عبد الله ابن مرة، عن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم. . . ." الحديث.
قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: حدثني الأسود، عن عائشة.
قال: وحدثنا إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثل حديث عبد الله بن مرة، قال عبد الرحمن: أفسد هذين الحديثين جميعًا حديث مسروق، عن عبد الله، وحديث إبراهيم عن الأسود، ثنا أبو علي المالكي: ثنا أبو موسى: ثنا أبو عامر: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: "لا يحل دم امرئ مسلم من هذه الأمة إلا بإحدى ثلاث: رجل قتل فيقتل به، والثيب الزاني، والمفارق للجماعة" أو قال: "الخارج من الجماعة" موقوف.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن غالب الهمداني الكوفي قال: "دخل الأشتر وهو مالك بن الحارث النخعي الكوفي، وكان أدرك الجاهلية، وكان من شيعة علي ﵁".
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب نحوه. وعن هلال بن العلاء، عن حسين بن علي، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو، عن عائشة به. ولم يرفعه.
ص: فهذه الآثار التي ذكرناها تعارض الآثار الأُول؛ لأن النبي ﵇ قد منع في هذه الآثار أن يحل الدم إلا بإحدى الخصال المذكورة فيها، غير أنه قد يحتمل أن تكون هذه الآثار ناسخة للآثار الأول. فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل عليه؟
стр. 8087
فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه. قال: فثبت الحد ودرئ القتل".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن محمد بن المنكدر حدثه، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "في شارب الخمر: إن شرب فاجلدوه -ثلاثًا-، ثم قال في الرابعة: فاقتلوه. فأتي ثلاث مرات برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده، ووضع القتل عن الناس".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي أنه حدثه، أنه بلغه عن رسول الله ﵇، مثله سواء.
فثبت بما ذكرنا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود، وعائشة ﵃ فإنها تعاض الآثار الأُول، وهي الأحاديث التي رواها عن معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وأبي الرمداء ﵃.
وجه المعارضة بين هذه الأحاديث ظاهر، فإذا وقع التعارض بين الحديثين ينظر هل فيه شيء يدل على النسخ؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث جابر المسند، وحديث محمد بن المكندر، وحديث قبيصة المنقطعين تدل على أن قوله ﵇: "فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" منسوخ.
أما حديث جابر فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أصبغ بن الفرج شيخ البخاري، عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن
стр. 8088
عبد الله النخعي، عن محمد بن إسحاق المدني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله.
وأخرجه النسائي (١): عن عبيد الله بن سعد، ثنا عمي -هو يعقوب بن سعد- نا شريك، عن محمد بن إسحاق. . . . إلى آخره، وقد ذكرناه عن قريب.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): أنا ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة، ثنا المنذر بن محمد القابوسي، ثنا أبي، ثنا الحسن بن صالح، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: "جلد رسول الله ﵇ نعيمان أربع مرات". فرأى المسلمون حرجًا عظيمًا أن الحد قد وقع وأن القتل قد أُخر".
وأما حديث محمد بن المنكدر فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب. . . . إلى آخره.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأما حديث قبيصة فأخرجه أيضًا عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب.
فهؤلاء كلهم أيضًا رجال الصحيح.
وقبيصة بن ذؤيب وُلد عام الفتح، وقيل: إنه وُلد أول سنة من الهجرة، ولم يذكر له سماع من النبي ﵇، وعده الأئمة من التابعين، وذكروا أنه سمع من الصحابة. وإذا ثبت أن مولده في أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون له سماع من النبي ﵇.
وأبوه ذؤيب بن حلحلة، صحابي. والله أعلم.
стр. 8089
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: أنا سفيان، قال الزهري: أنا قبيصة بن ذؤيب، أن النبي ﵇ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه -في الثالثة أو الرابعة- فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده ورفع القتل، وكانت رخصةً".
قوله: "فأتي ثلاث مرات برجل" هو النعيمان أو ابن النعيمان. وقد اعترض ابن حزم في "المحلى" وقال: أما حديث جابر عبد الله فإنه لا يصح؛ لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلًا إلا شريك القاضي عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر وهما ضعيفان.
وأما حديث قبيصة فمنقطع ولا حجة في منقطع.
قلت: لا نسلم أن حديث شريك ضعيف وقد قال يحيى بن معين: شريك صدوق ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة وكان حسن الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقد صحح الحكم وغيره حديثه.
وأما حديث زياد بن عبد الله فأخرجه ابن خزيمة، عن محمد بن موسى الجرشي، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﵇ نحوه. وقال: "فإن عاد الرابعة فاقتلوه"، وقال: "فرأى المسلمون أن الحد قد وقع حين ضرب النبي ﵇ نعيمان أربع مرات".
وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا من طريق ابن خزيمة.
وأما حديث قبيصة وإن كان منقطعًا ولكنه يعتضد بحديث جابر ﵁ على أن مولد قبيصة وإن كان أول سنة من الهجرة -على ما قاله بعضهم- يمكن سماعه من النبي ﵇ فيرتفع الانقطاع حينئذٍ، والله أعلم.
стр. 8090
ص: ثم عدنا إلى النظر في ذلك لنعلم ما هو؟ فرأينا العقوبات التي تجب بانتهاك الحرمات مختلفة، فمنها حد الزنا وهو الجلد في غير الإحصان، فكان من زنى وهو غير محصن فحُدًّ، ثم زنى ثانيةً كان حده كذلك. ثم كذلك حده في الرابعة، فلا يتغير عن حده في أول مرة.
وكان مَن سرق ما يجب فيه القطع فحدُّه قطع اليد، ثم ان سرق ثانية فحده قطع الرجل، ثم إن سرق ثالثة ففي حكمه اختلاف بين الناس، فمنهم مَن يقول: تقطع يده. ومنهم مَن يقول: لا تقطع، فهذه حقوق الله التي تجب فيما دون النفس.
وأما حدود الله التي تجب في الأنفس فهي القتل في الردة، والرجم في الزنا إذا كان الزاني محصنًا، فكأن مَن زنى ممن قد أحصن رجم ولم يتتظر به أن يزني أربع مرات، وكان من ارتد عن الإسلام قتل ولم ينتظر به أن يرتد أربع مرات.
وأما حقوق الآدميين فمنها أيضًا ما يجب فيما دون النفس، فمن ذلك حد القذف، فكان مَن قذف أربع مرات فحكمه فيما يجب عليه بكل مرة منها هو حكم واحد لا يتغير، ولا يختلف ما يجب من قذفه إياه في المرة الرابعة وما يجب عليه بقذفه إياه في المرة الأولى. فكانت الحدود لا تتغير في انتهاك الحرم، وحكمها كلها حكم واحد، ما كان منها جلد في أول مرة فحكمه كذلك أبدًا، وما كان منها قتل، قتل الذي وجب عليه ذلك بفعله أول مرة ولم يُنتظر به أن يتكرر فعله أربع مرات.
فلما كان ما وصفنا كذلك، وكان من شرب الخمر مرةً فحده الجلد لا القتل، كان فى النظر أيضًا عقوبته في شربه إياها بعد ذلك أبدًا كلما شربها الجلد لا القتل، ولا تزيد عقوبته بتكرر أفعاله كما لم تزد عقوبة الذين وصفنا بتكرر أفعالهم.
فهذا الذي وصفنا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: وجه هذا القياس والنظر بيِّن جدًّا لا يحتاج إلى مزيد البيان.
стр. 8091
قوله: "فمنهم مَن يقول" أي من العلماء من يقول: تقطع يد السارق اليسرى بعد أن سرق ثالثةً، وهو قول مالك، والشافعي.
قوله: "ومنهم مَن يقول: لا تقطع" أي في السرقة الثالثة لا يقطع منه شيء، ولكن يُحبس إلى أن يحدث التوبة. وهو قول الزهري، والنخعي، والثوري، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر.
وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: تقطع يده اليسرى بعد الرجل اليسرى، فإن سرق قطعت رجله اليمنى، فإن سرق حبس حتى يحدث توبة.
وعن أبي بكر ﵁ مثل ذلك، إلا أن عمر ﵁ قد روي عنه الرجوع إلى قول علي ﵁.
стр. 8092
ص: باب: المقدار الذي يقطع فيه السارق
ش: أي هذا باب في بيان المقدار الذي يجب فيه قطع يد السارق إذا سرقه.
ص: حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "قطع رسول الله ﷺ في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أتي النبي ﵇ برجل قد سرق حجفة ثمنه ثلاثة دراهم، فقطعه".
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس الثعلبي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب القرشي العمري العدوي المدني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه البخاري (١): عن مسدد، عن يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله قال: "قطع النبي ﵇ في مجن ثمنه ثلاثة دراهم".
стр. 8093
ومسلم (١): عن ابن نمير، عن أبيه، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (١): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ الشيخين، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه أبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. . . . نحوه.
أخرجه البخاري (٣): عن إسماعيل، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس.
وأخرجه مسلم (٤): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
والنسائي (٥): عن قتيبة، عن مالك نحوه.
الخامس: عن علي بن معبد، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق المدني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.
стр. 8094
وأخرجه الدارقطني (١): ثنا ابن صاعد، ثنا خلاد بن أسلم، ثنا عبد الله بن إدريس، عن يحيى بن سعيد ومحمد بن إسحاق ومالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم".
قوله: "في مجن" بكسر الميم، وهو الترس، والميم فيه زائدة، وأصله من جَنَّ يُجن إذا ستر، سمي به لأنه يواري حامله أي يستره، والحجفة -بفتح الحاء المهملة والجيم- الترس أيضًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكان الذي في هذه الآثار: أن رسول الله قطع في حجفة قيمتها ثلاثة دراهم، وليس فيها أنه لا يقطع فيما هو أقل من ذلك.
فنظرنا في ذلك فإذا أحمد بن داود قد حدثنا، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا صالح أبو واقد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن".
فعلمنا بهذا أن رسول الله ﵇ وقفهم عند قطعه في المجن، على أنه لا يقطع فيما قيمته أقل من قيمة المجن.
ش: أراد بهذا الكلام: أن أحاديث عبد الله بن عمر مجرد أخبار عن رسول الله ﵇ أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وهذا لا يدل على أنه لا يقطع فيما هو أقل من ذلك؛ لأنه ليس فيه ما يستلزم نفي ذلك.
فإذا كان كذلك، لا تقوم بها حجة لمن يقول: إن شرط القطع أن يكون شيء يساوي ثلاثة دراهم؛ لأن هذا ليس فيه أن لا قطع في أقل من ذلك ولكن حديث سعد بن أبي وقاص يدل على أنه لا يقطع في أقل من قيمة المجن؛ لأنه روي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن".
стр. 8095
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن أبي واقد صالح بن محمد بن زائدة الليثي المدني -ضعفه يحيى والدارقطني- عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا أبو واقد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "يقطع السارق في ثمن المجن".
وهذا الحديث يُعلم أنه ﵇ وقف أصحابه عند قطعه في المجن، على أنه لا يقطع فيما قيمته أقل من قيمة المجن.
ص: فذهب قوم إلى أن السارق يقطع في هذا المقدار الذي قَدَّره ابن عمر في ثمن المجن، وهو ثلاثة دراهم، ولا يقطع فيما هو أقل من ذلك، واحتجوا في ذلك بما رووه عن ابن عمر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والليث، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: تقطع يد السارق في ثمن المجن، وهو ثلاثة دراهم، ولا تقطع في أقل من ذلك.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر المذكور، وبيان مذاهبهم: ما قاله أبو عمر بن عبد البر: وعلى حديث ابن عمر عوّل مالك وأهل المدينة وفقهاء الحجاز وجماعة أصحاب الحديث، فيمن سرق ربع دينار من الذهب أنه يقطع، لكن الشافعي جعل هذا الحديث أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه، فإن بلغ العَرْض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه، وهو قول إسحاق وأبي ثور وجماعة من التابعين.
وقال الشافعي: ومن سرق فضة وزنها ثلاثة دراهم ليلًا فعليه القطع إذا كانت قيمته ربع دينار؛ لأن الثلاثة دراهم التي قوم بها المجن في حديث ابن عمر،
стр. 8096
وقوَّم بها عثمان إلا تريجة كانت عندهم في ذلك الوقت من صرف اثني عشر درهمًا بدينار.
وكذلك قال أبو داود: القطع في ربع دينار فصاعدًا.
والذي عول عليه مالك وجعله أصلًا ترد إليه قيمة العروض المسروقة كلها في هذا الباب هو حديث ابن عمر، فإن كان المسروق ذهبًا عينًا أو تبرًا أو مصوغًا أو غير مصوغ لم ينظر فيه إلى قيمة الثلاثة دراهم، وروعي فيه ربع دينار واعتبر ذلك؛ فإن بلغ ربع دينار وزنًا قطع يد سارقه، وإن كان المسروق فضة اعتبر فيه وزن ثلاثة دراهم كيلًا من وَرِق طيب لا دلسة فيها، وما عدا الذهب والورق فالاعتبار في تقويمه عند مالك وأصحابه الثلاثة دراهم المذكورة دون مراعاة ربع دينار فقف عل هذا فافهمه. وبه قال أحمد بن حنبل. انتهى (١).
وقال ابن حزم في "المحلى": اختلف الناس في مقدار ما يجب فيه قطع يد السارق، فقالت طائفة: يقطع في كل ما له قيمة، قل أو كثر.
وقالت طائفة: أما في الذهب فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا، وأما في غير الذهب ففي كل ما له قيمة، قلت أو كثرت.
وقالت طائفة: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار، درهم أو ما يساوي درهمًا.
قلت: هذا روي عن الحسن البصري، وهو قول شاذ.
وقالت طائفة: لا تقطع إلا في درهمين أو ما يساوي درهمين فصاعدًا.
وقالت طائفة: لا تقطع إلا في أربعة دراهم أو ما يساويها فصاعدًا.
وقالت طائفة: لا يقطع إلا في ثلث دينار أو ما يساويه فصاعدًا.
وقالت طائفة: لا يقطع إلا في خمسة دراهم أو ما يساويها فصاعدًا.
وقالت طائفة: لا يقطع إلا في دينار ذهب أو ما يساويه فصاعدًا.
стр. 8097
وقالت طائفة: لا يقطع إلا في دينار ذهب أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحد العددين فصاعدًا، فإن لم يساو لا دينارًا ولا عشرة دراهم لم يقطع.
وقالت طائفة: لا يقطع إلا في عشرة دراهم مضروبة أو ما يساويها فصاعدًا، ولا يقطع في أقل من ذلك. انتهى.
وقال الجصاص في "أحكامه": وقال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي: لا يقطع إلا في ربع دينار فصاعدًا.
قال الشافعي: فلو غلت الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قطع في ربع دينار، وإن كان ذلك نصف درهم، وإن رخصت الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قطع في ربع دينار، وذلك خمسة وعشرون درهما.
وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان بن يسار: لا يقطع في خمسة دراهم، وروي نحوه عن علي وعمر ﵁ قالا: لا يقطع إلا في خمسة دراهم. والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يقطع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعدًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأيمن الحبشي وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر؛ فإنهم قالوا: لا يقطع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعدًا.
وروي عن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يقطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة، وروي عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم مما يجوز بين الناس قطع.
стр. 8098
وقال أبو عمر: قال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم كيلًا، أو دينارًا، أو ذهبًا عينًا أو وزنًا، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل.
وقال الكاساني: وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود ﵃ مثل مذهبنا.
وقال أيضًا: يشترط أن تكون الدراهم المسروقة جياد، حتى لو سرق عشرة دراهم زيوفًا أو نبهرجة أو ستوقة لا يقطع إلا أن تكون كثيرة تبلغ قيمتها عشرة دراهم جيادًا، ويشترط أيضا أن تعتبر عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل، وهل يعتبر أن تكون مضروبة؟
ذكر الكرخي أنه يعتبر عشرة دراهم مضروبة، وهكذا روى بشر، عن أبي يوسف، وابن سماعة، عن محمد: حتى لو كان تبرًا قيمته عشرة دراهم مضروبة لا يقطع، وعن أبي حنيفة: المضروبة وغيرها سواء إذا كانت رائجة.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﵇ عشرة دراهم".
حدثنا ابن أبي داود وعبد الرحمن بن عمرو، قالا: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله ﵇: "أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن" قال: وكان يقوم يومئذ دينارًا.
стр. 8099
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن بن أم أيمن، عن أم أيمن قالت: قال رسول الله ﵇: "لا تقطع يد السارق إلا في حجفة"، وقومت يومئذ على عهد رسول الله ﵇ دينارًا أو عشرة دراهم.
فلما اختلف في قيمة المجن التي قطع فيه رسول الله ﵇، احتيط في ذلك، فلم يقطع إلا فيما قد أجمع أن فيه وفاء قيمة المجن التي جعلها رسول الله ﵇ مقدارًا أن لا يقطع فيما هو أقل منها، وهي عشرة دراهم.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأيمن الحبشي، وأم أيمن؛ فإن في أحاديثهم أن قيمة المجن التي قطع فيها رسول الله ﵇ كانت يومئذ دينارًا أو عشرة دراهم، فهذه تخالف ما روي عن ابن عمر أن قيمته كانت ثلاثة دراهم.
وروي عن قتادة، عن أنس مرفوعًا أن ثمنه كان ثلاثة دراهم أو خمسة دراهم أو أربعة دراهم، فلما وقع هذا الاختلاف وكان طريق إثبات هذا الضرب من المقادير التوقيف أو الاتفاق، ولم يثبت الاتفاق فيما دون العشرة، وثبت الاتفاق في العشرة أثبتناها، ولم نثبت ما دونها لعدم الاتفاق فيه.
أما حديث ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ إمام أهل الشام، كلاهما عن أحمد بن خالد الوهبي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن العاص المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن السري العسقلاني -
стр. 8100
وهذا لفظه وهو أتم- قالا: ثنا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "قطع رسول الله ﵇ يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم".
فأن قلت: روى البيهقي هذا الحديث في "سننه" (١) وفي كتابه "الخلافيات" من طريق أبي داود، ثم خالفه الحكم، فرواه عن عطاء، ومجاهد، عن أيمن الحبشي، ثم أسنده عن أيمن.
فإن كان لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن وأكثر، وكان ثمن المجن يومئذ دينارًا، ثم حكى البيهقي عن البخاري قال: أيمن الحبشي من أهل مكة، مولى ابن أبي عمرة المكي، سمع عائشة، روى عنه ابنه عبد الواحد ثم قال: روايته عن النبي ﵇ منقطعه.
قلت: هذان حديثان رواهما عطاء: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أيمن، فلا يعلل أحدهما بالآخر.
ولهذا أخرج الحاكم في "المستدرك" (٢): حديث ابن عباس وقال: صحيح على شرط مسلم، وشاهده حديث أيمن، ثم أخرجه من طريق سفيان، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد، عن أيمن. . . . الحديث.
وذكر عبد الرزاق (٣): عن إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ثمن المجن الذي يقطع فيه: دينار".
قال: وأخبرنيه داود بن الحصين، عن ابن المسيب مثله.
وإبراهيم هو ابن أبي يحيى، والشافعي حسَّن الظن فيه.
стр. 8101
وقال صاحب "التمهيد" (١): ثنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا محمد، ثنا يوسف، ثنا ابن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "قوِّم المجن الذي قطع فيه النبي ﵇ عشرة دراهم".
وقال النسائي (٢): ثنا عبيد الله بن سعيد، أنا عمي، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب، أن عطاء بن أبي رباح حدثه، أن عبد الله بن عباس كان يقول: "ثمنه عشرة دراهم".
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، كلاهما عن أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وأخرجه النسائي (٣): أنا خلاد بن أسلم، عن عبد الله -هو ابن إدريس- عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﵇ عشرة دراهم".
فإن قلت: قد أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه" (٤) ثم قال: قال الشافعي: هذا رأي من عبد الله بن عمرو.
قلت: إذا ذكر الصحابي شيئًا وأضافه إلى زمن النبي ﵇ كان مرفوعًا عندهم، فليس هذا برأي بل هو خبر أخبر به، وهو محمول عندهم على أنه سمعه.
وقد أخرج الدارقطني (٥): من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم".
стр. 8102
وفي كتاب "الحجج" لعيسى بن أبان: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب قال: "مَضَت السنة أن لا تقطع يد السارق إلا في دينار أو عشرة دراهم، ومضت السنة بأن قيمة المجن دينار أو عشرة دراهم".
وفي "الحجج" أيضًا: ثنا علي بن عاصم، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو ابن شعيب، عن سعيد بن المسيب قال: "مضت السنة من رسول الله ﵇ أن لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم".
فإن قلت: حكى البيهقي عن الشافعي أنه قال لخصمه: أنت تزعم أن عمرو بن شعيب ليس ممن تقبل روايته.
قلت: الحنفية يعملون بروايته ولا يردون شيئًا منها إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد قال البيهقي في "سننه" في باب: مَن قال: يرث قاتل الخطأ: الشافعي كالمتوقف في روايات عمرو بن شعيب إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها.
وأما حديث أيمن الحبشي فأخرجه: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن معاوية بن هشام القصار الكوفي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد المكي، كلاهما عن أيمن الحبشي المكي.
وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمود بن غيلان، ثنا معاوية، ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن قال: "لم يقطع النبي ﵇ السارق إلا في ثمن المجن، قال: وثمن المجن يومئذ دينار".
أخبرنا محمد بن بشار (٢)، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن منصور، عن
стр. 8103
مجاهد، عن أيمن قال: "لم تكن تقطع اليد على عهد رسول الله ﵇ إلا في ثمن المجن، وقيمته يومئذ دينار".
حدثنا محمد بن بشار (١)، ثنا عبد الله بن داود، عن علي بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن قال: "لم تقطع اليد في عهد رسول الله ﵇ إلا في ثمن المجن، قال: وثمن المجن يومئذ دينار".
وأخرجه النسائي من طرق متعددة (٢).
فإن قيل: حكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: أيمن الذي رواه عنه عطاء رجل حَدَث لعله أصغر من عطاء، روى عنه عطاء حديثًا عن نفيع، عن كعب، فهذا منقطع، فقال خصمه: روى شريك عن مجاهد، عن أيمن ابن أم أيمن، فقال له الشافعي: أخو أسامة، قتل يوم حنين قبل أن يولد مجاهد، ولم يبق بعده ﵇ فيحدث عنه.
ثم ذكر البيهقي حديث عطاء عن أيمن مولى ابن الزبير، عن نفيع، عن كعب، ثم قال: وقد أشار البخاري إليه في "التاريخ" واستدل هو وغيره بذلك عل أن حديثه في المجن منقطع.
قلت: كلام الشافعي يعطي أن أيمن الذي روى عنه عطاء غير ابن أخي أسامة، وأنهما رجلان.
وقد حكاه صاحب "المستدرك" (٣): عن الشافعي ما صرَّح من هذا، فذكر ما حكيناه عنه من حديث الحكم، عن مجاهد، عن أيمن، ثم قال: سمعت أبا العباس، سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: أيمن هذا هو ابن
стр. 8104
امرأة كعب وليس بابن أم أيمن، ثم قال الحاكم: والدليل على صحة قول الشافعي ما حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى، أنا جرير، عن منصور، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن -قال: وكان أيمن رجلًا يذكر منه خيرٌ- قال: "لا تقطع يد السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمن المجن يومئذ دينارًا".
فأيمن بن أم أيمن الصحابي أخو أسامة لأمه أجل وأنبل من أن ينسب إلى الجهالة فيقال: كان رجلًا يذكر منه خير إنما تقال مثل هذه اللفظة لمجهول لا يعرف بالصحبة. انتهى كلامه.
وظاهر كلام البيهقي أنهما رجل واحد، وقد صرَّح بذلك جماعة، فقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": أيمن بن عبيد الحبشي هو الذي يقال له: أيمن بن أم أيمن مولى النبي ﵇، نسب إلى أمه، وكان أخًا لأسامة لأمه، ومن زعم أن له صحبة فقد وهم، وحديثه في "القطع" مرسل.
وفي "معرفة الصحابة" لابن منده: أيمن بن أم أيمن، وهو ابن عبيد بن عمرو أخو أسامة لأمه، أمهما أم أيمن حاضنة النبي ﵇ ثم ذكر ابن منده عن ابن إسحاق قال: وممن شهد مع رسول الله ﵇ حنينًا من أهل بيته أيمن بن عبيد، وكانت أمه أم أيمن مولاة رسول الله ﵇، وكان أخًا لأسامة لأمه.
وفي كتاب ابن أبي حاتم: أيمن الحبشي مولى أبي عمرو، روى عن عائشة وجابر ونفيع، روى عنه مجاهد، وعطاء، وابنه عبد الواحد.
وقال البخاري: روى منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن بن أم أيمن، قال: وأيمن رجل من التابعين لم يدرك النبي ﵇.
ذكر ذلك ابن أبي حاتم في ترجمة واحدة، فهو تصريح بأنهما واحد.
وفي "الاستيعاب" لابن عبد البر: أيمن بن عبيد الحبشي هو أيمن بن أم أيمن
стр. 8105
مولاة رسول الله ﵇، أخو أسامة لأمه، كان ممن بقي مع رسول الله ﵇ يوم حنين ولم ينهزم، وذكره ابن إسحاق فيمن استشهد يوم حنين.
وذكر الطحاوي أنه صحابي معروف الصحبة، وقال في "أحكام القرآن": ولد في عهده ﵇، وعاش بعد وفاته ﵇، وإذا ثبت أنهما واحد وأن أيمن بن أم أيمن من الصحابة، كما عده جماعة منهم، وأنه بقي بعد النبي ﵇ كما ذكره الطحاوي، تحمل رواية مجاهد عنه على الاتصال.
فإن قيل: هو صحابي كما زعم الشافعي وغيره فرواية مجاهد عنه مرسلة، وإن كان من التابعين كما زعم البخاري وغيره فروايته مرسلة، والقائل بهذا الحديث يحتج بالمرسل كيف وقد تأيد بحديث ابن عباس الذي صححه صاحب "المستدرك"، وأخرجه عبد الرزاق من وجه ثان، وصاحب "التمهيد" من وجه ثالث، والنسائي من وجه رابع على ما ذكرناه، وتأيد أيضًا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ المذكور، وبما ذكرنا عن سعيد بن المسيب.
وأما حديث أم أيمن مولاة النبي ﵇ فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن أيمن بن أم أيمن، عن أم أيمن -حاضنة النبي ﵇ يقال: اسمها بركة- عن النبي ﵇.
وأخرجه البيهقي في كتابه "الخلافيات": أنا عبد الواحد بن محمد بن إسحاق بالكوفة، نا أبو هاشم بن عمر -هو الأعمش- نا أبو حفص، نا شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن بن أم أيمن، عن أم أيمن قالت: قال رسول الله ﵇: "لا تقطع يد السارق إلا في حجفة، وقومت يومئذ على عهد النبي ﵇ دينارًا أو عشرة دراهم".
فإن قيل: أيمن هذا عده جماعة من الصحابة، وقالوا: إنه قتل يوم حنين ولم يدركه عطاء، فيكون الحديث منقطعًا.
стр. 8106
قلت: قد بسطنا الكلام فيه في الحديث السابق، وملخصه وهاهنا أيضًا: أن أيمن إن كان من الصحابة ﵃ ومات يوم حنين على ما قاله ابن إسحاق يكون الحديث منقطعًا، ولكن تأيد بحديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو، وإن كان تأخر وفاته إلى ما بعد النبي ﵇ كما زعمه الطحاوي يكون الحديث متصلًا، وإن كان من التابعين على زعم الشافعي وغيره، فيكون أيضًا متصلًا لا محالة، فافهم.
ص: وذهب آخرون إلى أنه لا يقطع إلا في ربع دينار فصاعدًا.
ش: أي ذهب قوم آخرون إلى أن السارق لا تقطع يده إلا في ربع دينار فصاعدًا، وأراد بهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ولما أخرج الترمذي (١) حديث عائشة هذا قال: والعمل على هذا عند بعض فقهاء التابعين، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، رأوا أن القطع في ربع دينار فصاعدًا.
فإن قلت: ما ذهب إليه هؤلاء هو بعينه ما ذكره الطحاوي من مذهب أهل المقالة الأولى، فلم ذكر هاهنا أيضًا بقوله وذهب آخرون؟.
قلت: لفائدة خفية لا يفهمها إلا مَن له دقة نظر، وهو أن هؤلاء وأصحاب المقالة الأولى لا شك أنهم كلهم يخالفون أصحاب المقالة الثانية، وأنهم كلهم يحتجون بحديث عبد الله بن عمر المذكور في أول الباب، وبحديث عائشة هذا كما يأتي الآن، ولكن لما كان الشافعي وأحمد وإسحاق اعتبروا تقويم الفضة والعروض بربع دينار في وجوب القطع، حتى أن مَن سرق فضة وزنها ثلاثة دراهم لا يجب عليه القطع عندهم إلا إذا كانت قيمتها ربع دينار، أفرد ذكر خلافهم هاهنا أيضًا لذلك المعنى بعد أن كانوا داخلين في أهل المقالة الأولى.
стр. 8107
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵁ قالت: كان النبي ﵇ يقطع في ربع دينار فصاعدًا".
قيل لهم: ليس في هذا أيضًا حجة على مَن ذهب إلى أنه لا يقطع إلا في عشرة دراهم؛ لأن عائشة ﵂ إنما أخبرت عما قطع فيه رسول الله ﵇، فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قومت ما قطع فيه، فكانت قيمته عندها ربع دينار، فجعلت ذلك مقدار ما كان النبي ﵇ يقطع فيه.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة.
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة، فالبخاري (١): عن إسماعيل بن أبي أويس، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة عن النبي ﵇ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار".
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇ نحوه.
وأبو داود (٣): عن ابن السرح، عن ابن وهيب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇.
والترمذي (٤): عن علي بن حُجر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇.
стр. 8108
والنسائي (١): عن أبي صالح، عن ابن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ .
وابن ماجه (٢): عن أبي مروان، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇.
قوله: "قيل لهم. . . . إلى آخره" جواب عن حديث عائشة المذكور، وملخصه: أن ذلك إخبار عن عائشة عن قطع رسول الله ﵇ بتقدير منها لثمن المجن اجتهادًا، ولا حظ للاجتهاد مع النص، والدليل عل ذلك أن حماد بن زيد روى هذا الحديث عن أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمرة، عن عائشة موقوفًا.
وجواب آخر أنه تعارضه الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الثانية، والعمل بها أولى من حديث عائشة؛ لأن في حديث عائشة يُبيح القطع فيما دون العشرة، وفي أحاديثهم لا يبيح ذلك بل فيه الحظر عما دون العشرة، وخبر الحظر أولى من خبر الإباحة، فافهم.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا".
فقالوا: هذا إخبار من عائشة عن قول النبي ﵇، فدل ذلك أن ما ذكر عنها في الحديث الأول من قطع النبي ﵇ في ربع دينار فصاعدًا أنها إنما أخذت ذلك عن رسول الله ﵇ مما وقفها عليه على ما في هذا الحديث لا من جهة تقويمها لما كان قطع فيه.
ش: أي احتج أهل المقالة الثالثة أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة المذكور آنفًا الذي أجاب عنه أهل المقالة الثانية بما أجابوا بحديث عائشة الآخر الذي
стр. 8109
أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، كلاهما عن عائشة.
وأخرجه البخاري (١) هكذا كما ذكرنا عن قريب فقالوا: هذا الحديث فيه إخبار عن عائشة عن قول النبي ﵇ أنه قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" فدل حديثها هذا أن ما ذكرت في حديثها الأول إنما كان عن رسول الله ﵇ مما وقفها عليه، ولم يكن من جهة اجتهادها في التقويم لما كان يقطع فيه.
ص: قيل لهم: هذا كما ذكرتم لو لم يختلف في ذلك عنها، فقد روى ابن عيينة عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ما قد ذكرنا في الفصل الأول، فكان ذلك إخبارًا منها عن فعل النبي ﵇ لا عن قوله.
ويونس بن يزيد عندكم لا يقارب ابن عيينة، فكيف تحتجون بما روى وتدعون ما روى ابن عيينة؟!
ش: أي قيل لهؤلاء في جواب ما ذكروا من قولهم: "فدل ذلك أن ما ذكر عنها في الحديث الأول. . . ." إلى آخره.
وتقريره أن يقال: كنا نسلم ما ذكرتم من ذلك لو لم يختلف في ذلك عن عائشة ﵂، وقد اختلف كما ذكرنا، ففي رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة عنها إخبار منها عن فعل النبي ﵇ لا عن قوله، وتعيين المقدار اجتهاد منها كما قد ذكرنا، وفي رواية يونس بن يزيد الأيلي إخبار عن قوله ﵇، ويونس هذا لا يقارب عندكم ولا عند غيركم سفيان بن عيينة، فكيف تحتجون بقول يونس وتتركون قول سفيان؟!
فإن قيل: لا نسلم أن يونس لا يقارب سفيان بن عيينة، وقد قال يحيى:
стр. 8110
أثبت أصحاب الزهري معمر ويونس، وقال أحمد بن صالح المصري: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا.
قلت: سفيان إمام، عالم، ورع، زاهد، حجة، ثقة، ثبت، مجمع على صحة حديثه، وكيف يقاربه يونس بن يزيد، وقد قال ابن سعد: كان يونس حلو الحديث وكثيره، وليس بحجة ربما جاء بالشيء المنكر.
ص: قالوا: فقد روي هذا الحديث أيضًا من غير هذا الوجه عن عمرة، عن عائشة ﵂ كما رواه يونس بن يزيد، فذكروا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا".
قيل لهم: فكيف تحتجون بهذا وأنتم تزعمون أن مخرمة لم يسمع من أبيه حرفًا، وإنما روى عنه مرسلًا، وأنتم لا تحتجون بالمرسل، فمما يذكرون مما ينفون به سماع مخرمة من أبيه: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، عن خاله، قال: سألت مخرمة بن بكير: هل سمعت من أبيك شيئًا؟ فقال: لا.
ش: هذا اعتراض آخر من أهل المقالة الثالثة، بيانه أن يقال: سلمنا أن يونس بن يزيد لا يقارب سفيان بن عيينة، ولكن قد روي هذا الحديث من غير الوجه المذكور عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة على نظير ما رواه يونس بن يزيد، وهو ما أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بُكير، عن أبيه بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن عمرة، عن عائشة.
وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن عائشة نحوه.
стр. 8111
فأجاب عنه بقوله: "قيل لهم:. . . ." إلى آخره؛ بيانه أن يقال: إن مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا -وأنتم قائلون به- فيكون حديثه منقطعًا، وأنتم لا تحتجون بمثله، فكيف توردونه حجة على خصمكم؟
قوله: "فمما يذكرون" أي فمن الذي يذكرون ما ينفي سماع مخرمة من أبيه: ما رواه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن خاله موسى بن سلمة المصري، أنه قال: سألت مخرمة بن بكير: هل سمعت من أبيك شيئًا؟ فقال: لا. وقال أحمد بن حنبل: مخرمة بن بكير ثقة ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه. وقال يحيى بن معين: مخرمة بن بكير يقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمع منه شيئًا. وعنه: ضعيف.
وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر.
وقال ابن يونس في "تاريخ مصر" في ترجمة موسى بن سلمة: حدثني الحسن بن محمد بن الضحاك الفارسي، ثنا أحمد بن، سعد، ثنا عمي سعيد بن أبي مريم، قال: سمعت خالي موسى بن سلمة يقول: أتيت عبد الله بن يزيد بن هرمز فسألته أن يحدثني، فقال: ليس ذاك عندي، ولكن إن أردت الحديث فعليك بمحمد بن عمرو بن علقمة، قال: وسمعت خالي موسى بن سلمة يقول: أتيت مخرمة بن بكير فقلت له: أخرج إليَّ بعض كتب أبيك، فأخرج إليَّ منها، فقلت له: سمعت من أبيك؟ فقال: لا، لم أسمع من أبي شيئًا، قال: وسمعت خالي موسى بن سلمة يقول: أتيت سفيان الثوري فسألته عن بعض الحديث، قال: فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من مصر، قال: فقال: ما لأهل مصر وللحديث.
ص: قالوا: فإنه قد روي هذا الحديث عن عمرة كما رواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن يحيى بن سعيد أيضًا.
стр. 8112
وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا".
قيل لهم: قد روى هذا الحديث عن يحيى مَن هو أثبت من أبان فأوقفه على عائشة ولم يرفعه إلى رسول الله ﵇.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "ما طال عَليَّ ولا نسيت، القطعُ في ربع دينار فصاعدًا".
حدثنا محمد بن إدريس المكي، قال: ثنا الحميدي، عن سفيان، قال: ثنا أربعة، عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه: عبد الله بن أبي بكر، ورزيق بن حُكيم الأيلي، ويحيى وعبد ربه ابنا سعيد، والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: "ما نسيت ولا طال علي، القطع في ربع دينار فصاعدًا".
حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرتني عمرة، أنها سمعت عائشة ﵂ تقول: "القطع في ريع دينار فصاعدًا".
فكان أصل حديث يحيى عن عمرة هو ما ذكرنا مما رواه عنه أهل الحفظ والإتقان مالك وابن عيينة، لا كما رواه أبان بن يزيد، فقد عاد حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة إلى نفسها إما لتقويمها ما قد خولفت في تقويمه، وإما لتوقيتها ما قد خولفت في توقيته، ولم يثبت فيه عنها عن النبي ﵇ شيء.
وأما ما استدل به ابن عيينة على أن حديث عائشة مما رواه يحيى بن سعيد، عن عمرة عنها مرفوع بقولها: "ما طال عليَّ ولا نسيت" فإن ذلك عندنا لا دلالة فيه على ما قد ذكرتم، وقد يجوز أن يكون معناها في ذلك: ما طال عليَّ ولا نسيت ما قطع فيه رسول الله ﵇ مما كانت قيمته عندها ربع دينار، وقيمته عند غيرها أكثر
стр. 8113
من ذلك، فيعود معنى حديثها هذا إلى معنى ما قد رويناه عنها قبل هذا، من ذكرها ما كان النبي ﵇ يقطع فيه، ومن تقويمها إياه بربع دينار.
ش: هذه معارضة أخرى من أهل المقالة الثالثة، بيانها أنهم قالوا: قد قلتم في رواية يونس بن يزيد ما قلتم، وقد رواه أيضًا أبان بن يزيد العطار كما رواه يونس بن يزيد الأيلي؛ فإنه روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أن النبي ﵇ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا".
فهذا أيضًا إخبار عن عائشة من قول النبي ﵇.
أخرجه عن محمد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن أبان بن يزيد العطار. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أخبرني يزيد بن محمد بن فضيل، أنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان، نا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، أن النبي ﵇ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا".
فأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له" بيانه أن يقال: إن هذا الحديث قد رواه عن يحيى بن سعيد مَن هو أثبت من أبان بن يزيد، فأوقفه على عائشة ولم يرفعه إلى رسول الله ﵇، وهو ما أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره.
ولا شك أن مالكًا أثبت وأتقن من أبان بن يزيد، ووافقه على ذلك سفيان بن عيينة أيضًا فإنه قال: ثنا أربعة، عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه، وهم: عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، روى له الجماعة.
стр. 8114
ورُزيق -بضم الراء المهملة وفتح الزاي المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف- ابن حُكيم -بضم الحاء المهملة وفتح الكاف- الأيلي، عامل عمر بن عبد العزيز على أيلة، وثقه النسائي.
ويحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، روى له الجماعة.
وأخوه عبد ربه بن سعيد، وثقه يحيى، روى له الجماعة.
أخرجه عن محمد بن إدريس المكي وراق الحميدي، عن الحميدي وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبة، ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد وعبد ربه، ورزيق -صاحب أيلة- أنهم سمعوا عمرة، عن عائشة قالت: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
قوله: "والزهري أحفظهم كلهم" من تتمة حديث ابن عيينة أن محمد بن مسلم الزهري أحفظ الأربعة المذكورين.
وقوله: "كُلِّهم" بالجر على ما لا يخفى.
فإن قلت: هذا الكلام من ابن عيينة يدل على أن رفع الحديث المذكور أصح وأثبت؛ لأنه من رواية الزهري، وهو أتقن من الأربعة الذين رووه موقوفًا.
قلت: والزهري وإن كان قد رواه مرفوعًا فقد رواه موقوفًا أيضًا.
أخرجه النسائي (٢): من حديث ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا".
وهذا يرد على مَن يقول: لا يختلف على الزهري في رفع هذا الحديث، فافهم.
стр. 8115
قوله: "إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع" يعني قول عائشة: "ما نسيت ولا طال عليَّ"، يدل على أنها سمعت قولها: "القطع في ربع دينار فصاعدًا"، عن النبي ﵇، وهذه دلالة غير صريحة، فلا يحتج بها على الخصم.
قوله: "حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض. . . . إلى آخره" إشارة إلى أن أنس بن عياض بن حمزة المدني أيضًا وافق مالكًا على الوقف.
أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة. . . . إلى آخره.
ووافقه أيضًا ابن إدريس على ذلك.
فقال النسائي (١): أنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
قال النسائي: هذا الصواب من حديث يحيى، فإذا كان كذلك يكون أصل حديث يحيى: عن عمرة، عن عائشة موقوفًا، كما رواه هؤلاء الأثبات لا كما رواه أبان بن يزيد العطار، فعاد الحديث إلى نفس عائشة إما لكونها قد قومت ما قد خولفت في تقويمه، وإما لكونها وقتت ما قد خولفت في توقيته، ولم يثبت فيه عنها عن النبي ﵇ شيء.
وقال بعض المحققين: إذا فتش أصل هذا الحديث فظهر فيه الوقف والرفع والإرسال ويتبين فيه الاضطراب في متنه وفي سنده.
قوله: "وأما ما استدل به ابن عيينة. . . . إلى آخره" جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال: إنكم قلتم: إن أصل حديث يحيى عن عمرة: هو ما ذكرنا، يعني أنه موقوف كما رواه أهل الحفظ والإتقان مالك وابن عيينة، لا كما رواه أبان بن يزيد عن يحيى مرفوعًا، وكيف يكون ابن عيينة مع مالك في
стр. 8116
الوقف، وقد قال في حديث يحيى ما يدل على الرفع وهو قول عائشة: "ما نسيت وما طال عليَّ، القطع في ربع دينار فصاعدًا".
وتقرير الجواب أن يقال: إنه لا دلالة فيه عل ما قد ذكرتم، لأنه يحتمل أن يكون معنى كلامها هذا: ما طال عليَّ ولا نسيت ما قطع فيه رسول الله ﵇ فما كانت قيمة ذلك المسروق عندها باجتهادها ربع دينار ويكون عند غيرها أكثر من ربع دينار؛ لأن تقويم المقومين يختلف في القيمة، فحينئذ يعود معنى حديثها هذا إلى معنى الحديث الذي مَرَّ ذكره قبل ذلك عند قوله: "ليس لهم في هذا أيضًا حجة على مَن ذهب إلى أنه لا يقطع إلا في عشرة دراهم.
ص: فإن قالوا: فقد رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة مثل ما رواه أبان بن يزيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني ابن الهاد، عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن يزيد بن الهاد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه معارضة أخرى من أهل المقالة الثالثة، توجيهها أن يقال: قد قلتم ما قلتم فيما رواه أبان بن يزيد العطار، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة.
стр. 8117
فهذا أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قد روى عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا".
فهذا أيضًا مثل ما رواه أبان، وهو إخبار من عائشة ﵂ عن قول النبي ﵇.
أخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن إدريس المكي، عن عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (١): حدثني بشر بن الحكم العبدي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة أنها سمعت النبي ﵇ يقول: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي الزهري المدني، عن يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: ثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن مثنى وإسحاق ابن منصور، جميعًا عن أبي عامر العقدي، قال: ثنا عبد الله بن جعفر -من ولد المسور بن مخرمة- عن يزيد بن عبد الله بن الهاد. . . . بهذا الإسناد مثله.
الثالث: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح المصري وراق الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة مثله.
стр. 8118
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن هشيم بن بشير، عن محمد بن إسحاق، عن أبي بكر بن محمد عن عمرة، عن عائشة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث محمد بن إسحاق، عن أبي بكر ابن محمد، عن عمرة، عن عائشة نحوه.
ص: قيل لهم: قد روي هذا كما ذكرتم، ولكنه لا يجب على أصولكم أن تعارضوا بهذا الحديث ما روى الزهري ولا ما روى يحيى وعبد ربه ابنا سعيد؛ لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ليس له من الإتقان ولا من الحفظ ما لأحد من هؤلاء، ولا لمن روى هذا الحديث أيضًا عن أبي بكر بن محمد -وهو ابن الهاد- ومحمد بن إسحاق عندكم من الإتقان للرواية والحفظ ما لمن روى حديث الزهري ويحيى وعبد ربه ابني سعيد عنهم.
ش: هذا جواب المعارضة المذكورة، وبيانه أن يقال: سلمنا ما رويتم من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه كذلك، ولكن هذه المعارضة لا تمشي -على قاعدتكم- بهذا الحديث ما رواه الزهري، عن عمرة، عن عائشة. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: وقد خالف أيضًا أبا بكر بن محمد -فيما روى عن عمرة من هذا- ابنه عبد الله بن أبي بكر.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة قالت: قالت عائشة ﵂: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
ش: هذا جواب آخر، وهو أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وإن كان روى هذا الحديث عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، فقد خالفه ابنه عبد الله بن أبي بكر هذا، ورواه عن عمرة، عن عائشة موقوفًا.
стр. 8119
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: قالت عائشة: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
وأخرجه النسائى (١): عن الحارث بن مسكين قراءة عليه وهو يسمع، عن ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة قالت: قالت عائشة: "القطع في ربع دينار فصاعدًا".
ص: وقد خالفه في ذلك رزيق بن حكيم، فرواه عن عمرة مثل ما رواه عبد الله بن أبي بكر، ويحيى، وعبد ربه، عنها.
ش: أي وقد خالف أبا بكر بن محمد أيضًا في رفعه هذا الحديث رُزَيق -بالراء المهملة المضمومة ثم الزاي المعجمة المفتوحة- ابن حُكَيم -بضم الحاء- الأيلي، فإنه روى هذا الحديث عن عمرة، عن عائشة موقوفًا، مثل ما رواه عبد الله بن أبي بكر بن محمد ويحيى وعبد ربه ابنا سعيد، عن عائشة.
ص: فإن كان هذا الأمر يؤخذ من جهة كثرة الرواية؛ فإن من روى حديث عمرة بخلاف ما روى عنها أبو بكر بن محمد أكثر عددًا، وإن كان يؤخذ من جهة الإتقان في الرواية والحفظ؛ فإن لمن روى حديث عمرة عنها -من يحيى وعبد ربه- من الإتقان في الرواية والضبط لها ما ليس لأبي بكر بن محمد.
ش: أشار بهذا أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا لا يخلو إما أن يكون ترجيح أحد النوعين على الآخر من حيث كثرة عدد رواته، أو من حيث إتقان رواته وضبطهم، فإن كان من حيث الكثرة فإن من روى عن عمرة، عن عائشة موقوفًا أكثر عددًا ممن رواه عن عمرة عنها مرفوعًا، وإن كان من حيث ضبط الرواة وإتقانهم فلا شك أن يحيى وعبد ربه ابني سعيد لهما من الضبط والإتقان
стр. 8120
ما ليس لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فإذًا لم يقم لهؤلاء المعارضين ما يحتجون به على أهل المقالة الثالثة.
ص: فإن قالوا: فقد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره عن عمرة مثل ما رواه عنها أبو بكر بن محمد، فذكروا في ذلك ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن العلاء بن الأسود بن جارية وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكثير بن خُنَيْس: "أنهم تنازعوا في القطع، فدخلوا على عمرة يسألونها، فقالت: قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﵇: "لا قطع إلا في ربع دينار".
قيل لهم: أما أبو سلمة فلا نعلم لجعفر بن ربيعة منه سماعًا، ولا نعلمه لقيه أصلًا، فكيف يجوز أن تحتجوا بمثل هذا على مخالفكم وتعارضون به ما رواه عن عمرة مَن قد ذكرناهم؟!
ش: هذه معارضة أخرى، وتوجيهها أن يقال: قد روى هذا الحديث أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف وغيره، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، كما رواه أبو بكر بن محمد عن عمرة عنها مرفوعًا، وكفى بأبي سلمة حجة.
وأخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري، عن العلاء بن الأسود بن جارية وأبي سلمة عبد الله، وكثير بن خُنيس -بضم الخاء المعجمة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة- كذا ذكره البخاري في "تاريخه" في باب الخاء المعجمة، وكذا ابن أبي حاتم في "كتاب الجرح والتعديل".
والجواب هو أن يقال: لا نسلم صحة رواية جعفر بن ربيعة، عن أبي سلمة عبد الله، فإنه لم يثبت سماعه منه، ولا علم لقيه إياه أصلًا.
стр. 8121
فإذا كان كذلك فكيف يجوز الاحتجاج بمثل هذا الحديث على الخصم؟ أم كيف تجوز به المعارضة لما قد رواه عن عمرة مَن قد مضى ذكرهم من الأثبات.
وأما العلاء بن الأسود فقد قال أبو زرعة: شيخ ليس بالمشهور ويقال له: الأسود بن العلاء. قال ابن أبي حاتم: العلاء بن الأسود والأسود بن العلاء كلاهما واحد. وقال ابن ماكولا: وكثير بن خُنَيس سمع عمرة بنت عبد الرحمن، روى عنه الأسود بن العلاء أو العلاء بن الأسود، قاله البخاري.
وجارية -بالجيم- وقد وقع في كثير من نسخ الطحاوي: العلاء بن الأسود، والله أعلم.
ص: وإن احتجوا في ذلك أيضًا بحديث الزهري، فإنه حدثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة ﵂ تقول: إن رسول الله ﵇ قال: "يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "السارق إذا سرق ربع دينار قطع".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار".
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الثالثة أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث محمد بن مسلم الزهري، وهذه معارضة أخرى فوجهها أن يقال: قد روى الزهري، عن عمرة، عن عائشة هذا الحديث مرفوعًا وكفى به حجة.
وأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن محمد بن إدريس المكي، عن عبد الله بن الزبير الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
стр. 8122
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري. . . . إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقطع في ربع دينار فصاعدًا".
الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇-قال قتيبة: كان النبي ﵇ يقطع في ربع دينار فصاعدًا".
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، قال النبي ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" تابعه عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر، عن الزهري.
ص: قيل لهم: قد روينا هذا الحديث عن الزهري في هذا الباب من حديث ابن عيينة على غير هذا اللفظ، مما معناه خلاف هذا المعنى، وهو: "كان رسول الله ﵇ يقطع في ربع دينار فصاعدًا".
стр. 8123
فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختلف عن غيره عن عمرة على ما وصفنا، ارتفع ذلك كله، فلم تجب الحجة بشيء منه إذ كان ينفي بعضه بعضًا، ورجعنا إلى أن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (١) فأجمعوا أن الله تعالى لم يعن بذلك كل سارق، وإنما عنى به خاصًّا من السرَّاق لمقدار من المال معلوم، فلا يدخل فيما قد أجمعوا أن الله عنى به خاصًّا إلا من قد أجمعوا أن الله عناه، وقد أجمعوا أن الله قد عنى سارق العشرة دراهم واختلفوا في سارق ما هو دونها، فقال قوم: هو ممن عنى الله . وقال قوم: ليس هو منهم، فلم يجز لنا -لما اختلفوا في ذلك- أن نشهد على الله تعالى أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناه، وجاز لنا أن نشهد فيما أجمعوا أن الله عناه، فجعلنا سارق العشرة دراهم فما فوقها داخلًا في الآية فقطعناه، وجعلنا سارق ما دون العشرة خارجًا من الآية فلم نقطعه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي قيل لهؤلاء المعارضين من أهل المقالة الثالثة في جواب معارضتهم، وملخصه: أن حديث الزهري مضطرب سندًا ومتنًا.
أما سندًا فظاهر، وأما متنًا فإنه قد روي عنه فيما مضى بمعنى يدل على خلاف ما روي عنه هاهنا، وهو أن فيما مضى إخبار عن فعل رسول الله ﵇ وهو: "كان رسول الله ﵇ يقطع في ربع دينار فصاعدًا"، وهاهنا إخبار عن قوله وهو: قال رسول الله ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار".
فلما حصل هذا الاضطراب سندًا ومتنًا، واختلف أيضًا عن غير الزهري، عن عمرة، عن عائشة بالوقف والرفع على ما مرَّ بيانه، ارتفع ذلك كله فلا تجب به الحجة بعد ذلك؛ لأن بعضه ينفي بعضًا وهو معنى قوله: إذ كان ينفي بعضه بعضًا.
стр. 8124
وكلمة "إذ" هاهنا للتعليل، ومنافاة بعضه بعضًا ظاهرة؛ لأن الرفع يخالف الوقف، والإخبار عن الفعل يخالف الإخبار عن القول.
فإن قلت: أعمل بالقول والفعل جميعًا فإنه أكد في الفعل بواحد منهما، وإنما تتحقق للمنافاة بين القول والفعل إذا كان الخلاف بينهما في نفس الحكم، وهاهنا ليس كذلك.
قلت: هذا إنما يمشي إذا سَلِمَ الحديث من الاضطراب، فافهم.
قوله: "ورجعنا إلى أن الله. . . . إلى آخره" تحقيق هذا الكلام أن العمل بعموم اللفظ في آية السرقة غير ممكن بالإجماع؛ لأن اسم السارق يطلق على سارق الصلاة، قال ﵇: "إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته. . . . الحديث" (١)، وأيضًا فهو مجمل من حيث المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إتيانه، فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار، وقد علمنا أن الله لم يعن بذلك كل سارق، بل إنما عنى به سارقًا خاصًّا لمقدار معلوم من المال، ثم اختلفوا في هذا المقدار الذي يتعلق به قطع يد السارق، فقال قوم: هو العشرة دراهم فما فوقها، وهم أهل المقالة الثانية.
وقال قوم: هو ربع دينار، وهم أهل المقالة الثالثة، وقال قوم: هو ثلاثة دراهم، وهم أهل المقالة الأولى، وهذه الأقوال الثلاثة هي التي عمل الناس عليها، وكلهم مجمعون على أن الله عنى سارق العشرة دراهم من هذه الآية، ولكن اختلفوا في سارق ما دون العشرة، فمنهم من قال: هو ممن عنى الله ، ومنهم من يقول: ليس هو منهم.
فإذا كان الأمر كذلك لم يجز لنا أن نشهد على الله أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناه، ويجوز لنا أن نشهد فيما أجمعوا عليه أنه عناه، فلما كان الأمر كذلك، كان سارق العشرة دراهم فما فوقها داخلًا في الآية لتيقننا بإجماعهم على أنه ممن
стр. 8125
عناهم الله فحكمنا عليه بوجوب القطع، وأما سارق ما دون العشرة فجعلناه خارجًا من الآية لوجود الاختلاف فيه هل هو ممن عناهم الله أم لا؟ فلم يترتب عليه حكم القطع، والله أعلم.
ص: وقد روي ذلك عن ابن مسعود وعطاء وعمرو بن شعيب ﵃.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن مسعود قال: "لا تقطع اليد إلا في الدينار أو عشرة دراهم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: كان قول عطاء مثل قول عمرو بن شعيب: "لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم".
ش: أي قد روي ما ذكرنا أن سارق العشرة هو الذي يقطع دون سارق ما دونها عن عبد الله بن مسعود، وعطاء بن أبي رباح المكي، وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
أما ما روي عن عبد الله فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن مسعود .. إلى آخره.
وهؤلاء كلهم أئمة ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن مبارك ووكيع، عن المسعودي، عن القاسم، عن ابن مسعود أنه قال: "لا يقطع إلا في دينار أو عشرة دراهم".
فإن قلت: هذا منقطع؛ لأن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يُدرك جده.