وأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعيد، نا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﵇ نهى عن المزفت والقرع".
السادس: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية ابن خديج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر وعبد الله بن عمر ﵃.
وأخرجه النسائي (٢) مقتصرًا على جابر: أخبرنا سوار بن عبد الله، نا خالد بن الحارث، نا عبد الملك، نا أبو الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الدباء والنقير والجر والمزفت".
السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عقبة بن حريث التغلبي الكوفي، عن عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عقبة بن حريث، قال: سمعت ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن الجر والدباء والمزفت، وقال: انتبذوا في الأسقية".
الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن عقبة بن حريث، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا بهز ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة. قال بهز: ثنا عقبة بن حريث: سمعت عبد الله بن عمر، قال: نهى رسول الله ﵇ عن الجر والدباء والمزفت، فقال: "انتبذوا في الأسقية".
التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير. . . . إلى آخره.
стр. 8262
وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن مثنى، وابن بشار، قالا: ثنا شعبة، عن محارب ابن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن الحنتم والدباء، قال: سمعته غير مرة".
العاشر: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن روح بن عبادة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: حدثني زاذان، قال: قلت لابن عمر: حدثني ما نهى عنه النبي ﵇ من الأشربة بلغتك، وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا، فقال: نهى رسول الله ﵇ عن الحنتم، وهي: الجر، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن المزفت، وهو المقير، وعن النخلة تنسح نسحًا، وتنقر نقرًا، وأمر أن ينبذ في الأسقية.
قوله: "تنسح نسحًا" أي: ينحى قشرها، ومادته: نون وسين وحاء مهملتين. قال الجوهري: نسح التراب نسحًا، أذاره.
والمعنى هاهنا: أن النخلة يزال قشرها ويملس، ثم ينقر نقرًا، ووقع في كثير من نسخ مسلم بالجيم أيضًا من النسج، وهو تصحيف.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الدباء والمزفت والنقير".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: قال لي أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن الجر والمزفت والدباء والنقير".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي.
стр. 8263
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبدة بن سليمان، عن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الدباء والنقير والمزفت".
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن الحجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم.
وأخرجه النسائي (٢): أنا سويد، أنا عبد الله، عن ابن جريج قراءة، قال: أنا أبو الزبير: سمعت جابرًا يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن الجر والمزفت والدباء والنقير".
ص: حدثنا علي، قال: ثنا الحجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أن أبا نضرة وحسنًا أخبراه، أن أبا سعيد الخدري أخبراهما: "أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﵇ قالوا: يا نبي الله، جعلنا الله فداك، ما يصلح لنا من الأشربة؟ قال: "لا تشربوا في النقير" قالوا: يا نبي الله، جعلنا الله فداك، لا ندري ما النقير؟ قال: نعن الجذع ينقر وسطه، ولا في الدباء ولا في الحنتمة".
ش: إسناده صحيح، وعلي بن معبد، والحجاج هو ابن محمد المصيصي، وابن جريج هو عبد الملك، وأبو قزعة هو سويد بن حجير البصري روى له الجماعة سوى البخاري، وأبو نضرة بالنون والضاد المعجمة اسمه: المنذر بن مالك العبدي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، والحسن هو البصري.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٣): ثنا محمد بن معمر: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، ثنا أبو نضرة وحسن، عن أبي سعيد الخدري: "أن وفد عبد القيس قدموا على رسول الله ﵇، فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا
стр. 8264
من الشراب؟ قال: لا تشربوا في النقير، قالوا: وما النقير؟ قال: جذع النخلة ينقر فينتبذ فيه، ولا في الدباء ولا في الحنتم، وعليكم بالموكأة، عليكم بالموكأة".
ولا نعلم روى أبو قزعة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا هذا الحديث.
وأبو قزعة بصري ليس به بأس، روى عنه شعبة وحماد بن سلمة ومحمد بن جحادة. قال أبو بكر: وحسن -يعني الحسن البصري- روى الحسن عن أبي سعيد حديثين أو ثلاثة، ولم يسمع منه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "سمعت النبي ﵇ ينهى عن ما يُصنع في الظروف المزفتة وفي الدباء، وقال: كل مسكر حرام".
ش: إسناده صحيح. وعياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- هو ابن الوليد الرقام القطان البصري شيخ البخاري وأبي داود.
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق المدني، والزهري هو محمد بن مسلم.
وأخرجه مسلم (١): عن عمرو، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ عن الدباء والمزفت أن يُنتبذ فيه".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت التيمي يحدث، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﵇ نهى عن نبيذ الجر".
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا أبو زيد النحوي، عن سليمان التيمي. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان.
стр. 8265
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن سليمان ابن طرخان التيمي، عن أبي نضرة المنذر بن مالك.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الجرِّ أن ينتبذ فيه".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن أبي زيد النحوي، واسمه سعيد بن أوس ابن بشير شيخ الكشي وأبي حاتم السجستاني، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يزيد بن هارون، عن التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: "نهى رسول الله ﵇ عن نبيذ الجر الأخضر. قلت: فالأبيض؟ قال: لا أدري".
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه أخبره: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيهما".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم.
ويحيى بن عبد الله شيخ البخاري.
وأخرجه مسلم (٣): عن قتيبة، عن ليث. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، قال: أخبرني سليمان الشيباني، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن نبيذ الجر الأخضر. قال: قلت: فالأبيض؟ قال: لا أدري".
стр. 8266
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن سليمان الشيباني، عن ابن أبي أوفى، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن علي بن معبد .. إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، نا عبد الواحد، ثنا الشيباني، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "نهى النبي ﵇ عن الجر الأخضر. قلت: أشرب في الأبيض؟ قال: لا".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن أبي إسحاق الشيباني، سمعت ابن أبي أوفى يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن أبي شمر الضبعي؛ قال: سمعت عائذ بن عمرو يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن الدباء والنقير والمزفت والحناتم".
ش: إسناده صحيح.
وروح هو ابن عبادة.
وأبو شمر الضبعي البصري وثقه ابن حبان، وروى له مسلم والنسائي وأحمد.
وعائذ بن عمرو المزني الصحابي البصري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي شمر الضبعي قال: "سمعت عائذ بن عمرو ينهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير، فقلت له: عن النبي ﵇؟ قال: نعم".
стр. 8267
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الحنتم".
ش: إسناده صحيح. وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة.
وأبو التياح -بفتح التاء المثناة من فوق، وتشديد الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة- واسمه يزيد بن حُميد الضبعي.
وحفص هو ابن عبد الله الليثي، وثقه ابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن الحصين: "أن النبي ﵇ نهى عن الحنتم".
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ وفد عبد القيس عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت والمزادة المجبوبة وقال: انتبذ في سقائك واشربه حلوًا طيبًا. فقال له رجل: أتأذن لي في مثل هذه -وأشار بيده وفرج بينهما؟ فقال: إذًا تجعلها مثل هذه وأشار بيده أكثر من ذلك".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا سريج بن النعمان الجوهري، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، أخبره أبو سلمة، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇: "لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت. ثم يقول أبو هريرة: اجتنبوا الحناتم والنقير".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت الأوزاعي يقول: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن نبيذ الجرار المزفتة والدباء".
стр. 8268
حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: أنبأني مجاهد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "نهانا رسول الله ﵇ أن ننتبذ في الدباء والمزفت".
حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى النبي ﵇ عن الجرار والدباء والظروف المزفتة".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سَوَّار، قال: ثنا شعبة، عن بكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه ست طرق صحاح:
الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك. . . . إلى آخره.
ومحمد هو ابن سيرين.
وأخرجه مسلم (١): ثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: أنا نوح بن قيس، قال: ثنا ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير -والحنتم: المزادة المجبوبة- ولكن اشرب في سقائك وأوكه".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا وهب بن بقية، عن نوح بن قيس، قال: ثنا عبد الله ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن النقير والمقير والحنتم والدباء والمزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقائك وأوكه".
стр. 8269
قوله: "والمزادة المجبوبة" بالجيم من الجَبِّ وهو القطع، وأراد بها المزادة التي قطع رأسها وليس لها عزلاء من أسفلها يتنفس منها الشراب.
فإن قلت: ما وجه رواية مسلم: "والحنتمُ المزادة المجبوبة"؟
قلت: قال صاحب "المشارق": و"الحنتمُ": المزادة المجبوبة، كذا لكافتهم برفع الميم من الحنتم على الابتداء و"المزادةُ" خبرُه. وعند الهروي: "والمزادة المجبوبة" بالواو، وفي النسائي وأبي داود: "وعن المزادة المجبوبة" وهو الصواب، لأن الحنتم لا يفسر بالمزادة المجبوبة، وإنما المزادة المجبوبة التي جُبَّ رأسها أي قطع فصارت كالزق، فإذا انتبذ فيها لم يُعلم غليانه.
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح البصري عن سريج -بضم السين المهملة، وفي آخره جيم- بن النعمان الجوهري، عن سفيان الثوري (١)، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة. . . . إلى آخره نحوه. وفي الأطراف لابن عساكر ورواه ليث عن الزهري، عن أنس ﵁.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي الدمشقي، شيخ الشافعي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا إسحاق بن موسى الخطمي، ثنا الوليد بن مسلم،
стр. 8270
ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ أن ينتبذ في الجرار".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن علي بن نُفيل النفيلي الحراني، شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن مجاهد المكي، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن معمر، ثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: "نُهي عن الدباء والحنتم والمزفت".
الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار أيضًا: عن محمد بن مسكين، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ نهى عن الدباء والمزفت".
السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك .. إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سَوَّار، قال: ثنا شعبة، عن بكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي ﷺ مثله.
ش: إسناده صحيح.
وعبد الرحمن بن يعمر له صحبة، عداده في أهل الكوفة.
стр. 8271
ويعمر -بفتح الياء آخر الحروف، وسكون العين المهملة، وضم الميم، وفي آخره راء.
والديلي -بكسر الدال- نسبة إلى ديل بن عمرو.
والحديث أخرجه الترمذي في "العلل" (١) عن عبد الله بن أبي زياد وغير واحد، عن شبابة، عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، به نحوه. وقال: غريب من قبل إسناده؛ لا نعلم أحدًا حدث به عن شعبة غير شبابة.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن أبان البلخي، عن شبابة، به.
وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعباس العنبري، عن شبابة، به.
ص: حدثنا علي، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن وِقاء بن إياس، عن علي بن ربيعة، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الدباء والحنتم والمزفت".
ش: علي هو ابن معبد بن نوح المصري.
ووِقاء -بكسر الواو، وبالقاف- ابن إياس الأسدي الوالبي الكوفي أبو يزيد. قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، روى له أبو داود في "القدر"، والنسائي.
وعلي بن ربيعة الوالبي، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا الحسن بن يحيى -من أهل مرو- وعلي ابن إسحاق، قالا: أنا ابن المبارك، عن وِقاء بن إياس، عن علي بن ربيعة -قال علي
стр. 8272
ابن إسحاق: أنا وقاء بن إياس، حدثني علي بن ربيعة- عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "قام النبي ﵇ فخطب، فنهى عن الدباء والمزفت".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو، عن عبد الله بن الديلمي، عن أبيه قال: "أتينا النبي ﷺ حين نزل تحريم الخمر، فقلنا: يا رسول الله، إنا بأرض فيها أعناب وكرم، وقد أنزل الله تحريم الخمر، فماذا نصنع بها؟ فقال: تتخذونه زبيبًا. قلنا: يا رسول الله، نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تصنعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم، وتصنعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم. قالوا: يا رسول الله، ألا نؤخره حتى يشتد؟ قال: لا تجعلوه في القلال والدباء".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وإسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- قال دحيم: هو غاية في الشاميين.
ويحيى بن أبي عمرو السيباني -بالسين المهملة- الشامي الحمصي، وثقه أحمد وغيره، وروى له الأربعة.
وعبد الله بن الديلمي هو عبد الله بن فيروز الديلمي، وثقه العجلي وغيره، وروى له الأربعة.
وأبوه فيروز الديلمي -ويقال: ابن الديلمي- اليماني، له صحبة، وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب.
والحديث أخرجه النسائي (١): أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، ثنا بقية، حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو، عن عبد الله بن الديلمي، عن أبيه فيروز قال: "قدمت على رسول الله ﵇، فقلت: يا رسول الله، إنا أصحاب كرم، وقد أنزل الله تحريم الخمر، فماذا نصنع؟ قال: تتخذونه زبيبًا. قلت: فنصنع
стр. 8273
بالزبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غدائكم وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم. قلت: أفلا نؤخره حتى يشتد؟ قال: لا تجعلوه في القلل، واجعلوه في الشنان؛ فإنه إن تأخر صار خلًّا".
فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن ستة عشر نفرًا من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وميمونة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى، وعائذ بن عمرو، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن يعمر الديلي، وسمرة بن جندب، وفيروز الديلمي ﵃.
ولما أخرج الترمذي حديث ابن عمر قال: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي سعيد وسويد وعائشة وابن الزبير وابن عباس وعمر وعلي وأبي هريرة وعبد الرحمن بن يعمر وسمرة وأنس وعمران بن حصين وعائذ بن عمرو والحكم الغفاري وميمونة.
فالطحاوي قد أخرج لهم كلهم ما خلا سويدًا وعمر والحكم الغفاري.
قلت: وفي الباب عن عبد الله بن المغفل، وزينب ربيبة النبي ﵇، وعمير ابن جودان العبدي، وأبي أيوب الأنصاري ورجل من ثقيف، وعبد الله بن جابر العبدي، وأبي قتادة، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
أما حديث سويد بن المقرن فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، عن شعبة، عن أبي حمزة -جار لهم- قال: سمعت هلالًا -رجلًا من بني مازن- يحدث، عن سويد بن مقرن قال: "أتيت رسول الله ﵇ بنبيذ في جرة فسألته، فنهاني عنه، فأخذت الجرة فكسرتها".
وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ فأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢): ثنا
стр. 8274
أبو سعيد، نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا الحكم قال: "سئل ابن عمر عن نبيذ الجر، فقال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يحدث، أن رسول الله ﵇ نهى عن الدباء والجر والمزفت".
وأما حديث الحكم الغفاري فأخرجه الطبراني (١): نا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا يحيى الحماني. (ح).
وحدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عاصم بن علي، قالا: نا قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، عن سوادة بن عاصم، عن الحكم الغفاري -وكان من أصحاب النبي ﵇ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير".
وأما حديث عبد الله بن مغفل فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن فضيل بن زيد قال: "كنا عند عبد الله بن مغفل فتذاكرنا الشراب، فقال: الخمر حرام. فقلت: الخمر حرام في كتاب الله، قال: فأي شيء تريد؟ تريد ما سمعت من رسول الله ﵇؟ سمعت رسول الله ﵇ ينهى عن الدباء والحنتم والمزفت".
وأما حديث زينب ربيبة النبي ﵇ فأخرجه ابن أبي شيبة (٣) أيضًا: نا أحمد ابن إسحاق، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: نا كليب بن وائل، قال: حدثتني ربيبة النبي ﵇ أحسبها زينب قالت: "نهى النبي ﵇ عن الدباء والحنتم، وأرى فيه النقير".
وأما حديث عمير بن جودان فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٤): ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أشعث بن عمير، عن أبيه قال: "أتى النبي ﵇
стр. 8275
وفد عبد القيس، فلما أرادوا الانصراف قالوا: قد حفظتم عن النبي ﵇ كل شيء سمعتموه، فاسألوه عن النبيذ، فأتوه فقالوا: يا رسول الله، إنا بأرض وخمة لا يصلحنا فيها إلا الشراب؟ قال: فقال: وما شرابكم؟ قالوا: النبيذ. قال: في أي شيء تشربونه؟ قالوا: في النقير. قال: فلا تشربوه في النقير. . . ." الحديث.
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ فأخرجه الطبراني (١): ثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيرًا حدثه، أن أبا إسحاق مولى بني هاشم حدثه: "أنهم ذكروا يومًا ما ينتبذ فيه، فتنازعوا في القرع، فمر بهم أبو أيوب الأنصاري، فأرسلوا إليه إنسانًا، فقال أبو أيوب: سمعت النبي ﵇ يَنهى عن كل مزفت ينُبذ فيه، لم يزد عليه".
وأما حديث رجل من ثقيف فأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا علي بن عاصم، أنا المغيرة، عن شباك، عن عامر، قال: أخبرني فلان الثقفي قال: "سألنا رسول الله ﵇ عن ثلاث. . . ." الحديث وفيه: "وسألناه أن يرخص لنا في الدباء، فلم يرخص لنا فيه".
وأما حديث عبد الله بن جابر العبدي فأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): من حديث الحارث بن مرة، عن نفيس -رجل من أهل البصرة- عن عبد الله بن جابر العبدي قال: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﵇ مع أبي، فنهاهم عن الشرب في الأوعية: الدباء والحنتم والنقير والمزفت".
وأما حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي فأخرجه. . . . (٤).
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فأخرجه أحمد في "مسنده" (٥):
стр. 8276
ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا من الأوعية: الدباء والمزفت والحنتم. . . ." الحديث.
ص: قال أبو جعفر ﵀: ذهب قوم إلى أن الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير حرام. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وجابر بن زيد، ومالك بن أنس، وأحمد وإسحاق؛ فإنهم كرهوا الانتباذ في القرع والجرة والنقير، وفي كل وعاء مطلي بزفت، وذهبوا في ذلك إلى الأحاديث المذكورة ورأوها غير منسوخة، وروي ذلك أيضًا عن عبد الله بن عمر.
قال أبو عمر: كان عبد الله بن عمر يرى أن النهي عن الانتباذ في الظروف نحو الدباء والمزفت غير منسوخ، وكان مالك يذهب إلى هذا، وتابعه طائفة من أهل العلم، وذكر ابن القاسم عن مالك أنه كره الانتباذ في الدباء والمزفت، ولا يكره غير ذلك. وكره الثوري الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فأباحوا الانتباذ في الأوعية كلها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي، ومحمد بن الحنفية، ومسروقًا، والأسود، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريحًا، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف، ومحمدًا، فإنهم قالوا: الانتباذ في سائر الأوعية مباح وفي "المصنف" (١) أن معاذًا، وزيد بن أرقم، وأبا مسعود البدري، وابن مسعود وأبا برزة، وعلي بن أبي طالب، ومعقل بن يسار، وقيس بن عباد، وأنس بن مالك، وأسامة بن زيد، وأبا وائل، وابن عباس، وعمران بن الحصين، وأبا رافع، وسعدًا، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن الحنفية، ومسروقًا،
стр. 8277
والشعبي، وهلال بن يساف، والأسود، والضحاك، وأبا عبيدة بن عبد الله، كانوا يشربون نبيذ الجر.
وفي "المحلى" (١): والانتباذ في الحنتم والنقير والمزفت والمقير، والدباء، والجرار البيض والسود والحمر والخضر، والصفر، والموشاة، وغير المدهونة، والأسقية، وكل ظرف حلال، والشرب في كل ذلك حلال إلا إناء ذهب وفضة، أو إناء لأهل كتاب، أو جلد ميتة غير مدبوغ، أو إناء مأخوذ بغير حق.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذه الآثار التي رويناها منسوخة كلها، فمما روي في نسخها:
ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر عبدة بن عمرو بن أبي الحجاج، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا علي بن زيد، قال: حدثني النابغة بن مخارق بن سليم، قال: حدثني أبي، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "إني كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا فيها ما بدا لكم، وإياكم وكل مسكر".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن نابغة، عن أبيه، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: أن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى كلها منسوخة، فلا يصح الاحتجاج بها، والدليل على ذلك أن أحاديث أخرى وردت تدل على صريح النسخ، فمن ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 8278
أخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو ابن أبي الحجاج ميسرة المنقري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن زيد بن جدعان البصري المكفوف، عن النابغة بن مخارق بن سليم الشيباني عن أبيه مخارق بن سليم الشيباني، قيل: له صحبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" التابعين، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ قال: "كنت نهيتكم عن هذه الأوعية، فاشربوا فيها واجتنبوا كل مسكر".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه النابغة بن مخارق، عن علي ﵁.
وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب "الأشربة": من حديث علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ قال: "نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا فيها واجتنبوا كل مسكر".
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية، وأن تحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاث، ثم قال: إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة، ونهيتكم عن الأوعية
стр. 8279
فاشربوا فيها واجتنبوا كل ما أسكر، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم" انتهى.
وهذا الحديث لا يخلو إسناده عن الاضطراب؛ لأن الراوي عن علي ﵁ في الطريق الأول هو مخارق بن سُليم والد النابغة، والراوي عن مخارق هو ابنه النابغة، والراوي عن النابغة هو علي بن زيد.
وفي الطريق الثاني والثالث الراوي عن علي هو النابغة، والراوي عن النابغة هو ابنه ربيعة، والراوي عن ربيعة هو علي بن زيد.
وقال ابن أبي حاتم: نابغة بن مخارق يروي عن علي ﵁ ويقال: يروي عن أبيه عن علي، روى عنه ابنه ربيعة بن نابغة.
وربيعة بن نابغة وثقه ابن حبان، وقال ابن الأثير في ترجمة مخارق: له أحاديث مضطربة. وذكر ابن أبي حاتم النابغة بن مخارق في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا ابن جريج، عن أيوب ابن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﵇ مثله. وزاد "ألا إن وعاءً لا يحرم شيئًا".
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن زيد، قال: ثنا فرقد السبخي، قال: ثنا جابر بن يزيد، أنه سمع مسروقًا يحدث، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﵇. مثل حديث علي ﵁ عن النبي ﵇.
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة: ما روي عن ابن مسعود ﵁ وأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن
стр. 8280
عبد الملك بن جريج المكي، عن أيوب بن هانئ الكوفي، قال أبو حاتم: شيخ كوفي صالح. وقال الدارقطني: يعتبر به.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، أنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود، أن رسول الله ﵇ قال: "إني كنت نهيتكم عن هذه الأوعية، ألا إن وعاءً لا يحرم شيئًا، كل مسكر حرام".
وهذا كما رأيت قد اشترك الطحاوي مع ابن ماجه في تخريج هذا الحديث عن شيخ واحد وهو يونس بن عبد الأعلى المصري، شيخ مسلم في الصحيح أيضًا.
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن حماد بن زيد، عن فرقد بن يعقوب السبخي البصري، يُنسب إلى سَبخة البصرة، فيه مقال، فعن أحمد: رجل صالح ليس بقوي في الحديث. وعن يحيى: ليس بذاك. وعنه: ثقة. وعن النسائي: ليس بثقة.
وهو يروي عن جابر بن يزيد وليس هو جابر الجعفي. قاله ابن أبي حاتم، ثم قال: سئل أبو زرعة عنه فقال: لا يعرف، يروي عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن زيد، نا فرقد السبخي، ثنا جابر بن يزيد، أنه سمع مسروقًا، عن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم أن تحبسوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث فاحبسوا، ونهيتكم عن الظروف فانتبيذوا فيها واجتنبوا كل مسكر".
стр. 8281
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن الصباح الدولابي، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "سئل رسول الله ﵇" عن الأوعية، فقال: لا تنتبذوا في الدباء والحنتم والنقير. فقال أعرابي: لا ظروف لنا. فقال النبي ﵇: اشربوا ما حلَّ لكم، واجتنبوا كل مسكر".
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن الصباح الدولابي البغدادي البزاز شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن زياد بن فياض الخزاعي الكوفي من رجال مسلم، عن أبي عياض عمرو بن الأسود العنسي -بالنون- الشامي الدمشقي ويقال: الحمصي، روى له الجماعة إلا الترمذي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو قال: "ذكر النبي ﵇ الأوعية: الدباء والحنتم والمزفت والنقير، فقال أعرابي: إنه لا ظروف لنا. فقال: فاشربوا ما حل".
وفي رواية له (٢): "فاجتنبوا ما أسكر".
وأخرجه البخاري (٣): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول، عن مجاهد، عن أبي عياض، أن عبد الله بن عمرو قال: "لما نهى النبي ﵇ عن الأسقية، قيل للنبي ﵇: ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم في الجر غير المزفت".
стр. 8282
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن مجاهد، عن أبي عياض. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى القطان، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما نهى رسول الله ﵇ عن الأوعية، قالت الأنصار: إنه لابد لنا منها، فقال النبي ﵇ فلا إذًا".
حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا نافع بن يزيد، قال: حدثني أبو حَزْرة يعقوب بن مجاهد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﵇ قال: "إني كنت نهيتكم أن تنتبذوا في الدباء والحنتم والمزفت، فانتبذوا، ولا أُحل مسكرًا".
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة ما روي عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا يوسف بن موسى، نا محمد بن عبد الله أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لابد لنا منها، قال: فلا إذًا".
الثاني: عن إسماعيل بن إسحاق، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن نافع بن يزيد الكلاعي المصري من رجال مسلم، عن أبي حَزْرة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي المعجمة، ثم راء مهملة- يعقوب بن مجاهد المدني القاص، من رجال مسلم.
стр. 8283
عن عبد الرحمن بن جابر الأنصاري، روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سعيد بن الحكم. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد، أن محمد بن يحيى بن حَبَّان أخبره، أن واسع بن حَبَّان حدثه، أن أبا سعيد الخدري ﵁ حدثه، عن رسول الله ﵇ نحوه.
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة:
ما روي عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وحَبَّان -بفتح الحاء، وتشديد الباء الموحدة-.
وأخرجه البيهقي في سننه (٢): من حديث أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان حدثه، أن أبا سعيد الخدري حدثه، أن رسول الله ﵇ قال: "نهيتكم عن النبيذ ألا فانتبذوا، ولا أحل مسكرًا".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن معبد ويحيى بن عبد الحميد، قالا: ثنا أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا".
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة: ما روي عن أبي بُردة هانئ بن نيار.
стр. 8284
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن معبد بن شداد ويحيى ابن عبد الحميد، كلاهما عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره. وكل هؤلاء ثقات.
وأخرجه الدارقطني (١): ثنا أبو القاسم بن زكرياء المحاربي، ثنا عبد الأعلى بن واصل، ثنا أبو غسان، نا أبو الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بُردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اشربوا في المزفت ولا تُسكروا".
قال الدارقطني: وَهِمَ فيه أبو الأحوص في متنه وإسناده، وقال غيره: عن سماك، عن القاسم، عن ابن بُريدة، عن أبيه: "لا تشربوا مسكرًا".
حدثنا (٢) عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا يحيى بن عبد الباقي، نا لوين، ثنا محمد ابن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "نهيتكم عن الظروف، فاشربوا فيما شئتم ولا تسكروا".
رواه غيره عن محمد بن جابر فقال: "ولا تشربوا مسكرًا" قال ذلك يحيى بن يحيى النيسابوري -وهو إمام- عن محمد بن جابر.
حدثنا (٣) به علي بن أحمد بن الهيثم، ثنا أحمد بن إبراهيم القوهستاني، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية فاشربوا في أي سقاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا". وهذا هو الصواب.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٤): سألته -يعني أبا زرعة- عن
стр. 8285
حديث الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة يرفعه: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا". فقال: وَهِم أبو الأحوص. فقال: عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بردة؛ قلب في الإسناد موضعًا، وصحف في موضع:
أما القلب فقوله: عن أبي بردة وإنما هو ابن بريدة، عن أبيه ثم احتاج أن يقول: ابن بريدة عن أبيه؛ فقلب الإسناد بأسره وأفحش في الخطأ.
وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" وقد روى الحديث عن ابن بريدة أبو سنان ضرار بن مرة وزُبيد الياميّ ومحارب بن دثار وسماك والمغيرة بن سبيع وعلقمة بن مرثد والزبير بن عدي وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل. كلهم عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن سيدنا رسول الله ﵇: "نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكرًا".
وفي حديث بعضهم: "واجتنبوا كل مسكر" ولم يقل أحد منهم: "ولا تسكروا". فقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء المسمين على ما ذكرنا من خلافه.
وقال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن حديث أبي الأحوص خطأ في الإسناد والكلام.
فأما الإسناد فإن شريكًا وأيوب ومحمد بن جابر رَوَوْه عن سماك، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ كما رواه الناس: "فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا".
قال أبو زرعة: وكذا أقول.
وقال ابن أبي عاصم: لا اختلاف فيه أنه خطأ، وَهِمَ فيه أبو الأحوص، وقد
стр. 8286
رواه شريك، عن سماك، عن القاسم، عن ابن بُريدة، عن أبيه فقال: "اجتنبوا ما أسكر، وكل مسكر حرام".
وقال الأثرم: هذا الحديث له علل بينة، وقد طعن فيه أهل العلم قديمًا، فبلغني أن شعبة طعن فيه، وسمعت أبا عبد الله يذكر أن هذا الحديث إنما رواه سماك عن القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا "نهيتكم عن ثلاث. . . ." الحديث.
قال: فدَرَسَ كتابُ أبي الأحوص، فلقنوه الإسناد والكلام فقلب الإسناد والكلام، ولم يكن أبو الأحوص يقول: أبو بردة بن نيار. كان يقول: أبو برزة وإنما هو ابن بريدة، فلقنوه أبا بُردة بن نيار فقاله.
وقال صاحب "الاستذكار": هذه اللفظة -يعني: ولا تسكروا- أنما رواها شريك وحده، والذي روى غيره: "ولا تشربوا مسكرًا".
قلت: هذا التشنيع كله لأجل هذه اللفظة وهي قوله: "لا تسكروا"؛ وذلك لكونها حجة للحنفية في قولهم: أن ما لا يُسكر من النبيذ مباح وإنما الحرام هو السكر لا غير.
وأبو الأحوص ثقة ثبت متقن فَرَدّ حديثه بهذا الوجه غير موجه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن زبيد، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم. (ح)
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قالا: ثنا معرف بن واصل، قال: حدثني محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 8287
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن زبيد اليامي، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة -قال زهير أُراه- عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة حديث بريدة بن الحصيب ﵁.
وأخرجه من خمس طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، وهو سليمان بن بريدة.
كذا صرَّح به في رواية الترمذي (١) وقال: عن علقمة، عن سليمان بن بريدة.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا حجاج بن الشاعر، قال: ثنا ضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ قال: "نهيتكم عن الظروف، وإن الظروف -أو ظرفًا- لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الخراساني شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن زُبَيد -بضم الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف- ابن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه.
وأخرجه النسائي (٣): أنا محمد بن معدان الحراني، نا الحسن بن أعين، نا زهير، نا زبيد، عن محارب، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇:
стр. 8288
"إني كنت نهيتكم عن ثلاث: زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا منها ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا".
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم؛ فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرًا".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن معرف بن واصل. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢).
الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن زهير. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (٣): عن أحمد بن عبد الملك، عن زهير، عن زُبيد بن الحارث، عن محارب بن دثار، عن ابن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إني كنت نهيتكم عن الأشربة في الأوعية؛ فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية وغيره، عن عبد الله بن المغفل قال: "شهدت رسول الله ﵇ ين نهى عن نبيذ الجر، وشهدته حين أمر بشربه، فقال: اجتنبوا المُسكر".
стр. 8289
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة: حديث عبد الله بن المغفل -بضم الميم وفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء- من أصحاب الشجرة.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن أبي جعفر الرازي مولى بني تميم، قيل: اسمه عيسى، وعن يحيى: كان ثقة.
وقال أبو حاتم: شيخ ثقة صدوق. روى له الأربعة.
وهو يروي عن الربيع بن أنس البصري، ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني، قال العجلي: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. روى له الأربعة.
عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، روى له الجماعة، وقد أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﵇ بسنتين، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه الطبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو نعيم، عن أبي جعفر. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما قفل وفد عبد القيس قال النبي ﵇: كل امرئ حسيب نفسه؛ لينتبذ كل قوم فيما بدا لهم".
ش: من جملة ما يدل على انتساخ الآثار المتقدمة: حديث أبي هريرة.
أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الصمد، قال: ثنا حماد، ثنا خالد، عن شهر، عن أبي هريرة قال: "لما قدم وفد عبد القيس، قال رسول الله ﵇: كل امرئ حسيب نفسه، ليشرب كل قوم فيما بدا لهم".
стр. 8290
فإن قيل: قال ابن حزم: شهر بن حوشب ساقط.
قلت: هذا لا يقبل منه؛ فقد قال أحمد فيه: ليس به بأس. وأثنى عليه، وقال: ما أحسن حديثه، وذكره ابن شاهين في كتاب الثقات، وقال البزار: تكلم فيه شعبة، ولا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه. وقال أبو الحسن القطان: لم أسمع لمضعِّفِهِ حجة. وصحح الترمذي وأبو علي الطوسي حديثه عن أم سلمة أن رسول الله ﵇ قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي. . . ." (١) الحديث.
وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وطرق حديثه صالحة رواها الشاميون.
وفي "تاريخ نيسابور": وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وقال البخاري: حسن الحديث وقوي أمره. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة.
فأي سقوط مع ثناء هؤلاء الأئمة الكبار إن هذا لعجيب؟!
فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الفصل عن تسعة نفر من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو ابن العاص وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو بُردة بن نيار، وبُريدة ابن الحصيب، وعبد الله بن المغفل، وأبو هريرة.
وقال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعبد الله ابن عمرو.
قلت: وفي الباب أيضًا عن عائشة وعمران بن حيان، عن أبيه، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وابن الرسيم عن أبيه، وصحار بن عياش ﵃.
أما حديث عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان يُنبذ لرسول الله ﵇ في جرٍّ أخضر".
стр. 8291
وأما حديث عمران بن حيان عن أبيه فأخرجه أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم في كتاب "الأشربة" (١): ثنا دحيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، ثنا حميد بن علي الرقاشي، عن عمران بن حيان الأنصاري، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ خطب يوم خيبر، فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها؛ أحل لهم لحوم الأضاحي، وزيارة القبور، والأوعية".
قلت: حيان هذا -بفتح الحاء وتشديد الياء آخر الحروف- هو ابن نملة الأنصاري، ذكره البخاري في الصحابة، وخالفه غيره.
وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢) من طريق المشمعل بن ملحان، عن النضر بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "انتبذوا فيها -يعني في الظروف- فإن الظروف لا تحل شيئًا ولا تحرمه، ولا تسكروا".
إسناده ضعيف ومعلول بالنضر بن عبد الرحمن.
وأما حديث أنس ﵁ فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو الأحوص عن يحيى بن الحارث، عن عمرو بن عامر، عن أنس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الأنبذة في الأوعية، ثم قال بعد: إني نهيتكم عن الأنبذة في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم".
وأما حديث ابن الرُّسَيم عن أبيه فأخرجه الطبراني (٤) ﵀، نا محمد بن عبد الله الحضرمي وعبيد بن غنام، قالا: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن يحيى بن غسان التيمي، عن ابن
стр. 8292
الرُّسَيم، عن أبيه -وكان من أهل هجر، وكان فقيها-: "أنه انطلق إلى رسول الله ﵇ في وفد بصدقة يحملها إليه، فنهاهم عن النبيذ في هذه الظروف، فرجعوا إلى أرضهم وهي أرض تهامة حارَّة فاستوخموا، فرجعوا إليه العام الثاني في صدقاتهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك نهيتنا عن هذه الأوعية فتركناها، فشق ذلك علينا، فقال: اذهبوا فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا ما أوكئ سقاؤه على إثم".
قلت: رُسَيم بضم الراء وفتح السين المهملتين، كذا قاله محمد بن نقطة من خط أبي نعيم. وقال ابن ما كولا: وأما رسيم بفتح الراء وكسر السين وسكون الياء آخر الحروف فهو رَسِيم له صحبة، روى عنه ابنه حديثًا رواه يحيى بن غسان التيمي، عن ابن الرسيم، عن أبيه.
وأما حديث صحار بن عياش فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الضحاك بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الرحمن بن صحار، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، إني رجل مسقام، فأذن لي في جرة أنتبذ فيها؛ فأذن لي".
قلت: صحار -بضم الصاد- بن عياش بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة. وقيل: عباس بالباء الموحدة والسين المهملة.
ص: فثبت بهذه الآثار نسخ ما تقدمها مما قد روينا في هذا الباب من تحريم الانتباذ في الأوعية المذكورة فيها، وثبت إباحة الانتباذ في الأوعية كلها.
وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي فثبت بهذه الأحاديث المذكورة في الفصل الثاني انتساخ الأحاديث المذكورة في الفصل الأول الناطقة بتحريم الانتباذ في الأوعية المذكورة فيها. وقال الحازمي: إنما كان النهي عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ، ولا يشعر بذلك صاحبها، فيكون على غرر من شربها.
стр. 8293
قلت: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحظر كان في مبتدأ الأمر، ثم رفع وصار منسوخًا، ودلت الأحاديث الثابتة على أن النهي كان مطلقًا عن الظروف كلها، ودل بعضها أيضًا على السبب الذي لأجله رخص فيها وهو أنهم شكوا إليه الحاجة إليها، فرخص لهم في ظروف الأدم لا غير، ثم إنهم شكوا إليه أن ليس كل أحد يجد سقاء، فرخص لهم في الظروف كلها ليكون جمعًا بين الأحاديث كلها.
ص: ومما يدل على ذلك أيضًا: أن فهدًا حدثنا، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس قال: "دخلت على أنس، فرأيت نبيذه في جرة خضراء".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، قال: "دخلت على أنس بن مالك بواسط القصب، فرأيت نبيذه في جرة خضراء يُنتبذ له فيها".
فهذا أنس بن مالك ينتبذ في الظروف، وهو أحد من روى عن رسول الله ﵇ النهي عن الانتباذ فيها؛ فدل ذلك على ثبوت نسخ ذلك عنده، والله أعلم.
ش: أي ومن الذي يدل على نسخ الأحاديث المتقدمة: ما روي عن أنس بن مالك؛ فإنه كان ينتبذ له في الظروف، والحال هو أحد الرواة عنه ﵇ أنه نهى عن الانتباذ فيها، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لما انتبذ له في الظروف.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي جعفر الرازي، قيل: اسمه عيسى عن الربيع بن أنس البصري البكري.
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.
стр. 8294
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن ثعلبة قال: "دخلت على أنس بن مالك فأكلنا عنده، ثم دعى بجريرة خضراء فيها نبيذ فسقانا".
قوله: "بواسط القصب" هي مدينة اختطها الحجاج بين الكوفة والبصرة في أرض كسكر، وهي نصفان على شطي دجلة وبينهما جسر من سفن؛ وإنما سميت واسطًا لأن منها إلى البصرة خمسين فرسخًا، ومنها إلى الكوفة خمسين فرسخًا، ومنها إلى الأهواز خمسين فرسخًا، ومنها إلى بغداد خمسين فرسخًا. وإنما أضيفت إلى القصب لأن أرضها كانت مقصبةً، وفيها قصب كثيرة، وأقلام مشهورة تنسب إليها، والله أعلم.
стр. 8295
ص: كتاب الوصايا
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الوصايا، وهي جمع وصية من أوصى يوصي إيصاءً ووصيةً، ووصى يوصي توصيةً وذلك موصى إليه، وأوصى لفلان بكذا أي جعل له من ماله وذلك موصى له، والوَصَاية -بفتح الواو- بمعنى الوصية، وبكسرها مصدر، وأوصى إلى فلان بكذا أي جعله وصيًّا وذلك موصى إليه. قال الجوهري: أوصيت له بشيء وأوصيت إليه، إذا جعلته وصيك، والاسم الوصاية بفتح الواو وكسرها، وواصيته ووصيته إيصاءً وتوصيةً بمعنى. والاسم الوصاءة.
قلت: الوصية في الشرع: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت.
стр. 8296
ص: باب ما يجوز فيه الوصايا من الأموال، وما يفعله المريض في مرضه الذي يموت فيه من الهبات والصدقات والعتاق
ش: أي هذا باب في بيان ما يجوز فيه الوصية من الأموال، وبيان ما يوصي المريض في مرض موته من الهبة والصدقة والعتق.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: "مرضت عام الفتح مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﵇ يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير".
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال ثنا الحسين بن علي عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "عادني رسول الله ﵇ فقلت: أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالنصف؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال سعد. . . . ثم ذكر نحوه.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة، فالبخاري (١): عن أبي نعيم، نا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: "جاء النبي ﵇
стр. 8297
يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويُضَرُّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة".
وأخرجه أيضًا (١): عن محمد بن عبد الرحيم، عن زكرياء بن عدي، عن مروان، عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه.
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: أنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "عادني رسول الله ﵇ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، قلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، الثلث والثلث كثير. . . ." الحديث.
وأبو داود (٣): عن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عامر، به نحوه.
والترمذي (٤): عن ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن الزهري به.
وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٥): عن عمرو بن عثمان، عن سفيان، عن الزهري.
стр. 8298
وابن ماجه (١): عن هشام بن عمار والحسين بن الحسن المروزي وسهل بن أبي سهل الرازي، عن سفيان، عن الزهري به.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي شيبة، عن الحسين ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد التجيبي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه مسلم (٢): عن القاسم بن زكرياء، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "عادني النبي ﵇ فقلت: أوصي. . . ." إلى آخره نحوه.
الثالث: عن فهد أيضًا، عن أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا، عن محمد بن فضيل ابن غزوان الضبي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣).
قوله: "مرضت عام الفتح" أراد به فتح مكة شرفها الله، وهذا انفرد به ابن عيينة، عن ابن شهاب حيث قال: "عام الفتح" وغيره كلهم قالوا فيه: عن ابن شهاب "عام حجة الوداع" قالوا: هو الأصوب، ذكره يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني.
قال أبو عمر (٤): روى عفان بن مسلم، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عمرو القاري، عن أبيه، عن جده عمرو القاري: "أن رسول الله ﵇ قدم مكة فخلَّف سعدًا مريضًا حين خرج إلى حنين،
стр. 8299
فلما قدم ومن الجعرانة دخل عليه وهو وجع مغلوب، فقال سعد: يا رسول الله، إن لي مالًا وإنني أورث كلالة؛ أفأوصي بمالي كله أو أتصدق به، قال: لا. . . ." وذكر الحديث.
فهذا يعضد ما قال ابن عيينة وفيه: "أفأوصي بمالي كله أو أتصدق" على الشك.
وأما حديث ابن شهاب فلم يختلف عنه أصحابه لا ابن عيينة ولا غيره أنه قال فيه: "أفأتصدق" ولم يقل: "أفأوصي".
فإن قلت: هذه اللفظة: "أفأتصدق" كان في ذلك حجة قاطعة لما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم في هبات المريض وصدقاته وعتقه، أن ذلك كله من ثلثه لا من جميع ماله ماله.
قوله: "أشفيت منه" أي أشرفت من أجله على الموت، من الإشفاء وهو الإشراف على الشيء.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فتكلم الناس في الرجل هل يسعه أن يوصي بثلث ماله أو ينبغي أن يقصر عن ذلك؟ فقال قوم: له أن يوصي بالثلث كاملًا فيما أحب مما يجوز فيه الوصايا، واحتجوا في ذلك بإجازة النبي ﵇ لسعد ﵁ أن يوصي بثلث ماله بعد منعه إياه أن يوصي بما هو أكثر من ذلك على ما ذكرنا في هذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: شريحًا القاضي، ومحمد بن سيرين، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: للرجل أن يوصي بثلث ماله كله لا فيما أحب مما يجوز فيه الوصايا. واحتجوا فيه ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص.
ص: وبما حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحر بن نصر، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم من آخر أعماركم زيادة لكم في أعمالكم".
стр. 8300
ش: أي واحتجوا أيضًا بما حدثنا يونس. . . . إلى آخره، وهؤلاء كلهم ثقات غير أن طلحة بن عمرو الحضرمي المكي فيه مقال، فعن البخاري: ليس بشيء. وعن النسائي: متروك الحديث. وعن أبي داود: ضعيف.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادةً لكم في أعمالكم".
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢): من طريق ابن وهب، نحوه.
فإن قيل: هذا حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به.
وقال أبو عمر: استحبت جماعة الوصية بالثلث، واحتجوا بحديث ضعيف عن النبي ﵇ أنه قال: "جعل الله في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم" وهو حديث انفرد به طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة، وطلحة ضعيف، روى عنه هذا الخبر وكيع وابن وهب وغيرهما.
قلت: الاستدلال بحديث سعد المذكور الذي اتفق على صحته كاف. والحديث الضعيف إذا قرن بالصحيح يزداد قوةً ويرتفع اعتضادًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي للموصي أن يقتصر في وصيته عن ثلث ماله؛ لقول رسول الله ﵇: "الثلث والثلث كثير".
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومطرفًا، والضحاك، وطاوسًا، ومالكًا، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: ينبغي للرجل أن يقتصر في وصيته عن ثلث ماله؛ لأن قوله ﵇: "الثلث والثلث كثير" دليل على أنه الغاية التي تنتهي إليها الوصية، فالتقصير عنها أفضل لقوله: "والثلث كثير".