← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نحو وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) (١) قالوا: أي: لا تدعني يا نوح في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك. هذا وكأن هذا النهي لما علم منه تعالى بعلمه القديم أنه سيدعو ربه لنجاة ابنه، ويحتمل- والله أعلم- النهي عن المخاطبة في طلب العذاب لهم، كما قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢) يعني: لا تدعني بعد لعذابهم فإنهم قد حكم عليهم بالإغراق، وبالجملة هذا الكلام يشير إلى توجه العذاب إليهم، فتكاد النفس تلتفت إليه، ويتردد، وبعد الجزم به أيضا، يحتمل أن يتردد في أنه الإغراق، لأنه واحد من جنس العذاب، سيما وقد سبق وَاصْنَعِ الْفُلْكَ (٣) فلذلك قال إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ مؤكدا، واكتفى المصنف في تعيين الملوح بقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يذكر وَاصْنَعِ الْفُلْكَ مع أنه الذي يدور عليه الانتقال إلى الإغراق إشارة إلى أن قوله وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يكفي في التنزيل منزلة السائل؛ لأنه يكفي الإشارة إلى جنس الخبر، ولا تجب الإشارة إلى خصوصية الخبر. فإيهام كلام الشارح حيث قال: فهذا الكلام يلوح بالخبر ما سبق من قوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا إنه قصر، حيث اقتصر على قوله وَلا تُخاطِبْنِي لأن قوله وَاصْنَعِ الْفُلْكَ من تتمته مما لا يلتفت إليه، وجعل صاحب المفتاح قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٤) منه، وأشار إلى الفرق بينهما، وكان وجه الإشارة أن فيه تأكيدين: أحدهما: لتنزيله منزلة الحكم المطلوب لتقديم الملوح. وثانيهما: لأن الحكم مما يقبل الوهم على إنكاره لكمال نزاهة يوسف وطهوره، فقد اجتمع فيه التنزيلان؛ ولأن أمر النفس مما يتردد فيه السامع، وكذا كونها غاية فيه على ما تفيده صيغة المبالغة، وكون الحكم مما لا يقبله الوهم على تقدير كون النفس «نفس يوسف فقط»، أو عاما، وكون الاستثناء منقطعا. بمعنى:

стр. 247

لكن رحمة ربي تصرف عن الإساءة، أو ظرفا ظاهرا، وأما على تقدير كون المستثنى متصلا غير ظرف بمعنى إلا البعض الذي رحم ربي ففيه خفاء لا يدفعه ما ذكره السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح من أنه: لا يقبله الوهم قبل الاستثناء، فتأكيد الحكم لدفع هذا الإنكار، بل هو معجب؛ لأن الحكم قبل الاستثناء مما يجب أن ينكر، فكيف يؤكد لدفع الإنكار على أنه لا حكم قبل الاستثناء فضلا عن أن يؤكد؟ وغاية ما يمكن أن يقال في توجيهه: إن إقبال الوهم لإنكار الحكم قبل الاستثناء بجعل المخاطب منكرا لما يقوله المخاطب، ومعرضا عن قوله، فالتأكيد لكلامه لا ما قبل الاستثناء لدفع إنكار تعلق به إجمالا. ومما يجب التنبيه عليه أنه قال صاحب المفتاح: إنه نزل من لا يكون سائلا منزلة السائل، فتخرج الجملة مصدرة بأن. وقال السيد السند: تأكيد هذا النوع في الاستعمال بأن دون غيرها وكأن السر فيه كون هذه الكلمة علما للتأكيد. وقال الشيخ عبد القاهر: إن في هذه المقامات يعني بعد الأوامر والنواهي والأحكام لتصحيح الكلام السابق والاحتجاج له وبيان وجه الفائدة، وتغنى غناء الفاء. وقال السيد السند في شرح المفتاح: وزيف بأن هذا لجعل «إن» بمنزلة «أن» للغفلة عن أن (إن) لا تفيد السببية بنفسها، بل بحذف اللام معها، ولم يقل: ويجعل السائل كغير السائل على طبق قوله، ويجعل المنكر كغير المنكر، لأن حكم السائل متعين بخلاف حكم غير السائل، فإنه مجمل فيه تفصيل. وكذلك قوله: (ويجعل غير المنكر كالمنكر) أوضح من قوله: ويجعل المنكر كغير المنكر، فلذا قدمه، ولكن بقي من تفصيله جعل السائل كالخالي إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن التردد، فكأنه اعتمد على سهولة معرفته بالمقايسة، ونحن سنجعله داخلا تحت قوله: وهكذا اعتبارات النفي مترقب، فإنه من فوائدنا الشريفة، وغير المنكر أعم من السائل والعالم والخالي، فكلهم يجعل كالمنكر.

стр. 248

(إذا لاح) أي بدا (عليه شيء من أمارات الإنكار) وما يوقع في ظنه، وكذا إذا كان الحكم بعيدا عن القبول، فالتقييد تقييد بما هو أكثر (كقوله) أي قول حجل بن فضلة وهو بالفتح من أعمام النبي ﷺ ، وأما حجل الشاعر بالتحريك فهو عبد لمازن [جاء شقيق] هو اسم رجل فإن كان هو المخاطب كما يستدعيه آخر البيت ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة على طريقة السكاكي، ففي قوله: إن بني عمك التفات متفق، وإن كان المخاطب غيره فلا التفات، بل المعتبر تقدير القول أي قلت له: إن بني عمك فيهم رماح [عارضا] أي واضعا على عرضه [رمحه] من عرض السيف على الفخذ، وهذا من طرق إظهار الشجاعة وعدم المبالاة بالخصوم، فهو لا ينكر أن في بني عمه رماحا، لكن يعمل عمل المنكرين المعتقدين أنهم ليسوا أرباب سلاح، ولا يخفى أن قوله: [إنّ بني عمّك فيهم رماح] (١) بمعنى أن فيهم رماحا يعمل كرمحك أو فوقه، وأنهم أشجع منك. وحينئذ لا يظهر أن يكون من جعل المنكر كغير المنكر، بل لا يبعد أن ينكر وجود مثله فيهم، ويحتمل أن يكون تهكما معه أي هو ممن لو علم أن فيهم رماحا لا يحمل الرمح من خوفهم. (والمنكر كغير المنكر إذا كان معه) المنكر (ما إن تأمله) أي تأمل فيه؛ لأن التأمل النظر في الأمر (ارتدع) عن إنكاره بأن ينتقل إلى مرتبة التردد أو خالي الذهن، ومعنى كونه معه: أن يكون معلوما له ولو بالقوة القريبة من الفعل، إذ يكفي في التنزيل ذلك، ولا يجب كونه معلوما بالفعل، وهاهنا بحث شريف نرجو أن يكون من خزائن الغيوب لا من دفائن الغيوب؛ وهو: أن الكلام حينئذ هل هو من قبيل تنزيل المنكر منزلة غيره؟ أو من قبيل جعل جامعه من قبيل المؤكد في إزالة الإنكار؟ فلا يكون على خلاف مقتضى الظاهر؟ لأن الكلام مع المنكر لا بد له من مزيل إنكار تأكيدا كان أو غيره. واعلم أن الظاهر وقد يجعل المنكر كغيره، ولا يظهر وجه لجعل الظاهر موضع

стр. 249

المضمر. نحو لا رَيْبَ فِيهِ (١) ظاهره: أن المثال لما نحن فيه حتى يكون خبرا مع المنكر ترك فيه التأكيد لجعله كغير المنكر، وفيه أن الإنكار حق، لوجود كثير من المرتابين، فكيف يكون حقه التأكيد لرد الإنكار؟ وإن (لا) لنفي الجنس في النفي بمنزلة (إن) في الإثبات، صرح به أئمة النحو، فيكون فيه التأكيد، فالحق أن يعدل عن الظاهر، ويقال: إنه مثال لمجرد جعل المنكر كغير المنكر، لا لجعل المنكر للخبر الملقى كغيره، فإنه تعالى أراد إنكار المنكرين المبالغين في الإنكار أنه من عند الله، فقال: لا رَيْبَ فِيهِ تنبيها على إنكارهم كلا إنكار، وإنما غاية الأمر فيه الريب، فأتى بنفي الريب في مقام نفي الإنكار. وقد نبه في الإيضاح (٢) على أنه لم يقصد بالتمثيل لخصوص ما فيه حيث قال: وعليه قوله تعالى في حق القرآن: لا رَيْبَ فِيهِ وإنما مثل به تنبيها على أن جعل وجود الإنكار كعدمه من المقاصد التي ربما يقصد بحاق اللفظ فيصح صحة قصده من كيفيات التراكيب، وجعله من المستتبعات كمال اتضاح، ولك أن تجعل قوله: وهكذا اعتبارات النفي حينئذ على أنه هكذا باقي اعتبارات النفي، في جعله مقصودا بالعبارة، وهذا تقرير بديع لا يخفى حقه على من له قدر رفيع، وإن غفل عنه الناظرون. وللشارح المحقق هنا مسلك آخر سلكه السالكون، فلا علينا أن نذكره، وما أدى إليه النظر فيه، وهو أنه استشكل كونه مثالا، لما نحن فيه لوجهين: أحدهما: أنه لا يصح نفي الريب فضلا عن أن يجب تأكيده، كما سمعت. وثانيهما: أنه لا ريب فيه تأكيد لذلك الكتاب كما سيجيء في بحث الفصل، فهو لتأكيد الحكم ورد الإنكار، فلا يقتضي التأكيد حتى يكون ترك التأكيد خلاف مقتضى الظاهر، وأوجب لذلك العدول عن جعله مثالا إلى جعله نظيرا لما نحن فيه، في أنه جعل فيه وجود الشيء وهو الريب منزلة عدمه. وأجاب عن الأول بأن مبنى التمثيل ليس جعل وجود الإنكار كعدمه، بل توجيه الكشاف، وهو

стр. 250

أن نفي الريب بالكلية عبارة عن نفي كونه محلا للريب، وإنما وقع الريب لعدم التأمل، والنظر فيه، كما هو حقه، وهذا حكم صحيح ينكره كثير من الأشقياء، حقه التأكيد لإزالة إنكارهم، إلا أنه جعل إنكارهم لهذا الحكم كلا إنكار، فلذا ترك التأكيد. وعن الثاني بأن ما سيجيء أنه بمنزلة التأكيد المعنوي، والتأكيد المعنوي لا يدفع إلا التجوز، ويدفع التجوز لا يتأكد الحكم بحيث يزول به إنكار المنكر، وإنما هو شأن التأكيد اللفظي- أعني تكرير اللفظ الأول وما هو بمنزلته- فلا يتجه على المصنف، نعم يتجه لو كان الأمر كما ذكره الشيخ أنه بمنزلة أن يقول ذلِكَ الْكِتابُ ذلك فيعيده مرة ثانية. هذا ولا يخفى أنه لا يندفع بما ذكره ما أثبتناه من تأكيد (لا) للنفي مع زيادة أنه إذا كان نفي الجنس كناية عن نفي كونه محلا للريب كان في النفي مزيد تأكيد ومبالغة يفيده سلوك طريق الكناية، وأنه مع كون المقصود تنزيل وجود الريب منزلة عدمه لا يجب أن يكون نظيرا لا مثالا لما نحن فيه. فإن كون وجود الريب بمنزلة العدم ينكر كثير من الأشقياء فيجب التوكيد، وتركه لتنزيل المنكر منزلة غيره، وأن التأكيد اللفظي أيضا يكون لدفع التجوز، فيجوز أن يكون مراد الشيخ أن قوله: لا رَيْبَ فِيهِ بمنزلة التكرير في دفع توهم التجوز لا في تكرير الحكم، وتقويته، فيوافقه كلام المصنف. (وهكذا اعتبارات النفي) لما لم يكن في البيان السابق ما يوجب تخصيصه بالإثبات؛ بل كان مستوى النسبة بالإثبات والنفي اتجه أن قوله هذا تطويل، فللإشارة إلى دفعه قال الشارح المحقق: ولما كانت الأمثلة المذكورة للاعتبارات السابقة من قبيل الإثبات سوى قوله: لا رَيْبَ فِيهِ إشارة إلى التعميم دفعا لتوهم التخصيص. وقال السيد السند: إن هذا القول يقتضي أن يكون لا رَيْبَ فِيهِ تنظيرا حتى يكون لتوهم التخصيص مسلك واضح، هذا والأظهر أن هكذا إشارة إلى أمثلة الإثبات يعني كأمثلة الإثبات أمثلة النفي، فمن أحاط بها سهل عليه استخراج أمثلة النفي، وهذا أوفق بعبارة الإيضاح حيث قال: هذا كله

стр. 251

اعتبارات الإثبات، وقس عليها اعتبارات النفي، كقولك: ليس زيد، أو: ما زيد منطلقا، أو بمنطلق، وما ينطلق، أو ما إن ينطلق زيد، أو ما كان زيد ينطلق، أو ما كان زيد لينطلق، ولا ينطلق زيد، ولن ينطلق زيد، والله ما ينطلق، أو ما إن ينطلق زيد. هذا وكيف لا وقوله هذا كله اعتبارات الإثبات نص في كون السابق مختصّا بالإثبات، فكيف يصح جعل قوله: وهكذا اعتبارات النفي لدفع توهم التخصيص؛ ولعبارة الكتاب احتمال في نفسه جدير بأن يقطع لأجله النظر عن رعاية مطابقته لما في الإيضاح والمفتاح في هذا المقام، وهو أن باقي اعتبارات النفي مع وجود الشيء مثل ما مر؛ فإن كل ما مر نفي لما تحقق وجوده فيندرج فيه تنزيل السائل منزلة الخالي، كما أشرنا إليه. وغير ذلك مثل: لا رَيْبَ فِيهِ على وجه، ومثل: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (١). واعلم أنه قال صاحب المفتاح: إن إخراج الكلام على مقتضى الظاهر يسمى في علم البيان بالتصريح، وخلافه يسمى بالكناية، ولما كانت الكناية في المشهور وعلى الوجه المذكور في البيان اللفظ المراد به لازم ما وضع له من غير قرينة مانعة عن إراداته، والتصريح اللفظ المراد به ما وضع له، ولم تكن المعاني المستتبعة للتراكيب مما وضع لها اللفظ، وكان اعتبارات الكناية والتصريح باعتبارها غير ظاهر، حتى لم يعلم أن هذا معنى آخر للكناية، والتصريح أو تجوز مبني على التشبيه، واشتبه مقصوده- أعرض عنه المصنف بالكلية، وما قال السيد السند: إن المعاني المستتبعة في عرف البلغاء هي المعاني الأصلية، يرده أنه لو كان كذلك لكان: زيد قائم بلا تأكيد مرادفا لقولنا: أنت خالي الذهن عن قيام زيد، فكما لا دقة ولا مزية لهذا الكلام لم تكن لزيد قائم، إذ السابق في دلالات عقلية وانتقالات غير وضعية يكشف عن مزيد ذكاء وفطنة، ولا منقبة في الانتقالات المبنية على الأوضاع، أو يستوي فيه الخواص والعوام. وأيضا لا بد في الكناية من صحة إرادة المعنى الحقيقي. وإذا ألقى الخالي عن التأكيد إلى المنكر، لا يصح أن يراد به: إنه خالي

стр. 252

الذهن وما قال الشارح المحقق والسيد السند: إنه يصح الإرادة للانتقال إلى ملزومه الادعائي، وهي ما معه ما يزيل الإنكار لو تأمل على ما ذهب إليه السيد السند، وتنزيله منزلة الخالي على ما ذهب إليه الشارح ففيه: أنه لو اكتفى في الكناية بصحة الإرادة للانتقال، وإن امتنع المعنى الحقيقي لم يتميز المجاز عن الحقيقة، إذ لا مجاز إلا ويصح إرادة المعنى الحقيقي فيه للانتقال، فالتحقيق أن صحة إرادة المعنى الحقيقي للانتقال أنه يصدق المعنى الحقيقي، ويتحقق في المقام مثلا: جبان الكلب، يراد معناه الحقيقي لأنه كما أنه مضياف جبان الكلب، حتى لو لم يكن جبان الكلب لا يصح إرادته للانتقال إلى المضياف، بل يتعين المجاز. وظاهر كلام الشارح أن الكناية نفس الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر، فإنه يلزم تنزيل المخاطب منزلة غيره، فأريد باللازم ما هو الملزوم، كما هو مقتضي الكناية، ورده المحقق بأنه الكناية تقتضي إرادة الملزوم باللفظ الدال على اللازم، لا بنفس اللازم فح لا تتحقق الكناية إلا على سبيل التشبيه، وعبارة المفتاح واضحة في إرادة الكناية الاصطلاحية، ولا يخفى أنه مشترك بين كلام الشارح وكلامه على ما حققناه لك. فالظاهر في الرد على الشارح أن يقال إذا كانت الكناية نفس الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر كان التصريح أيضا نفس الإخراج على مقتضى الظاهر، وليس للإخراج على مقتضى الظاهر معنى يكون صريحا فيه، وأن إرادة التنزيل بإيراد الكلام على خلاف مقتضى الظاهر أشبه بالتصريح؛ لأنه أريد به من غير توسط شيء فهو بمنزلة إرادة الموضوع له من اللفظ، ولا بد في المشابهة بالكناية من أن يكون الانتقال من الإيراد إلى أمر يتوسل به إلى الانتقال إلى التنزيل، فلا يحسن إطلاق الكناية بطريق التشبيه أيضا. ولعل مراد المفتاح: أن إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر في علم البيان يسمى بالكناية، لا بإخراج خلاف مقتضى الظاهر، وأراد بإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر استعماله في غير ما وضع له، من ملزوم المعنى، لا هذا الإخراج بعينه، وكذلك مراده بإخراج الكلام على مقتضى الظاهر المسمى

стр. 253

بالتصريح في علم البيان، استعمال اللفظ فيما وضع له على ما هو وظيفة البيان، لا هذا الإخراج بعينه، وغرضه أن لكل من هذين الأمرين نظيرا في علم البيان، مسمى باسم آخر. قال الشارح المحقق: وهاهنا بحث لا بد من التنبيه عليه، وهو أنه لا ينحصر فائدة أن في تأكيد الحكم نفيا لشك أورد الإنكار، ولا يجب في كل كلام مؤكد أن يكون الغرض منه رد إنكار محقق أو مقدر، وكذا المجرد عن التأكيد، هذا كلامه، وأراد بنفي وجود كونه لرد إنكار محقق أو مقدر ما يشمل رد الإنكار والتردد، وهو ظاهر. وأراد بقوله: وكذا المجرد أنه لا يجب أن يكون التجريد لخلو الذهن حقيقة، أو تقديرا؛ بل يكون لغير ذلك، كأن يكون لأنه لا يروج من المتكلم على لفظ التأكيد، ولا يتقبل منه، وبنى عدم انحصار فائدة التأكيد فيما ذكر أو لا، بما نقل عن الشيخ عبد القاهر من أنه قد يدخل (أن) للدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان، أنه لا يكون قولك للشيء وهو بمرأى ومسمع من المخاطب أنه كان من الأمر ما ترى، وأحسنت إلى فلان، ثم إنه فعل جزائي ما ترى وعليه قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (١) ورَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (٢) ومن خصائصها أن لضمير الشأن معها حسنا ليس بدونها، بل لا تصلح بدونها نحو: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ (٣) وإنه: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً (٤) وإِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٥) ومنها تهيئة النكرة لأن يصلح مبتدأ كقوله: إنّ شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون من لذّة العيش والفتى ... للدّهر والدّهر ذو فنون (٦)

стр. 254

وإن كانت النكرة موصوفة تراها مع إن أحسن كقوله: إنّ دهرا يلمّ شملي بسعدى ... لزمان يهمّ بالإحسان (١) ومنها: حذف الخبر نحو: إن مالا، وإن ولدا، أو إن زيدا، وإن عمرا، فإن أسقطت «إن»، لم يحسن الحذف، أو لم يجز، انتهى كلام الشيخ فيما نقله من الشيخ. أبحاث: الأول: أن جميع ما ذكره من تأكيد الكلام في هذه المواقع يحتمل أن يكون من فروع كونه ردّا لإنكار أو تردد، إما في صورة التأكيد فيما كان ظن المتكلم في الكائن، أو لا يكون؛ فلأنه وقع ما يستبعد فكأن الحكم في نفسه مظنة الإنكار، أو التردد، فيزول المخاطب به منزلة أحدهما توبيخا على وقوعه، أو تحزنا أو تحسرا إلى غير ذلك، وأما في إصلاحه ضمير الشأن أو تحسينه؛ فلأن إيراد ضمير الشأن لتأكيد الحكم، وتقريره في النفس بالإيهام أولا، ثم التفسير كما ستعرف فالتزم معه ما هو علم في التأكيد والتقرير تنبيها من أول الأمر على أن المقام مقام التحقيق والتقرير، وبذلك لا يخرج عن أن يكون المقصود نفي الشك، أو رد الإنكار، وأما في صورة تهيئة النكرة لكونها مبتدأ أو تحسين وقوعها مبتدأ فلأن ذلك لأن التأكيد مع المنكر أو المتردد وعدم صحته وقوع النكرة مبتدأ إنما هو في موقع لا يفيد الإخبار عن النكرة الصرفة؛ لقلة الفائدة لعدم تعينه. فإذا كان المخاطب بالحكم على النكرة منكرا له أو مترددا فيه كان الكلام غاية في الإفادة، وأما حذف الخبر مع أن وعدم حسنه أو جوازه بدونه فلأن الحكم المنكر يحذف فيه ما هو مناط الحكم من المحكوم به، لئلا يتوحش المنكر عن سماعه، ولا يتنفر عنه، فيتوجه إليه، فلعله يقبله بعد أن يجده بالتأمل. الثاني: أن قوله تعالى (رب إني وضعتها أنثى) و (رب إن قومي كذبون) لإنشاء التحزن والتحسر، وليس خبرا، فيكون خارجا عما نحن فيه من تأكيد الخبر، ويمكن أن يدفع بأنه نقل من الأخبار بما كان ظن المخبر فيه أن لا يكون إلى إنشاء التحسر والتحزن؛ لأنه أدخل في ذلك، على أن المقصود أن فائدة التأكيد لا تنحصر في نفي شك أو رد إنكار؛ لأنه لا ينحصر في الخبر فيه، فيدل

стр. 255

عليه (رب إني وضعتها أنثى) مع كونه إنشاء أوضح دلالة. الثالث: أن ما ذكره في ضمير الشأن يرده قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) على ما ذهب إليه المفسرون من حمله على الشأن، ودفعه الإمام في نهاية الإيجاز بأن مراده أن ضمير الشأن لا يدخل على الجملة الشرطية بدونها، ويرده تمثيل الشيخ بقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٢). الرابع: أن (إن) ليس لتهيئة النكرة لكونه مبتدأ، لأن اسم إن ليس مبتدأ، فالصواب أن يقال: لتهيئة النكرة، لأن يصلح مسندا إليه، وبالجملة ينافي صحة دخول إن على النكرة الصرفة ما اشتهر فيما بين النحاة أن اسم إن مرفوع المحل لكونه مبتدأ قبل دخول إن؛ إذ النكرة الصرفة لا تصلح لكونها مبتدأ، مع وقوعها اسم إن، وثانيا بما نقله عن الكشاف أن ترك تأكيد المنافقين قولهم: آمَنَّا في مخاطبة المؤمنين لأنه لا يروج منهم التأكيد، أو لأنه لا تساعدهم أنفسهم على التأكيد لعدم نشاطهم في هذا الخبر، وعدم صدق رغبتهم، بخلاف قولهم إِنَّا مَعَكُمْ (٣) في مخاطبة إخوانهم إذ هم فيه على صدق رغبة ووفور نشاط، وهو رابح عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق. وفيه أنه يحتمل أن يكون التأكيد لصدق الرغبة لتنزيل المخاطب منزلة المنكر في أن المتكلم في مقام الإخبار له كالمخبر مع المنكر في كمال الاهتمام، بتقرير الخبر في ذهنه، وعدم التأكيد لعدم صدق الرغبة، لتنزيل المنكر منزلة الخالي في أنه ليس له مزيد اهتمام في الإخبار له، كما أنه ليس له مزيد اهتمام في الإخبار للخالي، إلا أن عدم الاهتمام هنا لعدم كون التقرير في ذهن السامع مطلوبا، وفي الخالي لعدم حاجته إلى مزيد الاهتمام بإيصال الخبر. وثالثا: بما استخرجه من موارد الاستعمال حيث قال: وقد يؤكد الحكم بناء على أن المخاطب ينكر كون المتكلم عالما به، معتقدا له، كما تقول: إنك لعالم كامل، وعليه قوله تعالى: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (٤) وإذا أردت أن

стр. 256

تنبه المخاطب على أن هذا المتكلم كاذب في ادعاء أن هذا الخبر موافق اعتقاده يؤكد الحكم، وإن لم يكن مخاطبك منكرا ليطابق ما ادعاه. وعليه قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ وأما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ فإنما أكد لأنه مما يجب أن يبالغ في تحقيقه لأنه لدفع الإيهام، وإلا فالمخاطب عالم به وبلازمه. هذا ولا يخفى عليك أن التأكيد للخبر الذي يفاد به لازمه لكون المخاطب منكرا له داخل في بيان المصنف؛ لأنه صرح بالحكم لأنه الأصل، ولظهور الأحكام فيه دون اللازم، وتأكيد إن المنافقين لكاذبون، ويحتمل أن يكون لتنزيل المخاطب منزلة المنكر، لأن من شأن المخاطب لحرصه على إيمان الأمة أن يقبل منهم مبالغتهم في اعتقادهم برسالته، وتأكيد وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ لأن المخاطب مع الموهم في عرضة الإنكار، فنزل منزلة المنكر، ولأمر ما اقتصر السكاكي والمصنف بعد تتبع كلام الشيخ والكشاف على ما ذكرا في التأكيد، وتركه والله تعالى أعلم. ولما فرغ من بيان أحوال الإسناد، ذكر بيان الحقيقة العقلية والمجاز العقلي عقيبه ليعلم أن إسناد الشيء إلى شيء قد لا يراد به ظاهره، فيعلم أن من خاطب الموحد بقوله: أنبت الربيع البقل لا يحتاج إلى التأكيد، وليس تركه التأكيد مبنيا على التنزيل، إذ ما أريد به ليس ما ينكره الموحد، وللتعلم أن مخاطبة من سمع عنه: أنبت الربيع البقل بأنبت الله البقل لا يحوج إلى التأكيد، لأنه قوله: أنبت الربيع البقل لا يفيد إنكاره أنبت الله البقل، وإلا فبيان الحقيقة والمجاز العقليين كاللغويين مما يذكر في البيان، وإن كان له تعلق بالمعاني باعتبار أنهما قد يقتضيهما الحال. ورعاية هذه الحيثية لا توجب تخصيص العقليين بالإيراد في المعاني، لشمولها للكناية، والمجاز اللغوي أيضا، وتصدير البحث «بثم» للتراخي الرتبي، لأنه ليس كسابقه مقصودا؛ بل متطفلا، وليس إيرادهما في المعاني من المصنف لزعم أنهما من المعاني على خلاف ما ذهب إليه المفتاح كما زعم الشارح، حتى يرد عليه بما ذكره من أنه لا فرق بينهما وبين اللغويين.

стр. 257

وبما عرفت اندفع أيضا أن الأولى ذكرهما في البيان لاحتياج بعض مباحثهما إلى معرفة المجاز اللغوي، والاستعارة بالكناية، ولما بحث عنهما هاهنا كان المناسب أن يستوفي البحث حتى لا يحتاج إلى إعادة بحثهما في البيان؛ فبحث عن مطلق الإسناد باعتبارهما لأنهما لا يخصان الإسناد الخبري. [ثم الإسناد منه حقيقة عقلية] قال الشارح: فلذا قال (ثم الإسناد) وذكره بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يتوهم عوده إلى الإسناد الخبري هذا، وهذا هو الذي ذكره البيضاوي (١) - قدس سره- في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢) حيث قال: وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وأورد عليه أن المتبادر من معرفة سبق ذكرها العهد، وكونها عين ما سبق، وإن جاز حملها على غير ما سبق، فهي كالضمير بعينه في أن الظاهر أن مرجعه عين ما سبق، مع جواز رجوعه إلى ما في ضمنه. ولا يذهب عليك أن العطف «بثم» حينئذ للتراخي الرتبي، لكون بحثه أشمل مما سبق، ونحن نقول: لم يضمر لبعد المرجع جدّا، أو لدفع توهم رجوعه إلى الكلام المذكور في قوله: وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه، والمقام لاستيلاء الوهم؛ كيف والمشهور الثابت في أصل يعني المفتاح التلخيص كون الحقيقة والمجاز العقليين كلاما؟ على أنه قد تقرر في موضعه أنه إذا دار الضمير بين الأبعد والأقرب فهو عائد إلى الأقرب، نفى أنهما لا يخصان بالإسناد، بل يجريان في التعلق نحو: أجريت النهر، والإضافة نحو قوله تعالى: شِقاقَ بَيْنِهِما (٣) على ما قيل، وفي النسبة الوصفية نحو: الربيع المنبت، فقصد استيفاء البحث عنهما كما ذكرت يستدعي ذكر ما هو أعم من الإسناد، ولا يذهب عليك انتقاض تعريفهما بها، وسيأتي لهذا الكلام تتمة. وإنما قال (منه حقيقة عقلية) ومنه مجاز عقلي توطئة لتعريفهما، ولم يقل:

стр. 258

إما حقيقة عقلية وإما مجاز عقلي، لأن تقسيم الإسناد إليهما لا يتم، إذ كل منهما أعم من الإسناد من وجه، كما عرفت، فلم يصلح قسما له. وقال الشارح المحقق: لأن من الإسناد ما ليس بحقيقة ولا مجاز عنده، كما إذا لم يكن المسند فعلا أو معناه، كقولنا: الحيوان جسم، فكأنه قال: بعضه حقيقة عقلية، وبعضه مجاز عقلي، وبعضه ليس كذلك. هذا وفي كون منه ومنه مفيد الوجود قسم آخر- خفاء، والظاهر أنه لدفع قصد توهم الانحصار، لا لإفادة عدمه ويمكن توضيح ما ذكره بأن إفادة منه، ومنه كون كل من الأمرين بعضا من الإسناد بالنظر إلى بعض آخر لم يذكر، وإلا فكون كل منهما بعضا بالنظر إلى الآخر بين يلغو بيانه بإيراد كلمة التبعيض، ويكفي فيه أن يقال: الإسناد حقيقة عقلية ومجاز عقلي. واختلف في الحقيقة والمجاز العقليين. قال المصنف: المسمى بالحقيقة العقلية والمجاز العقلي على ما ذكره صاحب المفتاح هو الكلام، وهو الموافق لظاهر كلام الشيخ عبد القاهر، في مواضع من دلائل الإعجاز؛ وقول جار الله وغيره إنه الإسناد، وهو ظاهر من نقله الشيخ ابن الحاجب (١) عن الشيخ عبد القاهر، ونسبة الإسناد إلى الفعل لذاته، ونسبة الكلام إليه بواسطته فهو أحق بالتسمية بالعقلي، فلذا اخترناه. ووجه نسبة الإسناد إلى العقلي بما تنقيحه أن كون الإسناد في أنبت الله البقل إلى ما هو له، وفي أنبت الربيع البقل إلى غير ما هو له، مما يدرك بالعقل من دون مدخلية اللغة، لأن هذا الإسناد مما يتحقق في نفس المتكلم قبل التعبير، وهو إسناد إلى ما هو له، أو إلى ما غير ما هو له، قبل التعبير، ولا يجعله التعبير شيئا منهما. فالإسناد ثابت في محله، أو متجاوز إياه بعمل العقل، بخلاف المجاز اللغوي مثلا، فإن تجاوزه محله؛ لأن الواضع جعل محله غيره هذا المعنى، ولهذا يصير: أنبت الربيع البقل من الموحد مجازا، ومن الدهري حقيقة، لتفاوت عمل عقلهما، لا لتفاوت الوضع عندهما، وبهذا اندفع أن:

стр. 259

أنبت الربيع البقل إنما يكون مجازا عقليّا، لو لم يكن وضع العقل للنسبة إلى فاعل مخصوص صدر عنه؛ بل يكون للنسبة إلى مخصوص قصد المتكلم نسبته إليه، والظاهر للنسبة هو الأول. نعم، هذا البحث إنما يتوجه إلى من جعل طرفي إسناد أنبت الربيع البقل حقيقين كما سيجيء. (وهي) (١) أي الحقيقة العقلية، ولذا أنثها، وتذكيره لكون خبره المذكر راجح صرح به الشيخ ابن الحاجب في الإيضاح. (إسناد الفعل) أي نسبته سواء كانت تامة أو لا يكشف عنه قوله (أو معناه) يعني اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف، واسم الفعل، إذ إسناد معنى الفعل لا يلزم أن يكون تامّا، وفيه: والأولى أن يقول: أو ما في معناه؛ لأن معنى الفعل في الاصطلاح يقابل شبه الفعل، وهو ما يفيد معنى الفعل، ولا يشاركه في التركيب، ولا يبعد أن يجعل: أتميمي أبوه داخلا في معنى الفعل، واحترز به عما ليس لحقيقة ولا مجاز، نحو: الحيوان جسم. (إلى ما) أي شيء (هو) أي الفعل أو معناه، ويجوز إفراد الراجع إلى المتعدد المعطوف بعضه على بعض بعاطف هو لأحد الأمرين كما يجوز مطابقته (له) أي لذلك الشيء سواء كان عنه كما في: ضرب زيد عمرا، أو لا كما في: انقطع لحبل وسلك الحبل، فلذا لم يقل ما هو عنه. ومعنى كونه له أن حقه أن يسند إليه في مقام الإسناد، سواء كانت النسبة للنفي أو للإثبات لا أن يكون قائما به، كما في الشرح حتى لا يشكل بقولنا: ما قام زيد؛ لأن القيام حقه أن يسند إلى زيد في مقام نفيه عنه؛ بخلاف: ما صام نهاري، فإن الصوم حقه أن يسند إلى المتكلم في مقام نفيه عنه، لا إلى نهاره. نعم حقه أن يسند إلى النهار في مقام قصد النفي عنه، وحينئذ ذلك الإسناد حقيقة، فاحفظه فإنه من الدقائق. والشارح المحقق تقصى عنه تارة بأن دخوله في التعريف بتأويل التعريف بإسناد

стр. 260

الفعل، أو معناه إلى ما هو له، لو كان الكلام مثبتا والقيام في ما قام زيد يكون قائما بزيد، لو كان الكلام مثبتا، وتارة بأن النفي إسناد إلى ما هو له، باعتبار لازمه، ففي ما صام زيد لازمه أفطر زيد، وفي ما ربح زيد لازمه خسر زيد. والمراد بالإسناد إلى ما هو له أعم من الإسناد إلى ما هو له باعتبار نفسه، أو لازمه، وسمي الثاني جوابا تحقيقيا، والأول ظاهريا، ولا يخفى أن كليهما بمعزل عن التحقيق، وخارج عن صناعة التعريف، ويمكن أن يجعل ضمير هو إلى ما، وضمير له إلى الفعل، أو معناه، وكون الشيء للفعل أو معناه بمعنى أن حق الشيء أن يسند الفعل، أو معناه إليه، لكن جعل الفعل، وما في معناه للذات أعذب من العكس، والمتبادر منه ما هو له في الواقع، وحينئذ يخرج عن التعريف قول الجاهل: أنبت الربيع البقل فقيده بقوله: (عند المتكلم) وصرفه عما يتبادر منه إلى ما يشمل ما هو له في الواقع، والاعتقاد، وما هو له في اعتقاد المتكلم فقط، لكن بعد يتبادر منه ما هو له في اعتقاد المتكلم في الواقع فيخرج منه قول المعتزلي: خلق الله الأفعال كلها، مخفيا مذهبه، فقيده ثانيا بقوله: (في الظاهر) أي فيما يفهم من ظاهر كلامه، ليصرفه عما يتبادر منه إلى ما يشمل ما هو له في اعتقاده في الواقع وفي الظاهر وما هو له في اعتقاده فقط، فما هو له ليس أعم مما هو له في اعتقاده إذا أطلق وعند التقييد بتغير معناه إلى أعم مما هو له في الواقع، وفي اعتقاده، ويتقيد بقوله في اعتقاد المتكلم فيخرج عنه ما هو له في الواقع فقط، فقوله عند المتكلم مغير لمعنى ما هو له، ومقيد فيصح أن يقال إنه لإدخال ما هو له في الاعتقاد فقط، ويصح أن يقال إنه لإخراج ما هو له في الواقع فقط. فما ذكره السيد السند أن أمثاله مغير للمعنى لا تقييد، فمحل نظر؛ وكذا قوله في الظاهر، ولا يخفى أنه لو اقتصر على قوله إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له في الظاهر لتم التعريف، وقل المؤنة، والتكليف للمتعلم القاصر الضعيف، إلا أنه أراد التنبيه على أنه لا يصح الاكتفاء بما عند المتكلم كما في المفتاح، ولا بد من زيادة قيد في الظاهر، هذا وقد أشار بذكر الأمثلة إلى أنه جمع التعريف بزيادة هذه القيود على ما هو له أقساما أربعة: ما يطابق الواقع والاعتقاد (كقول

стр. 261

المؤمن: أنبت الله البقل)، وما يطابق الاعتقاد و (نحو قول الجاهل: أنبت الربيع البقل)، وما لا يطابق شيئا منهما ويعلم منه جمعه ما لا يطابق الاعتقاد فقط كقول المعتزلي بطريق الأولى، فاكتفى في الإشارة إليه بقوله (نحو قولك: جاء زيد وأنت تعلم أنه لم يجئ) ولم يكتف به في الإشارة إلى دخول ما يطابق الواقع فقط تفننا، وقوله أنت تعلم حال عن جاء زيد؛ لأنه مقول القول، ومفعوله، وتقديم المسند إليه فيه للتخصيص أي أنت تعلم دون المخاطب كما أشار إليه في الإيضاح. قال الشارح المحقق: فيه احتراز عما إذا كان المخاطب أيضا عالما بأنه لم يجئ، فحينئذ لم يتعين كونه حقيقة، بل ينقسم قسمين: أحدهما: أن يكون المخاطب مع علمه بأنه لم يجئ عالما بأن المتكلم يعلم أنه لم يجيء. والثاني: بأن لا يكون عالما، والأول لا يكون إسنادا إلى ما هو له عند المتكلم، لا في الحقيقة ولا في الظاهر، لوجود القرينة الصارفة، فلا يكون حقيقة عقلية، بل إن كان لملابسة يكون مجازا؛ وإلا فهو من قبيل ما لا يعتد به، ولا بعد في الحقيقة ولا في المجاز، بل ينسب قائله إلى ما يكره كما صرح به صاحب المفتاح، بخلاف الثاني. فإن المخاطب لما لم يعلم أن المتكلم عالم بأنه لم يجئ يفهم من ظاهره أنه إسناد إلى ما هو له عنده، بناء على سهو أو نسيان. هذا وفيما ذكره أبحاث نفيسة هي فيما بين المباحث، مباحث رئيسة، فبالحرى أن يتخذن، وهي أنيسة: الأول: أن المراد بالعلم إما اليقين؛ فلا يلزم من اختصاص اليقين بالمتكلم تعين المثال، لكونه حقيقة، لجواز أن يصدق المخاطب أيضا لمضمونه، من غير تعيين، فينقسم القسمين المذكورين، وإما التصديق فلا يكون مثالا لما لا يطابق الواقع، والاعتقاد لا محالة، وإرادة التصديق المطابق بعيد عن العبارة. وثانيهما: أنه مع اختصاص التصديق بالمتكلم أيضا ينقسم قسمين لجواز أن يكون المخاطب مع كونه غير مصدق بعدم المجيء مصدقا بأن المتكلم مصدق به،

стр. 262

وحينئذ لا يكون إسنادا إلى ما هو له عند المتكلم، لا في الحقيقة ولا في الظاهر، بل يكون إما مجازا أو ما يكره. وثالثهما: أنه مع علم المخاطب بأن المتكلم عالم بأنه لم يجئ يحتمل أن لا يعلم المتكلم ذلك، ويكون في ذلك الخطاب مخفيا عنه اعتقاده، فيكون إسنادا إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، ومما لا بد من التنبيه عليه أن المراد بالإسناد إلى ما هو له الإسناد إلى ما هو له من حيث إنه ما هو له، إذ قد يكون الشيء ما هو له باعتبار غير ما هو له، باعتبار آخر إما في النفي فقد عرفت، وإما في الإثبات كما في قول الخنساء تصف ناقتها: فإنّما هي إقبال وإدبار (١) فإن الشيخ قال: لو جعلت الإقبال بمعنى المقبل، حتى يكون المجاز في الكلمة أو جعلت التقدير ذات إقبال حتى يكون إيجاز الحذف- لكان مغسولا من الفصاحة، عايّا مرذولا عند أصحاب البلاغة. ومن قال ممن يعتد بشأنه: إنه بتقدير المضاف قصد أن أصل الكلام فيه ذلك بل المعنى أنها لكثرة إقبالها وإدبارها كأنها تجسمت منهما، فالمجاز في إسناد الإقبال؛ لأنه وإن كان لها من حيث القيام بها لكنه ليس لها من حيث الحمل والاتحاد، فأقبلت حقيقة وهي إقبال مجاز. وقد عدل المصنف عن ترتيب المفتاح حيث قدم المجاز العقلي لأنه المقصود بالبيان في فن البلاغة، المشار إليه بالبنان، لأن تقديم المجاز العقلي يوجب فضلا كثيرا بين الحقيقة والمجاز؛ لكثرة ما يتعلق به، وما قصد بذكرها من مزيد إيضاح المجاز بمعرفتها إنما ينتظم كل انتظام بمقارتها، على أن بعض مباحث المجاز مما لا بد فيه من معرفة الحقيقة كما ستشاهد. وعدل عن تعريفه للحقيقة والمجاز، لأنه إخبار أنهما ما ذكرهما جار الله وغيره، وظاهر كلام ابن الحاجب أنه مذهب عبد القاهر؛ فلا يصح تعريفهما بالكلام، لأنهما صفة الإسناد، وأما اشتراطه أن يكون المسند فيهما فعلا أو ما في معناه، فلما نقله عن جار الله من أن المجاز

стр. 263

العقلي هو إسناد الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، وإلحاقه ما هو في معنى الفعل به؛ لأنه في حكمه؛ حتى يكتفي كثيرا بذكر الفعل في مقام الحكم عليهما، فقولك: زيد إنسان خارج عنهما عنده داخل في الحقيقة عند صاحب المفتاح، فلا بد له من العدول من هذا الوجه أيضا، وأما أن الحق في ذلك مع المفتاح لشهادة الشيخ عبد القاهر له فلا يقدح في وجه العدول، وأما ما اعترض به المصنف على تعريفه للحقيقة من أنه الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه من أنه غير صادق على ما لا يطابق الاعتقاد مما سبق من قولك: جاء زيد، وقول المعتزلي المخفى اعتقاده حيث ترك في تقييد ما عند المتكلم بقولنا في الظاهر مع أنهما حقيقتان من غير ريبة من أحد- فلا يتم حتى يتم وجها للعدول؛ لأن المقصود الظاهر مما عند المتكلم ما عنده في الظاهر، لعدم الاطلاع على السرائر، نعم؛ لا كلام في صحة العدول لقصد مزيد توضيح والاحتراز عن غفلة نظر غير صحيح، ولو سلم أن المتبادر ما عند المتكلم في نفس الأمر فعدم صدق التعريف على ما لا يطابق الاعتقاد في نفس الأمر مم لأنه الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم في نفس الأمر، غايته أن الإفادة لم تطابق لتخلف المدلول على الدال، ولا يصح أن يقال المتبادر ما هو أعم من أن يكون عند المتكلم في الحقيقة، أو في الظاهر؛ لأنه ينتقض على هذا تعريف المفتاح بدخول ما ليس منها بأن يكون ما عند المتكلم في الواقع، لا في الظاهر. ومما قررت به من جهات العدول أن تعريف المفتاح من غير منعكس لخروج الإنشاءات إذ لا حكم فيها، ولخروج المركبات الغير (١) الكلامية، وغير مطرد على مذهب المصنف لدخول نحو: زيد صائم فيه، مع إن إسناد صائم فيه إلى المبتدأ ليس بحقيقه لأنه إلى الملابس. [ومنه مجاز عقلي] (ومنه) (٢) أي من الإسناد (مجاز عقلي) ويسمى مجازا حكميا، ومجازا في الإثبات، وإسنادا مجازيا (وهو إسناده) أي إسناد الفعل أو معناه إلى (ملابس) اسم مفعول بقرينة قوله يلابس الفاعل، ولذا لم يقتصر على التعدد المعتاد له

стр. 264

(غير ما هو) أي الفعل أو معناه (له) وما هو له فيما سوى الفعل المجهول، واسم المفعول الفاعل، وفيهما المفعول به، ولا يخفى أن غير ما هو له يتبادر منه غير ما هو له في نفس الأمر وبقوله: (بتأويل) يصير أعم من غير ما هو له في نفس الأمر، ومن غير ما هو له في اعتقاد المتكلم في الواقع، أو في الظاهر، ويتقيد باعتقاد المتكلم في الظاهر؛ فهو بمنزلة أن يقال غير ما هو له في اعتقاد المتكلم في الظاهر، والتأول طلب ما يئول إليه الشيء، والطلب هاهنا بالرجوع إلى العقل، ولذا قال الشيخ هو طلب ما يئول إليه من الحقيقة أو الموضع الذي يئول إليه من العقل، وإلا فليس الرجوع في التأول مطلقا إلى العقل، والتأول بنصب القرينة الصارفة للإسناد عن أن يكون إلى ما جعل له إلى ما هو حقيقة الأمر، لا بمعنى أن يفهم لأجلها الإسناد إلى ما هو له بعينه؛ فإنه قلما يحضر السامع بما هو له، بل بمعنى أن يفهم ما هو حقيقة الكلام، مثلا يفهم من: صام نهاري أنه وقع الصوم المبالغ فيه في النهار، أو: صام صائم في النهار جدّا، حتى خيل أن النهار صائم، وفي: بني الأمير المدينة أنه صار الأمير سببا بحيث خيل إليك أنه بان، أو بنى بأن سببه وسببيته كانت على هذا الوجه، ثم التعريف ينتقض بالإسناد إلى الملابس كذلك لا للملابسة فإنه لا يسمى مجازا، كما يرشدك إليه قوله فيما بعد: وإسناده إلى غيرهما للملابسة مجاز، فلا بد من اعتبار كونه للملابسة، فتأمل واعتبر. ولا ينتقض بمثل (إنما هي إقبال) لأنه مجاز كما حققه الشيخ، ولم يدخل في التعريف لخروجه بتقييد الإسناد بكونه إلى ملابس، بناء على أن للمصنف مذهبا آخر ليس فيه هذا المثال مجازا، بل هو واسطة. وأما الكتاب الحكيم، والأسلوب الحكيم، والضلال البعيد، والعذاب الأليم، فإن أريد بها وصف الشيء بوصف صاحبه فليس بمجاز، ولو أريد بها وصف الشيء لكونه ملابس ما هو له في التلبيس بالمسند لكونه مكانا للمسند أو سببا له فيكون المآل الحكيم في كتابه، والحكم في أسلوبه، والأليم في عذابه، والبعيد في ضلاله، أو له كان مجازا داخلا في التعريف، ومقتضى تعريفات القوم أن لا يكون مكر الليل، وإثبات الربيع، وجري الأنهار، وأجريت النهر

стр. 265

مجازات، وقد شاع إطلاق المجاز عليها، فإما أن يجعل الإطلاق على سبيل التشبيه، وإما أن يتكلف في التعريف، وصناعة التعريف تأبى الثاني، والشارح يتكلف تارة بجعل الإسناد شاملا للإضافة والتعلق، وتارة يؤول الإضافة والتعلق بالإسناد، لتضمنها إسنادا، وهما مع غاية بعدهما يردهما أنه حينئذ يختل ما سيجيء من أن إسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول مجاز، وأن إسناد الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل مجاز، فإن: أنعم النهر السيل حقيقة، مع أنه أسند إلى الفاعل الذي هو السيل فتأمل. (وله) أي للفعل أو ما في معناه (ملابسات) إما جمع ملابس وهو الظاهر أو جمع ملابسة (شتى) جمع شتيت أي مختلفة، كمرضى ومريض، وأراد باختلافهما أن بعضها ما هو له، وبعضها غير ما هو له كما سيبينه. (يلابس الفاعل والمفعول به) يريد بهما النحويين (والمصدر) يريد به المفعول المطلق، فإن المصدر مشترك بينه وبين اسم الحدث الجاري على الفعل (والزمان والمكان والسبب) الأولى والمفعول فيه، والمفعول له، ولم يتعرض للمفعول معه، ونحوه؛ لأن الفعل لا يسند إليهما، كذا في الشرح، وفيه نظر؛ لأن السبب يشمل المفعول معه مطلقا، فلا ينبغي التعرض لمطلق السبب لأن المفعول له بتقدير حرف الجر كالمفعول معه. على أن المفعول معه والمفعول له لا يقومان مقام الفاعل، أما إسناد الفعل المعلوم إليهما فجائز، نحو: ضرب التأديب للمبالغة في سببيته، فالوجه أنه لم يتعرض للمفعول معه لأن الإسناد إليه إسناد إلى الفاعل، وكذا الحال فإن: جاءني راكب حقيقة لا فرق بينه وبين: جاءني زيد، في: جاءني زيد راكبا، وكذا التمييز فإن طاب نفس زيد حقيقة ولم يتعرض لغيره لأنه لا يسند إليه الفعل، ومعناه وما يتوهم من إسناد الفعل إلى المستثنى في ما جاءني إلا زيد فهو إسناد إلى الفاعل، لأنه إسناد المجيء إلى زيد، وإسناد عدمه إلى غيره، وهما فاعلان؛ فإن كانا ما هو لهما فالإسنادان حقيقيان، وإلا فللملابسة مجازان، وينبغي أن يستثنى من المفعول به المفعول الثاني من باب علمت، والثالث من باب أعلمت. (فإسناده إلى الفاعل أو المفعول به إذا كان مبنيّا له) أي لأحدهما

стр. 266

(حقيقة) كما مر، أي كما مر فيما سبق من بحث الحقيقة، وما قبله، من قوله: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١) وقوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢) ومن لم يتنبه كذبه في الإسناد الحقيقي إلى المفعول (وإلى غيره) أي غير أحدهما (للملابسة مجاز) أصل هذا الكلام فإسناده إلى الفاعل إذا كان مبنيّا له حقيقة، وإلى غيره مجاز، وإسناده إلى المفعول به إذا كان مبنيّا له حقيقة، وإلى غيره مجاز إلا أنه طلب الاختصار فجمعهما، واختل فيفيد أن إسناد المبني للفاعل أو المفعول إلى أحدهما مطلقا حقيقة، لأنه حين الإسناد إلى أحدهما مبني لأحدهما، ولا يفيد أن إسناد المبني للمفعول إلى الفاعل، والمبني للفاعل إلى المفعول مجاز. والإسناد للملابسة أن يكون المناسبة الداعية إلى وضع الملابس موضع ما هو له مشاركته مع ما هو له في كونهما ملابسين للفعل، وفائدة التقييد إخراج الإسناد إلى غير ما هو له من غير ذلك الداعي، عن أن يكون مجازا، فإنه غلط وتحريف، يخرج به الكلام عن الاستقامة، ولا يلتفت إليه فضلا عن أن ينخرط في سلك المزايا، أو تنبيه على أن ما يميل إليه عبارة الكشاف من أن المعتبر التلبس بما هو له مؤول بأن مراده التلبس بما هو له في ملابسة الفعل؛ لأن مجرد التلبس بالفاعل لا باعتبار الفعل علاقة بعيدة ينبغي أن لا يعتد بهما في إسناد الفعل، ومجرد ميل العبارة لا يكفي في إثبات مذهب مخالف لمذهب غيره، ولهذا نسب المصنف مذهبه إليه، وغيره على ما نقلناه لك، ولبعض المتأخرين هنا بحث شريف؛ وهو أنه كيف تكون: جلس الدار، وسير سير شديد، وسير الليل، مجازا وليس لنا مسير ومجلوس ينزل الدار، أو السير الشديد منزلته ويلحق به؟ ! وأما الأفعال المتعدية فينبغي أن يفصل، ويقال: ضرب الدار، إن قصد به كونها مضروبة فمجاز، وإن قصد كونها مضروبا فيها فحقيقة، وكذا الحال في ضرب ضرب شديد، وضرب التأديب، هذا ونحن نقول: كون إسناد الفعل المبني للمفعول إلى غير المفعول به مجازا مبني على أن وضع ذلك الفعل لإفادة إيقاعه على ما أسند إليه، فحينئذ إذا صح جلس الدار فبتشبيه تعلق الظرفية بتعلق

стр. 267

المفعول به، ووضعه مقامه، وإبرازه في صورته تنبيها على قوته؛ فإن أقوى تعلقات الفعل بعد التعلق بالفاعل تعلقه بالمفعول به، ولا يجب أن يكون هناك مفعول به محقق، بل يكفي توهمه وتخيله، كما تقول: أقدمني بلدك حق لي عليك، لتوهم مقدم وتخيله؛ مع أنه لا مقدم هناك، ولا متحقق إلا قدوم للحق، إلا أنك صورت الحق في صورة المقدم الموهوم مبالغة في سببيته، وسيأتي مزيد تحقيقه. فضرب الدار لا معنى له إلا جعله مضروبا، ولا يتأتى فيه تفصيل، نعم يشكل الأمر في: ضرب في الدار، وضرب للتأديب، فإنه لا يظهر جعل الدار مضروبة مع وجود في، بل يتعين جعلها مضروبا فيها، ولا يظهر جعل التأديب إلا مضروبا له، فلا تجوز فيهما بل مما حقيقتان. هذا إذا جعل نحو في الدار ظرفا، ونحو للتأديب مفعولا له، كما هو مذهب الشيخ ابن الحاجب؛ أما لو جعلا مفعولا به بواسطة حرف الجر كما هو المشهور المتفق عليه الجمهور فلا إشكال؛ لكن تمثيل المصنف للمكان بقوله: نهر جار، وللسبب بقوله: بنى الأمير المدينة، ويرشد إلى أنه لم يجعل النهر والأمير مفعولا به بالواسطة- لا يصح أن يكون النهر مفعولا فيه، إلا بذكر «في»؛ لأنه ليس مكانا مبهما، ولا يصح أن يكون الأمير مفعولا له إلا بذكر اللام، فلو كان المفعول فيه وله بالواسطة عنده مفعولا به لما مثل بهما للمكان، والسبب المقابلين للمفعول به. ثم أشار إلى أمثلة أقسام المجاز بل شواهدها على ترتيب ذكرها، مما هو مستفيض دائر على ألسنة البلغاء فقال: (كقولهم عِيشَةٍ راضِيَةٍ*) هذا مثال إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول به. (وسيل مفعم) مثال عكسه إذ المفعم اسم المفعول من: أفعمت الإناء ملأته، وقد أسند إلى الفاعل (وشعر شاعر) مثال إسناد المبني للفاعل إلى المصدر، وإنما صح التمثيل به مع أن الشعر أطلق هنا على المؤلف لا على تأليف الشعر حتى يكون مصدرا، والظاهر أنه من قبيل: عيشة راضية؛ لأنه جعل إطلاق الشعر في مقام المبالغة يجعل المؤلف عين المصدر، فوصفه بالشاعر فرع، ووصف المصدرية ومن قبيله، وإلا فلا يحسن وصفه بما لا يوصف به المصدر في دعوى كونه عين المصدر؛ إذ جعله من قبيل إطلاق الموصوف لا من وصف ما أطلق عليه ولا من إطلاق الشعر على مسماه، كما في

стр. 268

قولك: شعر فلان؛ لأنه أنسب بمقام المبالغة، وجعله المرزوقي من قبيل داهية دهياء، وليل أليل، أي ما اعتاد به العرب من أخذ شيء من لفظ شيء، ووصفه بها تنبيها على كماله وبلوغه الغاية. (ونهاره صائم) مثال لإسناد المبني للفاعل إلى الزمان (ونهر جار) مثال لإسناد المبني للفاعل إلى المكان (وبنى الأمير المدينة) مثال لإسناد المبني للمفعول إلى السبب، واكتفى ببعض الأمثلة؛ لأنه لم يتأت له ما هو دائر على ألسنتهم للباقي، فتركه على المقايسة. قال الشارح المحقق: واعلم أن هذا المجاز قد يدل عليه صريحا كما مر وقد يكون كناية كما ذكروا في قولهم [سل الهموم] (١) إنه من المجاز العقلي، حيث جعل الهموم مخزونة بقرينة إضافة التسلية إليها، هذا وفيما ذكروه نظر؛ لأن (سل الهموم) حقيقته سل المهموم في الهموم، أو للهموم، فجل التعلق الظرفي أو السببي منزلا منزلة التعلق الإيقاعي، وأوقع التسلية على الهموم مبالغة في تعلقه الظرفي أو السببي، وليس في ذلك جعل الهموم مخزونة، فكيف يكون الكلام كناية عن جعل الهموم مخزونة وطلب التسلية الذي هو المعنى الصريح مقصودة بالإفادة؟ ! (وقولنا) في التعريف (بتأول يخرج نحو ما مر من قول الجاهل) ما مر: أنبت الربيع البقل، ونحوه، شفى الطبيب المريض، وغيره من حقائق يطابق الاعتقاد دون الواقع: زاد لفظ النحو لعدم اختصاص الإخراج بما مر، ولم يقل يخرج ما مر من نحو قول الجاهل؛ إذ لم يسبق نحو قول الجاهل بل قول الجاهل لأن ذكر النحو فيه للتمثيل لا للتعميم، فتأمل، ولا تغفل. وإنما تعرض لبيان فائدة هذا القيد من قيود هذا التعريف وخص هذه الفائدة بالبيان مع أن له فائدة إخراج الكواذب مطلقا، وفائدة إخراج صادق يخالف الاعتقاد كقول المعتزلي المخفي: خلق الله الأفعال كلها؛ لأنه لما أدخل نحو قول الجاهل في تعريف الحقيقة يفيد عند المتكلم تبادر إلى الوهم أنه يجب أن يذكر في تعريف المجاز أيضا ليخرج بإضافة الغير إلى ما هو له عند المتكلم عن تعريف المجاز، فلما أهمل قيد

стр. 269

عند المتكلم لم يخرج، وإنما بين خروجه به، واستشهد له مع أنه لا خفاء فيه؛ لأن الجاهل ليس بمتأمل، لما أن ظاهر كلام المفتاح- بلا صريحه- على أنه لو لم يكن في التعريف قيد عند المتكلم لم يخرج، ويبطل به طرد التعريف، وجعل الشارح المحقق وجه التعرض التعريض بالمفتاح، وما ذكرناه لك أنفع. فإن قلت: لو كان المراد ما ذكرته لينبغي أن يتعرض أيضا لخروج قول المعتزلي به؛ لأنه دخل في تعريف الحقيقة بقيد في الظاهر؛ فيتبادر من ترك هذا القيد في تعريف المجاز أنه لم يخرج عنه! ! قلت: التأول يدل دلالة ظاهرة على أن إسناد الكلام معه إلى غير ما هو له في الظاهر بخلاف اقتضائه عدم كونه معتقدا له. (ولهذا) أي لأن مثل قول الجاهل خارج لقيد التأول عن حد المجاز (لم يحمل نحو قوله) أي الصلتان العبدي: أشاب الصغير وأفني الكبير ... كرّ الغداة ومرّ العشيّ (١) (على المجاز) أي إسناد الإشابة والإفناء إلى كر الغداة ومر العشي؛ لكونهما ملابسين لما هو له عند المتكلم، ولم يجعل معناه هذا الإسناد. وقال الشارح: معنى قوله لم يحمل على المجاز لم يحمل على إسنادهما فيه مجاز، ولا يخفى أن العبارة لا تساعده. (ما لم يعلم أو يظن) أي لانتفاء أحد الأمرين لا لأحد الانتفائين لأن أحد الانتفائين لا يكفي؛ بل لا بد من كلا الانتفائين، وهو إنما يستفاد من ترديد المنفي، لا من ترديد النفي؛ بأن يقال: ما لم يعلم أو لم يظن؛ فإعادة لم فيه كما فعله الشارح في شرحه لا يصح: فإن قلت: لا يكفي انتفاء العلم والظن بل لا بد من انتفاء التصديق مطلقا، إذ يكفي للحمل الحزم الغير الراسخ، مطابقا كان أو لا! ! قلت: إذا قوبل الظن بالعلم يراد به ما عدا العلم، نعم لو قال: ما لم يعتقد لكان أوضح وأخصر، ولما جعلنا ما مصدرية غير ظرفية، وما لم يعلم مفعولا له بتقدير اللام، لقوله لم يحمل لوجود شرائط حذفها خلص الكلام عما

стр. 270

يتجه على الشارح، حيث جعل ما لم يعلم ظرفا أي ما دام لم يعلم من أنه يفيد أنه حمل البيت بعد العلم بذلك على المجاز، وهو خلاف الواقع وفيه أن ما بمعنى ما دام يجعل الفعل مستقبلا، ولا يساعده المقام. وقوله: (أن قائله) لم يرد ظاهره مكان قول المفتاح (لم يعتقد ظاهره) لأن العلم بعد الاعتقاد لا يكفي في الحمل على المجاز؛ لأنه يجوز أن يعلم مع ذلك العلم أنه يخفي اعتقاده. وقوله: لم يحمل على المجاز يحتمل الحمل على الحقيقة، والتوقف في الحمل. قال الشارح المحقق: حين خفي التأول يحمل على الحقيقة لأنه إسناد إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر. وقال السيد السند: منشأ هذا الحكم التسوية بين الحقيقة العقلية والحقيقة اللغوية، فكما أن اللفظ ظاهر في المعنى الموضوع له إذا خلا عما يصرفه عنه فهو ظاهر في الإسناد إلى ما هو له، إذا خلا عن التأول، والمبني فاسد؛ إذ الظاهر من المتكلم العاقل أن لا يعتقد الخطأ، وفيه نظر؛ لأن الإسناد إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر معناه نظر إلى ظاهر البيان، لا إلى ظاهر حال المتكلم، ولذا فسر بأن لا ينصب قرينة على خلافه. هذا وفي قوله: ولهذا لم يحمل ... إلخ نظر؛ لجواز أن يكون عدم الحمل لظهور صدق تعريف الحقيقة عليه، لا لكونه خارجا عن تعريف المجاز بقيد التأول. (كما استدل) متعلق بعدم الحمل أي ولأن التأول يخرج الكلام عن المجاز لتحقق عدم حمل قول الشاعر على المجاز، لعدم ظهور التأول، كالاستدلال في شعر أبي النجم على مجازية إسناد فيه، إذ لولا اشتراط التأول لم يستدل على مجازية بشيء بل يكتفي بأن المسند إليه فيه ليس ما هو له، والشارح جعله متعلقا بمحذوف، وجعل تقدير الكلام ما لم يعلم أو يظن، ولم يستدل بشيء على أنه لم يرد ظاهره كما استدل، ولا يخفى أنه مع أنه تكلف لا حاجة إليه يوجب أن يتوقف الحمل على المجاز على الاستدلال مع أنه كثيرا ما يحمل على المجاز لظهور استحالة قيام المسند بالمسند إليه عقلا.

стр. 271

[على أن إسناد ميّز] إلى [جذب الليالي] (في قول أبي النجم) (١) [قد أصبحت] أي صارت [أمّ الخيار تدّعي علىّ ذنبا كلّه] بالرفع، وأن يحوج إلى حذف مفعول: [لم أصنع]، بخلاف النصب، فإنه حينئذ يكون مفعوله ليفيد عموم النفي، ولأن الكل المضاف إلى الضمير لا يكون إلا تأكيدا أو معمولا للعامل المعنوي، [من أن رأت] أن ترميني بالذنوب تهمة من أجل أن كبرت، وأثّر فيّ الهرم الشديد إذ النسوان يبغضن الشيب، ويطلبن كمال شباب الحبيب [رأس كرأس الأصلع]. في القاموس: الصلع الخسار مقدم الرأس لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة، وقصورها عنها، واستيلاء الجفاف عليها، ولتطامن الدماغ عما يماسه من العجف، فلا يسقيه سقية إياه، وهو ملاق صلع كفرج، وهو أصلع وهي صلعاء [مّيز عنه قنزعا عن قنزع] جملة مفسرة لرؤية رأس كرأس الأصلع، مبينة لوجه الشبه، وعن الثانية بمعنى بعد. والقنزع: جمع قنزعة وهو الشعر المجتمع حول الرأس، والمعنى ميز وسلب عن الرأس قنزعا بعد قنزع، فصار شعر نواحي رأسه قنزعات منفصلة بعضها عن بعض. ([جذب الليالي]) أي مضى أكثر العمر من قولهم جذب الشهر مضت عامته، وعبر عن أيام العمر بالليالي تنبيها على شدتها، وقيل لأن العرب تؤرخ الزمان بالليالي؛ لأن غرة الشهور من ابتداء رؤية الهلال، ومنها ابتداء السنة، وما ذكرنا أبلغ وأنسب، وتفسير جذب الليالي بمضيها بتجريد الجذب عن بعض معناه، كما في الشرح مستغن عنه بما ذكرنا. ([أبطئي، أو أسرعي]) إشارة إلى شدة الليالي، بحيث يقال في حقها أبطئي أو أسرعي لا مبالاة بك، إذ لا تفاوت بين سرعتك وبطئك، وهو حال عن الليالي بتقدير القول، أو إشارة إلى اختلافها في العسر والسهولة، ورداءة العيش

стр. 272

فيها، وطيبه، فبعضها مما يقال له أبطئي وبعضها مما يقال له أسرعي، واختلاف العيش أكثر تأثيرا وإيجابا للهرم، وضعف البدن من دوام العسرة، ولا يخفى أن وصف الليالي بالاختلاف لا يستفاد مع تفسير أبطئي أو أسرعي بالتسوية بين حالتها، فوصفها بالاختلاف مع هذا التفسير كما فعله الشارح محل نظر. (مجاز) خبر أن (بقوله) متعلق باستدل (عقيبه) أي عقيب قوله ميز عنه قنزعا عن قنزع [أفناه] أي جعله فانيا أي معدوما لتنزيله منزلة الفاني لإشرافه على الفناء، أو فانيا بمعنى هرما، فإن فنى يجيء بمعنى انتفى وهرم، والضمير للشعر أو لأبي النجم [قيل الله للشّمس اطلعي] أي إرادته طلوع الشمس حتى إذا واراك أفق فارجعي، والمعنى أفناه إرادة الله جذب الليالي لأن جذب الليالي بطلوع الشمس والرجوع، ووجه الاستدلال أنه يدل على أنه موجد، وسيأتي أن الصدور عن الموجد من القرائن فإسناد ميز إلى الليالي المجذوبة؛ لأنه زمان أو سبب. [وأقسامه أربعة] (وأقسامه) أي المجاز العقلي كما يقتضيه بيان الإيضاح والمفتاح، وظاهر الكلام (أربعة) لكن لا اختصاص لها بالمجاز، فالحقيقة متروكة للمقايسة، لقلة الاهتمام بحالها، ولك أن تفسر الضمير بكل واحد من الحقيقة والمجاز، وتجعل الأمثلة لكل منهما، باختلاف حاليهما من الصدور من المؤمن والجاهل. لكنه تكلف يأباه عود ضمير وهو في القرآن كثير إلى المجاز، مع أنه يؤيده أنه لم يقل: نحو قول المؤمن، كما قال سابقا: نحو قول الجاهل، وانحصار الأقسام في الأربعة ظاهر على مذهب المصنف، ولا يشكل بالطرف الجملة، وإن عرف الحقيقة والمجاز بالكلمة لأن طرفي الحقيقة والمجاز لا يكونان جملة عنده، لأنه اشترط في المسند أن يكون فعلا أو ما في معناه. نعم يشكل على مذهب السكاكي حيث جعل الحقيقة والمجاز مطلق الكلام؛ فإنه يجوز على مذهبه كون المسند جملة، كذا ذكره الشارح، وفيه أنه يشكل على مذهب المصنف بقولك: سرني ليلى، وقد أردت هذه اللفظة حين سمعتها؛ فإنه من سرك من تلفظ بها وليلى إذا أريد بها نفسها ليست بحقيقة ولا مجاز، لأن اللفظ إذا قصد نفسه وإن قيل بوضعه لنفسه لا يوصف بالحقيقة ولا بالمجاز، ولا بالاشتراك، صرح به الشارح في شرح

стр. 273

الكشاف. وبقولنا: قيل: جاء ابن زيد فإنه حقيقة، وطرفها جملة، ويشكل الحصر مطلقا لجواز كون الطرف كناية، وإنما بين هذه الأقسام ليتضح الفرق بين هذا المذهب وما سيأتي من مذهب رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية؛ لأن طرفيه حينئذ لا يكونان إلا مجازيين إن جعل التخييل مجازا، أو مجازا وحقيقة إن جعل التخييل حقيقة، وهذا يوجب تخصيص البيان بالمجاز. وقال الشارح: فائدة البيان التنبيه على أن الإسناد المجازي لا يخرج الطرف عما هو عليه، وأزاله لما عسى أن يستبعد من اجتماع مجازين أو حقيقة ومجاز في كلام واحد، وإن كانا مختلفين، أقول بل لإزالة استبعاد تحقق المجاز العقلي؛ لأن ما ذكره من الاستبعاد يوجب هذا الاستبعاد؛ لأن المجاز العقلي لا يخلو عنه لأن طرفيه (إما حقيقتان) أي كلمتان مستعملتان فيما وضعتا له في اصطلاح التخاطب (نحو أنبت الربيع البقل) البقل ما نبت في بذره لا في أصل ثابت كذا في القاموس، والربيع ربيعان: ربيع الكلاء، وربيع الثمار، فالمراد بالربيع ربيع الكلاء، فكونه حقيقة ليس بواضح. ومن جهة أخرى وهو أن إنبات البقل من بعض أجزاء الربيع لا من جميعه. (أو مجازان) أي كلمتان مستعملتان في غير ما وضعتا له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة بينهما مع قرينة مانعة عن إرادة ما وضعتا له. (نحو [أحي الأرض]) أي جعلها نافعة؛ فإن ما ينفع كالحي، وما لا ينفع كالميت، وحقيقة أعطاها الحياة، وهي صفة تقتضي الحس والحركة، وتفتقر إلى الروح والبدن [شباب الزمان] أي الأزمنة الشابة، على أن الشباب جمع شاب على ما في القاموس، وهو أعذب من جعله مصدرا والمراد به أزمنة قوتها المؤثرة الموهومة في الغاية، والشاب حقيقة حيوان حرارته الغريزية، مشبوبة مشتعلة أي في كمال القوة. (أو مختلفان أنبت البقل شباب الزمان، أحيا الأرض الربيع) وباعتبار الهيئة الدالة على المجاز أيضا قسمان؛ لأنها إما حقيقة نحو أنبت الربيع البقل، وإما مجاز نحو أنبت الربيع البقل، بمعنى الخبر، ولو اعتبرت مع الطرفين يحصل

стр. 274

باعتبارها أقسام كثيرة، فعليك باستخراجها. ولا يخفى أن الاستبعاد في اجتماع مجازين أو حقيقة ومجاز في الإسناد باعتبار نفسه وما يدل عليه أكثر من الاجتماع باعتبار الطرفين (وهو) أي المجاز العقلي (في القرآن كثير) فيه رد على من أنكر وقوعه في القرآن عقليا كان أو لغويا، فلمقام الاهتمام بالظرف قدمه، أو لأن في تأخيره التباسا بأنه من جملة ما يعده أي في القرآن هذه الجمل، وبناء الإنكار على ما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث قالوا: لو وقع المجاز في القرآن لصح إطلاق المتجوز عليه تعالى، وهو مع كونه ممنوعا منقوض بأنه لو وقع مركب في القرآن، لصح إطلاق المركب عليه تعالى، ولتوضيح دعوى الكثرة ذكر عدة آيات على سبيل التعداد، ولم يقل نحو (وإذا تليت) لأنه لو أعاد النحو في كل آية لزم تمثيل الكثرة بآية واحدة، ولو لم يعد لأوهم في باقي الآيات أن العاطف محكي كما في الآية الأولى. قال الشارح المحقق: لم يقل نحو إيهاما للاقتباس، وأن المعنى وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً (١) وتصديقا بوقوع المجاز العقلي في القرآن كثيرا. والمقصود أن إسناد زادت إلى ضمير الآيات مجاز؛ لأنها فعل الله، والآيات سبب لها، وللبحث عن الإيمان هل يزيد أم لا؟ وهل الآية مؤولة أو على ظاهرها؟ وما تأويله؟ مقام آخر؛ نعم يتجه إلى إيهام الاقتباس أن زيادة الإيمان كيف يتصور في شأن منكري وقوعه في القرآن، ولا بد في الزيادة من سبق الثبوت، ودفعه بأن تلاوة آية توجب الإيمان، وبتلاوة الآيات تزيد، ومن لم يتفطن ادّعى أن الزيادة ربما تستعمل فيما لم يسبقه الثبوت، وما هو عن مثله ببعيد، فإن قلت: لم لم يجعله اقتباسا، بل جعله شاهدا وإيهاما للاقتباس، قلت: لأنه صرح به في الإيضاح حيث قال: كقوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ بقي أن ما عد من المحسنات البديعية هو الاقتباس لا إيهامه. يُذَبِّحُ (٢) أي فرعون (أبنائهم) أي أبناء بني إسرائيل فيه إسناد الذبح الذي هو فعل الجيش إلى السبب الآمر له يَنْزِعُ (٣) أي إبليس عَنْهُما آدم

стр. 275

وحواء لِباسَهُما أسند فعل الله إلى إبليس لأنه صار سببا له بوسوسته، وحثه له على أكل الشجرة، فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١) جمع أشيب جعل ظرف الجعل جاعلا، والجاعل هو الله تعالى، وجعل الولدان فيه شيبا كناية عن طوله أو كثرة أهواله، وشدة أمره، فإن الشدة من موجبات سرعة الشيب وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) جمع ثقل وهو متاع البيت يريد به دفائنها وخزائنها، نسب فعل الله إلى مكانه، كذا في الشرح، والأظهر أنه إسناد إلى المفعول به، لأن الإخراج من الأرض لا في الأرض، وكذا جعل الإخراج فعل الله كجعلهم نزع لباس آدم- ﵇ وحواء، فعله تعالى خفي لاحتمال أن يكون الفاعل فيهما الملائكة، ولا بد لتعيين الفاعل من السمع. وهو (غير مختص بالخبر) أي المجاز العقلي غير مختص بالخبر كما يتوهم من بعض أساميه، وفيه أنه كما يوهم الاختصاص بالخبر يوهم الاختصاص بالمثبت، فدفع الوهم قاصر أو كما يتوهم من ذكره في بحث إسناد الخبري، ولك أن تريد أن كثرة الوقوع في القرآن خير مختص بالخبر بل يجرى في الإسناد (نحو: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً) (٣) أي قصرا أسند البناء الذي هو فعل البناء إلى ضمير هامان الذي هو آمر بالبناء (ولا بد له) أي للمجاز العقلي (من قرينة) صارفة عن إرادة ظاهرة؛ لأنه اشترط فيه التأول وهو بمعنى نصب القرينة على عدم إرادة الظاهر، وإنما تعرض له مع استفادته من قيد التأول لتفصيلها، فهو بمنزلة البيان للتأول، فينبغي أن يذكر متصلا بما يتعلق به، ولا يفصل بينه وبين ما يتعلق به ببيان الأقسام، وحديث كثرة الوقوع في القرآن وعدم الاختصاص بالخبر، ولا يشترط قرينة معينة لما هو الحقيقة، ولهذا اختلف في أنه هل يلزم له حقيقة أو لا؟ وجوز كون معرفتها خفية، وإذ لم تظهر قرينة صارفة فإن كان الظاهر صادقا يحمل عليه، وإن كان كاذبا فالشارح يحمل عليه، والسيد يتوقف، وقد عرفت ما هو الحق. ***

стр. 276

(لفظية) كما مر في قول أبي النجم، ولا يخفى أن قوله [أفناه قيل الله] (١) يصرف قوله: [ميز عنه قنزعا عن قنزع] عن ظاهره لدلالته على أنه كان موحدا فمقابله قوله صدوره عن الموحد له يقتضي أن يقيد الصدور عن الموحد بما إذا لم يعلم من لفظ يقارن بالكلام. (أو معنوية) جواز اجتماع القرينتين لا ينافي التنافي (كاستحالة قيام المسند بالمذكور) أي بالمسند إليه المذكور لفظا أو تقديرا (عقلا) يعني كإحالة العقل قيام المسند بالمذكور تعقلا، تمييز عن نسبة الاستحالة إلى القيام باعتبار أنه فاعل الإحالة، كما قالوا في امتلاء الإناء ماء، والمراد إحالة العقل على سبيل الاستقلال من غير أن يحتاج إلى الاستعانة بنظر أو غيره، يعني استحالة جلية البداهة (كقولك: محبتك جاءت بي إليك أو عادة) أي إحالة العادة ذلك نحو (هزم الأمير الجند) والأولى كاستحالة نسبة المسند إلى المذكور ليتناول نسبة الفعل المجهول (وصدوره) عطف على الاستحالة أي: صدور المجاز وإرجاعه إلى الكلام؛ ليقطع سلك الضمائر عن الانتظام، فلا يقع فيه، وإن أوقع الشارح فيه عبارة الإيضاح في هذا المقام (عن الموحد) لا بد من تقييده بغير المخفي حاله، والأشمل المستغني عن التقييد، كصدوره عمن لا يرضى به في (مثل [أشاب الصّغير]) متعلق بالظرف فإنه إذا صدر عن الموحد يحكم العقل بأنه مجاز لا من كل عاقل؛ إذ كل عقل لا يأبى عنه بل كثير من العقول القاصرة يحكم به. (ومعرفة حقيقته) الأولى ترك المعرفة إذ المعهود المتعارف وصف المعلوم بالظهور والخفاء، لا العلم، والمراد أن حقيقته (إما ظاهرة) والمراد الحكم على الفرد المقدر للحقيقة سواء كان متحققا أو لا، فلا يحتاج إلى تأويله بأن معرفة مسند إليه لو أسند إليه لكان الإسناد حقيقة، إما ظاهرة كما في الشرح وإن وجه بأنه إنما أوله لما ذكره من أنه لا يلزم أن يكون للمجاز حقيقة، بل الواجب أن يكون له مسند إليه، لو أسند إليه كان الإسناد حقيقة، أما الإسناد فيجوز أن لا يتحقق أصلا. وكيف لا يجوز أن يكون الفعل مستقبلا ويسند إلى فاعل لا يوجد أصلا، فالتجوز الذي أصله هذا الإسناد ليس لمسنده فاعل محقق؛ بل مقدر،

стр. 277

وفي هذا الكلام التنبيه على أنه يكفي في المجاز القرينة الصارفة، ولا تجب القرينة الموضحة لحقيقة الإسناد؛ بل رب مجاز حقيقته خفية لا يظهر، حتى أنكر الشيخ وجوب الحقيقة للمجاز، ورد على الشيخ إنكاره لأن الفعل يستحيل بدون المسند إليه، غايته أنه قد يكون خفيّا، ويعتبره النظر الصحيح لله تعالى، وإليه أشار بقوله: (وإما خفية كما في قولك: سرتني رؤيتك أي سرني الله عند رؤيتك) وتبع في هذا الرد الإمام الرازي (١) كما تبعه صاحب المفتاح؛ إلا أنه قال يجب أن يجعل المسند إليه ما ترضى به، يريد أنه لو كان المتكلم من يجعل خالق الأفعال الله تعالى، فاجعل حقيقة الإسناد إليه تعالى وإن كان من يجعل خالق أفعال العباد أنفسهم، فاجعل الحقيقة ما يناسبه، بل حقيقة ما قال إن الإسناد حقيقة لا يدور على الخلق، بل عند الحكم بأن الله خالق الأفعال كلها، ضرب زيد، وضرب الله مجاز، فحكم العقل فما نرضى أن يكون عند متكلمه فاعلا حقيقيّا، فاعتبر الحقيقة الإسناد إليه، والحق مع الشيخ؛ لأنه يريد أنه لا يجب في المجاز العقلي قصد حقيقة، ولا يجب أن يلاحظ للفعل فاعلا حقيقيّا محققّا، فإنك في: أقدمني بلدك حق لا تقصد إقداما محققا، ولا تعدل من فاعله المحقق إلى السبب الذي هو الحق، بل تريد إفادة القدوم للحق، فتبالغ في سببيته الحق له، حتى كأنه فاعل، فيتوهم إقداما ومقدما، وتضع الحق موضع المقدم الموهوم مبالغة في سببيته، فمدار صدق هذا الكلام على وجود القدوم، ولا يطلب منك وجود الإقدام الموهوم، ولا يخفى أن الظاهر: سرني الله بسبب رؤيتك ليكون إسناد سرني إلى الرؤية إسنادا إلى السبب، وأما جعله إسنادا إلى الزمان فيحتاج إلى تقدير أي سرني زمان رؤيتك عنه مندرجة، ويمكن أن يوجه قوله عند رؤيتك بأنه ليس للتنبيه على أن الإسناد إلى الوقت بل للتنبيه على أن السببية عادية ما له وجود الفعل في هذا الوقت. (وقوله) أي أبي نواس، على ما في الإيضاح، وهو ابن هانئ الشاعر المشهور، على ما في القاموس، قال الشارح: هو قول ابن المعذل، فمن قال لا ينافي بين قوليهما لجواز أن تكون له كنيتان لم يأت بشيء يرينا صفحتي قمر يفوق

стр. 278

سناهما القمرا. ([يزيدك وجهه حسنا .. إذا ما زدته نظرا] أي يزيدك الله حسنا في وجهه) جعل وجهه مائدة تنال منه ألوان نعم الحسن اللذيذة، يزيد الله كلما نظرت في هذه المائدة لونا من النعمة تلتذ به. وما يقال المفعول الثاني في يزيد بحيث أن يصح إضافته إلى الأول كما في زاده مرضا أي زاد مرضه، وهاهنا لا يصح؛ إذ لا يصح يزيد الله حسنك في وجهه، فلا بد من جعل يزيد بمعنى يظهر، أي يظهر لك الله حسنا في وجهه قد اندفع بما ذكرناه إذ يزيد الله حسنك في وجهه بمنزلة يزيد الله نعمتك في مائدة وجهه، فبهذه الملاحظة يحسن إضافة الحسن إلى المخاطب. على أن جعل يزيد بمعنى يظهر فاسد؛ لأنه ليس متعديا إلى مفعولين، وقد صرح بترجيح وجهه في أول البيت، وأشار إشارة لطيفة في آخره إلى الترجيح؛ فإن القمر إذا أزدت النظر فيه ترى فيه أشياء غير مستحسنة، كالخدش، وفيه مع ذلك إشارة إلى أنه على خلاف الأشياء؛ فإن الأشياء إذا تكررت فتر الرغبة فيه، ونقص حسنها؛ بل ربما يكره. اعلم أن عندي نظم المجاز العقلي في سلك الكناية بأن تجعل أنبت الربيع لإثبات الإنبات للربيع، وجعل الربيع فاعلا؛ لينتقل منه إلى المبالغة في ظرفية الربيع للإنبات، ودعوى كمال مدخليته فيه، وكذا تريد بقوله بني الأمير إثبات البناء للأمير، لينتقل منه إلى كثرة مدخليته في البناء، حتى كأنه الفاعل، فإن قلت: كيف يصح منك إثبات الإنبات للربيع ولا إنبات له؟ ! فالحق أن يجعل مجازا مرسلا لامتناع إرادة المعنى الحقيقي؟ قلت: صح إثباته له عند الوهم، فكأنه قيل: أنبت الربيع في وهمي، وكونه مبنيا في الوهم يلزمه كثرة المدخلية في الإثبات. (وأنكره السكاكي) أي أنكر المجاز العقلي، وقال: ليس في كلام العرب مجاز عقلي، ولا خفاء في أن ما ذكره ليس إلا احتمال أمثلة المجاز العقلي للاستعارة بالكناية، وبذلك لا يتم نفيه، حتى لو تم لتم نفي الاستعارة بالكناية أيضا في تلك الأمثلة، باحتمال المجاز العقلي، فيكون كل منهما منكرا في تلك الأمثلة ونحوها، ويكون الثابت أحد الأمرين، والداعي له إليه أنه تقلل الانتشار، ويجعل اعتبارات البلغاء أقرب إلى الضبط، وعورض بأن هذا الاعتبار يوجب لشبيه الربيع بالقادر المختار، وادعى أنه عينه، وهو ركيك جدّا، بخلاف المجاز العقلي، فإن فيه تشبيه ملابسة الربيع بالإنبات بملابسة الفاعل الحقيقي، وبأن

стр. 279

جعل الأمير في هزم الأمير الجند من عداد الجيش، وبمنزلته أمر مستبعد جدّا، ويمكن رفعه بأن تشبيه الربيع بالفاعل الحقيقي والمبالغة فيه ركيك لو اعتبر التشبيه به بخصوصه، أما لو شبه بالفاعل ملحوظا بعنوان الفاعل فلا، وكذا الاستبعاد في جعل الأمير بمنزلة الفاعل الحقيقي للهزم، إنما الاستبعاد في جعله بمنزلة الجند ملحوظا بصفة الجندية. (ذاهبا إلى أن ما مر ونحوه استعارة بالكناية) ذكر لفظ ذاهبا قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (١) واختار ما مر ونحوه على أنه بالضمير الراجع إلى المجاز العقلي إحضارا لما مر بخصوصه، لأن فيه ما يستبعد رده إلى الاستعارة بالكناية، كما عرفت في أنبت الربيع البقل، وهزم الأمير الجند، وكما في أحيي الأرض شباب الزمان، إذ يلزم الاستعارة من المستعير، ولما لم تكن الاستعارة بالكناية معلومة أشار إلى بيانه بقوله (بناء على أن المراد بالربيع الفاعل الحقيقي) ولعله أشار بقوله الفاعل الحقيقي دون الله تعالى إلى ما ذكرنا من دفع الركاكة (بقرينة نسبة الإنبات إليه) فإن الاستعارة بالكناية عنده ذكر المشبه، وإرادة المشبه به، بقرينة استعارة ما هو بخاصة من خواص المشبه به، لصورة وهمية، توهمت في المشبه شبيهة بتلك الخاصة، وإثباتها للمشبه، ففي قوله بقرينة نسبة الإنبات إليه نظر؛ ويجب أن يتكلف ويحمل على إرادة بقرينة نسبة ما هو مشبه بالإنبات إليه، وربما يقال إن السكاكي وإن اشتهر منه أن قرينة الاستعارة بالكناية عنده إثبات الصورة الوهمية المسماة بالاستعارة التخييلية إلا أنه ذكر في بحث جعل المجاز العقلي استعارة بالكناية أن قرينتها قد تكون أمرا محققا كما في أنبت الربيع، فهذا الكلام مستغن عن التأويل. نعم في قوله (وعلى هذا القياس غيره) نظر؛ لأنه لا يمكن قياس القرينة في أكثر الأمثلة عليه، ونحن على أن ما ذكره ليس نصّا في أن الإنبات محمول على معناه الحقيقي، وليس مستعارا لأمر وهمي، وتتبع ما اشتهر منه، وستطلع على معنى كلامه في أنبت الربيع في فن البيان في مقامه إن شاء الله تعالى. (وفيه نظر) أي: في جعل كل تركيب يشتمل على المجاز العقلي، مشتملا

стр. 280

على استعارة بالكناية نظر؛ لأنه باطل، لاستلزامه أمورا باطلة، وبطلان اللوازم، مستلزم لبطلان الملزومات، ولأنه تنتقض هذه الدعوى بكل تركيب مشتمل على المشبه به والمشبه، فإنه لا يصح إخراجه عن كونه مجازا عقليا، بجعله مما يشتمل على الإستعارة بالكناية؛ لأن فيه ما يمنع عن ذلك الجعل، فأشار إلى الدليل الأول بقوله: (لأنه يستلزم) ... إلخ، وإلى الثاني بقوله: ولأنه تنتقض ... إلخ، ولا يخفي أن الانتقاض لا يخص بنحو: نهاره صائم، بل كل مثال ذكره في الدليل الأول تنتقض به الدعوى، لأنه لا يصح إخراجه عن الاشتمال على المجاز العقلي بذلك الجعل، لوجود المانع، كما لا يخفى أن استلزام الجعل المذكور الباطل لا يخص بنحو: نهاره صائم، على وجه ذكره، بل يجرى فيه باعتبار اشتماله على طرفي التشبيه، فكل من التخصيصين بلا مخصص. ثم استلزام (أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١) صاحبها) ليس مقابلا لعدم صحة الإضافة وأخويه كما يوهمه ظاهر العبارة، بل هو يليه معتبر في الجميع، إذ يستلزم أن يكون المراد بالنهار فلانا نفسه، وأن يكون المراد بضمير (هامان) العملة، وبالربيع هو الله تعالى، ومدار الفساد عليه، وإنما المقابل لها عدم صحة أن يكون العيشة ظرفا لصاحبها، فالأولى أن يقال: يستلزم أن لا يصح جعل العيشة في قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ظرفا لصاحبها، والأولى بنحو عيشة عيشة لئلا يوهم أن ترك النحو فيه وإيراده في أخويه بناء على انفراده بخلاف أخويه؛ فإنه فاسد؛ لأن قوله تعالى: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٢) في سلكه كما صرح به في الإيضاح: قال الشارح: لأنه لا معنى بقولنا خلق من شخص يدفق الماء أي يصبه، ورد بورود خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (٣) ويدفعه أن مراده أنه لا معنى له في مقام بيان الخلق من الماء كما يشعر به نظم القرآن، ونقول: لأنه لا معنى حينئذ لوصف الماء بأنه يخرج من بين الصلب والترائب، وقوله (لما سيأتي) الأولى بحاله أن يذكر بعد

стр. 281

قوله بناء على أن المراد بالربيع الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإنبات إليه، ويتجه أنه لم لا يجوز أن يكون فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ* من قبيل لهم فيها دار الخلد فتأمل. (وأن لا يصح الإضافة في نحو نهاره صائم) مما أضيف فيه المنسوب إليه الذي غير ما هو له إلى ما هو له (لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه) إذ لا اعتداد بمن جوزها، وجعلها في عداد الإضافة اللفظية، أقول من جملة اللوازم الباطلة إن لا يصح نحو نهار له صائم؛ إذ لا معنى لنسبة الشيء إلى نفسه، وما يقال إن المجاز العقلي إسناد اسم الفاعل إلى فاعله لا نسبته إلى المبتدأ والموصوف، فلا يحتاج السكاكي إلى جعل الضمير النهار استعارة بالكناية؛ ولا إلى جعل العيشة، بل يكفيه جعل الضمير استعارة بالكناية، فمما لا يعتد به؛ لأنه مبني على عدم التفرقة بين مذهب السكاكي ومذهب غيره في المجاز العقلي، يتجه عليه أنه لو جعل الضمير بمعنى الصاحب والعيشة ونهاره بحالهما بخلاف الصفة المشتقة عن ضمير الموصوف، والخبر المشتق عن ضمير المبتدأ، على أن الضمير الغائب لا يعقل فيه الاستعارة؛ لأنه تابع المرجع لا محالة، وهو حقيقة فيما قصد بمرجعه مجازا كان المرجع أو حقيقة. وبهذا علم أن رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية إما بجعل ظرف المجاز العقلي كناية كما في أنبت الربيع البقل لها، أو يجعل مرجع الظرف استعارة بالكناية كما في (راضية). (وأن لا يكون الأمر بالبناء لهامان) مع أن النداء له بلا شبهة في قوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (١) وفيه أن الأمر بالبناء ليس لهامان بل الآمر بالأمر بالبناء لأنه قصد بهذا الكلام أن يأمر هامان العملة بالبناء، فينبغي أن يقال: وأن لا يكون الأمر لهامان، ولك أن تقول: المراد أن لا يكون أمر العملة بالبناء لهامان؛ لأن فرعون هو الآمر لهم بنفسه في هذا الكلام، لا مفوضا للأمر إليه، فتبصر إن كان لك حدة النظر؛ فإن هذه الإشارة ليست لضعيف البصر. (وأن يتوقف نحو أنبت الربيع البقل على السمع) الأولى على الأذن؛ لأن

стр. 282

المتبادر من السمع في هذا الفن السماع من البلغاء لا من الشارع (واللوازم) الأربعة (كلها منتفية) ظاهرة الانتفاء، وكيف لا والكلام المعجز والكلام المستفيض بين البلغاء صحته أجلى من النهار، ووجوب توجه الأمر بعد النداء إلى المنادي لا مدخل فيه للإنكار، ولكل أحد في استعمال مثل: أنبت الربيع البقل استقلال واختيار، وأجيب عنه بأن السكاكي يمنع كون أحد من البلغاء على مذهب التوقيف، فلذا لم يقفوه على الأذن، وأما العلماء فلم يمنعوا من استعماله مع قولهم بالتوقيف؛ لأنهم زعموا أنهم قصدوا المجاز العقلي، والاقتداء بهم في معرفة وجوه تصرفات كلام البلغاء؛ لأنهم لم يهتموا بالإحاطة بجميع تصرفات كلامهم، فلا يبعد أن لا يفهموا بعض تصرفاتهم في الكلام. وفيه أنه لا خفاء في أن حسن المجاز العقلي مما لا ينكر، فلا ينبغي نسبة التقصير إلى العلماء في تحصيل مراد البلغاء وتجويزهم استعمال التراكيب الممنوعة شرعا، لا عن تحقيق لباعث تقليل الانتشار وتقريب الفن إلى الضبط؛ فإن ذلك الباعث ليس بمثابة يحسن العمل بمقتضاه، مع تخطئة أرباب الدين والانتباه، بل الجواب أن صحة أنبت الربيع إنما يتوقف على السمع لو أريد بالربيع ذات الله تعالى، ولو أريد الفاعل الحقيقي على الإجمال فلا يتوقف على السمع، وإن كان ذلك الفاعل المجمل هو الله تعالى، كما يقال لا بد للممكن من شيء يوجده، فلا يلزم من إطلاق الشيء هنا مع أنه في الواقع ليس إلا ذاته (١) منع شرعي، وأجيب عن هذه الاعتراضات بمنع الاستلزام؛ لأن مذهب السكاكي في الاستعارة بالكناية ليس أن المراد بالمشبه المشبه به حتى يكون المراد بالربيع مثلا هو الله تعالى؛ بل المشبه بادعاء فإنه عين المشبه به، والادعاء لا يوجب كونه عين المشبه به حتى يلزم شىء منها، ويتجه عليه أنه حينئذ لم يصر إسناد ما هو للمشبه به إلى المشبه إسنادا إلى ما هو له حتى يصح إنكار المجاز العقلي لجعله من قبيل الاستعارة بالكناية، ويدفع بأن المسند إلى الاستعارة بالكناية ليس ما هو للمشبه به بل صورة وهمية شبيهة بالمسند، فهو للمشبه حقيقة، وحقه أن يسند إليه، ويزيف هذا الدفع بأن ما قيل: إن قرينة الاستعارة بالكناية عنده استعارة تخييلية هي اللفظ المستعمل في الصورة الوهمية لا غير، خطأ؛ لأنه صرح في بحث رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية أن قرينة

стр. 283

الاستعارة بالكناية قد تكون أمرا وهميّا كما في (أظفار المنية) ونطقت الحال، وقد تكون أمرا محققا كما في أنبت الربيع البقل، وهزم الأمير الجند، وقد أخبرناك أن معنى كلامه هذا شيء آخر، وستطلع عليه في شرحنا هذا إذ يأتي محله. وبما ذكرنا ظهر أن مبنى الاعتراضات على أن مذهب السكاكي في الاستعارة بالكناية أن يراد المشبه به حقيقة، وأن المراد بما أسند إلى المشبه به معناه الحقيقي في هذه الأمثلة، لا على مجرد أن المراد المشبه به حقيقة، حتى يكفي في دفعها الإشارة إلى أنه يراد به نفس المشبه بادعاء كونه مشبها به، كما ظنه الشارح، وتبعه القوم، وقد يقال مبني الاعتراضات على أن السكاكي جعل الاستعارة بالكناية من قبيل المجاز، وذلك لا يتم بدون الاستعمال في المشبه به حقيقة، وإن صرح بخلافه في تحقيق الاستعارة بالكناية، وفيه أنه لا ينفع في دفع إنكار المجاز العقلي لأن له أن يبنى الرد إلى الاستعارة على ما يقتضيه ما ذكره في التحقيق، لا على ما يقتضيه جعله من المجاز، ويمكن أن يقال في رد كلام السكاكي: إنه يلزم أن يكون المراد نفسه بعيشة في عيشة راضية صاحبها، وهو لا يصح سواء كان صاحبا ادعائيا أو حقيقيا؛ لأن مبني الاستعارة على تناسي المغايرة، ومبني الظرفية على دعواها، وهما متنافران، يتنفر عنه البليغ. وهكذا في نهاره صائم؛ لأن الإضافة تستدعي المغايرة، والاستعارة الاتحاد، وليس لك أن تحمل كلام المصنف عليه؛ لأنه لا يأباه النظران الأخيران. (ولأنه ينتقض بنحو نهاره صائم لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه) وهو مانع عن الحمل على الاستعارة كما صرح به في كتابه، وجوابه أن هذا مبني على أنه جعل الاشتمال على الطرفين مطلقا مانعا، وليس كذلك لأنه أراد به الاشتمال على الطرفين من حيث إنهما طرفان، وكيف لا وقد جعل زر أزراره على القمر من قبيل الاستعارة، وليس النهار وما أضيف إليه طرفا التشبيه، لأن الإضافة لامية، لتعيين المشبه المستعار؛ لأن المشبه بالشخص نهار خاص، لا مطلق النهار، وإنما يكونان طرفي التشبيه لو كانت الإضافة في معنى الحمل للمبالغة في التشبيه، ولا يخفى أن طرفي التشبيه حقيقة فيما يكون متصفا بكونه ظرفا، فلا حاجة في دفع الانتقاض إلى تقييد منافاة الاشتمال على طرفي التشبيه للاستعارة،

стр. 284

بكونه على وجه ينبى عن التشبيه كما في الشرح، وربما يمنع اشتمال نهاره صائما على طرفي التشبيه، بأن المشبه به للنهار شخص صائم مطلقا، والضمير لفلان نفسه، من غير اعتبار كونه صائم، وفيه أنه حينئذ لا يفيد الإخبار عنه بصائم، ويشتمل الكلام على طرفي التشبيه وهو النهار وصائم، ويمكن دفعه بأن المراد أن المشبه به شخص يتأتى منه الصوم، ويصلح لأن يصوم. لله الحمد على الفراغ من شرح الباب الأول من المعاني، ونسأله التوفيق لشرح الباب الثاني، ونفوض الأمر إليه، ونتوكل عليه في سلوك مسلك الصواب في شرح (أحوال المسند إليه) (١) أي أحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، على أن الإضافة عهدية. [أحوال المسند إليه] وبعد فلا بد من إخراج أحوال تعرض له بالقياس إلى الإسناد أو المسند أو غير ذلك ككونه مسندا إليه لإسناد مؤكد، ومسند إليه لإسناد مؤخر، إلى غير ذلك، وقد أخرجه الشارح باعتبار قيد الحيثية. وفيه أن أحوال المسند إليه من حيث إنه مسند إليه لا يجوز أن يوجد غيره وقلما يوجد حال يخص به، ولا يبعد أن يخرج بالعهدية المذكورة؛ لأن كون المسند إليه مسندا إليه لإسناد مؤكد ليس مقتضى الحال، بل مقتضى الحال تأكيد الإسناد، وحال المسند إليه من توابعه. وإنما ذكرنا هذا التحقيق هنا متابعة للشرح، وإلا فالأحق ذكره في بحث الإسناد الخبري، فاحفظه، وانتفع به فيما سبق والحق. [أما حذفه فللاحتراز عن العبث] وقدم أحوال المسند إليه لأن الذي الأصل في الكلام تقديمه (أما حذفه) قدمه على سائر الأحوال لأنه ينبئ عن مزية المسند إليه على سائر الأركان، لأنه يدل على أنه لشدة الحاجة إليه كأنه أتى به ثم ترك، ولهذا عبر عنه بالحذف، وفي المسند بالترك، بهذا ظهر ضعف نكتة ذكرها هنا الشارح لتقديمه حيث قال: قدم على سائر الأحوال لأنه عبارة عن عدم الإتيان به وهو مقدم على الإتيان به لتأخر وجود الحادث عن عدمه، لأن الحذف ينبيء عن حدوث العدم، على أنه وجوب التقدم على الإتيان به إنما يفيد التقدم على سائر الأحوال، لو تأخر سائر الأحوال عن الذكر.

стр. 285

(فللاحتراز عن العبث) وهو ذكره على ما اشتهر، لأن اللفظ يعلم دون الذكر، فالذكر عبث وذكره أو القرينة على ما نقول؛ لأن فائدة القرينة معرفة اللفظ، فإذا علم بالذكر لغت وصارت عبثا، وإنما قال: (بناء على الظاهر) لأنه الركن الأعظم من الكلام، فكيف يكون ذكره عبثا؟ أو كيف يكون القرينة عليه مع الذكر عبثا؟ لأن الركن الأعظم يستحق اهتماما يوجب تكثير ما يحصر به، ولا يخفى أن هذا التقرير يخص بالمسند إليه، ولو أريد جعل الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مشتركا بينه وبين غير المسند كما ستعرف مما ذكره المصنف في أحوال المسند بل مشتركا بينه وبين غير المسند أيضا، فينبغي أن يقتصر على أن ما هو مقصود بالإفادة كيف يكون ذكره مستدركا. أو كيف تكون تقوية الذكر بالقرينة مستدركة؟ ! فإن قصد الإفادة ربما يوجب اهتماما واحتياطا بدفع العبث، وبترك حديث كونه ركنا أعظم؛ بل كونه ركنا، ولا يذكر كما ذكره، ولم يجعل الحذف لوجود القرينة وللاحتراز أو غيره؛ لئلا يوهم أن وجود القرينة من المزايا التي تخص البليغ بملاحظته، لأن العامي أيضا يحذف لوجود القرينة، ووجود القرينة مصحح، والمزايا هي المرجحات. وقال الشارح: لم يتعرض له اعتمادا على معرفته في النحو وما ذكرنا أوجه. (أو بتخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ) كون الحرف موضوعا للجزئيات بوضع واحد ليستعمل في واحد منها بخصوصه يمنع من عطف شيء على مدخوله، لأنه يستدعي أن يراد به في تلفظ واحد معنيان بالنظر إلى كل مدخول معنى، وهو بمنزلة أن يقال عسعس اليوم، والليل، ويراد أقبل اليوم وأدبر الليل، ولهذا أكاد أحكم بأن العطف على مدخول الحرف ليس إلا بتقديره لا باعتبار الاستصحاب، ومعنى تخييل العدول أنه يخيل للسامع أنه أفاد المسند إليه بأقوى الدليلين، وهو العقل؛ لأن الدلالة العقلية لا تتخلف بخلاف الدلالة الوضعية، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع، وتوجه عقله نحو المسند إليه زيادة توجه، وإنما قال: تخييل العدول إذ لا عدول من اللفظ، بل العقل يرشد إلى اللفظ، ويفهم من اللفظ، ولأن القرينة دلالتها عقلية، بمعنى غير وضعية، لا بمعنى أنه لا يتخلف عنه المدلول.
следующие страницы →