوجب الحد على المعترف ما هو؟
من ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بكر ﵁: "أن النبي ﷺ رد ماعزًا أربع مرات".
ش: أي قد جاء غير حديث أبي هريرة -الذي فيه الأمر لأنيس الأسلمي برجم تلك المرأة إن اعترفت- من الآثار ما قد بيَّن كمية الاعتراف الذي يجب به الحد، فمنها حديث أبي بكر الصديق ﵁؛ فإنه أخبر أنه ﵇ رد ماعزًا أربع مرات.
فدل ذلك أن الحد لا يجب بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا.
وأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن جابر بن يزيد الجُعفي، فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، المختلف في صحبته، عن أبي بكر الصديق ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "كنت
стр. 7988
عند النبي ﵇ فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرةً فرده، ثم جاء فاعترف الثانية فرده، ثم جاء فاعترف الثالثة فرده، فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك، فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: ما نعلم إلا خيرًا فأمر برجمه".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن أسود بن عامر، عن إسرائيل. . . . إلى آخره نحوه.
وقد طعنوا في هذا الحديث بسبب جابر الجعفي، ولكن ابن حبان أخرج له في "صحيحه"، وقال صاحب "التمهيد": أجمعوا على أنه يُكتب حديثه، واختلفوا في الاحتجاج به، وشهد له بالصدق والحفظ: الثوري وشعبة ووكيع وزهير بن معاوية، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن جابرًا الجعفي ثقة، وزاد في "الاستذكار": كان شعبة والثوري يشهدان له بالحفظ والإتقان، وكان وكيع وزهير بن معاوية يوثقانه ويثنيان عليه.
فإن قيل: الإقرار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحُّد سواء؛ لأن الإقرار إخبار، والإخبار لا يزيد رجحانًا بالتكرار، ولهذا لم يشترط في سائر الحدود.
قلت: هذا هو القياس، ولكنا تركناه بالنص، وهو أنه ﵇ رد ماعزًا أربع مرات، فلو كان الإقرار مرةً مظهرًا للحد لما أخره ﵇ إلى الأربع؛ لأن الحد بعدما ظهر وجوبه للإمام لا يحتمل التأخير.
فإن قيل: يحتمل رد النبي ﵇ ماعزًا أربع مرات لكونه أفهمه أنه لا يدري ما الزنا، فردده لذلك، لا لكون اشتراط الأربع في الإقرار، ألا ترى كيف قال له: "لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت". وفي رواية قال بعد ذلك: "قبلتها؟ قال: نعم".
أخرجها النسائي (٢) وغيره من حديث ابن عباس، فدل ذلك أن ترديده ﵇
стр. 7989
لم يكن مراعاة لتمام الإقرار أربع مرات أصلًا، وإنما كان لتهمته إياه في عقله، وفي جهله ما هو الزنا.
قلت: يرد هذا كله حديث بريدة بن الحصيب ﵁ فإنه يخبر فيه: "أن ماعزًا لما أقر مرة رده رسول الله، فلما كان من الغد أتاه أيضًا فاعترف أيضًا بالزنا. . . ." الحديث على ما يأتي، عن قريب إن شاء الله إلى أن قال بريدة في آخره: "كنا نتحدث بيننا أصحاب رسول الله ﵇ أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة". وهذا أدل دليل على أن ترديده ﵇ أربع مرات لم يكن إلا لكون اشتراط الأربع؛ إذْ لو كانت لتهمته إياه في عقله لرجمه في اليوم الثاني؛ لأن عقله كان يعلم في ترديده.
فإن قلت: يعارض هذا ما رواه النسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: "جاء الأسلمي إلى رسول الله ﵇ فشهد على نفسه أربع مرات بالزنا يقول: زنيت بامرأة حرامًا، كل ذلك يُعرض عنه رسول الله ﵇، فأقبل في الخامسة فقال له: أنكحتها؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله ﵇ أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله ﵇ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجم رَجمَ الكلب، فسكت عنهما رسول الله ﵇ ساعةً، فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن يا رسول الله، فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله غفر الله لك مَن يأكل هذا؟! فقال رسول الله ﵇: ما نلتما من عرض هذا آنفًا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة".
стр. 7990
فهذا حديث صحيح، وفيه أنه ﵇ لم يكتف بإقراره أربع مرات، ولا بتقريره أربع مرات حتى أقر في الخامسة، ثم لم يكتف بذلك حتى سأله السادسة: هل تعرف ما الزنا؟ ولم يكتف بذلك حتى سأله السابعة: ما تريد بهذا القول؟ فهذا يدل على أن ترديده ﵇ لم يكن إلا لتهمته إياه في عقله، ولو جعل العدد شرطًا كان ينبغي أن يشترط أكثر من أربع؛ على ما في الحديث.
قلت: لم يكن ما فوق الأربع في هذا الحديث من الإقرار بالزنا، وإنما كان في الخامسة سؤالا وجوابًا عن صحة وقوع الزنا، وفي السادسة كان سؤالا وجوابًا عن ماهية الزنا، والسابع: كان سؤالا وجوابًا عما يخرج به من هذه الورطة وليس ذلك داخلا في الآثار المعتبرة والأقارير المشروطة هي التي حصلت بقوله: "فشهد على نفسه أربع مرات" فافهم.
ص: حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر فأتاه رجل فأقر بالزنا، فردده أربعًا، ثم نزل فأمرنا فحفرنا حفرة ليست بالطويلة، فأمر به فرجم، فارتحل رسول الله ﵇ كئيبًا حزينًا، فسرنا حتى نزلنا منزلا فقال لي رسول الله ﵇: يا أبا ذر ألم تر إلى صاحبكم قد غُفر له وأدخل الجنة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا إبراهيم بن الزبرقان وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن أحمد بن الحسن، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن الحجاج بن أرطاة النخعي فيه مقال، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي، عن عبد الله بن المقدام بن الورد الطائفي، عن ابن شداد وهو نسعة -بكسر النون وسكون السين وفتح العين المهملتين- ابن شداد، عن أبي ذر الغفاري ﵁ جندب بن جنادة.
стр. 7991
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، ثنا الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن مغيرة، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد.
وثنا الحسن بن عرفة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الله بن المقدام، عن نسعة بن شداد، عن أبي ذر -متقاربان في حديثهما- قال: "كنتُ مع رسول الله ﵇ وهو راكب، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية فقال: إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم عاد الثالثة فقال: إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم أعاد له الرابعة فقال: إن الأخِر زنى، فنزل فأمر برجمه، ثم ركب، ثم نزل فقال: يا أبا ذر، قد غفر لصاحبكم وأدخل الجنة" واللفظ لفظ سلمة بن الفضل.
وقال البزار: لا نعلمهما أي عبد الله بن المقدام وابن شداد ذُكِرا في حديث مسند إلا في هذا الحديث.
قوله: "إن الأخِر" بوزن الكَبِدَ، بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، ومعناه: الأبعد على الذم، وقيل: الأرذل.
الطريق الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن إبراهيم بن الزبرقان وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. يروي هو وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، كلاهما عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الله بن المقدام بن الورد، عن نسعة بن شداد، عن أبي ذر ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك ابن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر قال: "كنا
стр. 7992
مع رسول الله ﵇ في سفر، فأتى رجل فقال: إن الأخِر قد زنى، فأعرض عنه، ثم ثلث ثم ربع، فنزل النبي ﵇-وقال مرة: فأقر عنده بالزنا فرده أربعًا، ثم نزل- فأمرنا فحفرنا له حفرة ليست بالطويلة فرجم، فارتحل رسول الله ﵇ كئيبًا حزينًا، فسرنا حتى نزل منزلًا، فسري عن رسول الله ﵇ فقال: يا أبا ذر، ألم تر إلى صاحبكم؛ غفر له، وأدخل الجنة".
ص: حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ قال لماعز: أحقٌّ ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك أتيت جارية آل فلان، فأقر على نفسه أربع مرات، فأمر به فرجم".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو عوانة. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن محمد الصيرفي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، .. إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري -واللفظ لقتيبة- قالا: ثنا أبو عوانة، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قال لماعز بن مالك. . . ." إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن أبي عوانة،. . . إلى آخره نحوه، ولكن
стр. 7993
في روايته: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موضع: عن عكرمة، عن ابن عباس كما في رواية مسلم.
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) أيضًا.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: "أن رجلًا من أسلم أتى رسول الله ﵇ وهو في المسجد، فناداه فحدثه أنه زنى، فأعرض رسول الله ﵇، فتنحى لشقه الذي أعرض قبله فأحبره أنه زنى وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله ﵇ فقال: هل بك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به رسول الله ﵇ أن يرجم بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة جمز حتى أدرِك بالحرة، فقتل بها رجمًا".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم. والثاني هو ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه:
فقال البخاري (٣): حدثني محمود، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: "أن رجلًا من أسلم جاء النبي ﵇ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي ﵇ حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي ﵇: أَبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فَرَّ، فأدرك فرجم حتى مات. فقال له النبي ﵇ خيرًا، وصلى عليه".
стр. 7994
ولم يقل يونس وابن جريج، عن الزهري: "فصلى عليه".
وقال مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ نحوه.
وقال أبو داود (٢): نا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي، قالا: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله. . . . إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي (٣): ثنا الحسن بن علي، عن عبد الرزاق. . . . إلى آخره نحوه. وقال النسائي (٤).
قوله: "فلما أذلقته الحجارة" أي أصابته بحدها فعقرته، وذلق كل شيء حده، والإذلاق أيضًا سرعة الرمي، فيكون معناه على هذا: أنه لما تتابع عليه وقع الحجارة وتناولته من كل وجه فرَّ. ومادته ذال معجمة ولام وقاف.
قوله: "جَمز" بالجيم والزاي المعجمة، أي أسرع هاربًا من القتل، يقال: جَمَزَ يَجْمِزُ جَمْزًا من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ.
قوله: "حتى أُدرك" على صيغة المجهول.
قوله: "بالحرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود، والمراد بها أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة، وكانت بها وقعة مشهورة زمن يزيد بن معاوية.
стр. 7995
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر وعثمان بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجل أشعر قصير ذو عضلات، فأقر له بالزنا، فأعرض عنه، فأتاه من قبل وجهه الآخر، فأعرض عنه، قال -لا أدري مرتين أو ثلاثًا- فأمر به فرجم. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: رده أربع مرات".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "يردده مرتين".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي وعثمان بن عمر، كلاهما عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه، وفيه: "فرده مرتين أو ثلاثًا".
الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه، وفيه: "فرده مرتين".
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا.
وأخرج مسلم (٤) أيضًا، عن محمد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لابن المثنى- قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت
стр. 7996
جابر بن سمرة قال: "أتي النبي ﵇ برجل قصير أشعث ذي عضلات، وعليه إزار قد زنى، فرده مرتين، ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله ﵇: كلما نفرنا غازين في سبيل الله نخلف أحدهم ينبُّ نبيب التيس، يمنح إحداهن الكثبة، إن الله لا يمكنني من أحدهم إلا جعلته نكالًا أو نكلته. قال: فحدثته سعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات".
قوله: "أشعث" هو الذي لم يحلق شعره ولم يرجِّله، وقيل: هو كثير الشعر، وقيل: طويله.
قوله: "ذو عضلات" جمع عضلة، والعضلة في البدن كل لحمة صلبة مكتنزة، ومنه عضلة الساق، ويجوز أن يكون أريد به أن عضلة ساقيه كبيرة.
قوله: "ينب نبيب التيس" نبيب التيس: صوته عند السفاد، يقال: نبَّ التيس يَنِبُّ نبيبًا إذا صاح وهاج وبابه من باب: ضرب يضرب، والكثبة: كل قليل جمعته من طعام وغيره.
قوله: "يمنح" بفتح النون وكسرها، أي يعطي.
قوله: "نكالًا" بفتح النون أي: عقوبة.
قوله: "نكلته" أي منعته عنهن، يقال: نكل عن الأمر يَنْكُل بالضم، ونكل بالكسر ينكل لغة فيه وأنكره الأصمعي: إذا امتنع، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها.
ص: فقال قائل: ففي هذا الحديث أنه حدَّه بعد إقراره أقل من أربع مرات.
قيل له: في هذا الحديث علة؛ وذلك أن ربيعًا المؤذن حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "أتى رسول الله ﵇ ماعز بن مالك، فاعترف مرتين، فقال: اذهبوا به، ثم ردوه فاعترف مرتين، حتى اعترف أربعًا، فقال رسول الله ﵇: اذهبوا به فارجموه".
стр. 7997
ففي هذا الحديث أنه أقر مرتين، ثم ذهبوا به، ثم ردوه فأقر مرتين، فيجوز أن يكون جابر بن سمرة حضر المرتين الأخريين ولم يحضر ما كان قبل ذلك، وحضر ابن عباس الإقرار كله، وكذلك من وافقه على أنه كان أربعًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم شرطتم في وجوب الحد على المعترف بالزنا أربع مرات، ولم توجبوا الحد إذا أقر مرة أو مرتين أو ثلاثًا، فقد جاء في حديث جابر بن سمرة ﵁ أنه حده بعد إقراره مرتين أو ثلاثًا.
وتقرير الجواب أن يقال: يحتمل أن يكون جابر بن سمرة قد حضر في قصة ماعز عند إقراره المرتين الأخريين ولم يحضر عند إقراره المرتين الأوليين، فحكى بحسب ما شاهد من ذلك، والدليل عليه حديث ابن عباس فإنه قال: "أتى ماعز رسول الله ﵇ فاعترف مرتين، فقال لهم النبي ﵇: اذهبوا به لعله أن ينزع، عن ذلك ثم ردوه، فاعترف مرتين أخريين حتى كمل اعترافه أربعًا، ثم أمرهم رسول الله ﵇ أن يذهبوا به ويرجموه، فصار أقاريره الأربع في مجلسين، في كل مجلس إقراران، فيحتمل أن يكون بين المجلسين يوم أو أقل منه أو أكثر، ويكون جابر بن سمرة قد حضر المجلس الأخير فعاين منه إقرارين فحكى على ذلك، وحضر ابن عباس المجلسين جميعًا فحكى أقاريره الأربعة، وكذلك كل مَن روى أربعًا عن ابن عباس على هذا فافهم.
وهذا المعنى هو المراد من قوله: "في هذا الحديث علة"، أي معنى قد بينه، والله أعلم.
وإسناد حديث ابن عباس صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن هضاض، عن أبي هريرة ﵁: "أن ماعز بن مالك زنى، فأتى هزالًا فأقر له أنه زنى، فقال له هزال: ائت رسول الله ﵇-
стр. 7998
فأخبره قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى النبي ﵇ فقال: إني زنيت، فأعرض عنه حتى قال ذلك أربعًا، ثم أمر به فرجم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال: "أتى رجل من أسلم رسول الله ﵇ وهو في المسجد، فناداه، فحدثه أنه زنى، فأعرض عنه رسول الله ﵇ فتنحى لشقه الذي أعرض قِبَلَه، فأخبره أنه زنى وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله ﵇ فقال: هل بك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به رسول الله ﵇ أن يرجم بالمصلى".
ش: ذكره شاهدًا لما ذكره من قوله: "وكذلك من وافقه على أنه كان أربعًا".
وأخرجه من وجهين:
الأول: حسن جيد، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن عبد الرحمن ابن هضاض، ويقال: هضاب، ويقال: هضهاض، ويقال: ابن الصامت الدوسي ابن عم أبي هريرة، وقيل: ابن أخي أبي هريرة، وثقه ابن حبان.
وأخرجه النسائي (١): نا محمد بن حاتم بن نعيم، أنا حبان بن موسى، أنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن هضاض، عن أبي هريرة: "أن ماعزًا أتى رجلًا يقال له: هزال [فقال: يا هزال] (٢): إن الأخِرَ قد زنى، قال: ائت رسول الله ﵇ قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى رسول الله ﵇ فأخبره أنه زنى، فأعرض عنه، ثم أخبره فأعرض عنه، ثم أخبره فأعرض عنه أربع مرات، فلما كانت الرابعة، أمر برجمه، فلما رجم أتى إلى شجرة فقتل".
стр. 7999
فإن قيل: قال ابن حزم: عبد الرحمن بن هضاض مجهول لا يدرى من هو، ثم روى حديثًا من طريق عبد الرحمن بن الصامت، عن أبي هريرة. . . . إلى آخره نحوه، وقال: هذا خبر صحيح.
قلت: قد اشتبه على ابن حزم فوهم في الاسمين وظن أن كل واحد منهما اسم لشخص، فحكم على أحدهما بالجهالة، وليس كذلك، بل هما واحد كما ذكرنا، وقد ذكره البخاري في "تاريخه" وحكى الخلاف فيه بأن عبد الرحمن هذا يقال له: ابن الصامت، ويقال فيه: ابن هضهاض، وابن هضاض، وصحح بعضهم ابن الهضهاض، وقال البخاري: حديثه في أهل الحجاز، ليس يعرف إلا بهذا الحديث الواحد، وذكر له هذا الحديث.
الوجه الثاني: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): نا سعيد بن عُفير، قال: حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة، أن أبا هريرة قال: "أتى رسول الله ﵇ رجل من الناس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي ﵇، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي ﵇ الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﵇ فقال: أَبِكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا فارجموه".
وأخرجه مسلم (٢): عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: نا أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن
стр. 8000
المسيب، عن أبي هريرة أنه قال: "أتى رجل من المسلمين رسول الله ﵇ وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إني زنيت. . . ." إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن المهاجر الغنوي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "كنت جالسًا عند النبي ﵇ فأتاه رجل يقال له: ماعز بن مالك، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت وإني أريد أن تطهرني، فقال له: ارجع، فلما كان من الغد أتاه أيضًا فاعترف عنده بالزنا، فقال له النبي ﵇: ارجع، ثم أرسل النبي ﵇ إلى قومه فسألهم عنه، فقال: ما تقولون في ماعز بن مالك، هل ترون به بأسًا أو تنكرون من عقله شيئًا؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ننكر من عقله شيئًا، وما نرى به بأسًا، ثم عاد إلى النبي ﵇ الثالثة فاعترف أيضًا عنده بالزنا، فقال: يا رسول الله، طهرني، فأرسل النبي ﵇ إلى قومه فسألهم عنه، فقالوا له كما قالوا له في المرة الأولى: ما نرى به بأسًا وما ننكر من عقله شيئًا، ثم رجع إلى النبي ﵇ الرابعة فاعترف عنده بالزنا، فأمر به النبي ﵇ فحفرت له حفرة فجعل فيها إلى صدره، ثم أمر الناس أن يرجموه، قال بريدة: كنا نتحدث بيننا أصحاب النبي ﵇ أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلب، وإنما رجمه عند الرابعة".
فلما كان رسول الله ﵇ لم يرجمه بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، دل ذلك أن الحد لم يكن وجب عليه بذلك الإقرار، ثم رجمه رسول الله ﵇ بإقراره في المرة الرابعة، فثبت بذلك أن الإقرار بالزنا الذي يوجب الحد على المُقرِّ هو إقراره أربع مرات، فمن أقر كذلك حُد، ومن أقر أقل من ذلك لم يُحد، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وقد عمل بذلك علي ﵁ في شراحة فرددها أربع مرات.
ش: ذكر حديث بريدة ﵁ لكونه دليلًا صريحًا على اشتراط الإقرار أربع مرات في وجوب الحد على الزاني.
стр. 8001
وأخرجه بإسناده صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي نُعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن بشير بن المهاجر الغنوي الكوفي التابعي الثقة، عن عبد الله بن بريدة الأسلمي أبي سهل المروزي قاضي مرو روى له الجماعة، عن أبيه بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي ﵁.
وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير (ح).
ونا محمد بن عبد الله بن نمير -وتقاربا في لفظ الحديث- قال: نا أبي، قال: نا بشير بن المهاجر، قال: ثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه: "أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده، فلما كان من الغداة أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﵇ إلى قومه فقال: تعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروا أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا رسول الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد ابن الوليد ﵁ بحجر فرمى به فينضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع
стр. 8002
النبي ﵇ سبه إياها فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلي عليها؛ فدفنت".
وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) كرواية الطحاوي مقتصرا على قصة ماعز دون قصة الغامدية.
واستفيد منه فوائد:
الأول: اشتراط الأربعة في الإقرار بالزنا صريح، الحديث دل على هذا والحديث صريح صحيح.
فإن قيل: كيف تقول صحيح، وفي إسناده بشير بن المهاجر الغنوي؛ وقد قال أحمد: منكر الحديث يجيء بالعجائب، مرجئ متهم، وقال في أحاديث ماعز كلها تريده إنما كان في مجلس إلا ذاك الشيخ بشير بن المهاجر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به؟
قلت: يكفي في صحته إخراج مسلم إياه، والله أعلم.
الثائية: فيه أن الإمام إذا اعترف رجل عنده بالزنى يسوف به، ويرد عليه لعله ينتزع؛ فإن ثبت على إقراره إلى أربع مرات يحده.
الثالثة: فيه أنه يحفر للرجل أيضًا كما يحفر للمرأة، وقال أصحابنا: يحفر للمرأة ولا يحفر للرجل، بل يرجم قائما، وقالوا: لأنه ﵇ لم يفعل شيئا من ذلك بماعز.
وهذا الحديث يرد عليهم؛ لأنه فيه: "فأمر النبي ﵇ فحفرت له حفرة" وكذلك في حديث أبي ذر المذكور فيما مضى.
стр. 8003
الرابعة: احتج أحمد وإسحاق بما في رواية مسلم من قوله: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطمي" أن الحبلى لا تحد حتى تضع ما في بطنها، ثم تترك حولين حتى تفطم.
وقال أصحابنا ومالك والشافعي: تحد حين تضع حملها ولا تؤخر بعد ذلك.
فكأنهم ذهبوا إلى ما روى عمران بن حصين الذي رواه مسلم والأربعة: "أن امرأة من جهينة أتت إلى النبي ﵇ فقالت: إنها قد زنت، وهي حبلى فدعا رسول الله ﵇ وليها؛ فقال له رسول الله ﵇: "أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها" فلما وضعت جاءه بها، فأمر بها النبي ﵇ فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها".
فإن قيل: تعارض حديثا عمران وبريدة ظاهرا.
قلت: قد أجاب بعضهم عن هذا أن حديث عمران أجود من حديث بريدة؛ لأن في حديث بريدة بشير بن المهاجر، وقد قيل فيه ما قيل.
قلت: هذا ليس سديدا؛ لأن كلا من الحديثين أخرجه مسلم، متساويان في الصحة، والأحسن في الجواب أن يقال: أن يكونا امرأتين؛ إحداهما وجد لوليها كفيل وقتلها، والأخرى لم يوجد لها كفيل ولم تقتل فوجب إمهالها حتى يستغني عنها ولدها لئلا يهلك بهلاكها، ويكون الحديث محمولا على حالتين، ويرتفع الخلاف.
стр. 8004
ص: باب: الرجل يزني بجارية امرأته .
ش: أي: هذا باب في بيان حكم الرجل يزني بجارية امرأته.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا بكر بن بكار، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق: "أن رجلًا زنى بجارية امرأته فقال النبي ﵇: إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القاسم بن سلام بن مسكين، قال: حدثني أبي، قال: سألت الحسن عن الرجل يقع بجارية امرأته؟ قال: حدثني قبيصة بن حريث الأنصاري، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﵇، فذكر مثله، وزاد: "ولم يقم عليه حدا".
ش: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن بكر بن بكار القيسي البصري، وثقه أبو عاصم النبيل، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: ثقة، ربما يخطئ، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن جون بن قتادة بن الأعور التميمي، يعد في البصريين، قيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له ولا رؤية، وقال أحمد: لا يعرف، عن سلمة بن المحبق الصحابي بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء المكسورة، وقيل بفتحها، والأول أصح.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا عبدان بن أحمد: ثنا نصر بن علي: ثنا بكر بن بكار. . . . إلى آخره نحوه.
وقال النسائي: لا يصح هذا الحديث.
وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق.
стр. 8005
وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وفيه أمور تخالف الأصول منها: إيجاب المثل في الحيوان، واستجلاب الملك بالزنى، وإسقاط الحد عن البدن، وإيجاب العقوبة في المال، وهذه كلها أمور منكرة لا تخرج على مذهب أحد من الفقهاء، وخليق لأن يكون منسوخا إن كان له أصل في الرواية.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن القاسم بن سلام، عن أبيه سلام بن مسكين الأزدي البصري، عن الحسن البصري، عن قبيصة بن حريث البصري، عن سلمة بن المحبق.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق: "أن رسول الله ﵇ قضى في رجل وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها".
قال أبو داود: رواه يونس بن عبيد وعمرو بن دينار ومنصور بن زاذان وسلام، عن الحسن هذا الحديث بمعناه، لم يذكر يونس ومنصور: قبيصة.
ثنا (٢) علي بن الحسين الدرهمي، قال: ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﵇ نحوه، إلا أنه قال: "وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها".
وأخرجه النسائي (٣): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق. . . . بإسناده نحوه.
وعن (٤) محمد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة به، ولم يذكر قبيصة.
стр. 8006
وعن (١) يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن يونس، عن الحسن، عن سلمة نحوه.
وعن (٢) هناد بن السري، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن هشام، عن الحسن، عن سلمة به مختصرًا، وقال: لا تصح هذه الأحاديث.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسام، عن الحسن، عن سلمة به.
وقال البيهقي: وقبيصة بن حريث غير معروف.
وروينا عن أبي داود أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف، لا يحدث عنه غير الحسن -يعني قبيصة بن حريث- وقال البخاري في "تاريخه": قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق، في حديثه نظر.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته على ما في حديث سلمة هذا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن؛ فإنهم قالوا: الحكم فيمن زنى بجارية امرأته على ما في حديث سلمة بن المحبق.
ص: وقالوا: قد عمل بذلك عبد الله بن مسعود بعد رسول الله ﵇ وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن عقبة بن جيان: "أن رجلًا أتى عبد الله فقال: إني زنيت، فقال: كيف صنعت؟ فقال: وقعت على جارية امرأتي، فقال عبد اللهَ: الله أكبر، إن كنت استكرهتها فأعتقها، وإن كانت طاوعتك فأعتق وعليك مثلها".
стр. 8007
ش: أي قال هؤلاء القوم: قد عمل بما قلنا: عبد الله بن مسعود بعد النبي ﵇.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن عقبة بن جيان بالجيم، كذا ذكره ابن أبي حاتم في باب الجيم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عامر بن مطر، عن عبد الله: "في الرجل يقع على جارية امرأته، قال: إن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها لسيدتها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه مثلها لسيدتها".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصنًا، والجلد إن كان غير محصن، وكان ما ذهبوا إليه في ذلك من الآثار المروية عن النبي ﵇ ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم: "أن رجلًا وقع بجارية امرأته، فأتت امرأته النعمان بن بشير ﵁ فأخبرته، فقال: أما إن عندي من ذلك خبرًا ثابتًا أحدثه عن النبي ﵇: إن كنت أذنتِ له جلدته مائة، وإن كنت لم تأذني له رجمته".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: "سئل قتادة، عن رجل وطئ جارية امرأته، فحدثنا عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن سالم أنها رفعت إلى النعمان بن بشير فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﵇: إن كانت أحلتها له جلدته مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
ففي هذا الحديث خلاف ما في الحديث الأول؛ لأن فيه أنها إن لم تكن أذنت له رُجم.
فأما قوله: "وإن كنت أذنت له جلدته مائة" فتلك المائة عندنا تعزير، كأنه درأ عنه الحد بوطئه بالشبهة وعزره بركوبه ما لا يحل له".
стр. 8008
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من التابعين ومَن بعدهم منهم: ابن عيينة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الحكم المذكور في حديث سلمة بن المحبق منسوخ، ولكن يحكم على الرجل بالرجم إن كان محصنًا، والجلد إن كان غير محصن، وروي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄.
قوله: "وكان ما ذهبوا إليه" إشارة إلى بيان ما احتج به أهل هذه المقالة من الآثار، وهو حديث النعمان بن بشير، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري روى له الجماعة، عن حبيب بن سالم الأنصاري مولى النعمان بن بشير وكاتبه روى له الجماعة، عن النعمان بن بشير.
وأخرجه الترمذي (١): عن علي بن حُجر، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير، مثله.
وأخرجه أيضًا (٢): عن علي بن حُجر، عن هشيم، عن سعيد بن أبي عروبة وأيوب بن مسكين، عن قتادة، عن حبيب بن سالم قال: "رفع إلى النعمان بن بشير رجل وقع على جارية امرأته قال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﵇؛ لئن كانت أحلتها له لأجلدنه مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
وأخرجه النسائي (٣): عن يعقوب بن ماهان، عن هشيم، [عن أبي بشر] (٤)، عن حبيب بن سالم، عن النعمان. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 8009
وأخرجه ابن ماجه (١): عن حميد بن مسعدة، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن حبيب قال: "أتي النعمان. . . ." إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (٢) من وجه آخر: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم: "أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﵇، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلتها له، فجلده مائة".
قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم، فكتب إليَّ بهذا.
ثنا (٣) محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﵇: "في الرجل يأتي جارية امرأته، قال: إذا كانت أحلتها له جلد مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي عمر حفص عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن حبيب بن يساف -بالياء آخر الحروف، والسين المهملة، وفي آخره فاء- قال ابن أبي حاتم: مجهول.
عن حبيب بن سالم. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقى في "سننه" (٤): من حديث الحوضي، ثنا همام، قال: "سئل قتادة عن رجل وطئ جارية امرأته فحدثنا عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن
стр. 8010
سالم أنها رفعت إلى النعمان، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﵇، إن كانت أحلتها له جلدته وإلا رجمته".
وقال الترمذي: حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمدا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان أنه قال: كتبت إلى حبيب بن سالم، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عرفطة.
وقال الخطابي: الحديث غير متصل وليس العمل عليه.
وقال النسائي: أحاديث النعمان هذه مضطربة.
وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: أنا أتقي هذا الحديث.
قلت: الطريق الثاني للطحاوي متصل؛ ولكن فيه حبيب بن يساف وقد ذكرنا عن أبي حاتم الرازي أنه مجهول. وطريق أبي داود أيضًا متصل ولكن فيه خالد بن عرفطة. قال أبو حاتم الرازي: مجهول.
قوله: "فتلك المرأة" عندنا تقرير، أشار بهذا الكلام إلى أن المرأة إذا أذنت لزوجها فوطئ جاريتها لا يجب عليه الحد لتمكن الشبهة في الوطء المحظور الذي لا يكاد يعذر بجهله أحد نشأ في الإسلام، ثم إنه زيد في عدد التعزير حتى بلغ به عدد حد الزاني البكر ردعًا له وتنكيلًا.
ص: فإن قال قائل: أفيجوز التعزير بمائة؟
قيل له: نعم، قد عزر رسول الله ﵇ بمائة في حديث قد ذكرناه عنه في رجل قتل عبده متعمدًا في باب: حد البكر في هذا الكتاب.
ش: تقرير السؤال أن يقال: هل يجوز التعزير بمائة التي هي منتهى الحد، وينبغي أن يكون التعزير أدنى عددًا من الحد؟
والجواب عنه أن يقال: إن الإمام إذا رأى مصلحة في زيادة العدد في التعزير لزيادة التنكيل والردع في المعزَّر جاز له ذلك، ألا ترى أن رسول الله ﵇ قد عزر
стр. 8011
ذلك الرجل الذي قتل عبده عمدًا بمائة، كما جاء في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا قتل عبده عمدًا، فجلده النبي ﵇ مائةً، ونفاه سنةً، ومحى اسمه من المسلمين وأمره أن يعتق رقبةً".
فهذا بالاتفاق بين الخصوم لم يكن حدًّا له لا ينبغي تركه، وإنما كان لزيادة التنكيل لأجل الدعارة، وقد مرَّ الحديث والكلام فيه في باب: حد البكر.
فإن قيل: روى البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي موسى قال: "كان رسول الله ﵇ يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله"، فكيف يجوز التعزير بمائة أو ما فوق العشر؟!
قلت: هذا معناه في حق من يرتدع بالردع، ويؤثر فيه أدنى الزجر، كأشراف الناس وأشراف أشرافهم، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه، ألا ترى إلى ما روي عن سعيد بن المسيب والزهري، قالا: "إن عمر ﵁ ضرب رجلًا -دون المائة- وجد مع امرأة بعد العتمة" (٢)، وروى سفيان بن عيينة، عن جامع، عن شقيق قال: "كان لرجل على أم سلمة أم المؤمنين حق، فكتب إليها فحرَّج عليها، فأمر عمر ﵁ بأن يجلد ثلاثين سوطًا" (٢).
وعن هذا قال أصحابنا: التعزير على أربع مراتب: تعزير الأشراف: وهم الدهاقين والقواد، وتعزير أشراف الأشراف: وهم الفقهاء والعلوية، وتعزير الأوساط: وهم السوقة، وتعزير الأحساء: وهم السِّفلة.
فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد، وهو أن يبعث القاضي أمينه فيقول له: بلغني أنك تفعل كذا وكذا.
стр. 8012
وتعزير الأشراف: الإعلام والجر إلى باب القاضي والخطاب بالمواجهة.
وتعزير الأوساط: الإعلام والجر والحبس.
وتعزير السفلة: الإعلام والجر والضرب والحبس؛ لأن المقصود من التعزير: الزجر، وأحوال الناس في الانزجار على هذه المراتب (١).
وفي هذا الباب خلاف بين العلماء:
فمذهب الطحاوي ﵀: أن التعزير ليس له مقدار محدود، ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه وإن تجاوز به الحدود.
وهو مذهب مالك وأبي ثور واحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: التعزير مائة جلدة فأقل.
وقالت طائفة: أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة.
وقالت طائفة: أكثره تسعة وتسعون سوطًا فأقل. وهو أحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: أكثره خمسة وتسعون سوطًا فأقل. وهو قول ابن أبي ليلى، وأحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: أكثره ثلاثون سوطًا.
وقالت طائفة: أكثره عشرون سوطًا.
وقالت طائفة: لا يتجاوز بالتعزير تسعة. وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
وقالت طائفة: أكثره عشرة أسواط فأقل، لا يجوز أن يتجاوز به أكثر من ذلك. وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر.
ص: فهذا الذي ذكره النعمان عندنا ناسخ لما رواه سلمة بن المحبق؛ وذلك أن الحكم كان في أول الإسلام يوجب عقوبات بأفعال في أموال، ويوجب عقوبات في الأبدان باستهلاك أموال. من ذلك ما قد ذكرناه في باب: تحريم الصدقة على
стр. 8013
بني هاشم في قول رسول الله ﵇ في مانع الزكاة: "إنا آخذوها منه وشطر ماله؛ عقوبة لما قد صنع".
ش: أي هذا الحكم الذي ذكره النعمان بن بشير فيمن زنى بجارية امرأته ناسخ لحديث سلمة بن المحبق، وبيَّن وجه النسخ بقوله: "وذلك أن الحكم. . . ." إلى آخره. وهو ظاهر.
ثم استشهد على كون العقوبة بأخذ الأموال وبالنكال في الأبدان لأجل استهلاك الأموال في ابتداء الإسلام بأحكام منها: ما كان في مانع الزكاة، وهو أنه كان تؤخذ منه الزكاة ويؤخذ معها شطر ماله عقوبةً له لما صنع، وقد مرَّ هذا مستوفى في باب: تحريم الصدقة على بني هاشم.
ص: ومن ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، عن أبي ثور، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة -أحسبه- عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﵇ قال: في ضالة الإبل المكتومة: غرامتها ومثلها معها".
ش: أي ومن كون العقوبة بأخذ الأموال في ابتداء الإسلام ما حدثنا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي، عن محمد بن ثور الصنعاني العابد، عن معمر بن راشد، عن عمرو بن مسلم الجَنَدِي -بفتح الجيم والنون- عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة ﵁.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (١): عن مخلد بن خالد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة -أحسبه- عن أبي هريرة نحوه.
قوله: "في ضالة الإبل" الضالة هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، وتجمع على ضوال، والمراد بها هاهنا الإبل؛ لأنها أضيفت إليها، والإضافة للتخصيص.
стр. 8014
قوله: "غرامتها ومثلها معها" والأصل أن لا يجب على متلف الشيء أكثر من مثله، ولكن كان هذا في صدر الإسلام، وكان يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ، وقد قيل: يحتمل أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك عنه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رجلًا من مزينة أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: هي ومثلها والنكال، ليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح وبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطعٌ إلا ما أواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال".
ش: هذا مما كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ.
وأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري وهشام بن سعد القرشي المدني، كلاهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب بن محمد، وسماعه عن جده عبد الله بن عمرو صحيح، قاله البخاري وأبو داود.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١) وفي كتابه "الخلافيات": أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي من أصل كتابه، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، نا ابن وهب، نا عمرو ابن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رجلًا من مزينة. . . ." إلى آخره نحوه.
стр. 8015
وأخرجه النسائي (١): عن الحارث بن مسكين قراءة عليه وهو يسمع، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "إن رجلًا من مزينة أتى رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "في حريسة الجبل" الحريسة فعيلة بمعنى مفعولة، والمعنى هل فيما تحرس بالجبل إذا سرق قطع، ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها: حريسة، فقال ﵇: "هي ومثلها" يعني: لا يجب قطع؛ لأنه ليس بحرز، وإنما تجب هي ومثلها عقوبة على سارقها وزيادة تنكيل.
قوله: "إلا فيما أواه المراح" أي ضمه، والمُرَاح -بضم الميم- الموضع الذي تروح إليه الماشية، أي تأوي إليه ليلًا، وأما المَرَاح -بالفتح- فهو الموضع الذي يروح إليه القوم أو يروحون منه، كالمغْدَى للموضع الذي يُغدى منه.
قوله: "ويلغ ثمن المجن" بكسر الميم، وهو الترس؛ سمي به لأنه يواري حامله أي يستره، والميم فيه زائدة، وسيأتي الكلام في بيان ثمن المجن كم هو؟ مع الخلاف فيه.
قوله: "إلا ما أواه الجرين" أي ضمه الجرين -وهو بفتح الجيم- موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع على جُرُن بضمتين.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه اشتراط الحرز لوجوب القطع في السرقة، وهو مذهب الجمهور منهم: سفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا يقطع إلا فيما أخرج من حرز.
وقالت طائفة: عليه القطع سواء سرق من حرز أو غيره، وإليه ذهبت الظاهرية.
стр. 8016
ويتفرع على هذا الخلاف هل يجب القطع على المختلس أم لا؟
فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا قطع على المختلس، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال علي بن رباح وعطاء وإياس بن معاوية: عليه القطع.
الثاني: فيه أن الماشية لا يقطع فيها إلا إذا سرقها من مراحها؛ فإن مراحها حرزها.
الثالث: فيه اشتراط بلوغ قيمة المسروق إلى ثمن المجن في القطع، وقد اختلفوا فيه، فقال أصحابنا: إنه مقدر بعشرة دراهم، فلا قطع في أقل من ذلك. وقال مالك وابن أبي ليلى: بخمسة دراهم. وقال الشافعي: بربع دينار. وسيجيء الكلام فيه مستقصى في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى.
الرابع: في أن الثمر لا قطع فيه إلا إذا سرق بعد أن أواه الجرين؛ لأن الجرين حرز له.
فهذه أربعة أحكام يعمل بها عند الأئمة، وبقيت فيه أربعة أحكام أخرى وهي منسوخة لا يعمل بها:
الأول: في وجوب الغرامة بالمثلين في حريسة الجبل.
الثاني: وجوب الغرامة بالمثلين أيضًا فيما أواه المراح ولم يبلغ ثمن المجن.
والثالث: وجوب الغرامة كذلك بالمثلين في الثمر المعلق.
والرابع: وجوب الغرامة كذلك إذا أواه الجرين ولم يبلغ ثمن المجن.
فهذه أربعة أحكام كانت في ابتداء الإسلام، فانتسخت بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ.
فإن قيل: كيف تدعي النسخ فيها وقد حكم بها عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه منهم أحد؟ وذلك أن قاسم بن أصبغ روى عن مطرف بن قيس، عن يحيى بن بكير، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: "أن رقيقًا لحاطب سرقوا
стр. 8017
ناقة للمزني -رجل من مزينة- فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فأمر عمر لكثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، قال عمر ﵁: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، قال عمر ﵁: أعطه ثمانمائة درهم" (١).
وكذلك حكم عثمان ﵁ بتضعيف الغرامة، روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبان بن عثمان أن أباه عثمان ﵁ أغرم في ناقة محرم أهلكها رجل، فأغرمه الثلث زيادة على ثمنها.
وقال الزهري: ما أصيب من أموال الناس ومواشيهم (٢) فإنه يزاد الثلث لهذا في العمد؛ فهذا الزهري أيضًا عمل بعد الصحابة ﵃.
قلت: هذا محمول منهم على السياسة زيادة في الزجر والعقوبة.
ص: فكانت العقوبات جارية في هذه الآثار على ما ذكر فيها حتى نسخ ذلك بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ، وأن العقويات لا تجب في الأموال بانتهاك الحرم التي هي غير الأموال، فحديث سلمة عندنا كان في الوقت الأول، فكان الحكم على من زنى بجارية امرأته مستكرهًا لها أن تعتق عليه عقوبة له في فعله ويغرم مثلها لامرأته، وإن كانت طاوعته ألزمها جارية زانية، وألزم مكانها جارية طاهرة ولم تعتق هي لطواعيتها إياه، وفرق في ذلك بين ما إذا كانت مطاوعة له وبين ما إذا كانت مستكرهة.
ثم نسخ ذلك فردت الأمور إلى أن لا يعاقب أحد بانتهاك حرمة لم يأخذ فيها مالًا بأن يغرم مالًا ووجبت عليه العقوبة التي أوجب الله على سائر الزناة، فثبت بما ذكرنا ما روى النعمان، ونَسْخ ما روى سلمة بن المحبق ﵁.
стр. 8018
ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ابن العاص ﵃ وإلى الحديث الذي ذكره في باب: تحريم الصدقة على بني هاشم.
قوله: "بانتهاك الحرم" بضم الحاء وفتح الراء جمع حرمة.
قوله: "مستكرِهًا" بكسر الراء.
قوله: "عقوبة له" أي لأجل العقوبة.
قوله: "ألزمها" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى قوله: "لامرأته".
قوله: "جارية طاهرة" أي عفيفة من الزنا.
قوله: "ولم تعتق هي" أي الجارية التي زنى بها الزوج.
"لأجل طواعيتها إياه" أي الزوج.
قوله: "بأن يغرم مالًا" يتعلق بقوله: "أن لا يعاقب أحد".
ص: وأما ما ذكروا من فعل عبد الله بن مسعود ﵁ ومذهبه في ذلك إلى مثل ما روى سلمة ﵁ فقد خالفه فيه غيره من أصحاب رسول الله ﵇.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه: "أن عمر ﵁ بعثه مصدقًا على سعد بن هذيم، فأتى حمزة بمالٍ ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أد صدقه مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأد صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما؟ فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله، إن أمره قد
стр. 8019
رُفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ فجلده عمر مائة ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى يقدم على عمر ﵁ فيسأله عما ذكر من جلد عمر ﵁ إياه ولم يرَ عليه رجمًا، فصدقهم عمر بذلك من قولهم وقال: إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة".
فهذا حمزة بن عمرو صاحب رسول الله ﵊ قد رأى [أن على] (١) من زنى بجارية امرأته الرجم ولم ينكر عليه عمر ﵁ ما كان رأى من ذلك حين كفل الرجل حتى يجيئه أمر عمر ﵁ في إقامة الحد عليه، فقد وافق ذلك أيضًا ما روي عن علي ﵁ وما رواه النعمان عن النبي ﵇.
ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر ذلك الرجل مائة تعزيرًا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فقد دل ذلك على ما روى النعمان عن النبي ﵇ من جلد الزاني بجارية امرأته مائة أنه أراد بذلك التعزير أيضًا فقد وافق كل ما في حديث حمزة ﵁ هذا ما روي عن النعمان عن النبي ﵇.
وأما عبد الله بن مسعود ﵁ فكان على الحكم الأول الذي رواه سلمة بن المحبق، ولم يعلم ما نسخه مما رواه النعمان ﵁، وعلم ذلك عمر وعلي وحمزة بن عمرو ﵁ فقالوا به.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه مما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قد ذهب في ذلك إلى نحو ما روي عن سلمة بن المحبق ﵁، بيانه أن يقال: إن عبد الله وإن كان قد جاء عنه ما ذكرتم ولكنه قد خالفه فيه غيره من الصحابة ﵃ وهم: علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وحمزة بن عمرو الأسلمي؛ فإنهم وقفوا على الناسخ مما رواه النعمان وغيره وعملوا به، ولم يقف عبد الله عليه، وثبت على الحكم الأول وهو ما رواه سلمة بن المحبق.
стр. 8020
أما ما روي عن علي ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال: "جاءت امرأة إلى علي ﵁ فقالت: إن زوجي وقع على وليدتي، قال: إن تكوني صادقة رجمناه، وإن تكوني كاذبة جلدناك".
فإن قيل: قد روي عن علي ﵁ أنه قد أسقط الحد في مثل هذا.
فقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن الهيثم بن بدر، عن حرقوص، عن علي ﵁: "أن رجلًا وقع على جارية امرأته، فدرأ عنه الحد".
قلت: الهيثم بن بدر تكلموا فيه، وحرقوص مجهول لا يدرى من هو، قاله الذهبي.
وأما ما روي عن عمر وحمزة ﵄ فأخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن حمزة الأسلمي الحجازي، عن أبيه حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي الصحابي ﵁.
وأخرجه البخاري (٣) تعليقًا.
قوله: "ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر ﵁ ذلك الرجل مائة تعزيرًا" ذكر هذا تنبيها على أن جلد عمر ذلك الرجل مائة جلدة لم يكن حدًّا وإنما