المراد، فيكون لفائدة؛ لأن الزائد على المراد زائد على أصله، أو غير ذلك يتبادر منه، أو غير زائد على أصل المراد لفائدة، ويستلزم دخول التطويل والحشو في المساواة والإيجاز، فينبغي أن يقول: أو غير زائد على أصل المراد أصلا، وينبغي أن يقيد أيضا بكونه لفائدة؛ لأن عدم الزيادة إما بالمساواة أو بكون اللفظ أقل من المعنى، وكل منهما لا بد أن يكون في الكلام البليغ لفائدة ومقتض، وإنما لم يفصل غير الزائد بالمساواة والإيجاز لأن تحصيل الباب الثامن لا يتوقف عليه، ولا يخفى أن بيان الإيجاز والإطناب على ما ذكره لا يتناول الإيجاز والإطناب باعتبار قلة الحروف وكثرتها، وبما ذكره المصنف لا تتميز مسائل باب القصر عن مسائل أحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل؛ لأنه من تلك الأحوال لا تخرج عنها، والإيجاز والإطناب والمساواة عن أحوال الإسناد والمسند والمسند إليه ومتعلقات الفعل؛ لأن تأكيد الجملة هو الزائد على أصل المراد لفائدة، وحذف المسند إليه أو المسند أو متعلق الفعل إيجاز. إلا أن يقيد أحوال المسند إليه مثلا بما سوى القصر مثلا، قال الشارح المحقق: ما ذكره في وجه الحصر لا طائل تحته، بل ذكر ما لا يعنيه، وقد فاته ما يعنيه، وهو بيان أنه لماذا أفرد كلا من أقسام الأحوال بباب، وكيف خالف المفتاح في جعل القصر بابا على حدة، وجعل الإيجاز والإطناب والمساوة بابا على حدة، غير منضم مع الفصل والوصل، فالأقرب أن يقال: اللفظ إما جملة أو مفرد، فأحوال الجملة هي الباب الأول، والمفرد إما عمدة أو فضلة، والعمدة إما مسند إليه أو مسند، فجعل أحوال هذه الثلاثة أبوابا ثلاثة تمييزا بين الفضلة والعمدة المسند إليه، والمسند. ثم لما كان من هذه الأحوال ما له مزيد غموض وكثرة أبحاث وتعدد طرق وهو القصر أفرد بابا خامسا، وكذا من أحوال الجملة ما له مزيد شرف، ولهم به زيادة اهتمام، وهو الفصل والوصل، فجعل بابا سادسا، وإلا فهو من أحوال الجملة، ولذا لم يقل أحوال القصر، أحوال الفصل والوصل، ولما كان من هذه الأحوال ما لم يختص مفردا ولا جملة بل يجري فيهما، وكان له شيوع وتفاريع كثيرة، جعل بابا سابعا، وهذه كلها أحوال مشتركة بين الخبر والإنشاء، ولما كان هنا أبحاث راجعة إلى الإنشاء خاصة جعل الإنشاء بابا ثامنا،
стр. 212
ولا يخفى أن وجه التبويب على الثمانية لا يتم ما لا يبين عدم استحقاق أقسام الفضلات، يميز كل منها بباب، وأنه يستحق قسما العمدة التمييز بينهما به، وأن النسبة التي بين بين ليس لها أحوال، وأن الخبر ليس له أبحاث راجعة إليه، خاصة كالإنشاء، أو يكون لكن لقلتها لم يستحق أن يجعل بابا مستقلّا، وأن ما ذكره من أن لا طائل من تحت ما ذكره فيه أن مقصود منه بيان أن ما استخرج من الفن لا يزيد على الأبواب الثمانية وكفى به فائدة.
(تنبيه) التنبيه ربما يستعمل في بيان البديهي، وربما يستعمل في بيان الشيء قصدا بعد سبقه ضمنا على وجه لو توجه السامع الفطن بكليته لعرفه، لكن لكونه ضمنيّا ربما يغفل عنه، وله في هذا المقام نصيب من كلا الشربين سواء جعل المنبه عليه مفهوم الصدق والكذب، أو انحصار الخبر في الصادق والكاذب على الوجه المشهور، أو أن الصدق والكذب ما هو المشهور دون الأخيرين إذ في قوله سابقا تحصيل مفهوم مطابقة الخبر للخارج، وعدمه، فالتعريف تنبيهي لأنه لإحضار ما حصل لا لتحصيل صورة، وكذلك علم انقسامه إلى القسمين، وأن الصدق مطابقة الخبر للخارج والكذب عدمها، كما هو المشهور حيث فصل بالصادق والكاذب على طبق المشهور، ومن الواضح البين أن تلك الثلاثة بديهية ظاهرة عند من ليس من أهل الكسب، والحمل على الثاني أنجع، وما يحصل منه أنفع، كيف وهو يدفع شبهة الدور على تعريف الخبر بما يحتمل الصدق والكذب مع أن الصدق معرف لمطابقة الخبر الواقع؟ ! وأحسن الأجوبة أن الصدق والكذب بديهيا التصور، وأن يجاب أيضا بأن الصدق المعرف للخبر هو صفة المتكلم، وهو الإعلام الشيء على ما هو عليه، والمعرف بالخبر ما هو صفته. وأجاب الشارح المحقق بأن الخبر المعرف به الصدق بمعنى الإخبار، فإنه قيل: الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو به، فلولا أن الخبر بمعنى الإخبار لم يتعد بعن، وبأن الصدق المعرف به الخبر صفة الكلام بمعنى مطابقة الكلام للواقع، وما عرف بالخبر صفة المتكلم، ولا يخفى أنه يكفي في الجواب أن الصدق المعرف به الخبر صفة الكلام؛ لأنه حينئذ يتوقف معرفة الخبر على معرفة الصدق المتوقف على معرفة الكلام الذي هو أعم من الخبر، لا على معرفة الخبر، وما ذكره جواب عن
стр. 213
توهم الدور بالنظر إلى تعريف الصدق بالخبر عن الشيء على ما هو به، على ما في المفتاح، وما ذكرناه من الجواب عن توهم الدور نظرا إلى تعريف المصنف للصدق والكذب، مما ذكرنا أوفق بالمقام، وأورد السيد السند على الجواب الثاني للشارح سؤالا وجوابا كل منهما أسقط من الآخر، فلا جرم أعرضنا عنهما إعراضا عن المنكر، ولأنه يعلم أن الحكم بأن الصدق مطابقة الخبر للواقع، أو أن الخبر ينحصر فيهما بديهي، والمخالف عانى الشبهة فلذا لم يستدل عليه واكتفى بحل لشبهة المخالف المكابر دفعا لاضطراب القاصر، وأن يكفي لدفع شبهته أنها مصادمة للبديهي.
[صدق الخبر]
(صدق الخبر) قيد الصدق بالخبر تعيينا للمحدود؛ إذ الصدق مشترك بين صدق المتكلم وصدق الخبر كما مر الإشارة إليه، وليس للاحتراز عن صدق غير الخبر، من صدق المركبات التقييدية والإنشائية؛ لأن الصدق والكذب مختصان بالأخبار من بين المركبات، لما قدمناه لك، وإن قال بعض: إنه لا فرق بين النسبة في المركب الإخباري وغيره، إلا بأنه إن عبر عنه بكلام تام يسمى خبرا وتصديقا كما في قولنا: زيد إنسان، أو فرس، وإلا يسمى تركيبا تقييديا وتصورا، كما في قولنا: يا زيد الإنسان، أو الفرس، وأياما كان فالمركب إما مطابق فيكون صادقا، أو غير مطابق فيكون كاذبا، فيا زيد الإنسان صادق، ويا زيد الفرس كاذب، ويا زيد الفاضل محتمل هذا، وليس ما ذكره الشارح المحقق من أن النسب التقييدية لا بد لها من أن تكون معلومة للمخاطب، بخلاف الخبرية- ولذا قالوا: الأوصاف قبل العلم بها أخبار، كما أن الأخبار بعد العلم بها أوصاف- صالحا لإبطاله (١)، لا لما ذكر السيد السند من أن المعتبر في احتمال الصدق والكذب النظر إلى مهية الخبر مع قطع النظر عن غيرها، حتى خصوصيات الأطراف، لأن مهية المركب التقييدي مأخوذة فيها علم المخاطب فتجريد النظر إلى مهيته لا يستر المعلومية عن نظر العقل، بخلاف مهية الخبر، بل لأن علم المخاطب المعتبر ليس اليقين، حتى ينافي احتمال الكذب، ولأن احتمال الكذب لا يمنعه
стр. 214
علم المخاطب مطلقا، لأنه يحتمل عند غير المخاطب على أنه لا يوجب الفرق بين الخبر والإنشاء، ثم فيما ذكره هذا القائل لوامع الغفلة والإهمال، أما أولا: فلأن قوله: لا فرق بين النسبة في المركب الخبري وغيره إلا بأنه إن عبر عنه بكلام تام يسمى خبرا وتصديقا، وإلا يسمى مركبا تقييديا ينتقض بالنسب المعبر عنها بكلام إنشائي، ولو أريد بكلام تام ما هو غير إنشائي لا يصح قوله، وإلا يسمى مركبا تقييديا.
وأما ثانيا: فلأنه إن قطع النظر عن معلومية النسبة في التقييدات بحسب خصوص المادة فجميع الأمثلة محتمل، ولا يخفى أن احتمال الصدق والكذب راجع إلى محصل المهية.
(مطابقته للواقع) احترز بإضافة المطابقة إلى الخبر عن صدق المتكلم فإنه أيضا المطابقة للواقع، لكن لا مطابقة الخبر للواقع بل مطابقة خبره للواقع، فالقول بأنه يكفي أن يقال: المطابقة للواقع من ملقيات الوهم.
(وكذبه عدمها) أي عدم مطابقته للواقع عدل عن عبارة المفتاح، وهي غير مطابقته للواقع؛ لأنه صادق على غير عدم المطابقة من الأمور الكثيرة، التي ليست بكذب، ويحتاج تصحيحه إلى جعل (غير) بمعنى (لا) ليكون غير مطابقته للواقع بمعنى لا مطابقته للواقع، ومنه قولهم: إن زيدا غير ضارب أي لا ضارب، وإلا لزم تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، هذا والمشهور أن وصف الخبر بالمطابقة للواقع وصف له بحال متعلقه، فإن المطابق للواقع- أي النسبة الخارجية وهي الحالة التي بين الطرفين مع قطع النظر عن تعلقها- الأمر الذهني المتعلق بالخبر، والشارح المحقق ذهب إلى أنه النسبة المعقولة التي هي جزء مدلول الخبر أعني الوقوع واللاوقوع من حيث إنها معقولة فأثبتية المطابق والمطابق بالاعتبار، ولم يرض به السيد السند، وقال: هو الإيجاب والسلب، ومطابقتهما الأمر الخارجي هو التوافق في الكيف، بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين، ولكل وجهة هو موليها، ونحن نقول: مطابقة الخبر للواقع يحتمل أن يكون بمعنى موافقته له، وعدم مباينته له، بأن يكون مفيدا للواقع، فإن موافقة الدال لشيء إنما هو بالدلالة عليه، وإطلاق الواقع، والحاصل على النسبة مع أنها من الأمور
стр. 215
الاعتبارية باعتبار أنها حاصلة للطرفين، والأمر الاعتباري يصح أن يحصل لغيره كالعمى الحاصل للأعمى، وثبوت الشيء للشيء ليس مستلزما لثبوت المثبت، بل لثبوت المثبت له، وجعل الخارج ظرفا للنسبة، ووصف النسبة بالخارجية لا يستدعي وجودها، وذلك على ما حققوا للفرق، بين كون الخارج ظرفا لنفس الشيء، وبين كونه ظرفا لوجوده. فإن قولنا: زيد موجود في الخارج جعل فيه الخارج ظرفا لنفس الوجود، وهو لا يقتضي وجود المظروف، وإنما يقتضي وجود ما جعل ظرفا لوجوده، فالموجود في هذه الصورة زيد لا وجوده، ففي قولنا: زيد قائم في الخارج جعل الخارج ظرفا لنفس ثبوت القائم لزيد، فاللازم كون القائم ثابتا في الخارج بثبوت لغيره لا الثبوت، ونحن نقول: الخارج اسم للأمر الموجود في الخارج كالذهن الذي هو اسم للأمر الموجود في الذهن، فمعنى كون الشيء موجودا في الخارج والأعيان أنه واحد منها، وفي عدادها، فظرفية الخارج للوجود مسامحة، إذ الوجود ليس في عداد الأعيان، ومعنى زيد موجود في الخارج أن وجوده في وجود الخارج، وفي عداد وجوداته، فليس الخارج إلا ظرفا لنفس الشيء، لكنه إذا جعل ظرفا له حقيقة اقتضى وجوده، وإذا جعل ظرفا له مسامحة لم يقتض وجوده، هكذا حقق الخارج والواقع، واحفظه واجعله في سلك البدائع ولا تنكره؛ لأنه خلاف المستفيض الشائع.
ومما ينبغي أن ينبه عليه أن ما بسط من الكلام في الخارج ليس في الخارج الذي يدور عليه الصدق والكذب، لأنه بمعنى خارج تعقل المتكلم لا بمعنى الخارج المقابل للذهن، وإلا لم يشمل الصادق والكاذب الذهنيين، بل في الخارج المقابل للذهن، لنكون على بصيرة في القضايا الخارجية، ويتضح عندك وجه تقييد النسبة فيها بالخارج، ولذا عجب المصنف في بيان المذاهب الثلاثة، فذكر المذهب الأول من غير نسبة إلى صاحبه، كما نسبه المفتاح إلى الجمهور، ولم يؤيده، ولم يبالغ في التصريح بترجيحه، كما أيده وصرح به حيث قال: وهو المتعارف وعليه التعويل، مبالغة في صحته وظهور سلطانه، إلى أن استغنى اعتباره وعن نسبته إلى الجمهور، وعن التأييد بتعارفه، والشهادة بأنه المعول عليه، وأشار إلى كمال سخافة المذهب الثاني، بحذف قائله وتحقيره بمجهوليته، مع
стр. 216
العلم بأنه النظام، وقد سلك هذا المسلك المفتاح حيث قال: وعند بعض؛ إلا أنه عدل إلى أخصر طريق في ذلك، وأشار إلى رجحان مذهب الجاحظ، بذكر القائل، ووجه كمال سخافة هذا المذهب ما أشار إليه السكاكي من أن تصديق اليهودي إذا قال: الإسلام حق، وتكذيبه إذا قال: الإسلام باطل، بإجماع المسلمين ينجيان بالقطع على هذا المذهب، واستئصاله، ومع ذلك قدمه على مذهب الجاحظ (١) لكمال اتصاله بالمذهب الأول، حيث اجتمعا في انحصار الخبر في الصادق والكاذب فقال عقيب بيان الحق: (وقيل: مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطأ) وجرد بيانه عن حشو في عبارة المفتاح حيث قال: طباق الحكم لاعتقاد المخبر أو ظنه، فإن قوله أو ظنه حشو، إذ لا بد من حمل الاعتقاد في هذا التعريف على معناه الغير (٢) المشهور، وهو التصديق الشامل للظن والعلم وغيرهما؛ إذ لو حمل على المشهور وهو الجزم القابل للتشكيك لخرج مطابقة الخبر لعلم المخبر عن حد الصدق، ولدخل في حد الكذب، وعدل عن قوله سواء كان خطأ أو صوابا إلى قوله ولو خطأ؛ لأنه أخصر وإلى الصواب أقرب؛ لأن مطابقة الاعتقاد الصواب أحق بالصدق من مطابقة الاعتقاد الخطأ، كما تقيده (لو) الوصلية، فالتسوية لا تخلو عن شوب، وفيه أن سوى في الإيضاح؛ لكن الراجح ما في المتن، وقوله: ولو خطأ للإشعار بالفرق بينه وبين ما هو الحق، فإنه يفارق الأول في هذا الفرق، وأشار إلى تعريف الكذب بقوله: (وعدمها) أي عدم مطابقته للاعتقاد ولو خطأ، فالكذب بمخالفة الاعتقاد الخطأ، مادة افتراق الكذب على ما هو الحق، لكن لا تقتصر مادة افتراق الكذب عليه؛ بل منها الخبر الموهوم والمشكوك، فإنهما لا يطابقان اعتقاد المخبر لانتفائه، وليس لك أن تقول: المراد عدم مطابقة الاعتقاد مع وجوده، ولا اعتقاد له في المشكوك، لأنه ينافي ما هو مذهبه من انحصار الخبر في الصادق والكاذب، ولا أن تقول: الخبر المشكوك ليس بخبر، لأنه لا تصديق له بمدلوله، لأنا نقول: الخبر ما يدل على التصديق، سواء تخلف المدلول أو لا، ولولا ذلك لم يوجد خبر كاذب على هذا
стр. 217
المذهب، لأن الخبر الكاذب ما خالف المدلول اعتقاد المخبر، فلا اعتقاد للمخبر بخبره، ولا تصديق به، فلا يكون كاذبا لأنه مختص بالخبر.
ومن تحقيق تعريف الكذب يكاد يظهر أنه لا يصح جعل ضمير ولو خطأ إلى الخبر لأنه وإن لا تفاوت بينه وبين جعله للاعتقاد في تعريف الصدق لكن في تعريف الكذب لا يصح، حينئذ من ذكر قوله؛ ولو خطأ، وجعل المصنف تاركا لقوله ولو خطأ في تعريف الكذب لا موجزا اعتمادا على انسياق الذهن إليه بعد اعتباره في تعريف الصدق بعيد.
بدليل قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) أضاف الدليل إلى تمسك النظام إشارة إلى قوته؛ لأن الظاهر رجوع الكذب إلى قوله: إنك لرسول الله، لأنه الخبر المنقول عنهم، ويشهد ليس بخبر بل إنشاء. والظاهر من الحكم بالكذب الحكم بالكذب في الواقع، لا في اعتقادهم، فالظاهر معه، والرد ليس إلا بتأويل الآية كما صرح به المفتاح، لا نقول التأويل لا يعارض الظاهر، لأنا نقول يعارض البداهة المنبه عليها بقوله: تنبيه الدليل، ويوجب التأويل، وفي المفتاح: أن إجماع المسلمين على تصديق اليهودي في قوله: الإسلام حق، وتكذيبه في قوله: الإسلام باطل، يوجب تأويل النظم.
(ورد) استدلالهم (بأن المعنى: لكاذبون في الشهادة) يحتمل وجوها:
ظاهرها: أنه راجع إلى خبر تضمنه مجرد «نشهد»، لأنه إخبار عن الشهادة في الحال، أو على سبيل الاستمرار، أما كذبهم في الثاني فظاهر، وأما في الأول فلأن الشهادة هو الخبر العاطف، ورده الشارح المحقق في شرح المفتاح بأن «نشهد» إنشاء الشهادة، لا الإخبار عنها، وقال في الشرح: لا نسلم أنّ «نشهد» خبر بل إنشاء، ويدفعه في غاية الأمر أن ظاهره الإنشاء، ونحن في مقام التأويل لموجبه.
وثانيها: أنه راجع إلى دعوى أن شهادتنا إنشاء، وهذه من صميم القلب، كما يفيده تأكيد الرسالة بأن، واللام، واسمية الجملة، وهذا هو الذي أوضحه في
стр. 218
الإيضاح، موافقا لما في المفتاح.
وثالثها: ما يختلج في الصدر ونرجو أن يكون من نتائج الشرح أي شرح الصدر، أو شرحنا: أن الكذب يوصف به الخبر والشهادة، وهو عدم كون الشهادة عن مشاهدة وعيان، فالصدق والكذب اللذان (١) كلامنا فيهما صفتا الخبر، واستعمال النظم بمعنى هو صفة للشهادة، فقد خلط القائل معنى بمعنى.
(أو تسميتها) الظاهر أو تسميته لأنه راجع إلى الإخبار إلا أن يقال: مفعوله الأول محذوف، والمذكور مفعول ثان، وهو راجع إلى لفظ الشهادة. فالمعنى:
تسمية هذا الإخبار شهادة، وكذبهم؛ لأن الشهادة يشترط فيه مواطأة القلب، وهذا التأويل بعيد لما ذكره الشارح المحقق في الشرح، أن مثل هذا يكون غلطا في إطلاق اللفظ لا كذبا، وإن قال في شرح المفتاح في توجيهه: كأنه قيل: إخبارنا هذه شهادة، لأنه في التعبير عن معنى بلفظ لا يكون مثل هذا الخبر مقصودا.
(أو المشهود به) وهو إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (في زعمهم) فحاصل المعنى: أن المنافقين يزعمون، إنهم لكاذبون في قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وأنه غير مطابق للواقع. فحاصل الاستدلال بالآية أن الله تعالى حكم على المنافقين بكذبهم في الواقع في قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ فالكذب عدم مطابقة الاعتقاد ليتم هذا الحكم، وحاصل الجواب: منع الحكم عليهم بالكذب في الواقع في قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ لاحتمال الحكم بالكذب في الشهادة والتسمية، وفي قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
بزعمهم فحقيقة الجواب منع، والوجوه أسانيد ثلاثة كما قيل، ولا يظهر وجه دعوى الشارح فساده قابلا بأن حاصل الجواب منع كون التكذيب راجعا إلى قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ مستندا بهذين الوجهين، ثم الجواب على تقدير التسليم بما أشار إليه بقوله: أو المشهود به وبالجملة، ما وقع في الشرح من المنع في الوجهين الأولين منع للسند، ومما يقتضي منه العجب، قال الشارح:
واعلم أن هناك وجها آخر لم يذكره القوم، وهو أن يكون راجعا إلى حلف المنافقين على أنهم لم يقولوا: لا تنفقوا على من عند رسول الله، حتى ينفضوا من حوله، ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، لما ذكر في صحيح
стр. 219
البخاري عن زيد بن أرقم أنه قال:
كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا أنهم ما قالوا فكذبني رسول الله- ﵇ وصدقهم فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله- ﷺ ومقتك، فأنزل الله إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إلىّ النبي- ﷺ فقرأ عليّ فقال: «إن الله صدقك يا زيد» (١).
هذا ولا يخفى أنه تأويل فيه بعد، وقريب منه ما يمكن أن يقال: إنه راجع إلى قولهم: ليخرجن الأعز منها الأذل، فيكون قوله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ (٢) مؤكدا له، وذكر بعض الأفاضل: أن المعنى أنهم قوم عادتهم الكذب، وإن صدقوا في هذا القول، فلا تعتمد عليهم ولا تصدقهم فيما يقولون، ونحن نقول:
يحتمل أن يكون المراد- والله تعالى أعلم- أن قول المنافقين نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (٣) مفيد بحضورك، وحضور أهل الإسلام، وأما في الخلوة مع شياطينهم فحالهم خلاف ذلك، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٤) فيما ينافقون ويضمرونه في أنفسهم، ولهذا أعاد الظاهر ليعلق لكذب بصريح المنافقين لا بضميرهم، ليكون ظاهرا في رجوعه إلى ضميرهم، ويحتمل أن يكون الكذب راجعا إلى خبر يستفاد من كثرة التأكيد، أي هذا حكم في معرض المبالغة في إنكاره فيحتاج إلى كثرة التأكيد، ومن شواهد ضعف تمسك النظام ما يتجه عليه: أن الآية لا توجب جعل صدق الخبر خلاف ما عليه الجمهور، بل جعل صدق المتكلم تكلمه بما يوافق اعتقاده، وكذبه تكلمه بما لا يطابقه.
(الجاحظ) أي قال الجاحظ كما هو السابع في الكتاب، وليس مراد الإيضاح
стр. 220
حيث قال، وأنكر الجاحظ انحصار الخبر فيهما أن الفعل المقدر؛ أنكر لأنه يفضي إلى تكلفات بعيدة، بل ذكر حاصل كلام المتن في هذا المقام.
(مطابقته) أي صدق الخبر مطابقة الخبر للواقع (مع الاعتقاد) أي مع اعتقاد المخبر أنه مطابق، كذا ذكره الشارح اقتفاء للإيضاح، ويتجه عليه: أنه حينئذ يشكل إرجاع ضمير معه في تعريف الكذب إليه، فالوجه أن يقال: المراد مطابقة الخبر للواقع مع اعتقاد المخبر، وقوله (مع) متعلق بالمطابقة، ولتشريك الاعتقاد، والواقع في مطابقة الخبر وحينئذ معنى قوله (وكذبه عدمها معه) أي عدم مطابقة الخبر للواقع مع اعتقاد المخبر، والمقصود تشريك الاعتقاد، والواقع في عدم مطابقة الخبر؛ فيكون جميع ما اعتبره الجمهور، والنظام في الصدق معتبرا في الصدق عنده، وكذا في الكذب بصريح التعريف، بخلاف توجيه الشارح، فإنه جعل اعتبار مطابقة الاعتقاد في الصدق لازم ما اعتبره في مفهومه من اعتقاد أنه مطابق، وجعل اعتبار عدم مطابقة الاعتقاد في الكذب لازم ما اعتبر في مفهومه، وهو اعتقاد أنه ليس بمطابق، وبين اللزوم بأن الواقع والاعتقاد متوافقان، حينئذ يعني متوافقان في التحقيق والانتفاء، فالمطابق وهو الخبر لأحدهما مطابق للآخر، وغير مطابق لأحدهما غير مطابق للآخر، ويمكن بيان اللزوم بوجه آخر، وهو أنه إذا اعتقد المخبر أن خبره مطابق للواقع فلا محالة اعتقد الخبر فقد طابق خبره اعتقاده، وإذا اعتقد أن خبره غير مطابق للواقع فلم يعتقد خبره فلم يطابق خبره الاعتقاد، وهذا البيان لا يتوقف على توافق الواقع والاعتقاد، بل يتأتى مع تخالفهما لكنه لا ينافي صحة البيان بالتوافق الواقع، فاعترض بعض الأفاضل، بأن اللزوم ظاهر على تقدير نخالف الواقع والاعتقاد أيضا، فلا يحسن التعليل بالتوافق، ليس على سنن التوجيه.
وقوله: (وغيرهما ليس بصدق ولا بكذب) إشارة إلى أن الصادق والكاذب بتفسيره أخص منهما بتفسير غيره، لأنه اعتبر فيهما مجموع ما اعتبره غيره، ويحتمل أن يكون نفيا لمذهب الجمهور، والنظام أي الصدق مثلا.
هذا وليس غيره مما ذكر صدقا، ويرجح الأول موافقته للإيضاح، وتخصيصه ببيان مذهب الجاحظ، فإن الثاني يجري في مذهب الجمهور والنظام، ولم يذكر
стр. 221
فيهما، فلو كان المراد ذلك لم يكن وجه لتخصيصه بمذهب الجاحظ.
(بدليل) كأنه سمي الأمارة دليلا مبالغة في قوته: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (١) قال الشارح المحقق: لأن الكفار حصروا إخبار النبي- ﵇ بالحشر والنشر في الافتراء أو الإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو، وهو الحق الظاهر من سابق الآية؛ لا ما ذكره المصنف في الإيضاح؛ حيث قال:
فإنهم حصروا دعوى النبي- ﵇ للرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، إلا أن يتكلف، ويحتمل قوله للرسالة على الرسالة في هذا الحكم، فيرجع إلى ما قال الشارح.
بقي أن استدلال الجاحظ لا يتوقف على منع الخلو، بل على تقدير منع الجمع دلالة الدليل أقوى، ويدله أن تحمل على منع الخلو، ليس لتوقف الاستدلال، بل لأن وضع (أم) له فتأمل. (و) بالجملة (لا شك أن المراد بالثاني) أي قوله (أم به جنة) (غير الكذب لأنه قسيمه) أي لأن المراد بالثاني قسيمه، فلا يصح أن يكون الكذب، وهذا أولى من قول الشارح، أي لأن الثاني قسيمه، فافهم. ولك أن تفسير قوله: لأنه قسيمه بأن الكذب قسيم المراد بالثاني، أو الثاني. (وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه) قال الشارح المحقق: أي لم يعتقدوا الصدق، فعند إظهار تكذيبه لا يريدون بكلامه الصدق الذي هو بمراحل عن اعتقادهم، ولو قال: لأنهم اعتقدوا عدمه لكان أظهر، يريد دفع ما يتوجه على المصنف من أن الاستفهام عن الشيء لا ينافي عدم الاعتقاد بأن المراد بقوله لم يعتقدوه البعد عن الاعتقاد، بحيث لا يرضى المستفهم بالاستفهام عنه؛ لكن في قوله: فعند إظهار تكذيبه مؤاخذة، وهو أن الآية على مذهب الجاحظ ليست لإظهار التكذيب؛ بل لإظهار عدم الصدق، فالأولى أن يقول: فعند إظهار عدم صدقه لا يريدون بكلامه الصدق الذي هو بمراحل عن اعتقادهم.
ونحن نقول: احتاج إلى التكلف لجعله ضميرا؛ لأنهم لم يعتقدوه إلى السائلين، ولو جعل إلى المخاطبين لتم على ظاهره؛ لأن ما لم يعتقده المجيب وظهر أنه غير معتقد له لا يسأل عنه، وإنما يسأل عما يحتمل أن يكون معتقدا له، ويرجى
стр. 222
الجواب عنه، ولا داعي في المتن لجعل الضمير إلى السائلين، نعم عبارة الإيضاح ظاهرة فيه، حيث قال: وليس إخباره حال الجنون كذبا لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقا لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فافهم.
وإذا لم يكن مراد البلغاء بقولهم (أم به جنة) الصدق ولا الكذب فلا محالة مرادهم الواسطة، فثبت بإرادتهم الواسطة؛ إذ لو لم يكن لم يريدوا لأنهم البلغاء العارفون باللسان الذين مرجع معرفة صحة كل كلام كلامهم، فليس المعترض بأن عدم إرادتهم صدقه، لا يوجب عدم صدقه، حتى يكون واسطة بمرأى من المحصلين ولا بمسمع.
(ورد) هذا الدليل بمنع أن المراد بالثاني غير الكذب، ومنع أنه قسيم الكذب، أو منع استلزام الدليل مطلوبه بسند أنه قسيم الافتراء الذي هو الكذب عن عمد، فليكن المراد به الكذب لا عن عمد، وهذا الذي قصده (بأن المعنى أم لم يفتر) فإن قلت: أم لم يفتر أعم من الكذب لا عن عمد، ويحتمل الصدق، فلا يكون مرادا لأنهم لم يعتقدوا محتمل الصدق، أو اعتقدوا عدمه! ! قلت: عدم اعتقادهم محتمل الصدق يخصه بالكذب لا عن عمد، على أن نفي الافتراء الذي هو الكذب عن عمد يرجع إلى العمد، ويبقى الكذب ثابتا، على ما هو الشائع في دخول النفي على المقيد، ولما كان نفي الافتراء غير ظاهر الإرادة بقوله (أم به جنة) فسره ببيان العلاقة بقوله: (فعبر عنه) أي عن عدم الافتراء أو عن معنى لم يفتر (بالجنة) أي بالجنة ليصير مضمون أم به الجنة، وليس المراد أنه عبر عنه بلفظ الجنة حتى يكون معنى (أم به جنة): أم به عدم الافتراء، لظهور فساده، والأولى أن يقول: فعبر عنه بالثاني.
(لأن المجنون لا افتراء له) بالضرورة فيلزم الجنة عدم الافتراء.
قيل: كون الافتراء الكذب عن عمد إما بحسب الوضع أو بحسب الإرادة، وكل منهما دعوى لا تسمع بلا بينة، ولا مقابلة (أم به جنة) لا يصير دليلا على اعتبار القصد في الافتراء، لأنه يحتمل أن يكون المراد به أن ما ينطق به الصوت مجرد كألحان الطيور، خارج عن الاعتداد والاتصاف بالصدق والكذب، فالأولى أن تحمل الآية على أنه، إما كاذب، أو مصوت صوتا لا معنى له، ولا اعتداد
стр. 223
به، وأجيب: بأنه كفى دليلا في التقييد نقل أئمة اللغة واستعمال العرب، وقلنا: معنى الصدق والكذب مقرر متعارف، وعرض للجاحظ شبهته فيهما من قبل الآية، فيكفي في دفع شبهته أن الآية لا تتعين لإثبات الواسطة، بل يحتمل أن يقتضي تقييد الافتراء لغة (أم) إرادة، ويمكن أن يحمل قوله: أَمْ بِهِ جِنَّةٌ على أنه لا اعتداد بكلامه للجنون، فيكون المقصود من الآية نفي الاعتداد بكلامه، لكونه كذبا أو كلام مجنون، ويمكن أن يقال: لا مانع من إرادة، أم صدق قولك، لأنهم لم يعتقدوه.
قلت: عدم اعتقاد المخاطب ينافي الإرادة إذا كان الاستفهام على حقيقته، أما إذا كان الاستفهام للتقرير وتحقيق أنه افترى فلا ينافيها.
***
стр. 224
الباب الأول
(أحوال الإسناد الخبري)
قدم أحوال الإسناد لأن المقصود بالذات من الخبر الإسناد، والمسند، والمسند إليه، إنما يقصدان لأجله، ولأنه يتم الكلام به بخلاف الطرفين؛ ولأن البحث عن المسند إليه من حيث إنه كذلك لا عن ذات المسند إليه، والإسناد متقدم عليه، وإن تأخر عن ذاته، وقدم أبحاث الخبري لكون الخبر أعظم شأنا وأعم فائدة؛ لأنه هو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وفيه تقع الصياغات العجيبة، وبه يقع غالبا المزايا التي بها التفاضل، ويتوقف عليه فوائد الإنشاء، لأنه ما لم يعلم أنه موضوع لكذا، وقصد المتكلم به كذا وهيئته المبحوث عنها في التصريف كذا، وكذا، لم يفد، ولكونه أصلا في الكلام؛ لأن الإنشاء يحصل منه باشتقاق كالأمر والنهي، أو نقل كعسى ونعم، وبعت واشتريت، أو زيادة أداة كالاستفهام والتمني، وما أشبه ذلك.
ولا يذهب عليك أن في جعل الأمر مطلقا وجعل النهي حاصلا من الخبر باشتقاق كما في الشرح بحثين: أحدهما: ظهور أنه لا فرق بين الأمر باللام والنهي، وبين الاستفهام، في أن كلا بزيادة أداة. وثانيهما: أنه صرح الشارح والسيد السند في شروح الكشاف أن المشتقات كلها مشتقة من المصدر، وعباراتهم المخالفة لذلك مؤولة. فقولهم: اسم الفاعل ما اشتق من فعل مؤول بما اشتق من مصدر فعل، فكيف يحكم بأن النهي مشتق من الخبر.
واعلم أن الشيخ الرضي (١) لم يجعل المشتق من الخبر إلا الأمر بغير اللام؛ لكنه قال: إنه مشتق من تضرب بالاتفاق، ففيه تأييد لبعض ما ذكرنا، وتزييف لبعض، فتدبر.
والإسناد الخبري هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى الأخرى بحيث يفيد أن
стр. 225
مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى، أو منفي عنه، وهذا أولى من قولهم:
بحيث يفيد الحكم بأن إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه؛ لأن مفاد الخبر هو الوقوع واللاوقوع لا الحكم بهما، وهذا أوفق بإطلاق المسند والمسند إليه على اللفظ، من تعريفه بأنه الحكم بمفهوم لمفهوم بأنه ثابت له أو منفي عنه، لكن صاحب هذا التعريف أراد التنبيه على أن هذا الإطلاق على ضرب من المسامحة وتنزيل الدال منزلة المدلول لشدة الاتصال بينهما، ولا يختلجن في وهمك أن تعريف الإسناد لا يشمل الإسناد الشرطي لأن هذا مبني على الإسناد في الجملة الشرطية في الجزاء، والشرط قيد له، وأما من جعل الحكم بين الجملتين فالتعريف الصحيح عنده هو: ضم كل كلمة أو ما يجري مجراها إلى الأخرى أو ضم إحدى الجملتين إلى الأخرى، بحيث يفيد الحكم بأن إحداهما ثابت بمفهوم الأخرى، أو عنده، أو مناف لمفهوم الأخرى، أو ينفي ذلك.
وتعريف المفتاح حيث قال: الإسناد الخبري هو الحكم بمفهوم لمفهوم، كما يحتمل أن يكون بمعنى هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم، فيكون في معنى التعريف المذكور، إذ الحكم أعم من الإيجاب والسلب، وهذا هو الذي زعمه الشارحون، وقصر عليه نظرهم الناظرون، وجعلوه مبنيا على أن الحكم في جزاء الشرط يحتمل أن يكون بمعنى هو الحكم بمفهوم لأجل مفهوم؛ لأن الحكم في الخبر لأجل المحكوم عليه ولمصلحته، ولهذا أسماه محكوما له، وحينئذ ليشمل الإسناد الشرطي مطلقا من غير ابتناء على ما سبق؛ لأن الحكم هو الإيجاب أو السلب، أي إدراك وقوع ثبوت أمر لأمر، أو عنده، أو الانفصال بينهما، أو إدراك لا وقوعه.
(لا شك أن قصد) أي مقصود (المخبر) أي المعلم بالنسبة التامة المحتملة للصدق والكذب على ما هو اللغة، أو المتلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها معناها، على ما هو العرف، كما ذكره الشارح المحقق في شرح الكشاف في تفسير: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (١) فقول الشارح هنا أي من يكون بصدد الإخبار والإعلام، لا من يتلفظ بالجملة الخبرية؛ فإنه كثيرا ما يورد الجملة الخبرية لأغراض سوى إفادة أحد الأمرين من التحسر والتحزن، والتخشع، وتحريك
стр. 226
الحمية، والدعاء إلى غير ذلك- محل نظر لأنه إن أراد المتلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها معناها فلا وجه لنفيه لصحته، وإن أراده مطلقا فلا يحتاج إلى نفيه، لأنه ليس من محتملات العبارة؛ لكن ينبغي أن يراد من هو بصدد الإخبار بأي معنى كان، لا المخبر بالفعل، وإن كان قصده أيضا لا يخرج من الأمرين ليصح قوله: فإن كان خالي الذهن إلى آخره فتأمل.
(بخبره) متعلق بالقصد فتأمل، والمراد به إخباره لا الجملة؛ إذ المقصود بالفعل والغرض منه الإفادة لا المقصود بالجملة الخبرية، فإن المقصود بها نفس الحكم، أو لازمه، فلو أريد الجملة لما صح قوله: (إفادة المخاطب إما الحكم أو كونه عالما به) أو كليهما، كما إذا سأل واحد عن أمر بمحضر جماعة يبادر كل واحد إلى الجواب ليفيد الحكم وإن كان عالما به، فإن قلت: قد يكون قصد المخبر إحضار الحكم في ذهن المخاطب بعد ما غاب عنه، قلت: هو حينئذ ليس مخبرا إلا بمعنى المعلم للنسبة الخبرية، ولا بمعنى المتلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها معناها؛ إذ لم يقصد بالخبر الحكم للإعلام، وهو معنى الخبر بل للإذكار، وبعد فيه نظر؛ إذ قصد المخبر ربما يكون إفادة غير المخاطب حكما، كما في صورة التعريض، نحو:
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (١) فإن المقصود من هذا الخبر إفادة المعرض بهم من المشركين بأنها حبطت أعمالهم، إلا أن يقال: المخاطب صورة هو النبي- ﵇ ومعنى هؤلاء المعرض بهم، غايته أنه عدل عن الخطاب معهم إلى الخطاب مع النبي؛ لأنه أعون على القبول؛ كما سيجيء في محله.
فإن قلت: المقصود خطاب النبي بأنهم حبطت أعمالهم، وهذا هو المعنى التعريضي، قلت: يكذبه أن رعاية المؤكدات والخلو عنها إنما هو بالنسبة إليهم لا بالنسبة إلى المخاطب، والمراد بكونه عالما به ليس مجرد حصول صورته في ذهنه، وإن ظنه الشارح؛ لأن تصور الحكم لا يعتد به، ولا يسمى علما، ولا يعد المتصور عالما به، بل يحكم عليه بالجهل به، بل المراد به كونه مصدقا به أي تصديق كان.
قال السيد السند: إطلاق العلم عليه مستفيض لغة، وهذا لا ينافي ما ذكره
стр. 227
بعض المحققين من أن: إطلاق العلم على الظن والتقليد والجهل مخالف العرف والشرع واللغة؛ لأنه يجوز أن يكون مقصوده الإطلاق على سبيل الحقيقة، ويكون الإطلاق المستفيض الذي ذكره السيد السند مجازيا، ولا يشتبه عليك أن الخبر الذي يستفيد منه اليقين لازمه تعين المتكلم به، والخبر الذي تستفيد منه الظن لازمه يحتمل أن يكون ظنه، ويحتمل أن يكون اليقين فتأمل.
ولا ينافي بين كون الحكم وكون المخبر عالما لازما وملزوما وبين الانفصال بين قصدي إفادتهما، وإن توهمه بعض الأفاضل وأطال في دفعه بلا طائل.
ومن ينظر بعين التحقيق ولا يكتفي ببادئ النظر عن الفكر العميق، لا أظنه أن يبقى من أهل التصديق بأن قصد المخبر غير إفادة الحكم، وكيف ولا قصد إلا إلى إفادة الحكم إما بمضمون حقيقة الخبر أو بمضمون ما يلزمه من المعاني المجازية، أو الكنائية، أو التعريضية، إذ إفادة كونه عالما به لا يخرج عن أحد هذه المعاني، والمراد بالحكم الوقوع واللاوقوع لأنه الذي يفاد بالخبر بحكم بديهة العقل، كما أشار إليه بقوله: لا شك، وإن كان كلام القوم يشعر بأنه الإيقاع والانتزاع؛ حيث قالوا: مدلول الخبر إنما هو حكم المخبر بوجود المعنى أي بوجود الأمر القائم بالطرفين في الإثبات، وبعدمه في النفي، وأنه لا يدل على ثبوت المعنى وانتفائه، وإلا لما وقع شك من سامع في خبر يسمعه، بل علم ثبوت ما أثبت وانتفاء ما نفى، إذ لا معنى للدلالة إلا إفادة العلم بذلك الشيء، ولما صح ضرب زيد إلا وقد وجد منه الضرب، لئلا يلزم إخلاء اللفظ عن معناه الذي وضع له، وحينئذ لا يتحقق الكذب أصلا، وللزم اجتماع المتناقضين في الواقع عند الإخبار بأمرين متناقضين.
هذا ونحن نقول: بل يلزم اجتماع المتناقضين عند الإخبار عن أمر غير واقع لاقتضاء دلالة اللفظ التحقق، والواقع عدمه، ثم يتجه إلى استدلالهم هذا بأنه يجري في كون المدلول حكم المخبر؛ إذ يمكن أن يقال: لا يدل على حكم المخبر بوجود المعنى وعدمه، وإلا لما وقع شك من سامع في خبر يسمعه، بل علم حكم المخبر بالثبوت أو بعدمه، ولما صح ضرب زيد إلا وقد وجد من القائل العلم بضرب زيد؛ لئلا يلزم إخلاء اللفظ عن معناه الذي وضع له، وحينئذ لا يتحقق الكذب، وللزم اجتماع المتناقضين عند الإخبار بأمرين متناقضين؛ لأنه يلزم الحكم
стр. 228
بالوجود وبالعدم، وكل حكم يستلزم انتفاء الآخر فيلزم وجود كل من الحكمين وعدمه.
قال الشارح: تأويل كلامهم: أن المدلول ليس الثبوت والعدم قطعا، بحيث لا ينفك عن الدلالة، إذ فهم الثبوت أو الانتفاء من الخبر ضروري لا يمكن إنكاره، ولو كان مدلول الخبر الحكم لوجود المعنى وانتفائه لما كان لإنكار الخبر معنى؛ لامتناع أن يقال: إنه لم توقع النسبة، ولكان مفهوم جميع القضايا متحققا دائما، فلم يصح قولهم بين مفهومي: زيد قائم، وزيد ليس بقائم تناقض، لامتناع تحقق المتناقضين، وفيه أولا: منع امتناع أن يقال لم توقع النسبة لجواز أن يكون التكلم على خلاف الاعتقاد، ومنع تحقق مفهوم جميع القضايا لجواز أن لا يكون المتكلم باللفظ عالما بالمعنى، إلا أن يراد إمكان تحقق مفهوم جميع القضايا لجواز أن يتكلم بالنقيضين شخصان عالمان بمضمونهما، وأنه يجوز أن يكون مدلول الخبر الحكم المطابق، فلا يمكن تحقق المتناقضين لعدم إمكان مطابقة حكميهما، ويجوز إنكار الحكم المطابق بإنكار مطابقته بلا خفاء. وثانيا: أنه لو كان تأويل كلامهم ما ذكره لكان حاصله إنكار قطعية الدلالة، ولا تعلق لذلك الإنكار بكون المدلول الحكم بالثبوت والانتفاء، أو الثبوت والانتفاء في الواقع؛ فإن قطعية الدلالة باطلة لكونها وضعية، مع كون المدلول الحكم أيضا بالوجوه المذكورة، كما أشرنا إليه؛ إلا أن يقال: إن مرادهم أن المدلول بالوضع وجود المعنى وعدمه، من حيث إنه متعلق حكم المخبر، وبواسطته يدل على ثبوت المعنى وعدمه في الواقع، وليس المدلول أولا ثبوت المعنى أو عدمه قطعا، بحيث لا يحتمل الخلاف، وإنما تعرضوا لمدلولية الثبوت والعدم من حيث إنهما متعلقا الحكم؛ لأنه بتوسطه يظهر أن الدلالة غير قطعية، لجواز عدم مطابقة العلم، نعم لا ينحصر وجه عدم القطعية فيه إذ دلالة الخبر باستعمال المخبر فيما قصد به، فيجوز أن يتخلف لعدم استعماله في صورة ذهنية متحققة، بأن يتلفظ به من غير صورة ذهنية، ومن هاهنا انكشف ترتب الدلالات الثلاث في المكتوب؛ دلالة الخط على اللفظ، واللفظ على الصورة الذهنية، أي التي من حيث إنه متعلق علم المتكلم، ودلالة الصورة الذهنية على الأمر الخارجي، أي على الشيء مع قطع النظر عن أنه متعلق العلم.
стр. 229
ونحن نقول: لو كان مدلول الخبر الحكم بالثبوت والعدم؛ لكان دخول أداة الاستفهام لطلب المتكلم العلم بعلمه بمضمون الخبر ودخول أداة الشرط لتعليق الحكم بالحكم بدخول لام الأمر لطلب حكم المتكلم به، ولكان: ليت زيدا قائم لتمني العلم بقيامه وعلى هذا القياس.
(ويسمى الأول) أي الحكم من حيث إنه يستفيده المخاطب من الخبر (فائدة الخبر) لا من حيث إنه يفيده المخاطب كما يشعر به عبارة الشارح المحقق، وذلك لأن الفائدة لغة ما استفدته من علم أو مال، فاللائق في وجه تسمية الحكم فائدة الخبر كونه مستفادا لا كونه مفادا.
(والثاني لازمها) الظاهر لازم فائدة الخبر، وفي إيراد الضمير خفاء، وإنما سمي الأول فائدة الخبر، والثاني لازم فائدة الخبر لأن المستحق لاسم الفائدة ما وضع له اللفظ، ولاسم لازم الفائدة ما هو غير الموضوع له، واستفادته لأنه يلزم الموضوع له، وقد نبه صاحب المفتاح على أن هذا اللازم ليس بمعنى اللازم في الجملة، ولو بقرينة، بل من قبيل ما يمتنع انفكاكه عن الشيء فقال: والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، أو نبه على أن لزومه باعتبار لزوم استفادته لاستفادة الحكم فقال: والأولى وهذه منبها بتأنيث الأولى، وهذه على إرادة الاستفادتين دون الحكم، وكون المتكلم عالما به. وقد ذكرهما على وجه التذكير حيث قال: ويسمى هذا فائدة الخبر، ويسمى هذا لازم فائدة الخبر، ثم أراد بيان أنه كيف خص إحدى الفائدتين باسم فائدة الخبر، والأخرى باسم لازم فائدة الخبر، فقال: كما هو حكم اللازم المجهول المساواة، يعني كما هو حكم لوازم اللفظ الموضوع المجهولة المساواة في النسبة إلى الوضع، يعني قاعدة القوم أن يجعلوا لوازم الدال بعضها فائدة وبعضها لازم فائدة، فما كان له مزيد اختصاص بالدال حتى كأنه يفهم من حاقه (١) يسمى فائدة، ويعتبر من دواخل المقصود به، وما جهل مساواته، بالمختص في الاختصاص سواء ظهر انحطاطه عنه أو لا يعد من لوازم الفائدة، مثلا: فائدة ضرب الحدث والنسبة والزمان لتساوي الثلاثة في النسبة إلى الوضع، والمكان المبهم، والعلة المبهمة، والمقارنة بحال من
стр. 230
أحوال الفاعل- لا يعد فائدته- ولا يجعل من دواخل ما وضع له ضرب مع لزومها اللفظ ضرب، لأنه مجهول المساواة مع الثلاثة، هذا ما ألهمت في حل عبارته، والقوم جعلوا قوله: والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حال اللازم المجهول المساواة- بيانا لوجه تسمية الثاني لازم الفائدة، يعني تسميتها لازما دون الأولى؛ لأنها لا تمتنع بدونها، كما هو حال اللازم المجهول المساواة، فبعضهم قال: أراد به اللازم الأعم؛ لأنه أحق بمجهولية المساواة من المساوى المجهول المساواة، وبعضهم قال: أراد به ما يشمل الأعم والمساوى المجهول المساواة: ولعمري؛ إن أمثال هذا من العجاب، والشاهد على عجز الممكن حيث وقع من جم غفير من أولي الألباب السابقين في كثير من الأبواب، وعلى أن المنزه ليس إلا الواجب رب الأرباب؛ اللهم لك التنزه والتقدس، ونعوذ بك عما هو لوازم الإمكان من التدنس، وكيف لا ووجه تسمية الأولى فائدة والثاني لازم الفائدة هو الواضح الذي قدمناه، فكيف تلتفت إلى مثل هذا التوجيه مع وضوحه، وكون الثانية لازما أعم واضح؛ فما الداعي إلى جعله من جملة المجهول المساواة؟ ! أو التعبير عنه بمجهول المساواة؟ ! ولا يظن بعاقل ما نسبوه إلى فاضل بيده مفتاح المعاني، وكامل يتنبد ببلاغته ثغور المباني.
بقي أنه كيف صح أن كونه عالما به لازم فائدة الخبر وكثيرا ما يتحقق الحكم، والمتكلم غير عالم به لكونه مخبرا على خلاف علمه؟ فقيل إن الملزوم واللازم عند التحقيق ليس الحكم، وكون المخبر عالما به بل إفادة الحكم وإفادة كونه عالما به، فإن الأولى يمتنع بدون الثانية، والثانية لا يمتنع بدون الأولى.
وقال المصنف، ووافقه العلامة: إنهما عند التحقيق علم المخاطب من الخبر نفسه بهما، فإن علمه من الخبر بالحكم لا ينفك عن علمه بكون المخبر عالما به منه، بخلاف العكس فجعل ملزوما ولازما، باعتبار هذين العلمين، والشارح المحقق ظن أنهما فجعلا اللازم والفائدة نفس العلمين، وخالف المفتاح، وبيانهما ليس موجبا لما ظنه، فليحمل على ما سمعت.
وبالجملة بيان اللزوم أن علم المخاطب بالحكم من الخبر موقوف على علمه بأن المخبر عالم به علما مطابقا، حتى لو شك في علمه، أو مطابقة علمه لم يحصل له
стр. 231
العلم بالحكم من الخبر، فالعلم بالحكم منه لا ينفك عن العلم بكون المخبر عالما، والعلم بكونه عالما بالحكم منه ينفك عن العلم بالحكم منه، كما في قولك: حفظت التورية لمن حفظه، وهذا بيان واضح لا تحوم حوله ريبة. إلا أنه خفى على السلف والمصنف ذكر في بيان أن علم المخاطب بالحكم منه يستلزم علمه بكون المخبر عالما به منه، بأن العلم الثاني لو لم يحصل عند الأول فإما لأنه قد حصل قبل، أو لم يحصل بعد، وكلاهما باطل.
وبين الشارح بطلان الأول بأن: العلم بكون المخبر عالما بالحكم يوجب كون الحكم حاصلا في ذهنه ضرورة، وإن لم يجب أن يكون حصوله من ذلك الخبر، وفيه نظر؛ لأنه مبني على أن اللازم مجرد إدراك أن المخبر عالم بالحكم، ولو تصورا، وقد عرفت ما فيه، بل الحق في بيانه أن علم المخبر بالحكم من الخبر يتوقف على علم المخاطب بكونه عالما به علما مطابقا كما عرفت، ولو حصل هذا العلم قبل حصول العلم بالحكم بالخبر لحصل العلم بالحكم أيضا قبل حصوله بالخبر، فيكون حصوله بالخبر تحصيل الحاصل. وبين المصنف بطلان الثاني، بأن سماع الخبر من المخبر كاف في حصول الثاني منه، وأثبته الشارح بأن التقدير: أن حصولهما من نفس الخبر، وفيه نظر؛ لأن التقدير الذي نحن فيه ليس إلا أن حصول الحكم بالخبر، لا نقول إذا كان حصول الحكم بالخبر كان حصولهما به؛ لأنه لازمه؛ لأنا نقول: هذا أول المسألة ونحن في بيانه، فالتمسك به مصادرة، فالوجه أن يقال: إن سماع الخبر من المخبر الموثوق به كاف في حصول الثاني منه؛ لأنه لا يتكلم على خلاف علمه، فإن قلت: كثيرا ما نسمع خبرا وليس في ذهننا أن المخبر صادق، قلت: إن أردت أنه ليس مجمل هذا الحكم، فمما لا يسمع، وإن أردت أنه ليس مفصلا فلا يقدح.
واستصعب الشارح الإشكال فاختار طريقا ثالثا في تعيين الفائدة ولازمها؛ فجعل الفائدة الحكم، ولازمها كون المخبر عالما به، وهذا ضروري للمخبر، ولا يخفى عليك أن الضروري حصول صورة الحكم في ذهنه لا التصديق به، وهو المدار، والأول بمعزل عن الاعتبار، وبعض الناظرين في هذا الكتاب ذكر احتمالات كثيرة يمكن اعتبارها في الفائدة ولازمها، وكان لنا عليه زوائد، لكن أمثال هذا لا ينفع
стр. 232
في تعيين المصطلح، فرأينا أن المعرض عنها قد أفلح، فطويناها على غرها لنعصمك عن ضرها.
[وقد ينزل العالم بهما منزلة الجاهل]
(وقد ينزل العالم بهما منزلة الجاهل) أي ينزل العالم بالفائدة منزلة الجاهل بها (لعدم جريه على موجب العلم) بالفائدة، والعالم باللازم منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم باللازم مثال المخاطب العالم بالفائدة. قولك للعالم بوجوب الصلاة التارك لها: الصلاة واجبة، ومثال المخاطب العالم باللازم نحو: ضربت زيدا، لمن يعلم أنك تعرف أنه ضرب زيدا، لكن يناجي غيره عندك بضربه، كأنه يخفى منك، فالمراد بالجاهل الجاهل بهما، لا الجاهل بالفائدة، لأن العالم بلازم الفائدة إذا لم يجر على موجب العلم به ينزل منزلة الجاهل به، ولا محل لتنزيله منزلة الجاهل بالفائدة. وقد ذكر السيد السند أن تنزيل المفتاح العالم بالفائدة ولازمها منزلة الخالي عنهما للمبالغة وإلا فتنزيله منزلة الجاهل بالفائدة يكفي في إلقاء الكلام عليه، وبما حققناه لك ظهر أثر إهمال النظر فيما ذكر.
وكما يكون التنزيل لعدم الجري على موجب العلم يكون للجري على موجب الجهل، وبينهما فرق؛ فلا تخلط. ويتجه عليه أن هذا من باب إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فينبغي أن يذكر بعد قوله: وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه، ويجمع مع خلاف مقتضى الظاهر كما في المفتاح، ويمكن أن يجاب عنه بأنه قدم على قوله: وكثيرا ما لدفع ما يتجه على الحصر من أنه قد يكون قصد المخبر غيرهما، فإنه قد يلقيه على العالم بهما، فحينئذ ينبغي أن يجعل الجاهل متناولا للخالي والسائل والمنكر، ليتم الدفع، ولا يخص بالخالي عن النسبة مطلقا، كما فعله السيد السند بناء على أن تنزيل العالم منزلة المنكر داخل تحت قوله: وغير المنكر كالمنكر، وأن يؤيده أنه مثل لتنزيل غير المنكر منزلة المنكر، بما هو تنزيل العالم منزلة المنكر، على أن دخوله فيما سيأتي لبيان وقت تنزيله منزلة المنكر، فلا يوجب التكرار، وإن في هذا التعميم إغناء عما احتاج إليه من حوالة تنزيل العالم منزلة السائل بالمقايسة.
واعلم أن لتنزيل العالم بهما منزلة الجاهل نتائج منها: إلقاء الخبر إلى العالم، ومنها سلب العلم عن العالم بالخبر، كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ
стр. 233
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١) فإنه أثبت لهم العلم بفائدة من اشتراه ما له في الآخرة من نصيب، ونفى عنهم العلم بها بقوله (لو كانوا يعلمون) أي لو كانوا يعلمون أنه ما لهم في الآخرة من خلاق لما شروه به، فنفى عنهم العلم بعد إثباته لتنزيله منزلة الجهل، فبطل ما ذكره المصنف من أن في كلام المفتاح إيهام أن الآية من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هي من أمثلة تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر منزلة الجاهل، لا للإلقاء إليه، بل لسلب العلم عنه صريحا، لا لما ذكره الشارح في شرح المفتاح من أنه لا إيهام مع قول المفتاح كيف يجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي، وآخره بنفيه عنهم، حيث لم يعملوا بعلمهم، ولو سلم فلا ضير في الإيهام بعد وضوح المرام، لأنك عرفت أنها لإثبات العلم بفائدة الخبر في صدرها، ونفيه في آخرها، فلا ينفي قول المفتاح هذا الإيهام، ولا يدفع ضره وضوح المرام، على أن للمصنف أن يقول: المقصود من هذا الكلام تنبيه القاصر، وحفظه عن التثبت على هذا الإيهام، وظهر ضعف ما ذكره الشارح ومن تبعه في دفعه من أن مراد المفتاح بالحوالة على كلام رب العزة توضيح تنزيل العالم بالشيء أعم من الفائدة وغيرها منزلة الجاهل.
وللآية الكريمة احتمال آخر يخلو فيه صدرها عن وصف أهل الكتاب بالعلم، وهو أن يكون (لقد علموا) دالا على الجزاء، ويكون اللام لام الابتداء، ويكون (لو كانوا يعلمون) لنفي كونهم من أهل العلم، فالحاصل: لو كانوا يعلمون لعلموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، فليس في الآية إلا نفي العلم.
وفيه أيضا تنزيل العالم بالفائدة منزلة الجاهل؛ لأن أهل الكتاب عالمون بأن اختيار السحر والشعوذة على كتاب الله بهذه المثابة، لكن دخول لام الابتداء على الجملة الفعلية مختلف فيه.
والجمهور على أن الداخلة على الفعلية في غير باب إن محمولة على تقدير
стр. 234
القسم، وكما لا بد في تصحيح حصر قصد المخبر في الفائدة ولازمها من التنبيه على أنه قد ينزل العالم بالفائدة منزلة الجاهل لئلا يشكل الحصر بالخبر الملقى إلى العالم، لا بد من التنبيه على تنزيل وجود الشيء منزلة عدمه؛ لئلا يشكل بمثل (ما رميت إذ رميت) لأنه لولا تنزيل الرمي منزلة العدم لم يكن في هذا القول صحة قصد الفائدة، ولا لازمها.
واعلم أن قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (١) إنما يكون من قبيل تنزيل وجود الشيء منزلة عدمه، لو كان المقصود نفي الرمي مطلقا، فتفسير السيد السند حيث قال: أي ما رميت حقيقة، إذ رميت صورة؛ لأن أثر ذلك الرمي كان خارجا عن طوق البشر، يخرجه عما نحن فيه.
كذا ما نقله من أنه ما رميت تأثيرا إذ رميت كسبا، وزيفه بأنه ليس بشيء لجريانه في جميع الأفعال عند من يقول بالكسب وعدم صحته، على قول من ينكره، وكذا ما يمكن أن يقال من أنه: ما رميت في أعين الكفرة إذ رميت من كفك، أو ما رميت على قدر قوتك إذ رميت، وفيه ما ينبغي لك معرفته.
(فينبغي أن يقتصر) المخبر على صيغة المجهول، أو المعروف (من التركيب) أي من المركبات أو تركيب الألفاظ بعضها مع بعض في ظاهره وتقديره (على قدر) هو كالضرب والعدد بمعنى المقدار (الحاجة) أي على مقدار حاجته في إفادة الحكم ولازمه، أو حاجة المخاطب في استفادتهما، فوجه تفرعه على السابق ظاهر، ومن لم يتنبه وقع في تطويل ليس فيه كثير تحصيل، ولا يخفى أنه بظاهره لا ينفي وجوب الاجتناب عن إيراد أقل من الحاجة، والأولى أن يقال:
فينبغي أن يذكر التركيب على قدر الحاجة.
واعلم أن الإيراد على قدر الحاجة كما يراعى في كل باب من أبواب البلاغة لا يخص إفادة الإسناد الخبري، وعلل وجوب ذلك في المفتاح بالحذر عن اللاغية، واتجه عليه أنه لا يفيد وجوب الاجتناب عن الإيراد أقل من قدر الحاجة، إذ ليس فيه الحذر عن اللغو، بل عن فوت المقصود، وأجاب عنه الشارح المحقق بأنه ترك وجوب الاجتناب عن إيراد الأقل لظهوره، والسيد السند: بأن الأقل
стр. 235
مما لا بد منه في حكم اللاغية، ومندرج تحت المراد باللاغية، ونحن نقول في إيراد الأقل بكون قصد بعض ما قصد إفادته لاغيه، ثم فصل ذلك المجمل بقوله:
(فإن كان المخاطب خالي الذهن) بعض تفصيل له مزيد اختصاص بأحوال الإسناد، وإلا فحذف المسند إليه وذكره إلى غير ذلك تحت هذا المجمل.
(من الحكم) أي النسبة التي بين بين، أو الوقوع أو اللاوقوع، وعلى تقديرين الخلو عبارة عن عدم الإدراك لا عن عدم الاتصاف، كما في الخلو عن التردد، ويتنجه (١) أنه يلغو.
قوله: (والتردد فيه) بلا ريبة، لأن عدم إدراكهما يستلزم عدم التردد فيهما، لأن التردد بدون التصور محال، وتقييد خلو الذهن بما يخصه بالخلو عن التصديق لا بدفع الغناء عن التردد؛ لأن التقييد غير ضروري، أو التصديق والخلو عن التصديق كالخلو عن التردد، ولا يلغو ذكر التردد بعده، لكن لا يصح جعل ضمير والتردد فيه إلى الحكم؛ إذ تردد المخبر لا يكون في التصديق، بل في النسبة المتصورة، فهو راجع إلى الوقوع واللاوقوع المذكور ضمنا؛ لأن الحكم حينئذ بمعنى إدراك الوقوع أو اللاوقوع فهو من قبيل: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٢) فقول من قال بالاستخدام عار عن الاستحكام وكذا الحال في قوله (وإن كان مترددا فيه طالبا له) ولم يرد بالحكم الوقوع أو اللاوقوع، حتى يستغنى عن قوله، والتردد فيه؛ لئلا يتوهم أن المراد الحكم بمعنى الإيقاع، فيفوت اشتراط الخلو عن التردد، فهذا من قبيل ترك المبالغة في اختصار اللفظ تقريبا للتعاطي، وقيد الخلو بالحكم وسكت عن لازمه لعدم ظهور جريان الأقسام الثلاثة فيه؛ لأنه إنما يحسن:
حفظت التورية لمن يخلو ذهنه عن: أنك عالم؛ أما المنكر أو المتردد في علمك فلا يحسن أن يقال له: إنك حفظت التورية؛ لأنه ظاهر في تأكيد الحفظ لا العلم به، والظاهر أني عالم بحفظك التورية، بل قولنا حفظت التورية لإفادة العلم من غير اعتبار خلو ذهنه عن العلم بالحفظ؛ إذ لو اعتبر خلو ذهنه صار ثبوت علمك به مقصودا أصليا، وصار ثبوت الحفظ من متعلقات العلم، فينبغي أن يعبر عنه
стр. 236
بما يفيده قصدا وصريحا يكون فائدة الخبر.
(استغنى) المخاطب في استفادته أو المتكلم في إفادته، أو الكلام أو الحكم، قال الشارح: على لفظ المبني للمفعول، وهو مجهول (عن مؤكدات الحكم) الأولى عن مؤكد الحكم، ولما خص الشرط بالحكم قال: على طبقه عن مؤكدات الحكم، أو نبه على أن وضع المؤكد للحكم، وإن استعمل للازمه أيضا، والمؤكدات أن ولام الابتداء وصيرورة الجملة اسمية. قال الشارح: اسمية الجملة فيما بينهم بهذا المعنى، وتكرر الإسناد، ونونا التأكيد، وأما الشرطية بالفتح، والكسر وحرفا التنبيه، وحروف الصلة، أعني الزوائد.
(وإن كان المخاطب مترددا فيه طالبا له حسن تقويته بمؤكد) قد سبق بعض ما يتعلق بشرح هذه العبارة فتذكر، ومما لا بد من التنبيه عليه أن المراد بالتردد في خصوص الحكم ولا يعتبر التردد إجمالا بأن يكون سؤاله مجملا، لو فصل وقع الجواب من تفاصيله، كما في قولك: كيف زيد؟ فإنه مجمل تفصيله: أهو أسود، أو أبيض، أو صحيح، أو سقيم؟ لكن لم يوجد تردده في خصوص الصحة مثلا، فلا يقال في الجواب: إنه صحيح بل صحيح بلا تأكيد، والمراد بحسن تقويته: أنه لو تركه المتكلم لا يكون إلا في ترك الأولى، ولا يخطأ أو ربما يقال: يراد أن التأكيد للمنكر أوجب، وتركه مع السائل أيضا خطأ.
وبما ذكرنا اندفع توهم أنه يلزم من هذا الكلام أن لا يحسن في جواب كيف زيد؟ صحيح، وإن لا يتم قولهم: إن الجواب سؤال السبب الخاص يقتضي التأكيد دون السؤال عن السبب المطلق؛ لكنه ينافي ما قال الشيخ في دلائل الإعجاز حيث قال:
«أكثر مواقع أن يحكم الاستقراء هو الجواب، لكن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن على خلاف ما أنت تجيبه، فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيها، فلا؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا أن نقول: صالح، في جواب: كيف زيد؟ وفي الدار في جواب: أين زيد؟ حتى نقول: إنه صالح، وهذا مما لا قائل به، فإنه يفيد أن لا يكون التأكيد للسائل مطلقا، بل مقيدا بالظن المذكور، وأن يكون التأكيد واجبا في جواب السائل كما يقتضيه قوله لا يستقيم،
стр. 237
وربما يجاب بأن هذا حكم أن لكونه علما في باب التوكيد، ولا ينجاب؛ لأنه أيضا مناف لإطلاق المؤكد».
ولك أن تجيب بأن هذا حكم بيان الوجوب من الشيخ، وتقييد الوجوب لا ينافي إطلاق الحسن، نعم إثبات الوجوب في البعض ينافي إطلاق الحسن، إلا أنه جعل المصنف هذا البعض داخلا في المنكر؛ لأن التصديق بنقيض الشيء يوجب إنكاره، وإن كان ظنّا، نعم جعل التأكيد بأن للظان بخلاف ما أنت مجيبه أكثر مواقعه في معرض الإنكار؛ لأن «أن» التي هي علم في باب التوكيد أحق بالمنكر الجازم بالنقيض، إلا أن يكون الظانّ أكثر من الجازم بحكم الاستقراء، وكون الاستقراء مفيدا له لا يخلو عن بعد.
ولا يتجه على الشيخ ما أورده السيد السند من أن كلام الشيخ يفيد أنه يجوز أنه صالح في جواب كيف زيد؟ مع أنه ينافي ما ذكره القوم من أن كيف لطلب التصور، وأن السؤال عن السبب المطلق لا يؤكد؛ لأنه إنما يفيد لو كان معنى كلامه، وهذا مما لا قائل به، إنه لا قائل بوجوب إنه صالح، بل المعتبر جوازه وهو غير متعين، لجواز أن يكون معناه، ولا قائل بأنه صالح في جواب كيف زيد؟ ولك أن تبصر ما فهم المعرض من كلام الشيخ بأن السؤال بأمثال كيف التصديق الخاص عند التحقيق، إلا أنه لما كان تحصيل ذلك التصديق بإلقاء قيد. قالوا: إنها لطلب التصور، والاستعمال الموثوق به يفيد صحة التأكيد في الجواب.
قال تعالى في جواب ما هي؟ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ (١) والحمل على أن التأكيد هنا لإظهار الرغبة لا لكونه كلاما مع السائل خلاف الظاهر، واعترض السيد السند بأن ما ذكره وجها لتقييد الأصل بأن يكون للسائل ظن على خلاف ما أنت مجيبه لا يتجه؛ لأنه يمكن أن يجعل الأصل وهو الأولى أنه إن كان التردد في أصل التصديق الذي في الجملة الخبرية كما في قولك: هل زيد قائم؟ فهناك يؤكد الجملة، وإن كان عن تفاصيل الأطراف والقيود التي فيها فلا حاجة إلى التأكيد؛ إذ المطلوب بحسب الظاهر هو التصور، وأجيب بأنه لم يبن التقييد على
стр. 238
عدم استقامة إطلاق الأصل، بل على الاستقراء، وليس بشيء لأنه لو كان كذلك لقال؛ لأنه يؤدي أن يستقيم في جواب غير الظان التأكيد، وهذا مما لا قائل به.
نعم يرد أنه يؤدي ما ذكره من الأصل أن لا يؤكد جواب من يقول أزيدا ضربت؟ وهو خلاف ظاهر كلام القوم. فالضابط ما ظهر من شرح كلام المتن، ويمكن أن يقال: مراد الشيخ باشتراط أن يكون للسائل ظن على خلاف الجواب الكون بالقوة القريبة من الفعل، وذلك بأن يكون مترددا في خصوص الحكم الذي يجاب به، فإنه إذا تردد بين الطرفين وصارا ملحوظين له فكلا منهما في معرض الرجحان؛ وقريب من حصول التصديق، فكل ما يجيب به سؤاله فهو على خلاف ما هو مظنونه بالقوة القريبة، وحينئذ يوافق ما ذكره كلام المصنف.
(وإن كان) المخاطب (منكرا) للحكم حاكما بخلافه فالمنكر اسم فاعل، وجعله اسم مفعول منكر، وإن كان له وجه صحة (وجب توكيده) أي الحكم (بحسب الإنكار) أي بقدر الإنكار. أي: زائدا على قدر ما للسائل بالغا ما بلغ، على حذو الإنكار؛ فله فائدتان:
إحداهما: اشتراط أن يكون زائدا على قدر تأكيد المتردد.
وثانيهما: أنه متفاوت بحسب المقامات، وإن اقتصر الشرح على بيان الفائدة الثانية.
يرشدك إلى ما ذكرنا جواب أبي العباس المبرد (١) لأبي إسحاق المتفلسف الكندي حين سأله قائلا: إني أجد في كلام العرب حشوا؛ يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، والمعنى واحد! ! وذلك أن قال: بل المعاني مختلفة. فقولهم: عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم: إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر قيامه.
***
стр. 239
هذا وما ذكره المصنف في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١) من أنه أكد إثبات البعث تأكيدا واحدا، وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر، بل غايته أن يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين فيه تنبيها على ظهور أدلته، وسيزيد رشدك بالتأمل في أجوبة رسل عيسى ﵇.
وبهذا عرفت أن في بيان مقامات الإخبار ذبّا عن كلام العرب طعن الطاعن، بل اجتراء القاصر المجترئ على الكلام المعجز، وإن في قوله: وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر دفعا لما يكاد يعود. ونقول: نجد في مقام الإخبار من غير الجواب، ورد الإنكار أن: إن عبد الله قائم، وفي مقام رد الإنكار: عبد الله قائم (ك): إن عبد الله لقائم، وفي جواب السائل: عبد الله قائم.
فإن قلت: كيف صح اشتراط كون التأكيد على قدر الإنكار وكيف يزول به الإنكار لو لم يكن زائدا على قدره؟ قلت: إذا تعارض التأكيد والإنكار تساقطا فبقي أصل الخبر مقيدا (كما قال الله تعالى) استشهاد على وجوب التأكيد على حذو الإنكار أزيد من التردد، وعلى تفاوت مقامات الإنكار في طلب التأكيد (حكاية عن رسل عيسى) هو بولش بفتح الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام والمعجمة، ويحيى، وشمعون، وهو الثالث الذي عززا به بعد تكذيبهما.
وما في الشرح أنهم: شمعون ويحيى والثالث الذي هو بولس، أو حبيب النجار غير موثوق به، كما اعترف به الشارح ونبه عليه في حاشية الكتاب: إذ كذبوا- لا يصح تعلقه بالحكاية، ولا بقال بل بمفعول بالحكاية، والتقدير حكاية عن رسل عيسى قولهم: إذ كذبوا، والمراد: إذ كذب بعضهم، كما يقال:
قتل فلانا بنو فلان، والقاتل واحد منهم، إذ المكذب في المرة الأولى اثنان، بدليل قوله تعالى إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (٢) ولحل الكلام وجه آخر للشارح المحقق، وهو أن تكذيب الاثنين تكذيب للثلاثة لاتحاد المرسل والمرسل به، يعني: أن منشأ التكذيب أنهما لا
стр. 240
يصلحان أن يكونا مرسلين من هذا العظيم، في هذا العظيم، وهو بعينه جار في الثالث.
وللفاضل المحشي للشرح وجه آخر، وهو أن في المرة الأولى والثانية متعلقان إما بقال أو بالحكاية لا بكذبوا، فلا يلزم تكذيب الرسل في المرة الأولى، ولا ينافي كون المكذب اثنين لا غير، ولا يتجه عليه ما توهمه أنه حينئذ لا يكون المحكي عنه رسل عيسى بل رسولين؛ لأن القول المرسل بعد تكذيب الاثنين فهم المحكي عنهم.
نعم، يتجه أن المحكي عنهم ليس قولهم وقت تكذيب الثلاثة بعد تكذيب الاثنين، ويحتاج إلى اعتبار وقت تكذيب الثلاثة، ممتدا من وقت تكذيب الاثنين إلى وقت تكذيب الثلاثة، كما يحتاج في توجيهها إلى اعتبار وقت تكذيب الاثنين ممتدا إلى وقت قول الثلاثة وتوجيه الشارح وإن استغنى عنه لكن احتاج إلى جعل تكذيب الاثنين تكذيبا للثلاثة قبل إخبارهم، فلكل وجهة هو موليها، والفاضل المحشي أجاب عن إشكاله بما لا يكشف إلا عن إهماله، فليكتف بحكاية سؤاله، وكشف حاله.
(في المرة الأولى) متعلق بما عرفت في المرة الأولى أو الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١) مقول قال، أو قولهم على اختلاف القولين أكد للمنكر في أول مرتبة الإنكار (بأن) وخلو الجملة عن الدلالة على الزمان، مع أن الظاهر فيها:
إنا إليكم أرسلنا؛ إذ خلو الجملة عنها والعدول عنها يشعر بدعوى الاستمرار الدال على المبالغة في تحقق مضمون الجملة؛ لأن تأكيد المنكر فوق تأكيد المتردد، كما أرشدت، وهذا مزيد إرشاد: وعدت فلا تغفل.
ولعل هذا مراد الشارح بقوله: مؤكدا باسمية الجملة، وإلا فاسمية الجملة من ضرورات إيراد كلمة إن فيخفى دلالتها على التأكيد.
(وفي) المرة (الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) (٢) يعني لما ظهر زيادة إنكارهم أكد على قدر ما ظهر من مراتب إنكارهم، لأنهم لم يقتصروا في المرة الثانية على
стр. 241
أصل الإنكار؛ بل بالغوا فيه حيث قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا (١) فنفوا نبوتهم بإثبات البشرية لهم؛ حيث اعتقدوا أن الرسول لا يكون بشرا، فأظهروا به إنكارهم، ثم زادوا في النفي بقولهم وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ (٢) ثم بقولهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (٣) فلا جرم أكد الحكم معهم ثلاث تأكيدات، وفيه بحث؛ لأنه لما تقرر أن الإنكار يستدعي زيادة تأكيد على التردد فلا بد له من تأكيدين، وللزيادة مرتين، لا بد من تأكيدين آخرين، حتى يكون التأكيد بحسب الإنكار، وقد وقع في الآية أربع تأكيدات، إلا أن الكلام مع صاحب المفتاح والمصنف في أنهما كيف تركا في الاستشهاد بكون التأكيد على قدر الإنكار في الآية على وجوب التأكيد بحسب الإنكار التأكيد بالقسم، وهو: رَبُّنا يَعْلَمُ (٤) فإنه جعله الزمخشري جاريا مجرى القسم في تأكيد الحكم، ولا ينفع في دفع ما ذكرنا ما كتب الشارح في حاشية شرحه بيانا لنكتة عدم عد القسم من جملة المؤكدات، من أن الكلام في المؤكدات المتصلة بالحكم، والقسم جملة برأسه.
هذا وقد استصعب نفي رسالتهم بإثبات بشريتهم؛ إذ البشرية تنافي الرسالة من الله، لا الرسالة من عند عيسى، والرسل كانوا يدعون الرسالة من عنده لا من عند الله.
ومعنى قولهم (إنا إليكم مرسلون) من عند عيسى- ﵇، وأجاب الشارح المحقق عنه بما استفاده من عبارة الكشاف حيث قال: فدعاهما- أي رسولي عيسى- الملك أي ملك أنطاكية فقال: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال صفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، من أنه كان الرسل دعوهم على وجه ظنوهم أصحاب وحي ورسلا من الله، بناء على أن الرسالة من رسول الله رسالة من الله.
هذا يعني في وجوب انقياد ما يبلغ، والتصديق له، وأشار بقوله: ولأن
стр. 242
الجد إلى رجحان هذا التوجيه، وإلى أن له توجيها آخر إلا أن السيد السند زيف هذا التوجيه واستبعده جدّا؛ لأن الرسل إنما أرسلوا إلى أصحاب القرية ليدعوهم إلى عيسى- ﵇ والتصديق بنبوته، والانقياد لدينه، فإيهامهم إياهم أنهم أصحاب وحي من الله بلا واسطة رسول مستبعد جدّا، فلا يليق أن يوجه به فضلا عن أن يكون توجيها راجحا؛ بل الظاهر أن مرادهم: إنا إليكم مرسلون من عيسى بأمر الله، وأن تكذيبهم إنما هو في كون مرسلهم رسولا من الله، لا في كونهم مرسلين من ذلك الرسول، وأن الخطاب في قوله (إن أنتم) يتناول الرسل والمرسل معا على طريق تغليب المخاطبين على الغائب، فيكون نفي الرسالة عنهم تغليبا له عليهم، كأنهم أحضروا عيسى- ﵇ خاطبوه بنفي رسالته من الله، مبالغة في إنكارها.
ونظير ذلك في الاشتمال على التغليبين أن يبلغ جماعة من خدم السلطان حكمه إلى أهل بلد فيقولوا في ردهم: إن حكمكم لا يجري علينا؛ إذ فينا من هو أعلى يدا منكم، هذا ونحن نقول أولا: إن استبعاده لتوجيه الشارح ليس بذاك لجواز أن يقولوا: حكم الله في حقكم أن تصدقوا عيسى في جميع ما جاء به، فإن فيه دعوتهم لهم إلى عيسى على وجه يوهم أنهم أصحاب وحي.
وثانيا: إنه يحتمل أن يكون المقصود بالنفي في إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا مع دخول عيسى- ﵇ في الخطاب نفي إمكان رسالتهم عن الله، فيدخل عيسى في نفي الإمكان، ويثبت نفي رسالته على آكد وجه، فلا يكون في الكلام إلا تغليب واحد، والأظهر أن المراد بقوله (إنا إليكم مرسلون) إنا إليكم مرسل أحكامنا، ويؤيده جدّا قولهم: (وما أنزل الرحمن من شيء) فإنه ظاهر في نفي كون الأحكام مرسلة.
(ويسمى الضرب) النوع (الأول) أي الكلام الملقى مع الخالي سواء نزل منزلة المتردد أو المنكر أو لا (ابتدائيّا) فقوله تعالى: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (١) ابتدائي، وإنما سمي به لأنه ابتداء كلام من غير سبق طلب، أو إنكار، كذا نقل عن المصنف، وتبعه السيد السند في شرح المفتاح، والأظهر: لأنه إحداث صورة
стр. 243
نسبة في المخاطب من غير سبق خطورها في نفسه.
ولا يصح أن يقال: لأنه أصل الكلام، والطلبي أو الإنكاري يحصل بزيادة لأنه يشكل بقوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فإنه ابتدائي، وبقوله لا رَيْبَ فِيهِ (١) فإنه طلبي ويمكن توجيهه فتأمل. وقيل: لأنه مبني على ما أصل المخاطب أن يكون عليه، ولذا يعتبر خاليا ما لم يشهد شاهد على خلافه.
(والثاني طلبيّا، والثالث إنكاريّا) ولو قال: والخلو والطلب والإنكار ظاهر الحال، والوجوه التي تتبعها مقتضى الظاهر لكان قوله: (وإخراج الكلام عليها) أي على مقتضاها (إخراجا على مقتضى الظاهر) أي مقتضى ظاهر الحال في غاية الظهور.
وفي المفتاح: وإخراج الكلام في هذه الأحوال، يريد الخلو، والطلب، والإنكار على الوجوه المذكورة، يريد الخلو عن التأكيد، والتأكيد وزيادته إخراج مقتضى الظاهر هذا ومقتضى الظاهر ومقتضى خلافه كلاهما مقتضى الحال، كما أن ظاهر الحال وباطنه كلاهما حال، فمقتضى الظاهر أخص من مقتضى الحال، لأن التسمية هنا ذكر بالتركيب الإضافي، فمنع الأخصية منع لما حكم به صريح العقل، فلا يقبل، وإن جعله الشارح المحقق مستندا بأنك إذا جعلت المنكر كغير المنكر وأكدت الكلام عملا بمقتضى الظاهر تحقق مقتضى الظاهر بدون مقتضى الحال؛ لأن الحال يقتضي ترك التأكيد، مع أن السند مندفع بأن الحال هو الأمر الداعي إلى التكلم على وجه مخصوص.
فالإنكار مع تنزيله منزلة لا ليس حالا، فليس التأكيد مقتضى الظاهر، ولا مقتضى الحال. ولو نازعت زاعما أن الحال ما يدعو إلى ذلك في الجملة غير مقيد بحال الدعوة، وجارينا معك فنقول: ليس التأكيد بعد مقتضى الحال؛ لأن التنزيل مانع عن اقتضائه، وكيف لا ولو كان التأكيد حينئذ مقتضى الحال لكان الكلام مطابقا لمقتضاها فكان بليغا، مع أنه بمراحل عن البلاغة، لا بما ذكر الشارح من أنا لا نسلم، ليس على وفق مقتضى الحال؛ لأن المقتضي لترك التأكيد هو الحال بحسب غير الظاهر لا مطلق الحال، ولا يلزم من كونه على خلاف
стр. 244
مقتضى الحال بحسب غير الظاهر كونه على خلافه مطلقا، لأن انتفاء الخاص لا يوجب انتفاء العام على أنه لا معنى لجعل الإنكار كلا إنكار، ثم تأكيد الكلام؛ إذ لا يعرف اعتبار الإنكار وعدمه إلا بالتأكيد وتركه؛ لأن منع السند غير مسموع. على أنك سمعت ما يدل على أنه ليس مقتضى الحال، وكون التأكيد في الصورة المذكورة، مقتضى الحال لا يتوقف على الإتيان به، حتى يضر سلب المعنى عن الإتيان به أحسن التأمل، فإن هذا من مراقي التعقل.
(وكثيرا ما) أي إخراجا أو زمانا كثيرا غاية في الكثرة أو (يخرج) الكلام (على خلافه) حال كونه كثيرا كذلك، ولقد أعجب حيث وسم قسم المخرج على خلافه بالقلة، حيث قال: وقد ينزل العالم بهما منزلة الجاهل، والمخرج على خلافه بخلافها.
قال الشارح المحقق: يعني أن وقوعه في الكلام كثير في نفسه لا بالإضافة إلى مقابله، حتى يكون الإخراج على مقتضى الظاهر قليلا، وكأنه استبعد كون مواقع مقتضى الظاهر أقل من خلافه، فعدل في شرح العبارة عن مقتضى الظاهر.
ونحن نقول: مقتضى الظاهر أقسام ثلاثة: الكلام مع الخالي والمتردد والمنكر، وأقسامه خلاف مقتضى الظاهر تسعة: الكلام مع العالم ثلاثة لتنزيله منزلة الحال، أو المتردد، أو المنكر، والكلام مع الخالي المنزل منزلة المتردد أو المنكر؛ لأن الخطاب ينافي التنزيل منزلة العالم، والكلام مع المنكر المنزل منزلة آخرين، والكلام مع السائل المنزل منزلتهما، وكثرة أقسام الشيء تقتضي بكثرته.
على أن الظاهر أن المراد أنه في مقام وجد وجه التنزيل يجوز الوجهان، أو التنزيل أكثر من الجري على مقتضى الظاهر؛ لأن البليغ أميل به لدقته لكن ذلك يستدعي وصف التنزيل منزلة العالم بالكثرة. (فيجعل غير السائل) تفصيل لإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، أو هو متناول يجعل العالم والخالي والمنكر (كالسائل) إلا أنه ينزل العالم منزلة السائل بعد تجهيله، فتنزيله منزلة الجاهل ودخوله في قوله: وقد ينزل العالم بهما منزلة الجاهل لا يغني عن إدخاله في هذا البحث لأنه بعد تنزيله منزلة الجاهل لتنزيله منزلة الخالي مقام، ولتنزيله منزلة
стр. 245
السائل مقام، ولتنزيله منزلة المنكر مقام.
وقوله: (إذا قدم إليه ما يلوح له بالخبر) أي ما يدعو المخاطب إلى الخبر ويجعله متوجها إليه متأملا فيه في مقدمة جار الله: لوح للكلب بالرغيف، خواندسك رابسوي نان، وفسره الشارح المحقق بالإشارة، أي ما يشير للمخاطب إلى الخبر، وما ذكرنا أظهر، مشترك بين الثلاثة؛ لأن تقديم الملوح يستدعي جعل العالم المنزل منزلة الجاهل منزلا منزلة السائل، وتقديم الملوح ربما يؤثر في المنكر فيجعله مترددا.
فقول السيد السند: إن المراد بغير السائل الخالي لأن تقديم الملوح إنما يعتبر بالقياس إلى الخالي، وأما تنزيل العالم منزلة السائل فراجع إلى تجهيله بوجه ما، وداخل فيه، وتنزبل المنكر منزلة السائل داخل في قوله: والمنكر كغير المنكر، ففيه أبحاث لا يخفى على مثلك.
ولما كان تقديم الملوح محتملا لأن يكون موجبا لإزالة التردد، وأن يكون موجبا للتردد احتاج إلى تقييده بقوله (فيستشرف له استشراف الطالب المتردد) أي بالقوة القريبة من الفعل، لا أن يصير مترددا بالفعل، وإلا لكان الكلام معه مؤكدا على مقتضى الظاهر، والاستشراف أن تنظر إلى الشيء كالمستظل من الشمس ببسط كفك فوق حاجبك، وهو متعد بنفسه، يقال: استشرف الشيء فحق العبارة فيستشرفه إلا أنه بقي في كلامه لام تقوية العمل التي في عبارة المفتاح بعد اختصاره؛ لأن عبارته هكذا، فيتركه مستشرفا له، فلما وضع «مستشرف» مكان «فتركه مستشرفا» غفل عن أن لام التقوية لا يدخل معمول الفعل متأخرا، كما يدخل معمول شبه الفعل، فبقي في كلامه، وصار مختلا، ولولا أن الاختلال بحسب العبارة أهون منه بحسب المعنى لجعلت ضمير له للملوح لا للخبر، أي: فيستشرف لأجل الملوح الخبر.
وينبغي أن يعلم أن التنزيل منزلة السائل لا يستدعي سبق الملوح بل يستدعي أن يكون معه ما يجعله في عرضة المتردد، ككون الخبر مستبعدا، أو كون المخبر متهما بالسهو أو الكذب، وكأنه خص تقديم الملوح بالذكر لكثرة وقوعه.
***
стр. 246
نحو وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) (١) قالوا: أي: لا تدعني يا نوح في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك.
هذا وكأن هذا النهي لما علم منه تعالى بعلمه القديم أنه سيدعو ربه لنجاة ابنه، ويحتمل- والله أعلم- النهي عن المخاطبة في طلب العذاب لهم، كما قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢) يعني: لا تدعني بعد لعذابهم فإنهم قد حكم عليهم بالإغراق، وبالجملة هذا الكلام يشير إلى توجه العذاب إليهم، فتكاد النفس تلتفت إليه، ويتردد، وبعد الجزم به أيضا، يحتمل أن يتردد في أنه الإغراق، لأنه واحد من جنس العذاب، سيما وقد سبق وَاصْنَعِ الْفُلْكَ (٣) فلذلك قال إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ مؤكدا، واكتفى المصنف في تعيين الملوح بقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يذكر وَاصْنَعِ الْفُلْكَ مع أنه الذي يدور عليه الانتقال إلى الإغراق إشارة إلى أن قوله وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يكفي في التنزيل منزلة السائل؛ لأنه يكفي الإشارة إلى جنس الخبر، ولا تجب الإشارة إلى خصوصية الخبر.
فإيهام كلام الشارح حيث قال: فهذا الكلام يلوح بالخبر ما سبق من قوله:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا إنه قصر، حيث اقتصر على قوله وَلا تُخاطِبْنِي لأن قوله وَاصْنَعِ الْفُلْكَ من تتمته مما لا يلتفت إليه، وجعل صاحب المفتاح قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٤) منه، وأشار إلى الفرق بينهما، وكان وجه الإشارة أن فيه تأكيدين:
أحدهما: لتنزيله منزلة الحكم المطلوب لتقديم الملوح.
وثانيهما: لأن الحكم مما يقبل الوهم على إنكاره لكمال نزاهة يوسف وطهوره، فقد اجتمع فيه التنزيلان؛ ولأن أمر النفس مما يتردد فيه السامع، وكذا كونها غاية فيه على ما تفيده صيغة المبالغة، وكون الحكم مما لا يقبله الوهم على تقدير كون النفس «نفس يوسف فقط»، أو عاما، وكون الاستثناء منقطعا. بمعنى:
стр. 247
لكن رحمة ربي تصرف عن الإساءة، أو ظرفا ظاهرا، وأما على تقدير كون المستثنى متصلا غير ظرف بمعنى إلا البعض الذي رحم ربي ففيه خفاء لا يدفعه ما ذكره السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح من أنه: لا يقبله الوهم قبل الاستثناء، فتأكيد الحكم لدفع هذا الإنكار، بل هو معجب؛ لأن الحكم قبل الاستثناء مما يجب أن ينكر، فكيف يؤكد لدفع الإنكار على أنه لا حكم قبل الاستثناء فضلا عن أن يؤكد؟
وغاية ما يمكن أن يقال في توجيهه: إن إقبال الوهم لإنكار الحكم قبل الاستثناء بجعل المخاطب منكرا لما يقوله المخاطب، ومعرضا عن قوله، فالتأكيد لكلامه لا ما قبل الاستثناء لدفع إنكار تعلق به إجمالا. ومما يجب التنبيه عليه أنه قال صاحب المفتاح: إنه نزل من لا يكون سائلا منزلة السائل، فتخرج الجملة مصدرة بأن.
وقال السيد السند: تأكيد هذا النوع في الاستعمال بأن دون غيرها وكأن السر فيه كون هذه الكلمة علما للتأكيد.
وقال الشيخ عبد القاهر: إن في هذه المقامات يعني بعد الأوامر والنواهي والأحكام لتصحيح الكلام السابق والاحتجاج له وبيان وجه الفائدة، وتغنى غناء الفاء.
وقال السيد السند في شرح المفتاح: وزيف بأن هذا لجعل «إن» بمنزلة «أن» للغفلة عن أن (إن) لا تفيد السببية بنفسها، بل بحذف اللام معها، ولم يقل:
ويجعل السائل كغير السائل على طبق قوله، ويجعل المنكر كغير المنكر، لأن حكم السائل متعين بخلاف حكم غير السائل، فإنه مجمل فيه تفصيل.
وكذلك قوله: (ويجعل غير المنكر كالمنكر) أوضح من قوله: ويجعل المنكر كغير المنكر، فلذا قدمه، ولكن بقي من تفصيله جعل السائل كالخالي إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن التردد، فكأنه اعتمد على سهولة معرفته بالمقايسة، ونحن سنجعله داخلا تحت قوله: وهكذا اعتبارات النفي مترقب، فإنه من فوائدنا الشريفة، وغير المنكر أعم من السائل والعالم والخالي، فكلهم يجعل كالمنكر.
стр. 248
(إذا لاح) أي بدا (عليه شيء من أمارات الإنكار) وما يوقع في ظنه، وكذا إذا كان الحكم بعيدا عن القبول، فالتقييد تقييد بما هو أكثر (كقوله) أي قول حجل بن فضلة وهو بالفتح من أعمام النبي ﷺ ، وأما حجل الشاعر بالتحريك فهو عبد لمازن [جاء شقيق] هو اسم رجل فإن كان هو المخاطب كما يستدعيه آخر البيت ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة على طريقة السكاكي، ففي قوله: إن بني عمك التفات متفق، وإن كان المخاطب غيره فلا التفات، بل المعتبر تقدير القول أي قلت له: إن بني عمك فيهم رماح [عارضا] أي واضعا على عرضه [رمحه] من عرض السيف على الفخذ، وهذا من طرق إظهار الشجاعة وعدم المبالاة بالخصوم، فهو لا ينكر أن في بني عمه رماحا، لكن يعمل عمل المنكرين المعتقدين أنهم ليسوا أرباب سلاح، ولا يخفى أن قوله: [إنّ بني عمّك فيهم رماح] (١) بمعنى أن فيهم رماحا يعمل كرمحك أو فوقه، وأنهم أشجع منك.
وحينئذ لا يظهر أن يكون من جعل المنكر كغير المنكر، بل لا يبعد أن ينكر وجود مثله فيهم، ويحتمل أن يكون تهكما معه أي هو ممن لو علم أن فيهم رماحا لا يحمل الرمح من خوفهم.
(والمنكر كغير المنكر إذا كان معه) المنكر (ما إن تأمله) أي تأمل فيه؛ لأن التأمل النظر في الأمر (ارتدع) عن إنكاره بأن ينتقل إلى مرتبة التردد أو خالي الذهن، ومعنى كونه معه: أن يكون معلوما له ولو بالقوة القريبة من الفعل، إذ يكفي في التنزيل ذلك، ولا يجب كونه معلوما بالفعل، وهاهنا بحث شريف نرجو أن يكون من خزائن الغيوب لا من دفائن الغيوب؛ وهو: أن الكلام حينئذ هل هو من قبيل تنزيل المنكر منزلة غيره؟ أو من قبيل جعل جامعه من قبيل المؤكد في إزالة الإنكار؟ فلا يكون على خلاف مقتضى الظاهر؟
لأن الكلام مع المنكر لا بد له من مزيل إنكار تأكيدا كان أو غيره.
واعلم أن الظاهر وقد يجعل المنكر كغيره، ولا يظهر وجه لجعل الظاهر موضع
стр. 249
المضمر.
نحو لا رَيْبَ فِيهِ (١) ظاهره: أن المثال لما نحن فيه حتى يكون خبرا مع المنكر ترك فيه التأكيد لجعله كغير المنكر، وفيه أن الإنكار حق، لوجود كثير من المرتابين، فكيف يكون حقه التأكيد لرد الإنكار؟ وإن (لا) لنفي الجنس في النفي بمنزلة (إن) في الإثبات، صرح به أئمة النحو، فيكون فيه التأكيد، فالحق أن يعدل عن الظاهر، ويقال: إنه مثال لمجرد جعل المنكر كغير المنكر، لا لجعل المنكر للخبر الملقى كغيره، فإنه تعالى أراد إنكار المنكرين المبالغين في الإنكار أنه من عند الله، فقال: لا رَيْبَ فِيهِ تنبيها على إنكارهم كلا إنكار، وإنما غاية الأمر فيه الريب، فأتى بنفي الريب في مقام نفي الإنكار.
وقد نبه في الإيضاح (٢) على أنه لم يقصد بالتمثيل لخصوص ما فيه حيث قال: وعليه قوله تعالى في حق القرآن: لا رَيْبَ فِيهِ وإنما مثل به تنبيها على أن جعل وجود الإنكار كعدمه من المقاصد التي ربما يقصد بحاق اللفظ فيصح صحة قصده من كيفيات التراكيب، وجعله من المستتبعات كمال اتضاح، ولك أن تجعل قوله: وهكذا اعتبارات النفي حينئذ على أنه هكذا باقي اعتبارات النفي، في جعله مقصودا بالعبارة، وهذا تقرير بديع لا يخفى حقه على من له قدر رفيع، وإن غفل عنه الناظرون.
وللشارح المحقق هنا مسلك آخر سلكه السالكون، فلا علينا أن نذكره، وما أدى إليه النظر فيه، وهو أنه استشكل كونه مثالا، لما نحن فيه لوجهين:
أحدهما: أنه لا يصح نفي الريب فضلا عن أن يجب تأكيده، كما سمعت.
وثانيهما: أنه لا ريب فيه تأكيد لذلك الكتاب كما سيجيء في بحث الفصل، فهو لتأكيد الحكم ورد الإنكار، فلا يقتضي التأكيد حتى يكون ترك التأكيد خلاف مقتضى الظاهر، وأوجب لذلك العدول عن جعله مثالا إلى جعله نظيرا لما نحن فيه، في أنه جعل فيه وجود الشيء وهو الريب منزلة عدمه. وأجاب عن الأول بأن مبنى التمثيل ليس جعل وجود الإنكار كعدمه، بل توجيه الكشاف، وهو
стр. 250
أن نفي الريب بالكلية عبارة عن نفي كونه محلا للريب، وإنما وقع الريب لعدم التأمل، والنظر فيه، كما هو حقه، وهذا حكم صحيح ينكره كثير من الأشقياء، حقه التأكيد لإزالة إنكارهم، إلا أنه جعل إنكارهم لهذا الحكم كلا إنكار، فلذا ترك التأكيد.
وعن الثاني بأن ما سيجيء أنه بمنزلة التأكيد المعنوي، والتأكيد المعنوي لا يدفع إلا التجوز، ويدفع التجوز لا يتأكد الحكم بحيث يزول به إنكار المنكر، وإنما هو شأن التأكيد اللفظي- أعني تكرير اللفظ الأول وما هو بمنزلته- فلا يتجه على المصنف، نعم يتجه لو كان الأمر كما ذكره الشيخ أنه بمنزلة أن يقول ذلِكَ الْكِتابُ ذلك فيعيده مرة ثانية.
هذا ولا يخفى أنه لا يندفع بما ذكره ما أثبتناه من تأكيد (لا) للنفي مع زيادة أنه إذا كان نفي الجنس كناية عن نفي كونه محلا للريب كان في النفي مزيد تأكيد ومبالغة يفيده سلوك طريق الكناية، وأنه مع كون المقصود تنزيل وجود الريب منزلة عدمه لا يجب أن يكون نظيرا لا مثالا لما نحن فيه.
فإن كون وجود الريب بمنزلة العدم ينكر كثير من الأشقياء فيجب التوكيد، وتركه لتنزيل المنكر منزلة غيره، وأن التأكيد اللفظي أيضا يكون لدفع التجوز، فيجوز أن يكون مراد الشيخ أن قوله: لا رَيْبَ فِيهِ بمنزلة التكرير في دفع توهم التجوز لا في تكرير الحكم، وتقويته، فيوافقه كلام المصنف.
(وهكذا اعتبارات النفي) لما لم يكن في البيان السابق ما يوجب تخصيصه بالإثبات؛ بل كان مستوى النسبة بالإثبات والنفي اتجه أن قوله هذا تطويل، فللإشارة إلى دفعه قال الشارح المحقق: ولما كانت الأمثلة المذكورة للاعتبارات السابقة من قبيل الإثبات سوى قوله: لا رَيْبَ فِيهِ إشارة إلى التعميم دفعا لتوهم التخصيص.
وقال السيد السند: إن هذا القول يقتضي أن يكون لا رَيْبَ فِيهِ تنظيرا حتى يكون لتوهم التخصيص مسلك واضح، هذا والأظهر أن هكذا إشارة إلى أمثلة الإثبات يعني كأمثلة الإثبات أمثلة النفي، فمن أحاط بها سهل عليه استخراج أمثلة النفي، وهذا أوفق بعبارة الإيضاح حيث قال: هذا كله