← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

ويتفرع على هذا الخلاف هل يجب القطع على المختلس أم لا؟ فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا قطع على المختلس، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال علي بن رباح وعطاء وإياس بن معاوية: عليه القطع. الثاني: فيه أن الماشية لا يقطع فيها إلا إذا سرقها من مراحها؛ فإن مراحها حرزها. الثالث: فيه اشتراط بلوغ قيمة المسروق إلى ثمن المجن في القطع، وقد اختلفوا فيه، فقال أصحابنا: إنه مقدر بعشرة دراهم، فلا قطع في أقل من ذلك. وقال مالك وابن أبي ليلى: بخمسة دراهم. وقال الشافعي: بربع دينار. وسيجيء الكلام فيه مستقصى في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى. الرابع: في أن الثمر لا قطع فيه إلا إذا سرق بعد أن أواه الجرين؛ لأن الجرين حرز له. فهذه أربعة أحكام يعمل بها عند الأئمة، وبقيت فيه أربعة أحكام أخرى وهي منسوخة لا يعمل بها: الأول: في وجوب الغرامة بالمثلين في حريسة الجبل. الثاني: وجوب الغرامة بالمثلين أيضًا فيما أواه المراح ولم يبلغ ثمن المجن. والثالث: وجوب الغرامة كذلك بالمثلين في الثمر المعلق. والرابع: وجوب الغرامة كذلك إذا أواه الجرين ولم يبلغ ثمن المجن. فهذه أربعة أحكام كانت في ابتداء الإسلام، فانتسخت بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ. فإن قيل: كيف تدعي النسخ فيها وقد حكم بها عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه منهم أحد؟ وذلك أن قاسم بن أصبغ روى عن مطرف بن قيس، عن يحيى بن بكير، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: "أن رقيقًا لحاطب سرقوا

стр. 8017

ناقة للمزني -رجل من مزينة- فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فأمر عمر لكثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، قال عمر ﵁: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، قال عمر ﵁: أعطه ثمانمائة درهم" (١). وكذلك حكم عثمان ﵁ بتضعيف الغرامة، روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبان بن عثمان أن أباه عثمان ﵁ أغرم في ناقة محرم أهلكها رجل، فأغرمه الثلث زيادة على ثمنها. وقال الزهري: ما أصيب من أموال الناس ومواشيهم (٢) فإنه يزاد الثلث لهذا في العمد؛ فهذا الزهري أيضًا عمل بعد الصحابة ﵃. قلت: هذا محمول منهم على السياسة زيادة في الزجر والعقوبة. ص: فكانت العقوبات جارية في هذه الآثار على ما ذكر فيها حتى نسخ ذلك بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ، وأن العقويات لا تجب في الأموال بانتهاك الحرم التي هي غير الأموال، فحديث سلمة عندنا كان في الوقت الأول، فكان الحكم على من زنى بجارية امرأته مستكرهًا لها أن تعتق عليه عقوبة له في فعله ويغرم مثلها لامرأته، وإن كانت طاوعته ألزمها جارية زانية، وألزم مكانها جارية طاهرة ولم تعتق هي لطواعيتها إياه، وفرق في ذلك بين ما إذا كانت مطاوعة له وبين ما إذا كانت مستكرهة. ثم نسخ ذلك فردت الأمور إلى أن لا يعاقب أحد بانتهاك حرمة لم يأخذ فيها مالًا بأن يغرم مالًا ووجبت عليه العقوبة التي أوجب الله على سائر الزناة، فثبت بما ذكرنا ما روى النعمان، ونَسْخ ما روى سلمة بن المحبق ﵁.

стр. 8018

ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ابن العاص ﵃ وإلى الحديث الذي ذكره في باب: تحريم الصدقة على بني هاشم. قوله: "بانتهاك الحرم" بضم الحاء وفتح الراء جمع حرمة. قوله: "مستكرِهًا" بكسر الراء. قوله: "عقوبة له" أي لأجل العقوبة. قوله: "ألزمها" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى قوله: "لامرأته". قوله: "جارية طاهرة" أي عفيفة من الزنا. قوله: "ولم تعتق هي" أي الجارية التي زنى بها الزوج. "لأجل طواعيتها إياه" أي الزوج. قوله: "بأن يغرم مالًا" يتعلق بقوله: "أن لا يعاقب أحد". ص: وأما ما ذكروا من فعل عبد الله بن مسعود ﵁ ومذهبه في ذلك إلى مثل ما روى سلمة ﵁ فقد خالفه فيه غيره من أصحاب رسول الله ﵇. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه: "أن عمر ﵁ بعثه مصدقًا على سعد بن هذيم، فأتى حمزة بمالٍ ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أد صدقه مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأد صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما؟ فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله، إن أمره قد

стр. 8019

رُفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ فجلده عمر مائة ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى يقدم على عمر ﵁ فيسأله عما ذكر من جلد عمر ﵁ إياه ولم يرَ عليه رجمًا، فصدقهم عمر بذلك من قولهم وقال: إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة". فهذا حمزة بن عمرو صاحب رسول الله ﵊ قد رأى [أن على] (١) من زنى بجارية امرأته الرجم ولم ينكر عليه عمر ﵁ ما كان رأى من ذلك حين كفل الرجل حتى يجيئه أمر عمر ﵁ في إقامة الحد عليه، فقد وافق ذلك أيضًا ما روي عن علي ﵁ وما رواه النعمان عن النبي ﵇. ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر ذلك الرجل مائة تعزيرًا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فقد دل ذلك على ما روى النعمان عن النبي ﵇ من جلد الزاني بجارية امرأته مائة أنه أراد بذلك التعزير أيضًا فقد وافق كل ما في حديث حمزة ﵁ هذا ما روي عن النعمان عن النبي ﵇. وأما عبد الله بن مسعود ﵁ فكان على الحكم الأول الذي رواه سلمة بن المحبق، ولم يعلم ما نسخه مما رواه النعمان ﵁، وعلم ذلك عمر وعلي وحمزة بن عمرو ﵁ فقالوا به. ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه مما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قد ذهب في ذلك إلى نحو ما روي عن سلمة بن المحبق ﵁، بيانه أن يقال: إن عبد الله وإن كان قد جاء عنه ما ذكرتم ولكنه قد خالفه فيه غيره من الصحابة ﵃ وهم: علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وحمزة بن عمرو الأسلمي؛ فإنهم وقفوا على الناسخ مما رواه النعمان وغيره وعملوا به، ولم يقف عبد الله عليه، وثبت على الحكم الأول وهو ما رواه سلمة بن المحبق.

стр. 8020

أما ما روي عن علي ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال: "جاءت امرأة إلى علي ﵁ فقالت: إن زوجي وقع على وليدتي، قال: إن تكوني صادقة رجمناه، وإن تكوني كاذبة جلدناك". فإن قيل: قد روي عن علي ﵁ أنه قد أسقط الحد في مثل هذا. فقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن الهيثم بن بدر، عن حرقوص، عن علي ﵁: "أن رجلًا وقع على جارية امرأته، فدرأ عنه الحد". قلت: الهيثم بن بدر تكلموا فيه، وحرقوص مجهول لا يدرى من هو، قاله الذهبي. وأما ما روي عن عمر وحمزة ﵄ فأخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن حمزة الأسلمي الحجازي، عن أبيه حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي الصحابي ﵁. وأخرجه البخاري (٣) تعليقًا. قوله: "ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر ﵁ ذلك الرجل مائة تعزيرًا" ذكر هذا تنبيها على أن جلد عمر ذلك الرجل مائة جلدة لم يكن حدًّا وإنما

стр. 8021

كان تعزيرًا، كما هو في حديث النعمان بن بشير ﵁ حيث قال في حديثه: "إن كانت أحلتها له جلدته مائة". وذلك لأنه ادعى جهالة فعذره عمر ﵁ وعزَّره مائة. كما جاء في رواية أخرى أخرجها البيهقي (١): من حديث معمر، عن سماك ابن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني: "أن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه رجل وقع على جارية امرأته، فجلده مائة ولم يرجمه". فهذا وإن كان منقطعًا فإنه محمول على ما ذكرناها، وعن هذا قال أصحابنا فيمن وقع على جارية امرأته وظن أنها تحل له فإنه لا يحد ولكنه يعزر، أما سقوط الحد فللشبهة حتى يجب للعلم بالحرمة لانتفاء الشبهة، وأما التعزير فلأنه ارتكب أمرًا محرمًا، وكذا لا يحد إذا أحلت المرأة إياها له لما ذكرناه، وإليه أشار الطحاوي بقوله: "فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته. . . ." إلى آخره على ما يجيء الآن إن شاء الله. ص: وقد أنكر علي ﵁ على عبد الله بن مسعود ﵁ في هذا قضاءه بما قد نسخ: حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن محمد ابن سيرين، قال: "ذكروا لعلي ﵁ شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته وقد وقع على جارية امرأته، فلم ير عليه حدًّا، فقال علي ﵁: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده. فأخبر علي ﵁ أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده فلم يعلم ابن مسعود بذلك. ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من أن عبد الله بن مسعود قد تعلق في الحكم المذكور بما نسخ من ذلك، حيث خفي عليه الناسخ، ولهذا أنكر عليه

стр. 8022

علي بن أبي طالب حين حكم بالمنسوخ حيث قال علي ﵁: لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده. أراد أنه لم يدر الناسخ ولم يقف عليه، وأم عبد هي أم عبد الله بن مسعود. وأخرجه برجال ثقات: عن أحمد بن الحسن بن القاسم، عن علي بن عاصم ابن صهيب الواسطي، عن خالد الحذاء، عن محمد بن سيرين. وأخرجه البيهقي (١): من حديث الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين: "أن عليًّا ﵁ قال: إن ابن أم عبد لا يدري ما حدث بعده، لو أتيت به لرجمته". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "أتى رجل ابن مسعود فقال: إني وقعت على جارية امرأتي، فقال: قد ستر الله عليك فاستتر، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فقال: لو أتاني الذي أتى ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة". ص: وقد خالف علقمة في ذلك عبد الله بن مسعود أيضًا، ومال إلى قول من خالفه على أنه أعلم أصحابه به. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: "أنه سئل عن رجل أتى جارية امرأته فقال: ما أبالي إياها أتيت أو جارية امرأة عوسجة". فهذا علقمة وهو أجل أصحاب عبد الله ﵁ وأعلمهم قد ترك قول عبد الله في ذلك مع جلالة عبد الله عنده، وصار إلى غيره، وذلك عندنا لثبوت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله في ذلك عنده. ش: أي قد خالف علقمة بن قيس النخعي في الحكم المذكور عبد الله بن مسعود، وذهب إلى قول من خالف عبد الله، والحال أن علقمة أعلم أصحاب

стр. 8023

عبد الله بعبد الله وأجلهم، فلو لم يثبت عنده نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله مع جلالة قدر عبد الله عنده. وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال علقمة: "ما أبالي وقعت على جارية امرأتي أو جارية عوسجة رجل من الحي". ص: فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته حدَّ، إلا أن يدعي شبهة، مثل أن يقول: ظننت أنها تحل لي، أو تكون المرأة أحلتها له، فَيُدْرَأ عنه الحد ويعزر، ويجب عليه العقر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي كما قال علقمة نقول بأن الزاني بجارية امرأته لا يجب عليه إلا الحد، إلا إذا ادعى شبهة الحِلّ، أو تكون امرأته قد أحلتها له، فإنه حينئذ يجب عليه التعزير دون الحد، ويجب عليه العقر أيضًا وهو مهر المثل، والله أعلم بالصواب.

стр. 8024

ص: باب: من تزوج امرأة أبيه أو ذات محرم منه فدخل بها ش: أي هذا باب في بيان حكم من تزوج امرأة أبيه فدخل بها، كيف يكون حكمه؟ أو تزوج امرأة من ذوات الرحم والمحرم منه؟ ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ قال: "لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله ﵇ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه أو أقتله". حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف -هو ابن منازل- وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "مر بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه اللواء. . . . فذكر مثله، إلا أنه قال: "آتيه برأسه". حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: [ثنا] (١) سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الأشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "مر بي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله ﵇. فقلت: إلى أي شيء بعثك؟ قال: إلى رجل تزوج امرأة أبيه، أن أضرب عنقه". حدثنا فهد قال: ثنا يوسف بن منازل، قال: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب قال: "ضلت إبل لي، فخرجت في طلبها، فإذا الخيل قد أقبلت، فلما رأى أهل الماء الخيل انضموا إليَّ، وجاءوا إلى خباء من تلك الأخبية فاستخرجوا منه رجلًا، فضربوا عنقه، فقالوا: هذا رجل عرَّس بامرأة أبيه، فبعث إليه رسول الله ﵇ فقتله.

стр. 8025

ش: هذه خمس طرق: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح بن صالح بن حي الكوفي العابد أحد الأئمة الحنفية، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي الأعور، كان يقعد في سُدة باب الجامع بالكوفة، فسمي السدي، وهو من التابعين الثقات، روى له الجماعة سوى البخاري. عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن حسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "لقيت خالي ومعه الراية، فقلت له، فقال: بعثني النبي ﵇ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله أو أضرب عنقه". انتهى. وخاله هو أبو بردة هانئ بن نيار بن عمرو البلوي المدني حليف بني الخارج بن الخزرج، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇. الثاني: عن فهد أيضًا، عن يوسف بن منازل -بفتح الميم- التميمي الكوفي، وعن أبي سعيد عبد الله بن سعيد الأشج شيخ الجماعة كلها. كلاهما عن حفص بن غياث، عن أشعث بن سوار الكندي الكوفي فيه اختلاف، عن عدي بن ثابت، عن البراء. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن حفص بن غياث، عن أشعث. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8026

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي خالد الأحمر، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله: "أن رجلًا تزوج امرأة أبيه -أو امرأة ابنه كذا قال أبو خالد الأحمر عن أشعث- فأرسل إليه النبي ﵇ فقتله. وأخرج عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه قال: "لقيني عمي ومعه راية، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني النبي ﵇ إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أقتله". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن عبد الرزاق. وهذا كما ترى فيه اضطراب. الثالث: عن محمَّد بن علي بن داود البغدادي، عن سعيد بن يعقوب الطالقاني شيخ أبي داود والترمذي والنسائي، عن هشيم بن بشير، عن الأشعث بن سوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "مرَّ بي الحارث بن عمرو. . . ." إلى آخره. والحارث بن عمرو الأنصاري هذا خال البراء بن عازب، وقيل: عمه، كذا في "معرفة الصحابة". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا هشيم، عن أشعث بن سوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "مرَّ بي الحارث بن عمرو وقد عقد له رسول الله ﵇ لواء، فقلت: أي عم، إلى أين بعثك رسول الله ﵇؟ فقال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه".

стр. 8027

الرابع: عن فهد بن سليمان، عن يوسف بن منازل، عن حفص بن غياث، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب وهذا مثل الطريق الثاني، ولكن فيه: "مرَّ بي الحارث بن عمرو"، وفي ذاك: "مر بي خالي أبو بردة بن نيار". وأخرجه ابن حزم (١): من حديث هشيم، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: "مرَّ بي عمي الحارث بن عمرو وقد عقد له رسول الله ﵇، فقلت له: أي عمي، أين بعثك رسول الله ﵇؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه". الخامس: عن فهد أيضًا، عن أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ قيل: اسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، والصحيح أن اسمه وكنيته، روى له الجماعة مسلم في "مقدمة كتابه". وهو يروي عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي، روى له الجماعة، عن أبي الجهم سليمان بن الجهم الجوزجاني مولى البراء بن عازب، وثقه ابن حبان. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب قال: "بينما أنا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء -فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي ﵇ إذ أتوا قبة، فاستخرجوا منها رجلًا فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه".

стр. 8028

قوله: "فإذا الخيل" الخيل: الفرسان، قال الله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ (١) أي فرسانك، ويجوز أن يكون المضاف محذوفًا، أي: فإذا أصحاب الخيل قد أقبلت. قوله: "عرَّس بامرأة أبيه" كذا هو في رواية الطحاوي، وفي رواية أبي داود: "أعرس" من الإعراس، يقال: أعرس الرجل إذا دخل بامرأته عند بنائها. قال ابن الأثير في "النهاية": لا يقال فيه: عَرَّس، وقال الجوهري: أعرس بأهله إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها, ولا يقال: عرَّس والعامة تقوله. ص: فذهب قوم إلى أن من تزوج ذات محرم منه وهو عالم بحرمتها عليه فدخل بها، أن حكمه حكم الزاني، ويقام عليه حد الزنا الرجم أو الجلد، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن قال بهذا القول أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور، فإنهم قالوا: مَن تزوج ذات محرم منه. . . . إلى آخره، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد، قالوا: ولا يلحق الولد في العقد إلا أن مالكًا فرق بين الوطء في ذلك بعقد النكاح وبين الوطء في بعض ذلك بملك اليمين، فقال فيمن ملك بنت أخيه أو بنت أخته أو عمته أو خالته أو امرأة أبيه أو امرأة ابنه بالولادة، أو أمه من الرضاعة، أو ابنته من الرضاعة، أو أخته من الرضاعة وهو عارف بتحريمهن وعارف بقرابتهن منه ثم وطئهن كلهن عائد فإن الولد لاحق به ولا حدَّ عليه لكن يعاقب. وقال الخطابي: اختلف فيمن نكح ذات محرم، فقال الشافعي ومالك وجماعة: يحد، وقال أحمد: يقتل ويؤخذ ماله، وقال ابن حزم: قال جابر بن زيد أبو الشعثاء وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: كل من وطئ حريمته عالم بالتحريم بقرابتها منه، فسواء وطئها باسم نكاح أو بملك يمين أو بغير ذلك فإنه يقتل ولابد، محصنًا كان أو غير محصن.

стр. 8029

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب في هذا حد الزنا, ولكن يجب فيه التعزير والعقوبة البليغة، وممن قال بذلك أبو حنيفة وسفيان الثوري: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة بذلك. وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم قال: "سمعت سفيان يقول في رجل تزوج ذات محرم منه ودخل بها قال: لا حدَّ عليه". ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم فقهاء الكوفة منهم: أبو حنيفة وسفيان الثوري، فإنهم قالوا: لا يجب في الصورة المذكورة حد الزنا, ولكن يجب فيها التعزير البالغ والعقوبة البليغة. وأخرج قولي أبي حنيفة وسفيان مسندًا: أما قول أبي حنيفة فأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب ابن سليمان، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي، عن الإِمام أبي حنيفة. وأما قول سفيان فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين -شيخ البخاري- عن سفيان. وقال ابن حزم في "المحلى": قال أبو حنيفة: لا حدَّ عليه في كل ذلك، ولا حد على من تزوج أمه التي ولدته وابنته وأخته وجدته وعمته وخالته وبنت أخيه بنت أخته عالمًا بقرابتهن منه، عالمًا بتحريمهن عليه، ووطئهن كلهن، والولد لاحق به، والمهر واجب لهن عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط، وهو قول سفيان الثوري. قالا: فإن وطئهن بغير عقد النكاح فهو زنى، عليه ما على الزاني من الحد. ص: وكان من الحجة على الذين احتجوا عليهما بما ذكرنا؛ أن في تلك الآثار أمر رسول الله ﷺ بالقتل، وليس فيه ذكر الرجم، ولا ذكر إقامة الحد، وقد

стр. 8030

أجمعوا جميعًا أن فاعل ذلك لا يجب عليه قتل، إنما يجب عليه في قول من يوجب الحد على الرجم إن كان محصنًا، فلما لم يأمر رسول الله ﵇ بالرجم وإنما أمره بالقتل؛ ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس لحد الزنى، ولكن المعنى خلاف ذلك، وهو أن المتزوج فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فصار بذلك مرتدًّا، فأمر رسول الله ﵇ أن يفعل به ما يفعل بالمرتد، وهكذا كان أبو حنيفة وسفيان يقولان في هذا المتزوج: إن كان أتى ذلك على الاستحلال أنه يقتل. فإذا كان ليس في الحديث ما ينفي قول أبي حنيفة وسفيان لم يكن فيه حجة عليهما؛ لأن مخالفهما ليس بالتأويل أولى منهما. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان على القوم الذين احتجوا على أبي حنيفة وسفيان بحديث البراء بن عازب المذكور. ملخص هذا: أن الأحاديث المذكورة ليست بحجة على أبي حنيفة وسفيان؛ لأن المأمور فيها هو القتل دون الرجم، وكان ذلك لأجل الاستحلال، فصار حكمه حكم المرتد، فلذلك أمر ﵇ بالقتل دون الرجم، وكلامه ظاهر لا يحتاج إلى البسط. ص: وفي ذلك الحديث أيضًا أن رسول الله ﵇ عقد لأبي بردة الراية، ولم تكن الرايات تعقد إلا لمن أمر بالمحاربة، والمبعوث على إقامة حد الزنى غير مأمور بالمحاربة. ش: هذا جواب آخر في دفع كون الأحاديث المذكورة حجة على أبي حنيفة وسفيان، وهو ظاهر لا يخفى. ص: وفي الحديث أيضًا أنه بعثه إلى رجل تزوج بامرأة أبيه، وليس فيه أنه دخل بها، فإن كانت هذه العقوبة وهي القتل مقصودًا بها إلى المتزوج لتزوجه، دل ذلك أنها عقوبة وجبت بنفس العقد لا بالدخول، ولا يكون ذلك إلا والعاقد مستحل لذلك.

стр. 8031

ش: هذا جواب آخر، وهو أيضًا ظاهر، وقد غمز الخطابي هاهنا على الطحاوي فقال: وقد زعم بعضهم أن النبي ﵇ إنما أمر بقتله لاستحلال نكاح امرأة أبيه، وكان ذلك من مذهب أهل الجاهلية؛ كان الرجل منهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبي، فيرثها كما ترث ماله، وفاعل هذا على الاستباحة يرتد عن الدين، فكان جزاؤه القتل لردته، وهذا تأويل فاسد، ولو جاز أن يتأول ذلك في قتله لجاز أن يتوهم في رجم من رجم رسول الله ﵇ من الزناة، فيقال: إنما قتله بالرجم لاستحلاله الزنى، فقد كان أهل الجاهلية يستحلون الزنا، فلا يجب على من زنى الرجم حتى يعتقد هذا الزاني، وهذا ما لا خفاء بفساده. قلت: هذا الذي قاله فاسد، وقياسه باطل؛ لأن الحكم المتنازع فيه لا يشبه حكم الرجم الذي فعله رسول الله ﵇ في الذين زنوا؛ لأن الذين رجمهم رسول الله ﵇ لم يستحلوا الزنى أصلًا حتى يتوهم فيه ما توهم في المتنازع فيه، وهذا من المعلوم الذي لا يشتبه، إذ لو استحلوا ذلك لأمر النبي ﵇ بقتلهم دون رجمهم، ولما أمر أصحابه أن يفعلوا بهم مثل ما يفعلون بموتاهم من مراعاة سنن الغسل والتكفين والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين، فافهم. ص: فإن قال قائل: فهذا عندنا على أنه قد تزوج ودخل، قيل له: وهو عند مخالفك على أنه تزوج واستحل. فإن قال: ليس للاستحلال ذكر في الحديث. قيل: ولا للدخول ذكر في الحديث؛ فإن جاز لك أن تحمل معنى الحديث على الدخول غير مذكور في الحديث جاز لخصمك أن يحمله على استحلال غير مذكور في الحديث. ش: هذا السؤال وارد على الجواب الأخير، بيانه أن يقال: لا نسلم قولك: ليس في الحديث أنه دخل بها، بل هو عندنا محمول على أنه دخل بها، وتقرير الجواب: أنك إذا ادعيت أنه دخل بها، فندعي نحن أيضًا أنه تزوج واستحل هذا التزوج.

стр. 8032

فإن قلت: ليس في الحديث ذكر الاستحلال ولا ما يدل عليه. فنجاريك نحن أيضًا ونقول: كذلك ليس فيه ذكر للدخول. فإن قلت: أنا أحمله على الدخول وإن كان غير مذكور. فنقول: نحن أيضًا نحمله على الاستحلال وإن كان غير مذكور، وليس حملك على ما أردت بأولى من حملنا على ما أردنا، والله أعلم. ص: وقد روي في ذلك حرف زائد على ما في الآثار الأول: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر الجعفي، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: "أتى خاله ومعه راية، فقلت له: إلى أين تذهب؟ قال: بعثني رسول الله ﵇ إلى رجل نكح امرأة أبيه، أن أقتله، وآخذ ماله". ش: أي: قد روي فيمن تزوج بامرأة أبيه حرف زائد، وأراد بها كلمة على ما في هذه الآثار الأول، وهي قوله: "وآخذ ماله"، فإن هذه اللفظة ليست في الأحاديث الأول. وأخرجه عن: حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي، عن جابر بن زيد الجعفي: فيه مقال، عن يزيد بن البراء الثقة، عن أبيه البراء بن عازب. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" بإسناد أصح منه: ثنا عبيد بن جناد الحلبي: نا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: "لقيت عمي وقد اعتقد راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: إلى رجل نكح امرأة أبيه، أضرب عنقه وآخذ ماله". ص: وقد روي نحو ذلك عن غير البراء أيضًا.

стр. 8033

حدثنا محمَّد بن علي بن داود وفهد ومحمد بن الورد، قالوا: ثنا يوسف بن منازل الكوفي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه، أن يضرب عنقه ويخمس ماله". ش: أي قد روي نحو ما روي بالحرف الزائد عن غير البراء بن عازب. وأخرجه بإسناد صحيح: عن محمَّد بن علي وفهد بن سليمان ومحمد بن الورد ابن زنجويه البغدادي ثلاثتهم، عن يوسف بن منازل بفتح الميم والنون، عن عبد الله بن إدريس الزعافري، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ بعث أباه -جد معاوية- إلى رجل عرس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمس ماله". وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمَّد بن عبد الرحمن الجعفي، عن يوسف بن منازل. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "بعث جد معاوية" وهو: إياس بن هلال بن رباب المزني. قوله: "عرَّس" بتشديد الراء، أي بني بامرأة أبيه، وقد مر أن اللغة العليا: أعرس من الإعراس. قوله: "ويخمس" من التخميس، وهو أن يأخذ خمس ماله. ص: فلما أمر رسول الله ﵇ في هذين الحديثين بأخذ مال المتزوج وتخميسه؛ دل ذلك أن المتزوج كان بتزوجه مرتدًّا محاربًا؛ فوجب أن يقتل لردته، وكان ماله كمال الحربيين؛ لأن المرتد الذي لم يحارب كل قد أجمع في ماله على خلاف التخميس، فقال قوم وهم: أبو حنيفة وأصحابه ومن قال بقولهم: ماله لورثته من المسلمين، وقال مخالفوهم: ماله كله فيء، ففي تخميس النبي ﵇ مال المتزوج الذي ذكرنا دليل على

стр. 8034

أنَّه قد كانت منه الردة والمحاربة جميعًا، فانتفى بما ذكرنا أن يكون على أبي حنيفة وسفيان -رحمهما الله- في ذلك الحديث حجة. ش: أراد بهذين الحديثين حديث البراء بن عازب الذي فيه تلك الحرف الزائدة، وحديث جدّ معاوية بن قرة، ودلالة هذين الحديثين على كون ذلك المتزوج مرتدًّا من أهل المحاربة ظاهرة، ولهذا كان ماله مثل مال الحربيين، وكان قتله كقتل المرتدين. قوله: "وقال مخالفوهم" أي مخالفوا أبي حنيفة وأصحابه، وأراد بهم: ربيعة ومالكًا وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد. وقال الأوزاعي: إن قتل في أرض الإِسلام فماله لورثته من المسلمين. وقالت طائفة: ميراثه لأهل دينه. وإليه ذهب النخعي والحكم بن عتيبة. وقالت طائفة: إن كان له وارث على دينه فهو أحق به، وإلا فماله لورثته من المسلمين. قوله: "لأنه لم يوجف عليه" أي لم يعمل عليه بخيل ولا ركاب، وأصله من الوجيف، وهو ضرب من سير الإبل والخيل. ص: فإن قال قائل: قد رأينا ذلك النكاح نكاحًا لا يثبت، فكان ينبغي إذا لم يثبت أن يكون في حكم ما لم يُعقد، فيكون الواطئ عليه كالواطئ لا على نكاح، فيُحد. قيل له: فإن كان ذلك كذلك فلِمَ كان في سؤالك إيانا ما ذكرتَ ذكر التزويج؟ كان ينبغي أن تقول رجل زنى بذات محرم منه. فإن قلت، كان جوابنا لك أن نقول: عليه الحد، وإن أطلقت اسم التزويج وسميت ذلك النكاح نكاحًا، وإن لم يكن ثابتا فلا حد على واطئ [على نكاح] (١) جائز ولا فاسد.

стр. 8035

ش: تقرير السؤال أن يقال: هذا النكاح ليس بشيء في الحقيقة؛ لأنه في غير محله، فكان حكمه حكم العدم، فحينئذ يكون الواطئ في مثل هذا النكاح كالواطئ بلا نكاح فيجب عليه حد الزنا. وتقرير الجواب أن يقال: فعل ما ذكرت كان ينبغي أن لا تذكر في سؤالك لفظ التزويج، وجوابنا نحن مبني على التزويج حتى إذا قلت: رجل زنى بذات محرم منه، نقول: يجب عليه الحد لارتكابه الزنا المحرم. وإذا قلت: رجل تزوج بذات محرم منه ووطئها نقول: لا حدَّ عليه للشبهة؛ لأن الحد لا يجب في النكاح مطلقًا سواء كان نكاحًا حلالًا أو حرامًا. قوله: "إيانا" ضمير منصوب وقع مفعولًا للمصدر المضاف إلى فاعله وهو قوله: "سؤالك". وقوله: "ما ذكرت" في محل النصب أيضًا على المفعولية، وقوله: "ذكر التزويج" كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم كان في قوله: "فلم كان". قوله: "فإن قلت" أي فإن قلت: رجل زنى بذات محرم منه كان جوابنا لك. . . . إلى آخره. قوله: "وإن أطلقت اسم التزويج" يعني وإن ذكرت لفظ التزويج ونحوه. . . . إلى آخره. ص: وقد رأينا عمر بن الخطاب ﵁ قضى في المتزوج في العدة التي لا يثبت فيها نكاح الواطئ على ذلك ما يدل على خلاف مذهبك؛ وذلك أن إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: "أن طُليحة نكحت في عدتها، فأتي بها عمر بن الخطاب ﵁ فضربها ضربات بالمخفقة، وضرب زوجها، وفرَّق بينهما، وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها فرق بينها وبين زوجها الذي نكحت ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر إن كان دخل بها الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا، وان لم يكن دخل بها اعتدت من الأول، وكان الآخر خاطبًا من الخطَّاب".

стр. 8036

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن رجلًا تزوج امرأة في عدتها، فرفع إلى عمر بن الخطاب فضربهما دون الحد، وجعل لها الصداق، وفرَّق بينهما وقال: لا يجتمعان". قال: وقال علي ﵁: "إن تابا وأصلحا؛ خطبها مع الخُطَّاب". أفلا ترى أن عمر ﵁ قد ضرب المرأة والزوج بالمخفقة، فاستحال أن يضربهما وهما جاهلان بتحريم ما فعلا؛ لأنه كان أعرف بالله من أن يعاقب مَن لم تقم عليه الحجة، فلما ضربهما دلَّ ذلك أن الحجة قد كانت قامت عليهما بالتحريم قبل أن يقتلا، ثم هو فلم يقم عليهما الحد وقد حضره أصحاب رسول الله ﷺ فتابعوه على ذلك ولم يخالفوه فيه، فهذا دليل صحيح أن عقد النكاح إذا كان وإن كان لا يثبت وجب له حكم النكاح في وجوب المهر بالدخول الذي يكون بعده، وفي العدة منه، وفي ثبوت النسب، وما كان يوجب ما ذكرنا من ذلك، فيستحيل أن يجب به حد؛ لأن الذي يوجب الحد هو الزنا، والزنا لا يوجب ثبوت نسب ولا عدة ولا مهر. ش: ذكر هذا الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ تأييدًا لما ذكره من أن النكاح وإن لم يكن ثابتًا فلا حدَّ على فاعله؛ وذلك لأن عمر ﵁ قد حكم فيمن تزوج في العدة التي لا يثبت فيها نكاح الواطئ ما يدل على ذلك، حيث ضرب الزوجين فيه بالمخفقة، ولم يقم عليهما الحد، وحكم لها بالصداق، وفرَّق بينهما، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد في ذلك. فهذا دليل صريح صحيح أن عقد النكاح مطلقًا إذا وُجد وإن لم يكن ثابتًا فإنه يصير له حكم النكاح في وجوب المهر بالدخول، ووجوب العدة منه بالتفريق، وثبوت النسب إن حصل ولد، فمثل ذلك يستحيل أن يجب به الحد؛ لأن موجب الحد هو

стр. 8037

الزنا، والزنا لا يثبت به النسب، ولا تثبت العدة ولا المهر، فإذا كان كذلك يسقط الحد لعدم سببه ويجب التعزير، لارتكابه المحرَّم. وأخرج الأثر المذكور من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار المدني. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري. . . . إلى آخره. والثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) مختصرًا: ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن امرأة تزوجت في عدتها، فضربها عمر ﵁ تعزيرًا دون الحد". وقال ابن حزم (٣): الإسناد إلى عمر منقطع؛ لأن سعيدًا لم يحلق عمر ﵁ إلا نعيه النعمان بن مقرن على المنبر. قلت: سعيدٌ وُلِدَ لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر، فيكون عُمْر سعيد حين توفي عمر ﵁ ثمان سنين وستة أشهر، فكيف لا يحلق عمر ولا يسمعه وهو في المدينة عنده؟!. قوله: "أن طليحة نكحت" هي طليحة بنت عبيد الله، وكانت تحت رشيق

стр. 8038

الثقفي فطلقها، ونكحت في عدتها، ووقع في "الموطأ": "أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي" وقال ابن وضاح: هي تيمية، وقيل: إنها أخت طلحة بن عبيد الله التيمي صاحب رسول الله ﵇ وأحد العشرة، وقد ذكرها ابن الأثير في الصحابيات. قوله: "بالمِخْفَقة" بكسر الميم وسكونا لخاء المعجمة، وهي الدرة. قوله: "مِن الخُطَّاب" بضم الخاء: جمع خاطب، مِن خَطَبَ المرأة، يَخْطِبُ، خِطْبَة بالكسر، فهو خاطب: إذا طلبها ليتزوجها. ويستفاد منه أحكام: فيه: أن نكاح المعتدة فاسد، وأنها إذا دخل بها من تزوجها يجب عليهما التعزير دون الحد، وكذا روي عن الشعبي وحماد بن أبي سُليمان وإبراهيم النخعي: قال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، وعن حماد، عن إبراهيم "في امرأة نكحت في عدتها فقالا: ليس عليهما حد". وكذا روي عن الزهري، عن مروان. أخرجه ابن أبي شيبة (٢): عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: "أن مروان جلدهما أربعين أربعين، وفرَّق بينهما". وفيه: وجوب التفريق بينهما؛ لفساد العقد، ووجوب العدة، لشبهة النكاح، وثبوت النسب؛ لأنه حصل من عقد نكاح وإن كان لا يثبت وليس هو بزنا؛ لأن اسم الزنا اسم غير النكاح، فوجب أن يكون له حكم غير حكمه. وفيه: وجوب المهر بالدخول، وقال مالك في "موطأه" عقيب الأثر المذكور، قال سعيد بن المسيب: "ولها مهرها بما استحل منها".

стр. 8039

ص: فإن قال قائل: إن هذا الذي ذكرت من وطء ذات المحرم منه، على النكاح الذي وصفت، وإن لم يكن زنا فهو أغلظ من الزنا وأحرى أن يجب فيه ما يجب في الزنا. قيل له: قد أخرجته بقولك هذا من أن يكون زنا، وزعمت أنه أغلظ من الزنا, وليس ما كان مثل الزنا أو ما كان أعظم من الزنا من الأشياء المحرمة يجب في انتهاكها من العقوبات ما يجب في الزنا؛ لأن العقوبات إنما تؤخذ من جهة التوقيف لا مِن جهة القياس، ألا ترى أن الله قد حرَّم الميتة والدم ولحم الخنزير كما حرَّم الخمر، وقد جعل على شارب الخمر حدًّا لم يجعل مثله على آكل لحم الخنزير. ولا على آكل لحم الميتة؟ وإن كان تحريم ما أتى به هذان كتحريم ما أتى ذلك. وكذلك قذف المحصنة جعل الله فيه جلد ثمانين، وسقوط شهادة القاذف، وإلزامه اسم الفسق، ولم يجعل ذلك فيمن رَمى رجلًا بالكفر، والكفرُ في نفسه أعظم وأغلظ من القذف، وكانت العقوبات قد جعلت في أشياء خاصة ولم تجعل في أمثالها ولا في أشياء هي أعظم منها وأغلظ، فكذلك ما جعل الله من الحد في الزنا لا يجب به أن يكون واجبًا فيما هو أغلظ من الزنا. فهذا الذي ذكرنا في هذا الباب هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وسفيان -رحمهما الله-. ش: تقرير السؤال أن يقال: إن وطئ ذات المحرم منه بالنكاح وإن لم يكن زنا على ما ذكرت، ولكنه أغلظ من الزنا في الحرمة، وكان الحد في الزنا الذي هو أدنى درجة منه واجبًا، فوجوبه فيما هو أعلى منه بالطريق الأولى. وملخص الجواب أن يقال: إن باب العقوبات توقيفي لا مجال للقياس فيه، ولو كان هذا الباب يؤخذ بالقياس لكان يجب الحد على آكل لحم الخنزير أو الميتة كما يجب على شارب الخمر، مع وجود التساوي في الحرمة في هذه الأشياء، ومع هذا أوجب الشارع الحد على شارب الخمر ولم يجعل مثله على آكل لحم الخنزير أو

стр. 8040

الميتة، وكذلك أوجب الحد على قاذف المحصنة وأسقط شهادته وألزمه اسم الفسوق، ولم يوجب شيئًا من ذلك على مَن رمى رجلًا بالكفر، والحال أن الكفر في نفسه أعظم وأغلظ من القذف بالزنا، فعلمنا أن القياس لا يجري في باب العقوبات. قوله: "فهذا الذي ذكرنا" أشار به إلى ما ذكره فيما مضى من الاستدلالات لأبي حنيفة وسفيان "هو النظر" أي القياس، وأراد أن القياس الصحيح هو قولهما مع ورود الآثار الدالة على ما ذهبنا إليه، والله أعلم.

стр. 8041

ص: باب: حد الخمر ش: أي هذا باب في بيان حد الخمر، واعلم أن أهل اللغة اختلفوا في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني متداخلة، كلها موجودة المعنى في الخمر، فقال بعضهم: إنما سميت خمرًا لأنها تخمر العقل -أي تغطيه وتستره- ومنه خمار المرأة؛ لأنه يغطي رأسها، قال النحاس: هذا أصح ما قيل في اشتقاقها، قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر بحضرة الصحابة ﵃. وعن سعيد بن المسيب: إنما سميت الخمر خمرًا لأنها صعد صفوها ورَسَب كدرها. وفي كتاب "الأشربة" لأحمد: ثنا أبو كامل، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن أبي بردة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "فأخمرته عبقته فهو خمر"، وفي لفظ: "ما عبقت وخمرت فهي خمر". وقال بعضهم: سميت خمرًا لأنها اشتقت من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، وقال بعضهم: إنما سميت خمرًا لأنها تُركت حتى أدركت يقال: خمر العجين أي بلغ إدراكه، وقيل: سميت خمرًا لتغطيتها العقل، وقيل: لتغظيتها الدماغ، قال ﵇: "خمروا آنيتكم" أي غطوها، وقال أبو حنيفة: هي مؤنثة وقد تُذكر، ذكر ذلك الفراء وأنشد قول الأعشى: وكأن الخمر العتيق من الأسفنـ ... ـط ممزوجة بماء زلال ويقال ذكرها على إرادة الشراب، وقيل ذكَّرها كما ذكر غيره النار، وقال الفراء: نعوتها مؤنثات. والخمر تكنى أم ليلى ولها أسماء كثيرة منها: الراح والدم والخمول والقهوة والعقار والقرقف والسلافة والسُّلَاف والخرطوم والمُدام والرحيق والكلفاء والكُمَيت والطلاء والجريال والماذي والماتع والمزة والدرياق والدرياقة والفيهج والسُّخامية والخندريس والشموس وأم زبنق وبكر وعاتق وعانس والخميطة والخلة والأسفنط والرساطون والمقذية والعانية والهيتية والبابلية

стр. 8042

والبيسانية والزيتية والثميلية والآسرة والساهرية والمفتاح والمصرعة والمنوِّمة والرينية والمسلية والمنسية والسارية والمغنية والنمامة والدبابة والطاردة، وفؤاد الدن، والضريع، والحلس، والسويق، والمصطار، والعنقوان، والفضيخ، والجمهوري، والباذق، والاستيداف، والنطل، والحاذق، والقارص، وثقيف، ونا قس بالقاف وقيل بالفاء، والباسل، والكأس، الرياح، والمشمولة، والوردة، والدنوانا، والصفراء، والمزاء، والمعتقة، والعتيق، والشراب، والشروب، والمعرقة، والمصفقة، والبتع، والجعة، والصهباء، والمشَعْشِعَة، والسكركة، السكر. ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا مسدد بن مسرهد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن الداناج، عن حُضَين بن المنذر الرقاشي أبو ساسان، عن علي ﵁ قال: "جلد رسول الله ﵇ في الخمر أربعين، وأبو بكر ﵁ أربعين، وكملها عمر ﵁ ثمانين، وكلٌّ سنة". ش: إسناده صحيح. ويحيى هو ابن سعيد القطان. والداناج هو عبد الله بن فيروز البصري روى له الجماعة وهو معرَّب داناه بالفارسية وهو العالم. وحُضَين -بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- هو ابن المنذر بن الحارث البصري كنيته أبو محمَّد ولقبه أبو ساسان، قال العجلي والنسائي: ثقة، روى له مسلم ومن الأربعة غير الترمذي. والحديث أخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة عن الداناج، عن حُصين بن المنذر، عن علي ﵁ على آخره نحوه. قوله: "وكلٌّ سنة" أي كل واحد -من الأربعين والثمانين- سُنَّة. قال الخطابي: نقول إن الأربعين سُنَّة قد عمل بها النبي ﵇ في زمانه، والثمانين سُنَّة قد عمل بها عمر ﵁ في زمانه.

стр. 8043

ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز ابن المختار الأنصاري، قال: ثنا عبد الله الداناج، قال: ثنا حُضين بن المنذر الرقاشي قال: "شهدت عثمان بن عفان ﵁ وقد أوتي بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل الكوفة أربعًا، وقال: أزيدكم؟ قال: فشهد عليه حمران ورجل آخر، قال: فشهد عليه أحدُهما أنه رآه يشربها، وشهد الآخر أنه رآه يقيئها، قال: فقال عثمان ﵁: لم يقيئها حتى شربها، قال: فقال عثمان لعلي ﵄: أقم عليه الحد، فقال علي لابنه الحسن ﵄: أقم عليه الحد، فقال الحسن: ولِّ حارها مَن تولَّى قارَّها، قال: فقال علي لعبد الله بن جعفر ﵃: أقم عليه الحد، فأخذ السوط، فجعل يجلده، وعلي ﵁ يعدّ حتى بلغ أربعين، ثم قال له: أمسك، ثم قال: إن النبي ﵇ جلد أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وجلد عمر ﵁ ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحبُّ إليّ". ش: إسناده صحيح. ومسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري، شيخ البخاري وأبي داود. وعبد العزيز بن المختار الأنصاري أبو إسحاق الدباغ البصري، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، وعلي بن حُجر قالوا: نا إسماعيل وهو ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن عبد الله الداناج (ح). وثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -واللفظ له- قال: أنا يحيى بن حماد، قال: نا عبد العزيز بن المختار، قال: ثنا عبد الله بن فيروز مولى أبي عامر الداناج قال: نا حُصين بن المنذر أبو ساسان قال: "شهدت عثمان بن عفان ﵁ أُتِيَ بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان. . . ." إلى آخره نحوه.

стр. 8044

وأخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن عبد العزيز بن المختار. . . . إلى آخره نحوه. وابن ماجه (٢): عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد العزيز بن المختار. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "أوتي بالوليد" هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وأمه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس أم عثمان بن عفان، فالوليد أخو عثمان لأمه، يُكنى أبا وهب، أسلم يوم فتح مكة هو وأخوه خالد بن عقبة. قال أبو عمر: أظنه لما أسلم كان قد ناهز الاحتلام. قال ابن ماكولا: رأى الوليد رسول الله ﵇ وهو طفلٌ صغير. وكان من رجال قريش ظرفًا وحلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان من الشعراء المطبوعين، كان الأصمعي وأبو عبيدة والكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد شريب خمر وكان شاعرًا كريمًا، وكان عثمان ﵁ ولَّاه الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص ﵁، ولما قُتل عثمان اعتزل الفتنة، وقيل: شهد صفين مع معاوية، وقيل: لم يشهدها ولكنه كان يحرِّض معاوية بكتبه وشعره، وأقام في الرِّقة إلى أن تُوفي بها والله أعلم. قوله: "وقد صلى بأهل الكوفة أربعًا" أراد أنه صلى صلاة الصبح أربع ركعات وقال: "أزيدكم"، وفي رواية مسلم: "قد صلى الصبح ركعتين، وقال: أزيدكم؟ " قال أبو عمر: وخبر صلاته بهم سكران. وقوله: "أزيدكم بعد أن صلى الصبح أربعًا" مشهور مِن رواية الثقات مِنْ أهل الحديث.

стр. 8045

قوله: "فشهد عليه حُمران" وهو حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان من التابعين الثقات. قوله: "يقيئها" مِنْ قاء يقيء قيئًا إذا استفرغ. قوله: "ولِّ حارّها مَن تولى قارّها" قال الأصمعي: يعني ولِّ شديدها مَنْ تولى هَيِّنها. قاله أبو داود في "سننه". وقال المنذري: "ولِّ حارّها" بتشديد اللام، هذا مثل من أمثال العرب معناه: ولِّ العقوبة والضرب مَنْ تولّيه العمل والنفع، وقال الخطابي: القارّ: البارد. وقال ابن الأثير: جعل الحرَّ كنايةً عن الشرّ والشدة، والبرد كنايةً عن الخير والهَيْن، والقارّ فاعل من القُرِّ وهو البرد، أراد: ولِّ شرها مَن تولى خيرها. قلت: "ولِّ" أمر مِنْ ولي يولي تولية، والضمير في حارّها وقارها يرجع إلى القضية المعهودة، و"الحارّ" منصوب بقوله: "ولِّ" و"القارّ" منصوب بقوله: "تولى". ويستفاد منه: إقامة الفضلاء الحدود بأنفسهم؛ لأنها من أفضل القربات، ويُختار لها أهل الفضل والعدل إذا أمكنوا؛ لئلا يتعدوا ذلك. وفيه: جواز استنابة الحكام فيما قلدوه لاسيما بحضرة المقلد، وقيل: إنما خص عثمان عليًّا ﵄ بحدِّه، لكونه أقرب إليه من غيره إذْ يجمعهما عبد مناف، علي بن أبي طالب من بني هاشم بن عبد مناف، والوليد بن عقبة من بني عبد شمس ابن عبد مناف. وفيه أن أصل الحدّ هو أربعون، وما وراءها تعزير، قاله الخطابي، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الحد الذي يجب على شارب الخمر هو أربعون، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

стр. 8046

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: حد السكران أربعون سوطًا. وقال ابن حزم: وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعبد الله ابن جعفر ﵃، وبه يقول الشافعي وأبو سليمان وأصحابنا، وبه نأخذ. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فادعوا فساد هذا الحديث، وأنكروا أن يكون علي ﵁ قال من ذلك شيئًا؛ لأنه قد روي عنه ما يخالف ذلك ويدفعه، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن مطرف، عن عُمير بن سعيد النخعي، قال: قال علي ﵁: "مَنْ شرب الخمر فجلدناه فمات وَدَيْنَاه؛ لأنه شيء صنعناه". حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال: أنا شريك، عن أبي حُصين، عن عُمير بن سعيد، عن علي ﵁ قال: "ما حدَدْتُ أحدًا فمات فيه فوجدت في نفسي شيئًا إلا الخمر، فإن رسول الله ﵇ لم يَسُن فيه شيئًا". فهذا علي ﵁ يُخبر أن رسول الله ﵇ لم يكن يسن في شرب الخمر حدًّا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الطائفة الذين قالوا: لم يكن يستوفي حد شارب الخمر في زمن النبي ﵇ شيء. يقول علي ﵁ في حديث عمير بن سعيد الذي رواه البخاري وغيره: وذلك أن رسول الله ﵇ لم يسنه. وذهب الحسن البصري والشعبي وأبو حنيفة ومالكٌ وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية, على أن حدَّ السكران ثمانون سوطًا على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان ﵃. قوله: "فادعوا" أي ادعى هؤلاء الآخرون فسادَ حديث عبد الله الداناج الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، بيان ذلك أنهم قالوا: لا نسلم صدور هذا القول من علي ﵁، فإن عندنا دلائل تدل على أن عليًّا لم يقل

стр. 8047

ذلك، وأن الذي روي عنه يخالف ذلك، منها ما روي عنه أنه قال: "لأنه شيء صنعناه" أي لأن الحد في الخمر شيء نحن صنعناه، ولم يَسُن فيه النبي ﵇ شيئًا. أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي المروزي، عن مطرف بن طريف الحارثي، عن عمير بن سعيد النخعي، عن علي ﵁. وأخرجه ابن ماجه (١): عن عبد الله بن محمَّد الزهري، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف، عن عمير بن سعيد قال: قال علي ﵁: "كنتُ أدِي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر؛ فإن رسول الله ﵇ لم يَسُن فيه شيئًا، إنما هو شيء جعلناه نحن". وقد صرَّح بذلك المعنى في الحديث الذي أخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- عثمان ابن عاصم الأسدي الكوفي، عن عمير بن سعيد النخعي الصُّهباني الكوفي، عن علي ﵁. وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، نا خالد بن الحارث، نا سفيان، نا أبو حصين، سمعت عمير بن سعيد النخعي، سمعت علي بن أبي طالب قال: "ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وَدَيْتُه، وذلك أن رسول الله ﵇ لم يَسُنَّه". وأخرجه مسلم (٣): ثنا محمَّد بن منهال الضرير، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سفيان الثوري. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8048

وأخرجه أبو داود (١) وابن ماجه أيضًا (٢). فهذا علي ﵁ أخبر أن النبي ﵇ لم يسن في الخمر شيئًا من الحد المقدر، ولذلك قال: "وَدَيْنَاه" وإنما قال ذلك احتياطًا حيث وضع شيئًا لم يسنه رسول الله ﵇، ومعناه أدينا ديته من وَدَى يَدِي ديةً، أصلها ودية على ما عرف. ويستفاد من هذين الحديثين أحكام: الأول: أن مَن مات فيه من الضرب لأجل السكر تجب الدية على قاتله؛ لقول علي ﵁: "وديناه"، وإليه ذهب الشافعي وقال: وجوب الدية لأجل الإحداث على الأربعين على وجه التعزيز. قلت: لم يفهم من هذا أن الأربعين كان الحد حتى تجب الدية في الإحداث عليها، بل الحديث يدل على أن حد الخمر لم يكن مؤقتا في زمن النبي ﵇. فإن قيل: روي عن أبي سعيد، عن النبي ﵇: "أنه ضرب في الخمر أربعين". قلت: فسّر هذا ما رواه أنس ﵁: "أنه ﵇ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين". أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤). فهذا يبيِّن أنه كان ثمانين، على أن الطبري ادعى أن حد الخمر ثمانون، وأَوَّلَ ضربه ﵇ أربعين بإن المضروب كان عبدًا، أو أنه ضربه كذلك بسوطين، فإذا كان كذلك يكون الثمانون هو جميع الحد، فلا يجب حينئذٍ شيء على أحد إذا مات المحدود من الضرب، وعن هذا قال أصحابنا أن مَن مات مِن ضرب حدٍّ وجب عليه، أنه لا دية فيه على الإِمام ولا على بيت المال، ولكن اختلفوا فيمن مات

стр. 8049

من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإِمام وعليه الكفارة، وقيل على بيت المال، وجمهور العلماء أنه لا شيء عليه، وقال المنذري: وإذا ضرب الإِمام شارب الخمر أربعين فمات لا يضمنه، ومَن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، وإن جلده واحدًا وأربعين ضمن نصف الدية، وقيل: يضمن جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من الدية. قلت: هذا على ما ذهبوا إليه من أن حد السكر كان مقدرًا بأربعين في زمن النبي ﵇ وأما على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية فلا يتمشى ذلك؛ لأنهم قالوا: إن حد السكر لم يكن موقتا في زمنه ﵇، وإنما ثبت ذلك واستقر على الثمانين في زمن الصحابة، فصار حدًّا من حدود الله، فلا يجب شيء على أحد إذا مات المحدود. وأما قول علي ﵁: "وديناه" فقد ذكرنا أنه قال ذلك احتياطًا حيث وضع شيئًا لم يسنَّه ﵇. الثاني: فيه أن وجوب الحد يتعلق بنفس الشرب في الخمر ولا يشترط فيه السكر بخلاف غير الخمر فإنه لا يُحد فيه إلا بالسكر. الثالث: أن حد السكر لم يكن موقتًا في زمن النبي ﵇ على ما ذكرناه. ص: ثم الرواية عن علي ﵁ في حد شارب الخمر فعلى خلاف ما في الحديث الأول أيضًا من اختياره للأربعين على الثمانين: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال: "أتي علي ﵁ بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرجه من الغد وضربه عشرين، ثم قال: إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، ثنا سفيان، عن أبي مصعب، عن أبيه "أن رجلًا شرب الخمر في رمضان ثم ذكر نحوه".

стр. 8050

ش: هذا من الدلائل الدالة على أن عليًّا ﵁ لم يقل ما روي عنه في حديث الداناج، وأن الذي روي عنه خلاف ما روي في حديث الداناج. وأخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح، عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه أبي مروان الأسلمي المدني، وثقه ابن حبان وأحمد بن عبد الله، ولا يُعرف اسمه. وأخرجه البيهقي (١): من حديث الثوري، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال: "أتي علي ﵁ بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان فأفطر فضربه ثمانين، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: إنما ضربتك هذه العشرين لجرأتك على الله وإفطارك [في شهر رمضان] (٢) ". الثاني: أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي مصعب هو عطاء بن أبي مروان المذكور، عن أبيه أبي مروان. . . . إلى آخره. و"النجاشي" بفتح النون هو على صورة النسبة، شاعرٌ اسمه قيس بن عمرو بن مالك، كذا ذكره الرشاطي. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب حدثه، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف حدثه، أن رجلًا من كلب يُقال له: ابن وَبْرة أخبره: "أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يجلد في الشراب أربعين، وكان عمر ﵁ يجلد فيها أربعين. قال: فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب ﵄ فقدمت عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ خالدًا بعثني إليك، قال: فيم؟ قلت: إن الناس قد تجافوا العقوبة وانهمكوا في

стр. 8051

الخمر فما ترى في ذلك؟ فقال عمر ﵁ لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة، فقبل عمر ﵁ ذلك". فكان خالد ﵁ أول مَن جلد ثمانين، ثم جلد عمر بن الخطاب ﵁ ناسًا بعده. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أسامة بن زيد الليثي. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "أتيت عمر بن الخطاب فوجدت عنده عليًّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وهم متكئون في المسجد. . . . فذكر مثل ما في حديث يونس، غير أنه زاد في كلام علي ﵁ أنه قال: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون وتابعه أصحابه. . . ." ثم ذكر الحديث. أفلا ترى أن عليًّا ﵁ لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي، ثم استخرج منها حدًّا برأيه فجعله لحد المفتري، ولو كان عنده شيء مؤقت عن النبي ﵇ لأغناه عن ذلك، ولو كان عند أصحابه أيضًا في ذلك عن رسول الله ﵇ شيء، إذًا لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال، فدل ما ذكرنا منه ومنهم أنه لم يكن عندهم في ذلك عن رسول الله ﵇ شيء، فكيف يجوز أن يقبل بعد هذا عن علي ﵁ مما يخالف هذا؟! ". ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على ما ذكرنا. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي وبر وهو رجل من كلب. ووَبْرة بفتح الواو وسكون الباء. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".

стр. 8052

الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن أسامة بن زيد الليثي. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي وَبْرة الكلبي قال: "أرسلني خالد بن الوليد ﵁ إلى عمر ﵁، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير ﵃ وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالدًا أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتجافوا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي ﵁: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر ﵁: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، قال: وكان عمر ﵁ إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين". قوله: قال: "فبعثني خالد بن الوليد" القائل هو ابن وَبَرة الكلبي. قوله: "فيم؟ " أي في أي شيء بعثك؟ قوله: "تجافوا العقوبة" أي أبعدوها عن أنفسهم، وأصله من الجفاء -بالجيم- وهو التبعد. قوله: "وانهمكوا" من الانهماك، وهو التمادي في الشيء واللجاج فيه. قوله: "وهم متكئون في المسجد" المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطآء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا مَنْ مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، والياء فيه بدل من الواو، وأصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطآء الذي تحته. قوله: "هذى" من الهذيان وهو اختلاط الكلام، يقال: هَذَى في منطقه يَهْذِي وَيهْذُو هَذْوًا وهَذَيَانًا.

стр. 8053

قوله: "افترى" أي كذب، يقال: فَرَى يَفْرِي فَرْيًا، وافْتَرى يَفْتَرِي افتراء، إذا كذب، وهو افتعال منه. قوله: "أفلا ترى. . . ." إلى آخره، توضيح لما قاله فيما قيل من أن عليًّا ﵁ لم يكن عنده شيء مؤقت في حد الخمر. قوله: "إذا" أي حينئذ. ص: حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يؤمئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي حلال، وتأولوا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . . .﴾ الآية (١). فكتب فيهم إلى عمر ﵁، فكتب عمر: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا مَنْ قِبلك، فلما قدموا على عمر ﵁ استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵁ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: أرى فيهم أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين". ففي هذا الحديث أن عليًّا ﵁ لما سأله عمر ﵁ عن حدهم أجابه أنه ثمانون، ولم يقل له: إن شئت جعلته أربعين وإن شئت جعلته ثمانين، فهذا ينفي ما في حديث الداناج مما ذكر فيه عن علي عن النبي ﵇ في الأربعين، ومن اختياره هو بعد ذلك. ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد ما رواه الداناج في حديثه من تعيين الأربعين في حد الخمر، وإسناده إلى النبي ﵇.

стр. 8054

وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن محمَّد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن علي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "شرب قوم من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٢) فكتب فيهم إلى عمر ﵁، فكتب أن ابعث بهم إليَّ. . . ." إلى آخره نحوه سواء. ص: وقد روي أن السوط الذي ضُرِبَ به الوليد كان له طرفان، فكانت الضربة ضربتين. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي: "أن عليًّا ﵁ جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة: "أن عليًّا ﵁ جلد الوليد -بسوط له ذنبان- أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان ﵁". ففي هذا الحديث أن عليًّا ﵁ ضربه ثمانين؛ لأن كل سوط من تلك الأسواط سوطان، فاستحال أيضًا أن يكون علي ﵁ يقول: إن الأربعين أحب إليَّ من الثمانين، ثم هو يجلد ثمانين، فهذا أيضًا دليل على فساد حديث الداناج.

стр. 8055

ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد حديث الداناج؛ لأنه من المحال أن يقول علي ﵁: "إن الأربعين أحب إلى" ثم يجلد هو ثمانين. وأخرجه من طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي الأثرم، عن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر، وهذا إسناد منقطع؛ لأن محمَّد بن علي هذا لم يدرك علي بن أبي طالب. وأخرجه البيهقي (١): من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن علي: "أن عليًّا جلد رجلًا في الخمر أربعين جلدة بسوط له طرفان" ثم قال البيهقي: وكأنه أراد صار أربعين بالطرفين، فقد روينا في الحديث الموصول أنه أمر بجلده أربعين. قلت: إذا جلد بسوط له طرفان أربعين، صار الكل ثمانين لا محالة، وتأويل البيهقي بعيد جدًّا مخالف لمقتضى اللفظ. قال القاضي عياض: المعروف من مذهب علي: الجلد في الخمر ثمانين، ومنه قوله: "في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة"، وروي عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين، وقد مرَّ ذكره. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم -شيخ البخاري- عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن علي ﵁. وهذا موصول، وفيه ابن لهيعة فيه مقال.
следующие страницы →