← Акыда

Акыда · id 1366

الروايتين والوجهين - المسائل العقدية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (114 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

مسألة: في حروف المعجم التي يدور عليها كلام الآدميين هل هي مخلوقة أم لا؟ قال شيخنا أبو عبد الله: المذهب أنها مخلوقة وقد قال أحمد: الآدمي وكلامه مخلوق (١)، وهذا كلام الآدمي فيجب أن تكون مخلوقة (٢)، قال الشيخ أبو عبد الله: ورأيت طائفة تزعم أنها على المذهب قالوا: هي غير مخلوقة (٣) وركبوا في الأسماء المحدثات مثل ذلك، قال: وأصل ذلك ما نقله أبو طالب عن أحمد وقد حكى له سري السقطي (٤): لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقال لا أسجد حتى أؤمر (٥)، فقال: هذا كفر فقد أنكر القول على الحروف.

стр. 74

ووجه هذا القائل: أن هذا الكلام كلام الله تعالى بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة آية (٣١)] وإذا كانت كلامًا له لم تكن مخلوقة مثل كلامه الذي هو القرآن، وهذا غلط لأن كلام الله تعالى ما كان وحيًا أو من وراء حجاب كما أخبر تعالى (١)، وليس بمعنى أن الله تعالى تكلم بذلك، وقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ليس يعني أنه تكلم بها، ويجوز أن يكون ألهمه تعليمها من غير قول (٢). مسألة: اختلف أصحابنا في الإيمان الذي هو القول والعمل والنية هل هو مخلوق أم لا؟: على ثلاثة مذاهب: فكان شيخنا أبو عبد الله يقول هذا غير مخلوق في الجملة (٣)، وهو ظاهر كلام الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز (٤)، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي، وقيل له: ها هنا رجل قد تكلم في

стр. 75

ذلك الجانب، وقال: أعرضوا كلامي على أبي عبد الله، فذكر في رقعة أشياء منها: أن صلاتنا وإيماننا مخلوق على الحركة والفعل لا على القول فرمى أحمد بالرقعة وغضب، ثم قال: "هذا أهل أن يحذر هذا كلام جهم، إذا قال الإيمان مخلوق فإيش بقي الذي يقول الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله مخلوق" (١) فقد أنكر القول بالخلق في الجملة. وحكي عن أبي الحسن التميمي أنه كان يقول: الإيمان يشتمل على قول وعمل، فالقول منه غير مخلوق، وهو القرآن وأسماؤه وذكره، والفعل منه مخلوق كإماطة الأذى، وعيادة المرضى، والحركات بالركوع، والسجود ونحو ذلك. وقال أبو إسحاق بن شاقلا (٢) فيما وجدته معلقًا بخطه مرات في كتاب السنة جمع أبي بكر الخلال: أخبرني محمد بن العباس (٣) قال سمعت أبا بكر بن صدقة (٤) يقول: "من قال الإيمان مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو

стр. 76

مبتدع" (١) قال أبو إسحاق: قلت أنا: فلا جائز أن يقال إنه مخلوق لأن النبي ﷺ قال: "الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله" (٢) والصلاة من الإيمان وفيها القرآن فيكون قائل ذلك كافرًا، ولا جائز أن يقال: إنه غير مخلوق، لأن رسول الله ﷺ قال: "وأدناه إماطة الأذى عن الطريق" (٣)، ومن قال إماطة الأذى عن الطريق غير مخلوق فقد زعم أن أفعال العباد غير مخلوقة، وقائل ذلك كافر، فلا جائز أن يقال مخلوق ولا غير مخلوق، ولأنه لم يقله أهل العلم قبلنا. فقد صرح بالقول بخلق الأفعال ونفي الخلق عن الأقوال، إلا أنه توقف على إطلاق القول بالخلق في الجملة والتفصيل. وجه من نفى الخلق في الجملة (٤) أن قال: أكثر ما في ذلك أن هذه الحركات والأفعال موجودة بوجودي ومعدومة بعدمي، وهذا لا يمنع نفي الخلق بدليل صوتي بالقرآن وحركات لساني وكذلك كتابتي للقرآن ذلك الصوت وذلك المكتوب غير مخلوق، وإن كان كسبًا لي وفعلًا أثاب عليه، كذلك ههنا. ووجه الثاني في التفصيل (٥) أن قال: القرآن والأسماء (٦) وقد دل الدليل على نفي الخلق في هذه الأشياء، أما الأفعال فهي موجودة بوجودي ومعدومة بعدمي وليس كذلك قراءتي للقرآن وكتابتي له، لأنني إذا قرأت فأنا أقرأ شيئًا قديمًا (٧) تكلم الله به قبل خلقي وخلق الأشياء، وكذلك إذا كتبت

стр. 77

المعنى معدوم في غيره من (سائر الأشياء) (١). ووجه من وقف قال: لأن هذا الإطلاق بنفي الخلق فيه ولا يجوز، لأنه يدخل في ذلك الفعل، وذلك الفعل محدث بحدثي ولا يجوز إطلاق القول بالخلق، لأنه يدخل فيه القرآن وذلك قديم، ولا يمكن التفصيل لأنه قول محدث لم يتقدم القول فيه من التابعين ولا من بعدهم، فلم يجز إحداث قول يخالف السلف (٢). مسألة: في إمامة أبي بكر هل ثبتت بالنص والتوقيف من النبي ﷺ أم بالاختيار؟ قال أحمد في رواية المروذي وعلي بن سعيد (٣) والأثرم: لما مرض النبي ﷺ قدَّم أبا بكر ليصلي بالناس (٤) وقد كان في القوم من هو أقرأ من

стр. 78

أبي بكر وإنما أراد بها الخلافة (١)، فظاهر هذا من كلامه أنها بالنص الخفي والإشارة (٢). وحكى شيخنا أبو عبد الله في ذلك اختلافًا بين أصحابنا منهم من قال: بالنص (٣)، ومنهم من قال بالاختيار (٤). فوجه من قال بالنص الخفي والإشارة ما احتج به أحمد من تقديمه له

стр. 79

بالصلاة وذلك أن النبي ﷺ قال: "عماد الدين الصلاة" (١) ورأيناه أقام أبا بكر في الصلاة مقامًا نبه الأمة إلى من يقوم مقامه، فنبههم على فضله وأنه أحقهم بالخلافة بعده فيما هو دون الصلاة، وفهم الصحابة عن النبي ﷺ ذلك، ألا ترى أنهم احتجوا عليه حين قال لهم أقيلوني فقالوا: لا نقيلك رضيك رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا" (٢). وروى عطاء الخراساني (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن [أخي] (٤) في ديني وصاحبي الذي أوجب له

стр. 80

صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي وقد توكل الله لي به فهو معي" (١). وروي عن العباس قال، قال رسول الله ﷺ : "إن أبا بكر خليفتي على دين الله اسمعوا له تصلحوا وأطيعوه ترشدوا" (٢)، وروي "أن النبي ﷺ أتى بفرس فركبه ثم قال: يركبه الخليفة من بعدي فركبه أبو بكر" (٣). وروى سفينة "أن النبي ﷺ لما بنى مسجده وضع حجرًا ثم قال: لأبي بكر ضع حجرًا إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرًا إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: هؤلاء الخليفتان (٤) بعدي" (٥). وروي أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ في شيء فأمرها بالرجوع إليه فقالت: إن رجعت فلم أجدك -تعرض له بالموت- قال: "إيت أبا بكر فإنه خليفتي في أمتي" (٦).

стр. 81

وروي أن أعرابيًا قدم المدينة بقلاص فابتاعها النبي ﷺ منه إلى أجل فقال: يا رسول الله: إن حدث بك حدث فمن يقضنا بعدك قال: "أبو بكر" (١). وروي: أن بني المصطلق بعثوا رجلًا إلى النبي ﷺ يسأله من يلي صدقاتهم بعده (٢) فقال له النبي ﷺ : "أبو بكر" (٣). وأيضًا قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم آية (٣)] أنه قال لحفصة: "الإمام بعدي أبو بكر ثم أبوك" (٤). ووجه من أبطل النص أن قال: الإمامة أمر عظيم فيه تفضيل كبير لا سيما إذا كان خلافة النبوة، فالدواعي تتوفر على ما جرى هذا المجرى فيجب أن يكون مستفيضًا غالبًا على كتمانه، وأن يكون الخبر فيه متواترًا شائعًا يعرفه العوام فضلًا عمن عرف السنن والأخبار، ولو كانت هذه حال النص لاضطرنا إليه، ولامتنع التشاجر والاختلاف، ولأنه لو كان النص عليه لم

стр. 82

يجز أن يقول لعمر: "ابسط يدك أبايعك" (١)، وأيضًا قول عمر: "إن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر" (٢). مسألة: في يزيد بن معاوية هل يحكم بفسقه أم لا؟ فنقل مهنا (٣) وابن القاسم (٤) أنه سأل أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (٥) فقال: هو الذي فعل بالمدينة (٦) ما فعل، قتل فيها من أصحاب رسول الله ﷺ (٧) ونهبها (٨). قال له: أفنذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر

стр. 83

عنه الحديث (١) ولا ينبغي لأحد أن يذكر عنه حديثا (٢). فظاهر هذا أنه حكم عليه بالفسق لأنه منع من سماع حديثه. وأضاف إليه نهب المدينة، وقتل قوم من الصحابة. ورأيت بخط أبي حفص العكبري (٣) على ظهر جزء فيه "فصل" كتب (٤) إليَّ أبو القاسم فرج بن السوادي (٥) قال: ثنا أبو علي الحسين بن الجندي (٦) قال ثنا أبو طالب ...... (٧) العكبري (٨) قال: سمعت أبا بكر محمد بن

стр. 84

العباس (١) قال سمعت صالح بن أحمد بن حنبل (٢) يقول: قلت لأبي أن قومًا ينسبونا (٣) إلى تولي يزيد. فقال: يا بني وهل (٤) يتولي يزيد أحد يؤمن بالله فقلت: ألا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئًا (٥) لم لا تعلن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيدًا في كتابه؟ فقرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد آية ٢٢، ٢٣]. هل يكون في قطيعة الرحم أعظم من القتل؟! وقد أعدت ذكر هذه الرواية على ظهر الجزء. وهذا يؤكد ما نقله مهنا عنه. ونقل أبو طالب (٦) قال: سألت أحمد عمن قال: لعن الله يزيد بن معاوية؟ قال: لا تكلم في هذا. قال النبي ﷺ : "لعن المؤمن كقتله" (٧)، وقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" (٨)، فقد كان يزيد منهم، فأرى

стр. 85

الإمساك أحب إلي" (١). فظاهر هذا أنه لم يحكم بفسقه لأنه أنكر لعنه، وجعله داخلًا في القرن الذي منهم رسول الله ﷺ ، ونهى عن الكلام فيه. وجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد من إرسال يزيد مسلم بن عقبة (٢) إلى المدينة ونهبها وقتل بها قومًا من الصحابة، وقد قال رسول الله ﷺ : "من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي" (٣)، وروي "من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله" (٤)، ......................

стр. 86

وانفاذه بالحصين بن نمير (١) إلى مكة في طلب ابن الزبير، وهدم الكعبة وحرقها (٢)، وانفاذه لعبيد الله بن زياد في قتل الحسين بن علي بن أبي طالب (٣) مع جماعة كانوا معه من أهله (٤)، وحمل الرأس إليه (٥) مع من بقى من أهل الحسين في الأقياد (٦)، ونقره بالقضيب على ثنيته، فروى ابن أبي الرسافي (٧) بإسناده عن زيد بن أرقم قال: كنت عند يزيد بن معاوية فأتي برأس الحسين فجعل يزيد ينقر بالخيزران على شفتيه وهو يقول:

стр. 87

يفلقن هامًا من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقلت: ارفع عصاك اشهد أني رأيت رسول الله ﷺ واضعًا حسينًا على فخذه اليسرى واضعًا يده اليمنى على رأس الحسن واضعًا يده اليسرى على رأس الحسين وهو يقول: "اللهم إني استودعتكهما وصالح المؤمنين" فكيف كان حفظك يا يزيد وديعة رسول الله ﷺ (١). وبإسناده قال: وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة فجعل يزيد ينكب بالقضيب على فيه ويقول: يفلقن هاما … فقال أبو برزة: ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت رسول الله ﷺ واضعًا فاه على فيه يلثمه (٢). وهذا يدل على .... (٣). وروى بإسناده أن الحسين لما أزف القتال قال: ألا تقبلون مني ما كان

стр. 88

رسول الله ﷺ يقبله من المشركين؟ قالوا: وما كان يقبل من المشركين؟ قال: كان إذا جنح (١) أحدهم قبل منه، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين، فأبوا (٢) وأخذ له رجل السلاح وقال: أبشر بالنار، قال: بل (إني إنما أبشر) (٣) برحمة ربي وشفاعة نبيي (٤). وهذا يدل على أنه لو كان خروجه طلبًا للأمر وجب (التوقف عن) (٥) قتاله لأن الخارج إذا كف وطلب لأمان حرم قتله. والرواية الثانية: أن خلافته انعقدت بجماعة من الصحابة منهم عبد الله

стр. 89

ابن عمر وعبد الله بن عباس (١) والمسور بن مخرمة وجابر بن عبد الله، وذكر ذلك الواقدي (٢) في تاريخه (٣). وامتنع من البيعة الحسين وابن الزبير، ثم خرج الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير، الحسين بالكوفة، وابن الزبير بمكة (٤)، وجماعة من أهل المدينة خرجوا عليه فخلعوه، وهذا أعذر له مع ما قد ظهر من إنكاره لقتل الحسين، فذكر الواقدي في تاريخه: أنهم أخرجوا بني أمية من المدينة فقال مروان (٥) لابنه عبد الملك (٦): "يا بني إن هؤلاء لم يتدبروا ما صنعوا بأمر لم يستخيروا الله فيه، قال ابنه: علي أي وجه؟ قال: حيث لم يقتلونا، ولم يحبسونا" فبعث إليهم يزيد الجنود عليهم مسلم بن عقبة فقاتل أهل المدينة، وفيها قتل عبد الله بن زيد المازني صاحب رسول الله ﷺ (٧) ومعاذ ابن الحارث (٨) صاحب النبي ﷺ وعبد الله بن حنظلة (٩) ومعقل بن سنان الأشجعي (١٠) صبرًا ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة بن غانم (١١) ويزيد بن

стр. 90

عبد الله بن زمعة (١) صبرًا بالسيف، وأنهب المدينة ثلاثًا، وحج بالناس عبد الله بن الزبير قبل أن يبايعه الناس. وذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي (٢) في تاريخه (٣): لما بويع ليزيد أخرج ابن الزبير من … (٤) في المدينة وجعل يقول: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود"، فسار حتى نزل المدينة فقاتل أهلها وتلك وقعة الحرة فأباحها ثلاثة أيام، وكثر القتل في الأعراب، وأنزل أهل المدينة على أنهم عبيد قن ليزيد وختم أعناقهم (٥)، وأن الحسين خرج ولم يكن راضيًا بقتله (٦).

стр. 91

وروى ابن أبي الدنيا (١) بإسناده عن القعنبي قال: قال يزيد حين أتاه قتل الحسين: "قد كنت أرضي من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ﵁، رحم الله أبا عبد الله عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه" (٢). وبإسناده قال: "لما أتى برأس الحسين فوضع بين يديه فلما نظر إليه بكى ولعن ابن زياد" (٣). وبإسناده عن محمد بن حسن بن علي (٤) قال: "أدخلنا على يزيد بن معاوية ونحن اثنا عشر غلامًا مغلغلين في الجوامع وعلينا قمص، فقالت فاطمة بنت الحسين (٥): يا يزيد بنات رسول الله ﷺ سبايا، فبكى حتى كادت نفسه تخرج، وبكى أهل الدار حتى علت أصواتهم، ثم قال: خلوا عنهم فاذهبوا بهم إلى الحمام واغسلوهم اضربوا لهم القباب، وأمر لهم (٦) بالطبخ، وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة" (٧) وهذا يدل على أنه لم يأمر بقتله ولم يرض به. ومن نصر الرواية الأولى يجيب عن هذا ويقول: خروج أهل المدينة والحسين لم يك طلبًا للإمر وإنما كان لأمور ظهرت منه تنافي الإمامة. يبين صحة هذا أنه كان بالمدينة جماعة من الصحابة علماء أعلم منه

стр. 92

بالأحكام، وكذلك الحسين فوجب حمل خروجهم وامتناع من امتنع من بيعته على وجه يسوغ فيه التأويل. ومنه ما قال عبد الله بن الزبير: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود" (١). وروى محمد بن عرفة في تاريخه: "أن الحسن بن علي وعبد الله بن عباس استأذنا على يزيد بن معاوية وهو على شراب ولهو، فأذن للحسن وحجب ابن عباس، فلما دخل الحسن شم الرائحة فقال: ما هذه الرائحة؟ قال: طيب يصنع لنا بالشام، ثم عاد يزيد إلى حالته، فأظهر شرابه ولهوه ثم ندم وانقبض، فقال له الحسن: أيها الرجل خفض عليك، فقال له يزيد: اجلس، فنهض الحسن ليقوم" (٢).

стр. 93

وهذا يدل على أنه ظهر منه أمور كرهوها، وعلى أن خروجهم لم يقتض القتل والذبح ونهب الأموال، لأن من ظهر عليه الإمام من البغاة لا يقتله ولا ينهب ماله، وقد فعل ذلك بأهل المدينة فاسترق وجهاء منهم (١) ..... (٢) ونهبوا المال وقتلوا صبرًا، ولأنا قد بينا ما فعلوا في أهل المدينة .. (٣). فأخرج الطبري (٤) في التاريخ بإسناده: أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله ابن حنظلة الغسيل الأنصاري على خلع يزيد بن معاوية وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصارًا ضعيفًا ..... (٥) فسار إليهم مسلم بن عقبة، فأباح مسلم المدينة ثلاثًا، يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف في الجبل، فبصر به رجل من أهل الشام فجاء حتى اقتحم عليه الغار قال أبو سعيد: فانتضيت سيفي فمشيت إليه لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي فلما رأيت أن قد جدَّ شممت سيفي وِقلت ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، فقال: من أنت لله أبوك؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، فانصرف عني.

стр. 94

ثم دعا مسلم الناس إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش ليزيد ابن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتى بهم بعد الوقيعة بيوم، فقال: بايعا، فقال القرشيان: بايعنا على كتاب الله وسنة نبيه، قال: لا والله، (١) فضربت أعناقهم فجاء معقل بن سنا، فدعا بشراب فشرب (٢) حتى روي ثم قال: والله لا شربت بعده أبدًا إلا الحميم في نار جهنم، فقدمه فضرب عنقه، ثم توجه مسلم بن عقبة إلى مكة يريد ابن الزبير فمات في الطريق، فولى الحصين بن نمير الأمر وقال: إن يزيد قد أمره بذلك، وقدم على ابن الزبير بمكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز، وقدم من أهل المدينة المنذر بن الزبير فخرج إليهم فقاتلهم فقتل وشدوا عليهم أهل الشام فانكشف أصحابه، وصابرهم ابن الزبير (٣) فقاتلهم بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول قذفوا البيت بالمنجنيق (٤) وحرقوه وأخذوا يرتجزون. كيف ترى صنيع أم فروة (٥) … تأخذهم بين الصفا والمروة. وقال آخر: خطارة مثل الفنيق (٦) المزبد … نرمي بها أعواد هذا المسجد.

стр. 95

قال محمد بن عمر: (١) "احترقت الكعبة يوم السبت قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية"، وقال رباح بن مسلم (٢) عن أبيه: "كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارة هبت بها الريح فحرقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت". وقال عروة بن أذينه: (٣) "قدمت مكة يوم احترقت الكعبة فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير قالوا: احترقت بسببه، أخذ قبسًا في رأس رمح له فطيرت الريح به. [فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود] (٤) .......................................... ....................................... (٥)

стр. 96

عن ابن عمر أنه قال حين حضره الموت: "ما أجد في نفسي من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي" (١)، وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن أبي بكر بن الجهم (٢) سمعت ابن عمر يقول: "ما آسى على شيء إلا على تركي القتال للفئة الباغية مع علي" (٣).

стр. 97

وبإسناده عن سعيد بن أبي عروبة (١) قال: "رأى عمر بن عبد العزيز (٢) أن رسول الله ﷺ في بيت على سرير إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا في بيت فاختصما ثم خرجا فخرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، وخرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة (٣). مسألة: لا يختلف المذهب في تكفير المعتزلة (٤) بمسائل يقولونها. منها: القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال ونحو ذلك، لأن الدلالة قد دلت على ذلك مما هو مكانه في غير هذا الموضع، فإن توقف أحد في تكفيرهم فهل يكفر هذا الواقف أم لا؟

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 101

نقل المروذي ويعقوب بن بختان، وأبو طالب: لا يكفر، قال في رواية أبي طالب: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لا يكفر من قال القرآن مخلوق فلا يكفره" وكذلك نقل المروذي في قوم بطرسوس (١) يكفرون من لا يكفر فقال: ما سمعت في هذا شيئا. هذا على طريق التوكيد بمعرفة شيء في تكفيرهم، فكأن مذهبه أنهم يكفرون يعنى الجهمية ولا يكفر من لا يكفرهم. فظاهر هذا أنه لم يكفرهم فكذلك نقل أبو طالب. وقيل له أهل الثغر يكفرون من لا يكفر (٢)

стр. 102

فيكلمه والأخبار في معنى هذا كثيرة. والوجه فيمن قال (١). . . . . . بهجر أهل البدع والمعاصي في الأفعال الظاهرة (٢). الأخبار المأثورة في ذلك عن النبي ﷺ والصحابة ومن بعدهم من السلف، فمن ذلك ما احتج به أحمد: من أن النبي ﷺ نهى عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا بالمدينة حتى خاف عليهم النفاق (٣) [فلما جاء كعب] سلم على النبى ﷺ وهو مغضب (٤) فلم يرد عليه (٥) وما روي أن النبي ﷺ لم يترك كلام الثلاثة والسلام عليهم حين ذكر .... (٦). وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الموالاة في الله والحب لله

стр. 103

والبغض لله" (١). وروى أبو سعيد أن رجلًا قدم من نجران إلى النبي ﷺ وعليه خاتم ذهب فأعرض رسول الله ﷺ عنه ولم يسأله عن شيء فرجع إلى امرأته فحدثها، فقالت: إن لك لشأنًا فارجع إلى رسول الله ﷺ ، فرجع إلى النبي ﷺ فألقى خاتمه وجبة كانت عليه، فلما استأذن أذن له وسلم على رسول [الله ﷺ ]، فرد عليه. فقال: يا رسول الله أعرضت عنى؟ فقال رسول الله ﷺ : إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار، فقال: يا رسول الله لقد جئت إذًا بجمر كثير، وقد كان قدم بحلي من البحرين، فقال رسول الله ﷺ : أما إن ما جئت به غير مغن عنك شيئا إلا ما أغنت عليَّ حجارة الحرة ولكنه متاع الحياة الدنيا، فقال الرجل: يا رسول الله اعذرني في أصحابك لا يظنون انك سخطت على بشيء، فقام رسول الله فعذره وأخبر أن الذي كان منه إنما كان بخاتم ذهب" (٢). وروت عائشة: "أن النبي ﷺ خرج في بعض مغازيه فأخذت نمطًا كان لي فسترته على العرض، فلما جاء استقبلته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزك ونصرك واكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط فلم يرد علي بشيء ورأيت الكراهة في وجهه. فأتى النمط فهتكه وقال: "إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة" (٣). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (٤).

стр. 104

وروى أبو قلابة (١) عن أبي زيد (٢): أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين له عند الموت فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعًا فقال: "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" (٣). وروى عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله أو شريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض" (٤). فهذه الأخبار تدل على الهجران لأنه لم يكلمها ولا رد عليها¬ السلام، وكذلك لم يسلم على صاحب الخاتم ولا على صاحب الخلوق. وقد روي عن جماعة من السلف، فروى عطاء بن يسار (٥) أن رجلًا باع ذهبًا أو ورقًا بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء: "سمعت النبي ﷺ نهى عن ذلك إلا مثلًا بمثل" فقال: ما أري به بأسًا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من فلان أحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه سلم-، ويخبرني عن رأيه لا ساكنتك بأرض أنت بها أبدًا" (٦).

стр. 105

وروى سعيد بن جبير (١) أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خذف فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد صيدًا ولا تنكأ عدوًا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" قال: فعاد فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ ثم تخذف لا أكلمك أبدًا (٢). وروى زياد بن حدير (٣) قال: قدمت على عمر وعليّ طيلسان (٤) وشاربي عاف، قال أبو بكر بن عياش (٥): يعني طويلة قال: فرفع رأسه إلي ولم يرد علي السلام، فانصرفت عنه فأتيت ابنه عاصمًا فقلت له: لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس، فقال: سأكفيك ذلك، فلقي أباه فقال: يا أمير المؤمنين أخوك زياد بن حدير يسلم عليك فلم ترد عليه¬ السلام فقال: إني رأيت عليه طيلسانًا ورأيت شاربه عافيًا، قال: فرجع إلي فأخبرني فانطلقت فقصصت شاربي وكان معي برد شققته فجعلته إزارًا ورداءً، ثم أقبلت إلى عمر فسلمت عليه، فقال: "وعليك السلام، هذا أحسن مما كنت فيه يا زياد" (٦). وروى أبو ظبيان (٧) [أن حذيفة رضي الله دخل على رجل يعوده] فرآه قد

стр. 106

جعل في عضده خيطًا فقال: ما هذا؟ قال: من الحمى [فقام غضبان وقال: "لو مت] (١) وهو عليك لم أصل عليك" (٢). وروى الحسن قال: قيل لسمرة بن جندب ﵁: إن ابنك [لم ينم البارحة بشما] فقال: لو مات ما صليت عليه (٣). وروي … (٤) رأى ابن مسعود ﵁ رجلًا يضحك في جنازة فقال: "تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك أبدًا" (٥). .... (٦) قال شهدت أنس بن مالك وقال له رجل يا أبا حمزة [لقيت قومًا يكذبون بالشفاعة، قال: أولئك الكذابون] (٧) فلا تجالسوهم (٨). وروى الوليد بن مسلم (٩) قال: جاء طلق بن حبيب (١٠) إلى جندب بن

стр. 107

عبد الله ﵁[وهو يحدث عن] (١) النبي ﷺ فسأله عن آية من كتاب الله فقال احرج عليك إلا قمت … (٢). وقال أيوب (٣) قال لي سعيد بن جبير: "ألم أرك مع طلق؟ قلت: بلى فماله قال: لا تجالسه فإنه مرجئ" (٤). وروى أبو المختار (٥) قال: شكى ذر (٦) سعيد بن جبير إلى أبي البختري (٧) قال: مررت فسلمت فلم يرد علي، فقال أبو البختري لسعيد بن جبير، فقال سعيد: "إن هذا يجدد كل يوم دينًا لا والله لا أكلمه أبدًا" (٨). وروى مجاهد (٩) قال قلت لابن عباس: "إن أتيتك برجل يتكلم بالقدر؟ " (١٠) قال: "لو أتيتني به لأوجعت رأسه قال: لا تكلمهم ولا تجالسهم" (١١).

стр. 108

وروى .... (١) رآني مجاهد فأعرض عني فقلت: مالي؟ فقال: "ألم أرك تصلي إلى جنب فلان … (٢) صلاة" (٣). وقال ابن أبي داود (٤): "كنت جالسًا عند طاووس فجاء قتادة (٥) ليجلس ..... (٦) يجلس إليه" (٧) وكان قتادة من المبتدعين في القدر (٨) ..... (٩). وقال محمد بن كعب القرظي (١٠): لا تجالسوا هؤلاء القدرية ولا تخاصموهم (١١) إنما هي شعبة من النصرانية (١٢).

стр. 109

وقال حماد بن زيد (١) لأيوب إن قومًا من .... (٢) لا تكلموهم فإنه ليس جواب عليهم أشد من السكوت (٣). وقال ابن عون (٤) سمعت الحسن يقول: "إياكم ومعبد (٥) فإنه ضال مضل" (٦). وقال … (٧) سمعت سليمان التيمي (٨) يقول: إني … [مشفق من] ذنب ما أدري يعذبني عليه، أو يغفره لي وذلك أني سلمت على رجل من أهل القدر (٩).

стр. 110

وروي عنه … (١) قال: بلغ عمر بن الخطاب عن رجل خنا (٢) فأمر شباب قريش أن لا يجالسوه (٣). وروى أبو عثمان: "أن رجلًا من بني يربوع يقال له صبيع: سأل عمر ابن الخطاب ﵁ عن الذاريات والمرسلات أو عن إحداهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك، فوضع عن رأسه فإذا له وفرة، فقال: لو وجدتك محلوقًا [لضربت الذي فيه عيناك قال: ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوه] أو قال: كتب إلينا أن لا تجالسوه، فلو جلس إلينا ونحن مائة لتفرقنا عنه" (٤). [فأمروا بهجر العاصي تنفيرًا] (٥) عنه وإذلالًا له وكسرًا لقلبه فربما ارتدع
следующие страницы →