← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1367

تهذيب الكلام في حكم أرض مصر والعراق والشام

مرعي الكرمي

Полный текст (142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

غيره، مع عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) يفهم منه أن أربعة أخماسها للغانمين. والرواية الأولى أولى؛ لأن النبي ﷺ فعل الأمرين جميعا في خيبر (٢) /؛ ولأن عمر ﵁ قال: "لولا آخر الناس لقسمت الأرض، كما قسم النبي ﷺ خيبر" (٣). فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي ﷺ ، فدل على أن فعله ذلك لم يكن متعيناً، كيف والنبي ﷺ قد وقف نصف خيبر، ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها. قال أبو عبيد (٤): "تواترت الآثار في افتتاح الأراضين عنوة بهذين الحكمين: حُكْم رسول الله ﷺ في خيبر حين قسمها، وبه أشار بلال، وأصحابه، على عمر ﵃ (٥) في أرض الشام، وأشار به الزبير ﵁ (٦) في أرض مصر. وحُكْم عمر ﵁ (٧) في أرض السواد، وغيره، حين وقفه، وأشار به علي، ومعاذ، على عمر (٨) ﵃ (٩)، وليس فعل النبي ﷺ كما في المغني- (١٠) راداً لفعل

стр. 72

عمر ﵁ (١)، لكن كل واحد منهما اتبع آية محكمة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٣) الآية، فكان كل واحد من الأمرين جائزاً". وعلى هذا جمهور أصحابنا، ومحققيهم (٤). الثانية (٥): ما جلا عنها أهلها خوفاً من المسلمين، وحكمها على الصحيح من المذهب، كالأولى، من التخيير بين قسم الإمام لها على الغانمين، وبين وقفه إياها على المسلمين (٦). وجزم في المغني (٧)، والإقناع (٨)، وهو رواية عن أحمد: أنها تصير وقفا بنفس الظهور (٩)، والاستيلاء عليها؛ لأن ذلك متعين فيها إذا لم يكن له غانم وهي هنا كذلك، فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم. الثالثة (١٠): المصالح عليها، وهي نوعان: [ما صولحوا على أنها لنا، وحكمها كالتي فتحت عنوة على ما مر تفصيله، و] (١١) ما صولحوا على أنها لهم، كاليمن، ويؤدون عنها خراجاً معلوماً، فهذه الأرض ملك لأربابها، وهذا الخراج في حكم الجزية، متى أسلموا سقط؛ لأن الخراج الذي ضرب عليهم، إنما كان

стр. 73

من أجل كفرهم، بمنزلة الجزية المضروبة على رؤوسهم، فإذا أسلموا سقط عنهم، كما تسقط الجزية، وتبقى الأرض ملكاً لهم، لا خراج عليها، ولهم بيعها، وهبتها، ورهنها، لأنها ملك لهم، بخلاف ما قبل، ولا يجوز إقرار كافر بها سنة بلا جزية؛ لأنها أرضنا. إذا علمت ذلك فقال الإمام أحمد -[رحمه الله تعالى]- (١): "أرض الشام (٢) عنوة، إلا أرض (٣) حمص (٤)، وموضعا آخر" (٥). وقال الإمام أحمد (٦): "فتح المسلمون السواد عنوة-يعني سواد العراق- (٧) إلا ما كان منه صلحاً، وهي أرض الحيرة (٨)، وأرض بانقيا" (٩). وفي كلام

стр. 74

الأصحاب (١): "وأرض أُلّيس (٢)، وأرض بني صلوبا" (٣). وقال الإمام أحمد (٤): "أرض الري (٥) خلطوا في أمرها". وقال (٦): "ما دون النهر (٧) صلح، وما وراءه عنوة". وقال: "من يقوم على أرض الصلح، وأرض العنوة، ومن أين هي؟ وإلى أين هي؟ (٨) ". قال أبو عبيد: "أرض الشام عنوة، وأرض السواد، والجبل (٩)،

стр. 75

ونهاوند (١)، والأهواز (٢)، ومصر، والمغرب (٣) " (٤). وقال موسى بن علي بن رباح (٥) عن أبيه (٦): "المغرب كلها عنوة" (٧). وأما أرض الصلح، فأرض هجر (٨)،

стр. 76

والبحرين (١)، وأيلة (٢)، ودومة الجندل (٣)، وأذرح (٤)، فهذه القرى التي أدت إلى رسول الله ﷺ الجزية (٥). وفي (٦) كلام أبي عبيد: مدن الشام فتحت صلحاً إلا

стр. 77

قيسارية (١) فإنها فتحت عنوة،/ وبلاد الجزيرة (٢) كلها، وبلاد خراسان (٣) كلها، أو أكثرها صلحاً (٤). (٥)

стр. 78

الباب الثالث في (١) بيان حكمها: اعلم أن حكم أرض مصر، والشام، والعراق، ونحوها، حكم الوقف فيما يترتب عليه من الأحكام، فلا يصح بيعها، ولا وقفها، ولا هبتها، ولا رهنها ولا شفعة فيها، ولا غير ذلك من الأحكام، على الصحيح من المذهب، في جميع ذلك. وقال القرافي في الفرق الثالث والمائتين- بعد أن تكلم على كراء دور مكة، وأن المنع هو المشهور (٢)، وقال (٣) أبو حنيفة لأنها فتحت عنوة -: "اعلم أن هذه المباحث، وهذه النقول، تقتضي أن يحرم كراء دور مصر، وأراضيها؛ لأن مالكا (٤) صرح بفتحها عنوة ويلزم على ذلك تخطئة القضاة في إثبات الأملاك، وعقود الإجارات، والأخذ بالشفعات، ونحو ذلك" (٥). انتهى كلام القرافي. إذا تقرر هذا، فأما بيعها، فقال الإمام أحمد، في رواية حنبل (٦): "مثل السواد، كمن وقف أرضاً، على رجل، أو على (٧) ولده، لا يحل منها شيء إلا على ما وقف"، وقال الإمام أحمد، أيضاً (٨) في رواية ابن الحكم (٩): "فيمن أوصى بثلث ملكه،

стр. 79

وله عقار في السواد، لا تباع أرض السواد" (١)، وسأله، محمد بن أبي حرب (٢): "يبيع الرجل ضيعته التي بالسواد؟ ويقضي بها دينه؟ قال: لا، قلت: يعطيها لامرأته من صداقها، قال: امرأته، وغيرها سواء (٣) " (٤). وقال في الفروع (٥)، والإنصاف (٦)، والمبدع (٧)، والمنتهى (٨)، والإقناع (٩)، وغيرها: "لا يصح بيع أرض موقوفة، مما فتح عنوة، ولم يقسم، كالشام، والعراق، ومصر، ونحوها". قال في الفروع (١٠): "وعن أحمد يصح البيع،/ ذكره الحلواني (١١). وفاقاً لأبي حنيفة (١٢)، وقولي الشافعي (١٣)، واختاره شيخنا، -يعني ابن تيمية-" (١٤). وعن الإمام أحمد

стр. 80

يصح الشراء (١)؛ لأنه استنقاذ لها مع بقاء خراجها، بخلاف البيع، فإنه أخذ عوض ما لا يملكه. وعنه (٢): لحاجته، وحاجة عياله واختلفوا في بيع المساكن مجردة عن الأرض، فقال في الفروع (٣): "يجوز بيع بناء ليس منها، وغرس محدث، ونقل المروذي (٤)، ويعقوب (٥)، عن الإمام أحمد: المنع؛ لأنه تبع وهو ذريعة، وذكر

стр. 81

ابن عقيل (١) الروايتين في البناء، [وجوزه في غرس] (٢) وجوز جماعة بيع المساكن مطلقاً" وعليه الفتوى (٣). وفي الإقناع (٤): "يصح بيع المساكن الموجودة حالة الفتح، أو حدثت بعده، وآلتها منها، أو من غيرها". وفي المغني (٥): "أما المساكن، فلا بأس بحيازتها، وبيعها، وشرائها، وسكناها. قال أبو عبيد (٦): ما علمنا أحداً كره ذلك". وأما الشفعة، ففي المغني (٧)، وغيره: "قال الإمام أحمد (٨) في رواية حنبل: "لا نرى في أرض السواد شفعة؛ وذلك لأن أرض السواد موقوفة، وقفها عمر ﵁ على المسلمين، ولا يصح بيعها، والشفعة إنما تكون في البيع. وكذلك الحكم في سائر الأرض التي وقفها عمر ﵁ (٩)، وهي التي فتحت [عنوة] (١٠)

стр. 82

في زمنه، ولم يقسمها، كأرض الشام، وأرض مصر، وكذلك كل أرض فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين" انتهى كلام المغني. فظهر مما (١) قررناه؛ أنه لا يجوز شراء شيء من الأرض الموقوفة (٢)، ولا بيعه، وهو قول أكثر أهل العلم (٣)، منهم عمر، وعلي، وابن عباس (٤)، وعبد الله بن عمر ﵃. قال

стр. 83

في المغني (١): "وروي ذلك عن عبد الله بن مغفل (٢)، وقبيصة بن ذؤيب (٣)، ومسلم بن مشكم (٤)، وميمون بن مهران (٥)، والأوزاعي (٦)، ومالك، وأبي إسحاق

стр. 84

[الفزاري] (١)، قال الأوزاعي: "لم يزل أئمة المسلمين ينهون [عن] (٢) شراء أرض [الجزية] (٣) ويكرهه علماؤهم" (٤). [و] (٥) قال: " (٦) أجمع رأي عمر، وأصحاب النبي ﷺ ، لما ظهروا على الشام، على إقرار أهل القرى في قراهم، على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، [ويؤدون] (٧) خراجها إلى المسلمين، ويرون أنه لا يصلح (٨) لأحد من المسلمين شراء ما [في] (٩) أيديهم من الأرض طوعاً و [لا] (١٠) كرهاً". وكرهوا ذلك بما كان من إيقاف عمر ﵁ (١١) وأن الأرضين المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين، لا تباع ولا تورث، قوة على جهاد من لم يظهر عليه بعد من المشركين. وقال الشعبي (١٢): "اشترى عتبة بن فرقد (١٣) أرضاً، على شاطيء

стр. 85

الفرات، ليتخذ فيها قصباً، فذكر [ذلك] (١) لعمر، فقال: ممن اشتريتها. قال: من أربابها. فلما اجتمع المهاجرون والأنصار. قال: هؤلاء أربابها، فهل اشتريت منهم شيئاً. قال: لا. قال: فارددها على من اشتريتها منه، وخذ مالك" (٢). وهذا قول عمر في المهاجرين، والأنصار بمحضر سادة الصحابة، وأئمتهم، ولم ينكر فكان إجماعاً. ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا، وشبهه، إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة [﵃ أجمعين] (٣) فإن قيل (٤): فقد خالف في ذلك ابن مسعود ﵁ (٥)، لما روى

стр. 86

عبد الرحمن بن أبي يزيد (١):/ "أن ابن مسعود ﵁ (٢) اشترى من دهقان أرضاً، على أن يكفيه جزيتها" (٣). وهو مذهب الثوري (٤) (٥)، وروي نحو هذا عن ابن سيرين (٦)، والقرطبي (٧). قلنا لا نسلم المخالفة، وقولهم اشترى، المراد به اكترى،

стр. 87

كذلك قال أبو عبيد (١)، والدليل عليه قوله: على أن يكفيه (٢) جزيتها، ولا يكون مشترياً لها وجزيتها على غيره؛ ولأنها موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الأحباس والوقوف". وأما وقفها، فقال في المبدع (٣): "لا يصح وقف أرض السواد". وفي المنتهى (٤)، والإقناع (٥)، والمحرر (٦)، [والفروع] (٧)، والإنصاف (٨)، والتنقيح (٩)، وغيرها: "يشترط في العين الموقوفة صحة بيعها، فلا يصح وقف ما لا يصح بيعه" وقد مرّ (١٠) أن نحو أرض مصر، والشام، لا يصح بيعها، فلا يصح وقفها؛ ولأن من المعلوم المقرر أن الوقف لا يوقف، [ويكون] (١١) باقياً على

стр. 88

وقفيته، وهذه الأرض كلها وقف على ما مرّ بيانه (١). وقال الإمام أحمد (٢): "القطايع ترجع إلى الأصل إذا جعلها للمساكين". فظاهره أنه يصح وقفها، وهي في الأصل وقف، لكن قال غير واحد من المحققين (٣)، معناه أن وقفها يطابق الأصل، لأنها تصير وقفاً بهذا القول. فظهر مما قررناه (٤) أن هذه الأوقاف التي صدرت بأراضي نحو مصر من الواقفين، بعد الإمام عمر ﵁ (٥) كلها باطلة إن لم يحكم بالوقف حاكم يراه، وأن للإمام إبطالها، وإدخالها (٦) بيت المال، مراعياً في ذلك المصلحة، وإيصال كل ذي حق منهم (٧) حقه، وإلا منع، كمنعه من صرف (٨) بيت المال فيما لا مصلحة فيه، حتى ما وقف على المدارس وغيرها، غير أن الموقوف عليها وعلى الفقهاء قد طابق الأصل، على ما مرّ من كلام الإمام أحمد، ولذلك قال الأئمة: إنه يجوز للفقهاء أكل وظايف هذه المدارس، وإن لم يباشروا التدريس فيها (٩). وقد بلغني أن بعض الجهلة المعاندين، أنكر ذلك على الجلال السيوطي (١٠)، (١١)، ولا عبرة بإنكاره، فقد نص غير واحد على جواز ذلك، وهذا

стр. 89

حيث [كانوا] (١) قائمين بشعار التدريس، والإفتاء، والإقراء؛ لأن ذلك من قبيل بيت المال، ومن لم يكن أهلاً لذلك فيمنع من تناوله. وقد نص غير واحد (٢) من (٣) أنه يجب أن يولى في هذه الوظائف الأحق شرعاً، ويقوى عندي: أنه لا يجوز أن يأخذ منها فوق حاجته، وأن شروط أولئك الواقفين غير معتبرة؛ لعدم صحة الوقف، فإن قيل: فعلى هذا كيف تصح هذه الأوقاف، التي تواطأ عليها الناس، وعملوا بها منذ سنين متطاولة. فالجواب: أن هذه الأرضين، إذا باعها الإمام لمصلحة، أو باعها غيره، وحكم بصحة البيع حاكم، فالبيع صحيح، ويسوغ وقفها بعد ذلك، فمن فعل ذلك حكمنا بصحة وقفه، وإلا فلا. وبذلك أجاب القرافي. وقال (٤): "فإذا قضى حاكم بثبوت ملك في أرض العنوة ثبت الملك، وارتفع الخلاف، ويتعين ما حكم به الحاكم. وهذا يطرد في مكة ومصر وغيرهما". انتهى. وقال الإمام أحمد (٥): "لا يعجبني بيع منازل السواد، ولا أرضهم. قيل له: فإن أراد السلطان ذلك. قال له ذلك، يصرفه كيف شاء". وفي المغني (٦): "إذا بيعت هذه الأرض، فحكم بصحة البيع حاكم صح،

стр. 90

لأنه مختلف فيه، فيصح [بحكم الحاكم] (١)، كسائر المجتهدات، وفعل الإمام كحكم الحاكم فيه". وقع للملك الظاهر برقوق (٢) أول سلاطين الجراكسة (٣) أنه أراد [أن] (٤) ينقض هذه الأوقاف كلها، وقال: إنها أخذت من بيت المال، وقد استغرقت نصف أراضيه، وعقد لذلك مجلسا حافلاً، [حضره] (٥) السراج البلقيني (٦)، وابن جماعة (٧)، والشيخ أكمل الدين شيخ الحنفية (٨)، فقال

стр. 91

البلقيني: "أما ما وقف على العلماء وطلبة العلم فلا سبيل إلى نقضه لأن لهم في بيت المال أكثر من ذلك، وأما ما وقف على فاطمة، وخديجة، [وعويشه] (١)، فإنه ينقض، ووافقه الحاضرون" (٢)، وكان أول من أحدث وقف أراضي بيت المال على جهات الخير- كالمدارس - نور الدين الشهيد (٣)، ثم صلاح الدين (٤)، لما استفتيا ابن

стр. 92

أبي عصرون (١)، فأفتاهما بالجواز، على معنى أنه إرصاد، وإفراز لبيت المال على بعض مستحقيه، ليصلوا إليه بسهولة، لا أنه وقف حقيقي؛ إذ من شرط الموقوف (٢) أن يكون ملكاً لواقفه، والإمام ليس بمالك لذلك. ووافق ابن أبي عصرون على فتياه ومراده جماعة من أئمة المذاهب الأربعة في عصره (٣). قلت: ومن هنا يرتفع إشكال [ما كان] (٤) يختلج (٥) كثيراً في صدري، ولا أراه منقولاً، وهو أن هذه الأوقاف الصادرة من نحو السلاطين في

стр. 93

الأرض - حيث قيل بعدم صحتها - كيف ساغ للمفتين، والحكام [الحكم] (١)، بصحة الإجارة الصادرة من الناظر، مع [أن] (٢) كونه ناظراً لم يصح، لعدم صحة الوقف، ولو طولبوا برفع هذا الإشكال ووجه تصحيح فتاويهم وأحكامهم لما أمكنهم. والجواب بعد إمعان النظر، وإعمال الفكر، كما يؤخذ بالاستنباط مما تقدم، أن غاية الأمر، أن هذه الأوقاف أراضي أفرزت من بيت المال على مستحقيها، كما أفتى بذلك علماء المذاهب السالفة (٣). ولا شك أن للسلطان، أو نائبه المفوض إليه التصرف في ذلك، أن يقيم وكيلاً في التصرف عنه في ذلك، كما في بقية الأحكام والتصرفات المتعلقة ببيت المال، وهذا بلا شك من هذا القبيل، وحينئذ فلا ريب في صحة تصرف هذا الناظر المنصوب وكيلاً عمن له ولاية التصرف. فتأمل ذلك فإنه في غاية التحقيق. وأما إقطاعها، فهو حكم بيعها، فيصح من الإمام أن يقطع منها من شاء للمصلحة تمليكاً،

стр. 94

وإرفاقاً. هذا هو الصحيح من المذهب، وعليه جمهور الأصحاب (١). [وقال (٢) في] الرعاية (٣): "للإمام إقطاع هذه الأرض، والدور، والمعادن/ إرفاقاً، لا تمليكاً". وقال الإمام أحمد، في رواية حرب (٤): "القطائع جائزة (٥) وأنكر شديداً قول الإمام مالك لا بأس بقطائع الأمراء وقال: يزعم أنه لا بأس بقطائعهم" (٦). وقال الإمام أحمد، في رواية يعقوب عنه (٧)، "قطائع الشام، والجزيرة، من المكروهة كانت لبني أمية فأخذها هؤلاء". وقال، في رواية محمد بن داود (٨): "ما أدري ما هذه القطائع، يخرجونها ممن شاءوا" (٩). قال أبوبكر (١٠) من أئمتنا: "لأنه يملكها من أقطعها فكيف تخرج عنه" (١١).

стр. 95

وفي كتاب الإنصاف (١): "قسم الأصحاب (٢) الإقطاع إلى ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع إرفاق (٣)، وإقطاع [استغلال] (٤)، وقسم القاضي (٥) إقطاع التمليك إلى: موات، وعامر، ومعادن، وجعل إقطاع [الاستقلال] (٦) على ضربين: عشر، وخراج". وذكر ابن [عائذ] (٧) في كتابه (٨)، بإسناده عن سليمان بن عتبة (٩) "أن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد (١٠) - أظنه

стр. 96

المنصور - سأله في مقدمه الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين، عن سبب الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة، يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى لما أظهر المسلمين/ على بلاد الشام، (١) صالحوا أهل دمشق، وأهل حمص، فكرهوا أن يدخلوها دون أن يتم أمرهم، فأحيا كل قوم محلتهم، وهيّؤا فيها بناء، فرفع ذلك إلى عمر ﵁ (٢) [فأمضاه] (٣) لهم، وأمضاه عثمان بعده، إلى ولاية أمير المؤمنين فقال: قد أمضيناه لهم" (٤). وأمّا إيجارتها (٥). فقال في الفروع (٦): "تصح إجارتها وفاقاً، وعن الإمام أحمد في رواية: لا. ذكره القاضي، وجماعة، -والأول أصح. لكن ظاهر كلام أصحابنا، أو صريحه، أنه لا يصح إجارتها من غير فلاّحيها -. قال جماعة: أقر

стр. 97

عمر ﵁ الأرض في أيدي أربابها بالخراج". وفي الإقناع (١) كغيره، "وقضى عمر ﵁ (٢) على المسلمين، وأقرّها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها كل عام". والإجارة من العقود اللازمة، وهذه من المسائل المستثناة من عدم تقدير المدة (٣). قلت: والتحقيق عدم استثناء فعل عمر ﵁ (٤)؛ لأنه لو كان إجارة للزم الرجوع في الخراج لما قدره عمر - كما جزمت بذلك في (٥) غاية المنتهى في الفقه (٦) -؛ لأن الأجرة لا يزاد فيها ولا ينقص، بل هي لازمة كالعقد مع أن المصرح به، والمعوّل عليه (٧)، الرجوع في الخراج لاجتهاد الإمام لا لما قدره عمر كما سيأتي (٨). وفي الترغيب: "لا يجوز أخذ شيء ممن وقع في يده (٩)، من أربابه (١٠)، ويقول: أنا أعطي غلته" (١١). وفي الإقناع (١٢) وغيره: "ومن بيده أرض خراجية، فهو

стр. 98

أحق بها بالخراج -كالمستأجر - ويرثها، ورثته كذلك، وليس للإمام أخذها منه، ودفعها لغيره، فإن آثر بها أحداً، صار الثاني أحق بها، فمن رفع يده عن الأرض الخراجية وتركها لغيره، لم يجز التعرض له بسببها، خلافاً لمن (١) توهم خلاف (٢) ذلك". وفي الفروع (٣) وغيره: "ومن بيده أرض خراجية فآثر بها غيره، فالمؤثر أحق. قال شيخنا - يعني ابن تيمية -، بلا خلاف" فعلى ما قالوه هنا، ليس للسلطان إقطاع شيء من هذه الأرض لغير من هي في يده تمليكاً، مع إطلاقهم فيما مرّ (٤)، فيجب تخصيصه لما قد عرفت. ويقوى عندي: "أن إجارة هذه الأرض، إنما يصح الآن من الإمام، أو نائبه؛ لأنه لم يبق أحد على أرضه من زمن عمر؛ لأن الناس تبدلت وتغيّرت، وانتقل الناس من بلد إلى بلد، اللهم إلاّ أن يقال الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه". وأمّا إجارة دور مكة، فغير جائزة (٥). قال في المغني (٦): "وهو قول أبي حنيفة (٧)، ومالك (٨)، والثوري (٩)، وأبي عبيد (١٠)، وكرهه إسحاق (١١)،

стр. 99

والصحيح من المذهب أنها لا تصح (١)، وعلل أصحابنا - كالمالكيّة - ذلك بفتحها عنوة". قال القرافي (٢): "والقول بأن الدور وقف، إنما يتناول التي صادفها الفتح، أمّا إذا انهدمت، وبنى أهل الإسلام دوراً غير دور الكفر،/ فهذه الأبنية لا تكون وقفاً إجماعاً، وحيث قال مالك: لا تكرى (٣) دور مكة يريد ما كان في زمانه باقياً من دور الكفار". انتهى وعندي: إنما المنع من ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٤) فالعاكف المقيم فيه، والبادي الطارئ عليه من غير أهله، فيستويان في سكنى مكة، والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل يكون [فيه] (٥) من الآخر، غير أنه لا يخرج أحد من بيته. وهذا قول قتادة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وابن عباس (٨)، ومذهب هؤلاء كما

стр. 100

نقله المفسرون للآية، أن كراء دور مكة، وبيعها حرام، والمراد بالمسجد الحرام على قولهم الحرم كله (١). وروي عن (٢) عمرو بن شعيب (٣) عن أبيه (٤)، عن جده (٥) قال: "قال رسول الله ﷺ في مكة: لا تباع رباعها،

стр. 101

ولا تكرى بيوتها" رواه [الأثرم] (١) بإسناده (٢). وعن مجاهد (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "مكة حرام بيع رباعها، حرام إجارتها" (٤). وهذا نص رواه

стр. 102

سعيد بن منصور (١) في سننه. ورواه ابن أبي شيبة (٢) قال: حدثنا [أبومعاوية] (٣)، عن الأعمش (٤)، عن مجاهد قال: "قال رسول الله ﷺ مكة

стр. 103

حرم حرمها الله، لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها" (١). وفي المنتقى (٢): "عن علقمة بن نضلة (٣)، قال: توفي رسول الله ﷺ وأبوبكر، وعمر، وما تدعى رباع مكة إلاّ السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن". رواه ابن ماجه (٤).

стр. 104

وعلى المذهب فمن كان ساكناً داراً، أو منزلاً،/ فهو أحق به ليسكُنَهُ وليُسكّنه (١)، وليس له بيعه، ولا أخذ أجرته، ومن احتاج إلى مسكن فله بذل الأجرة فيه، وكان إمامنا أحمد، إذا سكن أعطاهم أجرتها، فإن سكن بأجرة، فأمكنه أن لا يدفع إليهم الأجرة، جاز له ذلك؛ لأنهم لا يستحقونها، ويحرم عليهم أخذها (٢)، وروي أن سفيان (٣) سكن في بعض رباع مكة، فهرب، ولم يعطهم أجره، فأدركوه وأخذوها منه. وذكر للإمام أحمد فعل سفيان فتبسم (٤). قال في المغني: "فظاهر هذا أنه أعجبه. قال ابن عقيل: والخلاف في غير مواضع (٥) المناسك. أمّا بقاع المناسك - كموضع السعي والرمي - فحكمه حكم المساجد بغير خلاف" (٦).

стр. 105

وأمّا الخراج. فاعلم أن الذي عليه جمهور أصحابنا، ومحققيهم، ونص عليه الإمام أحمد (١)، أن يرجع في الخراج، والجزية، إلى تقدير الإمام في زيادة ونقص، ما لم يجحف. (٢) قال في شرح المقنع (٣): "ظاهر المذهب، أنّ المرجع في الخراج إلى اجتهاد الإمام، وهو اختيار الخلال، وعامة شيوخنا؛ لأنه أجرة فلم يتقدر بمقدار لا يختلف، كأجرة المساكن" (٤). انتهى وعن الإمام أحمد، في رواية أخرى (٥): "أن المرجع إلى تقدير الإمام عمر ﵁، فلا يزاد عليه ولا ينقص منه؛ لأن اجتهاد عمر ﵁ (٦) أولى من قول غيره". ووضع عمر ﵁ على كل جريب (٧) درهماً، وقفيزاً (٨) من طعامه، وهو ثمانية

стр. 106

أرطال (١)، قيل: بالمكي، وقيل: بالعراقي، وهو نصف المكي، فعلى الأول يكون ستة عشر رطلاً عراقياً، وهو الصحيح (٢). وهو قفيز الحجاج، وهو صاع عمر ﵁ (٣) نص عليه الإمام أحمد (٤). وفي المحرر (٥): "أنه جعل على جريب الزرع (٦) درهماً، وقفيزاً من طعامه، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة، وعلى جريب الرطبة ستة". والجريب: عشر قصبات (٧) في مثلها. والقصبة: ستة أذرع، بذراع وسط، وقبضة وإبهام قائمة. وما بين شجر من بياض الأرض تبع لها، ولا خراج على مساكن مطلقاً (٨)، وقد نقل (٩) أن الإمام أحمد كان يمسح داره، ويخرج عنها؛ لأن بغداد كانت حين فتحت مزارع، ولعله منه محمولٌ على الورع. ولا خراج على مزارع مكة، والحرم كَهِيَ، وأجازه في الانتصار (١٠) - كسائر

стр. 107

أرض العنوة - قال صاحب المحرر (١): "لا أعلم من أجاز ضرب الخراج [عليها (٢) سواه؛ لأن النبي ﷺ لم يضرب عليها شيئاً". وحيث تقرر هذا، فالخراج إنما هو على أرض لها ماء تسقى به، ولو لم تزرع، لا على ما لا يناله الماء، ولو أمكن زرعه، وإحياؤه، ولم يفعل، وما لم ينبت، وينله (٣) الماء، إلاّ عاماً بعد عام، فنصف خراجه في كل عام. قاله في المحرر (٤). وفي المذهب مثله (٥). قال شيخ الإسلام (٦) ابن تيمية - وأقره الأصحاب -: لو يبست (٧) الكروم بجراد، أو غيره، سقط من الخراج حسبما تعطل من النفع، وإذا لم يمكن النفع به ببيعٍ،/ أو إجارةٍ، أو عمارةٍ، أو غيره، لم تجز المطالبة بالخراج" (٨). انتهى. والخراج كالدّين، يحبس به الموسر، وينظر المعسر، ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها، أو رفع يده عنها، لتدفع لمن يعمرها، ويقوم بخراجها، ويجوز أن [يُرشَى] (٩) العامل، و [يهدي] (١٠) له، ليدفع (١١) ظلمه، لا ليدع خراجاً. والهدية الدفع ابتداءً، والرشوة الدفع بعد الطلب، وأخذهما حرام (١٢). وأما الدخول في الأرض الخراجية؛ فقد كره أصحابنا للمسلم، أن يتقبل

стр. 108

أرضاً خراجية بما عليها من خراج؛ لأن إعطاءه في معنى المذلة (١). وفي المغني (٢): "أجمع رأي الصحابة ﵃ أنه لا يصلح لأحد من المسلمين، شراء ما في أيدي أهل (٣) القرى المفتتحة من الأرض طوعاً ولا كرهاً" وأخرج أبو داود (٤) بإسناد جيّد، عن معاذ (٥) قال: "من عقد الجزية في عنقه، فقد برئ مما عليه رسول الله ﷺ " (٦). وأخرج أيضاً، عن أبي الدرداء (٧) مرفوعاً: "من أخذ أرضاً بجزيتها فقد

стр. 109

استقال هجرته، ومن نزع صَغار كافر من عنقه فجعله في عنقه؛ فقد ولّى الإسلام ظهره" (١). ولما سمع خالد بن معدان (٢) هذا الحديث، ترك ما في يده (٣) من الأرضين (٤). وكذلك كره أصحابنا (٥) للمسلم (٦) بيع أرضه العشرية لذمي، وإجارتها له؛ لإفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها، وكذا إجارة (٧) الخراجيّة. قال الإمام أحمد، في رواية محمد بن موسى (٨) "عن المسلم يؤاجر الأرض

стр. 110

الخراجية (١) من الذمي، قال: لا يؤاجر من الذمي" (٢). وقال في موضع آخر: "لأنهم لا يؤدون الزكاة" (٣). فإن أجرها من ذمي، أو باع أرضه التي لا خراج عليها ذمياً، صح البيع والإجارة، وهذا مذهب الثوري (٤)، والشافعي (٥)، وشريك (٦)، و [أبي] عبيد (٧)، وليس عليهم فيها عشر ولا خراج (٨). وقال حرب (٩): "سألت أحمد عن الذمي (١٠) يشّري (١١) أرض العشر، قال: لا أعلم عليه شيئاً". وأهل المدينة يقولون في هذا قولاً حسناً، يقولون: لا يترك الذمي يشّري (١٢) أرض العشر، وأهل البصرة يقولون قولاً عجباً، يقولون: يضاعف (١٣) عليهم (١٤). وعن أحمد: "أنهم يمنعون من شرائها" (١٥). اختاره الخلال،
следующие страницы →