← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والثانى: استيفاء أقسام الشيء؛ كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً (١). التجريد (٢/ ٤١٦) ومنه: التجريد؛ وهو أن ينتزع من أمر ذى صفة آخر مثله فيها؛ مبالغة لكمالها فيه، وهو أقسام: منها: نحو قولهم: لى من فلان صديق حميم، أى: بلغ فلان من الصداقة حدّا صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها. ومنها: نحو قولهم: لئن سألت فلانا، لتسألنّ به البحر. ومنها: نحو قوله [من الطويل]: وشوهاء تغدو بى إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحّل (٢) ومنها: نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (٣) أى: فى جهنم، وهى دار الخلد. ومنها: نحو قوله [من الكامل]: ولئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوى الغنائم أو يموت كريم (٤) وقيل: تقديره: أو يموت منى كريم. وفيه نظر. ومنها: نحو قوله [من المنسرح]: يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا (٥)

стр. 107

ومنها: مخاطبة الإنسان نفسه؛ كقوله [من البسيط]: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم يسعد الحال (١) المبالغة (٢/ ٤٢٢) ومنه: المبالغة المقبولة، والمبالغة: أن يدّعى لوصف بلوغه فى الشدّة أو الضعف حدّا مستحيلا أو مستبعدا؛ لئلا يظنّ أنه غير متناه فيه (٢). (٢/ ٤٢٤) وتنحصر فى: التبليغ، والإغراق، والغلوّ؛ لأن المدّعى: إن كان ممكنا عقلا وعادة: فتبليغ؛ كقوله (٣) [من الطويل]: فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل وإن كان ممكنا عقلا لا عادة: فإغراق؛ كقوله (٤) [من الوافر]: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث ما لا وهما مقبولان؛ وإلا (٥) فغلوّ؛ كقوله (٦) [من الكامل]: وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق والمقبول منه أصناف: منها: ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة؛ نحو: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (٧). ومنها: ما تضمّن نوعا حسنا من التخييل؛ كقوله (٨) [من الكامل]:

стр. 108

عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا (٢/ ٤٢٦) وقد اجتمعا فى قوله (١) [من الطويل]: يخيّل لى أن سمّر الشّهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفاني ومنها: ما خرّج مخرج الهزل والخلاعة؛ كقوله (٢) [من المنسرح]: أسكر بالأمس إن عزمت على الش ... رب غدا إنّ ذا من العجب المذهب الكلامي (٢/ ٤٢٦) ومنه: المذهب الكلامي؛ وهو إيراد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام؛ نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٣)، وقوله (٤) [من الطويل]: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بلّغت عنّى جناية ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب ولكنّنى كنت امرءا لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب كفعلك فى قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا حسن التعليل (٢/ ٤٢٩) ومنه: حسن التعليل؛ وهو أن يدّعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقىّ، وهو أربعة أضرب؛ لأنّ الصفة إمّا ثابتة قصد بيان علّتها، أو غير ثابتة أريد إثباتها:

стр. 109

(٢/ ٤٢٩) والأولى: إما ألّا يظهر لها فى العادة علة؛ كقوله (١) [من الكامل]: لم يحك نائلك السّحاب وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّخصاء أو يظهر لها علة غير المذكورة؛ كقوله (٢) [من الرمل]: ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذّئاب فإنّ قتل الأعداء فى العادة لدفع مضرّتهم، لا لما ذكره. (٢/ ٤٣١) والثانية: إما ممكنة؛ كقوله [من البسيط]: يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنسانى من الغرق (٣) فإنّ استحسان إساءة الواشى ممكن؛ لكن لمّا خالف الناس فيه، عقّبه بأنّ حذاره منه نجّى إنسانه من الغرق فى الدموع. (٢/ ٤٣٢) أو غير ممكنة؛ كقوله [من البسيط]: لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق وألحق به ما يبنى على الشك؛ كقوله (٤) [من الطويل]: كأنّ السّحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقأ لهنّ مدامع التفريع (٢/ ٤٣٤) ومنه: التفريع؛ وهو أن يثبت لمتعلّق أمر حكم بعد إثباته لمتعلّق له آخر؛ كقوله (٥) [من البسيط]: أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب ***

стр. 110

تأكيد المدح بما يشبه الذم (٢/ ٤٣٥) ومنه: تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، وهو ضربان: أفضلهما: أن يستثنى من صفة ذمّ منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها؛ كقوله [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١) أى: إن كان فلول السيف عيبا، فأثبت شيئا منه على تقدير كونه منه، وهو محال، فهو فى المعنى تعليق بالمحال، فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببيّنة، وأنّ الأصل فى الاستثناء هو الاتصال؛ فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء ممّا قبلها، فإذا وليها صفة مدح، جاء التأكيد. (٢/ ٤٣٨) والثانى: أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له؛ نحو: «أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش» (٢) وأصل الاستثناء فيه- أيضا- أن يكون متصلا كالضّرب الأوّل؛ لكنّه لم يقدّر متصلا؛ فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني؛ ولهذا كان الأول أفضل. (٢/ ٤٤٠) ومنه ضرب آخر؛ وهو نحو: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا (٣) والاستدراك فى هذا الباب كالاستثناء؛ كما فى قوله (٤) [من الطويل]: هو البدر إلّا أنّه البحر زاخرا ... سوى أنّه الضّرغام لكنّه الوبل

стр. 111

تأكيد الذم بما يشبه المدح (٢/ ٤٤٢) ومنه: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو ضربان: أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفّية عن الشيء صفة ذمّ له، بتقدير دخولها فيها؛ كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من أحسن إليه. وثانيهما: أن يثبت لشيء صفة ذمّ، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة ذمّ أخرى له؛ كقوله: فلان فاسق إلا أنه جاهل. وتحقيقهما على قياس ما مرّ. الاستتباع (٢/ ٤٤٣) ومنه: الاستتباع؛ وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر؛ كقوله [من الطويل]: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد (١) مدحه بالنهاية فى الشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، وفيه أنه نهب الأعمار دون الأموال، وأنه لم يكن ظالما فى قتلهم. الإدماج (٢/ ٤٤٤) ومنه: الإدماج؛ وهو أن يضمّن كلام سيق لمعنى معنى آخر؛ فهو أعمّ من الاستتباع؛ كقوله [من الوافر]: أقلّب فيه أجفانى كأنّى ... أعدّ بها على الدّهر الذّنوبا (٢) فإنه ضمّن وصف الليل بالطّول الشكاية من الدهر. ***

стр. 112

التوجيه (٢/ ٤٤٦) ومنه: التوجيه؛ وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين؛ كقول من قال لأعور [من مجزوء الرمل]: ليت عينيه سواء (١) السكاكى: ومنه متشابهات القرآن باعتبار. الهزل يراد به الجد (٢/ ٤٤٧) ومنه: الهزل الذى يراد به الجدّ؛ كقوله (٢) [من الطويل]: إذا ما تميمى أتاك مفاخرا فقل ... عدّ عن ذا، كيف أكلك للضّبّ؟ ! تجاهل العارف (٢/ ٤٤٧) ومنه: تجاهل العارف؛ وهو- كما سماه السكاكي-: سوق المعلوم مساق غيره لنكتة: كالتوبيخ فى قول الخارجيّة [من الطويل]: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف (٣) (٢/ ٤٤٨) والمبالغة فى المدح؛ كقوله (٤) [من البسيط]: ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحى أو فى الذم؛ كقوله (٥) [من الوافر]: وما أدرى ولست إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء؟ !

стр. 113

والتدلّه فى الحبّ فى قوله [من البسيط]: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر (١) القول بالموجب (٢/ ٤٤٩) ومنه: القول بالموجب؛ وهو ضربان: أحدهما: أن تقع صفة فى كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم، فتثبتها لغيره من غير تعرّض لثبوته له أو انتفائه عنه؛ نحو: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (٢). (٢/ ٤٥٠) والثانى: حمل لفظ وقع فى كلام الغير على خلاف مراده، ممّا يحتمله بذكر متعلّقه؛ كقوله (٣) [من الخفيف]: قلت: ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقّلت كاهلى بالأيادي الاطراد (٢/ ٤٥١) ومنه: الاطّراد؛ وهو أن تأتى بأسماء الممدوح أو غيره وأسماء آبائه، على ترتيب الولادة، من غير تكلّف؛ كقوله (٤) [من الكامل]: إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب ***

стр. 114

المحسنات اللفظية وأما اللفظىّ: (٢/ ٤٥٢) فمنه: الجناس بين اللفظين، وهو تشابههما فى اللفظ: (٢/ ٤٥٣) والتامّ منه: أن يتفقا فى أنواع الحروف، وفى أعدادها، وفى هيئاتها، وفى ترتيبها: فإن كانا من نوع؛ كاسمين، سمى مماثلا؛ نحو: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ (١). وإن كانا من نوعين، سمى مستوفى؛ كقوله [من الكامل]: ما مات من كرم الزّمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله (٢) (٢/ ٤٥٦) وأيضا: إن كان أحد لفظيه مركّبا، سمى جناس التركيب، فإن اتفقا فى الخطّ، خصّ باسم المتشابه؛ كقوله [من المتقارب]: إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه (٣) وإلا خصّ باسم المفروق؛ كقوله (٤) [من المديد]: كلّكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا ما الّذى ضرّ مدير ال ... جام لو جاملنا (٢/ ٤٥٨) وإن اختلفا فى هيئات (٥) الحروف فقط، يسمّى محرّفا، كقولهم: (جبّة البرد جنّة البرد)، ونحوه: (الجاهل إمّا مفرط أو مفرّط)، والحرف المشدّد فى حكم المخفّف؛ كقولهم: (البدعة شرك الشّرك).

стр. 115

(٢/ ٤٥٩) وإن اختلفا فى أعدادها، يسمّى ناقصا؛ وذلك إمّا بحرف فى الأول؛ مثل: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (١)، أو فى الوسط؛ نحو: «جدّى جهدي»، أو فى الآخر؛ كقوله [من الطويل]: يمدّون من أيد عواص عواصم (٢) وربّما سمّى هذا مطرّفا. وإمّا بأكثر؛ كقولها [من الكامل]: إنّ البكاء هو الشّفا ... ء من الجوى بين الجوانح (٣) وربّما سمى هذا مذيّلا. (٢/ ٤٦١) وإن اختلفا فى أنواعها، فيشترط ألّا يقع بأكثر من حرف: ثمّ الحرفان: إن كانا متقاربين سمّى مضارعا، وهو إمّا فى الأوّل؛ نحو: «بينى وبين كنّى (٤) ليل دامس وطريق طامس»، أو فى الوسط؛ نحو: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ (٥)، أو فى الآخر؛ نحو: «الخيل معقود بنواصيها الخير» (٦). وإلا سمّى لاحقا، وهو- أيضا- إمّا فى الأوّل؛ نحو: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (٧)، أو فى الوسط؛ نحو: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٨)، أو فى الآخر؛ نحو: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ (٩).

стр. 116

(٢/ ٤٦٢) وإن اختلفا فى ترتيبها، سمى تجنيس القلب؛ نحو: «حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه»، ويسمّى قلب كلّ، ونحو: «اللهمّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا» (١)، ويسمى قلب بعض. (٢/ ٤٦٢) وإذا وقع أحدهما (٢) فى أوّل البيت، والآخر فى آخره، سمّى مقلوبا مجنّحا. وإذا ولى أحد المتجانسين (٣) الآخر، سمّى مزدوجا ومكرّرا ومردّدا؛ نحو: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٤). (٢/ ٤٦٤) ويلحق بالجناس شيئان: أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق؛ نحو: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ (٥). والثانى: أن يجمعهما المشابهة؛ وهى ما يشبه الاشتقاق؛ نحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (٦). رد العجز على الصدر (٢/ ٤٦٥) ومنه: ردّ العجز على الصّدر: وهو فى النّثر: أن يجعل أحد اللفظين المكرّرين أو المتجانسين أو الملحقين بهما فى أوّل الفقرة، والآخر فى آخرها؛ نحو: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (٧)، ونحو: (سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل)، ونحو: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (٨). ونحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ.

стр. 117

(٢/ ٤٦٧) وفى النّظم: أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر المصراع الثانى؛ كقوله [من الطويل]: سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع (١) وقوله [من الوافر]: تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار (٢) وقوله [من الطويل]: من كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما (٣) وقوله [من الطويل]: وإن لم يكن إلّا معرّج ساعة ... قليلا فإنّى نافع لى قليلها (٤) وقوله [من الوافر]: دعانى من ملامكما سفاها ... فداعى الشّوق قبلكما دعاني (٥) وقوله [من الكامل]: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل (٦) وقوله [من الوافر]:

стр. 118

فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثاني (١) وقوله [من السريع]: أمّلتهم ثم تأمّلتهم فلاح ... لى أن ليس فيهم فلاح (٢) وقوله [من المتقارب]: ضرائب أبدعتها فى السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا (٣) وقوله [من الطويل]: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزّان (٤) وقوله [من البسيط]: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط فى الخصر (٥) وقوله [من الكامل]: فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذّباب يضير؟ ! (٦) وقوله [من الطويل]: وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر (٧) ***

стр. 119

السجع (٢/ ٤٧٢) ومنه: السجع؛ قيل: وهو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهو معنى قول السكاكى: هو فى النّثر كالقافية فى الشعر. (٢/ ٤٧٣) وهو ثلاثة أضرب: مطرّف إن اختلفا فى الوزن، نحو: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١). (٢/ ٤٧٣) وإلّا، فإن كان ما فى إحدى القرينتين أو أكثره مثل ما يقابله من الأخرى فى الوزن والتقفية: فترصيع؛ نحو: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ... ويقرع الأسماع بزواجر وعظه وإلّا فمتواز؛ نحو: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (٢). (٢/ ٤٧٥) وقيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه؛ نحو: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣)، ثمّ ما طالت قرينته الثانية، نحو: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٤)، أو الثالثة؛ نحو: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٥). ولا يحسن أن يؤتى بقرينة أقصر منها كثيرا. (٢/ ٤٧٦) والأسجاع مبنيّة على سكون الأعجاز؛ كقولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت. قيل: ولا يقال: فى القرآن أسجاع، بل يقال: فواصل. وقيل: السّجع غير مختصّ بالنثر، ومثاله فى النّظم:

стр. 120

قوله [من الطويل]: تجلّى به رشدى وأثرت به يدى ... وفاض به ثمدى وأورى به زندي (١) (٢/ ٤٧٨) ومن السجع على هذا القول ما يسمّى التشطير؛ وهو جعل كلّ من شطرى البيت سجعة مخالفة لأختها؛ كقوله [من البسيط]: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب فى الله مرتقب الموازنة (٢/ ٤٧٩) ومنه: الموازنة؛ وهى تساوى الفاصلتين فى الوزن دون التقفية؛ نحو: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (٢). (٢/ ٤٨٠) وإذا تساوى الفاصلتان: فإن كان ما فى إحدى القرينتين أو أكثره مثل ما يقابله من القرينة الأخرى فى الوزن، خصّ باسم المماثلة؛ نحو: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٣)، وقوله [من الطويل]: مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل (٤) القلب (٢/ ٤٨١) ومنه: القلب؛ كقوله (٥) [من الوافر]: مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم وفى التنزيل: كُلٌّ فِي فَلَكٍ (٦)، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٧).

стр. 121

التشريع (٢/ ٤٨٢) ومنه: التشريع؛ وهو بناء البيت على قافيتين يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما؛ كقوله (١) [من الكامل]: يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار لزوم ما لا يلزم (٢/ ٤٨٢) ومنه: لزوم ما لا يلزم؛ وهو أن يجئ قبل حرف الرّوىّ- أو ما فى معناه من الفاصلة- ما ليس بلازم فى السجع؛ نحو: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (٢) وقوله (٣) [من الطويل]: سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت فتى غير محجوب (٤) الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت (٢/ ٤٨٥) وأصل الحسن فى ذلك كلّه: أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى، دون العكس. ***

стр. 122

خاتمة: فى السّرقات الشّعريّة، وما يتّصل بها، وغير ذلك (٢/ ٤٨٩) اتفاق القائلين إن كان فى الغرض على العموم- كالوصف بالشجاعة، والسخاء، ونحو ذلك- فلا يعدّ سرقة؛ لتقرّره فى العقول والعادات. وإن كان فى وجه الدّلالة؛ كالتشبيه، والمجاز، والكناية، وكذكر هيئات تدلّ على الصفة؛ لاختصاصها بمن هى له- كوصف الجواد بالتهلّل عند ورود العفاة، والبخيل بالعبوس مع سعة ذات اليد-: فإن اشتراك الناس فى معرفته لاستقراره فيهما (١)؛ كتشبيه الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر، فهو كالأول؛ وإلّا جاز أن يدّعى فيه السبق والزيادة. وهو (٢) ضربان: خاصّىّ فى نفسه غريب، وعامى تصرّف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة؛ كما مر. (٢/ ٤٩١) فالسرقة والأخذ نوعان: ظاهر، وغير ظاهر. (٢/ ٤٩١) أما الظاهر: فهو أن يؤخذ المعنى كلّه، إمّا مع اللفظ كلّه، أو بعضه، أو وحده: فإن اخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه: فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكى عن عبد الله بن الزبير أنه فعل ذلك بقول معن ابن أوس (٣) [من الطويل]: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل

стр. 123

ويركب حدّ السّيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السّيف مزحل وفى معناه: أن يبدل بالكلمات كلّها أو بعضها ما يرادفها. (٢/ ٤٩٤) وإن كان مع تغيير لنظمه أو أخذ بعض اللفظ، سمّى: إغارة ومسخا. (٢/ ٤٩٤) فإن كان الثانى أبلغ؛ لاختصاصه بفضيلة: فممدوح؛ كقول بشّار [من البسيط]: من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج (١) وقول سلم [من مخلّع البسيط]: من راقب النّاس مات غمّا (٢) ... وفاز بالّلذة الجسور (٣) (٢/ ٤٩٦) وإن كان دونه: فمذموم، كقول أبى تمّام [من الكامل]: هيهات لا يأتى الزّمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل (٤) وقول أبى الطيب [من الكامل]: أعدى الزّمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزّمان بخيلا (٥) (٢/ ٤٩٨) وإن كان مثله: فأبعد عن الذمّ، والفضل للأوّل؛ كقول أبى تمام [من الكامل]: لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلّا الفراق على النّفوس دليلا وقول أبى الطيب [من البسيط]: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا (٢/ ٥٠٠) وإن أخذ المعنى وحده سمى: إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام

стр. 124

كذلك: أولها: كقول أبى تمام [من الطويل]: هو الصّنع إن يعجل فخير وإن يرث ... فللرّيث فى بعض المواضع أنفع وقول أبى الطيب [من الخفيف]: ومن الخير بطء سيبك عنّى ... أسرع السّحب فى المسير الجهام (٢/ ٥٠١) وثانيها: كقول البحترى [من الكامل]: وإذا تألّق فى النّدىّ كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه (١) وقول أبى الطيب [من البسيط]: كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلت ... على رماحهم فى الطّعن خرصانا (٢) (٢/ ٥٠٢) وثالثها: كقول الأعرابي (٣) [من الوافر]: ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا وقول أشجع [من المتقارب]: وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكن معروفه أوسع (٤) (٢/ ٥٠٢) وأما غير الظاهر: فمنه أن يتشابه المعنيان؛ كقول جرير [من الوافر]: فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار وقول أبى الطيب [من الوافر]: ومن فى كفّه منهم قناة ... كمن فى كفّه منهم خضاب (٥)

стр. 125

(٢/ ٥٠٣) ومنه: النقل؛ وهو: أن ينقل المعنى إلى معنى آخر؛ كقول البحترى [من الكامل] سلبوا وأشرقت الدّماء عليهم ... محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا (١) وقول أبى الطيب [من الكامل]: يبس النّجيع عليه وهو مجرّد ... من غمده فكأنّما هو مغمد (٢) (٢/ ٥٠٣) ومنه: أن يكون الثانى أشمل؛ كقول جرير [من الوافر]: إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت النّاس كلّهم غضابا (٣) وقول أبى نواس [من السريع]: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد (٤) (٢/ ٥٠٤) ومنه: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثانى نقيض معنى الأوّل؛ كقول أبى الشّيص [من الكامل]: أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم (٥) وقول أبى الطيب [من الكامل]: أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه (٦) (٢/ ٥٠٥) ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى، ويضاف إليه ما يحسّنه؛ كقول الأفوه [من الرمل]:

стр. 126

وترى الطّير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار (١) وقول أبى تمام (٢) [من الطويل]: وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدّماء نواهل أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل فإنّ أبا تمّام لم يلمّ بشيء من معنى قول الأفوه: «رأى عين»، وقوله: «ثقة أن ستمار»، ولكن زاد عليه بقوله: «إلا أنها لم تقاتل»، وبقوله: «فى الدماء نواهل»، وبإقامتها مع الرايات، حتى كأنها من الجيش، وبها يتمّ حسن الأول. وأكثر هذه الأنواع ونحوها مقبولة، بل منها ما يخرجه حسن التصرّف من قبيل الاتّباع إلى حيّز الابتداع، وكلّما كان أشدّ خفاء كان أقرب إلى القبول. (٢/ ٥٠٧) هذا كلّه إذا علم أن الثانى أخذ من الأوّل؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أى: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد للأخذ. فإذا لم يعلم، قيل: قال فلان كذا، وسبقه إليه فلان، فقال كذا. (٢/ ٥٠٨) وما يتصل بهذا: القول فى الاقتباس ، والتضمين، والعقد، والحلّ، والتلميح. الاقتباس (٢/ ٥٠٨) أما الاقتباس: فهو أن يضمّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه؛ كقول الحريرىّ: «فلم يكن إلّا (كلمح البصر أو هو أقرب) (٣)، حتى أنشد فأغرب»، وقول الآخر [من السريع]: إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل (٤)

стр. 127

وإن تبدّلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل (١) وقول الحريرىّ: «قلنا شاهت الوجوه» (٢) و «قبّح الّلكع ومن يرجوه»، وقول ابن عباد (٣) [من مجزوء الرمل]: قال لى: إنّ رقيبى ... سيّئ الخلق فداره قلت: دعنى وجهك الج ... نّة حفّت بالمكاره (٤) (٢/ ٥١٠) وهو ضربان؛ ما ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلى كما تقدّم، وخلافه كقوله (٥) [من الهزج]: لئن أخطأت فى مدحي ... ك ما أخطأت فى منعي لقد أنزلت حاجاتى ... بواد غير ذى زرع (٢/ ٥١١) ولا بأس بتغيير يسير للوزن أو غيره؛ كقوله (٦) [من مخلّع البسيط]: قد كان ما خفت أن يكونا ... إنّا إلى الله راجعونا التضمين (٢/ ٥١٢) وأمّا التضمين: فهو أن يضمّن الشّعر شيئا من شعر الغير، مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء؛ كقوله [من الوافر]:

стр. 128

على أنّى سأنشد عند بيعى ... أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا؟ (١) (٢/ ٥١٤) وأحسنه ما زاد على الأصل بنكتة؛ كالتورية والتشبيه فى قوله (٢) [من الطويل]: إذا الوهم أبدى لى لماها وثغرها ... تذكّرت ما بين العذيب وبارق ويذكرنى من قدّها ومدامعى ... مجرّ عوالينا ومجرى السّوابق (٢/ ٥١٦) ولا يضرّ التغيير اليسير. وربّما سمى تضمين البيت فما زاد: استعانة، وتضمين المصراع فما دونه: إيداعا ورفوا. العقد (٢/ ٥١٦) وأما العقد: فهو أن ينظم نثر، لا على طريق الاقتباس؛ كقوله (أبى العتاهية): ما بال من أوّله نطفة ... وجيفة آخره يفخر؟ عقد قول على- رضى الله عنه-: (وما لابن آدم والفخر، وإنّما أوّله نطفة، وآخره جيفة). الحلّ (٢/ ٥١٨) وأما الحلّ: فهو أن ينثر نظم؛ كقول بعض المغاربة: (فإنّه لمّا قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظنّ يقتاده، ويصدّق توهّمه الذى يعتاده)؛ حلّ قول أبى الطيب [من الطويل]: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم

стр. 129

التلميح (٢/ ٥١٩) وأما التلميح: فهو أن يشار إلى قصة، أو شعر من غير ذكره؛ كقوله (أبى تمام) (١) [من الطويل]: فو الله ما أدرى أأحلام نائم ... ألّمت بنا أم كان فى الرّكب يوشع؟ ! أشار: إلى قصة يوشع- ﵇ واستيقافه الشمس (٢)، وكقوله [من الطويل]: لعمرو مع الرّمضاء والنّار تلتظى ... أرقّ وأحفى منك فى ساعة الكرب أشار إلى البيت المشهور [من البسيط]: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرّمضاء بالنّار فصل (٢/ ٥٢٣) ينبغى للمتكلّم أن يتأنّق فى ثلاثة مواضع من كلامه ؛ حتى يكون أعذب لفظا، وأحسن سبكا، وأصحّ معنى: أحدها: الابتداء؛ كقوله (٣) [من الطويل]: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل وكقوله (أشجع) (٤) [من الكامل]: قصر عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيّام

стр. 130

(٢/ ٥٢٥) وينبغى أن يجتنب فى المديح ما يتطيّر به؛ كقوله (١) [من الرجز]: موعد أحبابك بالفرقة غد (٢/ ٥٢٥) وأحسنه ما يناسب المقصود، ويسمى: براعة الاستهلال؛ كقوله فى التهنئة (٢) [من البسيط]: بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا وقوله فى المرثيّة (الساوى) [من الوافر]: هى الدّنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشى وفتكي (٢/ ٥٢٦) وثانيها: التخلّص ممّا شيب الكلام به من نسيب أو غيره إلى المقصود، مع رعاية الملاءمة بينهما؛ كقوله (أبى تمام) (٣) [من البسيط]: تقول فى قومس قومى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود أمطلع الشّمس تبغى أن تؤمّ بنا ... فقلت كلّا ولكن مطلع الجود (٢/ ٥٢٨) وقد ينتقل منه إلى ما لا يلائمه، ويسمّى: الاقتضاب، وهو مذهب العرب الجاهلية (٤) ومن يليهم من المخضرمين؛ كقوله (أبى تمام) [من الخفيف]: لو رأى الله أنّ فى الشّيب خيرا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا كلّ يوم تبدى صروف اللّيالى ... خلقا من أبى سعيد غريبا ومنه: ما يقرب من التخلّص؛ كقولك بعد حمد الله: «أمّا بعد» قيل: وهو فصل الخطاب، وكقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥) أى:

стр. 131

الأمر هذا، أو هذا كما ذكر. وقوله: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (١) ومنه قول الكاتب: (هذا باب). (٢/ ٥٣٠) وثالثهما: الانتهاء؛ كقوله (أبى نواس) [من الطويل]: وإنّى جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلت منك جدير فإن تولنى منك الجميل فأهله ... وإلّا فإنّى عاذر وشكور (٢/ ٥٣٠) وأحسنه: مأآذن بانتهاء الكلام؛ كقوله: (المعرى) [من الطويل]: بقيت بقاء الدّهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل (٢/ ٥٣١) وجميع فواتح السّور وخواتمها، واردة على أحسن الوجوه وأكملها؛ يظهر ذلك بالتأمّل، مع التذكّر لما تقدّم. وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم، اللهمّ اغفر لى بفضلك ولمن دعا لى بخير، واغفر لوالدى ولكلّ المسلمين. آمين. وصلّ وسلّم على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وأصحابهم والتابعين، خصوصا النبى المصطفى، والحبيب المجتبى، وآله وأصحابه. آمين. انتهى كتاب متن التلخيص للقزويني بحمد الله وعونه وتوفيقه وما توفيقى إلا بالله

стр. 132

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم تأليف العلّامة إبراهيم بن محمّد بن عربشاه عصام الدّين الحنفي المتوفىّ سنة ٩٤٣ هـ حقّقه وعلّق عليه الدكتور عبد الحميد هنداوي مدرّس البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة الجزء الأول

стр. 133

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [الخطبة] الحمد لله على كل حال، كما يستوعب مزايا الإفضال، ويستجلب خواص الإقبال، ويتسبب بالافتتاح به ختم كل أمر ذي بال، والشكر لمنشئ النعم المنزه عن المثال، على حسب ما يقتضيه شواهد النوال، والصلاة والسّلام على من بيده مفتاح الجنان ومصباح الجنان (١)، وكشف طرق الحق بأوضح بيان، اللسن الذي بلسانه تلخيص خير الأديان، وببيانه إيضاح أفضل ملل الإنسان، محمد المبعوث من أشرف قبائل بني عدنان وعلى آله وأصحابه الذين كان الدنيا عندهم أخصر من كل مختصر، وكانوا ما كانوا فيها غرباء بل كالمحتضر، فوصلوا بالفصل عن لذاتها إلى عيشة أبدية أطيب، وفازوا بكمال الانقطاع عنها لكمال الاتصال (٢) إلى حياة سرمدية أعذب، اللهم اجعل أوجز صلاة عليهم أطول من كل مطنب، واجعلهم في قلوب المؤمنين محبوبين لا يساوي حبهم حب كل أحب. (وبعد) فيقول المفتقر إلى الله الغني، إبراهيم بن محمد بن عربشاه الإسفراييني، إن أفضل ما يتمسك به في تحصيل الكمال، وأمثل ما يتوسل به إلى نيل خير الآمال، وأعز ما يعتصم به للترقي إلى ذروة الجلال، قول على آل النبي خير آل: لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال، وكيف لا وهو قاطع ربقة التقليد، الذي ابتلى صاحبه بأضيق تقييد، وبعد عن الحق الصريح غاية التبعيد، ولولا التقليد لما حرم عن معرفة الحق واحد من الجاهلين، ولما سمع منهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، من شاء ربه أن يكون العالم المتقن، وفقه بفقه الحكمة ضالة المؤمن، وجعله ملتزما أن يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، ولا يفرق في مقام الانتفاع بين البحر والجدول والنّهر، وعرفه أن الخطأ من لوازم البشر، وأنه لا يكون بغير الوحي في مقعد محض الصدق ومستقر.

стр. 134

ولا أظنك مرتابا في الصبح إن كنت بصيرا، عارفا بكريمه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، الحمد لله الذي هدانا لهذا في عنفوان أواني حتى ما رضيت بالتقليد أحدا، وما قنعت إلا بالتحقيق معتمدا؛ إلى أن جنيت من هذه الجنة ما جنيت، فلجمع كثير منه في شرح التلخيص هذا سعيت، وبأوضح تقرير وأملح تحرير أمليت، ولسالكي مناهج الحق بعين التحقيق أهديت، ولم أخف أن أشرح كتابا قد صرفت غاية همته في شرح كل باب فيه من الأبواب، جم غفير من فحول أصحاب العقول، وقوم عظيم من عظماء أرباب الألباب، سيما العالم الرباني، أستاذ الفضلاء العلامة التفتازاني (١)، والمحقق الحقاني، قدوة العلماء الشريف الجرجاني (٢)، روّح الله روحهما، ورزقنا غبوقهما وصبوحهما؛ كيف وقبض الصمد، لا يحيط به قبض أحد، وليس له حد، ولا يعرف له أمد؛ ولذلك ترى معي من بعدهم من مواهبه في هذا الكتاب ما يكاد يتحير فيه نواظر بصائر أرباب الذكاء؛ حيث زاد أي زيادة على ما امتلأ به أنهار المتأخرين وأجلة القدماء، فجاء بحمد الله تعالى عقدا مشتملا على فرائد اللآلى، لكل لفظ منه لفظ درر المعاني الغوالي، في أردان أذهان أذكياء الفضلاء الأعالي، وفي كل حرف منه للقلب العالي فرح في اصطياد أصناف المعالي، وكل نقطة منه لقطة نفيسة لأرباب الهمم العوالي، ظواهره مظاهر أزهار التحقيق، وبواطنه مواطن إثمار التدقيق، فلا غرو أن تجهد في اكتسابها بفكر عميق. يا ناظرا إلى قلة بضاعتي، وقصور باعتي؛ لا تكن مستبعدا لهذا النشو والنماء، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فنسأل (٣) من الله أن يجعله معينا للطلبة في فهم دقائق كتابه، وظهيرا للأجلة في علم حقائق خطابه، وذخرا لهذا العاجز الذليل، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعملا مبرورا له أجر غير ممنون، إنه المنعم لكافة البرايا بعامة

стр. 135

العطايا، وخاصة الصفايا. (قال) المصنف- ﵀: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله) الحمد: هو الثناء على الجميل الصادر بالاختيار على ما له الاشتهار، أو الصادر عن المختار، نعمة كانت أو غيرها، والشكر هو الإتيان بما يفيد التعظيم على النعمة، سواء كان ثناء أو غيره، فبينهما عموم من وجه؛ حيث يجتمعان في ثناء للنعمة، ويفارق الأول الثاني في ثناء على الفضيلة، ويفارقه الثاني فيما سوى الثناء مما يفعل بالأركان والجنان؛ لإفادة التعظيم للمنان. إذا تمهّد هذا فنقول: افتتح كتابه هذا بالبسملة التي الافتتاح بها أجل افتتاح باسم الله المتعال، ثم بالحمد البالغ أعلى درجات الكمال، من القول الدال على أنه تعالى مالك لجميع المحامد بالاستقلال، فحمد غيره كالعارية على نحو موجباته من الفضائل والأفضال، إذ الكل منه وإليه، وليس لغيره إلا مظهرية لما بين يديه؛ اقتداء بالكلام المجيد للعلام الحميد، وهربا عما جاء به السنة المشهورة لتاركهما من الوعيد، وأداء لحق شيء من النعم التي يذكرها هذا المختصر استبقاء للعتيد، واستيفاء للمزيد. واختار قوله الحمد لله موافقا للمنزل على قوله: الشكر لله، برب الناس (١)؛ تحسينا للبيان ببديع الاقتباس، وتبيينا لاختصاصهما؛ إذ اختصاص الحمد لاختصاص موجبه يوجب اختصاص الشكر من غير الانعكاس، واختاره على المدح تنبيها على أنه تعالى هو الفاعل المختار على ما عليه أرباب الملل الأخيار، ولا يشكل الحمد على صفاته تعالى لأنها مستندة إلى المختار، وأن ليست بالاختيار، أو منزلة منزلة الاختياري؛ لاستقلال الذات فيها من غير مدخلية شيء من الأغيار، ونصب الكتابة علامة على افتتاحة باقية على مديد من صفحة الدهر الغير (٢) المتناهي، إذ التيمن باسم الله، والافتتاح بحمده أجل منقبة بها الرجل يباهي، وبأجلة أئمة الدين واليقين يضاهي، ومع كون تلك الكتابة تلك العلامة على الحمد الحميد، شكر عظيم لا يخفى على شاكر رشيد؛ لأنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، وتمجيد الكريم الملهم، وجعلهما جزءا من

стр. 136

الكتاب، الذي هو العبارات المفيدة للمقاصد المكتوبة بين الدفتين، على ما هو المختار، أو هو نقوش الكتابة على احتمال ما، إتماما للاقتداء بالكلام، وإيماء للذكي الفهام، إن الحمد والبسملة أيضا كسائر ما بين الدفتين، في إيجاب الحمد، فيعجز كل ذي منة عن أداء محامده، بل شمّة، ولا يريبك فيّ ما ألفيت مما ألقيت عليك أنه مبني على جعل اللام في الحمد لام الاستغراق، وقد جعله العلامة الزمخشري (١) علامة تعريف الجنس ولا يوثق به؛ لأنه صرح بأن في هذا النظم دلالة على اختصاص الحمد به تعالى، فهو لا يتحاشى عن إفادة الاختصاص وإن يتحاش، فبناء على قاعدة الاعتزال من أن العباد هم الخالقون لأفعالهم؛ فالحمد على أفعالهم ليس حمدا له تعالى، ونحن- معاشر أهل السنة- ونخالفهم بناء على أن لا مؤثر إلا الله (٢)، فالمحامد ترجع إليه ولا تتعلق في الحقيقة بما سواه، على أنه قيل: إنما جعل التعريف للجنس دون الاستغراق من موجبات القرائن كما سيتحقق في بحث التعريف للجنس دون الاستغراق؛ إما لبيان أن مدلول اللام هو الجنس، والاستغراق من موجبات القرائن كما سيتحقق في بحث التعريف، وإما لاختيار إثبات اختصاص الأفراد بجعل اختصاص الجنس كناية عنه لأنه أبلغ. وما قدمناه لك من أن جملة الحمد قول دال على مالكيته تعالى بجميع المحامد، لا ينافي سلوك طريق الكناية وليس بالصريح في اختيار التصريح. (والله) كالرحمن، مختص بواجب الوجود، لم يطلقا على غيره فيما بين المتدينين وغيرهم، إلا أن الله اسم هو قسم من العلم، والرحمن صفة، وقد اشتهر الذات في ضمن اسم الله بالاتصاف بجميع صفات الكمال، كالحاتم بالجود في ضمن هذا الاسم؛ فهو يدل على جميع الصفات على سبيل الإجمال؛ ففي ذكره للحمد (٣) مزيد الإكمال؛ فلهذا اختير من بين الأسماء الحسنى المأثورة، فإن شيئا منها لا دلالة له عليه، والمتصف بجميع صفات الكمال، وما له من النظائر

стр. 137

والأمثال، كالكامل من كل وجه ليست من الأسماء المأثورة، على أنه لو قيل: الحمد للخالق أو الرازق أو غير ذلك؛ لأوهم أن علية ثبوت جميع المحامد له هي الصفة المخصوصة. قال الشارح المحقق: (قال) الحمد لله تنبيها على الاستحقاق الذاتي، أي الاستحقاق الغير المختص بوصف دون وصف، ثم تعرض للإنعام بعد الدلالة على استحقاق الذات تنبيها على تحقق الاستحقاقين، وفيه نظر؛ لأن التنبيه على الاستحقاق الذاتي لا يحصل بتعليق الحمد باسم العلم؛ لأنه لا يدل على علية الوصف، ولو سلم فاستحقاق جميع المحامد أو اختصاص جنس الحمد به لا يكون باعتبار كل وصف، حتى لا يختص الاستحقاق بوصف دون وصف، بل ذلك الاستحقاق بالنظر إلى جميع الأوصاف، وإنما الاستحقاق الذاتي لثبوت جنس الحمد، فإنه ثابت بالنظر إلى أي وصف كان. على أن تعليق الحمد بلفظ الله لو أفاد الاستحقاق الذاتي إنما يفيده لأن كل وصف له يوجب استحقاق الحمد، فيفيد الاستحقاق الوصفي أيضا، فلا يستدعي التنبيه عليه ذكر الوصف الخاص. وأيضا ليس تعليق الحمد بالذات كتعليقه بالإنعام على ما يدل عليه كلامه، فإن العلية المستفادة من التعليق باسم الذات هو علية الوصف لثبوت الحمد لله، والعلية المستفادة من التعليق بالإنعام علية الإنعام لإنشاء الحمد؛ إذ لو كان علة لثبوت الحمد له تعالى لكان المعنى أن جميع المحامد ثابتة لله تعالى لأجل الإنعام، ولا يخفى عدم صحته؛ وتحقيق ذلك أن العلل المذكورة بعد الإنشاءات وقد تكون علة للإنشاء، وقد تكون علة لما تعلق به الإنشاء، فعلى الأول إنشاء معلل، وعلى الثاني إنشاء معلل، وعلى الأول: قوله: على ما أنعم، من جملة المحمود به، وعلى الثاني: خارج عنه محمود عليه، وبهذا ظهر أنه لا تنافي بين جعل الإنعام علة للحمد وجعله غير مختص بوصف دون وصف، فنقول تعرض للإنعام لأن الداعي إلى الحمد تأليف هذا المختصر الذي هو من آثار الإنعام، وقدم الحمد لأنه مسند إليه في الحال، وعامل في قوله لله في الأصل؛ لأن أصله حمد الله، وهو من المصادر السادّة مسدّ الأفعال، عدل إلى الرفع للدلالة على الدوام والثبات، فمرتبته التقدم حالا ومآلا وليكون اقتباسا على ما مر.

стр. 138

وأما تأخير الله في الكلام القديم؛ فليتصل بما ذكره بعده مما يتعلق به، قال الشارح: وقدم الحمد لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به، وإن كان ذكر الله أهم في نفسه، وأورد عليه أن الحمد مجموع قول القائل: الحمد لله، ولا اختصاص بالحمد لكلمة الحمد، بل جزأ الجملة متساوية النسبة إلى الحمد، ويمكن أن يدفع بأن للحمد اختصاصا غير الجزئية باعتبار صدق مفهومه على هذا الحد. (على ما أنعم) تعليل لإنشاء الحمد، و (على) تعليلية كما في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (١) أي لما هداكم، و (ما) حرفية مصدرية لا اسمية موصولة، أو موصوفة إما لفظا فلاحتياج الاسمية إلى تقدير العائد في المعطوف بتكلف، أي: وعلم به من البيان ما لم نعلم، فيكون من البيان بيان ما لم نعلم، ويكون ما علم به عبارة عما يتوقف عليه التعليم من الشعور وغيره، أو: وعلمه من البيان وقت عدم العلم بأن يكون ما لم نعلم مصدرا حينيا، لا للاحتياج في المعطوف هو عليه إلى التقدير كما ذكره الشارح المحقق؛ لأن احتياج أنعم إلى التقدير أو التنزيل منزلة اللازم لا يندفع بجعل ما مصدرية، وما ذكره الشارح أيضا في التقدير في المعطوف متعذر لكون (ما لم نعلم) مفعوله، وجعله بدلا من الضمير- تعسف؛ وكذا جعله خبر مبتدأ محذوف أو مفعول أعني فمذهول عما ذكرناه. وإما معنى؛ فلأن الحمد على ما قام بالمنعم أمكن من الحمد على ما يتعلق به ما قام به من نفس النعم إما لأن دعوة النعمة إلى حمد المنعم لارتباطها به بواسطة الإنعام، بخلاف الإنعام، فإنه مرتبط به بنفسه، وإما لأنه أدخل في الإخلاص لأن النظر في النعمة على وصوله إلى العبد بخلاف الإنعام، فإن النظر فيه على إحضار كمال المحمود، ولتجريد النظر عن شوب الالتفات إلى ما يصل إليه، والمبالغة في قصر النظر على الكمال لم يتعرض للمنعم به. ثم بعد الحمد على الإنعام أراد الحمد على ما هو مدار الحمد من البيان تنبيها على أن الحمد أيضا مما يوجب الحمد، لما يشتمل عليه من جلائل النعم؛ فلا يكون الخروج عن عهدته مقدورا، فعطف على أنعم ما اندرج تحته فقال: (وعلم من البيان ما لم نعلم) بطريق عطف الخاص على العام؛ تنبيها على فضله

стр. 139

على ما عداه من الإنعام، وأراد بما لم نعلم: ما لم نعلم بوجه من الوجوه، وذلك التعليم لا يتأتى إلا من الله، فإن المعلم إنما يعلم بوجه ما ما نعلم بوجه آخر، فلا يكون ذكره تطويلا، وقيل: إن المراد ما لم نكن نعلم، أخذا من قوله تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (١) أي ما لم نف جوابا ما نعلم به، ودفع التطويل لا يتم بمجرد إثبات فائدة رعاية السجع كما قيل، أو فائدة صنعة الطباق ورعاية تناسب الاشتقاق، لأن هذه محسنات بديعية، ولا بد لدفع التطويل مما يدخل في أصل البلاغة. وقوله: (من البيان بيان لما لم نعلم) قدم عليه لرعاية السجع وفيه ترك رعاية جانب المعنى لرعاية جانب اللفظ إذ حق البيان أن يتأخر عن المبهم ليتمكن بالبيان في النفس فضل تمكن، ولا يرد أن رعاية السجع لا تقتضي تقديم البيان، إذ يمكن بأن يقال: وما لم نعلم من البيان علم؛ لأن فيه أيضا تأخير الفعل على خلاف الأصل، وإيهام أن ما لم نعلم هو المحمود عليه، ولا يخفى حسن البيان وما فيه من براعة الاستهلال، ثم أتى بالصلاة تكميلا للشكر؛ إذ ورد في الشرع من لم يشكر الناس لم يشكر الله، واقتفاء لما علمنا الله من جعل ذكره مقارنا لذكر نبيه في كلمة التوحيد، فقارن بين حمد الله وصلاة نبيه وإظهارا لحاجة النبي إليه، مع أنه أفضل المخلوقات، ومظهر خوارق العادات، صيانة عن وقوع هذه الأمة فيما وقع فيه النصارى، فقال: (والصلاة) وهي من الله الرحمة، وكلمة (على) متعلقة بالنزول؛ أي الرحمة نازلة. (على سيدنا) أي سيد خير الأمم أو البشر أو المخلوقات، وعلى كل تقدير يفيد سيادته المبالغة في الحامدية، وهو أحمد لجميع المخلوقات (محمد) أي من حمد كثيرا، اشتق له من الحمد اسمان: أحدهما يفيد المبالغة في المحمودية والآخر المبالغة في الحامدية، وهو أحمد، واشتهر من بين الاسمين الأول أكثر اشتهار، وخصّ به كلمة التوحيد لأنه أنسب بما له من مقام المحبوبية، ووصفه بقوله: (خير من نطق بالصواب) على المذهب الراجح من تفضيل خواص البشر على خواص الملك، والمراد بالصواب ضد الخطأ فإما أن يراد به الصواب في التكلم

стр. 140

وعدم الخطأ فيه فصاحة وبلاغة وهو أنسب بالمقام، وإما أن يراد به مطابقة النطق، وبراءته عن الكذب، وفيه مسألة عصمة النبي عن الكذب، واختار الوصف به؛ لأنه مما وصف الله به الملائكة المقربين؛ حيث قال: وَقالَ صَواباً (١) ثم فضله ثانيا على الأنبياء صريحا بقوله: (وأفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب) يحتمل العطف على (أوتي الحكمة) فيكون جملة فعلية، كما يحتمل العطف على الحكمة عطف مفرد على مفرد، وهو الحكمة، ولم يتحاش من حديث «لا تفضلوني على موسى» (٢) ومن حديث «لا تفضلوني على يونس بن متى» (٣)؛ لأن المذهب أنه أفضل الأنبياء، وكل نهي ورد في الأحاديث عن تفضيله مؤول تكلف يطلب تأويله في شروح كتب الحديث، واختار الإبقاء على من له الحكمة ومن جاء بالحكمة تنبيها على أنه من عند الله لا من عند نفسه، وترك الفاعل لأنه متعين. (والحكمة): العدل والعلم والنبوة على ما في القاموس، وفسرها الكشاف بعلم الشرائع (وفصل الخطاب) بمعنى الخطاب الفاصل بين ما قصد به وغيره بكمال وضوحه فيما قصد به، أو الخطاب المفصول المتميز عن غيره لذلك، أو الخطاب الفاصل بين الحق والباطل، والخطاب المفصول المتميز عن غيره بحيث لا يشتبه بكلام البشر لإعجازه، فيكون إشارة إلى المعجزة الباقية بعد الإشارة إلى النبوة في وجه، جمعا بين المدلول والدليل في وجه، وبين العلم وحسن التعليم والتبليغ في وجه. (وعلى) أعاد كلمة (على) ردّا على الشيعة أن جمع الآل مع الرسول في الصلاة بكلمة (على) لا يجوز، ويجب ترك الفصل بينه وبين آله. (آله) أصله: أهل بدليل أهيل، خص استعماله في الأشراف، ومن له خطر، بمعنى أنه لا يستعمل إلا في من هو أهل الأشراف، بحسب الدين أو الدنيا. قال صاحب الكشاف: ينافي تصغيره اختصاصه بالأشراف، وكأنه يريد

стр. 141

أنه بعد الاختصاص لم يصغر لمنافاته بحسب الوضع للتحقير، وما روي عن الكسائي (١) أنه سمع أعرابيّا يقول أهل وأهيل وآل وأويل كان قبل التخصيص، فأهيل ليس تصغيرا إلا للأهل؛ لا للآل فما اعترض به من أن الشرف بحسب ما أضيف إليه لا ينافي التحقير بحسب نفسه، وأن التصغير يكون للتعظيم، وما يمكن أن يورد من أن التصغير المنقول لا يصح أن يكون قبل التخصيص مندفع؛ لأنه تنبيه على عدم تصغير الآل بعد التخصيص، وبيان سره على أن التصغير يكون لتحقير الشيء في مفهومه ما صغر به، فالرجيل تحقير في الرجولية، فتصغير الآل يكون لتحقيره في الألية، فلا يناسب في لفظ يقصد به شرف الألية، ويجيء الآل بمعنى الأتباع، فلو حمل على أهل بيت النبي فالصلاة عليه وعلى الأصحاب لأداء حقوقهم علينا؛ لأنهم وسائط بيننا وبين الرسول، كما أن الرسول واسطة بيننا وبين الله تعالى، ولو أريد به الاتباع يكون اقتداء به ﵇ في الدعاء للأمة فإن أمر أمته كان جل همته، ويكون ذكر الأصحاب المشتمل على أهل البيت تخصيصا بعد التعميم لشرفهم. (الأطهار) نفى الجوهري كون الأفعال جمع فاعل، فلذا قال: المثل المشهور من قولهم أحياءها أبناءها أي جماعة جنوا على الدار يهدمها هم الذين بنوها- أظنه تحريف جناتها بناتها (٢)، فلذا قيل: جمع طهر مصدرا مستعملا في الطاهر مبالغة، لكن يتجه عليه أنه ينافي ما في الكشاف أن الحرض في قوله تعالى: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٣) يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لكونه مصدرا، وفي القاموس: طهر كنصر وكرم فهو طاهر وطهر وطهير والجمع أطهار. (وصاحبته) هو في الأصل مصدر كالصحابة بالكسر يستعملان في الرفقاء، والمراد أصحاب الرسول، وهم الذين طالت صحبتهم مع النبي مسلمين، وقيل: شرط الرواية، وقيل: هم مسلمون رأوا النبي ﷺ .

стр. 142

(الأخيار) في القاموس جمع خير مخففا أو مشددا، على وزن سيد بمعنى كثير الخير، أو جمع خير مشددا بمعنى كثير الخير في الدين والصلاح، والمخفف في الجمال وأثر الحسن، وكأنه بهذا الاعتبار، قال الشارح: جمع خير بالتشديد فإن المناسب هو المدح بالدين والصلاح لا بالحسن والجمال، وليس جمع خير اسم تفضيل، وإن كان يلائم وصف الأصحاب به ما روي عنه ﷺ : «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)؛ لأن خيرا لا يتغير في التأنيث والجمع والتثنية على ما في الصحاح، وقال في القاموس: إذا أردت التفضيل تقول فلان خير الناس وفلانة خير الناس. (أما) لتفصيل مجمل سابق، مع التأكيد لمضمون الجزاء، وقد يستعمل لمجرد التأكيد، كذا في الرضى، فهي هنا للتأكيد، وتصحيح التفصيل هنا بتمحلات في التقدير خال عن التحصيل (بعد) أي بعد الحمد والصلاة، هذا هو المشهور في هذا المقام، ونظائره، والحق بعد البسملة والحمد والصلاة، والمقصود منه تذكير ابتداء تأليفه بهذه الأمور المتبركة ليكون مع التبرك والتيمن آن الشروع غير ذاهل عنها، فيزيد في التيمن والتبرك والفصل لأن ما سبق إنشاءات وما سيأتي إخبارات وتحقيق كلمة أما وبعد أغناك عنه قطع مسالك معرفتهما وإعراب علم آخر عنه، فلا يناسب قصد نحوهما هنا. (فلما كان) لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، بحيث يكون وقوع الثاني مع الأول معية المسبب مع السبب المقتضي؛ فيلزم من ذلك اتحاد زمانهما، وهل الزمان مدلوله، فيكون اسما كمتى؟ ذهب إليه ابن السراج وأبو علي، وابن جني (٢)، وجماعة، ورده ابن خروف لصحة «لما أسلم دخل الجنة» وأجيب بأنه مبني على المبالغة، وكلام سيبويه محتمل حيث قال: لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، وإنما يكون مثل (لو) فإنه يحتمل القصد إلى أنه مثل لو في المضي أو في عدم العمل، والقصد إلى أنه حرف، وهذا مسلك يصعب فيه القطع، وإن جزم الشارح بكونه

стр. 143

اسما وجعل كونه حرفا وهما، وبالجملة يليه ماض محقق أو مقدر لفظا ومعنى. وجوابه أيضا يكون ماضيا ربما يكون مقرونا بالفاء بالاتفاق، واختلف في وقوعه جملة اسمية مقرونة بالفاء أو إذا الفجائية، وفعلا مضارعا، وإن شهد بالكل القرآن. (علم البلاغة) أي علم الغرض من تدوينه تحصيل البلاغة، وهو علم المعاني الذي الغرض منه تحصيل ملكة تأدية المعاني الزائدة على أصل المراد على وجه الصواب، وعلم البيان الذي الغرض منه تحصيل ملكة تأدية المعنى الواحد بطرق مختلفة على وجه الصواب، وأما ما سواهما مما تتوقف عليه البلاغة، فالغرض من تدوينها تأدية أصل المعنى على وجه الصواب، ولهذا يستوي فيه الخواص والعوام، وكذا المراد بعلم توابعها علم دون لمعرفة توابع البلاغة (١)، فلا يرد أنه لو أريد بعلم البلاغة العلم كان عطف (وتوابعها) عطفا على جزء العلم، ويكون ضمير توابعها راجعا إلى جزء العلم، وإن أريد المركب الإضافي فإن جعل بمعنى علم يتعلق بالبلاغة دخل فيه النحو والصرف ومتن اللغة، وإن أريد علم له مزيد اختصاص بالبلاغة فليس له ضابط يقتضي دخول المعاني والبيان وخروج البواقي. (من أجلّ العلوم قدرا) تمييز إما من نسبة الأجل إلى العلوم، فيكون أصله: ولما كان علم البلاغة وتوابعها من أجل قدر العلوم، وإما من نسبة الأجل إلى علم البلاغة فيكون أصله: ولما كان علم البلاغة وتوابعها من قدر أجلّ العلوم، وعلى التقديرين لا بد من تقدير مضاف في علم البلاغة، ومن تقدير معطوف عليه، أي لما كان قدر علم البلاغة وسره من أجل قدر العلوم وأدق سرها وليس لك أن تجعل قدرا تمييزا عن نسبة الأجل إلى فاعله المضمر، وإن كنت تستغني عن التقدير؛ إذ الأصل حينئذ لما كان علم البلاغة وتوابعها من طائفة أجل قدرها من العلوم لأنه يلزم عمل اسم التفضيل في الظاهر من غير شرط، والقدر كالفرس والخيل المقدار.

стр. 144

(وأدقها سرّا) هو ما يكتم، أو لبّ الشيء، وإنما جعل علم البلاغة وتوابعها من أجل العلوم قدرا لأنه أراد تفضيل كل واحد من أفراد علم البلاغة وعلم توابعها وهي ثلاثة: علم المعاني، والبيان، والبديع، فلا يصح جعل كل أجل جميع العلوم والألزم تفضيل الشيء على نفسه بل لا بد من اعتبار الثلاثة طائفة هي أجل العلوم، وجعل كل واحد منها؛ فيستفاد جعل كل أجل مما سوى الثلاثة وحينئذ يتجه أن كلا منها ليس أجل من شيء من أصول الشرع وفروعه، فيجاب بأن المراد بالمفضل عليه العلوم العربية كما يتبادر من إطلاقها في كتب العربية، وهذا هو الجواب الحق، وأما ما قال الشارح المحقق من أنه لا حاجة إلى التخصيص لأنه لم يجعله أجل العلوم بل من طائفة هي أجل العلوم، ولا يلزم منه كونه أجل من جميع ما سواه ففيه أنه حينئذ لم يعلم لهذا العلم درجة يعتد بها مزيد اعتداد فيما بين العلوم العربية، لأنه يجوز أن لا يكون أجل من شيء منها أو لا يكون أجل إلا من واحد منها، وكذا ما قاله من أن هذا ادعاء منه، وكل حزب بما لديهم فرحون، فللفرح به يدعي، ولا يبالي بمخالفة الواقع فيه أن أهل الملة لا يفرحون بشيء بحيث يدعون تفضيله على علم الدين. على أن قوله: لا حاجة إلى التخصيص يشعر بأن الظاهر الإطلاق، وقد عرفت أن الظاهر من إطلاق أرباب العربية التخصيص وأن الاستدلال عليه يشعر بأنه ليس ادعاء، إلا أن يقال إنه صورة استدلال ترويجا للادعاء، وحينئذ لا يناسب المنازعة في مقدمات الدليل، ولا يحمل مؤنة التوجيه لدفعها. (إذ به يعرف) مباشر مكتسبي السليقة فلا يرد أن العرب تعرف بالسليقة من غير علم البلاغة وتوابعها، وقال الشارح: أراد الحصر الإضافي أي به يعرف لا بغيره من العلوم (دقائق العربية) أي اللغة العربية أو العلوم العربية (وأسرارها) وهي أدق الدقائق والأسرار؛ فيكون أدقها سرّا، وإنما قدم بيان كونه أدق العلوم سرّا لأن ما ذكره في بيان كونه أجل العلوم قدرا إنما ينكشف بما ذكره في بيان كونه أدق العلوم سرّا. (ويكشف) على صيغة المجهول معطوف على يعرف على صيغة المجهول مشارك له في الظرف المقدم؛ أي به يكشف، ولا يصح أن يكون على صيغة المعلوم

стр. 145

مسندا إلى ضمير علم البلاغة فيكون في تقدير: إذ يكشف علم البلاغة عن وجوه الإعجاز أستارها لأنه وإن يغنيك عن تصحيح الحصر المنتقض بالكشف بالسليقة والكشف بعلم الكلام فإنه أثبت فيه إعجازه بالبلاغة؛ لكنه يمنع عنه وجوب نصب الأستار حينئذ لتوقف مصلحة السجع على رفعه، وحينئذ تصحيح الحصر إما بالنسبة إلى السليقة فقد عرفت، وإما بالنسبة إلى الكلام؛ فأولا: بأن المراد الحصر بالنسبة إلى غيره من العلوم العربية، إذ حققنا أن الدعوى كونه أجلها لا أجل جميع العلوم. وثانيا: بأن كشف الكلام لا يتم بدون هذا العلم؛ لأن الإعجاز إنما يعرف بالذوق المكتسب منه، وليس مدركه إلا الذوق بكونه معجزا، ولا يعرف بالتحقيق إلا بهذا العلم (عن وجوه الإعجاز) أي عن أسباب الإعجاز، وهو ما يراعيه المتكلم في كلامه والمزايا والخصوصيات، فبمعرفة هذه الوجوه ورعايتها يحصل ذوق يدرك به أن القرآن يخرج عن أن يتمكن البشر من الإتيان بمثله، فمعرفة الوجوه تحصل بالكشف عنها، ومعرفة الإعجاز لا يمكن بالكشف عنه، بل بالذوق المكتسب من كثرة استعمال الوجوه المكشوفة بهذا العلم، فلذا قال: يكشف عن وجوه الإعجاز، ولم يقل: عن الإعجاز، فلا يرد أنه ينافي ما ذكره المفتاح أنه لا يمكن كشف القناع عن الإعجاز، بل مدركه الذوق ليس إلا، وما ذكرنا مما يصرح به صاحب المفتاح حيث يقول: اعلم أن شأن الإعجاز أمر غريب يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين (١)، نعم للبلاغة وجوه ملثمة (٢) ربما يتيسر إماطة اللثام عنها؛ ليتجلى عليك، وأما نفس وجه الإعجاز فلا، هذا والشارح لما لم يفرق بين الكشف عن وجوه الإعجاز والكشف عنه حمل الكشف على المعرفة دون الوصف، ودفع الإشكال بأن المراد بكشف معرفة الإعجاز وبعدم إمكان كشف المفتاح عن الإعجاز عدم إمكان وصفه ومنهم من قال: معنى قول المصنف: إنه يكشف بهذا
следующие страницы →