← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

فتكبر، ثم تكبر، ثم تكبر، ثم تكبر فتقرأ، ثم تكبر فتركع، وتقوم فتقرأ، ثم تكبر، ثم تكبر، ثم تكبر، ثم الرابعة تركع". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الله بن أبي موسى، ويقال عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى وعن حماد، عن إبراهيم: "أن أميرًا من أمراء الكوفة -قال سفيان: قال أحدهما: سعيد بن العاص، وقال الآخر: الوليد بن عقبة- بعث إلى عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن قيس، فقال: إن هذا العيد قد حضر، فما ترون؟ فأسندوا أمرهم إلى عبد الله، فقال: يكبر تسعًا: تكبيرة يفتتح بها الصلاة، ثم يكبر ثلاثًا ثم يقرأ سورة ثم يكبر ثم يركع ثم يقوم فيقرأ سورة، ثم يكبر أربعًا يركع بإحداهن. الثالث: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "التكبير في العيدين: خمس في الأولى، وأربع في الثانية". وقال البيهقي: فهذا رأى عبد الله، والمرفوع أولى مع عمل الناس. قلت: هذا لا يثبت بالرأي، وقال أبو عمر: مثل هذا لا يكون إلا توقيفًا؛ لأنه لا فرق بين سبع وأقل وأكثر من جهة الرأي والقياس.

стр. 8577

وقال ابن رشد في "القواعد": معلوم أن فعل الصحابة في ذلك بتوقيف إذ لا يدخل القياس في ذلك. وأخرج محمد في "آثاره" (١): أنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الله بن مسعود: "أنه كان قاعدًا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان وأبو موسى الأشعري، فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أمير الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان وأبو موسى الأشعري يومئذ فقال: إن غدًا عيدكم فكيف أصنع؟ فقال: أخبره يا أبا عبد الرحمن كيف يصنع؟ فأمره عبد الله بن مسعود أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يكبر في الأولى خمسًا وفي الثانية أربعًا، وأن يوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته". قال محمد: وبه نأخذ. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود: "أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعًا تسعًا: أربعًا قبل القراءة ثم يكبر فيركع، وفي الثانية يقرأ، فإذا فرغ كبر أربعًا ثم ركع". وعن معمر (٣)، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود: "سأل سعيد بن العاص حذيفة وأبا موسى عن تكبير العيدين؟ فقال حذيفة: سل ابن مسعود، فسأله، فقال: تكبر أربعًا ثم تقرأ، ثم تكبر فتركع، ثم تقوم في الثانية فتقرأ، ثم تكبر أربعًا". ص: وقد روي خلاف ذلك أيضًا عن عبد الله بن الزبير ﵄. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج قال: يوسف بن ماهك أخبرني: "أن ابن الزبير لم يكن يكبر إلا أربعًا سوى تكبيرتين للركعتين، سمع ذلك منه زعم".

стр. 8578

فقد يحتمل أن تكون الأربع التي كان يكبرهن في الركعة الأولى سوى تكبيرة الافتتاح، فيكون ما فعل من ذلك موافقًا لما ذهب إليه ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى، ويحتمل أن تكون تكبيرة الافتتاح داخلة فيهن فيكون ذلك مخالفًا لمذهبهم، وأولى بنا أن نحمله على ما وافق قولهم لا على ما خالفه. ش: أي خلاف ما تقدم من الأقوال. وأخرجه بإسناد جيد، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسي المكي، عن عبد الله بن الزبير ﵄، والباقي ظاهر. ص: وقد روي خلاف ذلك أيضًا عن أنس بن مالك ﵁. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا الأشعث، عن محمد، عن أنس بن مالك أنه قال: "تسع تكبيرات: خمس في الأولى، وأربع في الآخرة، مع تكبيرة الصلاة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، عن جده أنس بن مالك قال: إذا كان في منزله بالطف فلم يشهد العيد إلى مصر جمع مواليه وولده يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل المصر. . . ." فذكر مثل حديث عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس الذي ذكرناه في هذا الباب سواء. ش: أي خلاف ما تقدم من الأقوال. أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن الأشعث بن عبد الملك الحمراني البصري، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁.

стр. 8579

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أنس: "أنه كان يكبر في العيد تسعًا. . . ." فذكر مثل حديث عبد الله. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، عن جده أنس بن مالك. وأخرجه ابن منصور في "سننه" عن هشيم نحوه. قوله: "بالطفِّ" بفتح الطاء المهملة وتشديد الفاء هو اسم موضع بناحية الكوفة بينه وبين الكوفة فرسخان، وكان له فيه قصر، وتوفي أنس فيه ودفن هناك. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله خلاف ذلك أيضًا. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله ومسروق وسعيد بن المسيب أنهم قالوا: "عشر تكبيرات مع تكبير الصلاة، وبه يأخذ قتادة". ش: أي خلاف ما تقدم من الأقوال. أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالا: "تسع تكبيرات ويوالي بين القراءتين". وأراد بالتسع غير تكبيرة الصلاة، فبتكبير الصلاة تكون عشرًا كما هو في رواية الطحاوي.

стр. 8580

ص: وقد خالف ذلك أيضًا غيرهم من أصحاب رسول الله ﵇. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال ثنا ابن عون، عن مكحول، قال: حدثني من أرسله سعيد بن العاص، فاتفق له أربعة من أصحاب النبي ﵇ على ثمان تكبيرات". فهذا الحديث هو الحديث الذي قد رويناه فيما تقدم من هذا الباب، وفي الأربعة أبو موسى وحذيفة، وقد صدَّقُوا أبا عبد الرحمن فيما أفتى به الوليد بن عقبة، وفيما أفتى به أن تكبيرة الافتتاح سوى هذه الثمان تكبيرات، فثبت بذلك أن التكبيرات التي في هذا الحديث وفي حديث الجوزجاني غير تكبيرة الافتتاح، فهذا ما روي عن أصحاب رسول الله ﵇ في تكبير العيدين. ش: أي وقد خالف ما ذكر من الأقوال غيرهم من الصحابة ﵃. أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عبد الله بن عون، عن مكحول الشامي. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن ابن عون، عن مكحول، قال: "أخبرني من شهد سعيد بن العاص أرسل إلى أربعة نفر من أصحاب الشجرة، فسألهم عن التكبير في العيد؟ فقالوا: ثمان تكبيرات، قال: فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: صدق، ولكنه أغفل تكبيرة فاتحة الصلاة". قوله: "فثبت بذلك" أي بما أفتى به أن تكبيرة الافتتاح سوى هذه الثمان تكبيرات، أي التكبيرات التي في هذا الحديث، أي في حديث مكحول، وفي حديث أحمد بن محمد الجوزجاني -الذي رواه عن غسان بن الربيع، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول، عن أبي عائشة. . . . إلى آخره- غير تكبيرة الافتتاح، فبتكبيرة الافتتاح تصير تسع تكبيرات، وإلي هذا المعنى أشار ابن سيرين في رواية ابن أبي شيبة بقوله: "صدق ولكنه أغفل تكبيرة فاتحة الصلاة".

стр. 8581

ص: وقد روي عن تابعيهم في ذلك اختلاف، فمما روي عنهم في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف: "أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كان يكبر سبعًا وخمسًا". فقال أهل المقالة الأولى: فهذا عمر بن عبد العزيز قد وافق مذهبنا مذهبه. قيل لهم: فقد روي عن أكثر التابعين خلاف هذا: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم: "أن مسروق بن الأجدع كان يكبر في العيدين تسع تكبيرات". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت منصورًا يحدث، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق: "أنهما كانا يكبران في العيدين تسع تكبيرات". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا أشعث، عن الحسن قال: "تسع تكبيرات: خمس في الأولى، وأربع في الآخرة مع تكبيرة الصلاة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي قال: قال: "تسع تكبيرات". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد، قال: سمعت حمزة أبا عمارة، قال: سمعت الشعبي قال: "ثلاثًا ثلاثًا سوى تكبيرة الصلاة". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: نا محمد -وهو ابن سيرين- في تكبير العيدين. . . . فذكر مثل حديث ابن مسعود، ووافقه أيضًا على الموالاة بين القراءتين. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، عن ابن عون، عن محمد بنحوه، فهذا أكثر من روينا عنه من التابعين قد وافق قوله قول ابن مسعود ﵁. ش: أي وقد روي عن تابعي الصحابة ﵃ في عدد تكبيرات العيدين اختلاف فمن ذلك الاختلاف: ما حدثنا أبو بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة،

стр. 8582

عن عتاب بن بشير الجزري الحراني، عن خصيف -بالفاء في آخره- بن عبد الرحمن الجزري الحراني. . . . إلى آخره. وهؤلاء ثقات، ولكن روي عن أحمد أن أحاديث عتاب عن خصيف منكرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بغير هذا الإسناد: نا خالد بن مخلد، قال: أنا ثابت بن قيس قال: "صليت خلف عمر بن عبد العزيز ﵁ الفطر، فكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): عن أبي أويس المدني، عن ثابت بن قيس، نحوه. قوله: "فقال أهل المقالة الأولى" وهم الذين ذهبوا إلى أن التكبيرات الزوائد في العيدين: سبع في الأولى، وخمس في الثانية قبل القراءة فيهما، فهذا عمر بن عبد العزيز قد وافق مذهبه مذهبنا. فأجاب عن ذلك بقوله: "قيل لهم: فقد روي عن أكثر التابعين خلاف هذا" أي خلاف ما روي عن عمر بن عبد العزيز. وأخرج في ذلك عن مسروق والأسود والحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي ومحمد بن سيرين. أما ما روي عن مسروق بن الأجدع: فأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق. وأما ما روي عن الأسود بن يزيد: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق.

стр. 8583

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر وابن مهدي، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق: "أنهما كانا يكبران في العيد تسع تكبيرات". وروي (٢) عن إسحاق الأزرق، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن أصحاب عبد الله كانوا يكبرون في العيدين تسع تكبيرات". وأما ما روي عن الحسن البصري: فأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري، عن الحسن. وأخرج ابن أبي شيبة (٣): عن إسحاق الأزرق، عن هشام، عن الحسن ومحمد: "أنهما كانا يكبران تسع تكبيرات". وأما ما روي عن إبراهيم النخعي: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم. وأما ما روي عن عامر الشعبي: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن سعيد، عن أبي عمارة حمزة بن حبيب الزيات القارئ الكوفي قال: سمعت عامرًا الشعبي. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): عن إسحاق بن منصور، عن أبي كدينة، عن الشيباني، عن الشعبي والمسيب قالا: "الصلاة يوم العيدين تسع تكبيرات خمس في الأولى، وأربع في الثانية ليس بين القراءتين تكبير". أما ما روي عن محمد بن سيرين: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح من طريقين:

стр. 8584

الأول: عن أبي بكرة بكار، عن الحجاج بن منهال، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن عبد الله بن عون المزني البصري، عن محمد بن سيرين. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي قلابة نحوه: عن الثقفي، عن خالد عنه. وأخرج (٢) عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر: "أنه كان يفتي بقول عبد الله بن مسعود في التكبير في العيدين". ص: فلما اختلف في التكبير في صلاة العيدين هذا الاختلاف، أردنا أن ننظر في ذلك لنستخرج من أقاويلهم هذه قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك فلم يرو عن أحد منهم أنه فرق بين الصلاة في الفطر والأضحى غير علي ﵁، وكانت صلاة الفطر وصلاة النحر صلاتي عيد مفعولتان لمعنى واحد، وهما مستويتان في ركوعهما وسجودهما؛ فكان النظر أن تكونا لا اختلاف بين إحداهما وبين الأخرى في سائر حكمهما؛ فثبت بما ذكرنا التسوية بين الصلاتين في يوم النحر ويوم الفطر، ثم نظرنا في عدد التكبير فيهما، فرأينا سائر الصلوات خالية من هذا التكبير، ورأينا صلاة العيدين قد أُجْمِع أن فيها تكبيرًا زائدًا على غيرها من الصلوات، فكان النظر أن لا يزاد في الصلاة للعيدين على ما في سائر الصلوات غيرها إلا ما اتفق على زيادته، فكل قد أجمع على زيادة التسع تكبيرات على ما ذهب إليه ابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو موسى، ومن سمينا معهم ﵃. واختلفوا على الزيادة على ذلك فزدنا في هذه الصلاة ما اتفق على زيادته فيها، ونفينا عنها ما لم يتفق على زيادته فيها، فثبت بذلك ما ذهب إليه أهل هذه المقالة.

стр. 8585

ش: أشار بهذا الكلام إلى أن ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية في عدد تكبيرات العيدين هو أولى بالعمل من جهة النظر والقياس. وذلك أن القياس كان يقتضي أن لا يزاد شيء من التكبير في صلاتي العيدين قياسًا على سائر الصلوات، ولكن وردت الآثار أن فيهما تكبيرًا زائدًا وقع عليه الإجماع أيضًا، وكل الصحابة والتابعين قد أجمعوا عل زيادة تسع تكبيرات على ما ذهب إليه عبد الله بن مسعود ومن وافقه في ذلك من الصحابة والتابعين، واختلفوا في الزيادة على التسع، فالنظر أن يعمل بما وقع الاتفاق على زيادته، وينفي عنه ما لم يتفق عليه؛ لأنه لا نزاع فيما وقع عليه الاتفاق، والنزاع قائم فيما لم يقع فيه الاتفاق، فالأخذ بما لا نزاع فيه أولى من جهة النظر والعقل. فافهم. ص: ثم نظرنا في موضع القراءة منها، فقال الذين ذهبوا إلى أنها في الركعة الأولى بعد التكبير، وفي الثانية كذلك، قد رأيناكم اتفقتم ونحن أن القراءة في الركعة الأولى مؤخرة عن التكبير، فالنظر أن تكون في الثانية كذلك. ش: أي ثم نظر في موضع القراءة في صلاة العيدين، فقال الذين ذهبوا، وهم أهل المقالة الأولى، فإنهم قالوا: القراءة في الركعتين جميعًا عقب التكبيرات الزائدة، وقالوا: هذا هو النظر والقياس لأنكم اتفقتم معنا أن القراءة في الركعة الأولى مؤخرة عن التكبير، فالنظر والقياس أن تكون في الركعة الثانية كذلك. ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأخرى: أن التكبير ذِكْرٌ يفعل في الصلاة، وهو غير القراءة، فنظرنا في موضع الذكر من الركعة الأولى في الصلاة ومن الركعة الثانية أين موضعه؟ فوجدنا الركعة الأولى فيها الاستفتاح والقعود على ما رويناه في غير هذا الموضع من كتابنا هذا عن رسول الله ﵇، وعمن روينا عنه من أصحابه ﵇، فكان ذلك في أول الصلاة قبل القراءة، فثبت بذلك أن كذلك موضع التكبير في صلاة العيدين في الركعة الأولى، هو ذلك الموضع منها، ووجدنا القنوت في الوتر يفعل في الركعة الآخرة في صلاة الوتر، فكل قد أجمع أنه

стр. 8586

بعد القراءة، وأن القراءة مقدمة عليه، وإنما اختلفوا في تقديم الركوع عليه وفي تقديمه على الركوع، فأما في تأخيره عن القراءة فلا. فثبت بذلك أن موضع التكبير في الركعة الأخيرة من صلاة العيد هو بعد القراءة؛ ليستوى موضع سائر الذكر في الصلوات، ويكون موضع كل ما اخْتُلف في موضعه منه كموضع ما قد أُجْمع على موضعه، وكل ما بينا في هذا الباب فهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي فكان من الدليل والبرهان على الذين ذهبوا إلي أنها في الركعة الأولى بعد التكبير وفي الثانية كذلك، وأراد بها الجواب عما قالوا من وجه النظر والقياس لما ذهبوا إليه. بيانه ملخصًا أن يقال: إن التكبير ذِكْرٌ يفعل في الصلاة وهو غير القراءة، فمحل الذكر نحو الاستفتاح والتعوذ والتوجه في رأس الركعة الأولى بلا خلاف، فالنظر على ذلك أن تكون التكبيرات في أول الركعة الأولى في صلاة العيدين، وفي أول الركعة الأخيرة أيضًا؛ ليتساوى مواضع سائر الأذكار في الصلوات، ولاسيما وقع ذلك في رأس الركعة الأولى بلا خلاف، وينبغي أن تكون الثانية كذلك قياسًا ونظرًا. قوله: "فكل قد أجمع أنه" أي فكل العلماء والفقهاء قد أجمعوا أن القنوت بعد القراءة وإنما كان اختلافهم في أنه هل هو بعد الركوع كما ذهب إليه الشافعي وأحمد، أو قبل الركوع كما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وليس بينهما اختلاف أنه بعد القراءة، والقنوت أيضًا ذِكْرٌ يفعل في الصلاة بعد القراءة بلا خلاف، ومحله الركعة الأخيرة، فكذلك ينبغي أن تكون التكبيرات بعد القراءة في الركعة الأخيرة. فهذا هو النظر والقياس الصحيح، والله أعلم.

стр. 8587

ص: باب حكم المرأة في مالها ش: أي هذا باب في بيان حكم المرأة في مال نفسها، هل يجوز لها التصرف فيه بغير إذن زوجها أم لا؟ ص: حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا الليث، عن عبد الله بن يحيى الأنصاري، عن أبيه، عن جده: "أن جدته أتت إلى رسول الله ﵇ بحلي لها فقالت: إني تصدقت بهذا، فقال رسول الله ﵇: إنه لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت زوجك؟ فقالت: نعم، فبعث رسول الله ﵇ إليه فقال: هل أذنت لامرأتك أن تتصدق بحليها؟ فقال: نعم، فقبله منها رسول الله ﵇". ش: يونس هو ابن عبد الأعلى المصرى شيخ مسلم والنسائي. ويحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري شيخ البخاري، والليث هو ابن سعد المصرى. وعبد الله بن يحيى [. . . .] (١).

стр. 8588

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا يجوز للمرأة هبة شيء من مالها ولا الصدقة به دون إذن زوجها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث وجماعة من أهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا يجوز للمرأة أن تهب بشيء من مالها ولا أن تتصدق به إلا بإذن زوجها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فأجازوا أمرها كله في مالها، وجعلوها في مالها كزوجها في ماله واحتجوا في ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) فأباح الله ما طابت به نفس امرأته وبقوله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢) فأجاز الله عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها وعلى أنها في مالها كالرجل في ماله. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور الفقهاء من التابعين ومَنْ بعدهم منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها كما يجوز للرجل، ولا تحتاج في ذلك إلى إذن الزوج. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بقول الله ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١) وهو جمع صدقة، وهو مهر المرأة، والصُدُق بضمتين جمع صداق، والصداق -بفتح الصاد وكسرها- هو المهر. قوله: "نحلة" وهي العطية الخالية عن العوض، وقال ابن العربي: اختلف في المراد بها هاهنا على ثلاثة أقوال:

стр. 8589

الأول: معناه طيبوا أنفسًا بالصداق كما تطيبون بسائر النحل والهبات. الثاني: معناه: نحلة من الله للنساء؛ فإن الأولياء كانوا يأخذونها في الجاهلية [فانتزعها الله سبحانه منهم ونحلها النساء. الثالث: أن معناه عطية من الله فإن الناس كانوا يتناكحون في الجاهلية] (١) ينكحون بالشغار ويخلون النكاح من الصداق، ففرضه الله سبحانه ونحله إياهن. وقال الجصاص في "أحكامه": روي عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢) قالا: فريضة، كأنهما ذهبا إلى نحلة الدين، وأن ذلك فرض فيها قوله تعالى: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (٢) أي من المهر، وقد دلت الآية على جواز هبة المرأة مهرها للزوج والإباحة للزوج في أخذه ولا حاجة في ذلك إلى استئمار من أحد. قوله: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ " (٣) المس هاهنا كناية عن الجماع، والواو في قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ (٣) للحال. قولة: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٣) أي: النساء، وفيه هن ضمير مستكن، وهذه الصيغة يستوي فيها المذكر والمؤنث، ويفرق في التقدير. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يوافق هذا المعنى أيضًا وهو ما قد رويناه عنه في كتاب "الزكاة" في امرأة عبد الله بن مسعود حين أخذت حليها لتذهب به إلى رسول الله ﵇ لتتصدق به. فقال عبد الله: "هلمي فتصدقي به عليَّ، فقالت: لا حتى استأذن رسول الله ﵇، فجاءت رسول الله ﵇ فاستأذنته في ذلك فقال: تصدقي به عليه وعلى الأيتام الذين في حجره فإنهم له موضع".

стр. 8590

فقد أباحها رسول الله ﵇ الصدقة بحليها عل زوجها وعلى أيتامه، ولم يأمرها باستئماره فيما تتصدق به على أيتامه. وفي هذا الحديث أيضًا أن رسول الله ﵇ وعظ النساء فقال: "تصدقن" ولم يذكر في ذلك أمر أزواجهن، فدل ذلك أن لهن الصدقة بما أردن من أموالهم بغير أمر أزواجهن. ش: أشار بقوله: "هذا المعنى" إلى ما ذكره بقوله: "فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها. . . ." إلى آخره. قوله: "عنه" أي عن رسول الله ﵇، وباقي الكلام ظاهر. ص: وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، قال: سمعت أيوب يحدث، عن عطاء قال: أشهد على ابن عباس ﵄ أو أحدث به عن ابن عباس -قال: أشهد على رسول الله ﵇ "أنه خرج يوم الفطر فصلى، ثم خطب، ثم أتى النساء فأمرهن أن يتصدقن". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس قال: قلت لابن عباس: "شهدت العيد مع رسول الله ﵇؟ قال: نعم، ولولا مكاني منه ما شهدته من صغري، خرج رسول الله ﵇ يوم العيد فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء مع بلال فوعظهن، فجعلت المرأة تهوي بيدها إلى رقبتها، والمرأة تهوي بيدها إلى أذنها فتدفعه إلى بلال، وبلال يجعله في ثوبه، ثم انطلق به مع النبي ﵇ إلى منزله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: حدثني الحسن ابن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "شهدت الصلاة مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، قال فنزل نبي الله ﵇ فكأني أنظر إليه يُجْلس الرجال بيده ثم أقبل يشُقُّهم حتى أتى النساء ومعه بلال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا

стр. 8591

يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال حين فرغ: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة لم تجبه غيرها: نعم يا رسول الله، قال: فتصدقن قال: فبسط بلال ثوبه، ثم قال لهن: ألقين، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: "إن النبي ﵇ قام يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس، فلما فرغ نبي الله ﵇ قام فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على بلال، وبلال باسط ثوبه فجعل النساء يلقين فيه صدقاتهن". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبيد بن هشام الحلبي قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن رفيع عن حزام بن حكيم، عن حكيم بن حزام قال: "خطب النبي ﵇ النساء ذات يوم فأمرهن بتقوى الله والطاعة لأزواجهن وأن يتصدقن". فهذا رسول الله ﵇ قد أمر النساء بالصدقات، وقبلها منهن، ولم ينتظر في ذلك رأي أزواجهن. ش: هذه الأحاديث دلت على صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وفساد ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى، وأخرجها عن ثلاثة من الصحابة: الأول: عن ابن عباس، وأخرج عنه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن أيوب السختياني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر -قال أبو بكر-: نا سفيان بن عيينة، قال: نا أيوب، قال: سمعت عطاء، قال: سمعت ابن عباس

стр. 8592

يقول: "أشهد على رسول الله ﵇ ليصلي قبل الخطبة، فرأى أنه لم يُسمع النساء، فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة، وبلال قائل بثوبه، فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء". وأخرجه بقية الجماعة (١) غير الترمذي. الطريق الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة النخعي. وأخرجه البخاري (٢): نا مسدد، قال: نا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عابس، قال: سمعت ابن عباس قيل له: "أشهدت العيد مع النبي ﵇؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته". الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي، عن طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٣): حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد جميعًا عن عبد الرزاق -قال ابن رافع: نا عبد الرزاق- قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "شهدت صلاة الفطر مع رسول الله ﵇

стр. 8593

وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب قال فنزل نبي الله ﵇ كأني أنظر إليه حين يُجْلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال ﵁ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ (١) فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة لم تجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله، لا ندري حينئذ من هي، قال: فتصدقن، فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلُمَّ فدىً لكنَّ أبي وأمي فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال". وأخرجه البخاري (٢): من حديث ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس نحوه. قوله: "تهوي بيدها" من أهوى بيده إليه، أي مدها نحوه وأمالها إليه، يقال: أهوي يده وبيده إلى الشيء ليأخذه. قوله: "يُجْلس الرجال" من الإجلاس. قوله: "الفَتَخ" بفتح الفاء والتاء المثناة من فوق وفي آخره خاء معجمة: جمع فَتَخَة بالتحريك، وهي حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهو الخاتم، وقيل: هي الخواتيم الكبار، وقيل: الفَتَخَة: حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها، وربما اتخذ لها فص كالخاتم، وقيل: خلخل لا جرس له، وقال ابن السكيت: تلبس في أصابع اليد. وقال ثعلب: قد تكون في أصابع الرجل. قوله: "الخواتيم" جمع خاتم، والخاتم فيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. الثاني: عن جابر بن عبد الله.

стр. 8594

أخرجه عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (١): حدثني إسحاق بن إبراهيم بن نصر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: "قام النبي ﵇ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكَّرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه تلقي فيه النساء الصدقة". وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا. قوله: "فذكَّرهن" بتشديد الكاف أي: وعظهن. قوله: "صدقاتهن" بفتح الدال جمع صدقة. الثالث: عن حكيم بن حزام بن خويلد القرشي الأسدي الصحابي. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد بن هشام الحلبي القلانسي شيخ أبي داود، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري، عن زيد بن رفيع الجزري ضعفه الدارقطني، ووثقه ابن حبان. عن حزام -بكسر الحاء المهملة بعدها الزاي المعجمة- ابن حكيم القرشي المدني، عن أبيه حكيم بن حزام ﵁.

стр. 8595

وأخرجه الطبراني (١): نا محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي المصري، نا عبيد بن هشام الحلبي، نا عبيد الله بن عمرو. . . . إلى آخره نحوه سواء. ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك أيضًا: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا بكير بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس قال: سمعت ميمونة زوج النبي ﵇ تقول: "أعتقتُ وليدة على عهد رسول الله ﵇ تقول فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ فقال: "لو أعطيتها أختك الأعرابية كان أعظم لأجرك". حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمد بن خازم، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ميمونة مثله. ش: أي قد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهو حديث ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ وأخرجه من طريقين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس قال: سمعت ميمونة. وأخرجه النسائي (٢): عن أحمد بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد (٣): عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن بكير. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8596

الثاني: عن ربيع أيضًا، عن أسد بن موسى، عن محمد بن حازم [. . .] (١) عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ميمونة، مثله. وأخرجه الطبراني (٢): نا مطلب بن شعيب الأزدي، نا عبد الله بن صالح، نا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس أن ميمونة بنت الحارث أخبرته: "أنها أعتقت وليدة لها، ولم تستأذن رسول الله ﵇، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي فلانة؟ فقال: أو قد فعلت؟ قالت: نعم، قال: أما إنك لو أعطيتها أخواتك كان أعظم لأجرك". ص: فلو كان أمر المرأة لا يجوز في مالها بغير إذن زوجها لرد رسول الله ﵇ عتاقها، وصرف الجارية إلى الذي هو أفضل من العتاق، فكيف يجوز لأحد ترك آيتين من كتاب الله وسنن ثابتة عن رسول الله ﵇ متفق على صحة مجيئها؛ إلى حديث شاذ لا يثبت مثله؟!. ش: أراد بالأمر: الشأن والحكم، وأراد بالآيتين: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ. . .﴾ الآية (٤)، وأراد بالسنن الثابتة: أحاديث ابن عباس وجابر بن عبد الله وحكيم بن حزام ﵃، وأراد بالحديث الشاذ: الحديث الذي ذكره في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى.

стр. 8597

ص: ثم النظر من بعد يدل على ما ذكرنا، وذلك أنا رأيناهم لا يختلفون في وصاياها من ثلث مالها أنها جائزة من ثلثها كوصايا الرجل فلم يكن لزوجها عليها سبيل، وبذلك نطق الكتاب قال الله : ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها، فأفعالها في مالها في حياتها أجوز من ذلك؛ فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي ثم وجه النظر والقياس من بعد ما ذكرنا، يدل على ما ذكرنا من صحة تصرف المرأة بالصدقة والهبة من غير أمر زوجها، وبَيَّنَ وجه النظر بقوله: "وذلك أنا رأيناهم. . . . إلى آخره"، وهو ظاهر. قوله: "أجوز" أي أشد جوازًا، والله أعلم بالصواب.

стр. 8598

ص: باب ما يفعله المصلي بعد رفعه من السجدة الثانية من الركعة الأولى ش: أي هذا باب في بيان ما يفعله المصلي بعد رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى هل يقعد مطمئنًا أو ينهض قائمًا؟. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو الربيع الزهراني، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أنه كان يقول لأصحابه: "ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله ﵇؟ وان ذلك لفي غير حين الصلاة، فقام فأمكن القيام ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه وانتصب قائمًا هنيهة ثم سجد، ثم رفع رأسه فتمكن في الجلوس، ثم انتظر هنيهة ثم سجد، فقال أبو قلابة: فصلى كصلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال: فرأيته يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها، استوى قاعدًا ثم قام". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة قال: أنا مالك بن الحويرث: "أنه رأى النبي ﵇ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا". ش: هذان طريقان صحيحان. الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي الربيع سليمان بن داود الزهراني الأزدي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام، عن مالك بن حويرث بن خشيش الليثي الصحابي ﵁. وأخرج البخاري (١): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أبي قلابة قال: "جاءنا مالك فقال: إني لأصلي بكم ولا أريد الصلاة، ولكني أريد أن

стр. 8599

أريكم صلاة رسول الله ﵇، فقلت لأبي قلابة: كيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة-. . . ." الحديث. وعمرو بن سلمة -بفتح السين وكسر اللام-[أبو بريدة] (١) الجرمي الصحابي ﵁. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن مالك بن الحويرث. وأخرجه البخاري (٢): عن محمد بن الصباح، عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث أنه قال: "رأيت النبي ﵇ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا". وأخرجه أبو داود (٣): عن مسدد، عن هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة. . . . إلى آخره نحوه. والترمذي (٤): عن علي بن حجر، عن هشيم به، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٥): عن علي بن حجر. . . . نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى أن الرجل إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة قعد حتى يطمئن قاعدًا، ثم يقوم بعد ذلك، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث.

стр. 8600

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء والحسن البصري، وأبا قلابة والشافعي؛ فإنهم قالوا: إذا رفع المصلي رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة قعد حتى يطمئن قاعدًا؛ ثم يقوم بعد ذلك، وعند الظاهرية هذا فرض، حتى لو تركه تفسد صلاته. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقوم منها ولا ينتظر أن يستوي قاعدًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: بل يقوم من السجدة ولا ينتظر أن يستوي قاعدًا. قال أبو عمر: روي ذلك أيضًا عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃. وقال النعمان بن أبي عياش: "أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﵇ يفعل ذلك". وقال أبو الزناد: "ذلك السنة" وقال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا، قال الأثرم: ورأيت أحمد ينهض بعد السجود على صدور قدميه، ولا يجلس قبل أن ينهض. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثني به غير واحد من أصحابنا، منهم: علي بن سعيد بن بشير، عن أبي همام الوليد بن شجاع السكوني، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو خيثمة، قال: ثنا الحسن بن حر، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني مالك، عن عباس -أو عياش- بن سهل الساعدي ﵁ وكان في مجلس فيه أبوه، وكان من أصحاب رسول الله ﵇، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي والأنصار: "أنهم تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، اتبعت ذلك من رسول الله ﵇، قالوا: فأرنا، فقام يصلي وهم ينظرون فكبر ورفع

стр. 8601

يديه في أول التكبير. . . ." ثم ذكر حديثًا طويلًا ذكر فيه أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك. فلما جاء هذا الحديث على ما ذكرنا، وخالف الحديث الأول احتمل أن يكون ما فعله رسول الله ﵇ في الحديث الأول لعلة كانت به فقعد من أجلها، لا لأن ذلك من سنة الصلاة كما قد كان ابن عمر ﵄ يتربع في الصلاة، فلما سئل عن ذلك قال: إن رجلي لا تحملني فكذلك يحتمل أن يكون ما فعله رسول الله ﵇ من ذلك القعود كان لعلة أصابته حتى لا يضاد ذلك ما روي عنه في الحديث الآخر ولا يخالفه، وهذا أولى بنا من حمل ما روي عنه على التضاد والتنافي، وفي حديث أبي حميد أيضًا: فيه حكاية أبي حميد ما حكى بحضرة جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر ذلك عليه أحد منهم، فدل ذلك أن ما عندهم في ذلك غير مخالف لما حكاه لهم. وفي حديث مالك بن الحويرث من كلام أيوب أن ما كان عمرو بن سلمة يفعل من ذلك لم يكن يرى الناس يفعلونه، وهو فقد رأى جماعة من أجلة التابعين، فذلك حجة في دفع ما روي عن أبي قلابة، عن مالك أن يكون سنة. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عباس بن سهل الساعدي. أخرجه عن جماعة منهم: علي بن سعيد بن بشر بن مهران الرازي نزيل مصر، عن أبي همام الوليد بن شجاع اليشكري الكندي شيخ مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه، أبيه أبي بدر شجاع بن الوليد، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية بن حديج، عن الحسن بن حُرّ بن الحكم النخعي الكوفي، عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة المدني، عن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة، أو عياش بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن سهل الساعدي المدني، وأبوه سهل بن سعد الساعدي الصحابي.

стр. 8602

وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه أبو داود (١): بهذا الإسناد، ثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، نا زهير أبو خيثمة، نا الحسن بن حُرّ، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني مالك، عن عباس -أو عياش- بن سهل الساعدي: "أنه كان في مجلس فيه أبوه وكان من أصحاب رسول الله ﵇، وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي. ." بهذا الخبر يزيد وينقص، قال فيه: "ثم رفع رأسه -يعني من الركوع- فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام ولم يتورك. . . ." ثم ساق الحديث، قال: "جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، ثم ركع ركعتين أخريين. . . ." ولم يذكر التورك في التشهد. وأخرجه أبو داود أيضًا من طرق أخرى بوجوه مختلفة، وكذلك الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد استوفينا الكلام فيه في هذا الحديث بوجوهه المختلفة في كتاب الصلاة (٢)، فالطحاوي أخرجه هناك بطرق أخرى. قوله: "أبو أسيد" بضم الهمزة وفتح السين، اسمه مالك بن ربيعة الساعدي. و"أبو حميد" بضم الحاء وفتح الميم، الساعدي، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد. قوله: "فلما جاء هذا الحديث على ما ذكرنا وخالف الحديث الأول. . . . إلى آخره" إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين الحديثين وبَيَّنَ ذلك بوجهين: الأول: هو قوله: احتمل أن يكون ما فعله رسول الله ﵇.

стр. 8603

والثاني: هو قوله: وفي حديث أبي حميد أيضًا. . . . إلى آخره، وكل ذلك ظاهر. ص: ثم النظر من بعد هذا يوافق ما روى أبو حميد، وذلك أنا رأينا الرجل إذا خرج من صلاته من حال إلى حل استأنف ذكرًا. من ذلك أنا رأيناه إذا أراد الركوع كبر وخر راكعًا، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا خر من القيام إلى السجود قال: الله أكبر، وإذا رفع رأسه من السجود قال: الله أكبر، وإذا عاد إلى السجود فعل ذلك أيضًا، وإذا رفع رأسه لم يكبر من بعد رفع رأسه إلى أن يستوي قائمًا غير تكبيرة واحدة، فدل ذلك أنه ليس بين سجوده وقيامه جلوس ولو كان بينهما جلوس لاحتاج أن تكون تكبيرة بعد رفع رأسه من السجود للدخول في ذلك الجلوس، ولاحتاج إلى تكبير آخر إذا نهض للقيام، فلما لم يؤمر بذلك ثبت أن لا قعود بعد الرفع من السجدة الأخيرة والقيام إلى الركعة التي بعدها؛ ليكون ذلك حكم سائر الصلاة مؤتلفًا غير مختلف، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي ثم وجه النظر والقياس من بعد ذلك يوافق ما روى أبو حميد، وبَيَّنَ ذلك بقوله: "وذلك أنا رأينا الرجل. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر، والله أعلم.

стр. 8604

ص: باب ما يجب للمملوك على مولاه من الكسوة والطعام ش: أي هذا باب في بيان أحكام ما يجب على الرجل لأجل من ملكت يمينه من الكسوة والطعام. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد. ح وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا مهدي بن جعفر، قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا يعقوب بن مجاهد المدني أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: "خرجت أنا وأبي نطلب هذا العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله ﵇ ومعه غلام له وعليه بردة معافري، وعلى غلامه بردة معافري، قال: فقلت له: يا عم لو أخذت بردة غلامك فأعطيته معافريك، أو أخذت معافريه وأعطيته بردك، فكانت عليك حلة وعليه حلة، قال: فمسح رأسي وقال: اللهم بارك فيه، ثم قال: يا ابن أخي، أبصرت عيناي هاتان وسمعت أذناي هاتان، ووعاه قلبي من رسول الله ﵇، وهو يقول: أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فكان إن أعطيته من متاع الدنيا أحب إلي من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأبو حزرة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي، بعدها الراء، من رجال مسلم. وأبو اليسر -بفتح الياء آخر الحروف، والسين المهملة، وفي آخره راء- واسمه كعب بن عمرو بن عباد السلمي الأنصاري الصحابي. وأخرجه مسلم (١): عن هارون بن معروف ومحمد بن عباد، عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال: "خرجت أنا وأبي نطلب العلم، فكان أول من لقينا: أبو اليسر. . . ." إلى آخره نحوه.

стр. 8605

قوله: "عليه بُردة" بضم الباء الموحدة: وهي الشملة المخططة وقيل: كساء أسود مربع فيه صفر، تلبسه الأعراب، ويجمع على بُرُد. و"مَعافِري" بفتح الميم: بُرد منسوب إلى مَعافر قبيلة باليمن، والميم زائدة. و"الحُلة" واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. ص: حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، قال: "خرجنا حجاجًا أو معتمرين فلقينا أبو ذر ﵁ بالربذة عليه برد وعلى غلامه برد مثله، فقلنا له: يا أبا ذر لو أخذت هذا البرد إلى بردك لكانت حلة، وكسوته بردًا غيره، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﵇ يقول: إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فَلْيُعِنْه". حدثنا ابن مرزوق، عن أبي عامر العقدي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر عن النبي ﵇: "مَنْ لاءمكم مِنْ خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تكسون، ومَنْ لا يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن محمد بن سنان الشيرازي، عن عيسى بن عبد الوهاب بن نجدة الشامي الجبلي شيخ أبي داود وثقه ابن حبان، والحوطي [. . . .] (١) عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سليمان الأعمش، عن المعرور -بالعين المهملة- بن سويد الأسدي الكوفي، عن أبي ذر، واسمه جندب بن جنادة.

стр. 8606

وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع قال: نا الأعمش، عن المعرور بن سويد قال: "مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه برد مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي ﵇ فقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن المعرور، بمعناه. وأخرجه الترمذي (٣): عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن واصل، عن المعرور. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، نحو رواية مسلم. قوله: "حجَّاجًا" جمع حاجّ، وانتصابه على الحال التي يقال لها: الحال المقدرة، والمنتظرة أيضًا. قوله: "أو معتمرين" عطف عليه. قوله: "بالرَّبذَة" بفتح الراء والباء والموحدة والذال المعجمة، قرية من قرى المدينة، بينها وبين المدينة قدر مرحلة، وكان أبو ذر ﵁ يكون بها، وبها قبره.

стр. 8607

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن مورق بن مشمرج العجلي الكوفي، عن أبي ذر. وأخرجه أبو داود (١): عن محمد بن عمرو الرازي، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن مورق. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "مَنْ لاءمَكُم" من الملاءمة وهي الموافقة، يقال: هو يلائمني -بالهمز- ثم يخفف فيصير ياء، و"الخدم" جمع خادم، يتناول الذكور والإناث. ص: فذهب قوم إلى أن على الرجل أن يسوي بين مملوكه وبين نفسه في الطعام والكسوة، واحتجوا في ذلك بما رويناه في هذا الباب، وبما رويناه من مذهب أبي اليسر الذي ذكرناه في ذلك. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأعمش، ومورق بن مشمرج وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: يجب على الولي أن يسوي بينه وبين مملوكه في الطعام والكسوة. وقال ابن حزم في "المحلى" (٢): وفرض على المولى أن يطعم عبده مما يأكل ولو لقمة وأن يكسوه مما يلبس ولو في العيد، ويجبر على ذلك، فإن أبى أو أعسر، بيع من ماله ما ينفق به على ما ذكرنا، ثم استدل على ذلك بالأحاديث المذكورة، ثم قال: فهذا أبو اليسر يرى هذا الأمر فرضًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الذي يجب للمملوك على مولاه هو طعامه وكسوته لا غير ذلك مما يوسع به الرجل على نفسه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الجمهور من التابعين ومَنْ بعدهم، منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وآخرون؛ فإنهم قالوا: الواجب على

стр. 8608

المولى لعبده طعامه وكسوته لا غير ذلك مما يوسع به على نفسه، وقالوا: إن الأمر في الحديث المذكور على الندب والاستحباب؛ لأن السيد إذا أطعم عبده أدنى مما يأكله، وألبسه أقل مما يلبسه صفة وقدرا لم يذمه أحد من أهل الإِسلام إذا قام بواجبه عليه ولا خلاف في ذلك، وإنما موضع الذم إذا منعه مما يقوم به أوده ويدفع به ضرورته كما نص ﵇ بقوله: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم" وإنما هذا على جهة الحض على مكارم الأخلاق وإرشاد الإنسان إلى سلوك طريق التواضع، حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذا الكل عبيد الله تعالى، والمال مال الله؛ ولكن سَخَّرَ بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضًا؛ إتمامًا للنعمة وتنفيذًا للحكمة. ص: واحتجوا بما حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان أبي محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". قالوا: فهذا الذي يجب للمملوك على سيده، وكان أولى الأشياء بنا لما روي هذا عن رسول الله ﵇ أن نحمل ما روينا قبله في هذا الباب على ما وافقه، ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، فكان قول رسول الله ﵇: "أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون" قد يحتمل أن يكون أراد بذلك الخبز والأدم، والثياب من الكتان والقطن، فإذا شاركوا مواليهم في ذلك فقد أكلوا مما يأكلون ولبسوا مما يلبسون فوافق معنى ذلك معنى حديث أبي هريرة، وإنما تجب المساواة لو قال: أطعموهم مثل ما تأكلون، واكسوهم مثل ما تلبسون، فلو كان قال هذا لم يجز للموالي أن يفضلوا أنفسهم على عبيدهم في كسوة ولا في طعام، ولكنه إنما قال: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" فلم يكن في ذلك وجوب المساواة بينهم وبينهم في الكسوة والطعام، وإنما فيه وجوب الكسوة مما يلبسون ووجوب الطعام مما يأكلون، وإن كانوا في ذلك غير متساويين.

стр. 8609

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة. أخرجه بإسناد صحيح: عن خاله إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان المدني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان المدني والد محمد، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه مسلم (١): عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو، عن بكير، عن عجلان، عن أبي هريرة، نحوه. قوله: "قالوا" أي قال هؤلاء الآخرون: فهذا الذي يجب للمملوك على مولاه، وهذا القدر لا خلاف فيه، والقدر الواجب من ذلك ما يدفع به ضرورته، وما زاد على ذلك مندوب إليه. قوله: "وكان أولى الأشياء بنا. . . . إلى آخره" إشارة إلى وجه التوفيق بين حديث أبي هريرة هذا وبين حديث أبي اليسر المذكور في أول الباب الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر غني عن بسط الكلام. قوله: "ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا" أي ما دمنا نجد إلى وجه التوفيق بين الحديثين المتعارضين بحسب الظاهر سبيلًا. ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله ﷺ : حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال: ثنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليجلسه فليأكل معه، فإن أبى فليأخذ لقمة فليروغها ثم ليطعمها إياه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه،

стр. 8610

فإن لم يجلسه فليناوله أُكلة أو أُكلتين -أو قال-: لقمة أو لقمتين، فإنه ولي حره وعلاجه ودخانه". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد وسع على المولى أن يطعم عبده من طعامه -الذي قد ولي صنعته له عبده- لقمة ثم يستأثر هو بما بقي من الطعام بعد تلك اللقمة، فدل ذلك أن معنى ما أراد بقوله: "أطعموهم مما تأكلون" لم يرد به المساواة وكذلك معنى قوله: "واكسوهم مما تلبسون"، وأما ما فعل أبو اليسر فعلى الإشفاق منه والخوف لا على غير ذلك، وهذا الذي صححنا عليه هذه الآثار قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏. ش: أي وقد دل على ما ذكرنا من وجه التوفيق: حديث أبي هريرة أيضًا، وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد بالنون عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن أبان وخلف بن خليفة، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كفى أحدكم خادمه صنيع طعامه، وكفاه حره ودخانه فليجلس معه، فإن أبى فليأخذ لقمة فليطعمها إياه". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن محمد بن زياد القرشي المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم بغير هذا الإسناد (١): ثنا القعنبي، قال: ثنا داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا صنع لأحدكم

стр. 8611

خادمه طعامه، ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه؛ فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا؛ فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين". قال داود: يعني لقمة أو لقمتين. قوله: "فليروغها" أي: فليشربها من دسم الطعام، ثم ليطعمها إياه، ومادته: راء مهملة، وواو، وغين معجمة. قال الهروي: يقال: روغ فلان طعامه ومرغه وسغبله، إذا رواه دسمًا. قوله: "أُكلة" بضم الهمزة: اللقمة. قوله: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه" جواب إذا محذوف تقديره: إذا أتى أحدكم خادمه بطعام، فليجلسه معه فليناوله أكلة. والجملة الثانية انتصبت قريبة على الحذف؛ فافهم. قوله: "أفلا ترى. . . . إلى آخره" توضيح للمعنى الذي ذكره فيما سبق. قوله: "ثم يستأثر هو" أي: يخص نفسه بما بقي من الطعام بعد اللقمة التي تناولها منه عبده. قوله: "وأما ما فعل أبو اليسر" جواب عن قوله: "وبما رويناه من مذهب أبي اليسر"؛ فافهم، والله أعلم.

стр. 8612

ص: باب إنشاد الشعر في المساجد ش: أي: هذا باب في بيان حكم إنشاد الشعر في المساجد، هل يجوز أم لا؟ والإنشاد من أنشد الشعر: إذا قاله، والنشيد: الشعر، والشعر: كلام موزون مقفى على طريق القصد. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: حدثني محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ نهى أن تنشد الأشعار في المساجد، وأن تباع فيه السلع، وأن يتحلق فيه قبل الصلاة". ش: رجاله ثقات، وقد تقدم الكلام غير مرة في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، والصحيح: أنه إذا كان رجال سنده ثقات فهو صحيح. والحديث أخرجه الأربعة. فقال أبو داود (١): ثنا مسدد: نا يحيى، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة". وقال الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة". وقال النسائي (٣): أنا قتيبة، قال: ثنا الليث. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8613

وأخرجه أيضًا (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، وليس فيه إنشاد الشعر. وقال ابن ماجه (٢): ثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد". قوله: "السِّلَع" بكسر السين وفتح اللام، جمع سلعة. قوله: "وأن يتحلق فيه" أي: ونهى أيضًا عن التحلق في المسجد، وهو: اتخاذ الحلقة، وفي رواية: "ونهى عن الحَلَق" بفتح الحاء وفتح اللام، جمع الحَلْقة بسكون اللام، مثل هَضَبَة وهضب. وفي "المحكم": الحلقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والذهب والفضة، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاق على الغالب، وحِلَق على النادر. والحَلَق عند سيبويه: اسم للجمع، ليس يجمع؛ لأن فَعْلَة ليست مما يُكَسَّر على فَعَل، وقد حكى سيبويه في الحَلْقة: فتح اللام، وأنكرها ابن السكيت وغيره. وقال اللحياني: حَلْقة الباب وحَلَقته، بإسكان اللام وفتحها، وقال كراع: حَلْقة القوم وحَلَقتهم. وحكى يونس عن أبي عمرو: حَلَقَة في الواحد بالتحريك، والجمع حلقات. وقال الجوهري: الجمع حَلَق، على غير قياس، وقال كراع: الجمع حَلق وحِلق وحِلَاق. ويستفاد من الحديث: النهي عن تناشد الأشعار في المساجد، وسيجيء مزيد الكلام فيه.

стр. 8614

والنهي عن بيع السلع فيها؛ لأنها لم تبن لذلك، وقال الشيخ محيي الدين: ويتعلق به ما في معناه من نحو الإجارة، وعقد المضاربة، والمزارعة، ونحو ذلك من العقود. والنهي عن التحلق فيها قبل الصلاة، وذلك حتى يتأهبوا للصلاة، وسواء كان التحلق للعلم والمذاكرة أو غير ذلك، ولا يكره التحلق بعد الفراغ من الصلاة، ومورد الحديث في التحليق قبل الصلاة يوم الجمعة، ولهذا بوب أبو داود رحمة الله عليه قال: باب: "التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة"، ثم روى الحديث المذكور. وفيه النهي عن إنشاد الضالة، يقال: أنشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها. وقد ثبت: "من سمع من ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليه، فإن المساجد لم تبن لهذا". وكذا يكره رفع الصوت في المسجد، وقال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. ص: فذهب قوم إلى كراهة إنشاد الشعر في المساجد، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: مسروق بن الأجدع، والحسن البصري، وعمرو بن شعيب؛ فإنهم كرهوا إنشاد الشعر مطلقًا ولاسيما في المساجد. قال القاضي: قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا" احتج به وشبهة من نهى عن الشعر ومنعه جملة، قليله وكثيره، وإليه ذهب الحسن، ومسروق، وعبد الله بن عمرو بن العاص في آخرين، والكافة على خلافه.

стр. 8615

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بأسًا بإنشاد الشعر في المساجد إذا كان ذلك الشعر مما لا بأس بروايته، وإنشاده في غير المساجد. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا بأس بإنشاد الشعر في المساجد وغيرها إذا كان مما ليس فيه فحش، ولا هجو لمسلم، ولا تعريض لامرأة معينة، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، وقال ابن حزم: وإنشاد الشعر في المسجد مباح. ص: واحتجوا في ذلك بما روينا عن رسول الله ﵇ في غير هذا الموضع، أنه وضع لحسان ﵁ منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر، ومما رويناه من ذلك من حديث حسان حين مر به عمر ﵁ وهو ينشد الشعر في المسجد فزجره عمر، فقال: قد كنت أنشد فيه الشعر مع من هو خير منك، وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر عليه أحد منهم، ولا أنكره عليه أيضًا عمر ﵁. ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بما رويناه عن رسول الله ﵇ في غير هذا الموضع؟ أراد به: باب: "رواية الشعر؛ هل هي مكروهة أم لا؟ " فإنه روى فيه عن ابن أبي عمران، عن أبي إبراهيم الترجمان، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر". وأخرجه أبو داود، والترمذي، وقد ذكرناه هناك. قوله: "قد رويناه" أي: واحتجوا أيضًا بما قد رويناه مع ذلك من حديث حسان ﵁. . . . إلى آخره. أخرج ذلك في باب "رواية الشعر": عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على حسان وهو يُنشد في مسجد رسول الله ﵇-
следующие страницы →