أنه بعد الاختصاص لم يصغر لمنافاته بحسب الوضع للتحقير، وما روي عن الكسائي (١) أنه سمع أعرابيّا يقول أهل وأهيل وآل وأويل كان قبل التخصيص، فأهيل ليس تصغيرا إلا للأهل؛ لا للآل فما اعترض به من أن الشرف بحسب ما أضيف إليه لا ينافي التحقير بحسب نفسه، وأن التصغير يكون للتعظيم، وما يمكن أن يورد من أن التصغير المنقول لا يصح أن يكون قبل التخصيص مندفع؛ لأنه تنبيه على عدم تصغير الآل بعد التخصيص، وبيان سره على أن التصغير يكون لتحقير الشيء في مفهومه ما صغر به، فالرجيل تحقير في الرجولية، فتصغير الآل يكون لتحقيره في الألية، فلا يناسب في لفظ يقصد به شرف الألية، ويجيء الآل بمعنى الأتباع، فلو حمل على أهل بيت النبي فالصلاة عليه وعلى الأصحاب لأداء حقوقهم علينا؛ لأنهم وسائط بيننا وبين الرسول، كما أن الرسول واسطة بيننا وبين الله تعالى، ولو أريد به الاتباع يكون اقتداء به ﵇ في الدعاء للأمة فإن أمر أمته كان جل همته، ويكون ذكر الأصحاب المشتمل على أهل البيت تخصيصا بعد التعميم لشرفهم.
(الأطهار) نفى الجوهري كون الأفعال جمع فاعل، فلذا قال: المثل المشهور من قولهم أحياءها أبناءها أي جماعة جنوا على الدار يهدمها هم الذين بنوها- أظنه تحريف جناتها بناتها (٢)، فلذا قيل: جمع طهر مصدرا مستعملا في الطاهر مبالغة، لكن يتجه عليه أنه ينافي ما في الكشاف أن الحرض في قوله تعالى:
حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٣) يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لكونه مصدرا، وفي القاموس: طهر كنصر وكرم فهو طاهر وطهر وطهير والجمع أطهار.
(وصاحبته) هو في الأصل مصدر كالصحابة بالكسر يستعملان في الرفقاء، والمراد أصحاب الرسول، وهم الذين طالت صحبتهم مع النبي مسلمين، وقيل:
شرط الرواية، وقيل: هم مسلمون رأوا النبي ﷺ .
стр. 142
(الأخيار) في القاموس جمع خير مخففا أو مشددا، على وزن سيد بمعنى كثير الخير، أو جمع خير مشددا بمعنى كثير الخير في الدين والصلاح، والمخفف في الجمال وأثر الحسن، وكأنه بهذا الاعتبار، قال الشارح: جمع خير بالتشديد فإن المناسب هو المدح بالدين والصلاح لا بالحسن والجمال، وليس جمع خير اسم تفضيل، وإن كان يلائم وصف الأصحاب به ما روي عنه ﷺ : «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)؛ لأن خيرا لا يتغير في التأنيث والجمع والتثنية على ما في الصحاح، وقال في القاموس: إذا أردت التفضيل تقول فلان خير الناس وفلانة خير الناس.
(أما) لتفصيل مجمل سابق، مع التأكيد لمضمون الجزاء، وقد يستعمل لمجرد التأكيد، كذا في الرضى، فهي هنا للتأكيد، وتصحيح التفصيل هنا بتمحلات في التقدير خال عن التحصيل (بعد) أي بعد الحمد والصلاة، هذا هو المشهور في هذا المقام، ونظائره، والحق بعد البسملة والحمد والصلاة، والمقصود منه تذكير ابتداء تأليفه بهذه الأمور المتبركة ليكون مع التبرك والتيمن آن الشروع غير ذاهل عنها، فيزيد في التيمن والتبرك والفصل لأن ما سبق إنشاءات وما سيأتي إخبارات وتحقيق كلمة أما وبعد أغناك عنه قطع مسالك معرفتهما وإعراب علم آخر عنه، فلا يناسب قصد نحوهما هنا.
(فلما كان) لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، بحيث يكون وقوع الثاني مع الأول معية المسبب مع السبب المقتضي؛ فيلزم من ذلك اتحاد زمانهما، وهل الزمان مدلوله، فيكون اسما كمتى؟ ذهب إليه ابن السراج وأبو علي، وابن جني (٢)، وجماعة، ورده ابن خروف لصحة «لما أسلم دخل الجنة» وأجيب بأنه مبني على المبالغة، وكلام سيبويه محتمل حيث قال: لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، وإنما يكون مثل (لو) فإنه يحتمل القصد إلى أنه مثل لو في المضي أو في عدم العمل، والقصد إلى أنه حرف، وهذا مسلك يصعب فيه القطع، وإن جزم الشارح بكونه
стр. 143
اسما وجعل كونه حرفا وهما، وبالجملة يليه ماض محقق أو مقدر لفظا ومعنى.
وجوابه أيضا يكون ماضيا ربما يكون مقرونا بالفاء بالاتفاق، واختلف في وقوعه جملة اسمية مقرونة بالفاء أو إذا الفجائية، وفعلا مضارعا، وإن شهد بالكل القرآن.
(علم البلاغة) أي علم الغرض من تدوينه تحصيل البلاغة، وهو علم المعاني الذي الغرض منه تحصيل ملكة تأدية المعاني الزائدة على أصل المراد على وجه الصواب، وعلم البيان الذي الغرض منه تحصيل ملكة تأدية المعنى الواحد بطرق مختلفة على وجه الصواب، وأما ما سواهما مما تتوقف عليه البلاغة، فالغرض من تدوينها تأدية أصل المعنى على وجه الصواب، ولهذا يستوي فيه الخواص والعوام، وكذا المراد بعلم توابعها علم دون لمعرفة توابع البلاغة (١)، فلا يرد أنه لو أريد بعلم البلاغة العلم كان عطف (وتوابعها) عطفا على جزء العلم، ويكون ضمير توابعها راجعا إلى جزء العلم، وإن أريد المركب الإضافي فإن جعل بمعنى علم يتعلق بالبلاغة دخل فيه النحو والصرف ومتن اللغة، وإن أريد علم له مزيد اختصاص بالبلاغة فليس له ضابط يقتضي دخول المعاني والبيان وخروج البواقي.
(من أجلّ العلوم قدرا) تمييز إما من نسبة الأجل إلى العلوم، فيكون أصله: ولما كان علم البلاغة وتوابعها من أجل قدر العلوم، وإما من نسبة الأجل إلى علم البلاغة فيكون أصله: ولما كان علم البلاغة وتوابعها من قدر أجلّ العلوم، وعلى التقديرين لا بد من تقدير مضاف في علم البلاغة، ومن تقدير معطوف عليه، أي لما كان قدر علم البلاغة وسره من أجل قدر العلوم وأدق سرها وليس لك أن تجعل قدرا تمييزا عن نسبة الأجل إلى فاعله المضمر، وإن كنت تستغني عن التقدير؛ إذ الأصل حينئذ لما كان علم البلاغة وتوابعها من طائفة أجل قدرها من العلوم لأنه يلزم عمل اسم التفضيل في الظاهر من غير شرط، والقدر كالفرس والخيل المقدار.
стр. 144
(وأدقها سرّا) هو ما يكتم، أو لبّ الشيء، وإنما جعل علم البلاغة وتوابعها من أجل العلوم قدرا لأنه أراد تفضيل كل واحد من أفراد علم البلاغة وعلم توابعها وهي ثلاثة: علم المعاني، والبيان، والبديع، فلا يصح جعل كل أجل جميع العلوم والألزم تفضيل الشيء على نفسه بل لا بد من اعتبار الثلاثة طائفة هي أجل العلوم، وجعل كل واحد منها؛ فيستفاد جعل كل أجل مما سوى الثلاثة وحينئذ يتجه أن كلا منها ليس أجل من شيء من أصول الشرع وفروعه، فيجاب بأن المراد بالمفضل عليه العلوم العربية كما يتبادر من إطلاقها في كتب العربية، وهذا هو الجواب الحق، وأما ما قال الشارح المحقق من أنه لا حاجة إلى التخصيص لأنه لم يجعله أجل العلوم بل من طائفة هي أجل العلوم، ولا يلزم منه كونه أجل من جميع ما سواه ففيه أنه حينئذ لم يعلم لهذا العلم درجة يعتد بها مزيد اعتداد فيما بين العلوم العربية، لأنه يجوز أن لا يكون أجل من شيء منها أو لا يكون أجل إلا من واحد منها، وكذا ما قاله من أن هذا ادعاء منه، وكل حزب بما لديهم فرحون، فللفرح به يدعي، ولا يبالي بمخالفة الواقع فيه أن أهل الملة لا يفرحون بشيء بحيث يدعون تفضيله على علم الدين.
على أن قوله: لا حاجة إلى التخصيص يشعر بأن الظاهر الإطلاق، وقد عرفت أن الظاهر من إطلاق أرباب العربية التخصيص وأن الاستدلال عليه يشعر بأنه ليس ادعاء، إلا أن يقال إنه صورة استدلال ترويجا للادعاء، وحينئذ لا يناسب المنازعة في مقدمات الدليل، ولا يحمل مؤنة التوجيه لدفعها.
(إذ به يعرف) مباشر مكتسبي السليقة فلا يرد أن العرب تعرف بالسليقة من غير علم البلاغة وتوابعها، وقال الشارح: أراد الحصر الإضافي أي به يعرف لا بغيره من العلوم (دقائق العربية) أي اللغة العربية أو العلوم العربية (وأسرارها) وهي أدق الدقائق والأسرار؛ فيكون أدقها سرّا، وإنما قدم بيان كونه أدق العلوم سرّا لأن ما ذكره في بيان كونه أجل العلوم قدرا إنما ينكشف بما ذكره في بيان كونه أدق العلوم سرّا.
(ويكشف) على صيغة المجهول معطوف على يعرف على صيغة المجهول مشارك له في الظرف المقدم؛ أي به يكشف، ولا يصح أن يكون على صيغة المعلوم
стр. 145
مسندا إلى ضمير علم البلاغة فيكون في تقدير: إذ يكشف علم البلاغة عن وجوه الإعجاز أستارها لأنه وإن يغنيك عن تصحيح الحصر المنتقض بالكشف بالسليقة والكشف بعلم الكلام فإنه أثبت فيه إعجازه بالبلاغة؛ لكنه يمنع عنه وجوب نصب الأستار حينئذ لتوقف مصلحة السجع على رفعه، وحينئذ تصحيح الحصر إما بالنسبة إلى السليقة فقد عرفت، وإما بالنسبة إلى الكلام؛ فأولا: بأن المراد الحصر بالنسبة إلى غيره من العلوم العربية، إذ حققنا أن الدعوى كونه أجلها لا أجل جميع العلوم.
وثانيا: بأن كشف الكلام لا يتم بدون هذا العلم؛ لأن الإعجاز إنما يعرف بالذوق المكتسب منه، وليس مدركه إلا الذوق بكونه معجزا، ولا يعرف بالتحقيق إلا بهذا العلم (عن وجوه الإعجاز) أي عن أسباب الإعجاز، وهو ما يراعيه المتكلم في كلامه والمزايا والخصوصيات، فبمعرفة هذه الوجوه ورعايتها يحصل ذوق يدرك به أن القرآن يخرج عن أن يتمكن البشر من الإتيان بمثله، فمعرفة الوجوه تحصل بالكشف عنها، ومعرفة الإعجاز لا يمكن بالكشف عنه، بل بالذوق المكتسب من كثرة استعمال الوجوه المكشوفة بهذا العلم، فلذا قال:
يكشف عن وجوه الإعجاز، ولم يقل: عن الإعجاز، فلا يرد أنه ينافي ما ذكره المفتاح أنه لا يمكن كشف القناع عن الإعجاز، بل مدركه الذوق ليس إلا، وما ذكرنا مما يصرح به صاحب المفتاح حيث يقول: اعلم أن شأن الإعجاز أمر غريب يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين (١)، نعم للبلاغة وجوه ملثمة (٢) ربما يتيسر إماطة اللثام عنها؛ ليتجلى عليك، وأما نفس وجه الإعجاز فلا، هذا والشارح لما لم يفرق بين الكشف عن وجوه الإعجاز والكشف عنه حمل الكشف على المعرفة دون الوصف، ودفع الإشكال بأن المراد بكشف معرفة الإعجاز وبعدم إمكان كشف المفتاح عن الإعجاز عدم إمكان وصفه ومنهم من قال: معنى قول المصنف: إنه يكشف بهذا
стр. 146
العلم عن وجوه الإعجاز لو أحيط بهذا العلم، وحكم المفتاح بامتناع الكشف لامتناع الإحاطة، ولا ينافي وليس بشيء؛ لأنه لا يمكن وصف الإعجاز وبيانه للغير؛ لأنه ما لا يمكن معرفته إلا بالذوق، فلو كان من يوصف له صاحب هذا الذوق فهو مدركه بالذوق لا بالوصف، وإلا فلا يدرك بالوصف. على أن المقصود بيان جلالة العلم بجلالة غايته، فإذا لم تحصل تلك الغاية لأحد فأية فائدة في بيان تلك الغاية له؟ ثم هذا دليل على قوله أجل العلوم قدرا، وجهات شرف العلوم ثلاثة لا تعدوها في اعتبارهم شرف الموضوع، وشرف المسائل لكونها يقينية، وشرف الغاية، فلا شرف للعلوم الظنية باعتبار المسائل. إذا عرفت هذا فملخص الاستدلال أن علم البلاغة يعرف به الإعجاز، فهو أجل موضوعات عن سائر العلوم العربية، وأجل غاية.
أما الأول، فلأنه باحث عن اللفظ العربي البليغ من حيث يتعلق به الإعجاز، واللفظ العربي البليغ من هذه الحيثية أشرف من اللفظ العربي العاري عن هذه الحيثية، وهو موضوع سائر العلوم العربية.
وأما الثاني، فلأن غايته التصديق بجميع ما جاء به النبي ﷺ على ما قيل أو التصديق بأن القرآن كلام الله، وهو من أجلّ غايات سائر العلوم العربية، وبهذا ظهر ضعف ما قال الشارح المحقق من أن معلوم علم البلاغة أن القرآن معجزة، وهذه وسيلة إلى تصديق النبي- ﵇ في جميع ما جاء به ليقتفي بأثره فيفاز بالسعادة الدنيوية والأخروية، فيكون من أجلّ العلوم لكون معلومه من أجلّ المعلومات، وغايته من أشراف الغايات؛ لأن معرفة أن القرآن معجز غاية هذا العلم، وليس منه، ولا شرف لهذا العلم باعتبار مسائله لأنه ظني.
(في نظم القرآن أستارها) نظم القرآن تأليف كلماته مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل (١)، بخلاف نظم الحروف فإنه تواليها من غير اعتبار معنى يقتضيه، حتى لو قيل مكان ضرب ربض، لم يخل بنظم الحروف، وليس الإعجاز بمجرد الألفاظ وإلا لما كان للطائف العلمين مدخل فيه؛
стр. 147
لأنها لا تتعلق بنفس اللفظ فلذا اختار النظم على اللفظ. ولأن فيه استعارة لطيفة متضمنة بجعل كلمات القرآن كالدرر، وكذا في الشرح، وفيه أولا: أن النظم ليس مجرد تأليف كلماته على الوجه المذكور؛ بل يكون تأليف أجزائها أيضا، ولا يتم بدون تأليف جملة أيضا، كذلك إذ النظم كما يتعلق بكلام واحد يتعلق بكلامين أو أكثر، فالصواب: والنظم تأليف أجزائه ... إلخ؛ والنظم يتحقق بمجرد ترتيب المعاني من غير تناسق الدلالات إذا لم يكن في الكلام لفظ مجازي كما في سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١).
وثانيا: أنه لولا الداعي إلى ذكر النظم لقيل عن وجوه الإعجاز في القرآن إذ لا داعي إلى ذكر اللفظ، فالداعي ليس لترجيحه على اللفظ، بل لترجيح ذكره على تركه.
(وكان القسم الثالث من مفتاح العلوم) سمى كتابه مفتاح العلوم لأنه مفتاح للعلوم التسعة التي اشتمل عليها من الصرف والنحو والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والقوافي والعروض والمنطق، أو لأنه مفتاح للعلوم كلها؛ لأنه يورث الناظر فيه قوة يتمكن بها من تحصيل تلك العلوم، وجعلها مفتاحا لها إشارة إلى أن فيض العلم من الفياض الوهاب، والكتاب ليس إلا لفتح باب فيضه لأولي الألباب.
(الذي صنفه الفاضل العلامة أبو يعقوب يوسف السكاكي تغمده الله بغفرانه) (٢) في التعبير عن جعله مغفورا بتغمده بالغفران إشارة لطيفة إلى تشبيهه بالسيف القاطع في حدة القريحة (أعظم) خبر كان، والعظيم فوق الكبير شيء كما أن مقابله أعني الحقير دون الصغير الذي يقابل الكبير، صرح به الزمخشري في تفسير: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣).
(ما صنف فيه من الكتب المشهورة) بيان لفاعل صنف، وفي ذلك البيان
стр. 148
مزيد مبالغة في نفعه؛ إذ الاشتهار لا يكون إلا للنفع، وصيانة عن تهمة الكذب، إذ دعوى الاطلاع على جميع ما صنف فيه ودعوى إثبات النفع العظيم بجميع ما صنف فيه بعيدة عن مظنه التصديق، وإنما جعلنا البيان للضمير دون ما كما في الشرح لأن البيان حال من المبين، وما صنف مضاف إليه، وليس فاعلا ولا مفعولا؛ لكن في مقارنة زمان الاشتهار لزمان التصنيف نظر يحوج دفعه إلى تكلف، وجعل القسم الثالث كتابا وهو بعض من الكتاب أيضا يستدعي تكلفا.
(نفعا) لا بد من اعتبار مضاف: أي لما كان نفع القسم الثالث أعظم منافع ما صنف فيه، فنفعا إما تمييز عن نسبة كان إلى القسم الثالث فتقدير المضاف في ما صنف فيه وإما عن نسبة أعظم إلى ما صنف فيه، فتقديره في القسم الثالث، وكأنه مراد الشارح حيث قال تمييز من أعظم، وجعله تمييزا عن المشهورة بعيد، وإن كانت أقرب أي المشهور نفعها، وبين كونه أعظم نفعا بكونه جامعا لثلاثة أمور كل منها مشتمل على عظم نفع، لا بكل من الثلاثة، كما يشعر به كلام الشارح، حيث جعل قوله وأتمها تحريرا وقوله وأكثرها للأصول جمعا، في تقدير ولكونه أكثرها للأصول جمعا، أما كون حسن الترتيب سببا لعظم النفع فلأنه لما حسن الترتيب يوجد كل مقصد في محله فلا يفوت الطالب، وأما كون تمام التحرير سببا فلأنه إذا خلا عن الزوائد وما لا نفع فيه لم يكن للناظر فيه تضييع وقت، ويكون خالص النفع فيعظم نفعه، وأما كون كثرة الجمع للأصول سببا فظاهر.
واعلم أن قوله: (وكان القسم الثالث إلى قوله نفعا) فقرة يعادلها قوله:
(لكونها أحسنها ترتيبا وأتمها تحريرا وأكثرها للأصول جمعا) فقد بعد من قال الأولى أن يقول: أعظم ما صنف فيه من الكتب المشهورة نفعا لكونه أكثرها للأصول جمعا، ليكون كلاما مسجعا، ويكون قوله: (لكونه أحسنها ترتيبا وأتمها تحريرا) مشتملا على صنعة الموازنة والترتيب، جعل كل شيء من المجموع في مرتبته، والتحرير جعل الشيء حرّا استعير لأخذ الخلاصة وإظهارها؛ فإن الكلام المقتصر على الخلاصة منزه عن ذل الاشتمال على الحشو، فكأنه حرر بالتحرير، وكون الكتاب أتم تحريرا عبارة عن كون أجزائه المحررة أكثر من محررات أخر،
стр. 149
فلا يرد أن التحرير لا يجامع الاشتمال على الحشو، فلا يتصور فيه النقصان حتى يجعل محررا أتم تحريرا من أخر؛ لأن الكلام للمحرر لا يجامع الاشتمال على الحشو، بخلاف الكتاب المحرر فإنه عبارة عما حرر فيه شيء، ومن لم يفرق بين الكتاب المحرر والكلام المحرر فسر الأتم تحريرا بأقرب إلى التمام. وقوله: (لكونه أحسنها ترتيبا وأتمها تحريرا) في تقدير لكون ترتيبه وتحريره أحسنها ترتيبا، أي أحسن ترتيبات الكتب وأتمها تحريرا، أي أتم تحريرات الكتب، ففي الكلام حذف مضاف ومعطوف، وقد فصل مثله فأجمل معرفته، وجميع الأصول مقدم على الترتيب إلا أنه أخره رعاية السجع، والمراد بالأصول إما الشواهد لأنها أصل القواعد، وإما القواعد لأن الأصل جاء مرادفا للقاعدة، وقوله: للأصول متعلق بجمعا قدر، وفسر بجمعا على نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (١) فقوله جمعا عطف بيان للتمييز المحذوف، وذلك لأن النحاة لم يجوزوا تقديم معمول المصدر عليه، لأنهم جعلوا عمله لتأويله بأن مع الفعل، ومعموله فعل أن لا يتقدم عليه لأن أن ومدخوله كحرف كلمة شرط الترتيب فيها، فكما لا يجوز تقديم بعض حروف الكلمة على بعض لا يجوز تقديم شيء من مدخول أن عليه، ولذا أوّلوا كلّ معمول مقدم على المصدر بأنه معمول ما يفسره المصدر، وفيه أنه تكلف جدّا مع ضعف الداعي إليه لوجهين: الأول: ما قال المحقق الرضي: (إنا لا نم إن) (٢) المؤول بالشيء حكمه حكم المؤول به مطلقا، ويؤيد بأن أن مع الفعل لا بد له من فاعل، ولا يخلو عن الدلالة على زمان، والثاني ما ذكره الشارح المحقق إنا لا نسلم أن المصدر عند العمل في الظرف يحتاج إلى جعله في تأويل أن مع الفعل؛ لأن الظرف يكفيه رائحة الفعل لأن له شأنا ليس لغيره؛ لتنزله للشيء منزلة نفسه، لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها، لكن فيما قاله الرضي نظر؛ لأن تأويل المصدر بأن مع الفعل ليصلح للعمل بتضمنه الفعل، فيجب أن يكون حكمه في العمل حكم هذا الفعل، أو دونه، ولا يثبت له عمل لا يتمكن هذا الفعل منه، فالحق جواز تقديم الظرف على عامله المصدر كما جوزه الرضي، وإن لم يكن لما جوزه فتأمل. لكن في كون
стр. 150
قوله للأصول ظرفا نظر؛ لأنه مفعول به زيد فيه اللام تقوية للعمل.
(ولكن) يوهم أن المذكور بعده لدفع توهم نشأ من السابق لأن وصف القسم الثالث بما وصف يوهم أنه مصون عن العيوب، وليس كذلك؛ بل المذكور تتمة الشرط؛ إذ سبب تأليف مختصر يتضمن ما فيه من القواعد، ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد أمور ثلاثة: كون علم البلاغة وتوابعها موصوفة بما وصف به، وكون القسم الثالث كما وصف، وكونه غير مصون عن الأمور المذكورة فالأوضح: و (كان غير مصون) أي غير خال، عبّر عن عدم الخلو بعدم الصيانة تنبيها على جلالة قدر السكاكي، وإشعارا بأن اشتمال القسم الثالث على الحشو والتطويل والتعقيد لم يكن لعجزه بل لمسامحته وعدم احتياطه عن الحشو، هو فضل الكلام على ما في القاموس والتطويل، وهو جعل الكلام مطولا بذكر فضل فيه، فالحشو لغو في الكلام، والتطويل عيب يحدث في الكلام المفيد بذكر الحشو فيه، وفرق آخر بينهما بحسب الاصطلاح سيجيء لكنا حملناهما على اللغة لأن مبنى الخطب على الأوضاع اللغوية، لأنه خطاب قبل معرفة الاصطلاح والشروع في تحصيله.
(والتعقيد) وهو كون الكلام مغلقا يعسر تحصيل معناه (قابلا للاختصار) لما فيه من التطويل، والفرق بين الاختصار والإيضاح والتجريد يجعل الاختصار مقبولا، والآخرين محتاجا إليهما- غير ظاهر، ولو أريد بالتطويل جعل الكلام مطولا من غير اشتمال على الحشو مع أداء إمكان؛ إذ المقصود بأقصر منه واضح، فلم يكن فيه مؤاخذة إلا بترك الأولى يكون لتخصيص الافتقار بالإيضاح والتجريد وجه (مفتقرا إلى الإيضاح) الألطف إلى التلخيص (والتجريد) لما فيه من الحشو آخره مع تعلقه بأول ما ذكر للمحافظة على السجع (ألّفت مختصرا) جواب لما والمتسبب عن الشرط المذكور تأليف كتاب في المعاني والبيان والبديع يتضمن ما فيه، خاليا عن عيوبه، إذ كمال هذه العلوم، يقتضي تأليف كتاب فيها، وكمال المفتاح، واشتماله على عيوبه تقتضي تضمين ذلك الكتاب ما فيه خاليا عن العيوب، فلذا قال: (ألفت مختصرا)، ولم يقل: اختصرته، والقول بأن اختصرته أخصر منه وهم؛ لأنه لو قال اختصرته لوجب أن يقول اختصرته بحيث
стр. 151
(يتضمن ما فيه من القواعد) ولا يخفى أن من تتمة داعي تأليف مختصر بكذا أنه كان عنده فوائد يختص به لم يسبقه هنا أحد، فكان الأنسب أن يضمه إلى ما ذكر في الشرط بأن يقول لما كان علم البلاغة وتوابعها كذا وكذا، وكان المفتاح كذا وكذا، واجتمع عندي فوائد كذا وكذا ألفت مختصرا يتضمن ما فيه إلى آخر ما ذكره. والقاعدة قضية كلية تشتمل على أحكام جزئيات موضوعة بالقوة القريبة من الفعل، بحيث لو ضمت مع صغرى سهلة الحصول أفادت حكم جزء منها سميت قاعدة لأنها أساس معرفة أحوال الجزئيات، وكثيرا ما يتسامح فيعرف بحكم كلي ...
إلخ؛ تعبيرا للقضية بأشرف أجزائها، ولا يخفى أن قوله يتضمن كقوله: (ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد) يدل على أن صيغ الماضي مستعارة للمعنى الاستقبالي تفاؤلا (١)، والشاهد جزء لموضوع القاعدة يصلح لأن يذكر لإثبات القاعدة، والمثال جزء له يصلح لأن يذكر لإيضاح القاعدة، وهذا هو المراد بقولهم المثال جزئي يذكر لإيضاح القاعدة، والشاهد جزئي يستشهد بها في إثبات القاعدة، ولذا قيل الشاهد أخص، والظاهر أن الشاهد كالمثال لا يخص بالكلام العربي كما يستفاد من كلام الشرح، حيث قال هو جزئي يستشهد به في إثبات القاعدة لكونه من التنزيل أو كلام من يوثق بعربيته؛ فإن قلت: يستفاد من قوله: يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد أن القاعدة تحتاج إليهما، وإذا كان الشاهد أخص فيندفع الحاجتان به فلا يحتاج إليهما! ! قلت: الاحتياج إليهما لا ينافي الاحتياج إلى واحد له حيثيتان.
(ولم آل) من الألو، كالنصر، أو الألو، كالعتو، أو الألي، كالعتي بمعنى التقصير. (جهدا) أي لم ينته اجتهادي واستفراغ طاقتي، أو لم يعجز فإن التقصير عن الشيء يكون بكلا المعنيين، أو من الألو كالنصر والألو كالعدو بمعنى الترك أي لم أترك اجتهادا؛ كل ذلك من القاموس. وقد أثبت الشارح الألو متعديا إلى مفعولين كقولهم لا آلوك جهدا؛ فجعله لمعنى المنع، والظاهر أنه من قبيل الحذف والإيصال، والأصل لا آلوك جهدا أي لا أترك. (في تحقيقه)
стр. 152
متعلق بالجهد أو آل، والضمير راجع إلى ما فيه، وما يحتاج إليه، ويعلم عدم تقصيره في حق ما أضاف إليه مما اختص به بالطريق الأولى، أو إلى المختصر.
(وتهذيبه) أي تنقيحه (ورتبته ترتيبا أقرب تناولا) أي أخذا، وهو في الأصل مد اليد إلى الشيء ليؤخذ (من ترتيبه) أي السكاكي، أو القسم الثالث، أو المختصر، وحينئذ من تعليلية، وأقرب تناولا حال من المفعول أي حال كونه أقرب تناولا من القسم الثالث، من أجل ترتيبه، (ولم أبالغ في اختصار لفظه) هذا الظرف إما قيد للنفي، أو المنفي والمآل واحد، وفائدة التقييد الإشارة إلى أنه بالغ في اختصاره بالتجريد عن التطويل؛ لكن قوله: (تقريبا لتعاطيه وطلبا لتسهيل فهمه على طالبيه) - تعليلان للنفي- وليس النفي نفي المعلل؛ إذ لا وجه لقصد أن الاختصار لتقريب التعاطي، وطلب تسهيل الفهم على الطالبين ترك؛ بل لو كان في الاختصار تقريب التعاطي وطلب تسهيل الفهم لوجب أن يلتزم، وهذا غير ما رد به الشارح من أنه على أصل الشيخ أن نفي كلام فيه قيد يرجع إلى القيد، ويستدعي بقاء الأصل، فيكون المعنى أن المبالغة في اختصار لفظه تحققت لا لتقريب تعاطيه وطلب تسهيل الفهم على طالبيه، وليس الأمر كذلك، والعامل في علة النفي كالعامل في علة المنفي الفعل المنفي، والفرق بالنفي قبل التقييد أو بعده، ألا ترى أن العامل في المفعول به في لم أضرب زيدا على الوجهين هو الفعل لا معنى النفي؟ ! فما في الشرح أنه يجب تأويل لم أبالغ بالفعل المثبت أي تركت المبالغة حتى لو لم يؤول لكان المعنى على نفي التعليل سقيما عليلا (١)، وعلى ما ذكرنا من الفرق التعويل والله الهادي إلى سواء السبيل.
وإنما علل ترك المبالغة في اختصار اللفظ لأن الاختصار في المتون مطلوب، والمبالغة فيه شعار مهرة البيان، والتسابق فيه مما يحرص فيه غاية الإمكان، فنفي المصنف بالتعليل تهمة عجزه في مقام البيان عن التعليل.
وأما عدم التقصير في التحقيق والتهذيب والإتيان بأحسن الترتيب فمقبولان لأنفسهما لا يستدعيان داعيا، فمن جعل التعليلين محتملين لكونهما متعلقين بجميع ما ذكر أو منقسمين إليه على ترتيب أو غير ترتيب فكان جواد فهمه مضطربا
стр. 153
محتاجا إلى تأديب. قال الشارح المحقق: ولعمري لقد أفرط المصنف في وصف القسم الثالث بأن فيه حشوا وتطويلا وتعقيدا، حيث صرح به أولا، ولوح به ثانيا، وعرّض بوصف مختصره بأنه منقح سهل المأخذ أي لا تطويل فيه ولا حشو ولا تعقيد- بأن في القسم الثالث ذلك- أقول: لعل المبالغة ليست لتزييف المفتاح بل لتعذر شروعه في التصنيف مع وجود المفتاح، وقبول العذر منه يحتاج إلى المبالغة في تحقيقه.
(وأضفت إلى ذلك) المذكور من القواعد والأمثلة والشواهد (فوائد) جمع فائدة وهي ما اكتسبت من علم أو مال (عثرت) اطلعت (في بعض كتب القوم عليها) نبه بإضافة البعض على أن مأخذ فوائده كتب مبهمة لا يطلع عليهما إلا متميز في التتبع، فقد أشار في هذه الفقرة إلى كمال ممارسته كما لو صرح بقوله:
(وزوائد لم أظفر في كلام أحد بالتصريح بها ولا بالإشارة إليها) إلى فطانته ترغيبا في توقير كتابه هذا لأنه وجد شرائط الكمال وهو الممارسة والفطانة وتسميته الملتقطات من كتب القوم فوائد ظاهرة، وتسميته مخترعات خاطره زوائد إما تواضع في الغاية حيث جعلها مستغنى عنها، وإما مبالغة في كمالها حيث جعلها زوائد في الفضل على فوائد
[تسمية الكتاب]
(وسميته تلخيص المفتاح) لأنه تبيين المفتاح باعتبار تعقيداته وتلخيصه وجمع خلاصته باعتبار حشواته وتطويلاته والتلخيص هو التبيين والشرح، والتلخيص على ما في القاموس. (وأنا أسأل الله تعالى) قدم المسند إليه إما للتخصيص إظهارا لوحدته في هذا الدعاء وعدم مشارك له فيه بالتأمين ليستعطف به، كأنه قال في أثناء السؤال: إلهي أجبني وارحم وحدتي، وانفرادي عن الأعوان، أو لينبه على أنه محسود أهل الزمان، حتى لا يساعده أحد في سؤاله، وإما لتقوية الحكم لأن كونه سائلا النفع به من محض الفضل من غير أن ينظر إلى استحقاق كفاية الانتفاع بعد إطرائه في وصف كتابه بما يوجب الانتفاع به، مظنة للإنكار فاندفع ما ذكره الشارح المحقق حيث قال: لا يكون لتقديم المسند إليه هاهنا جهة حسن؛ إذ لا مقتضى للتخصيص ولا للتقوى، على أنه يكفي كون الأصل التقديم (١)، ولا مقتضى للعدول عنه جهة للحسن، أما قوله:
стр. 154
فكأنه قصد إلى جعل الواو للحال فأتى بالجملة الاسمية ففيه أنه لا بد من بيان داع إلى الحال بالواو حتى تتم النكتة. وأما ما قيل إنه لا بد من بيان داع إلى الحال فرجح له على المعطوف؛ ففيه أنه يكفي داعيا بيان بأنه جعل جميع ما صدر عنه مقارنا بحال التضرع إلى الله تعالى، نعم يتجه أن الظاهر أن جملة: أنا أسأل الله، إنشاء للطلب فلا يصلح للحال.
(من فضله) حال من (أن ينفع به) وفي قوله: (كما نفع بأصله) تعريض لطيف بالمفتاح بأنه نفع به مع تجرده عن استحقاق النفع به (إنه ولي ذلك) أي متولي النفع به من غير استعداده النفع به؛ إذ لا يتوقف فيضه على الاستعداد كما هو مذهب أهل الحق (وهو حسبي) أي محسبي وكافي، ولا حاجة لي في مسئولي إلى استعداد تأليفي له، فلا يرد أن الأنسب: والله أسأل؛ ليلائمه قوله:
وهو حسبي؛ لأنه تحصل الملاءمة بسلب الحاجة إلى استعداد المؤلف.
(ونعم الوكيل) يتبادر منه المدح العام بالوكالة لما يتوقع بعده فإما أن يقدر بعده الممدوح أي ونعم الوكيل هو، حذف للعلم به كما في قوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ (١) أي أيوب، وحينئذ إن كان تمام الجملة مجرد نعم الوكيل على أحد القولين يلزم عطف مجرد الإنشاء على إخبار ليس بشيء منهما محل الإعراب، والاستدلال بالإنشاء لأن المعطوف عليه مما استدل به، على أنه يجب أن يسأل الانتفاع بهذا المختصر من مجرد فضله تعالى، وإن كان تمام الجملة: نعم الوكيل هو على القول الآخر فإما أن يكون نعم الوكيل خبرا بلا تأويل كما يقتضيه كونه للمدح العام، فيكون عطف الإنشاء على إخبار كذلك، وإما أن يكون مؤولا بجملة خبرية متعلق خبرها جملة إنشائية أي مقول في حقه نعم الوكيل، فلا يكون لإنشاء المدح العام، وهو سلوك في غير مسلك الفهم، وإما أن يعطف على:
حسبي، فيكون الممدوح هو المتقدم، ونظيره ما صرح بجوازه صاحب المفتاح من قولنا: زيد نعم الرجل، فإما أن يكون المعطوف نفس نعم الوكيل، فيلزم الاستدلال بالإنشاء، وإما أن يكون متعلقه المحذوف أي: مقول في حقه: نعم الوكيل؛ فلا يكون هناك إنشاء مدح، ولا محيص إلا بجعل الواو اعتراضية كما في
стр. 155
قوله: [من السّريع]
إنّ الثمانين وبلّغتها (١)
أو عاطفة بتقدير المعطوف أي نعم المولى ونعم الوكيل حذف لانسياق الذهن إليه من قوله إنه ولي ذلك.
[مقدمة]
لما فرغنا عن شرح الديباجة حان أن نشرع في شرح المقصود، متوكلا على الفياض المحمود، متوصلا بتوفيقه لبيان مفصول المقاصد، موصول الفوائد، منقح عن الفضول، مقتصر على المحصول، موفر لموائد العوائد، مقدم للمقدمة خاتم بالخاتمة محيط بالفنون، فنون من بديع البيان لها كل أذن مفتون، سائلا متضرعا قائلا: أتمم كما أنعمت، وانفع به إذا أتممت.
اعلم أن المصنف رتب الكتاب على مقدمة وثلاثة فنون وخاتمة، كما سنبينه لك في الخاتمة، فخاتمة كتابه مناسبة لفاتحته في أنها ليست من المقاصد (٢)، ووجه الضبط أن المذكور فيه إما أن لا يكون من المقاصد، فإن كان من حقه أن يتقدم على المقاصد فهو المقدمة، وإن كان من حقه أن يتأخر عنها لكونها تكملة لها متممة إياها فهي الخاتمة، وإما أن يكون من المقاصد، فإن كان للاحتراز عن الخطأ في تأدية المراد فهو الفن الأول، وإن كان للاحتراز عن التعقيد فهو الفن الثاني، وإلا فهو ما يعرف به وجوه التحسين، وهو الفن الثالث، يقال دليل الحصر الاستقرائي قابل للمنع يدفعه الاستقراء، فلا فائدة في الإتيان به، ويدفع بأن المنع يندفع عما سوى القسم الأخير، ويقتصر عليه، فلا يحتاج لدفع المنع إلا إلى استقراء القسم الأخير، ففيه فائدة تقليل مؤنة الاستقراء، وفيه نظر؛ والحق أن ما ذكر في صورة الدليل ليس لإثبات الحصر بل لتحصيل مفهومات ينضبط به كل قسم كما أشرنا إليه، نعم بعد بيان مفهومات الأقسام لا فائدة في إيراده أصلا، فمن وقع فيه لا دافع عنه، ولما وقع المقدمة في نظم كلامه مسندة كالخاتمة والأصل في المسند التنكير نكرها فقال: (مقدمة) بخلاف الفنون الثلاثة؛ فإنها وقعت
стр. 156
مسندا إليها، والأصل فيه التعريف، ومن وجوه تنكيرها أنها مقدمة مبهمة إذ ليست كمقدمة اشتهر إيرادها في أوائل كتب العلوم؛ فإنها شاعت لبيان الحاجة وتصوير العلم وبيان الموضوع وهذه اقتصرت على بيان الحاجة أو تلك لما يتوقف عليه علم؛ وهذه لما يتوقف عليه علوم ثلاثة، وأما ما قال الشارح المحقق إنه لما سبق ذكر الفنون الثلاثة في آخر المقدمة صارت معهودات في مقام ذكرها فصار المقام مقام التعريف بخلاف المقدمة فإنه لم يقع ذكر لها، ولا إشارة إليها، فلم يكن لتعريفها معنى، ففيه أن نكتة التنكير ليست انتفاء مقتضى التعريف؛ بل لكل من التعريف والتنكير مقتضيات ما لم يتحقق شيء منها لا يصح الإتيان به على انتفاء التعريف العهدي، لا يوجب عدم مقتض للتعريف، وقيل: تنوينها للتعظيم، وقيل للتقليل، ولعل وجه التعظيم أنها فاقت المقدمات في كونها مقدمة لعلوم ثلاثة، ووجه التقليل أنها مقتصرة على بيان الحاجة.
وبالجملة المقدمة في بيان الحاجة إلى العلوم الثلاثة، ولما كان متوقفا على معرفة مرجع بلاغة المتكلم- وكانت متوقفة على معرفتها المتوقفة على معرفة بلاغة الكلام المتوقفة على معرفة فصاحة الكلام المتوقفة على معرفة فصاحة المفرد، ومتوقفة على معرفة فصاحة المتكلّم؛ لأن كون مرجعها إلى تمييز الفصيح عن غيره مبني على أن فصاحة المتكلم تحصل بدونه، والفصاحة مما لا بد منها في البلاغة.
- صدّر (١) المقدمة بتصوير هذه المفهومات، وقدّم ما هو الموقوف عليه على الموقوف، إلا في تقديم فصاحة المتكلم على بلاغة الكلام فإن تقديمها عليها ليس لكونها الموقوف عليه لها، بل لإرادة بيان البلاغة بعد الفراغ عن الفصاحة. قد اشتهر أن المقدمة في عرف اللغة صارت اسما لطائفة متقدمة من الجيش، وهي في الأصل صفة من التقديم بمعنى التقدم، ولا يبعد أن يكون من التقديم المتعدي إما لأنها تقدم أنفسها لشجاعتها على بقية الجيش، أو لأنها تقدم بقية الجيش على أعدائها في الظفر، ثم نقلت إلى ما يتوقف الشروع عليها كرسم العلم وبيان موضوعه، والتصديق بالفائدة المترتبة المعتد بها بالنسبة إلى المشقة التي لا بد منها في تحصيل العلم، وبيان مرتبته وشرفه ووجه تسميته باسمه، إلى غير ذلك- فقد
стр. 157
أشكل ذلك على بعض المتأخرين واستصعبوه فمنهم من غيّر تعريف المقدمة إلى ما يتوقف عليه الشروع مطلقا، أو على وجه البصيرة، أو على وجه زيادة البصيرة، ومنهم من قال: لا يذكر في مقدمة العلم ما لا يتوقف عليه الشروع، وإنما يذكر في مقدمة الكتاب، وفرّق بينهما؛ فإن مقدمة العلم ما يتوقف عليه مسائله، ومقدمة الكتاب طائفة من الألفاظ قدمت أمام المقصود لدلالتها على ما ينفع في تحصيل المقصود، سواء كان مما يتوقف المقصود عليه فيكون مقدمة العلم، أو لا فيكون من معاني مقدمة الكتاب، من غير أن يكون مقدمة العلم، وأيد ذلك بأنه يغنيك معرفة مقدمة الكتاب عن مظنة أن قولهم المقدمة في بيان حد العلم والغرض منه وموضوعه من قبيل جعل الشيء ظرفا لنفسه، وعن تكلفات في دفعه، ونحن نقول لا حاجة إلى تغيير تعريف المقدمة؛ فإن كلّا مما يذكر في المقدمة مما يتوقف عليه شروع في العلم هو إما أصل الشروع، أو شروع على وجه البصيرة، أو شروع على وجه زيادة البصيرة، فيصدق على الكل ما يتوقف عليه شروع، ولحمل الشروع على ما هو في حمل المعنى المنكر مساغ كما في ادخل السوق.
وأورد على المسلك الثاني أن إثبات مقدمة الكتاب إثبات اصطلاح جديد لا نقل عليه في كلامهم، ولا هو مفهوم من إطلاقاتهم، ولا ضرورة يلتجئ إليه، وفيه أن ما هو بصدده لا يتوقف على إثبات اصطلاح؛ بل يكفي أن يكون المراد بالمقدمة طائفة من الألفاظ الدالة على ما له نفع فيما يأتي، ولا شبهة في هذه الإرادة، وهذا القائل لم يصرح بدعوى الاصطلاح، ولو كانت مصرحا بها أيضا ليس في المناقشة معه في ذلك منفعة؛ لأنه يكفيه مجرد الاستعمال في هذا المعنى.
نعم فيما عرف به هذا القائل مقدمة العلم إنه صادق على المبادئ التصورية والتصديقية وكأنه أراد ما يتوقف عليه الشروع في مسائله.
واعلم أن المقدمة كثيرا ما يطلق على ما يستحق التقدم على بقية الباب أو الفصل، فالأظهر أن يقال: المقدمة اسم لما يتوقف عليه المباحث الآتية: فإن كان المباحث الآتية العلم برمته فهو مقدمة العلم، وإن كان بقية الباب فهو مقدمة الباب.
стр. 158
[(الفصاحة)] (١)
في اللغة تنبئ عن الإبانة والظهور؛ يقال فصح الأعجمي إذا انطلق لسانه، وخلصت لغته من اللكنة، وجادت فلم يلحن، ويقال فصح اللبن إذا أخذت رغوته، وذهب لباؤه، فالفصاحة يحتمل النقل باعتبار جامع الظهور بين معينى اللغوي عن كل واحد من المعنيين كما قيل، ويحتمل أن تجعل العلاقة الجودة وطلاقة اللسان والخلوص عن اللكنة.
(يوصف بها المفرد) فيقال هذه الكلمة فصيحة، أو هذه كلمة فصيحة، أو تكلمت بها فصيحة (والكلام) كذلك فيقال في النثر: رسالة فصيحة، وفي النظم: قصيدة فصيحة، وأما كلام فصيح فلا يخص النثر كما يشعر به كلام الشارح المحقق.
(والمتكلم) فيقال كاتب فصيح، وشاعر فصيح، والكتابة إنشاء النثر، ولا يخفى عليك أنه لا بد من جعل الفصاحة هنا من الألفاظ المستعملة في أكثر من معنى كما هو مجوز عند البعض، أو تأويلها بما يطلق عليه الفصاحة، وإلا فلا يصح الإخبار عنها بقوله: يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم، وكذا في تعريف فصاحة المتكلم: بملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، إذ ليس للفصيح معنى يشمل المفرد والكلام حتى يوصف به اللفظ الشامل، والشارح المحقق غفل عنه في هذين المقامين، وتنبه لمثله في قول المصنف فيما بعد؛ فعلم أن كل بليغ فصيح ولا عكس، وكذا الحال في قوله:
[والبلاغة]
(والبلاغة) (٢) وهي في الأصل تنبئ عن الوصول والانتهاء.
(يوصف بها الأخيران) أي: الكلام والمتكلم، يقال: كلام بليغ، ورجل بليغ (فقط) أي لا المفرد، إذ لم يسمع مفرد بليغ، فقط اسم فعل بمعنى انته، والفاء مزيدة تزيينا للفظ، أو جزائية، والتقدير: إذا وصفت الأخيرين بها فانته
стр. 159
عن وصف الأول بها، ومما لا بد منه في هذا المقام معرفة المراد بالمفرد والكلام، فقيل: المراد بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، وبالكلام ما يقابله سواء كان مركبا تامّا أو غيره؛ لأن المركب الناقص يوصف بالفصاحة، فلا بد أن يكون داخلا في الكلام، وتعقبه الشارح المحقق بأن صحة هذا القول يتوقف على أن لا يكون وصف المركب الناقص بالفصاحة مجازيّا من قبل فصل المركب بحال أجزائه، وأن يثبت منهم إطلاق الكلام الفصيح على هذا المركب، وأنه لا يكون داخلا في المفرد، وكل من الثلاثة ممنوع، بل الحق أنه داخل في المفرد، لأن المفرد إذا قوبل بالكلام يتعين لإرادة ما يشمل المركبات الناقصة، ونقح السيد السند هذا القول بما يندفع به المنوع الثلاثة، وينقلب ما جعله الشارح حقّا بالباطل، وهو أنه أراد بتعليل تعميم الكلام بوصف المركب الناقص بالفصاحة، أنه يوصف بالفصاحة مع أنه لا يكفي في فصاحة ما ذكر في تعريف فصاحة المفرد بل لا بد معه من الخلوص عن تنافر الكلمات وضعف التأليف والتعقيد فلا يكفي في فصاحتها فصاحة الأجزاء حتى يكون وصفا بحالها، ولا يتوقف دخوله في الكلام على ثبوت إطلاق الكلام الفصيح بل يكفي إطلاق الفصيح لأنه بمجرد إطلاق الفصيح يعرف أنه داخل في الكلام، إذ لا بد فصاحته مما لا بد لفصاحة الكلام، ولا يصح دخوله في المفرد، لأنه لا يكفي في فصاحته ما بين فصاحة المفرد، وأورد عليه أنه لا يصلح تعريف فصاحة المفرد بإدخال هذا المركب في الكلام؛ لأنه بعد حمل لمفرد على ما لا يدل جزؤه على جزء معناه لدعوى تبادر هذا المعنى منه لاشتهاره، وحمل الكلام بقرينة المقابلة على ما يجمع المركبات الناقصة يتجه على تعريف فصاحة المفرد أنه لا يشمل فصاحة عبد الله علما، لأنه لا يكفي في فصاحته ما ذكر في تعريف فصاحة المفرد، إذ لا بد لها من الخلوص من تنافر الكلمات أيضا، إذ يتصور فيه ذلك التنافر فعلم أنهم غفلوا عن فساد تعريف فصاحة المفرد؛ لأنهم قصدوا بالمفرد ما يقابل المركب، وجعلوا المركبات مطلقا كلاما، ويمكن أن يدفع بأن تنافر الكلمات لا ينفك عن تنافر الحروف، لكنهم اشترطوا في فصاحة المفرد الخلوص من تنافر الحروف؛ لأنه لا قصد للمتكلم فيه إلا إلى جمع حروف بخلاف فصاحة الكلام فإن قصد إلى جمع الكلمات،
стр. 160
فناسب أن يشترط فيه التجنب عن التنافر في جمعها، والعلم في العلم العلمي ليس فيه جمع الكلمات، فهو داخل في اشتراط الخلوص عن تنافر الحروف، ودفعه بأن العلم المركب خارج عن حد الكلمة لاشتراط كونها لفظة مبني على نهاية الغفلة؛ لأن أحدا لم يجعله خارجا عن المفرد، ولا ينفع خروجه عن الكلمة دخوله في الكلام في هذا المقام.
بقي أنه يرد على تعريف فصاحة المفرد مفرد أريد به لازم بعيد، بحيث يختل الانتقال، فينبغي أن لا يكون فصيحا؛ فتعريف فصاحة المفرد لا يصح بإخراج المركبات عن المفرد حتى يجعل قرينة على إخراجها! ! وغاية ما يمكن أن يقال لحمل المفرد والكلام على حقيقتهما وما يتبادر منهما: إن الموصوف بالفصاحة في الاصطلاح ليس إلا المفرد (١) المقابل للمركب مطلقا وإلا الكلام؛ لأن احتياجهم إلى الفصاحة لتوقف معرفة البلاغة عليها، ويكفي في معرفة البلاغة معرفة فصاحة الكلام المتوقف على معرفة فصاحة المفرد المقابل لمطلق المركب. ولا غرض يتعلق بالاصطلاح على معنى للفصاحة بحيث يشمل صفة المركبات الناقصة مثلا، ولا يخفى أن قوله: والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط يقتضي أن يحمل الكلام على حقيقته؛ لئلا يفيد وصف المركبات الناقصة.
قال الشارح المحقق: الدليل على أنه لا يوصف بالبلاغة غيرهما أنه لم يسمع كلمة بليغة، والتعليل بأن البلاغة إنما هي باعتبار المطابقة لمقتضى الحال لا يتحقق في المفرد وهم؛ لأن ذلك إنما هو في بلاغة الكلام والمتكلم. هذا وأورد عليه أن نفي كلمة بليغة لا يستلزم حصر الوصف في الكلام والمتكلم لاحتمال أن يوصف به مركب ناقص، ويدفعه أن النفي عن الكلمة على سبيل التمثيل، فالمناقشة عائدة إلى العبارة، وأورد أيضا أن التعليل الذي نسبه إلى الوهم أيضا ملخصه أن العرب لا تطلق البلاغة إلا باعتبار مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فمرجعه إلى قولك: لم يسمع كلمة بليغة، ويدفعه أن التبادر من العبارة أن بناء التعليل على تعريف القوم لا على التتبع وتزييفه لما هو المتبادر.
***
стр. 161
بقي أنه لو ساعدنا في أنه لا يسمى مطابقة مقتضيات الأحوال في المركبات الناقصة والمفردات بلاغة؛ لكن لا ينكر فضلها كالبلاغة، فلا وجه لإهمالها وعدم ضبطها. ومن البين أنه يجري في المركبات الناقصة بل المفردات أيضا؛ فإن في تعداد جماعة بعبدي تعظيم المضاف إليه، وبعبد السلطان تعظيم المضاف، وبأبي لهب الإشعار بالجهنمية، إلى غير ذلك، وإنما قسم الفصاحة أولا، ثم عرف كلا لأن قصده كان التمييز بين فصاحة موصوفها المفرد، وفصاحة موصوفها الكلام، وفصاحة موصوفها المتكلم؛ بتعريفات صالحة خلا عنها كلام القوم، بتأمله من موارد الاستعمال، وتحصيل قدر مشترك بين الإفراد يظن به كونه مما وضع له اللفظ كما هو مسلك علماء اللغة ومدونيها، على ما يستفاد من الإيضاح، وإنما لم يعرف الفصاحة المطلقة لأنه لم يجد مفهوما مشتركا بين فصاحة المتكلم وفصاحة اللفظ، ويرجح كونه مشتركا عنده، ولا فصاحة اللفظ مطلقا لأنه لم يتخلص له مفهوم للفصاحة جامع لأفرادها القائمة باللفظ، فأعرض عن تحصيل مفهوم لها إما لظن الاشتراك به، أو لإبهام الحال. فقسم الفصاحة إلى الثلاثة تقسيم اللفظ المشترك إما باستعمالها في المفهومات الثلاثة، أو بإرادة ما يطلق عليه الفصاحة، فإن قلت: قد عرف صاحب المفتاح فصاحة اللفظ بكون اللفظ جاريا على القوانين المستنبطة من استقراء كلامهم كثير الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم! ! قلت: قد زيف المصنف هذا التعريف إجمالا بما قال في الإيضاح من أن للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوالا مختلفة لم أجد فيما بلغني منها ما يصلح لتعريفهما به، ولا إلى ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم. فإن قلت: هل لهذا الإجمال عندك تفصيل؟
أو أنت معرض عن هذا التزييف، جازم بصحته كما هو الظاهر من كلام الشارح المحقق؟ قلت: كثرة الاستعمال لا تشترط في فصاحة الخالص عن التعقيد المعنوي؛ لأنه لو استعمل لفظ في لازم ظاهر الانتقال لعد خاليا عن التعقيد المعنوي، ولم يطلب له كثرة الاستعمال، لا يقال يكفي كون حقيقته كثير الاستعمال لأنا نقول فلا يخل بالفصاحة إرادة ما لا ينتقل إليه بلا خلل، وأيضا كون اللفظ جاريا على القوانين المستنبطة من استقراء كلامهم تطويل يغني عنه بقية
стр. 162
التعريف، ولا يبعد أن يكون صاحب المفتاح مشيرا إلى تزييفه حيث قال:
وعلامة الفصاحة الراجعة إلى اللفظ أن يكون اللفظ جاريا ... إلخ، وبما ذكرنا اندفع عن المصنف ما اعترض به عليه خطيب مصر (١) أنه لا مدخل للرأي في تعيين مفهومات الألفاظ، فكيف يصح منه تعريفها بما لم يجد في كلام الناس؟ ولم يحتج إلى ما أجاب به المصنف: إني أردت بالناس المعهودين من صاحب المفتاح وعبد القاهر (٢) ونظائرهما من المهرة المشهورين، واندفع أيضا أن تعريف الفصاحة بالخلوص مسامحة لأن الخلوص لا يصح حمله على كون اللفظ جاريا ...
إلخ، كما هو الواضح المبين المستغنى عن البيان، وبينه الشارح المحقق بكون الفصاحة وجودية، وكون الخلوص عدمية، وتعقبه السيد السند بأن حمل العدمي على الوجود غير ممتنع، كما في قولك السواد لا بياض، لكن التعقب مما لا يضر، لأنه نزاع في إيضاح البديهي، ووجه الدفع أن المصنف اعتبر في مفهوم الفصاحة ما هو أحق بالاعتبار، فخالفهم في كون مفهومه وجوديا، وكيف لا وهو أنسب بالمعنى الذي في أصل اللغة من قولهم فصح اللبن إذا ذهب لباؤه وخلص عن رغوته، وفصح الأعجمي إذا خلصت لغته عن اللكنة؟ ! (فالفصاحة) الكائنة أو كائنة (في المفرد خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس) اللغوي وهو ما ثبت من الواضع لا ما جعله الصرفيون قاعدة فأبى يأبى مخالف للقياس الصرفي موافق للقياس اللغوي، وإنما جعل مرجع معرفة المطابقة للقياس التصريف لأنه يعرف منه ثبوته من الواضع، إما باندراجه في القانون، وإما باستثنائه من القانون، وبيان شذوذه عقيب بيان القانون
[فالتنافر]
(فالتنافر) وصف في الكلمة توجب ثقلها على اللسان سواء كان لتنافر نفس الحروف أو لتنافر كيفيات الحروف، أولهما «فقالن» بالتقاء الساكنين، مشتمل على تنافر الحروف من حيث كيفياتها، نعم هو داخل في مخالفة القياس أيضا (نحو) وصف مستشزر في قول امرئ القيس: [من الطويل]
стр. 163
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضلّ العقاص في مثنىّ ومرسل (١)
عقيب قوله: [من الطويل]
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل
أي: رب فرع يزين المتن أسود فاحم بين السواد أثيث كثير كقنو النخلة، هو للنخلة كالعنقود للكرم المتعثكل، بكسر الكاف وفتحها أي ذو عثاكيل، والعثكال كقرطاس: القنو غدائره أي ذوائبه جمع غديرة مستشزرات أي مرتفعات من استشزر أي ارتفع، أو مرفوعات من استشزره أي رفعه إلى العلى، جمع العليا تأنيث الأعلى يريد به أعالي شعرات الرأس، والعقاص جمع عقيصة أو عقصة بكسر العين وسكون القاف، وهي الخصلة المجموعة من الشعر على هيئة الرمانة، والمثنى المفتول والمرسل خلاف المثنى، والعقيصة لا خلاف المثنى كما في الشرح، يريد وصف شعره بالكثرة والطول جدّا، حتى انقسم إلى أقسام، وغابت عقاص في مثنى منه ومرسل، وحتى احتاج إلى رفعه إلى العلى، وسيجيء أن مرجع معرفة تنافر الكلمات والحروف هو الحسن، لكن لا اعتماد على كل حسن بل الحاكم النافذ الحكم حسن العربي الذي له سليقة الفصاحة، أو كاسب الذوق السليم، من ممارسة التكلم بالفصيح، والتحفظ عن التكلم بغير الفصيح، وليس التنافر لكمال تباعد الحروف بحسب المخارج، وإلا لكان مرجعه إلى علم المخارج، ولا لقربه كذلك لذلك، ولا لاختلاف الحروف في الأوصاف من الجهر والهمس إلى غير ذلك، وإلا لكان المرجع ضبط أقسام الحروف، وإياك أن تذهب إلى شيء منها إذ الكل مبني على الغفلة عن تعيين مرجع التنافر، وعن كثير من المركبات الفصيحة الملتئمة من المتباعدات، نحو علم وفرح، والملتئمة من المتقاربات نحو جيش وشجى، وعن أنه لا تفاوت بين مستشرف ومستشزر مع تنافر أحدهما، وخلوص الآخر، ومن مال إلى أن اجتماع المقاربات المخارج سبب للتنافر لزمه عدم فصاحة أَلَمْ أَعْهَدْ (٢) فاجترأ، والتزم، فوقع في تصحيحه
стр. 164
على ما وقع، حتى قال: إعجاز السورة من القرآن لا يتوقف إلا على بلاغتها المتوقفة على فصاحتها، وفصاحتها لا يتوقف على جميع كلماته، بل على فصاحة الأكثر، بحيث يكون غير الفصيح مغمورا فيه مستورا على الذائقة بفصاحة الكلمات الكثيرة، كما يستر الحلاوة الشديدة المرارة القليلة، وبعدم فصاحة كلمة من ذلك الكلام لا يخرج عن الفصاحة، كما أن الكلام العربي لا يخرج عن كونه عربيّا، بوقوع كلمة غير عربية، ألا ترى أن القرآن عربي بحكم الشارع، وفيه ألفاظ غير عربية؟ بالرواية عن ابن عباس وعكرمة وإجماع النحاة، على أن نوحا وإبراهيم وغيرهما أعجميات، وذلك لأنه تكلف جدّا من غير داع.
وأما ما قال الشارح المحقق من أن فصاحة الكلمات شرط فصاحة الكلام فلا يجوز أن يكون جزء منه غير فصيح، فلا يضره لو تم داعيه إلى جعل أَلَمْ أَعْهَدْ غير فصيح لأنه يخالف في اشتراط فصاحة الكلمات تأوله بأن المراد فصاحتها حكما بأن يكون بحيث لا يحسن بغير الفصيح فيها. وكذا ما قاله من أنه لو كان أَلَمْ أَعْهَدْ غير فصيح فلا أقل من أنه يلزم العجز، أو الجهل على الله، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، لا يتم لأنه لا يجوز أن يكون إيراده لعجز المخاطب عن فهم معنى لفظ آخر بمعناه، أو لبيان أن غير فصيح في كلام طويل لا يضر بالفصاحة.
قال الشارح: لتعذر ضبط التنافر لم يتعرض لتحقيقه واكتفى فيه بالتمثيل، قلت: لو كان كذلك لم يكتف بقوله:
[والغرابة]
(والغرابة) نحو ... إلخ، بل كان يعرف الغرابة ومخالفة القياس. والغرابة كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال كذا في الشرح. فإن قلت لم لم يكتف بقوله غير ظاهرة المعنى كما في الإيضاح؟ قلت: أراد نصب علامتين للغرابة: عدم ظهور المعنى، وعدم أنس السمع به، ونبه على أن كون الغريب مهجور الأمرين انقباض العقل عنه، لعدم وصوله إلى المقصود منه، ونفور السمع عنه لعدم الشبه به، ولا يخفى أن تعريف الغرابة بهذا لا ينفع غير المتتبع، فلهذا فسر بأن يكون مما يحتاج في معرفته إلى أن يرجع إلى كتب اللغة المبسوطة كتكأكأتم، وافرنقعوا، في قول عيسى بن عمر النحوي حين سقط من الحمار واجتمع الناس عليه: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤكم على ذي جنة، افرنقعوا عني، أي اجتمعتم، تنحوا عني، أو يكون مما
стр. 165
يحتاج إلى أن يخرج له وجه بعيد كما في قوله:
(وفاحما ومرسنا مسرّجا) (١)
ولا يخفى أن هذا التفسير أيضا مما لا ينفع لأنه ربما يفسر الغريب في الكتب الغير المبسوطة فإن تكأكأتم وافرنقعوا مما ذكرا في الصحاح والقاموس، والفاحم الأسود بيّن الفحومة يعني وشعرا فاحما، والمرسن بفتح السين وكسرها الأنف، والمسرج ما فسره بقوله: (أي كالسيف السريجي) أي المنسوب إلى سريج هو قين ينسب إليه السيوف (في الدقة والاستواء أو كالسراج في البريق) هو مصدر فسره بقوله: (واللمعان) والأولى في اللمعان، فالمسرج غير ظاهر الدلالة ولا مأنوس الاستعمال احتيج لبيانه إلى جعله اسم مفعول من السريجي أو من السراج بمعنى المشبه بالسراج، أو بالسريجي، وكأن وجه تحصيل التشبيه من صيغة اسم المفعول أن المسرج معناه المجعول سراجا أو سيفا سريجيا، بدعوى الاتحاد بينهما على نحو زيد أسد فهو تفعيل من قبيل فرجته أي جعلته فرجا، وقيل: جاء التفعيل للنسبة إلى أصله نحو تممته أي نسبته إلى تميم، فالمسرج بمعنى المنسوب إلى السريجي أو السراج نسبة المشبه إلى المشبه به، وهذا إنما يحسن أن يوجد نسبة المشبه إلى المشبه به حتى يقال أسديّ للمشبه به، إلا أن يقال فليكن هذا أيضا وجها لبعد التخريج.
قال المصنف في الإيضاح: ويقرب هذا من قولهم سرج وجهه بالكسر أي حسن، وسرج الله وجهه أي بهجه وحسنه، يريد أن أخذ المسرج من السراج كأخذ سرج منه، فهذا الوجه مرجح لتأيده يتحقق نظير له في كلامهم. وأشكل على الشارح أنه بعد وجود سرج لم لم يجعل المسرج منه حتى لا يحتاج إلى أخذه من السريجي أو من السراج؟ فأجاب بأنه يجوز أن يكون سرج مستحدثا مولدا بعد شعر العجاج، أو يكون مأخوذا لا عن مصدر بل من نفس السراج، فلا يكون من أفعال يشتق منها؛ بل من باب الغرابة كالمسرج، وأن يكون الحكم
стр. 166
بالتخريج المذكور لنقصان في تتبعهم وعدم عثورهم عليه، حتى إن صاحب مجمل اللغة جعله منه بعد عثوره عليه؛ هذا ولك أن تقول التزامهم أحد التخريجين لإيراثهم معنى البيت على الوجهين كابرا عن كابر.
واعلم أن الغرابة مما يتفاوت بالنسبة إلى قوم دون قوم، كالاعتياد الذي يقابلها، فالغريب يقابل المعتاد، فالمراد بالغرابة المخلة بالفصاحة أن يكون غريبا بالنظر إلى الفصحاء كلهم، لا بالنظر إلى العرب كله، فإنه لا يتصور إذ لا أقل من تعارفه عند قوم يتكلمون به، ولكون الغرابة أعم مما يخل بالفصاحة ثبت غريب القرآن والحديث، والوحشي كما يكون بمعنى ما يشتمل على تركيب يتنفر الطبع عنه، ويقابله العذب، ويجب الخلوص عنه في الفصاحة، لكن الخلوص عن التنافر يستلزمه، كذلك يكون مرادفا للغريب المطلق نقل من الوحشي الذي هو منسوب إلى وحيش يسكن القفار، على ما قالوا، ومن الوحشي الذي هو واحد الوحش الذي يسكن القفار على ما نقول. في القاموس الوحش حيوان البر والجمع وحوش، والواحد وحشي، ولعدم الفرق بين المعنيين اعترض بعض بأن ذكر الوحشي في تعريف الغرابة غير مرضي، بل الوحشية قيد زائد على فصاحة المفرد، يعني بالزائد ما لا فائدة له، وذلك لأنه يغني عنه الخلوص عن التنافر، ومنهم من فهم منه أنه ينبغي أن يزاد في تعريف الفصاحة، ويشترط الخلوص عنها، فاعترض بأنا لا نسلم وجوب زيادته لأن الخلوص عن الغرابة يستلزمه؛ لأن الغرابة أعم من الوحشية والخلوص عن الأعم يستلزم الخلوص عن الأخص.
[والمخالفة]
(والمخالفة) قد أوضحناها (نحو) مخالفة الأجلل في قوله:
(الحمد لله العليّ الأجلل) (١).
فإنه خالف ما ثبت من الواضع وهو الأجل تتمته: أنت مليك الناس ربّا فاقبل، فإن قلت: ليس الأجلل مفردا غير فصيح؛ لأن المفرد قسم الموضوع، والموضوع هو الأجل لا الأجلل! قلت: أصل كل مغير موضوع عندهم كالفرع
стр. 167
إلا أنه هجر الأصل، فإن قلت مما يجوز للشاعر فك الإدغام وهو جائز بشرط الاضطرار اتفاقا، وعند ابن جني من غير اضطرار أيضا، قلت: الضرائر مقيسة وغير مقيسة، وفك الإدغام غير مقيس، فلعل الشعر ليس من العرب العرباء، بل ممن ليس له الفك فيما لم يسمع، وقوله: ربّا بالألف، يريد به يا ربي، فيا محذوف، والألف بدل عن الياء أي فاقبل الحمد.
[قيل ومن الكراهة في السمع]
(قيل) فصاحة المفرد خلوصه عما ذكر (ومن الكراهة في السمع) هكذا قدره الشارح، فإن قلت قد سبق أن تعريف الفصاحة والبلاغة على هذا الوجه مما لم يجده في كلام الناس إنما أخذه من اعتباراتهم وإطلاقاتهم، ولو كان فصاحة المفرد معرفا بهذا التعريف لم يكن أخذ تعريفه على هذا الوجه من اعتباراتهم وإطلاقاتهم، بل كان تنقيحا لتعريف وجد في كلامهم بحذف ما هو مستدرك منه! ! قلت: لعل القائل من معاصريه، ويدعي وجوب زيادة قيد على تعريف استخرجه، والأنسب بهذا أن لا يقدر ما قدره الشارح، بل بجعل قوله: ومن الكراهة في السمع معطوفا على ما في التعريف- أعني من تنافر الحروف- عطف تلقين، ومعنى الكراهة في السمع: أن يتبرأ السمع كما يتبرأ عن سماع الأصوات المنكرة، وإنما يجب اشتراط الفصاحة بالخلوص عنها لأن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما يستلذ النفس سماعه، ومنها ما يستكرهه، كذا ذكره الشارح، وفيه نظر؛ لأن اللفظ يجوز أن يكون من الأصوات التي لا يستكرهها أبدا، ويجوز أن يكون نظر المتن هذا المنع، أي لا نسلم أن اللفظ يجري فيه استكراه السمع، ويمكن أن يكون هذا ملخص ما قيل في بيان النظر أن الكراهة في السمع راجعة إلى النغم، فكم من لفظ فصيح يستكره في السمع إذا أدى بنغم غير متناسبة، وكم من لفظ غير فصيح يستلذ إذا أدى بنغم متناسبة، وصوت طيب؛ هذا وما ذكره الشارح في دفعه من دعوى بداهة استكراه جرشي دون النفس غير مسموع، إنما المقطوع به رد السامع أحدهما دون الآخر، مع احتمال أن يكون ذلك الرد لوصمة ثقله على اللسان، وما نقل عنه في حواشي الشرح من قوله:
يعني سلمنا أن للنغم مدخلا في ذلك لكن لا نسلم أنها المرجع، بحيث لا يكون لنفس اللفظ مدخل أصلا مقابلة المنع بالمنع، نحو كراهة الجرشي، كالزمكي
стр. 168
مرادف النفس، في قول أبي الطيب في مدح سيف الدولة أبي الحسن علي:
([كريم الجرشّى شريف النّسب]) أوله: [مبارك الاسم أغرّ اللّقب] (١) قال الشارح: وصف اسمه بالبركة لموافقته اسم أمير المؤمنين علي- ﵁ هذا وحينئذ لا اختصاص له بالاسم، بل الكنية أيضا كذلك، إلا أنه خصه بالاسم ضيق الشعر، ولا بعد أن يجعل البركة لموافقته اسم الله تعالى، فيختص الاسم، والأبلغ أن يكون قصده إلى أنه مبارك الاسم لاكتساب اسمه البركة من ذاته، وأغر اللقب يراد به مشهور اللقب، يعني لقب بسيف الدولة لاشتهاره بهذا الوصف لا للتفاؤل والتمدح، والأغر أبيض الجبهة من الخيل، استعير لكل واضح معروف.
(وفيه نظر) قال الشارح المحقق: لأنها داخلة تحت الغرابة المفسرة بالوحشية، لظهور أن الجرشي إما من قبيل تكأكأتم وافرنقعوا (٢)، أو الجحيش والطلخم، يريد أن الخلوص عن الغرابة يستلزم الخلوص عن الكراهة في السمع، إذ الكراهة في السمع يستلزم عدم استعمال الفصحاء له، فيكون غريبا، إما غير ثقيل على اللسان، أو ثقيلا، لا يقال جعل تكأكأتم وافرنقعوا غير كريه على الذوق ينافي ما نقل عن بعض البلغاء أنه لما قال عيسى بن عمر النحوي (٣): ما لكم تكأكأتم على تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني- قال: دعوه فإن شيطانه يتكلم معه بالهندية؛ لأن إطلاق الهندية عليه يدل على كراهته على الذوق، لأنا نقول يحتمل أن يكون قصده إلى خفاء الدلالة دون الكراهة على الذوق. وأورد عليه أن الغرابة كما تشمل كراهة السمع تشمل تنافر الحروف، ومخالفة القياس؛ إذ الظاهر أن يكونا بمعزل عن استعمال الفصحاء، ويمكن دفع ذكر تنافر الحروف مع اندراجه تحت الغرابة بأن إغناء الغرابة عنه إغناء المتأخر عن المتقدم، ولا وصمة فيه، بخلاف إغناء الغرابة عن قيد الكراهة في السمع؛ فإنه من قبيل إغناء
стр. 169
المتقدم عن المتأخر، وهو قبيح.
وأما ذكر الخلوص عن مخالفة القياس فمشكل؛ إلا أن يقال: لا خفاء في مزيد توضيح يتعلق بذكر الخلوص عن مخالفة القياس، فلا بأس بإراده، وإنما النزاع في وجوب اشتراط الخلوص عن الكراهة في السمع، ومنهم من جعل وجه النظر أن الكراهة إن أدت إلى الثقل فقد دخل تحت التنافر، وإلا فلا يخل بالفصاحة. وقال الشارح ضعفه ظاهره لأن عدم التأدي إلى الثقل لا ينافي الإخلال بالفصاحة ويجوز أن يكون الألفاظ الكريهة في السمع مما يحترز الفصحاء عن استعمالها، فلا تكون فصيحة، ويمكن أن يقال ملخص هذا الوجه أن الكراهة في السمع لو كانت مع الثقل تكون داخلة تحت التنافر، وإلا فلا نسلم استلزامه الإخلال بالفصاحة إذ لم يجد في إطلاقاتهم واعتباراتهم اشتراط الفصاحة بالخلوص عن كراهة السامع، ولا يخفى أنه لا يدفع منع إخلال الكراهة بالفصاحة جواز كونها مخلة، ومنهم من وجه النظر بأن ما ذكره القائل بوجوب ذكر، ومن الكراهة في السمع في بيانه فيه نظر، لأن كون اللفظ من قبيل الأصوات فاسد؛ بل هو كيفية الصوت كما عرف في موضعه، وقال الشارح ضعفه ظاهر لأن كلام المتن يدل على أن نفس الاشتراط منظور فيه، مع أن جعل اللفظ من قبيل الأصوات شائع في اختيارهم، حتى قالوا: اللفظ: صوت يعتمد مخارج الحروف، ولك أن تقول ملخص كلامه أن وجوب زيادة هذا القيد ممنوع لأن تعلق كراهة السمع باللفظ ممنوع، إلا أنه بين أن هذا المنع راجع إلى بيان هذا القائل؛ لأن المقدمة المثبتة إذا منعت يرجع منعها إلى دليلها، فاندفع ما ذكره من أن ظاهر كلام المتن أن نفس الاشتراط منظور فيه. وأما ما ذكره من أن مختار الأدباء أن اللفظ صوت، ووجوب الاشتراط مبني عليه، فدفعه أن للمصنف أن ينازع في الوجوب بناء على ضعف المبني، ومنهم من قال: إن مثل ذلك واقع في التنزيل، كلفظ ضِيزى (١) ودُسُرٍ (٢) ونحو ذلك. قال الشارح: وفيه أيضا بحث؛ لأنه قد تعرض لأسباب الإخلال بالفصاحة ما يمنع
стр. 170
السببية فيصير اللفظ فصيحا، فإن الألفاظ تتفاوت باختلافات المقامات، كما سيجيء في الخاتمة، ولفظ ضِيزى ودُسُرٍ كذلك، هذا وفيه أنه يلزم حينئذ أن لا يكون التعريف للفصاحة جامعا لخروج فصيح غير خالص عن أسباب الإخلال مع وجوب ما يمنعها عن السببية، إلا أن يبالغ في التكلف، ويقال المراد بالخلوص أعم من الخلوص حقيقة، أو حكما، فإن المشتمل على مسبب الخلل مع مانع السببية في حكم الخالص.
[وفي الكلام خلوصه]
واعلم أن الوجوه المذكورة للنظر كلها راجعة إلى منع وجوب اشتراط الخلوص عن الكراهة في السمع بأسانيد مختلفة، فالمناقشة فيها مناقشة في السند الأخص عند التحقيق (و) الفصاحة (في الكلام خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات) أي الكلمتين فصاعدا، وإلا لكان الكلام المشتمل على تنافر الكلمتين الخالص عن جميع ما ذكر مع فصاحة كلماته فصيحا لصدق تعريف الفصاحة على خلوصه، وليس إضافة الكلمات إلى الكلام معتبرة إذ المقصود تقييد التنافر بما يميزه عن تنافر الحروف والمعاني، وذا لا يستدعي إضافة الكلمات إلى الكلام، فافهم وحينئذ في إرجاع ضمير فصاحتها إليه إشكال؛ لأنه يصير المعنى مع فصاحة الكلمتين فصاعدا، فلا يستفاد اشتراط فصاحة جميع كلمات الكلام، وتقيد التنافر بالكلمات للاحتراز عن تنافر المعاني، فإنه لا يخل بالفصاحة، وعن تنافر الحروف لقصد درج الخلوص عنه في قوله: مع فصاحتها.
(والتعقيد مع فصاحتها) ظرف لغو للخلوص أي كون الكلام خالصا زمان فصاحتها، وجعله الشارح حالا من الضمير، وبالجملة احترز به عن خلوص زيد أجلل، وشعره مستشزر، وأنفه مسرج، فإنه ليس بفصاحة، ولهذا ليست فصيحات، فإن قيل لزيد أجلل خلوص مع فصاحة الكلمات لأنه حال قولك زيد أجل، له خلوص عن الأمور المذكورة، فله خلوص حال فصاحة كلماته، فلو كان الفصاحة الخلوص حال فصاحة الكلمات لكان زيد أجلل فصيحا! ! قلت:
ليس لزيد أجلل خلوص حال فصاحة الكلمات؛ لأنه ليس ذلك الخلوص مقارنا بتلك الفصاحة، فلو قيل زيد أجلل خالص حال فصاحة الكلمات لم يصدق، نعم إنه بحيث يخلص حال فصاحتها، وهذا كقولك: الكريم من يسخو حال
стр. 171
مكنته، فإنه لا يصدق على الفقير لو أردت به من له السخاء حال المكنة، ويصدق عليه لو أردت به من هو بحيث يسخو حال مكنته، ومن لم يفرق بينهما أجاب بأن زيد أجل ليس من أحوال زيد أجلل؛ لأنهما تركيبان مختلفان، وليسا واحدا له حالان، وإنما لم يذكر بحيث ذي الحال أو المتعلق بأن يقال: خلوصه مع فصاحتها من ضعف التأليف ... إلخ، لئلا يلزم الإضمار قبل الذكر، ولا بعد قوله وتنافر الكلمات، ليكون أقرب بذي الحال أو عامله لئلا يتوهم كونه قيدا للتنافر، لأنه ظاهر الفساد، ومع ذلك قد وقع بعض الشارحين فيه وطول الشارح الكلام فيه في الشرح، وفيما كتب على حواشيه، وزاد بعض الأفاضل بما ليس الاشتغال به إلا تضييع الوقت في تحصيل ما ليس على الطائل، فتركناه لئلا يلزم على الناقل ما على القائل.
(فالضعف) فسر بأن يكون تأليف أجزاء الكلام على خلاف القانون النحوي المشهور فيما بين الجمهور، والمراد بشهرته ظهوره على الجمهور، فلا يرد أن قانون جواز الإضمار قبل الذكر أيضا مشهور؛ إذ كل من سمع قانون عدم الجواز سمع قانون الجواز، ويرد عليه أن العرب لم تعرف القانون النحوي فكيف يكون الخلوص عن مخالفة القانون النحوي معتبرا في مفهوم الفصاحة في لغتهم، فالصواب أن يقال: وعلامة الضعف أن يكون تأليف أجزاء الكلام ... إلخ.
(نحو) ضعف (ضرب غلامه زيدا) يريد به مخالفة أنه لا يجوز إرجاع الضمير المتصل بالفاعل إلى المفعول به المتأخر، فإنه القانون المشهور عند الجمهور، وإن جوزه الأخفش، وتبعه ابن جنى، لا لأنهما جوزا الإضمار قبل الذكر لفظا ورتبة كما هو المشهور، بل لأنهما أنكرا الإضمار قبل الذكر، هنا يرشدك إلى ذلك تعليلهما الجواز بشدة اقتضاء الفعل المفعول به، كالفاعل، فالمفعول به إذا انفصل عن الفعل لفظا متصل به رتبة فلا إضمار قبل الذكر رتبة، ولهما شواهد رد بعضها بالتأويل، وبعضها بالشذوذ، فإن قلت: ما رد بقوله: شاذا إن قيل فيه بضعف التأليف فالأولى أن يرد فيه بعدم فصاحته، وإلا فينتقض به بيان ضعف التأليف! ! قلت: ما شذ مستثنى من القاعدة فلا يكون مخالفا لها.
(والتنافر) أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان كذا في الشرح، والأنسب بما
стр. 172
ذكره في تنافر الحروف أن يقال وصف في المركب يوجب ثقله على اللسان إما في نهاية الثقل كقوله: ([وليس قرب قبر حرب قبر]) (١) صدره [وقبر حرب بمكان قفر] بالرفع أي هو قفر؛ يعني خال يكشف عن خلائه ما يعقبه، وقال الشارح:
أي خال عن الماء والكلأ واللفظ خبر، والمقصود تحسر في عجائب المخلوقات نوع من الجن يقال لها الهاتف، صاح واحد منهم على حرب بن أمية فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت، وأما دون ذلك (وهو) مثل (قوله) أي أبي تمام في قصيدة يمدح بها موسى بن إبراهيم الرافعي، ويدفع عن نفسه تهمة أنه هجاه بعد أن عاتبه عليه، ووجه الدفع أنه كيف أذم من يمدحه جميع الناس وأشار بقوله:
[وإذا ما لمته] (٢) ... إلخ أنه يستحق الملامة في تصديق أنه هجاه، لكن لا يمكن ملامته لعدم موافقة واحد من الناس، ولهذا ذكر الملامة دون الذم فلا يرد ما عابه به الصاحب من أن مقابل المدح الذم دون اللوم، فينبغي ذكر الذم في مقابله دون اللوم: ([كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي]) (٢).
جملة حالية والتنافر في أمدحه أمدحه لما أن في أمدحه من ثقل ما لما بين الحاء والهاء من القرب، لكن لا إلى حد يخرج به الكلمة عن الفصاحة، فإذا تكرر تحمل الثقل أي بلغ حدّا لا يتحمله الفصيح، وذلك لأنه كرر اجتماع الحاء والهاء، وأدى إلى اجتماع ثلاثة من حروف الحلق، فافهم، وهذا مراد المصنف حيث قال لإثبات أن في البيت تنافرا دون تنافر قوله: [وليس قرب قبر حرب قبر]: إن في أمدحه شيئا من الثقل لما بين الحاء والهاء من القرب، لا أن مجرد أمدحه لذلك غير فصيح، وكيف لا (وسبحه) مع اشتماله على توالي الحاء والهاء مع زيادة وهي مجاورة الكسرة لحروف الحلق فصيح واقع في القرآن! ؟ وهذا هو
стр. 173
الموافق لما صرح به ابن العميد (١) حيث قال: فيه شيء من الهجنة هو هذا التكرير في أمدحه أمدحه، مع الجمع بين الحاء والهاء، وهما من حروف الحلق، خارج عن حد الاعتدال، نافر كل التنافر، أي نافر تنافرا بالغا حد الكمال، وهو ما يخرج به الكلمة عن الفصاحة، فلا ينافي الحكم بأنه دون قوله [ليس قرب قبر حرب قبر] في الثقل، وإنما جعل واو الورى حالية لا عاطفة ليوافق ما يقابله وهو [وإذا ما لمته لمته وحدي] هذا إذا فسر معية الورى بالمشاركة في المدح، ووحدته بعدم مشاركتهم له في الملامة، كما في الشرح. أما لو فسر المعية بحضور الناس، والوحدة بعدم حضورهم يعني أمدحه دائما بحضور الناس لابتهاج الناس به، ولا يمكن ملامته بحضور أحد، بل لو ليم ليم في غيبة الناس- لتعين جعل الواو للحال، والتفسير المشهور أبلغ في استحقاقه المدح، وهذا التفسير أبلغ في تنزيهه عن الملامة، من لطائف تنزيهه عن الملامة أنه لم يقدر على ذكر ملامته إلا في صورة النفي، فزاد ما بعد إذا إبرازا لملامته في صورة النفي، ومما يرجح الحال على العطف أن في عطف المفرد كلفة إسناد فعل المتكلم إلى الاسم الظاهر، وفي عطف الجملة فوت التناسب، ولغيرنا وجوه أخر تركناها لأهلها، ومن فوائد الشرح أن في استعمال إذا والفعل الماضي هاهنا اعتبارا لطيفا هو إيهام ثبوت الدعوى، كأنه تحقق منه اللوم فلم يشاركه أحد.
(والتعقيد أن لا يكون ظاهر الدلالة على المراد) كون التعقيد متعديا، ولذا فسره الشارح بكون الكلام معقدا على لفظ المفعول يوجب أن يكون في تفسيره بما ذكر تسامح، لأنه معنى يقتضي اللزوم فالأولى جعل الكلام غير ظاهرة الدلالة ... إلخ. وقد اعترض عليه بأن التعقيد لو كان مخلا بالفصاحة لم يكن اللغز والمعما (٢) مقبولا، مع أنه مما يورد في علم البديع، والجواب أن قبولهما ليس من حيث الفصاحة بل لاشتمالهما على دقة يختبر بهما أهل الفطن، ولعدم فصاحتهما لم يوردهما صاحب المفتاح والمصنف، في كتابيهما، ولا يخفى أن الكون غير ظاهر الدلالة صادق على عدم الظهور لاشتماله على لفظ غريب، أو مخالف
стр. 174
[أما في النظم]
للقياس، مع أنه ليس تعقيدا فلذا قيده بقوله: (الخلل إما في النظم) وليس المراد بالنظم ما سبق في قوله نظم القرآن لأنه عبارة عن كون اللفظ مرتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل، فإن النظم حينئذ شامل لرعاية ما يقتضيه على المعاني والبيان، والخلل فيه يشمل التعقيد المعنوي والخطأ في تأدية المعنى، بل المراد بالنظم تركيب الألفاظ على وفق ترتيب تقتضيه أجزاء أصل المعنى، والخلل فيه بأن يخرج عن هذا التركيب إلى ما لا يشهد به قوانين النحوي المشهورة، أو إلى ما يشهد به لكن يحكم بأنه على خلاف طبيعة المعنى، فيخفى الدلالة لكثرة اجتماع خلاف الأصل الموجبة لتحير السامع، قال المصنف:
فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار، أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية كما سيأتي تفصيل ذلك كله. فالتعقيد اللفظي ربما كان لضعف التأليف، وربما كان مع الخلوص عنه بأن يكون على قوانين هي خلاف الأصل، فلا يكون اشتراط الخلوص عنه بعد ذكر الخلوص عن ضعف التأليف مستدركا كما توهم، ولا يكون وجود التعقيد اللفظي بلا مخالفة لقانون نحوي مشهور مخالفا للحكم، بأن مرجع الاحتراز عنه النحو كما سيجيء لما أنه حينئذ لا يمكن معرفته بالرجوع إلى قواعد النحو، لانطباقه عليها على ما توهم؛ لأن النحو يميز بين ما هو الأصل وبين ما هو خلاف الأصل، والاحتراز عنه بالاحتراز عن جمع كثير من خلاف الأصل، وأما أنه هل يكون الضعف بدون التعقيد اللفظي أم لا؟ فالحق الثاني، وإن توهم بعض الأفاضل أنه لا تعقيد في جاءني أحمد منونا لأن جاءني أحمد يفيد مجيء أحمد ما، لا الشخص المعين، فلا يكون ظاهر الدلالة على الشخص المعين المراد، لكن لا يتجه أن ذكر التعقيد مغن عن ذكر ضعف التأليف كما توهم؛ لأنه لا بأس بإغناء المتأخر عن المتقدم، كما في العكس، ويمكن دفع استدراك ذكر التعقيد لإغناء ضعف التأليف عنه أيضا بأن ضعف التأليف لا يغني عن التعقيد المعنوي، وذكر التعقيد له لا للتعقيد اللفظي، إلا أن المصنف أراد استيفاء بيان التعقيد فذكر التعقيد اللفظي لاستيفائه، لا لأنه يشترط الخلوص عنه في الفصاحة بعد اشتراط الخلوص عن ضعف التأليف.
стр. 175
(كقول الفرزدق) هو كسفرجل: رغيف سقط في التنور، الواحدة بهاء، أو فتات الخبز، ولقب همام بن غالب بن صعصعة (في خال هشام) نبه به على أن المملك هو هشام: [وما مثله في النّاس] (١) لا في مجرد العرب فبذكر قوله في الناس جعل النفي عاما، ولولاه لتبادر نفي المثل في العرب [إلّا مملّكا] فسر بمن أعطى المال والملك وكأنه روى اسم مفعول، وإلا فالأبلغ اسم الفاعل [أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه] أي حي يقاربه أشار إلى أن (حي) بدل من مثله، ويقاربه صفة له، فقد فصل بين البدل والمبدل منه، والصفة والموصوف بأجنبي، وهو مما لم يجوز (إلّا مملّكا) أشار إلى أنه مستثنى من حي يقاربه، قدم عليه فوجب نصبه الذي كان مرجوحا حين التأخير، إذا كان المختار رفعه على البدل، ولذا رفعه بعد التأخير في التفسير (أبو أمّه أبوه) إشارة إلى أن (أبو أمه مبتدأ)، أبوه فصل بينهما بالأجنبي، والجملة صفة مملكا، فبمخالفة القوانين النحوية، ومخالفة الأصل الذي هو تقديم المستثنى منه حصل التعقيد، فلتقديم المستثنى مع شيوعه دخل في التعقيد. واعلم أن إيراد البيت لتوضيح التعقيد لا لتمثيل ما يخرج عن حد الفصاحة بقوله: والتعقيد؛ فإنه خرج بذكر ضعف التأليف، وقد بالغ في مدح خال هشام، ونفي من يماثله، وأشار ببيان أنه خال المملك إلى أن مماثلة المملك لا ببعض توحده، لأن مماثلة المملك له إنما جاء من قبله، وبحكم أن الولد يشبه الخال، ولا يخفى أنه لو قيل في الناس خبر مثله، ومملكا مستثنى من مثله، وأبو أمه مبتدأ، وحي خبره، وأبوه خبر ثان، ويقاربه خبر ثالث، لم يكن تعقيدا، ويكون المعنى: ما مثله في الناس إلا مملك في غاية الحداثة، إذ أبو أمه حي، وأبو أمه أبو الممدوح، ومن أقرباء المملك، مع قطع النظر عن أنه جده فيكون مدحا للممدوح بالنسب بعد المدح له بالحسب، وليس في هذا التوجيه إلا نصب مملكا مع أن المختار رفعه، ولولا مخافة الإسآم لذكرت وجوها أخر في الشرح
стр. 176
وحواشي بعض فضلاء الأنام، ولزيفت ما هو مزيف، وأحكمت ما هو قابل للإحكام، ولعل المصنف علم قصد الفرزدق فبني التمثيل على قصده فلا يضره احتمال.
[وأما في الانتقال]
(وأما في الانتقال) أي في الانتقال الذي ليس لخلل النظم، وإلا فعدم ظهور الدلالة الخلل في النظم إنما هو لخلل في الانتقال، ولك أن تريد الانتقال من الموضوع له، ويتم التقابل إذا ما سبق خلل الانتقال فيه من اللفظ، وذلك الخلل إما لإرادة ما ليس لازم المعنى الأول الذي أريد الانتقال منه، وذلك بعيد الوقوع رديء جدّا، وإما لكونه لازما بعيدا يغتر الذهن دون الوصول إليه، وإما لعدم نصب القرينة، وذلك أيضا بعيد جدّا، أو لنصب ما هو خفي.
(كقول الآخر) لم يقل كقوله ليعلم أنه غير الفرزدق، أو ليعلم أنه أيضا بليغ من البلغاء، كأنه كقول البليغ الآخر، ولذا صرح باسم الفرزدق أيضا سابقا ليعلم أن البلاغة والمهارة لا يمنع عن الهفوة، فلا بد لكل ذي يد طولى أن يسعى في تحصيل ما هو الطولي، ولا يعتمد على أن بلوغه المرتبة العليا متكفل له، وقال الشارح: لئلا يتوهم أنه الفرزدق، وفيه أنه تأكد حينئذ التوهم في قوله: كقوله:
سبوح لها ... إلخ: [سأطلب] (١) سوف أطلب البعد، وإن كان مهمّا، وقال:
[بعد الدار عنكم] فأضاف البعد إلى الدار إشارة إلى أن بعد ذاتهم لا يمكن أن يخطر بالبال، وطلب بعد الدار غير مقدور في الحال غاية الأمر، وسوسة النفس، والعقل مبالغ في الإمهال، وأسند القرب إلى ذاتهم بقوله: [لتقربوا] لأن قربهم متمكن في الخيال، ولا يترنم بغيره المقال [وتسكب] بالنصب بتقدير أن لعطفه على بعد الدار، وبالرفع لعطفه على سأطلب [عيناي الدّموع لتجمدا] ومعنى البيت على ما هو المشهور عند القوم أن عادة الزمان والإخوان إلجاء الطالب إلى الحرمان، فأي أمر كان هو المرتقب بحكم الزمان والإخوان انعكس وانقلب، فإلى الآن بقيت في حزن البعد، والاحتجاب للمبالغة في طلب السرور
стр. 177
بالوصل، والاقتراب، فبعد اليوم أطلب البعد ليساعد في الدهر وأهله بالقرب والحضور، أطلب حزن البعد لأفوز بالقرب والسرور.
وعلى ما حققه الشيخ أنه كنى بطلب بعد الدار عن توطين النفس عليه والسين لمجرد التأكيد، كأنه قال: إلى اليوم أطيب نفسي بالبعد وأحزانه، وأشيد بناء الصبر الجميل بأركانه، لأتسبب بذلك إلى وصل بتأبد، ومسرة لا تنفد إلى الأبد، فإن الصبر الجميل مفتاح الفرج، مع الأجر الجزيل بلا حرج، والأبلغ أن يجعل تسكب عطفا على أطلب فيكون تحت التأكيد، والشارح المحقق صوب بهذا المعنى، وجعل توجيه القوم تعسفا فاسد المبنى، ولم يرض به المرتضى الشريف، وقال: كلام القوم غير مستحق للتخطئة والتزييف، فتصويب الشارح كتصويب من قال: الصواب أن الشاعر يعتذر إلى العشيقة في التشمر للسفر ليتوسل به إلى أسباب معاشرتها في الحصر؛ إذ بالأموال يقتنص ظباء الغواني، ويتمتع بالوصال، وإلى مثل هذا المعنى أشار المتنبي حيث قال:
[لعلّ الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا] (١)
فلكل من المعاني وجهة هو موليها، وقصد الشاعر موكول إليه، غيره لا يجليها، إذ لم يعرف أنه بصدد الظرافة أو في مقام إظهار الحكمة والكرامة، أو كان التكلم بهذا المقال في مقام السفر والارتحال، حتى يحكم بحقيقة الحال، فلا محال إلا لاستيفاء الاحتمال، ويمكن تقوية الشارح المحقق بأن ما يحتاج إلى معرفة حال الشاعر فالحق فيه متابعة السابق الماهر، وهو الشيخ عبد القاهر الذي يغلب حسن الظن به، ويقرب أن يكون حاله عليه الظاهر، ومن الاحتمالات التي هي أبدر إلى الفهم ما خطر ببالي وهو أن الشاعر قصد إلى أن تحصيل المطالب بأن يكون في الاستغناء عنها كالهارب، وترى نفسك عنه معرضا، فتراه لك متعرضا،
стр. 178
ومن أكب على شيء فهو عنه يهرب، ومن أعرض فهو يقرب، ومن هذا حكم بأن الحرص شؤم، والحريص محروم، وقيل لو لم تطلب الرزق يطلبك، وفي حديث «زر غبّا تزدد حبّا» (١) منه شمة لمن له شامه، وإذا فرغت عن تحقيق معنى البيت فنقول: وبالجملة جعل سكب الدمع وهو البكاء كناية عما يلزم فراق الأحبة من الحزن، وأصاب لأنه واضح الانتقال، لأنه كثيرا ما يجعله دليلا عليه، ويراد به، وجعل جمود العين كناية عن السرور، قياسا على جعل السكب لمقابله، ولم يصبب لأن سكب الدمع قلما يفارق الحزن، بخلاف جمود العين، فإنه يعم أزمنة الخلو عن الحزن، سواء كان زمن السرور أو لا، فلا ينتقل منه إلى السرور، بل إلى الخلو من الحزن، وهذا وجه واضح للخلل في الانتقال إلى ما قصده، وإن خفى إلى الآن، وبه يندفع ما ذكره الشارح أنه يصح أن يراد بجمود العين خلوه عن الدمع مجازا، من باب استعمال المقيد في المطلق، ثم يكنى به عن المسرة لكونه لازما لها عادة، إذ عرفت أن الخلو ينفك عن السرور، لكنهم نظروا إلى أن جمود العين اشتهر في البخل بالدمع، بناء على اشتهار الجمود في البخل، حتى يقال للبخيل: جماد كقطام، ويقال جمد بمعنى بخل، ويستعمل الجمود في مقابلة الجواد حتى قال الحماسي (شعر):
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود (٢)
فظنوا أن اشتهار الجمود في البخل يمنع الانتقال من المعنى الحقيقي إلى غيره فمثله ومثل غيره من المعاني المجازية كمثل الشمس والكواكب حيث تختفي مع الشمس ولذا قال: (فإن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع لا إلى ما قصده من السرور) فتعرض لما ينتقل منه إليه، ولم يكتف بما يهمه من أنه لا ينتقل منه إلى ما قصده تنبيها على أن الخلل في الانتقال ربما يكون من كمال ظهور معنى آخر فيحول بين اللفظ والمقصود، لكنه يتجه عليه أن ما ذكر في صدر
стр. 179
البيت وقصد الحزن بالسكب قرينة واضحة على المقصود؛ فلا خلل في الانتقال.
قال المصنف: والكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما يكون الانتقال فيه من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه، من خاف اللفظ، ويتجه عليه أنه يلزم أن لا يكون الكلام الخالي عن المعنى الثاني فصيحا لأنه ليس له الخلوص عن التعقيد المعنوي، ودفعه الشارح لأنه ببيان القسم من الكلام الخالي من التعقيد المعنوي خص البيان به لأن الكلام الخالي عن المعنى الثاني بمنزلة الساقط عن درجة الاعتبار عند البلغاء، كما ستعرفه في بحث بلاغة الكلام، وفيه أن الكلام الخالي عن المجاز والكناية إذا روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال ليس ساقطا عن درجة الاعتبار، إلا أن يقال هو ساقط باعتبار الدلالة على المعنى وإن كان معتبرا من حيث رعاية مقتضيات الأحوال.
وبعد يتجه أن ما يأتي في بحث بلاغة الكلام سقوط ما ليس له معنى ثان بمعنى مقتضى الحال لا باعتبار الكون مجازا وحقيقة، ونحن نقول خص البيان بالخالي عن التعقيد مما استعمل في المعنى المجازي لأنه المحتاج إلى البيان والتوضيح؛ وأما الخلو عن التعقيد المعنوي لعدم معنى ثان فواضح لا حاجة له إلى بيان.
[قيل ومن كثرة التكرار]
(قيل ومن كثرة التكرار) قد سبق مباحث يهمك التذكار ليغنيك عن التكرار. والتكرار، بالكسر أو الفتح، والأول اسم، والثاني مصدر، في القاموس: التكرير والتكرار والتكرة إعادة الشيء مرة بعد أخرى، وهذا يقتضي أن يتوقف التكرار على التثليث ليتحقق الإعادة مرة بعد أخرى، والاستعمال لا يساعده، أو ليستعمل التكرار إذا ثنى الشيء فالمنقح ما ذكره الشارح المحقق إنه ذكر الشيء مرة بعد أخرى، وما يقال إنه مجموع الذكرين لا الذكر الثاني وهم؛ إذا الكر الرجوع، والتكرير الإرجاع، والمراد بالكثرة ما يقابل الوحدة بقرينة ما ذكر من المثال؛ فإن فيه تثليث الذكر ولا يتحقق به ذكر الشيء مرة بعد أخرى إلا مرتين، وقد يناقش فيه بأنه يتحقق ذكر الشيء مرة بعد أخرى ثلاثا ثالثها ذكر الثالث بعد الأول، ويرده أنه إذا ذكر الشيء ثلاث مرات يقال أعيد مرتين، ولا يقال أعيد ثلاثا، ويكذب القائل فتأمل.
(وتتابع الإضافات) نقل المصنف عن الشيخ عبد القاهر أنه قال الصاحب:
стр. 180
إياك والإضافات المتداخلة؛ فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء كقوله (شعر):
يا علىّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره (١)
ويتضح منه أن المراد بالإضافات ما فوق الواحد، وأن التتابع لا ينافي وقوع غير المضاف بين المضافين، ولو قال المصنف: ومن كثرة التكرار والإضافة لكان أوضح وأخصر.
(كقوله) أي أبي الطيب: [ويسعدني في غمرة بعد غمرة] يريد بالغمرة الشدة استعيرت عما يغمرك من الماء [سبوح] فعول بمعنى فاعل من السبح، السباحة بعد اشتهار استعارتهما لشدة عدو الفرس مع حسن جريها بحيث لا يتعب راكبها، كأنه يجري في الماء، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا يخفى حسن ذكر السبوح بعد التعبير عن الإسعاد في شدة بعد شدة، بالإسعاد في غمرة بعد غمرة [لها] صفة سبوح [منها] متعلق بقوله لها أو متنازع له في الفاعل، وهذا أحسن وأدق مما قيل من أنها حال من شواهد [عليها] متعلق ب «شواهد» [شواهد] (٢) فاعل له، لاعتماده على الموصوف والضمائر كلها لسبوح والمعنى:
سبوح لها من نفسها علامات شاهدة عليها تشهد بنجابتها، فإن قلت: الشهادة على الشيء شهادة مضرة فكيف صح استعماله في الشهادة بنجابة الفرس؟ قلت لا أضر على الفرس من الشاهد بنجابتها، يوقعها في المعارك والمحارب والمهالك.
(وقوله) أي ابن بابك [حمامة] (٣) طير بري لا يألف البيوت، أو كل ذي