← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

الخمر فما ترى في ذلك؟ فقال عمر ﵁ لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة، فقبل عمر ﵁ ذلك". فكان خالد ﵁ أول مَن جلد ثمانين، ثم جلد عمر بن الخطاب ﵁ ناسًا بعده. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أسامة بن زيد الليثي. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "أتيت عمر بن الخطاب فوجدت عنده عليًّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وهم متكئون في المسجد. . . . فذكر مثل ما في حديث يونس، غير أنه زاد في كلام علي ﵁ أنه قال: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون وتابعه أصحابه. . . ." ثم ذكر الحديث. أفلا ترى أن عليًّا ﵁ لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي، ثم استخرج منها حدًّا برأيه فجعله لحد المفتري، ولو كان عنده شيء مؤقت عن النبي ﵇ لأغناه عن ذلك، ولو كان عند أصحابه أيضًا في ذلك عن رسول الله ﵇ شيء، إذًا لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال، فدل ما ذكرنا منه ومنهم أنه لم يكن عندهم في ذلك عن رسول الله ﵇ شيء، فكيف يجوز أن يقبل بعد هذا عن علي ﵁ مما يخالف هذا؟! ". ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على ما ذكرنا. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي وبر وهو رجل من كلب. ووَبْرة بفتح الواو وسكون الباء. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".

стр. 8052

الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن أسامة بن زيد الليثي. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي وَبْرة الكلبي قال: "أرسلني خالد بن الوليد ﵁ إلى عمر ﵁، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير ﵃ وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالدًا أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتجافوا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي ﵁: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر ﵁: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، قال: وكان عمر ﵁ إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين". قوله: قال: "فبعثني خالد بن الوليد" القائل هو ابن وَبَرة الكلبي. قوله: "فيم؟ " أي في أي شيء بعثك؟ قوله: "تجافوا العقوبة" أي أبعدوها عن أنفسهم، وأصله من الجفاء -بالجيم- وهو التبعد. قوله: "وانهمكوا" من الانهماك، وهو التمادي في الشيء واللجاج فيه. قوله: "وهم متكئون في المسجد" المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطآء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا مَنْ مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، والياء فيه بدل من الواو، وأصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطآء الذي تحته. قوله: "هذى" من الهذيان وهو اختلاط الكلام، يقال: هَذَى في منطقه يَهْذِي وَيهْذُو هَذْوًا وهَذَيَانًا.

стр. 8053

قوله: "افترى" أي كذب، يقال: فَرَى يَفْرِي فَرْيًا، وافْتَرى يَفْتَرِي افتراء، إذا كذب، وهو افتعال منه. قوله: "أفلا ترى. . . ." إلى آخره، توضيح لما قاله فيما قيل من أن عليًّا ﵁ لم يكن عنده شيء مؤقت في حد الخمر. قوله: "إذا" أي حينئذ. ص: حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يؤمئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي حلال، وتأولوا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . . .﴾ الآية (١). فكتب فيهم إلى عمر ﵁، فكتب عمر: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا مَنْ قِبلك، فلما قدموا على عمر ﵁ استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵁ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: أرى فيهم أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين". ففي هذا الحديث أن عليًّا ﵁ لما سأله عمر ﵁ عن حدهم أجابه أنه ثمانون، ولم يقل له: إن شئت جعلته أربعين وإن شئت جعلته ثمانين، فهذا ينفي ما في حديث الداناج مما ذكر فيه عن علي عن النبي ﵇ في الأربعين، ومن اختياره هو بعد ذلك. ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد ما رواه الداناج في حديثه من تعيين الأربعين في حد الخمر، وإسناده إلى النبي ﵇.

стр. 8054

وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن محمَّد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن علي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "شرب قوم من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٢) فكتب فيهم إلى عمر ﵁، فكتب أن ابعث بهم إليَّ. . . ." إلى آخره نحوه سواء. ص: وقد روي أن السوط الذي ضُرِبَ به الوليد كان له طرفان، فكانت الضربة ضربتين. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي: "أن عليًّا ﵁ جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة: "أن عليًّا ﵁ جلد الوليد -بسوط له ذنبان- أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان ﵁". ففي هذا الحديث أن عليًّا ﵁ ضربه ثمانين؛ لأن كل سوط من تلك الأسواط سوطان، فاستحال أيضًا أن يكون علي ﵁ يقول: إن الأربعين أحب إليَّ من الثمانين، ثم هو يجلد ثمانين، فهذا أيضًا دليل على فساد حديث الداناج.

стр. 8055

ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد حديث الداناج؛ لأنه من المحال أن يقول علي ﵁: "إن الأربعين أحب إلى" ثم يجلد هو ثمانين. وأخرجه من طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي الأثرم، عن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر، وهذا إسناد منقطع؛ لأن محمَّد بن علي هذا لم يدرك علي بن أبي طالب. وأخرجه البيهقي (١): من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن علي: "أن عليًّا جلد رجلًا في الخمر أربعين جلدة بسوط له طرفان" ثم قال البيهقي: وكأنه أراد صار أربعين بالطرفين، فقد روينا في الحديث الموصول أنه أمر بجلده أربعين. قلت: إذا جلد بسوط له طرفان أربعين، صار الكل ثمانين لا محالة، وتأويل البيهقي بعيد جدًّا مخالف لمقتضى اللفظ. قال القاضي عياض: المعروف من مذهب علي: الجلد في الخمر ثمانين، ومنه قوله: "في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة"، وروي عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين، وقد مرَّ ذكره. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم -شيخ البخاري- عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن علي ﵁. وهذا موصول، وفيه ابن لهيعة فيه مقال.

стр. 8056

ص: وقد روى آخرون عن علي ﵁ خلاف ذلك كله: حدثنا فهد، قال: ثنا حسان بن عبد الله (ح) وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الغفار بن داود وعثمان بن صالح، قالوا: ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبيه بن وهب، عن محمَّد بن علي بن أبي طالب ﵄، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﵇: "أنه جلد رجلًا في الخمر ثمانين". غير أن صالحًا قال في حديثه: "جلد رجلًا من بني الحارث بن الخزرج". وهذا أيضًا فاسد عندنا، لا يثبت عن علي ﵁؛ لما قد روينا عنه متقدمًا من قوله: "إن رسول الله ﵇ مات ولم يَسُن في الخمر حدًّا". وأنهم جعلوه بعده بالتمثيل الذي قد ذكرناه عنه في هذا الباب، ولا يجوز عندنا -والله أعلم- على علي ﵁ أن يكون يحتاج في استخراج حد الخمر من ذلك، وعنده فيه عن النبي ﵇ ما في هذا الحديث. ش: أي قد روى قوم آخرون عن علي بن أبي طالب خلاف ما روي فيما تقدم من الروايات كلها. وأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن حسان بن عبد الله الواسطي نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد المصري الإسكندراني، عن سعيد بن أبي هلال المصري مولى عروة بن شُيَيم، عن نُبيه بن وهب بن عثمان القرشي العبدري الحجبي، عن محمَّد بن علي المعروف بابن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الغفار بن داود بن مهران الحراني شيخ البخاري، وعن عثمان بن صالح بن صفوان المصري شيخ البخاري أيضًا، كلاهما عن عبد الله بن لهيعة. . . . إلى آخره.

стр. 8057

قوله: "وهذا أيضًا فاسد" أي وهذا الحديث أيضًا فاسد لم يثبت عن علي ﵁، وبيّن وجه فساده بقوله: "لما قد روينا عنه"، أي عن علي "متقدمًا من قوله. . . ." إلى آخره، والباقي ظاهر. ص: وقد جاءت الآثار متواترة أن رسول الله ﵇ لم يكن يقص في حد الشارب إلى عدد من الضرب معلوم، حتى لقد بيَّن في بعض ما روي عنه في ذلك مثل ما رويناه عن علي ﵁ أن رسول الله ﵇ مات ولم يَسُن فيه حدًّا، فمما روي في ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب حدثه، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "كأني أنظر إلى رسول الله ﵇ وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد ﵁ يوم حنين، فبينما هو كذلك أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم مَن ضربه بالعصي ومنهم من ضربه الميتَخَة -يريد الجريدة الرطبة- ثم أخذ رسول الله ﵇ ترابًا من الأرض فرمى به في وجهه". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أسامة بن زيد، قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن أزهر الزهري قال: "رأيت رسول الله ﵇ يوم حُنين يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد ﵁، فأتي بسكران، فأمر مَن كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم، ثم حثى عليه التراب، ثم أتي أبو بكر ﵁ بسكران، فتوخى الذي قد كان من ضربهم عند رسول الله ﵇، فضربه أربعين، ثم أتي عمر بن الخطاب ﵁ بسكران، فضربه أربعين". أفلا ترى أن أبا بكر ﵁ إنما كان ضرب بعد النبي ﵇ أربعين على التحري منه لضرب النبي ﵇ الذي كان؛ لأن النبي ﵇ لم يكن أوقفهم في ذلك على شيء بعينه.

стр. 8058

ش: أي قد جاءت الأحاديث متكاثرة، أنه ﵇ لم يكن يقصد في حد شارب الخمر إلى عدد معين في الضرب، وأشار بهذه الأحاديث إلى معنيين: أحدهما هذا، والآخر أن هذه تعضد ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "مات رسول الله ﵇ ولم يَسُنّ فيه حدًّا". وأخرج حديث عبد الرحمن بن أزهر من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر الزهري القرشي عم عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن داود المهري ابن أخي رشدين بن سعد قال: أنا ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة. . . . إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): عن القاضي الحسين بن إسماعيل، عن يعقوب الدورقي، عن صفوان بن عيسى، عن أسامة، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن أزهر قال: "رأيت رسول الله ﵇ يوم حنين وهو يتخلل الناس. . . ." إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) وفي كتابه "الخلافيات": عن أحمد بن محمَّد الأصبهاني، عن الدارقطني. . . . إلى آخره. قوله: "بالميتَخَة" بكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح التاء المثناة من فوق، والخاء المعجمة، قال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية بتقديم الياء على التاء وهي الدرة أو العصا أو الجريدة، وقيل: هي بكسر الميم، وتشديد التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف.

стр. 8059

وجاء فتح الميم أيضًا، مع تشديد التاء المثناة من فوق قبل الياء. وجاء كسر الميم، مع سكون التاء المثناة من فوق قبل الياء. قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا، وقيل: القضيب الدقيق اللين، وقيل: كل ما ضرب به من جريد أو عصًا ودرة وغير ذلك، وأصلها فيما قيل من متَخَ الله رقبته بالسهم: إذا ضربه، وقيل: من تَيَّخَهُ العذاب، وطَيَّخَهُ إذا ألح عليه، فأبدلت التاء من الطاء. قوله: "فتوخى" من توخيت الشيء أتوخاه توخِّيًا، إذا قصدت إليه وتعمدت فعله، وتحريت فيه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: "لا أشرب نبيذ الجرِّ بعد أن أتي رسول الله ﵇ بنشوان، فقال: يا رسول الله، ما شربت الخمر، إنما شربت نبيذ تمر وزبيب في وباء، فأمر به النبي ﵇ فبهز بالأيدي وخفق بالنعال". ش: إسناده صحيح، وأبو التياح -بفتح التاء المثناة من فوق، وتشديد الياء آخر الحروف- واسمه يزيد بن حميد الضبعي، روى له الجماعة. وأبو الودَّاك -بفتح الواو، وتشديد الدال، وفي آخره كاف- اسمه جبر بن نوف الهمداني الكوفي، وثقه يحيى، وعن النسائي: صالح. روى له مسلم ومن الأربعة غير النسائي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث شعبة، عن أبي التياح، عن أبي الودَّاك. . . . إلى آخره نحوه، وفي آخره: "قال: ونهى عن الزبيب والتمر وعن الدباء". قوله: "نبيذ الجر" وفي رواية: "نبيذ الجرار" الجرّ: بفتح الجيم وتشديد الراء، والجرار: جمع جرة، وهي الإناء المعروف من الفخار، وإنما قال ذلك لأن مراده

стр. 8060

الجرار المدهونة، وهي أسرع في الشدة والتخمير، ومنه ما جاء في حديث آخر: "أنه نهى عن نبيذ الجر". قوله: "بنشوان" أي بسكران، وهو من الانتشاء وهو أول السكر ومقدماته، وقيل: هو السكر نفسه، ورجل نشوان بيِّن النشوة. قوله: "في دباء" الدباء القرع، واحدها دباءة، كانوا ينتبذبون فيها فتسرع الشدة في الشراب. قوله: "فبهز" من البهز وهو الدفع العنيف، ومادته باء موحدة، وهاء، وزاي معجمة. قوله: "وخُفق بالنعال" على صيغة المجهول، وكذلك "بُهز" مجهول، وكل ضرب بشيء عريض فهو خفق، يقال: خفق الأرض بنعله، وخفقه بالسيف يخفق إذا ضربه ضربة خفيفة، ومنه المخفقة وهي الدرة التي يضرب بها، والمخفق السيف العريض. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا نافع ابن يزيد، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﵇ أتي بشارب، فقال: اضربوه، فمنهم من ضربه بيده وبثوبه وبنعله". حدثنا يونس، قال: أنا أنس بن عياض، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن نصر بن مرزوق، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن نافع بن يزيد الكلاعي المصري، روى له الجماعة سوى الترمذي، البخاري مستشهدًا.

стр. 8061

عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المصري، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا أبو ضمرة، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله ﵇: لا تقولوا، هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا علي بن عبد الله بن جعفر، ثنا أنس بن عياض، ثنا ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "أتي النبي ﵇ بسكران، فأمر بضربه، فمنا مَنْ يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا مَن يضربه بثوبه، فلما انصرف، قال رجل: ما له أخزاه الله، فقال رسول الله ﵇: لا تكونوا عَون الشيطان على أخيكم". ص: حدثنا فهد، قال: أنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة ومحمد بن إبراهيم والزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "أتي رسول الله ﵇ بشارب يوم حنين، فقال رسول الله ﵇ للناس: قوموا إليه، فقام الناس فضربوه بنعالهم". ش: إسناده صحيح. واسم أبي بكر عبد الله، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، والزهري محمد بن مسلم.

стр. 8062

والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١). ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال: "أتي بالنعيمان إلى النبي ﵇ وهو سكران، فشق على النبي ﵇ مشقة شديدة، قال: فأمر مَن كان في البيت أن يضربوه، قال: فضربوه بالنعال والجريد، قال عقبة: كنت فيمن ضربه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا وهيب. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: بالنعيمان أو بابن النعيمان. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وهيب. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: هذه طرق صحاح. الأول: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن المعلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث بن عامر المكي الصحابي ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الصمد، ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال: "أتي رسول الله ﵇ بالنعيمان قد شرب الخمر، فأمر رسول الله ﵇ مَن في البيت فضربوه بالأيدي والجريد والنعال، فكنت فيمن ضربه". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن أيوب. . . . إلى آخره. وأخرجه البخاري (٣): عن سليمان بن حرب. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8063

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب ابن خالد، عن أيوب. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) من حديث وهيب، عن أيوب. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "بالنعيمان" بضم النون وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف وبعد الألف نون، هو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، وكان كثير المزاح يضحك النبي ﵇ من مزاحه، وكان يشرب الخمر. ص: فدل ما ذكرنا أن رسول الله ﵇ لم يوقفهم في حد الخمر على ضرب معلوم كما أوقفهم في حد الزنا في حق غير المحصن وفي حد القذف. ش: أي فدل ما ذكرنا من الأحاديث أنه ﵇ لم يوقف الصحابة في حد الخمر على عدد معين من الضرب كما أوقفهم على عدد معين في حد الزنا في حق غير المحصن وهو مائة جلدة، وفي حد القذف وهو ثمانون جلدة، فصارت هذه حجة على مَن يدعي التعيين في حق شارب الخمر في زمن النبي ﵇. ص: فإن قال قائل: فقد روي عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ ضرب في الخمر بنعلين أربعين، فجعل عمر ﵁ بكل نعل سوطًا". قيل له: صدقت قد حدثنا بذلك محمَّد بن بحر بن مطر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي أو أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ وعمر ﵁ مثل ذلك. فليس في هذا الحديث أيضًا ما يدل أن رسول الله ﵇ قصد بذلك الضرب إلى ثمانين، قد يجوز أن يكون قصد إلى ضرب غير معلوم، فضرب الناس فكان

стр. 8064

ضربهم في جملته ثمانين فتوخى عمر ﵁ ذلك لما أراد أن يوقف الناس في ذلك على شيء معلوم، فجعل مكان كل نعل سوطًا. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إن الأحاديث المذكورة كلها قد دلت على أنه ﵇ لم يوقف الصحابة في حد الخمر على عدد معين من الضرب كما أوقفهم في حد الزنا في حق غير المحصن وفي حد القذف، فهذا أبو سعيد قد روى عن النبي ﵇ أنه ضرب في الخمر بنعلين أربعين أربعين، ثم جعل عمر ﵁ بكل نعل سوطًا، فصارت الجملة ثمانين، فهذا يدل على التوقيف. وأجاب عن ذلك بقوله: فليس في هذا الحديث. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. وأخرج حديث أبي سعيد عن محمَّد بن بحر البغدادي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، وثقه ابن المديني وغيره، عن زيد بن الحواري البصري قاضي هراة، المعروف يزيد العمي فيه مقال، عن أبي الصديق بكر بن عمرو البصري الناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي، وهي قبيلة كبيرة. قوله: "أو أبي نضرة" شك من الراوي، وهو بالنون والضاد المعجمة، واسمه المنذر بن مالك العوقي البصري. وأخرجه الترمذي (١): ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ ضرب الحد بنعلين أربعين. قال مسعر: أظنه في الخمر". قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن. ص: والدليل على ذلك أيضًا أن عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش حدثنا، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما وُلي عمر ﵁ دعا

стр. 8065

الناس، قال: ما ترون في حد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أراه أن تجعله كأخف الحدود، وتجعل فيه ثمانين". فلو كان عمر ﵁ قد عَلِم أن ما في حديث أبي سعيد الذي ذكرناه توقيفًا من رسول الله ﵇ الناس على حد الخمر أنه ثمانون، إذًا لما احتاج في ذلك إلى شورى، ولكنه إنما شاور ليستنبطوا وقتًا معلومًا في ذلك لا يتجاوزوه إلى ما هو أكثر منه ولا ينقصوه إلى أقل منه. ش: أي الدليل على ما ذكرنا من أن عمر ﵁ توخى ذلك لما أراد أن يوقف الناس في ذلك على شيء معلوم: ما رواه أنس ﵁. أخرجه بإسناد صحيح، عن عبد الله بن محمَّد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن مسلم بن إبراهيم القصاب الأزدي شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما كان عمر ﵁ ودنا الناس في الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين". وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يضرب الناس في الخمر بالنعال والجريد أربعين. . . ." ثم ذكر نحو الأول، ولم يذكر الريف والقرى. وأخرجه البخاري (٢) وليس فيه قضية عمر فقال: ثنا مسلم، ثنا هشام،

стр. 8066

عن قتادة، عن أنس قال: "جلد النبي ﵇ في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين". قوله: "أراه أن تجعله" أي أرى أن تجعل حد الخمر كأخف الحدود وهو الثمانون كحد القذف، ثم الذي أشار به على عمر بن الخطاب هو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة كما وقع هاهنا وفي "صحيح مسلم"، ووقع في "الموطأ" وغيره أن الذي أشار على عمر بالثمانين علي بن أبي طالب ﵁ إلا أنه من رواية ثور بن زيد الديلي، عن عمر ﵁، وثور بن زيد لم يدرك عمر، فهو منقطع. قوله: "من الرِّيف" بكسر الراء المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، ثم فاء، وهو كل أرض فيها نخل وزرع، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: الريف أرض فيها زرع وخِصب، وقيل: هو الخِصب والسعة في المأكل والمشرب. ص: وقد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، قالا جميعًا: عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ أتي برجل شرب الخمر، فأمر به فضُرب بجريدتين نحوًا من أربعين، ثم صنع أبو بكر ﵁ مثل ذلك، فلما كان عمر ﵁ استشار النَّاس، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: يا أمير المؤمنين أخفّ الحدود ثمانون، ففعل ذلك فيه". ش: هذان طريقان آخران صحيحان: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس.

стр. 8067

وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇: "أنه أتي برجل قد شرب الخمر، فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: كأخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁". قال أبو عيسى: حديث أنس حديث صحيح. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن موسى بن داود الضبي قاضي طرسوس الثقة، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس. أخرجه البيهقي (٢): من حديث همام، عن أنس، عن النبي ﵇ وفيه: "فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال"، ثم قال: سمعه بهز من همام. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما ولي عمر ﵁ دعا الناس فقال لهم: إن الناس قد دنوا من القرى والريف، فما ترون في حد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن تجعله كأخف الحدود، فجلد فيه ثمانين". قال أبو داود: رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن النبي ﵇: "أنه جلد بالجريد والنعال أربعين". ورواه شعبة عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ قال: "ضرب بجريدتين نحو أربعين".

стр. 8068

ص: فثبت بما ذكرنا: أن التوقيف في حد الخمر على جلد معلوم إنما كان زمن عمر ﵁، وأن ما وقفوا عليه من ذلك كان ثمانين، ولم يخالفهم في ذلك أحد منهم، فلا ينبغي لأحد منهم أن يدع ذلك ويقول بخلافه؛ لأن إجماع أصحاب رسول الله ﵇ حجة إذ كانوا برآء من الوهم والزلل، وهو كنقلهم الحديث البريء من الوهم والزلل، فلما كان فعلهم الذي نقلوه جميعًا حجة ولا يجوز لأحد خلافه، فكذلك رأيهم الذي رأوه حجة لا يجوز لأحد خلافه. ش: أي فثبت بما ذكرنا من الأحاديث: أن التوقيف في حد الخمر على عدد معين لم يكن في زمن النبي ﵇، وإنما كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁. ومن الدليل القاطع على صحة هذا: ما رواه أبو داود (١) عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ لم يَقِتْ في الخمر حدًّا". قوله: "لم يَقِتْ" أي لم يوقت، يقال: وقت يَقِت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) قاله الخطابي، وقال غيره: لم يَقِتْ رسول الله ﵇ أي: لم يقدره ولم يحدده بعدد مخصوص، والتوقيت والتأقيت: أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وَقَّتَ الشيء يُوقِّته وَوَقَتَه يَقِتُه إذا بيَّن حده، ثم اتُّسع فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات. قوله: "أن يدع ذلك" أي أن يترك، من الوَدْع: وهو الترك. قوله: "برآء" جمع بريء، والمراد من الوهم الغلط: من وَهِمَ في الحِسَاب -بالكسر- إذا غلط. ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان ابن بلال، عن ربيعة، عن السائب بن يزيد: "أن عمر ﵁ صلى على جنازة،

стр. 8069

فلما انصرف أخذ بيد ابن له ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني وجدت من هذا ريح الشراب، فإني سائل عنه، فإن كان سكر جلدناه، قال السائب: فرأيت عمر ﵁ جلد ابنه بعد ذلك الحد ثمانين". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: ثنا السائب. . . . فذكر مثله. وهذا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ أيضًا في التوقيف على حد الخمر أنه ثمانون، فلم ينكره عليه منهم مُنكِر، فدل ذلك على متابعتهم له. ش: ذكر حديث السائب هذا تأييدًا لصحة ما قاله من أن التوقيف في حد الخمر على عدد معين إنما كان في زمن عمر ﵁ بإجماع الصحابة على ذلك، حيث لم ينكروا على عمر حين وضع الثمانين على ابنه وقت استشارته إياهم. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي المدني، عن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي أو الأسدي أو الليثي أو الهذلي الصحابي ﵁. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن السائب. وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره: "أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان يُسكر جلدته الحد، فجلده عمر الحد تامًّا".

стр. 8070

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عيينة، عن الزهري، سمع السائب بن يزيد، سمعت عمر ﵁ يقول: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابًا له شربوا شرابا وأنا سائل عنه، فإن كان يُسكر حددتهم. قال سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن السائب: "فرأيته يحدهم". قوله: "أخذ بيد ابنٍ له" هو عبيد الله بن عمر بن الخطاب. قوله: "بعد ذلك الحد" الحدَّ منصوب بقوله: جلد ابنه. وقوله: "ثمانين" عطف بيان عن الحد. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا -في التوقيف على حد الخمر أنه ثمانون- حديثٌ إن كان ثابتًا، وهو ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، عن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد اللهَ بن عمرو، أن النبي ﵇ قال: "من شرب بَسْقة خمر فاجلدوه ثمانين". فهذا الذي وجدنا فيه التوقيف من رسول الله ﵇ في حد الخمر هو ثمانون، فإن كان ذلك ثابتًا فقد ثبتت به الثمانون، وإن لم يكن ثابتًا فقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﵇ ما قد تقدم ذِكرنا له في هذا الباب من إجماعهم على الثمانين ومن استنباطهم إياها من أخف الحدود، فذلك من إجماعهم بعد ما كان خلافه, كإجماعهم على المنع من بيع أمهات الأولاد، وتكبيرات الجنائز، وقد كان خلافه، فكما لا ينبغي خلافهم في ترك بيع أمهات الأولاد، فكذلك لا ينبغي خلافهم في توقيفهم الثمانين في حد الخمر. فهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: قوله: "حديث" مرفوع. بقوله: "روي"، وإنما قال: "إن كان ثابتًا"؛ لأنه حديث منكر، وما ثبت في الصحاح خلافه.

стр. 8071

وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل واسم أبي إسرائيل إبراهيم بن كامجرا المروزي وهو شيخ أبي يعلى الموصلي والبخاري في غير "الصحيح" وأبي داود، وثقه يحيى بن معين. يروي عن هشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء، قال أبو حاتم: ثقة متقن. عن عبد الرحمن بن صخر الإفريقي لم أقف على من تعرض إليه بشيء (١) عن جميل بن كريب المعافري من أهل أفريقية قال ابن يونس: كان من أهل الدين والفضل. عن عبد الله بن يزيد المعافري أبي عبد الرحمن الحبلي المصري روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه ابن يونس في "تاريخه" في ترجمة جميل بن كريب: ثنا أسامة بن علي الرازي، ثنا أحمد بن خالد بن زيد بن خالويه، ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا هشام بن يوسف، ثنا عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، عن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "من شرب بزقة من خمر فاجلدوه ثمانين". قوله: "بزقة" أي بصقة، وفي رواية الطحاوي: بَسْقَةً بالسين، والكل بمعنى واحد، والزاي بدلًا من السين والسين من الصاد.

стр. 8072

ويستفاد من هذا: وجوب الحد في مطلق الشرب من الخمر سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وروى البيهقي (١): من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عروة، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﵇ قال: "اجلدوا في قليل الخمر وكثيره، فإن أولها وآخرها حرام". قوله: "كإجماعهم" أي كإجماع الصحابة على المنع من بيع أمهات الأولاد، فإنها كانت تباع في زمن النبي ﵇. قيل: فيه نظر؛ لأن المنقول عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ جواز بيع أمهات الأولاد. قلت: يجوز أن يكون ذلك في أول خلافة أبي بكر، وفي خلافة أبي بكر إلى صدر خلافة عمر ﵁. والدليل على ذلك ما رواه أبو داود (٢) عن جابر قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر، فلما كان عمر ﵁ نهانا، فانتهينا". وقال البيهقي: يشبه أن يكون عمر ﵁ بلغه عن النبي ﵇ أنه حكم بعتقهن نصًّا، فاجتمع هو وغيره على عتقهن، فالأولى بنا متابعتهم مع الاستدلال بالسنة. قوله: "وتكبيرات الجنائز" أي وكإجماعهم على تكبيرات الجنائز أنها أربع بعد أن كانت سبعًا وخمسًا وأربعًا وثلاثًا، ومنع ابن حزم القول بالإجماع على ذلك فقال: كيف يكون إجماعًا على الأربع وقد كبَّر علي ﵁ خمسًا. روى عبد الرزاق (٣): عن معمر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: "أن عليًّا ﵁ كبَّر على جنازة خمسًا".

стр. 8073

وكذلك: "كبَّر عبد الله بن عباس على الجنازة ثلاثًا، وكذلك أنس بن مالك كبَّر ثلاثًا". روى حماد بن [سلمة] (١)، عن شيبة بن أيمن: "أن أنس بن مالك صلى على جنازة فكبَّر ثلاثًا". وكذلك: "عبد الله بن مسعود صلى على جنازة وكبَّر خمسًا". وأخرج ابن حزم (٢) ذلك من حديث زر بن حبيش قال: "رأيت ابن مسعود صلى على جنازة من بلعدان فخذ من بني أسد، فكبَّر عليه خمسًا". ثم قال ابن حزم: أفٍّ لكل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ﵃. قلت: روى عبد الرزاق (٣): عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: "جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبَّر النبي ﵇ سبعًا وخمسًا وأربعًا، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلاة". فهذا إجماع فلا يجوز خلافه، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 8074

ص: باب: من سكر أربع مرات ما حده ؟ ش: أي هذا باب في بيان من سكر أربع مرات كيف يكون الحد في حقه. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن معاوية ابن أبي سفيان، عن النبي ﵇ قال: "إن شربوا خمرًا فاجلدوهم، ثم إن شربوها عند الرابعة فاقتلوهم". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سهل بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة بن مقسم، عن معبد القاص، عن عبد الرحمن بن عبد الجدلي، عن معاوية، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عاصم بن أبي النجود المقرئ الكوفي، عن أبي صالح ذكوان الزيات. وأخرجه أبو داود (١)، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا أبان، عن أبي صالح ذكوان، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم". وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﵇: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".

стр. 8075

وأخرجه ابن ماجه (١): عن هشام بن عمار، عن شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، عن عاصم، نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سهل بن بكار الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن معبد بن خالد الجدلي الكوفي القاصّ، عن عبد الرحمن بن عبدٍ، وقيل: عبد بن عبد -بدون لفظ الله فيهما- المكنى بأبي عبد الله الجدلي، عن معاوية. وأخرجه الطبراني (٢): نا إبراهيم بن هاشم البغوي، نا كثير بن يحيى، ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن معبد، عن عبد الرحمن بن عبد الجدلي، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه -ثلاثًا- فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا قرة بن خالد، عن الحسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵇ مثله. قال: فقال عبد الله بن عمرو: "ائتوني برجل قد أقيم عليه الحد ثلاث مرات، فإن لم أقتله فأنا كذاب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا هدبة، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر قول عبد الله بن عمرو. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف العجلي البصري، عن قرة بن خالد السدوسي البصري، عن الحسن البصري.

стр. 8076

وأخرجه الطبراني: نا محمَّد بن إسحاق بن راهويه، قال: ثنا أبي، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا قرة بن خالد، عن الحسن البصري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﵇ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه. قال: فكان عبد الله بن عمرو يقول: ائتوني برجل يشرب الخمر ثلاث مرات فلكم علي أن أضرب عنقه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن هدبة بن خالد القيسي البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن همام بن يحيى, عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﵇ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، ومن شرب الثانية فاجلدوه، ثم إن شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا شريك، عن الزهراني. (ح) وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قالا: ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي المدني خال ابن أبي ذئب، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

стр. 8077

وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (١): عن شبابة بن سوَّار، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاضربوا عنقه". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن ابن أبي ذئب. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): عن نصر بن عاصم، عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) أيضًا. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا داود بن يزيد الأودي، عن سماك بن حرب، عن خالد بن جرير، عن جرير، عن النبي ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح. وأخرجه الطبراني (٥): نا محمد بن شعيب الأصبهاني، نا عبد السلام بن عاصم الرازي، ثنا الصباح بن محارب، ثنا داود الأودي، عن سماك بن حرب، عن خالد بن جرير، عن أبيه قال: قال النبي ﵇: "مَن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".

стр. 8078

وأخرجه أيضًا (١): عن محمد بن صالح، عن محمد بن المثنى، عن مكي بن إبراهيم، عن داود الأودي، عن سماك، عن خالد، عن أبيه جرير. . . . إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا ابن هُبَيْرة، أن أبا سليمان مولى أم سلمة زوج النبي ﵇ حدثه، أن أبا الرمداء البلوي، أخبره "أن رجلًا منهم شرب الخمر، فأتوا به رسول الله ﵇ فضربه، ثم شرب الثانية فأتوا به فضربه، ثم شرب الخمر فأتوا به فضربه، فما أدري قال في الثالثة أو في الرابعة: فأمر به، فجعل على العجل ثم ضرب عنقه". ش: ربيع هو ابن سليمان المؤذن شيخ أبي داود، وأسد هو ابن موسى ثقة، وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة، فيه مقال، وابن هبيرة هو عبد الله بن هبيرة السبائي المصري، روى له الجماعة سوى البخاري. وأبو سليمان مولى أم سلمة زوج النبي ﵇ ذكره ابن يونس في الكنى، ولم يتعرض إليه بشيء (٢). وأبو الرمداء -بفتح الراء وسكون الميم وفتح الدال المهملة- وقيل: أبو الربداء بالباء الموحدة موضع الميم. قال ابن الأثير: أبو الرمداء وقيل: أبو الربداء البلوي مولى لهم، وأكثر أهل الحديث يقولونه بالميم، وأهل مصر يقولونه بالباء. والحديث أخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبي سليمان مولى أم سلمة أم المؤمنين، عن أبي الربداء البلوي "أن رجلًا منهم. . . ." إلى آخره نحوه.

стр. 8079

وأخرجه الطبراني (١): ثنا عمرو بن أبي الطاهر بن السرح المصري، ثنا أبو صالح الحراني، ثنا ابن لهيعة، أن أبا سليمان مولى أم سلمة زوج النبي ﵇ أخبره، أن أبا الرمداء البلوي أخبره: "أن رجلًا منهم شرب الخمر. . . ." إلى آخره نحوه. قوله: "على العِجَل" بكسر العين وفتح الجيم جمع عِجْلة، كقِرَب جمع قِربة، قال أبو حاتم: هي الأنطاع. قال الخولاني: العِجْلة السقاء، والجمع عِجَل، والمراد هاهنا ما قاله أبو حاتم. فهذا كما رأيت فقد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن خمسة أنفس من الصحابة وهم: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبو الرمداء. ولما أخرج الترمذي حديث معاوية قال: وفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو. قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله. أما حديث الشريد فأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن يحيى [بن عبد الله، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، قال] (٣) ثنا يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن عروة بن مسعود، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه". وأما حديث شرحبيل بن أوس فأخرجه الطبراني (٤): نا أحمد بن عبد الوهاب، ثنا أبو المغيرة وعلي بن عياش الحمصي، قالا: ثنا حريز بن عثمان، أنا أبو الحسن

стр. 8080

نمران، عن شرحبيل بن أوس الكندي وكان من أصحاب رسول الله ﵇ قال: قال رسول الله ﵇: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن شربها الثانية فاجلدوه، فإن شربها الثالثة فاجلدوه، فإن شربها الرابعة فاقتلوه". وأما حديث عبد الله بن عمر ﵁ فأخرجه البزار في "مسنده": نا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا الحجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن جميل بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "مَن شرب الخمر فاجلدوه -ثلاثًا- فإن عاد فاقتلوه في الرابعة". وأما حديث جابر فأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، نا عمي -هو يعقوب بن سعد- نا شريك، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن نبي الله ﵇ قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه، فأتي رسول الله ﵇ برجل منا فلم يقتله". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقلدوها، وزعموا أن من شرب الخمر أربع مرات فحده القتل. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث وجماعة الظاهرية، فإنهم قالوا: من شرب الخمر أربع مرات فإنه يقتل. قال ابن حزم: الرواية في ذلك عن أبي هريرة ومعاوية ثابتة تقوم بها الحجة، والواجب ضم أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﵇ بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها والأخذ بها، وأن لا يقال في شيء منها: إنه منسوخ إلا بيقين، وقد صح أمره ﵇ بقتله، ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﵇.

стр. 8081

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: حده في الرابعة كحده في الأولى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جمهور العلماء من التابعين ومَن بعدهم منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: حد شارب الخمر في الرابعة كحده في الأولى، وليس عليه قتل. وقال الترمذي: والعمل على هذا، أي على عدم القتل عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث. ثم قال الشافعي: القتل منسوخ بحديث قبيصة على ما يأتي. وقال غيره: وقد يراد بالأمر الوعيد، ولا يراد به وقوع القتل، وإنما يقصد به الردع والزجر والتحذير. وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا ثم نسخ. بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل، وقال بعضهم: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا أنه لا يقتل إذا تكرر منه، إلا طائفة شاذة قالت: يقتل بعد حده أربع مرات؛ للحديث، وهو عند العامة منسوخ. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا حبان هلال (ح): وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم بن الفضل، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف -هكذا قال ابن مرزوق في حديثه، وقال يزيد في حديثه: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف- قال: "كنا مع عثمان ﵁ وهو محصور، فقال: علامَ تقتلوني وقد سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق دينه التارك للجماعة". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون بحديث عثمان ﵁ فإنه يخبر أن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى معانٍ ثلاث، وشارب الخمر في الرابعة لم يكن داخلا في هذا، فلا يقتل. وقد اعترض ابن حزم على الحنفية، والشافعية، والمالكية هاهنا.

стр. 8082

وملخصه: أن هذا الحديث حجة على الحنفية والمالكية في قتلهم الساحر، وعلى الشافعية في قتلهم اللوطي وتارك الصلاة. قلت: أما الحنفية والمالكية فلا حجة عليهم في هذا؛ فإن الساحر يكفر بعمله فيكون داخلًا في الحديث. وأما كونه حجة على الشافعية فظاهر؛ لأن تارك الصلاة خارج عن هذا الحديث فلا يقتل. وأما اللوطي فليس بزاني عند أبي حنيفة فيخرج عن الحديث، وعند صاحبية والشافعي فهو كالزاني فإذا كان محصنًا يكون داخلًا في معنى الحديث، فافهم. ثم إنه أخرج حديث عثمان من طريقين صحيحين: الأول: عن يزيد بن سنان، عن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحد- ابن هلال، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي أمامة قيل: اسمه أسعد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته. والأول هو المشهور. وأخرجه الترمذي (١): نا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة: "أن عثمان أشرف عليهم يوم الدار فقال: أنشدكم الله أن تعلمون أن النبي ﵇ قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. . . ." الحديث وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد فرفعه. وروى يحيى بن سعيد القطان وغير واحد عن يحيى هذا الحديث فوقفوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم وهو محمد بن الفضل السدوسي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد. . . . إلى آخره.

стр. 8083

وأخرجه البيهقي نحوه (١). قوله: "والمفارق دينه" أراد به المرتد المفارق لجماعة المسلمين، قيل: إنه عام في كل مفارق للإسلام بأي ردة كانت منه. وقيل: يحتمل أن يكون خروجه خروجًا يترك به الجماعة، أو يبقى عليها فيُقَاتَل حتى يفيء إلى دينه وإلى الجماعة، وليس بكافر ويمكن أن يكون خروجه كفرًا. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا علي بن شيبة وأبو أمية، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا شيبان، عن الأعمش. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو أمية قال: ثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان، عن الأعمش. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه حفص، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وهذا الحديث أخرجه الجماعة: فالبخاري أخرجه بهذا الإسناد (٢): عن عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة".

стр. 8084

ومسلم (١) أخرجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، وأبي معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة. . . . إلى آخره نحوه غير أن في روايته: "والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وأبو داود: عن عمر بن عون، عن أبي معاوية، عن الأعمش. . . . إلى آخره نحو رواية مسلم. والترمذي: عن هناد، عن أبي معاوية. . . . إلى آخره. وقال: حسن صحيح. والنسائي: عن بشر بن خالد، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت عبد الله بن مرة، عن مسروق. . . . إلى آخره. وابن ماجه: عن علي بن محمد وأبي بكر بن أبي خلاد، عن وكيع، عن الأعمش. . . . إلى آخره. الثاني: عن علي بن شيبة وأبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، كلاهما عن عبيد الله بن موسى بن حفص التميمي شيخ أبي داود، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي المؤدب، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله. وأخرجه أحمد في "مسنده": عن وكيع، عن الأعمش. . . . إلى آخره. الثالث: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش. . . . إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه": ثنا أبو علي المالكي محمد بن سليمان بن علي: ثنا أبو موسى: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن

стр. 8085

عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵇ قال: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والنفس بالنفس". ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن سابق، قال: ثنا زائدة. (ح) وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله. (ح). وحدثنا أبو أمية أيضًا، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا زائدة، قال: محمد بن سابق في حديثه، قال: ثنا سليمان الأعمش، وقال عبيد الله في حديثه: عن الأعمش، فذكر بإسناده مثله. قال سليمان: فحدثت به إبراهيم، فقال: حدثني الأسود، عن عائشة مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، قال: "دخل الأشتر على عائشة ﵂ فقالت: أردت قتل ابن أختي؟ فقال: لقد حرص على قتلي، وحرصت على قتله، فقالت: أما إني سمعت رسول الله ﵇ يقول. . . ." فذكرت مثله. ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن محمد بن سابق البزاز شيخ البخاري في كتاب "الأدب"، عن زائدة بن قدامة، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن عبيد الله بن موسى شيخ أبي داود، عن زائدة، عن الأعمش. الثالث: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن موسى، عن زائدة، عن الأعمش. . . . إلى آخره. وأخرجه الدارقطني: ثنا محمد بن مخلد: نا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: ثنا إبراهيم بن عرعرة: ثنا عبد الرحمن بن مهدي: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن

стр. 8086

عبد الله ابن مرة، عن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم. . . ." الحديث. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: حدثني الأسود، عن عائشة. قال: وحدثنا إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثل حديث عبد الله بن مرة، قال عبد الرحمن: أفسد هذين الحديثين جميعًا حديث مسروق، عن عبد الله، وحديث إبراهيم عن الأسود، ثنا أبو علي المالكي: ثنا أبو موسى: ثنا أبو عامر: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: "لا يحل دم امرئ مسلم من هذه الأمة إلا بإحدى ثلاث: رجل قتل فيقتل به، والثيب الزاني، والمفارق للجماعة" أو قال: "الخارج من الجماعة" موقوف. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن غالب الهمداني الكوفي قال: "دخل الأشتر وهو مالك بن الحارث النخعي الكوفي، وكان أدرك الجاهلية، وكان من شيعة علي ﵁". وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب نحوه. وعن هلال بن العلاء، عن حسين بن علي، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو، عن عائشة به. ولم يرفعه. ص: فهذه الآثار التي ذكرناها تعارض الآثار الأُول؛ لأن النبي ﵇ قد منع في هذه الآثار أن يحل الدم إلا بإحدى الخصال المذكورة فيها، غير أنه قد يحتمل أن تكون هذه الآثار ناسخة للآثار الأول. فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل عليه؟

стр. 8087

فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه. قال: فثبت الحد ودرئ القتل". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن محمد بن المنكدر حدثه، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "في شارب الخمر: إن شرب فاجلدوه -ثلاثًا-، ثم قال في الرابعة: فاقتلوه. فأتي ثلاث مرات برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده، ووضع القتل عن الناس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي أنه حدثه، أنه بلغه عن رسول الله ﵇، مثله سواء. فثبت بما ذكرنا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود، وعائشة ﵃ فإنها تعاض الآثار الأُول، وهي الأحاديث التي رواها عن معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وأبي الرمداء ﵃. وجه المعارضة بين هذه الأحاديث ظاهر، فإذا وقع التعارض بين الحديثين ينظر هل فيه شيء يدل على النسخ؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث جابر المسند، وحديث محمد بن المكندر، وحديث قبيصة المنقطعين تدل على أن قوله ﵇: "فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" منسوخ. أما حديث جابر فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أصبغ بن الفرج شيخ البخاري، عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن

стр. 8088

عبد الله النخعي، عن محمد بن إسحاق المدني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله. وأخرجه النسائي (١): عن عبيد الله بن سعد، ثنا عمي -هو يعقوب بن سعد- نا شريك، عن محمد بن إسحاق. . . . إلى آخره، وقد ذكرناه عن قريب. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): أنا ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة، ثنا المنذر بن محمد القابوسي، ثنا أبي، ثنا الحسن بن صالح، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: "جلد رسول الله ﵇ نعيمان أربع مرات". فرأى المسلمون حرجًا عظيمًا أن الحد قد وقع وأن القتل قد أُخر". وأما حديث محمد بن المنكدر فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب. . . . إلى آخره. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح. وأما حديث قبيصة فأخرجه أيضًا عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب. فهؤلاء كلهم أيضًا رجال الصحيح. وقبيصة بن ذؤيب وُلد عام الفتح، وقيل: إنه وُلد أول سنة من الهجرة، ولم يذكر له سماع من النبي ﵇، وعده الأئمة من التابعين، وذكروا أنه سمع من الصحابة. وإذا ثبت أن مولده في أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون له سماع من النبي ﵇. وأبوه ذؤيب بن حلحلة، صحابي. والله أعلم.

стр. 8089

وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: أنا سفيان، قال الزهري: أنا قبيصة بن ذؤيب، أن النبي ﵇ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه -في الثالثة أو الرابعة- فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده ورفع القتل، وكانت رخصةً". قوله: "فأتي ثلاث مرات برجل" هو النعيمان أو ابن النعيمان. وقد اعترض ابن حزم في "المحلى" وقال: أما حديث جابر عبد الله فإنه لا يصح؛ لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلًا إلا شريك القاضي عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر وهما ضعيفان. وأما حديث قبيصة فمنقطع ولا حجة في منقطع. قلت: لا نسلم أن حديث شريك ضعيف وقد قال يحيى بن معين: شريك صدوق ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة وكان حسن الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقد صحح الحكم وغيره حديثه. وأما حديث زياد بن عبد الله فأخرجه ابن خزيمة، عن محمد بن موسى الجرشي، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﵇ نحوه. وقال: "فإن عاد الرابعة فاقتلوه"، وقال: "فرأى المسلمون أن الحد قد وقع حين ضرب النبي ﵇ نعيمان أربع مرات". وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا من طريق ابن خزيمة. وأما حديث قبيصة وإن كان منقطعًا ولكنه يعتضد بحديث جابر ﵁ على أن مولد قبيصة وإن كان أول سنة من الهجرة -على ما قاله بعضهم- يمكن سماعه من النبي ﵇ فيرتفع الانقطاع حينئذٍ، والله أعلم.

стр. 8090

ص: ثم عدنا إلى النظر في ذلك لنعلم ما هو؟ فرأينا العقوبات التي تجب بانتهاك الحرمات مختلفة، فمنها حد الزنا وهو الجلد في غير الإحصان، فكان من زنى وهو غير محصن فحُدًّ، ثم زنى ثانيةً كان حده كذلك. ثم كذلك حده في الرابعة، فلا يتغير عن حده في أول مرة. وكان مَن سرق ما يجب فيه القطع فحدُّه قطع اليد، ثم ان سرق ثانية فحده قطع الرجل، ثم إن سرق ثالثة ففي حكمه اختلاف بين الناس، فمنهم مَن يقول: تقطع يده. ومنهم مَن يقول: لا تقطع، فهذه حقوق الله التي تجب فيما دون النفس. وأما حدود الله التي تجب في الأنفس فهي القتل في الردة، والرجم في الزنا إذا كان الزاني محصنًا، فكأن مَن زنى ممن قد أحصن رجم ولم يتتظر به أن يزني أربع مرات، وكان من ارتد عن الإسلام قتل ولم ينتظر به أن يرتد أربع مرات. وأما حقوق الآدميين فمنها أيضًا ما يجب فيما دون النفس، فمن ذلك حد القذف، فكان مَن قذف أربع مرات فحكمه فيما يجب عليه بكل مرة منها هو حكم واحد لا يتغير، ولا يختلف ما يجب من قذفه إياه في المرة الرابعة وما يجب عليه بقذفه إياه في المرة الأولى. فكانت الحدود لا تتغير في انتهاك الحرم، وحكمها كلها حكم واحد، ما كان منها جلد في أول مرة فحكمه كذلك أبدًا، وما كان منها قتل، قتل الذي وجب عليه ذلك بفعله أول مرة ولم يُنتظر به أن يتكرر فعله أربع مرات. فلما كان ما وصفنا كذلك، وكان من شرب الخمر مرةً فحده الجلد لا القتل، كان فى النظر أيضًا عقوبته في شربه إياها بعد ذلك أبدًا كلما شربها الجلد لا القتل، ولا تزيد عقوبته بتكرر أفعاله كما لم تزد عقوبة الذين وصفنا بتكرر أفعالهم. فهذا الذي وصفنا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: وجه هذا القياس والنظر بيِّن جدًّا لا يحتاج إلى مزيد البيان.
следующие страницы →