← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وحواشي بعض فضلاء الأنام، ولزيفت ما هو مزيف، وأحكمت ما هو قابل للإحكام، ولعل المصنف علم قصد الفرزدق فبني التمثيل على قصده فلا يضره احتمال. [وأما في الانتقال] (وأما في الانتقال) أي في الانتقال الذي ليس لخلل النظم، وإلا فعدم ظهور الدلالة الخلل في النظم إنما هو لخلل في الانتقال، ولك أن تريد الانتقال من الموضوع له، ويتم التقابل إذا ما سبق خلل الانتقال فيه من اللفظ، وذلك الخلل إما لإرادة ما ليس لازم المعنى الأول الذي أريد الانتقال منه، وذلك بعيد الوقوع رديء جدّا، وإما لكونه لازما بعيدا يغتر الذهن دون الوصول إليه، وإما لعدم نصب القرينة، وذلك أيضا بعيد جدّا، أو لنصب ما هو خفي. (كقول الآخر) لم يقل كقوله ليعلم أنه غير الفرزدق، أو ليعلم أنه أيضا بليغ من البلغاء، كأنه كقول البليغ الآخر، ولذا صرح باسم الفرزدق أيضا سابقا ليعلم أن البلاغة والمهارة لا يمنع عن الهفوة، فلا بد لكل ذي يد طولى أن يسعى في تحصيل ما هو الطولي، ولا يعتمد على أن بلوغه المرتبة العليا متكفل له، وقال الشارح: لئلا يتوهم أنه الفرزدق، وفيه أنه تأكد حينئذ التوهم في قوله: كقوله: سبوح لها ... إلخ: [سأطلب] (١) سوف أطلب البعد، وإن كان مهمّا، وقال: [بعد الدار عنكم] فأضاف البعد إلى الدار إشارة إلى أن بعد ذاتهم لا يمكن أن يخطر بالبال، وطلب بعد الدار غير مقدور في الحال غاية الأمر، وسوسة النفس، والعقل مبالغ في الإمهال، وأسند القرب إلى ذاتهم بقوله: [لتقربوا] لأن قربهم متمكن في الخيال، ولا يترنم بغيره المقال [وتسكب] بالنصب بتقدير أن لعطفه على بعد الدار، وبالرفع لعطفه على سأطلب [عيناي الدّموع لتجمدا] ومعنى البيت على ما هو المشهور عند القوم أن عادة الزمان والإخوان إلجاء الطالب إلى الحرمان، فأي أمر كان هو المرتقب بحكم الزمان والإخوان انعكس وانقلب، فإلى الآن بقيت في حزن البعد، والاحتجاب للمبالغة في طلب السرور

стр. 177

بالوصل، والاقتراب، فبعد اليوم أطلب البعد ليساعد في الدهر وأهله بالقرب والحضور، أطلب حزن البعد لأفوز بالقرب والسرور. وعلى ما حققه الشيخ أنه كنى بطلب بعد الدار عن توطين النفس عليه والسين لمجرد التأكيد، كأنه قال: إلى اليوم أطيب نفسي بالبعد وأحزانه، وأشيد بناء الصبر الجميل بأركانه، لأتسبب بذلك إلى وصل بتأبد، ومسرة لا تنفد إلى الأبد، فإن الصبر الجميل مفتاح الفرج، مع الأجر الجزيل بلا حرج، والأبلغ أن يجعل تسكب عطفا على أطلب فيكون تحت التأكيد، والشارح المحقق صوب بهذا المعنى، وجعل توجيه القوم تعسفا فاسد المبنى، ولم يرض به المرتضى الشريف، وقال: كلام القوم غير مستحق للتخطئة والتزييف، فتصويب الشارح كتصويب من قال: الصواب أن الشاعر يعتذر إلى العشيقة في التشمر للسفر ليتوسل به إلى أسباب معاشرتها في الحصر؛ إذ بالأموال يقتنص ظباء الغواني، ويتمتع بالوصال، وإلى مثل هذا المعنى أشار المتنبي حيث قال: [لعلّ الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا] (١) فلكل من المعاني وجهة هو موليها، وقصد الشاعر موكول إليه، غيره لا يجليها، إذ لم يعرف أنه بصدد الظرافة أو في مقام إظهار الحكمة والكرامة، أو كان التكلم بهذا المقال في مقام السفر والارتحال، حتى يحكم بحقيقة الحال، فلا محال إلا لاستيفاء الاحتمال، ويمكن تقوية الشارح المحقق بأن ما يحتاج إلى معرفة حال الشاعر فالحق فيه متابعة السابق الماهر، وهو الشيخ عبد القاهر الذي يغلب حسن الظن به، ويقرب أن يكون حاله عليه الظاهر، ومن الاحتمالات التي هي أبدر إلى الفهم ما خطر ببالي وهو أن الشاعر قصد إلى أن تحصيل المطالب بأن يكون في الاستغناء عنها كالهارب، وترى نفسك عنه معرضا، فتراه لك متعرضا،

стр. 178

ومن أكب على شيء فهو عنه يهرب، ومن أعرض فهو يقرب، ومن هذا حكم بأن الحرص شؤم، والحريص محروم، وقيل لو لم تطلب الرزق يطلبك، وفي حديث «زر غبّا تزدد حبّا» (١) منه شمة لمن له شامه، وإذا فرغت عن تحقيق معنى البيت فنقول: وبالجملة جعل سكب الدمع وهو البكاء كناية عما يلزم فراق الأحبة من الحزن، وأصاب لأنه واضح الانتقال، لأنه كثيرا ما يجعله دليلا عليه، ويراد به، وجعل جمود العين كناية عن السرور، قياسا على جعل السكب لمقابله، ولم يصبب لأن سكب الدمع قلما يفارق الحزن، بخلاف جمود العين، فإنه يعم أزمنة الخلو عن الحزن، سواء كان زمن السرور أو لا، فلا ينتقل منه إلى السرور، بل إلى الخلو من الحزن، وهذا وجه واضح للخلل في الانتقال إلى ما قصده، وإن خفى إلى الآن، وبه يندفع ما ذكره الشارح أنه يصح أن يراد بجمود العين خلوه عن الدمع مجازا، من باب استعمال المقيد في المطلق، ثم يكنى به عن المسرة لكونه لازما لها عادة، إذ عرفت أن الخلو ينفك عن السرور، لكنهم نظروا إلى أن جمود العين اشتهر في البخل بالدمع، بناء على اشتهار الجمود في البخل، حتى يقال للبخيل: جماد كقطام، ويقال جمد بمعنى بخل، ويستعمل الجمود في مقابلة الجواد حتى قال الحماسي (شعر): ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود (٢) فظنوا أن اشتهار الجمود في البخل يمنع الانتقال من المعنى الحقيقي إلى غيره فمثله ومثل غيره من المعاني المجازية كمثل الشمس والكواكب حيث تختفي مع الشمس ولذا قال: (فإن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع لا إلى ما قصده من السرور) فتعرض لما ينتقل منه إليه، ولم يكتف بما يهمه من أنه لا ينتقل منه إلى ما قصده تنبيها على أن الخلل في الانتقال ربما يكون من كمال ظهور معنى آخر فيحول بين اللفظ والمقصود، لكنه يتجه عليه أن ما ذكر في صدر

стр. 179

البيت وقصد الحزن بالسكب قرينة واضحة على المقصود؛ فلا خلل في الانتقال. قال المصنف: والكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما يكون الانتقال فيه من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه، من خاف اللفظ، ويتجه عليه أنه يلزم أن لا يكون الكلام الخالي عن المعنى الثاني فصيحا لأنه ليس له الخلوص عن التعقيد المعنوي، ودفعه الشارح لأنه ببيان القسم من الكلام الخالي من التعقيد المعنوي خص البيان به لأن الكلام الخالي عن المعنى الثاني بمنزلة الساقط عن درجة الاعتبار عند البلغاء، كما ستعرفه في بحث بلاغة الكلام، وفيه أن الكلام الخالي عن المجاز والكناية إذا روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال ليس ساقطا عن درجة الاعتبار، إلا أن يقال هو ساقط باعتبار الدلالة على المعنى وإن كان معتبرا من حيث رعاية مقتضيات الأحوال. وبعد يتجه أن ما يأتي في بحث بلاغة الكلام سقوط ما ليس له معنى ثان بمعنى مقتضى الحال لا باعتبار الكون مجازا وحقيقة، ونحن نقول خص البيان بالخالي عن التعقيد مما استعمل في المعنى المجازي لأنه المحتاج إلى البيان والتوضيح؛ وأما الخلو عن التعقيد المعنوي لعدم معنى ثان فواضح لا حاجة له إلى بيان. [قيل ومن كثرة التكرار] (قيل ومن كثرة التكرار) قد سبق مباحث يهمك التذكار ليغنيك عن التكرار. والتكرار، بالكسر أو الفتح، والأول اسم، والثاني مصدر، في القاموس: التكرير والتكرار والتكرة إعادة الشيء مرة بعد أخرى، وهذا يقتضي أن يتوقف التكرار على التثليث ليتحقق الإعادة مرة بعد أخرى، والاستعمال لا يساعده، أو ليستعمل التكرار إذا ثنى الشيء فالمنقح ما ذكره الشارح المحقق إنه ذكر الشيء مرة بعد أخرى، وما يقال إنه مجموع الذكرين لا الذكر الثاني وهم؛ إذا الكر الرجوع، والتكرير الإرجاع، والمراد بالكثرة ما يقابل الوحدة بقرينة ما ذكر من المثال؛ فإن فيه تثليث الذكر ولا يتحقق به ذكر الشيء مرة بعد أخرى إلا مرتين، وقد يناقش فيه بأنه يتحقق ذكر الشيء مرة بعد أخرى ثلاثا ثالثها ذكر الثالث بعد الأول، ويرده أنه إذا ذكر الشيء ثلاث مرات يقال أعيد مرتين، ولا يقال أعيد ثلاثا، ويكذب القائل فتأمل. (وتتابع الإضافات) نقل المصنف عن الشيخ عبد القاهر أنه قال الصاحب:

стр. 180

إياك والإضافات المتداخلة؛ فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء كقوله (شعر): يا علىّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره (١) ويتضح منه أن المراد بالإضافات ما فوق الواحد، وأن التتابع لا ينافي وقوع غير المضاف بين المضافين، ولو قال المصنف: ومن كثرة التكرار والإضافة لكان أوضح وأخصر. (كقوله) أي أبي الطيب: [ويسعدني في غمرة بعد غمرة] يريد بالغمرة الشدة استعيرت عما يغمرك من الماء [سبوح] فعول بمعنى فاعل من السبح، السباحة بعد اشتهار استعارتهما لشدة عدو الفرس مع حسن جريها بحيث لا يتعب راكبها، كأنه يجري في الماء، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا يخفى حسن ذكر السبوح بعد التعبير عن الإسعاد في شدة بعد شدة، بالإسعاد في غمرة بعد غمرة [لها] صفة سبوح [منها] متعلق بقوله لها أو متنازع له في الفاعل، وهذا أحسن وأدق مما قيل من أنها حال من شواهد [عليها] متعلق ب «شواهد» [شواهد] (٢) فاعل له، لاعتماده على الموصوف والضمائر كلها لسبوح والمعنى: سبوح لها من نفسها علامات شاهدة عليها تشهد بنجابتها، فإن قلت: الشهادة على الشيء شهادة مضرة فكيف صح استعماله في الشهادة بنجابة الفرس؟ قلت لا أضر على الفرس من الشاهد بنجابتها، يوقعها في المعارك والمحارب والمهالك. (وقوله) أي ابن بابك [حمامة] (٣) طير بري لا يألف البيوت، أو كل ذي

стр. 181

طوق يقع على الذكر والأنثى، وللجنس حمام [جرعى] مؤنث الأجرع، مخفف جرعاء، وهي الكثيب جانب منه رمل وجانب حجارة [حومة] البحر والرمل والغيال، وغيرها معظمها [الجندل] بالفتح وكسر الدال وبضم الجيم وفتح النون، وكسر الدال، الموضع يجتمع فيه الحجارة، فيجب أن يجعل الجندل مكسور الدال لا مفتوحها، وإن اشتهر تصحيفه، حتى قيل المراد به الأرض ذات الحجارة، بأن أطلق اسم الحال على المحل، ومنهم من جعله مكسور الدال مخفف جندل بفتحتين وكسر الدال، حيث أثبته الصحاح بمعنى موضع ذي حجارة، وجعل إسكان النون للضرورة، وفيه أن الحذف المقيس للضرورة مختلف، وهو بعدم صرف المنصرف ومتفق، وهو بالترخيم صرح به التسهيل، ففيه إضافة حمامة إلى جرعى المضافة إلى حومة المضافة إلى الجندل [اسجعي] أي رددي صوتك والسجع ترديد الحمامة صوتها، تمامه [فأنت بمرأى من سعاد ومسمع] أي بحيث تراك سعاد وتسمع كلامك، على ما في الصحاح والقاموس: إلا أن الكتابين أثبتاه هكذا هو منى مرأ ومسمع بدون الياء، وزاد القاموس: وينصب، فمن شرحه بأنك بحيث ترين سعاد وتسمعين كلامها لم يعرف الاستعمال، وأما قول الشارح المحقق: إنه خلاف المعقول أيضا فلا يتم، وإن وجه بأن الأمر بالسجع إنما يناسب لإسماع سعاد، وذلك إنما يكون إذا كان سعاد بحيث تسمع صوتها، لا لأن الحمامة إذا كانت بحيث تسمع صوت سعاد، فسعاد أيضا بحيث تسمع صوتها، لأن صوت الحمامة ليس كصوت الإنسان في الارتفاع، بل لأن الأمر بالصوت لا ينحصر في داعي الإسماع، بل من دواعيه النشاط والسرور، كالبلابل تترنم بمشاهدة الورد. ويرجح هذا الداعي عدم الاكتفاء بمسمع وضم مرأى إليه. (وفيه نظر) لأنه قال الشيخ: لا شك في ثقل تتابع الإضافات في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف، كقول ابن المعتز: وظلّت تدير الكاس أيدى جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح (١)

стр. 182

ومنه: الاطراد المذكور في علم البديع، كقوله: [بعتيبة بن الحارث بن شهاب] هذا فعلم منه أن تتابع الإضافات إنما تنافي الفصاحة، حيث أوجب الثقل والتنافر، وكذا الحال كثرة التكرار؛ لأنه لا وجه لمنافاته للفصاحة سوى إيجاب التنافر كيف وقد وقع في النظم مثل دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (١) وذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) ووَ نَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٣). [وفي المتكلم ملكة يقتدر بها] (و) الفصاحة (في المتكلم ملكة) أي كيفية ترسخت في ذات النفس، وأحسن ما رسم به الكيف عرض لا يتوقف تصوره على تصور غيره، ولا يقتضي القسمة، واللاقسمة في محله اقتضاء أوليّا، والمراد عدم توقف تصور العرض الجزئي بخصوصه، واحترز به عن تصور ما يتوقف عليه النسبة، ولا يرد الكيفيات المركبة لأن تصوراتها بخصوصها لا يتوقف على تصورات أجزائها، ولا الكيفيات النظرية، كما توهم، لأن إشخاص الكيف لا يكون نظرية. وقولهم: اقتضاء أوليّا على ما صرحوا به لئلا يخرج العلم بمعلوم واحد، فإنه لعروض الوحدة له يقتضي اللاقسمة والعلم المعلومين، فإنه لتعلقه بالمتعدد يقتضي القسمة، ولا يخفى أنهما لا يقتضيان القسمة واللاقسمة في محلهما، بل في انقسامها، فمع قوله في محله لا حاجة إلى قوله قولا أوليا لذلك، وكما أنه يحتاج اقتضاء القسمة واللاقسمة إلى التقييد بالأولى يحتاج عدم توقف التصور على التصور الغير بالتقييد بالقيد الأولى، لأنه قد يعرض الكيف لنسبة فيتوقف باعتبارها على الغير، هذا قال المصنف: آثر ملكة على صفة إشعارا بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة، حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحا بحسب الاصطلاح من غير رسوخ ما يقتدر به عليه فيه، وفيه بحث؛ لأن المعبر عن كل مقصود بلفظ فصيح فصيح، لأنه لا يكون بدون ملكة يقتدر بها عليه، نعم لو قيل أشعر بذكر الملكة إلى أن صفة غير راسخة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح غير داخل في الفصاحة؛ بل ملكة التعبير عن المقصود

стр. 183

بلفظ لفظ من دواخلها؛ لأنها إذا كانت ملكة التعبير عن كل مقصود بلفظ فصيح كانت عند التحقيق ملكات يقتدر بكل واحدة على تعبير لم يبعد. ومن جعل مقصوده هذا لم يلتفت إلى عبارته أدنى التفات، وإلا لم يخف عليه أنه لا يساعده أصلا، ويمكن إتمام ما ذكره المصنف بأن قوله ملكة للإشعار بأن صفة يقتدر بها على التعبير عن كل مقصود بلفظ فصيح، من غير أن يصير ملكة ليست فصاحة، وهذه ملكة التعبير عن جميع المقاصد إلا قليلا، وصفة يعبر بها عن القليل بلفظ فصيح من غير رسوخها، فإن مجموع تلك الملكة وهذه الصفة صفة غير راسخة يقتدر بها على التعبير عن المقصود كله بلفظ فصيح. وقال: (وقيل يقتدر بها) ولم يقل: يعبر بها ليشمل حالتي النطق وعدمه، ويتجه عليه أن الملكة حال السكوت متصفة بأنها يعبر بها عن المقصود في الجملة، ودفعه الشارح المحقق بأن المراد بحال النطق في الجملة بأن ينطق صاحبها في زمان من الأزمنة، وبعدم النطق عدمه أصلا بأن لا ينطق قط، ولو قيل يعبر لخص بمن ينطق بمقصود في الجملة، ووصى بالمحافظة على هذا المعنى قائلا: هكذا يجب أن يفهم هذا المقام، وفيه أن فائدة قيد الاقتدار حينئذ عدم خروج ما لا يكاد يوجد، فتقول: المراد أن درج الاقتدار ليشمل حالة النطق بكل مقصود، بلفظ فصيح، وحالة عدم النطق بكل مقصود، بأن ينطق ببعض المقاصد، والبعض بعد لم يرد، أو ورد وبدا له أن ينطق به، فلو قيل: ملكة يعبر بها عن كل مقصود بلفظ فصيح لاختص الفصاحة بمن بلغ نهاية أمر النطق، ولم يكن مقصود يرد عليه إلا وقد ورد عليه، وعبر عنه بلفظ فصيح، هكذا يجب أن يفهم هذا المقام، ويصادر شار والمرام بعون الله الملك العلام، وإلا وجه أنه لو قال ملكة يعبر بها لصدق على القدرة الراسخة الحاصلة بتلك الملكة، بل لا يصدق إلا عليها، إذ المتبادر من السبب هو الأقرب. (على التعبير عن المقصود) أي كل ما يعلق به قصد إفادته بلفظ فصيح. قال المصنف: قيل (بلفظ فصيح) ليعم المفرد والمركب، هذا يريد أنه لم يقل بفصيح مع أنه أخصر؛ ليعم المفرد والمركب عموما بينا، ولا يحمله السامع على المفرد الفصيح أو الكلام الفصيح، بناء على قضية اللفظ المشترك، فإنه لا يراد به

стр. 184

إلا معنى واحدا، ولم يقل مفرد فصيح أو كلام فصيح ليعم إذ لا بد من العموم، أو المراد بالمقصود كل مقصود فلو خص الفصيح بالمفرد لوجب في الفصاحة ملكة الاقتدار على التعبير عن كل مقصود، كلامي المفرد بالمفرد، وهو محال، ولو خص بالكلام لوجب فيها ملكة الاقتدار على التعبير عن مقصود مفرد بكلام، وهو محال، ولا يخفى أن عموم المفرد والمركب موقوف على تكلف استعمال الفصيح في معنييه، كما جوزه البعض، أو استعمال ما يطلق عليه الفصيح، ويقال له عموم الاشتراك، وبعد في وصف لفظ به خفاء أما على الأول؛ فلأنه يصير المآل بلفظ موصوف بمعنيي الفصيح، وهو باطل؛ والصحيح بلفظ موصوف بأحد معنى الفصيح، وهو لا يستفاد من استعمال الفصيح في معنييه، وأما على الثاني فلأنه يصير المآل بلفظ هو ما يطلق عليه الفصيح، ولا يخفى أن اللفظ ليس ما يطلق عليه الفصيح، بل مفهوم يصدق على اللفظ، ووجوب عموم المعبر به المفرد والمركب، كما يقتضي أن يقال بلفظ فصيح دون مفرد، أو كلام فصيح يقتضي أن يقال بلفظ فصيح دون لفظ بليغ، إذ البليغ لا يعم المفرد، نعم عدم وجوب ملكة الاقتدار على البلاغة في الفصاحة أيضا يقتضي أن لا يقال بلفظ بليغ. فقول الشارح: وقول بعضهم ولأن يعم المفرد والمركب، قال بلفظ فصيح دون كلام فصيح، أو لفظ بليغ- سهو ظاهر، لا يقال يصدق التعريف على الحياة والإدراك ونحوهما مما يتوقف عليه الاقتدار المذكور، لأنا نقول ليس شيء منها سببا بل شرطا، أو ليس سببا قريبا بل بعيدا، والباء ظاهر في السبب القريب. [والبلاغة في الكلام] (والبلاغة (١) في الكلام مطابقته) أي مطابقة صفته (لمقتضى الحال) فإن مقتضى الحال خصوصيات، وصفات قائمة بالكلام، فالكلام لا يطابقه بل يشتمل عليه، والخصوصية من حيث إنها حال الكلام ومرتبطة به مطابق لها من حيث إنها مقتضى الحال، فالمطابق والمطابق متغايران اعتبارا على نحو مطابقة نسبة الكلام للواقع، وعلى هذا النحو قول المصنف في تعريف المعاني: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال أي يطابق صفة اللفظ مقتضى الحال، هذا هو المطابق لعبارات القوم، حيث يجعلون الحذف والذكر

стр. 185

إلى غير ذلك معللة بالأحوال، ولما هو الأليق بالاعتبار؛ لأن الحال عند التحقيق لا يقتضي إلا الخصوصيات دون الكلام المشتمل عليها، والشارح أراد المحافظة على ظاهر مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فوقع في الحكم بأن مقتضى الحال هو الكلام الكلي، والمطابق هو الكلام الجزئي، ومطابقة الجزئي للكلي على عكس اعتبار الميزانيين من مطابقة الكلي للجزئي، فعدل عما هو ظاهر المنقول، وعما هو المعقول، وارتكب كلفة مطابقة الجزئي للكلي، مع أن المحمول بالطبع هو الكلي، واللائق اعتبار مطابقته للجزئي. (مع فصاحته) قيل خالف في هذا القيد السكاكي فقيل إنه لا يشترط شيئا من فصاحة الكلام في البلاغة، وليس رجوع البلاغة إلى البيان لاشتراطها بالخلو عن التعقيد المعنوي؛ بل لمعرفة أنواع المجاز والكناية وعلاقاتها، لئلا يخرج فيها عن اعتبارات اللغة، وقيل إنه لا يشترط في البلاغة من الفصاحة سوى الخلوص عن التعقيد المعنوي. (وهو) أي مقتضى الحال (مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة) كان الظاهر أن يقول فإن الأحوال متفاوتة، إلا أنه نبه على ترادف الحال والمقام، قال الشارح المحقق: الحال والمقام متقاربا المفهوم، والتغاير بينهما اعتباري، فإن الأمر الداعي مقام باعتبار توهم كونه محلا لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال باعتبار توهم كونه زمانا له، ولا يخفى أن وجه التسمية لا يكون داخلا في مفهوم اللفظ، حتى يحكم بتعدد المفهوم بالاعتبار، ولذا حكمنا بالترادف، ثم الظاهر أنه سمى مقاما لأنه كما أن تفاوت مراتب الرجال تثبت بالمقامات كذلك تفاوت مراتب الكلام بالأحوال، وسمي حالا لأنه مما يتغير ويتبدل، كالحال الذي عليه الإنسان، فإن قلت يتجه على ما ذكره الشارح أن تفاوت المقامات لا يستدعي تفاوت مقتضيات الأحوال لجواز أن لا تتفاوت الأحوال، ويكون تفاوت المقامات باعتبار ما اعتبر فيه! ! قلت: المراد أن ذات مقامات الكلام متفاوتة، ومما فرق بين الحال والمقام أن المقام يضاف إلى المقتضى فيقال: مقام التأكيد والحال إلى المقتضى فيقال حال الإنكار، ثم المقصود من هذا الكلام يحتمل أن يكون وصية المتكلم بالاحتياط في تطبيق الكلام على مقتضى الحال فإنه

стр. 186

في معرض الاختلال؛ لاختلافها باختلاف الأحوال، وأن يكون بيان وجه كون المقتضيات مختلفة، وعدم اعتبارها على نحو واحد، يعني إنما جعل خصوصيات الكلام مختلفة لإنها لإفادة الأحوال، ولا بد للأمور المختلفة من دوال مختلفة، لتستفاد منها، وهذا كما سمعت من علماء النحو، إنما وضعت الإعراب مختلفة ليدل على المعاني المعتورة على المعرب، وعلى الاحتمالين لا ينبغي لك أن تنازع معه بأن الأحوال المتكثرة كثيرا ما يجتمع على مقتضى كما ترى من اجتماع الإفراد والنوعية والتعظيم والتحقير والتنكير والتقليل، على التنكير إلى غير ذلك، وبأن المقتضيين قد يكونان لمحال واحد كالتنكير واسم الإشارة، فإنهما يكونان لتعظيم أو تحقير، وذلك لأن ما ذكرت لهما نظيران هو الاشتراك والترادف، وكلاهما على خلاف طبيعة قانون الوضع، فخلاف الظاهر لا يسعه أن يورد نقصا على دعوى انتفاء تحقق ما هو الظاهر، فكن معنا ولا تفارقنا إن لم تحرم عن المشاعر. (فمقام كل) شروع في بيان اختلاف المقامات، وقال الشارح المحقق: وفيه إشارة إجمالية إلى ضبط بديع للمقتضيات، حيث فصل فيها بين ما يخص أجزاء الجملة، وما يخص الجملتين فصاعدا، وما لا يخص شيئا منها، والثاني مقام الفصل والوصل، والثالث مقام الإيجاز وخلافه، والأول ما عداهما، أقول مع تقديم ما هو الأصل والتصريح به، وتأخير ما هو الفرع وبيانه إجمالا فيما أجمل، ألا ترى أن التنكير مثلا أصل، والتعريف فرعه؟ ! وكذا الفصل لكن المناسب حينئذ أن يقول: ومقام المساواة يباين مقام خلافه، ويمكن أن يعتذر بأنه لما كان في سلوك طريق الإيجاز دعا اهتمامه بالإيجاز إلى ذكره، ولا يذهب عليك أن ضبطه لأكثر المقتضيات لا بجميعها، فإن من المقتضيات ما يخص بنفس الجملة، كالتعبير عن الخبر بالإنشاء وبالعكس، ومنها ما يخص لجزئي الجملتين كإعادة اسم ما استؤنف عنه، نحو: أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وإن الذكر والحذف المذكورين في الفصل الأول لا يخص بأجزاء الجملة، بل يعم الجملة والجملتين فصاعدا فمقام كل (من التنكير) أي شيء كان المنكر من أجزاء الجملة (و) كذا (الإطلاق والتقديم والذكر يباين مقام خلافه) ظاهره مقام خلاف كل، وليس لنا مقام هو بخلاف كل، وهذه شبهة صعبت على المهرة، وغاية ما

стр. 187

ذكر في دفعها ما اصطاده جواد قلم السيد السند فاض عليه المغفرة من الأحد الصمد طول الأبد إلى الأبد، أن هذا إجمال لتفصيل جميل إذ المقصود فيه أن مقام التنكير يباين مقام خلافه إلى آخر الكلام، إلا أنه أجمل طلبا للاختصار فوقع الخلل في الإضمار، فالمقصود صحيح واضح، والعبارة مختلفة لا تصح فمن يناقش في المراد بشأنه الاعتداد، ومن يذب عن العبارة الفساد فهو في خرط القتاد، ونحن نقول لما تعارف هذا الإجمال في إفادة التفصيل، وشاع في محاورات البلغاء وأرباب التحصيل فالبيان أيضا بيان جميل. (ومقام الفصل يباين مقام الوصل ومقام الإيجاز يباين مقام خلافه) صرح بخلاف الفصل بخلاف غيره حفظا لحسن موازنة الوصل للفصل، وطلبا للاختصار بقدر الإمكان، فتأمل. وينبغي أن يحمل قوله: ومقام الفصل يباين مقام الوصل على أن مقام كل فصل يباين مقام كل وصل، ليكون مشيرا إلى تفاوت مراتب الفصول والوصول، ويحمل قوله: ومقام الإيجاز يباين مقام خلافه على أن مقام كل إيجاز يباين مقام كل مخالف له، لذلك فيكون على طبق ما في المفتاح، ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام، فإن لكل من الإيجاز والإطناب لكونهما نسبيين حدودا ومراتب متفاوتة، ومقام كل يباين مقام الآخر. (و) كذا (خطاب الذكي) أي كذا مقام ما يخاطب الذكي (مع) مقام (خطاب الغبي) أي ما يخاطب به الغبي، وهذا أيضا لا يخص بأجزاء الجملة، ولا بالجملتين فصاعدا، وإنما فصل عما سبق لأن التفاوت فيه نشأ من قبل الخطاب لا من قبل نفس الكلام، والمراد بالذكي الذكي بالإضافة إلى غيره، وكذا المراد بالغبي، فيندرج فيه تفاوت مراتب الذكاء والغباوة. في القاموس الذكاء: سرعة الفطنة، والغباوة: عدم الفطنة، هذا فالمقابل للغبي هو الفطن، إلا أنه أراد به الفطن، واختاره لمزيد مناسبة لفظية بينه وبين الغبي، فلذا لم يقل مع خلافه. (ولكل كلمة مع صاحبتها) منصوب بالظرف المتقدم (مقام) مبتدأ خبره الظرف المتقدم، قدم للحصر: أي المقام لها لا لكلمة يشاركها في أصل المعنى، فليس للبليغ أن يختار تلك الكلمة مع صاحبتها ما لم يدعيه إليها هذا المقام، بخلاف

стр. 188

كلمة لا يشاركها في أصل المعنى؛ فإن اختيارها عليها ليس لاقتضاء المقام بل لتوقف معنى قصد إفادته عليها، ومن غفل أشكل عليه وجه تقييد الكلمة زاعما أن المقام ليس لكلمة لا يشاركها أيضا، فاعتذر بأن هذا القسم أولى بالتعرض فخص بالتعرض، واعتمد في معرفة المتروك على المقايسة، ولا يخفى أن مقام كل كلمة مع صاحبتها شديد الاتصال مع ما سبق على مقام خطاب الذكي شاك عن فصل مقام خطاب الذكي، بينه وبين ما سبق إذ كل مقام بالنسبة إلى نفس الكلام، بخلاف مقام الذكي فإنه حاصل بالنظر إلى المخاطب إلا أنه سلك المصنف طريق الترقي فقال في بيان تفاوت المقام: إنه بلغ إلى أنه يتفاوت مقام كلمة، ومقام ما يشاركها في أصل المعنى، قال الشارح: المراد بصاحبتها كلمة أخرى صحبتها لكن أعم من الكلمة حقيقة، أو حكما ليندرج فيها مقام المسند إليه، مع المسند الذي هو جملة اسمية أو فعلية أو ظرفية أو شرطية. هذا ولا يخفى عليك أنه يجب تعميم الكلمة أيضا، ليندرج فيه مقام للمسند الذي هي جملة مع المسند إليه، وليندرج فيه (تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه) (١) وبعد لا يفي هذا التعميم لاندراج كل ما هو من هذا القبيل من المقام لخروج مقام جملة مع جملة ليس لشيء منهما محل الإعراب، فلا بد من الحكم بأنه ترك للمقايسة، فلك أن تستغنى عن تعميم الكلمة بالمقايسة، ولا يتوهم قاصر أن صاحبة الكلمة ما جاورتها إذ هي ما ارتبطت بها وتعلقت بها نوع تعلق مثلا مرفوعة، في قوله تعالى فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (٢) لها مع الموضوعة مقام ليس للمرتفعة معها، لا مع الأكواب، فنقول: يكفي للإتيان بالكلمة أن يقتضيها مقام لها مع صاحبه، وإن لم يكن مقام يقتضيها مع عدة من صواحب أخرى؛ بل تستوي هي وما يشاركها في أصل المعنى، مع تلك الصواحب، وبعد ضبط مقتضيات الأحوال إجمالا ليعين على ضبطه بعد الشروع في الفن تفصيلا، ويمكن في النفس فصل تمكن رغب في ضبطها ببيان شرفها وعظم منفعتها فقال: (وارتفاع شأن الكلام في الحسن) المعهود المعتبر عند عظماء العرب (والقبول) عندهم فإن العهد في هذا الفن ينساق

стр. 189

إليه وإن كان للكلام أقسام حسن وقبول، سواه فحسن الكلام عند من هو طالب انكشاف الشيء على ما هو عليه بصدقه وقبوله بحسبه، وعند من هو مطمح نظره النشأة الباقية ينفعه في النشأة الباقية. (بمطابقته للاعتبار المناسب) للمقام كما يشهد به قول المفتاح، وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول وانحطاطه بحسب مصادفة المقام لما يليق به، وكأنه قال المصنف: (وانحطاطه بعدمها) إصلاحا لكلامه، حيث أورد عليه أن الانحطاط ليس بالمطابقة، وأجيب بأن في كلامه حذفا والتقدير بحسب مصادفة المقام لما يليق به، وعدم مصادفته له، فأبرز في كلامه ليكون صالحا ما قدر في كلام المفتاح لإصلاحه، وأورد عليه أن أصل الحسن والقبول بالمطابقة لارتفاعه، وعدم الحسن والقبول رأسا بعدمها، لا الانحطاط فيهما، ونحن ندفع الثاني بأن المراد الانحطاط عن الحسن والقبول، لا الانحطاط فيهما، حتى يقتضي ثبوت الحسن والقبول في غير المطابق، ومن التزم أن الحسن والقبول يجوز أن يحصلا بالفصاحة عند المصنف فيندفع الأول، أيضا غفل عما سيحكم المصنف من أن غير المطابق للاعتبار المناسب يلتحق بأصوات الحيوانات، ونقول في دفع الأول أن الارتفاع في الحسن والقبول كثبوتهما بالمطابقة، إلا أنه بمطابقة أرفع يعلم ذلك بمعرفة أن أصلهما بالمطابقة فيكون الارتفاع بمطابقة أرفع، وتلك المعرفة من الحكم بالانحطاط عن درجة الحسن والقبول بعدمها، والمراد بالكلام الكلام الفصيح، على ما ذهب إليه الشارح، متمسكا بأنه إشارة إلى ما سبق، وفيه أن السابق- صريحا- هو الكلام المطلق حيث قال: والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، وفي ضمن تعريف البلاغة الكلام الفصيح المطابق، ففي رد الكلام إلى الفصيح دون المطلق أو الفصيح البليغ خفاء، ونحن نصرفه إلى الكلام البليغ، ولا مانع عنه بعد شرح قوله: وانحطاطه على ما سبق، والمراد بالحسن الذاتي لأنه الكامل المعتد به، فينصرف إليه فلا يرد أنه قد يرتفع في الحسن والقبول بالمحسنات البديعية. بقي هاهنا بحث لا بد منه، وهو أنه كيف يريد مطابقة كلام على كلام حتى يرتفع؟ فإن اكتفى في البلاغة بالمطابقة لبعض مقتضيات الأحوال حتى يكون الكلام بليغا إذا روعى فيه حال وإن فاتت أحوال كثيرة،

стр. 190

فزيادة مطابقة كلام على مطابقة كلام آخر مما لا خفاء في تحققها، لكن الظاهر أن المراد بقولهم: البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مطابقته لكل ما هو مقتضى الحال، لأنه المتبادر اللائق بالاعتبار، وإن لم يكتف، وشرط في البلاغة مطابقة الكلام لمقتضيات الحال كلها، فمزية المطابقة على مطابقته بأن يكون أحوال كلام أكثر من أحوال كلام آخر. [فمقتضى الحال] (فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب) متفرع على قوله: وارتفاع شأن الكلام، والمقصود منه التنبيه على أن مقتضى الحال معناه مناسب الحال لا موجبه، الذي يمتنع أن ينفك عنه، كما يقتضيه المقتضي، وإنما إطلاق المقتضى للتنبيه على أن المناسب للمقام في نظر البليغ كالمقتضى الذي يمتنع انفكاكه، فلا يجد بدّا منه؛ لكن التفرع خفى فبينه بأن ارتفاع شأن الكلام في الحسن الذاتي الداخل في البلاغة إنما يكون بالاعتبار المناسب دون غيره، لو كان الاعتبار المناسب مقتضى الحال، إذ لو وجد اعتبار مناسب غير مقتضى الحال لكان ارتفاع شأن الكلام به في الحسن الخارج عن حد البلاغة، ولو وجد مقتضى حال غير الاعتبار المناسب لوجد ارتفاع لغير الارتفاع المناسب، وبينه الشارح المحقق بأنه بملاحظة مقدمة معلومة وهو أنه لا ارتفاع إلا بالمطابقة لمقتضى الحال، فإن هذه المقدمة المعلومة مع هذه المقدمة المذكورة التي هي في قوة لا ارتفاع إلا بالمطابقة للاعتبار المناسب، لأن المصدر المضاف إلى المعرفة للاستغراق، فيستفاد الحصر منه يقتضي اتحاد إفرادهما، إذ لولا اتحاد إفراد مقتضى الحال والاعتبار المناسب لبطل أحد الحصرين، أو كلاهما، هذا كلامه، ولا يخفى أنه منقوض بصحة الحصرين في قولنا «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (١) وقولنا «لا صلاة إلا بالنية» والشارح نفسه أوضح فيما كتب في حاشية هذا المقام مراده، ووافقه السيد السند فقال: أما بطلان أحد الحصرين ففيما إذا كان بين مقتضى الحال والاعتبار المناسب عموم وخصوص مطلقا فإنه يبطل الحصر في الأخص ضرورة تحقق الارتفاع بالإفراد الآخر للأعم، وأما بطلان كلا الحصرين ففيما إذا كان بينهما مباينة أو عموم من وجه، فإنه يصدق كل منهما بدون الآخر فلا يصح الحصر في أحدهما، هذا وفيه أن اللازم ليس إلا بطلان أحد الحصرين كما لا يخفى، ولا

стр. 191

يتعين البطلان في الأخص لاحتمال بطلان الحصر في الأعم باعتبار الجزء الثبوتي للحصر، ثم قال: وفيه نظر؛ وأوضحه فيما كتب في الحاشية من أن حصر شيء في شيء لا يوجب ثبوته لكل من أفراده حتى يبطل بذلك الحصر، فيما هو أخص من ذلك مطلقا، أو من وجه، كقولنا: ليس الضحك إلا للحيوان، هذا وفيه بحث؛ لأن مقصود أرباب التدوين بمثل قولهم لا ارتفاع إلا بالمطابقة للاعتبار المناسب أن الارتفاع يكون بها لا محالة، ولا يكون بغيره، إذ الغرض أن يتعلم المتعلم ما به يعرف الكلام المرتفع، وبهذا اندفع ما أوردناه من النقض، لكن ما كتب في الحاشية لدفعه أن أمثال هذه المقامات منتجة في الخطابيات لا نعرف له محصلا، قال السيد السند: قيل على تقدير صحة المقدمتين لا يلزم إلا المساواة في الصدق بين المقتضي والاعتبار المناسب والمطلوب هو الاتحاد في المفهوم، وأنت تعلم أن تفريع قوله فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب على ما تقدم، وجعله نتيجة له لا يستلزم دعوى الاتحاد في المفهوم، وإن مثل هذا التركيب ليس صريحا في الاتحاد مفهوما، هذا وفيما قيل نظر؛ لأنه على تقدير صحة المقدمتين كما لا يلزم الاتحاد في المفهوم لا يلزم المساواة، بل اللازم أحد الأمرين، وفيما ذكره السيد السند أيضا من هذه العبارة ليست صريحة في دعوى الاتحاد نظر، لأنه إن كان الحكم على مفهوم مقتضى الحال، فليس إلا دعوى الاتحاد. وإن كان على فرد منه فلا يلزم المساواة، ولو سلم فلا يتفرع لاحتمال الاتحاد، وحمل العبارة على المشترك بين الاتحاد والمساواة دون خرط القتاد، فالأوجه أن الفاء فصيحة، يعني إذا عرفت هذا فاعلم أن مقتضى الاتحاد هو الاعتبار المناسب لئلا يشتبه عليك صحة هذا الحصر بما تقرر من أنه لا ارتفاع إلا بالمطابقة لمقتضى الحال، وينكشف لك أن العبارتين بمعنى واحد. (فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ) (١) لأنها باعتبار خصوصيات اعتبرت في تركيب يفيد أصل المعنى (باعتبار إفادته المعنى بالتركيب) أي الغرض المصوغ له الكلام، فالمعنى إما مخفف أو مشدد، وبالجملة يراد به المعنى الذي يقصده البليغ، فقوله بالتركيب متعلق به، ويحتمل التعلق بالإفادة، وذلك لأن مقتضى الحال

стр. 192

والاعتبار المناسب إنما يعتبر أولا في المعنى، ثم في اللفظ، فإن المعنى تقدم في العقل مثلا لداع له، ثم يتلفظ باللفظ على طبقه، ولا يرد ما اعترض به السيد السند في شرح المفتاح من أن هذا لا يصح في طي المسند إليه وإثباته، فإن الإثبات والطي من عوارض اللفظ، فالحق أن يعتبر أولا في المعنى ما يقتضي الخصوصية، لأن معنى المسند إليه يحكم عليه العقل من غير قصد إحضاره بالذكر لتعينه لهذا الحكم، فيطويه في مقام قصد إفادة المعاني بذكر الألفاظ، ويأتي اللفظ على طبقه أو يحكم عليه بعد قصد إحضاره، كذلك لعدم تعينه فيثبته فيما بين المعاني المقصودة بالإفادة بذكر لفظه، ويأتي اللفظ على طبقه فتأمل. والشيخ يسمي إيراد اللفظ على طبق ما اعتبر من المعاني الزائدة نظما، وكأنه بالغ في أن الفضيلة في تطبيق الكلام على مقتضى الحال، وإلا فالنظم عند المحققين ترتيب الألفاظ متناسبة المعاني متناسقة الدلالات، أو الألفاظ المرتبة، كذلك على ما ذكره أن الشارح المحقق في التلويح وفسره به في الديباجة فلا بد لتحققه من رعاية علم البيان أيضا. (وكثيرا ما) أي حينا كثيرا فهو منصوب على الظرفية، وما لتأكيد معنى الكثرة، والعامل ما يليه على ما ذكره صاحب الكشاف في قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١) (يسمى ذلك) أي مطابقة الكلام الفصيح لاعتبار مناسب، وتذكير ذلك لتأويل المشار إليه بالمفهوم (فصاحة أيضا) كما يسمى بلاغة أو كما يسمى المفهومات السابقة فصاحة، وكأنه أطلق اسم الفصاحة على البلاغة لأن ما لا بلاغة له بمنزلة الأصوات الحيوانية عندهم، فكيف يوصف بالفصاحة. واعلم أن قوله فالبلاغة صفة ... إلخ متفرع على قوله: وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول ... إلخ، يعني لما كان ارتفاع شأن الكلام بمطابقته للاعتبار المناسب، ومعلوم أن ارتفاعه بالبلاغة علم أن البلاغة صفة للفظ بالقياس إلى إفادته المعاني والأعراض بالتركيب، والمقصود منه على ما صرح به في الإيضاح جمع كلامين متنافيين وقعا من الشيخ، حيث قال تارات: إن الفصاحة راجعة إلى المعنى وإلى ما يدل عليه اللفظ دون الألفاظ، وتارات إن الفضيلة للفظ

стр. 193

الكلام لا لمعناه؛ فإن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاصلة، فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى، ووجه التوفيق أنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة، وحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ أراد أنها من صفاتها باعتبار إفادتها المعنى بالتركيب، وحيث نفى ذلك أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المفردة، والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب أو ليست من صفات الألفاظ باعتبار أنفسها لا باعتبار إفادتها المعنى، وحيث أثبت أنها صفة المعنى أراد أن للمعنى مدخلا تامّا في ثبوتها للفظ، وحيث نفاه أراد أنها ليست من صفاته مع قطع النظر عن إفادة اللفظ إياها بالتركيب، ويمكن التوفيق أيضا بأنه حيث جعلها صفة اللفظ دون المعنى أراد معناها المستفيض، وحيث جعلها راجعة إلى المعنى جعلها بمعنى البلاغة؛ لكنه كوجه ذكره المصنف لا يطابق ما قصده الشيخ، بل الوجه ما ذكره الشارح المحقق أنهم سموا ترتيب المعاني الأول والمعاني الأول ألفاظا، وفضيلة الكلام باعتبار هذا الترتيب، فحيث جعلها صفة راجعة إلى اللفظ أراد باللفظ المعاني الأول، وكذلك حيث جعلها صفة راجعة إلى المعنى، وحيث نفى نفي كونها صفة للألفاظ المنطوقة وللمعاني الثواني، وما يقال فليكن مراد المصنف باللفظ تلك المعاني الأول، فيطابق مراد الشيخ، فليس بشيء لأن الشيخ بين في كتابه تلك المواضعة، والمصنف لم يبينها، وكلما استعمل اللفظ استعمل لمعناه المستفيض، فحمل اللفظ في كلامه على هذا حمل له على ما لا يحتمله. [ولها طرفان: ] (ولها) أي للبلاغة في الكلام (طرفان: أعلى) إليه ينتهي البلاغة، كذا في الإيضاح، ولو اعتبر الطرف شخصا ففيه بحث، إذ ثبوت الطرف يتوقف على أن يثبت تناهي مراتبها، ولا دليل يدل عليه (وهو) أي الطرف الأعلى (حد الإعجاز) أي مرتبة إعجاز لكلام البشر، بأن يبلغ مرتبة لا يمكن للبشر أن يأتي بمثله (وما يقرب منه) أي من حد الإعجاز أي الطرف الأعلى نوع تحته صنفان: كلام يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وقريب من حد الإعجاز بأن لا يعجز الكلام البشر، ولكن يعجز مقدار أقصر سورة عن الإتيان بمثله، وكلاهما مندرج تحت حد الإعجاز؛ لأن حد الإعجاز هو حد الإعجاز عن الإتيان بأقصر سورة، وبهذا اندفع

стр. 194

ما أورده الشارح المحقق من أنه لا معنى لجعل حد الإعجاز وما يقرب منه طرفان؛ إذ المناسب أن يؤخذ حقيقيا كالنهاية، أو نوعيا كالإعجاز، إذ قد أخذ نوعيا هو حد الإعجاز المعتبر في الشرع، وهو حد إعجاز أقصر سورة إلا أنه نبه على أنه صنفان: كلام يعجز نفسه، وكلام يعجز مقدار سورة من جنسه، وهذا أوجه مما ذكره الشارح المحقق، حيث قال: ومما ألهمت بين النوم واليقظة أن قوله وما يقرب منه عطف على هو والضمير في منه عائد إلى الطرف الأعلى، لا إلى حد الإعجاز، أي الطرف الأعلى مع ما يقرب منه في البلاغة مما لا يمكن معارضته هو حد الإعجاز، وهو مع كونه خلاف الظاهر بيان لحد الإعجاز بما يتوقف على معرفته، لأن ما يقرب منه بين بما لا يمكن معارضته، ولا معنى لحد الإعجاز إلا ما لا يمكن معارضته، وقد اعتذر هو نفسه أن هذا إلهام بين النوم واليقظة، الحمد لله الذي ألهمنا يقظان لا نومان، وما أيد به توجهه من أنه الموافق لما في المفتاح، من أن البلاغة يتزايد إلى أن يبلغ حد الإعجاز، وهو الطرف الأعلى، وما يقرب منه، ولما في نهاية الإيجاز أن الطرف الأعلى، وما يقرب منه كلاهما هو المعجز لا يخصه، بل له وجه موافقة لتوجيهنا، فإن كلام المفتاح نحمله على أن حد الإعجاز هو الطرف الأعلى المعجز بنفسه، وما يقرب منه المعجز أقصر سورة من جنسه، وكذا كلام نهاية الإيجاز، فتفطن. وقد اعترض الشارح على كون الطرف الأعلى وما يقرب منه معجزا خارجا عن طوق البشر بأن البلاغة ليست سوى المطابقة لمقتضى الحال مع فصاحته، وعلم البلاغة كافل بإتمام هذين الأمرين، فمن أتقنه وأحاط به لم لا يجوز أن يراعيها حق الرعاية فيأتي بكلام هو الطرف الأعلى، ولو بمقدار أقصر سورة، ولا يخفى أن الإشكال لا يخص بتكفل علم البلاغة، بل تكفل سليقة العرب أقوى، وأوجب للإشكال. ثم أجاب بأجوبة ثلاثة: الأولى: أن العلم لا يتكفل إلا بيان مقتضيات الأحوال وأما الاطلاع على كميات الأحوال وكيفياتها فأمر آخر. وثانيها: أن إمكان الإحاطة بهذا العلم لغير علام الغيوب محال. وثالثها: أن الإحاطة لا تفيد القدرة على تأليف كلام بليغ فضلا عن تأليف الطرف الأعلى، إذ كثيرا من مهرة هذا الفن كانوا عاجزين عن التأليف، وفي الجواب الثاني والثالث نظر؛ إذ لو لم يكن للبليغ

стр. 195

الإحاطة بعلم البلاغة لم يكن بليغا؛ لأن البلاغة ملكة الاقتدار على تأليف أي كلام بليغ خطر بالبال معناه، فإذا خطر بباله معنى لم يخطر بما تعلق به من علم البلاغة لم يقدر على تأليف كلام بليغ له، ولأنه إذا أحاط بعلم البلاغة ولم يقدر على تأليف كلام بليغ لم يكن بليغا، ولقد تركنا نبذا من الكلام ذكره الشارح المحقق في هذا المقام لما لم يشاهد فيه إلا الإطالة والإسآم. (وأسفل) جعله طرف البلاغة إشارة إلى أنه بليغ، وقال في الإيضاح (١): منه يبتدي لمزيد توضيح لذلك دفعا لما أوهمه كلام نهاية الإيجاز أن هذه المرتبة ليست من البلاغة في شيء وإن كان الظاهر أن قصده المبالغة في دناءتها وعدم الاعتداد بها (وهو ما إذا غير عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات) يعني ما يستلزم تغييره الالتحاق بأصوات الحيوانات مما قيل إنه يصدق على غير الأسفل؛ لأنه إذا غير إلى ما دونه التحق؛ لأن ما دون الأسفل ما دونه ليس بشيء، على أن دون لما هو أحط قليلا، وتحقيق الأسفل هو أنه ما ليس فيه مقتضى الحال متعددا، ولم يعرفه به مع أنه أوضح وأخصر لينبه على أن ما دونه ملتحق بأصوات الحيوانات. قال المصنف: التحق وإن كان صحيح الإعراب ووافقه الشارح، وفيه أن غير صحيح الإعراب ليس أولى بالالتحاق، لجواز أن يكون صحيح الإعراب ضعيف التأليف، معقدا مع عدم فصاحة الكلمات، فالمناسب أن يقول: وإن كان فصيحا، فإن قلت: كيف يلتحق ما يشمل على الدقائق البيانية بأصوات الحيوانات؟ قلت: اعتبار الوضوح والخفاء في الدلالة بالنسبة إلى المعاني المجازية، وتلك المعاني أزيد من الدلالات الوضيعة، ومما يتعلق بعلم المعاني، فرعاية البيان لا ينفك عن رعاية المعاني. (وبينهما مراتب كثيرة) عطف على طرفان، أي لها مراتب كثيرة حال كونها بينهما، أو الجملة تامة معطوفة على قوله لها طرفان (ويتبعها) أي البلاغة في الكلام (وجوه أخر) احتراز عن المطابقة، والفصاحتين، فإنها وجوه يتبعها البلاغة، ولا يصح جعله احترازا عن البلاغة، بأن يكون المعنى: ويتبع البلاغة وجوه أخر

стр. 196

سوى البلاغة، لأنه يصير لغوا، وفي قوله: يتبعها تنبيهات: أحدها: أن الوجوه البديعية لا تحسن بدون البلاغة، وثانيها: أنه يجب تأخير علم البديع عن علم البلاغة، ثالثها: أن حسنا تورثه عرضي غير داخل في حد البلاغة، ورابعها: أن هذه الوجوه إنما تكون من البديع، إذا لم يقتض الحال، إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة وإنما جعلها تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم لاختصاص ما وصفت به الوجوه بها أعني قوله: (يورث الكلام حسنا) ولم يتعرض بحالة تحصل للمتكلم بالقياس إليها؛ لأنه لم يلتفت إليها، ولم يسم المتكلم باعتبارها باسم، ولم يوصف بصفة، وإنما تعرض لها في أثناء تحقيق بلاغة الكلام تتميما لبيانها وتكميلا لتمييز مقتضيات الأحوال عن غيرها، وقيل تمهيدا لبيان الحاجة إلى علم البديع، واختار لفظ يورث على يفيد للتنبيه على أن ليس النظر الأعلى حسن في الكلام، ولا نظر على هذه الوجوه كأنها فنيت وبقي الحسن، بخلاف وجوه البلاغة؛ فإن النظر إليها وهي الداعية إلى التكلم، وليس النظر إلى حسن الكلام وإنما هو من توابعها. (و) البلاغة (في المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ) أي لا يعجز بها عن تأليف كلام بليغ، فالنكرة في سياق نفي عمت، والمراد كلام بليغ ورد معناه على المتكلم، وأراد بيانه (فعلم) تفريع على تعريفات الفصاحة والبلاغة أي علم بالقوة العربية من الفعل، إذ بالتأمل في التعريفات يعلم ذلك، ولو قال: فكل بليغ فصيح ولا عكس لاستغنى عن هذا التكلف، والظاهر أن المراد تفريع المعلوم إلا أنه فرع العلم مبالغة في ظهور تفريع المعلوم، والمقصود بيان النسبة بعد التعريف تتميما للتعريف، كما هو العادة، كأنه قال: فالفصيح أعم مطلقا من البليغ، ولو قال كذلك لكان أخصر وأوضح فيما هو مقصوده، وفيه تعريض للسكاكي؛ حيث لم يشترط في البلاغة إلا الخلوص عن التعقيد المعنوي، فانحصر مرجع البلاغة عنده في علم البلاغة، وما ذكره المصنف ليس اصطلاحا منه، بل مما ينقل عن ابن الأثير: أنه ذكره في المثل السائر، لكن ربما يرجح اعتبار السكاكي بأن البلاغة مما يتميز به البليغ عن غيره، ولا يكون الأمر المشترك معتبرا في المميز.

стр. 197

(أن كل بليغ) كلاما كان أو متكلما (فصيح) بالمعنيين أو ما يطلق عليه الفصيح، وقد سمعت ما فيه فتذكر (ولا عكس) بالمعنى اللغوي؛ إذ ليس كل فصيح بليغا، وقوله: [وأن البلاغة مرجعها إلى الاحتراز] (وأن البلاغة) تحت العلم وتفرعه على ما سبق ظاهر، والغرض منه إثبات الحاجة إلى علمي البلاغة والبديع، وقال الشارح المحقق: الغرض بيان انحصار علم البلاغة في المعاني والبيان، وانحصار مقاصد الكتاب في الفنون الثلاثة وينبغي أن يراد أن البلاغة في الكلام كان أو في المتكلم (مرجعها) أي رجوعها إلى أمرين أي يتوقف عليهما: إما رجوع بلاغة الكلام فظاهر، وإما رجوع بلاغة المتكلم، فلأنه إنما تحصل الملكة بالممارسة على الاحتراز، أو تحصل للاحتراز بسهولة، فالاحتراز يتوقف عليه الملكة باعتبار تحققه، وتكرره أو باعتبار تصوره كما هو شأن الغايات، وكذا التمييز، فتفسير المصنف والشارح قوله بأن البلاغة في الكلام مرجعها (إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد) خفى، والمراد بالمعنى المراد ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاقه في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي، كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا كما هو في معرض التوهم، وشأن التوهم أن يتعلق به ولا يختص بالاحتراز عن التعقيد المعنوي (وإلى تمييز الفصيح) كلاما كان أو مفردا من غيره ولك أن تخصه بالكلام، وتدرج تمييز المفرد فيه، وإلى الثاني ذهب المصنف (والثاني) أي تمييز الفصيح عن غيره ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح عند التحقيق تمييزات يرجع كل إلى أمر فإنه تمييز الخالص عن الغرابة عن غيره، وتمييز المخالف للقياس عن غيره، وتمييز الخالص عن ضعف التأليف عن غيره، وتمييز الخالص عن التعقيد اللفظي عن غيره، وتمييز الثقيل على اللسان عن غيره، كما أشار إليه بقوله: (منه ما يبين) أي يوضح بمعنى أنه يتضح أن تمييز المميز كان حقّا أولا (في علم متن اللغة) وكان الأوضح منه ما يرجع إلى علم متن اللغة يعني معرفة أوضاع المفردات، وأما اللغة فقد يطلق على جميع أقسام علوم العربية، فلذا قيد بالمتن ليكون واضحا. (أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحس) المكتسب من الممارسة على التلفظ بالألفاظ الخالصة عن التنافر (وهو) أي: ما يبين في هذه العلوم أو يدرك بالحس (ما

стр. 198

عدا التعقيد المعنوي) فمست الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، وللاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم، فوضعوا لهما علمي البلاغة، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع. (وما يحترز به عن الأول) أي أول الأمرين الباقيين علم المعاني (وما يحترز به عن) ثاني الأمرين الباقيين وهو (التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع، وكثير من الناس يسمي الجميع علم البيان، وبعضهم يسمي الأول علم المعاني والأخيرين علم البيان والثلاثة علم البديع) ولا مشاحة فيها لذوي الأبصار، وإنما الاعتبار لما نال مزيد الاشتهار. لما فرغنا من شرح المقدمة وحان الشروع في شرح علم المعاني، أقول متضرعا متذللا سائلا الإلهام الرباني، إلهي نعوذ بك من الملاهي، ونلوذ بأوامرك في الاجتناب عن المناهي، ونسألك التمتع بأسرار المثاني، وفهم معانيه الأول والثواني، وإحراز ما وعدته بقراءة كل حرف من حروف المباني، ونبتهل إليك في التخصيص بفهم مزايا أودعتها فيها للخواص، وبالعمل بما يعرف عنها الاجتهاد، مقرونا بكمال الإخلاص، ونطلب منك التوفيق لتحقيق إسناد جميع الكائنات إليك في كل حال، ولضبط كل مسند إلى خير مسند إليه، نبي الرحمة من الأفعال والأقوال ومفازا بمراتب علية هي متعلقات الأفعال والأعمال، ونرجو من قصر أنظارنا على إنشاء ما يوجب الوصل إلى موجبات معرفتك، والفصل عما يوجب خفة موازيننا بل مساواتها، والانقطاع عن مغفرتك، إلهي أغننا بإيجاز جوامع الكلم في المسألة عن الإطناب، وألهمنا رشدنا واهدنا الصراط المستقيم في جميع الأبواب: الفن: هو الضرب والتزيين سمي به كل قسم من كتابه إشارة إلى مهارته في الصياغة، حيث سبك من مادة واحدة هي مفردات الكلم أنواعا، وجلب لتزيينه لمعانيه بتركيبات بديعة إلى ضبطها طباعا، وادعى لإفادة شدة امتزاجها بالمعاني وسرعة الانتقال منها إليها كونها عين المعاني فقال:

стр. 199

(الفن الأول: علم المعاني) وهكذا أو عدل عما هو الشائع من جعل المعاني ظرفا للألفاظ إشارة إلى أنه ليس هاهنا لفظ خرج عن إفادة هذا المعنى لما قصد من إفادة أن العلم ليس أوسع من الفن كما هو شأن الظرف، بل كما لم يخرج لفظ من الفن عن بيان العلم، لم يخرج شيء من العلم عن الفن، فاختار للمبالغة فيه ما لا أبلغ منه، وهو دعوى العينية، والبعد عن الاثنينية، وبما عرفت أن الفن عبارة عن الألفاظ المخصوصة، وحمل علم المعاني عليه لدعوى الاتحاد لغرض ما اندفع ما يقال أن الفن باعتبار عهديته عين علم المعاني، فالحمل عليه لغو، واندفع أيضا أن العلم سابقا علم بعنوان علم المعاني دون الفن، وما هو معلوم أحق بالموضوعية، والأنسب بالمحمولية ما فيه شائبة المجهولية، وإنما صار علم المعاني أول لأنه متعلق بترتيب المعاني، والبيان متعلق بما يفيد المعاني المرتبة من الكلام المختلف وضوحا، وخفاء في المرام، والبديع لتزيين هذا الكلام، ولا يخفي ما فيه من الترتيب المقتضي لهذا النظام من غير حاجة إلى جعل البيان من المعاني بمنزلة المركب من المفرد، لمزيد اعتبار في البيان، وهو إيراد المعاني المرتبة في طرق مختلفة، فقد زيد على ترتيب المعاني المعتبر في علم المعاني الاختلاف في الوضوح، كما اعتبره السكاكي وتبعه الشارح المحقق والسيد السند، وإنما عرف أولا قبل الشروع في مقاصده لحفظ القاصرين عن توهم اتحاده مع الفن. قال الشارح المحقق: ولأن كل علم مدون فهي كثرة تضبطها جهة وحدة باعتبارها تعد علما واحدا تفرد بالتدوين، فمن حاول تحصيلها فعليه أن يعرفها بتلك الجهة لئلا يفوته ما يعنيه، ولا يضيع وقته فيما لا يعنيه، وهذا خلاف ما حقق أن جهة وحدة إفرد العلم بها بالتدوين، وصارت المسائل الكثيرة لأجلها علما واحدا هو الموضوع، فالأولى أن يقال: كل علم، فهي كثرة تضبطها جهة واحدة، ومن حاول تحصيل كثرة تضبطها جهة وحدة فعليه أن يعرفها بتلك الجهة.

стр. 200

(وهو) أي علم المعاني (علم) (١) أسماء العلوم المدونة نحو المعاني يطلق على إدراك القواعد عن دليل حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم؛ بل حاك، ذكره السيد السند في شرح المفتاح، وقد يطلق على معلوماتها التي هي القواعد؛ لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها، متى أريد؛ لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل كما لا يخفى، وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، وفي الملكة التي هي تابع الإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء، وفي متعلق الإدراك الذي هو المسائل إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية، أو مجاز مشهور، وفي كونه حقيقة في الإدراك نظر؛ لأن المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا، حتى يكون حقيقة، وبالجملة التعريف يحتمل أن يكون للمعاني بأي معنى يؤخذ فيحمل العلم على معنى يناسبه، ولا يوجب تحير المخاطب في المراد؛ لأنه إذا علم المخاطب أن كل اسم للعلم المدون يطلق على المعاني الثلاثة وكذا لفظ العلم، وأبهم المتكلم اللفظ ليحمله على أي معنى شاء، فيختار أي معنى يريد أن يعرفه بالمعرف، ويحمل بقرينة العلم عليه وفيه، والشارح المحقق اختار حمله على الملكة، وجوز حمله على المسائل، مع أن قول المصنف: وينحصر في ثمانية أبواب يستدعي بظاهر الحمل على المسائل، وجعل السيد السند وجه تجويزهما دون الحمل على الإدراك فإنه لا بد فيه من تقدير أي علم بقواعد، وزيفه بأن الحمل على الإدراك أيضا يرجحه كونه حقيقة هذا، وفي طلب المصدر المتعدي تقدير المفعول بحيث. ألا ترى أنه إذا نزل المتعدي منزلة اللازم استغنى عن تقدير المفعول مثلا: إذا جعل يعطي بمعنى يوقع الإعطاء لا يحتاج إلى تقدير المتعلق؟ فلو استدعى المصدر تقدير المفعول لاستدعى الإعطاء المعتبر في يعطي! نعم ما ذكره الشارح ما يخالف قصد المصنف فإنه قال في الإيضاح (٢): قيل: (يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها

стр. 201

يطابق اللفظ مقتضى الحال) دون يعلم رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم بالكليات والمعرفة بالجزئيات، يريد تخصيص العلم بتصور الكلي والتصديق بحاله تخصيص المعرفة بتصور الجزئي والتصديق بحاله، فإنه ظاهر في أنه أراد بالعلم إدراك الكلي، وبالمعرفة إدراك الجزئي، ومن هذا يتبين وجه اختيار يعرف به على بحث فيه عن أحوال اللفظ العربي، لأن المراد الأحوال الجزئية، وهي لا تحمل على اللفظ العربي، ولك أن تفرق بين المعرفة والعلم، وتريد بالعلم الملكة فيكون المعنى ملكة يعلم بها أحوال اللفظ العربي ... إلخ، أي ملكة هي مبدأ استحضار العلم بأحوال اللفظ العربي، ولا يخفى أنه كما أدرج في تعريف فصاحة المتكلم الاقتدار ليشمل حالتي النطق وعدمه ينبغي أن يدرج في تعريفات العلوم الثلاثة ليشمل حالتي المعرفة وعدمها فتأمل. قيل: إن أريد معرفة الجميع فهو محال؛ لأنها غير متناهية، أو البعض الذي لا يمكن تعينها كالثلث والنصف والربع، فهو تعريف لمجهول، أو ما يمكن تعيينه كمسألة أو مسألتين، فالعبارة قاصرة، وقيل أن أريد الكل فلا يكون هذا العلم حاصلا لأحد أو البعض، فيكون حاصلا لكل من عرف مسألة ومن البين أن كلّا من الإيرادين قاصر، ترك فيه بعض الشقوق، يظهر من الإحاطة بهما، وأجيب عنهما بأن المراد معرفة كل واحد يرد على صاحب العلم بالإمكان، ولم يدفع به قصور العبارة، ويمكن أن يجاب بأن المراد معرفة الجميع، واستحالة معرفة الجميع لا ينافي كون العلم سببا لها، كما أن استحالة عدم صفات الواجب لا ينافي سببية عدم الواجب له، وعدم حصول العلم المدون لأحد وهو يتزايد يوما فيوما ليس بممتنع ولا بمستبعد، وتسمية البعض فقيها أو نحويا أو حكيما كناية عن علو شأنه في العلم، بحيث كأنه حصل له الكل، ومما يرد أنه يصدق التعريف على ملكة مسائل العلوم الثلاثة مثلا، فإنه يصدق عليه أنه علم يعرف به أحوال اللفظ العربي، التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، لا يقال إنها ملكات لا ملكة واحدة؛ لأن كل علم ملكات لأبوابه، بل مسائله ووحدة الملكة ليس أمرا منضبطا يمكن تعيينه، وتحديد العلم به، وليس لك أن تجيب بأن المراد يعرف به لذاته، وما صورته يعرف به لجزئه، لأن كل حال يرد على صاحب الملكة يعرف

стр. 202

بها لجزئها لا لذاتها، نعم لا يبعد أن يقال معرفة جميع الأحوال بها لذاته فخذه جوابا لهذا الاعتبار، وبأن يتكلف، وتريد تعرف به تلك الأحوال فقط، وما ذكرته من الملكة يعرف بها غيرها أيضا، ومما يرد أنه يصدق التعريف على ملكة استحصال العلم من غير أن يحصل مسألة كما إذا حفظ من شواهد المسائل ما يفي باستنباط مسائله، فإنه يصدق عليها أنها ملكة يعرف بها أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، لا يقال لا يعرف بها بل بمسائل يستحصل بها؛ لأنا نقول فلا يعرف بملكة الاستحضار أيضا، بل بمسائل يستحضر بها، نعم تحتاج المعرفة مع ملكة الاستحصال إلى المبادئ أيضا بخلاف ملكة الاستحضار، لكن هذا الفرق لا تجدى في تصحيح التعريف. ولا يختلجن في وهمك أن ملكة الاستحصال المذكورة علم لأنه لا يقول أحد إن من لم يخطر بباله مسألة قط هو عالم بالعلم، إنما الكلام في أن ملكة استحضار أكثر المسائل مع ملكة استحصال الباقي هل هو العلم أم لا؟ من أراد أن يكون إطلاق الفقيه على الأئمة حقيقة مع عجزهم عن جواب بعض الفتاوي التزم ذلك، وأما على ما سلكنا من أن الإطلاق مجازي فلا نلتزمه، وجوابه أن العلم بمعنى الاستحضار لا الملكة المطلقة كما فصلناه فملكة الاستحصال خارجة من قوله علم، والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة له المتغيرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، وغير ذلك، وموضوع العلم ليس مطلق اللفظ العربي، كما توهمه العبارة؛ بل الكلام من حيث إنه يفيد زوائد المعاني، فلو قال أحوال الكلام العربي لكان أوفق، إلا أنه راعى أن أكثر تلك الأحوال من عوارض أجزاء الكلام بالذات وإن صاحب المعاني يرجعه إلى الكلام، فاختار اللفظ ليكون صحيحا في بادئ الرأي، إلا أنه يخدشه أحوال الإسناد، فتأمل. وقد نبه بتقييد اللفظ بالعربي وإطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أن تخصيص البحث باللفظ العربي مجرد اصطلاح، وإلا فيطابق بها مطلق اللفظ مقتضى الحال، وبها يرتفع شأن كل مقال ولهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أن الأحوال الشاملة لغير اللفظ العربي كيف يكون من الأحوال التي يبحث في العلم، ولا يبحث فيه إلا عن الأعراض الذاتية؟ ولا يندفع إلا بما ذكره الشارح

стр. 203

المحقق في بعض تصانيفه من أن اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنما هو عند الفلسفي، وأما أرباب تدوين العربية فربما لا يتم في علومهم هذا إلا بمزيد تكلف، والمراد بقوله التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال ما قدمناه، فلا نعيده فتذكر. واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة؛ كالإعلال والإدغام، والرفع والنصب، وما أشبه ذلك من المحسنات البديعية، فإن بعضها مما تقدم على المطابقة لمقتضى الحال، وبعضها مما تأخر، ولا بد من اعتبار قيد الحيثية أي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال من حيث هي كذلك، ليتم أمر الاحتراز به وإلا لدخل فيه بعض المحسنات والأحوال النحوية، والبيانية، التي ربما يقتضيه الحال، فإن الحال ربما يقتضي تقديما أو تأخيرا يبحث عنه النحوي، وربما يقتضي السجع وغيره، وربما يقتضي إيراد المجاز والتشبيه، فلولا قيد الحيثية لدخلت هذه الأمور التي تعلقت بعلوم أخر في المعاني، لكن الواضح في الإشعار بالحيثية تعليق الحكم بالمشتق ثم بالموصول الذي صلته مشتقة، وإشعار الموصوف بهذا الموصول بقيد الحيثية خفى، ولذا قال الشارح المحقق: وفي وصف الأحوال بقوله التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال قرينة خفية على اعتبار الحيثية، وأما قوله: ولولا اعتبارها يلزم أن يكون علم المعاني عبارة عن تصور هذه الأحوال، أو التصديق بوجودها، إذ لا يفهم من معرفة الشيء إلا هذا، ففيه أن قولهم العلم إدراك المركب، والمعرفة إدراك البسيط يشتمل تصور البسيط والمركب، والتصديق المتعلق بهما مطلقا، والعلم في التعريف إما بمعنى الملكة أو المسائل، أو التصديقات بها، فكيف يكون تصور هذه الأحوال والتصديق بوجود هذه الأحوال الجزئية داخلين فيه؟ وإنما يختل التعريف لأنه يلزم أن يكون علم المعاني ملكة أو تصديقات بمسائل، أو مسائل يعرف بها هذه الأحوال أو وجودها! ! وظاهر أنه ليس كذلك. وقد عرف صاحب المفتاح المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، وعدل المصنف عنه إلى ما هو أخصر منه وأوضح كما لا يخفى، ولأنه تعريف بالمباين، إذ التتبع ليس بعلم، ولا صادق عليه، كما اعترض به في الإيضاح، وما أجاب به

стр. 204

القوم عنه من أن المراد بالتتبع المعرفة على إطلاق السبب، وإرادة ما هو مسببة، تنبيها على أن المعاني تلك المعرفة دون معرفة الله، ومعرفة العرب على ما قيل ودون المعرفة بالتقليد، كما نقول يرده أنه يأبى عن إرادة المعرفة بالتتبع قوله: ليحترز بالوقوف عليها، إذ اللائق حينئذ ليحترز به، وأنه ليس المعاني معرفة الخواص المذكورة بالتتبع، لأنه التصديق بالقواعد لا معرفة الخواص الجزئية، لأنها المتبادر من معرفة الخواص بالتتبع والحمل على معرفتهما إجمالا بعد المعرفة الحاصلة بتتبع جزئيات الخواص، تجاوز عن الحد في التكلف، وليس من جهات العدول كما ظنه الشارح المحقق أن العلم بتعريفه يوجب الدور، وإن اعترض به المصنف في الإيضاح، حيث قال: فسر التراكيب بتراكيب البلغاء، فمعرفة التراكيب في تعريفه تتوقف على معرفة البليغ المتوقفة على معرفة بلاغة المتكلم، وقد عرفها في كتابه بأنه بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدّا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، فإن أراد بالتراكيب تراكيب البلغاء- وهو ظاهر- فقد جاء الدور وإن أراد غيرها فلم يبينه، هذا لأن هذا الاعتراض لا يتجه على تعريفه، ولو ذكره المصنف في كتابه لأنه عرف فيه بلاغة المتكلم بما لا يتوقف معرفته على معرفة المتكلم البليغ، لكن نعم الجواب ما أصابه الشارح حيث قال: المراد بالتراكيب تراكيب ذلك المتكلم، كأنه قال: بلاغة المتكلم أن يكون بحيث يورد كل تركيب له في المورد الذي يليق به المقام، فمعنى توفية خواص التراكيب حقها أن يورد كل كلام موافقا لمقتضى الحال، وقوله في تأدية المعاني وتوفية خواص التراكيب حقها وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها ناظر إلى هذا القصد، ولهذا بالغ في ظهور هذا المعنى حيث قال: لا يفهم إلا هذا، فالمناقشة بأنه يمكن أن يراد بلوغه في تأدية المعاني حدّا له اختصاص بتوفية مثل خواص تراكيب البلغاء حقها وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها ليس على سنن التوجيه، وإن وقع عن السيد السند الشريف التنبيه. وأما ما اعترض به على الشارح من أنه لم يعرف لتراكيب هذا المتكلم خواص حتى يضاف إليها، وحكم بسببه على هذا الجواب فإنه ليس بشيء فدفعه أن الخاصة هي الداعية إلى خصوصية مفيدة زائدة على أصل المعنى،

стр. 205

وإضافتها إلى تراكيب المتكلم لا يستدعى معرفة خواص لها، نعم يتجه أن تعريف بلاغة المتكلم يستلزم الدور، لأن السكاكي عرف الخاصة بما أخذ فيه البليغ، والعجب أنهم احتاجوا في إثبات الدور إلى الترديد في التراكيب، ولم يلتفتوا إلى ما ذكره في الخاصية، ولما انجر الكلام إلى إيراد تعريف السكاكي فلا نري بدا من شرح قوله، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، فإنه مما استصعب جلة الأقوام وزل فيه الأقدام، ولم يترشح حق بيانه من الأقلام، فإن الشارحين جمهورهم ذهبوا إلى أن المراد بالاستحسان المحسنات البديعية وبغيره الاستهجان الذي وقع منهم هفوة أو لاستعمالهم المستهجنات في الأضاحيك، والهجويات، فذكر المحسنات البديعية في تعريف المعاني، وأشار بذكر الاتصال إلى أنها خارجة من المعاني ملحقة بالخواص في التزيين، إلا أن تزيينها عرضي، وتزيين الخواص ذاتي، ولا يخفى أنه إفساد للتعريف، لأنه لا مدخل له في الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، ولا يفهم من ذكر الاتصال أنه خارج من المعاني؛ فإن معلومات علم قد يتصل بعضها ببعض فذكره في التعريف إفساد للتعريف، لأنه يفيد دخولها في معلومات المعاني. والسيد السند ذهب إلى أن ضمير وما يتصل بها إلى التراكيب أي يتبع ما يتصل بالتراكيب من معرفة أن اشتمالها على الخواص هل يستحسن أو يستهجن؛ إذ التركيب المؤكد مثلا قد يستحسن من متكلم في مقام فيحمل على أنه قصد ما يقتضيه، ولا يستحسن من آخر في ذلك المقام لسوء ظن به، فلا يحمل على قصده بل على أن صدوره منه اتفاقي، وكذا حال المخاطب، وقد صرح بذلك المفتاح حيث قال: ومن متممات البلاغة ما قد سبق لي أن نظم الكلام إذا استحسن من بليغ لا يمتنع، أن لا يستحسن مثله من غير البليغ، وإن اتحد المقام، بل لا بد لحسن الكلام من انطباق له على ما لأجله يساق، ومن صاحب له عراف بجهات الحسن لا يتخطاها، ولا بد مع ذلك من إذن لافتنانات الكلام مصوغة، فظهر أنه لا بد لصاحب المعاني مع معرفة الخواص من معرفة كون التراكيب مستحسنة وغير مستحسنة، ليتمكن من إيراد تراكيبه منطبقة على ما ساقها لأجله، ولا مستحسنة في مواقعها، ومن حمل كل تركيب

стр. 206

يرد عليه على ما يليق بحال المتكلم، فإن البلغاء أيضا على درجات متفاوتة، فربما يستحسن كلام في مقام من بليغ فيحمل على دقائق جمة، ولا يستحسن مثله في ذلك المقام من آخر دونه في البلاغة، فلا يحمل عليها بل على ما يناسب منها مرتبته، والأوجه أن مراده بالخواص ما تعين كونه خواص لا يتجاوزها، كالتأكيد والذكر والحذف، وبما يتصل بها من الاستحسان المحسنات البديعية، وبغيره المجازات والكنايات، فإنها قد تصير مقتضيات الأحوال، فلا بد من معرفة كونها خواص في تلك الأوقات، لئلا يقع المتكلم في الخطأ فإنما قد يكون خاصة، وقد لا يكون أكثر إيقاعا في الخطأ، وأن المراد بما يتصل بها من الاستحسان المحسنات البديعية، وبغيره الاستهجان الواقع هفوة أو قصدا، لكن وجوب تتبعها ليتميز عن الخواص ولا تقع في الغلط لتناسبها بها بناء على وقوعها في كلام البلغاء. ومما لا بد من التنبيه عليه أن المصنف أطلق مقتضى الحال، والمفتاح قيده بمقتضى حال يقتضي ما يفتقر المتكلم في تأديته إلى أزيد من دلالات وضعية، لأن المعاني دون الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، ولا يعرض خطأ لمن له أدنى تمييز في إلقاء الكلام المقتصر على الدلالات الوضعية حين يخاطب من لا خط له في أزيد من الدلالات الوضعية فضلا عمن له فضل تميز، فتطبيق هذا الكلام على ما يقتضي الحال ذكره من التجريد عن الزوائد ليس من مباحث المعاني، لاستغنائه عنه، ويحتمل أن يكون ذلك مخالفة منه معه بناء على أن ما يحتاج إلى تنبيه للقاصر ربما يجعل من الفن. (وينحصر) قال في الإيضاح (١): المقصود من علم المعاني منحصر (في ثمانية أبواب) يريد انحصار الكل في أجزائه لا الكلي في جزيئاته، وإلا لصدق علم المعاني على كل باب، واعترض عليه الشارح المحقق بأن ظاهر هذا الكلام مشعر بأن العلم عبارة عن نفس القواعد لأن تلك الأبواب إنما هي المسائل وليست أجزاء للملكة، وبأن تعريف وبيان الانحصار والتنبيه الآتي خارجة عن المقصود، ولا يخفى أن كون العلم عبارة عن المسائل يوجب خروج هذه الأمور عن العلم لا عن المقصود من العلم لأنها ليست مسائل فلا حاجة لإخراجها إلى درج المقصود، هذا

стр. 207

كلامه مع تنقيح وتحرير. ونحن نقول: أدرج المصنف لفظ المقصود لجعله الضمير إلى الفن لأنه المنحصر في الأبواب التي هي الألفاظ والعبارات بحسب الظاهر، فكأنه قال: وينحصر المقصود من الفن من علم المعاني، فقوله من علم المعاني بيان المقصود؛ لا صلته، وبعد كون الضمير كناية عن الفن لا بد لإخراج الأمور الثلاثة من درج المقصود، وجعل الضمير إلى علم المعاني بمعنى الملكة، وجعل قوله من المعاني صلة المقصود، أي ينحصر المقصود من الملكة في ثمانية أبواب، وهو المسائل؛ لأن الملكة وسيلة بقائها. أو جعله إلى المعاني بمعنى المسائل، وجعل قوله من المعاني صلة المقصود أي ينحصر المقصود من المعاني التي هي المسائل في ثمانية أبواب، وجعل درج المقصود لإخراج ما لم يخرج من القوة من مسائل العلم، وهو غير الأبواب الثمانية، لاحتمال أن يكون مما لم يخرج باب آخر؛ لكنه ما لم يخرج ليس مقصودا بالبيان تكلف، وكما أن المحصور هو المقصود من الفن المحصور فيه أيضا هو المقصود من الأبواب الثمانية، وإلا فالأبواب مشتملة على الشواهد والأمثلة والاعتراضات. وبعد دعوى أن العلم منحصرة في ثمانية أبواب ذكرها على سبيل التعداد ليرفع الحاسب حسبانها كما هو طريقة معرفة مرتبة العدد، ولأنه لو لم يذكر على سبيل التعداد لوجب العطف والتبس الإيجاز والإطناب والمساواة، ولم يعلم أنها باب واحد، كالفصل والوصل، وتوهم أن الثمانية في التعداد صارت أحد عشر، فقال: (أحوال الإسناد الخبري، أحوال المسند إليه، أحوال المسند، أحوال متعلقات الفعل، القصر، الإنشاء، الفصل والوصل، الإيجاز والإطناب والمساواة) بقي أن المذكورات على سبيل التعداد مبنيات على السكون فكيف يتكلم بأحوال الإسناد الخبري وظني أنه يتكلم بكسر اللام في الأحوال لأنه ساكن لاقي لام التعريف فيجب تحريكه بالكسر، وبهذا علم أنه ينبغي إسكان ما ليس بمضاف، ولا يخفى أن وجه عطف الوصل كالإطناب والمساواة على ما هو مذكور على سبيل التعداد أيضا مشكل؛ وإنما انحصر فيها (لأن الكلام إما خبر أو إنشاء) قال الشارح المحقق: لأنه لا محالة يشتمل على نسبة تامة بين الطرفين قائمة

стр. 208

بنفس المتكلم، وفصلها في حواشي هذا المقام، حيث قال بمعنى أنها صفة موجودة فيها وجودا متأصلا، كالعلم والإرادة ونحو ذلك لا بمعنى أنها معقولة حاصلة صورتها عندها، للقطع بأن الموجود في نفس المتكلم، إذا قال: صلوا هو طلب الصلاة وإيجابها لا صورة ذلك، كصورة السماء عند تعقلها، ولذا صح اتصاف النفس بأنها طالبة. هذا وفيه أن النسبة باعتبار تحققها الأصيل قائمة بالطرفين لا بالنفس؛ لأنها كما صرح بها هاهنا تعلق أحد جزئي الكلام بالآخر بحيث يصح السكوت عليه، وكأنه أراد بالنسبة ما يتعلق بالنسبة من الطلب والحكم، ومن فسر النسبة بوقوع النسبة أو لا وقوعها فقد خرج عن مفهوم التقسيم لما ذكره الشارح من أنه لا يتناول التقسيم بظاهره الإنشاء؛ لأنه لا يصدق عليه أنه ليس لنسبته خارج، لأنه ليس له نسبة بمعنى الوقوع واللاوقوع، ومفهوم العبارة أنه له بنسبة بهذا المعنى وليس له خارج يطابقه، أو لا يطابقه ولما نقول من أن إضافة النسبة إلى الضمير للعهد أي لنسبته المعهودة وهي النسبة المعتبرة في الكلام فإذا لم يكن للإنشاء نسبة لا يصح إضافة النسبة إليه إلا إذا لم يعتبر عهديتها فيكون خروجا عن مفهوم العبارة بلا جهة. (لأنه إن كان لنسبته خارج) يتبادر إلى الأوهام أن كل نسبة إنشائية كانت أو خبرية لها خارج؛ لأن نسبة أضرب مثلا ثبوت الضرب للمخاطب، وله خارج هو ثبوت الضرب له، أو عدم ثبوته له؛ لأن الواقع يستحيل أن يخلو عنهما، فالنسبة الخبرية لا تتميز عن الإنشائية بأن لها خارجا دون الإنشائية فلذا قال: (يطابقه أو لا يطابقه) وفيه أن النسبة التي لها خارج ليس يمكن أن يخرج عن المطابقة واللامطابقة، ولذا نفي بعض ما اشتهر من اختصاص الصدق والكذب بالخبر كاختصاص احتمالهما به، وقال: يا زيد الإنسان صادق، ويا زيد الفرس كاذب، ويا زيد الفاضل محتمل، فلدفعه فسرهما الشارح المحقق في المختصر بقصد المطابقة واللامطابقة، فالإنشاء وإن كان لنسبته خارج يطابقه أو لا يطابقه لكن لا يقصدان بالإنشاء بخلاف الخبر. وفيه بحث؛ لأنه لا خبر يقصد به عدم مطابقة نسبته لأن وضع الخبر للمطابقة، وإنما عدم المطابقة احتمال عقلي، فإن قلت هذا إذا أريد بالنسبة الوقوع أو اللاوقوع فإن القصد أبدا إلى مطابقتهما، أما

стр. 209

إذا أريد ثبوت أمر لأمر مثلا ففي الموجبة يقصد وقوعها، أي مطابقتها للخارج، وفي السلب يقصد لا وقوعها أي عدم مطابقتها للواقع، فمعنى زيد قائم أن ثبوت القيام لزيد واقع، والقصد في زيد ليس بقائم، إلى أن الثبوت المذكور لزيد غير واقع! قلت: هذا كلام حق حقيق بأن يتمسك به، لكن الشارح المحقق جعل اللامطابقة إيماء إلى الكذب، وهو حينئذ لا يتم فالتحقيق الذي يعطيه الفكر العميق، والذكاء الدقيق، إن النسبة التي له خارج هي التي تكون حاكية عن نسبة، فمعنى ثبوت الخارج له لكونه محكيها، ونسب الإنشاءات ليست حاكية، بل محضرة ليطلب وجودها أو عدمها، أو معرفتها، أو يتحسر على فوتها، إلى غير ذلك، وكذا نسب التقييدات ليست حاكية، بل محضرة لتعين به ذات، ومعنى مطابقتها للخارج أن يكون حكايتها على ما هو عليه، فلا خارج للإنشاء، فقوله يطابقه أو لا يطابقه لمجرد الإشارة إلى قسمتها إلى الصادقة والكاذبة، وبها صار بحث الصدق والكذب مسمى بالتنبيه، فالكلام إن كان لنسبته خارج. (فخبر وإلا فإنشاء) والخبر يكون بمعنى الإخبار، وهو أيضا يقابل الإنشاء، لكن بالمعنى المصدري (والخبر لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد) لو قال: لا بد له من إسناد ومسند إليه ومسند (والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا) لكان أولى من وجهين لا يختفيان عن مثلك، وتخصيص المتعلقات بالمسند مع أن في قولنا: الضارب زيدا جاءني، متعلق المسند إليه، حيث قيد المسند إليه بالمفعول، لأنه متعلق لمسند الصلة المتعلقة بالمسند إليه، وفيه أن الكلام في أجزاء الخبر وذلك المتعلق ليس متعلق مسند الخبر؛ لأن الصلة ليست خبرا وإن كانت جملة؛ لأن كل جملة غير إنشائية ليست خبرا؛ بل متعلق المسند إليه للخبر. قال المحققان في شرحي المفتاح: أدرج المصنف أحوال متعلقات المسند والمسند إليه في فنهما لكونهما بمنزلة الأجزاء لهما وإخبار قوله: (أو في معناه) (١) على قوله أو معناه ليشمل المشتقات المتصلة بالفعل من غير خفاء، إذ ما في معنى الفعل صريح في كل ما يؤدي معناه، بخلاف معنى الفعل؛ فإن الاصطلاح على

стр. 210

أنه ما يؤدي معنى الفعل، وليس من تركيبه، وما هو من تركيبه شبه الفعل. قال الشارح المحقق: ولا جهة لتخصيصه بالخبر؛ لأن الإنشاء أيضا لا بد له مما ذكره، وقد يكون لمسنده أيضا متعلقات، هذا وفيه أن انتفاء الاختصاص لا ينفي جهة التخصيص؛ إذ بمشترك يخص في البيان ببعض لنكتة، والنكتة هنا أن القوم بحثوا عن المسند إليه والمسند الخبريين، وكذا عن متعلقات الفعل والقصر، وتركوا الإنشائيات على المقايسة، ولذا قدموا هذه الأبواب على الإنشاء، وإنما فعلوا كذلك لأن الخبر أكثر، ومزاياه أوفر. على أن بعض المحققين على أنه لا إنشاء إلا وهو في الأصل خبر، صار إنشاء بنقل أو حذف كما في أضرب، فإن أصله تضرب، أو بزيادة كما في ليضرب ولا يضرب إلى غير ذلك. (وكل من الإسناد والتعلق إما بقصر) للمسند إليه على المسند، أو العكس، أو للفعل، أو ما في معناه على المتعلق أو العكس (أو بغير قصر وكل جملة قرنت بأخرى إما معطوفة أو غير معطوفة) يتناول الجمل الحالية المتداخلة نحو: جاء زيد يركب يسرع، على أن يكون يسرع حالا من ضمير يركب، مع أنها ليست من الوصل والفصل في شيء فالأولى، وكل جملة قرنت بأخرى إما معطوفة أو متروكة العطف، وحينئذ لا يلزم دخول أمثال هذه الصورة في باب الفصل والوصل؛ لكن ينتقض الحصر بها، ولا بد لتصحيحه من تقييد كل جملة قرنت بأخرى، بأن يكون مما يقبل العطف في أداء أصل المعنى، ولا يخفى أنه لا يتناول ترتيب باب الفصل والوصل، إلا أن يقال: إنه من باب متعلقات الفعل، ذكر في باب الفصل والوصل لمزيد مناسبة له به. (والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة) قال الشارح المحقق: احتراز عن التطويل أقول: وعن الحشو أيضا، وقال: ولم يحترز عن التطويل إذ لا حاجة إليه بعد تقييد الكلام بالبليغ، وفيه بحث؛ إذ بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال في الجملة، أو لكل ما يقتضيه الحال على ما استوفى بيانه، ولا يلزم منه أن لا يكون في الكلام ما لا يقتضيه الحال، نعم لا فائدة في تقييد الكلام بالبليغ؛ لأن الزيادة لفائدة إطناب سواء كان في الكلام البليغ أو لا، ولا يبعد أن يقال: يستفاد من تقييد الزيادة بكونه على أصل المراد أنه لا يكون زائدا على

стр. 211

المراد، فيكون لفائدة؛ لأن الزائد على المراد زائد على أصله، أو غير ذلك يتبادر منه، أو غير زائد على أصل المراد لفائدة، ويستلزم دخول التطويل والحشو في المساواة والإيجاز، فينبغي أن يقول: أو غير زائد على أصل المراد أصلا، وينبغي أن يقيد أيضا بكونه لفائدة؛ لأن عدم الزيادة إما بالمساواة أو بكون اللفظ أقل من المعنى، وكل منهما لا بد أن يكون في الكلام البليغ لفائدة ومقتض، وإنما لم يفصل غير الزائد بالمساواة والإيجاز لأن تحصيل الباب الثامن لا يتوقف عليه، ولا يخفى أن بيان الإيجاز والإطناب على ما ذكره لا يتناول الإيجاز والإطناب باعتبار قلة الحروف وكثرتها، وبما ذكره المصنف لا تتميز مسائل باب القصر عن مسائل أحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل؛ لأنه من تلك الأحوال لا تخرج عنها، والإيجاز والإطناب والمساواة عن أحوال الإسناد والمسند والمسند إليه ومتعلقات الفعل؛ لأن تأكيد الجملة هو الزائد على أصل المراد لفائدة، وحذف المسند إليه أو المسند أو متعلق الفعل إيجاز. إلا أن يقيد أحوال المسند إليه مثلا بما سوى القصر مثلا، قال الشارح المحقق: ما ذكره في وجه الحصر لا طائل تحته، بل ذكر ما لا يعنيه، وقد فاته ما يعنيه، وهو بيان أنه لماذا أفرد كلا من أقسام الأحوال بباب، وكيف خالف المفتاح في جعل القصر بابا على حدة، وجعل الإيجاز والإطناب والمساوة بابا على حدة، غير منضم مع الفصل والوصل، فالأقرب أن يقال: اللفظ إما جملة أو مفرد، فأحوال الجملة هي الباب الأول، والمفرد إما عمدة أو فضلة، والعمدة إما مسند إليه أو مسند، فجعل أحوال هذه الثلاثة أبوابا ثلاثة تمييزا بين الفضلة والعمدة المسند إليه، والمسند. ثم لما كان من هذه الأحوال ما له مزيد غموض وكثرة أبحاث وتعدد طرق وهو القصر أفرد بابا خامسا، وكذا من أحوال الجملة ما له مزيد شرف، ولهم به زيادة اهتمام، وهو الفصل والوصل، فجعل بابا سادسا، وإلا فهو من أحوال الجملة، ولذا لم يقل أحوال القصر، أحوال الفصل والوصل، ولما كان من هذه الأحوال ما لم يختص مفردا ولا جملة بل يجري فيهما، وكان له شيوع وتفاريع كثيرة، جعل بابا سابعا، وهذه كلها أحوال مشتركة بين الخبر والإنشاء، ولما كان هنا أبحاث راجعة إلى الإنشاء خاصة جعل الإنشاء بابا ثامنا،

стр. 212

ولا يخفى أن وجه التبويب على الثمانية لا يتم ما لا يبين عدم استحقاق أقسام الفضلات، يميز كل منها بباب، وأنه يستحق قسما العمدة التمييز بينهما به، وأن النسبة التي بين بين ليس لها أحوال، وأن الخبر ليس له أبحاث راجعة إليه، خاصة كالإنشاء، أو يكون لكن لقلتها لم يستحق أن يجعل بابا مستقلّا، وأن ما ذكره من أن لا طائل من تحت ما ذكره فيه أن مقصود منه بيان أن ما استخرج من الفن لا يزيد على الأبواب الثمانية وكفى به فائدة. (تنبيه) التنبيه ربما يستعمل في بيان البديهي، وربما يستعمل في بيان الشيء قصدا بعد سبقه ضمنا على وجه لو توجه السامع الفطن بكليته لعرفه، لكن لكونه ضمنيّا ربما يغفل عنه، وله في هذا المقام نصيب من كلا الشربين سواء جعل المنبه عليه مفهوم الصدق والكذب، أو انحصار الخبر في الصادق والكاذب على الوجه المشهور، أو أن الصدق والكذب ما هو المشهور دون الأخيرين إذ في قوله سابقا تحصيل مفهوم مطابقة الخبر للخارج، وعدمه، فالتعريف تنبيهي لأنه لإحضار ما حصل لا لتحصيل صورة، وكذلك علم انقسامه إلى القسمين، وأن الصدق مطابقة الخبر للخارج والكذب عدمها، كما هو المشهور حيث فصل بالصادق والكاذب على طبق المشهور، ومن الواضح البين أن تلك الثلاثة بديهية ظاهرة عند من ليس من أهل الكسب، والحمل على الثاني أنجع، وما يحصل منه أنفع، كيف وهو يدفع شبهة الدور على تعريف الخبر بما يحتمل الصدق والكذب مع أن الصدق معرف لمطابقة الخبر الواقع؟ ! وأحسن الأجوبة أن الصدق والكذب بديهيا التصور، وأن يجاب أيضا بأن الصدق المعرف للخبر هو صفة المتكلم، وهو الإعلام الشيء على ما هو عليه، والمعرف بالخبر ما هو صفته. وأجاب الشارح المحقق بأن الخبر المعرف به الصدق بمعنى الإخبار، فإنه قيل: الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو به، فلولا أن الخبر بمعنى الإخبار لم يتعد بعن، وبأن الصدق المعرف به الخبر صفة الكلام بمعنى مطابقة الكلام للواقع، وما عرف بالخبر صفة المتكلم، ولا يخفى أنه يكفي في الجواب أن الصدق المعرف به الخبر صفة الكلام؛ لأنه حينئذ يتوقف معرفة الخبر على معرفة الصدق المتوقف على معرفة الكلام الذي هو أعم من الخبر، لا على معرفة الخبر، وما ذكره جواب عن

стр. 213

توهم الدور بالنظر إلى تعريف الصدق بالخبر عن الشيء على ما هو به، على ما في المفتاح، وما ذكرناه من الجواب عن توهم الدور نظرا إلى تعريف المصنف للصدق والكذب، مما ذكرنا أوفق بالمقام، وأورد السيد السند على الجواب الثاني للشارح سؤالا وجوابا كل منهما أسقط من الآخر، فلا جرم أعرضنا عنهما إعراضا عن المنكر، ولأنه يعلم أن الحكم بأن الصدق مطابقة الخبر للواقع، أو أن الخبر ينحصر فيهما بديهي، والمخالف عانى الشبهة فلذا لم يستدل عليه واكتفى بحل لشبهة المخالف المكابر دفعا لاضطراب القاصر، وأن يكفي لدفع شبهته أنها مصادمة للبديهي. [صدق الخبر] (صدق الخبر) قيد الصدق بالخبر تعيينا للمحدود؛ إذ الصدق مشترك بين صدق المتكلم وصدق الخبر كما مر الإشارة إليه، وليس للاحتراز عن صدق غير الخبر، من صدق المركبات التقييدية والإنشائية؛ لأن الصدق والكذب مختصان بالأخبار من بين المركبات، لما قدمناه لك، وإن قال بعض: إنه لا فرق بين النسبة في المركب الإخباري وغيره، إلا بأنه إن عبر عنه بكلام تام يسمى خبرا وتصديقا كما في قولنا: زيد إنسان، أو فرس، وإلا يسمى تركيبا تقييديا وتصورا، كما في قولنا: يا زيد الإنسان، أو الفرس، وأياما كان فالمركب إما مطابق فيكون صادقا، أو غير مطابق فيكون كاذبا، فيا زيد الإنسان صادق، ويا زيد الفرس كاذب، ويا زيد الفاضل محتمل هذا، وليس ما ذكره الشارح المحقق من أن النسب التقييدية لا بد لها من أن تكون معلومة للمخاطب، بخلاف الخبرية- ولذا قالوا: الأوصاف قبل العلم بها أخبار، كما أن الأخبار بعد العلم بها أوصاف- صالحا لإبطاله (١)، لا لما ذكر السيد السند من أن المعتبر في احتمال الصدق والكذب النظر إلى مهية الخبر مع قطع النظر عن غيرها، حتى خصوصيات الأطراف، لأن مهية المركب التقييدي مأخوذة فيها علم المخاطب فتجريد النظر إلى مهيته لا يستر المعلومية عن نظر العقل، بخلاف مهية الخبر، بل لأن علم المخاطب المعتبر ليس اليقين، حتى ينافي احتمال الكذب، ولأن احتمال الكذب لا يمنعه

стр. 214

علم المخاطب مطلقا، لأنه يحتمل عند غير المخاطب على أنه لا يوجب الفرق بين الخبر والإنشاء، ثم فيما ذكره هذا القائل لوامع الغفلة والإهمال، أما أولا: فلأن قوله: لا فرق بين النسبة في المركب الخبري وغيره إلا بأنه إن عبر عنه بكلام تام يسمى خبرا وتصديقا، وإلا يسمى مركبا تقييديا ينتقض بالنسب المعبر عنها بكلام إنشائي، ولو أريد بكلام تام ما هو غير إنشائي لا يصح قوله، وإلا يسمى مركبا تقييديا. وأما ثانيا: فلأنه إن قطع النظر عن معلومية النسبة في التقييدات بحسب خصوص المادة فجميع الأمثلة محتمل، ولا يخفى أن احتمال الصدق والكذب راجع إلى محصل المهية. (مطابقته للواقع) احترز بإضافة المطابقة إلى الخبر عن صدق المتكلم فإنه أيضا المطابقة للواقع، لكن لا مطابقة الخبر للواقع بل مطابقة خبره للواقع، فالقول بأنه يكفي أن يقال: المطابقة للواقع من ملقيات الوهم. (وكذبه عدمها) أي عدم مطابقته للواقع عدل عن عبارة المفتاح، وهي غير مطابقته للواقع؛ لأنه صادق على غير عدم المطابقة من الأمور الكثيرة، التي ليست بكذب، ويحتاج تصحيحه إلى جعل (غير) بمعنى (لا) ليكون غير مطابقته للواقع بمعنى لا مطابقته للواقع، ومنه قولهم: إن زيدا غير ضارب أي لا ضارب، وإلا لزم تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، هذا والمشهور أن وصف الخبر بالمطابقة للواقع وصف له بحال متعلقه، فإن المطابق للواقع- أي النسبة الخارجية وهي الحالة التي بين الطرفين مع قطع النظر عن تعلقها- الأمر الذهني المتعلق بالخبر، والشارح المحقق ذهب إلى أنه النسبة المعقولة التي هي جزء مدلول الخبر أعني الوقوع واللاوقوع من حيث إنها معقولة فأثبتية المطابق والمطابق بالاعتبار، ولم يرض به السيد السند، وقال: هو الإيجاب والسلب، ومطابقتهما الأمر الخارجي هو التوافق في الكيف، بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين، ولكل وجهة هو موليها، ونحن نقول: مطابقة الخبر للواقع يحتمل أن يكون بمعنى موافقته له، وعدم مباينته له، بأن يكون مفيدا للواقع، فإن موافقة الدال لشيء إنما هو بالدلالة عليه، وإطلاق الواقع، والحاصل على النسبة مع أنها من الأمور

стр. 215

الاعتبارية باعتبار أنها حاصلة للطرفين، والأمر الاعتباري يصح أن يحصل لغيره كالعمى الحاصل للأعمى، وثبوت الشيء للشيء ليس مستلزما لثبوت المثبت، بل لثبوت المثبت له، وجعل الخارج ظرفا للنسبة، ووصف النسبة بالخارجية لا يستدعي وجودها، وذلك على ما حققوا للفرق، بين كون الخارج ظرفا لنفس الشيء، وبين كونه ظرفا لوجوده. فإن قولنا: زيد موجود في الخارج جعل فيه الخارج ظرفا لنفس الوجود، وهو لا يقتضي وجود المظروف، وإنما يقتضي وجود ما جعل ظرفا لوجوده، فالموجود في هذه الصورة زيد لا وجوده، ففي قولنا: زيد قائم في الخارج جعل الخارج ظرفا لنفس ثبوت القائم لزيد، فاللازم كون القائم ثابتا في الخارج بثبوت لغيره لا الثبوت، ونحن نقول: الخارج اسم للأمر الموجود في الخارج كالذهن الذي هو اسم للأمر الموجود في الذهن، فمعنى كون الشيء موجودا في الخارج والأعيان أنه واحد منها، وفي عدادها، فظرفية الخارج للوجود مسامحة، إذ الوجود ليس في عداد الأعيان، ومعنى زيد موجود في الخارج أن وجوده في وجود الخارج، وفي عداد وجوداته، فليس الخارج إلا ظرفا لنفس الشيء، لكنه إذا جعل ظرفا له حقيقة اقتضى وجوده، وإذا جعل ظرفا له مسامحة لم يقتض وجوده، هكذا حقق الخارج والواقع، واحفظه واجعله في سلك البدائع ولا تنكره؛ لأنه خلاف المستفيض الشائع. ومما ينبغي أن ينبه عليه أن ما بسط من الكلام في الخارج ليس في الخارج الذي يدور عليه الصدق والكذب، لأنه بمعنى خارج تعقل المتكلم لا بمعنى الخارج المقابل للذهن، وإلا لم يشمل الصادق والكاذب الذهنيين، بل في الخارج المقابل للذهن، لنكون على بصيرة في القضايا الخارجية، ويتضح عندك وجه تقييد النسبة فيها بالخارج، ولذا عجب المصنف في بيان المذاهب الثلاثة، فذكر المذهب الأول من غير نسبة إلى صاحبه، كما نسبه المفتاح إلى الجمهور، ولم يؤيده، ولم يبالغ في التصريح بترجيحه، كما أيده وصرح به حيث قال: وهو المتعارف وعليه التعويل، مبالغة في صحته وظهور سلطانه، إلى أن استغنى اعتباره وعن نسبته إلى الجمهور، وعن التأييد بتعارفه، والشهادة بأنه المعول عليه، وأشار إلى كمال سخافة المذهب الثاني، بحذف قائله وتحقيره بمجهوليته، مع
следующие страницы →