قوله بناء على أن المراد بالربيع الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإنبات إليه، ويتجه أنه لم لا يجوز أن يكون فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ* من قبيل لهم فيها دار الخلد فتأمل.
(وأن لا يصح الإضافة في نحو نهاره صائم) مما أضيف فيه المنسوب إليه الذي غير ما هو له إلى ما هو له (لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه) إذ لا اعتداد بمن جوزها، وجعلها في عداد الإضافة اللفظية، أقول من جملة اللوازم الباطلة إن لا يصح نحو نهار له صائم؛ إذ لا معنى لنسبة الشيء إلى نفسه، وما يقال إن المجاز العقلي إسناد اسم الفاعل إلى فاعله لا نسبته إلى المبتدأ والموصوف، فلا يحتاج السكاكي إلى جعل الضمير النهار استعارة بالكناية؛ ولا إلى جعل العيشة، بل يكفيه جعل الضمير استعارة بالكناية، فمما لا يعتد به؛ لأنه مبني على عدم التفرقة بين مذهب السكاكي ومذهب غيره في المجاز العقلي، يتجه عليه أنه لو جعل الضمير بمعنى الصاحب والعيشة ونهاره بحالهما بخلاف الصفة المشتقة عن ضمير الموصوف، والخبر المشتق عن ضمير المبتدأ، على أن الضمير الغائب لا يعقل فيه الاستعارة؛ لأنه تابع المرجع لا محالة، وهو حقيقة فيما قصد بمرجعه مجازا كان المرجع أو حقيقة. وبهذا علم أن رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية إما بجعل ظرف المجاز العقلي كناية كما في أنبت الربيع البقل لها، أو يجعل مرجع الظرف استعارة بالكناية كما في (راضية).
(وأن لا يكون الأمر بالبناء لهامان) مع أن النداء له بلا شبهة في قوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (١) وفيه أن الأمر بالبناء ليس لهامان بل الآمر بالأمر بالبناء لأنه قصد بهذا الكلام أن يأمر هامان العملة بالبناء، فينبغي أن يقال: وأن لا يكون الأمر لهامان، ولك أن تقول: المراد أن لا يكون أمر العملة بالبناء لهامان؛ لأن فرعون هو الآمر لهم بنفسه في هذا الكلام، لا مفوضا للأمر إليه، فتبصر إن كان لك حدة النظر؛ فإن هذه الإشارة ليست لضعيف البصر.
(وأن يتوقف نحو أنبت الربيع البقل على السمع) الأولى على الأذن؛ لأن
стр. 282
المتبادر من السمع في هذا الفن السماع من البلغاء لا من الشارع (واللوازم) الأربعة (كلها منتفية) ظاهرة الانتفاء، وكيف لا والكلام المعجز والكلام المستفيض بين البلغاء صحته أجلى من النهار، ووجوب توجه الأمر بعد النداء إلى المنادي لا مدخل فيه للإنكار، ولكل أحد في استعمال مثل: أنبت الربيع البقل استقلال واختيار، وأجيب عنه بأن السكاكي يمنع كون أحد من البلغاء على مذهب التوقيف، فلذا لم يقفوه على الأذن، وأما العلماء فلم يمنعوا من استعماله مع قولهم بالتوقيف؛ لأنهم زعموا أنهم قصدوا المجاز العقلي، والاقتداء بهم في معرفة وجوه تصرفات كلام البلغاء؛ لأنهم لم يهتموا بالإحاطة بجميع تصرفات كلامهم، فلا يبعد أن لا يفهموا بعض تصرفاتهم في الكلام. وفيه أنه لا خفاء في أن حسن المجاز العقلي مما لا ينكر، فلا ينبغي نسبة التقصير إلى العلماء في تحصيل مراد البلغاء وتجويزهم استعمال التراكيب الممنوعة شرعا، لا عن تحقيق لباعث تقليل الانتشار وتقريب الفن إلى الضبط؛ فإن ذلك الباعث ليس بمثابة يحسن العمل بمقتضاه، مع تخطئة أرباب الدين والانتباه، بل الجواب أن صحة أنبت الربيع إنما يتوقف على السمع لو أريد بالربيع ذات الله تعالى، ولو أريد الفاعل الحقيقي على الإجمال فلا يتوقف على السمع، وإن كان ذلك الفاعل المجمل هو الله تعالى، كما يقال لا بد للممكن من شيء يوجده، فلا يلزم من إطلاق الشيء هنا مع أنه في الواقع ليس إلا ذاته (١) منع شرعي، وأجيب عن هذه الاعتراضات بمنع الاستلزام؛ لأن مذهب السكاكي في الاستعارة بالكناية ليس أن المراد بالمشبه المشبه به حتى يكون المراد بالربيع مثلا هو الله تعالى؛ بل المشبه بادعاء فإنه عين المشبه به، والادعاء لا يوجب كونه عين المشبه به حتى يلزم شىء منها، ويتجه عليه أنه حينئذ لم يصر إسناد ما هو للمشبه به إلى المشبه إسنادا إلى ما هو له حتى يصح إنكار المجاز العقلي لجعله من قبيل الاستعارة بالكناية، ويدفع بأن المسند إلى الاستعارة بالكناية ليس ما هو للمشبه به بل صورة وهمية شبيهة بالمسند، فهو للمشبه حقيقة، وحقه أن يسند إليه، ويزيف هذا الدفع بأن ما قيل: إن قرينة الاستعارة بالكناية عنده استعارة تخييلية هي اللفظ المستعمل في الصورة الوهمية لا غير، خطأ؛ لأنه صرح في بحث رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية أن قرينة
стр. 283
الاستعارة بالكناية قد تكون أمرا وهميّا كما في (أظفار المنية) ونطقت الحال، وقد تكون أمرا محققا كما في أنبت الربيع البقل، وهزم الأمير الجند، وقد أخبرناك أن معنى كلامه هذا شيء آخر، وستطلع عليه في شرحنا هذا إذ يأتي محله.
وبما ذكرنا ظهر أن مبنى الاعتراضات على أن مذهب السكاكي في الاستعارة بالكناية أن يراد المشبه به حقيقة، وأن المراد بما أسند إلى المشبه به معناه الحقيقي في هذه الأمثلة، لا على مجرد أن المراد المشبه به حقيقة، حتى يكفي في دفعها الإشارة إلى أنه يراد به نفس المشبه بادعاء كونه مشبها به، كما ظنه الشارح، وتبعه القوم، وقد يقال مبني الاعتراضات على أن السكاكي جعل الاستعارة بالكناية من قبيل المجاز، وذلك لا يتم بدون الاستعمال في المشبه به حقيقة، وإن صرح بخلافه في تحقيق الاستعارة بالكناية، وفيه أنه لا ينفع في دفع إنكار المجاز العقلي لأن له أن يبنى الرد إلى الاستعارة على ما يقتضيه ما ذكره في التحقيق، لا على ما يقتضيه جعله من المجاز، ويمكن أن يقال في رد كلام السكاكي: إنه يلزم أن يكون المراد نفسه بعيشة في عيشة راضية صاحبها، وهو لا يصح سواء كان صاحبا ادعائيا أو حقيقيا؛ لأن مبني الاستعارة على تناسي المغايرة، ومبني الظرفية على دعواها، وهما متنافران، يتنفر عنه البليغ. وهكذا في نهاره صائم؛ لأن الإضافة تستدعي المغايرة، والاستعارة الاتحاد، وليس لك أن تحمل كلام المصنف عليه؛ لأنه لا يأباه النظران الأخيران.
(ولأنه ينتقض بنحو نهاره صائم لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه) وهو مانع عن الحمل على الاستعارة كما صرح به في كتابه، وجوابه أن هذا مبني على أنه جعل الاشتمال على الطرفين مطلقا مانعا، وليس كذلك لأنه أراد به الاشتمال على الطرفين من حيث إنهما طرفان، وكيف لا وقد جعل زر أزراره على القمر من قبيل الاستعارة، وليس النهار وما أضيف إليه طرفا التشبيه، لأن الإضافة لامية، لتعيين المشبه المستعار؛ لأن المشبه بالشخص نهار خاص، لا مطلق النهار، وإنما يكونان طرفي التشبيه لو كانت الإضافة في معنى الحمل للمبالغة في التشبيه، ولا يخفى أن طرفي التشبيه حقيقة فيما يكون متصفا بكونه ظرفا، فلا حاجة في دفع الانتقاض إلى تقييد منافاة الاشتمال على طرفي التشبيه للاستعارة،
стр. 284
بكونه على وجه ينبى عن التشبيه كما في الشرح، وربما يمنع اشتمال نهاره صائما على طرفي التشبيه، بأن المشبه به للنهار شخص صائم مطلقا، والضمير لفلان نفسه، من غير اعتبار كونه صائم، وفيه أنه حينئذ لا يفيد الإخبار عنه بصائم، ويشتمل الكلام على طرفي التشبيه وهو النهار وصائم، ويمكن دفعه بأن المراد أن المشبه به شخص يتأتى منه الصوم، ويصلح لأن يصوم.
لله الحمد على الفراغ من شرح الباب الأول من المعاني، ونسأله التوفيق لشرح الباب الثاني، ونفوض الأمر إليه، ونتوكل عليه في سلوك مسلك الصواب في شرح (أحوال المسند إليه) (١) أي أحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، على أن الإضافة عهدية.
[أحوال المسند إليه]
وبعد فلا بد من إخراج أحوال تعرض له بالقياس إلى الإسناد أو المسند أو غير ذلك ككونه مسندا إليه لإسناد مؤكد، ومسند إليه لإسناد مؤخر، إلى غير ذلك، وقد أخرجه الشارح باعتبار قيد الحيثية. وفيه أن أحوال المسند إليه من حيث إنه مسند إليه لا يجوز أن يوجد غيره وقلما يوجد حال يخص به، ولا يبعد أن يخرج بالعهدية المذكورة؛ لأن كون المسند إليه مسندا إليه لإسناد مؤكد ليس مقتضى الحال، بل مقتضى الحال تأكيد الإسناد، وحال المسند إليه من توابعه.
وإنما ذكرنا هذا التحقيق هنا متابعة للشرح، وإلا فالأحق ذكره في بحث الإسناد الخبري، فاحفظه، وانتفع به فيما سبق والحق.
[أما حذفه فللاحتراز عن العبث]
وقدم أحوال المسند إليه لأن الذي الأصل في الكلام تقديمه (أما حذفه) قدمه على سائر الأحوال لأنه ينبئ عن مزية المسند إليه على سائر الأركان، لأنه يدل على أنه لشدة الحاجة إليه كأنه أتى به ثم ترك، ولهذا عبر عنه بالحذف، وفي المسند بالترك، بهذا ظهر ضعف نكتة ذكرها هنا الشارح لتقديمه حيث قال: قدم على سائر الأحوال لأنه عبارة عن عدم الإتيان به وهو مقدم على الإتيان به لتأخر وجود الحادث عن عدمه، لأن الحذف ينبيء عن حدوث العدم، على أنه وجوب التقدم على الإتيان به إنما يفيد التقدم على سائر الأحوال، لو تأخر سائر الأحوال عن الذكر.
стр. 285
(فللاحتراز عن العبث) وهو ذكره على ما اشتهر، لأن اللفظ يعلم دون الذكر، فالذكر عبث وذكره أو القرينة على ما نقول؛ لأن فائدة القرينة معرفة اللفظ، فإذا علم بالذكر لغت وصارت عبثا، وإنما قال: (بناء على الظاهر) لأنه الركن الأعظم من الكلام، فكيف يكون ذكره عبثا؟ أو كيف يكون القرينة عليه مع الذكر عبثا؟ لأن الركن الأعظم يستحق اهتماما يوجب تكثير ما يحصر به، ولا يخفى أن هذا التقرير يخص بالمسند إليه، ولو أريد جعل الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مشتركا بينه وبين غير المسند كما ستعرف مما ذكره المصنف في أحوال المسند بل مشتركا بينه وبين غير المسند أيضا، فينبغي أن يقتصر على أن ما هو مقصود بالإفادة كيف يكون ذكره مستدركا. أو كيف تكون تقوية الذكر بالقرينة مستدركة؟ ! فإن قصد الإفادة ربما يوجب اهتماما واحتياطا بدفع العبث، وبترك حديث كونه ركنا أعظم؛ بل كونه ركنا، ولا يذكر كما ذكره، ولم يجعل الحذف لوجود القرينة وللاحتراز أو غيره؛ لئلا يوهم أن وجود القرينة من المزايا التي تخص البليغ بملاحظته، لأن العامي أيضا يحذف لوجود القرينة، ووجود القرينة مصحح، والمزايا هي المرجحات. وقال الشارح: لم يتعرض له اعتمادا على معرفته في النحو وما ذكرنا أوجه.
(أو بتخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ) كون الحرف موضوعا للجزئيات بوضع واحد ليستعمل في واحد منها بخصوصه يمنع من عطف شيء على مدخوله، لأنه يستدعي أن يراد به في تلفظ واحد معنيان بالنظر إلى كل مدخول معنى، وهو بمنزلة أن يقال عسعس اليوم، والليل، ويراد أقبل اليوم وأدبر الليل، ولهذا أكاد أحكم بأن العطف على مدخول الحرف ليس إلا بتقديره لا باعتبار الاستصحاب، ومعنى تخييل العدول أنه يخيل للسامع أنه أفاد المسند إليه بأقوى الدليلين، وهو العقل؛ لأن الدلالة العقلية لا تتخلف بخلاف الدلالة الوضعية، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع، وتوجه عقله نحو المسند إليه زيادة توجه، وإنما قال: تخييل العدول إذ لا عدول من اللفظ، بل العقل يرشد إلى اللفظ، ويفهم من اللفظ، ولأن القرينة دلالتها عقلية، بمعنى غير وضعية، لا بمعنى أنه لا يتخلف عنه المدلول.
стр. 286
وقالوا: كون دلالة العقل أقوى لتوقف دلالة اللفظ على دلالة العقل من غير عكس، ووجه التخييل أنه لا عدول؛ فإنه عند الذكر والحذف يتشارك العقل واللفظ في الدلالة، وفيه بحث؛ لأن كون دلالة العقل أقوى بناء على أن دلالة اللفظ غير مستقلة يوجب أن لا يكون الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ فقط، بل على دلالتهما، فكيف يكون تخييل العدول إلى أقوى الدليلين؟ بل تخييل العدول من جمع الدليلين إلى واحد أقوى منهما. وفي المفتاح تقييد التخييل كالاحتراز عن العبث بكونه بناء على الظاهر، وتركه المصنف، ونعم الترك؛ لأن التخييل يفيد أن فهم العدول بناء على ظاهر الأمر لا مع التأمل في الحقيقة.
(كقوله [قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل]) (١) مثال للداعيين، وأنا أقول: لم يقل: أنا عليل لئلا يتبدل ما عبر به السائل عن ذاته بما يعبر به عن نفسه، لاستلذاذه كونه معبرا بما جرى على لسانه (أو اختبار تنبه السامع) أيتنبه بالقرينة أم لا؟ وعبارة الشارح هل يتنبه بالقرينة أم لا سهو؟ لأن أم هذه لازمة للهمزة، فإن قلت: الحذف يفتقر إلى صلاحية المقام، وهو بأن يكون المخاطب عارفا به لوجود القرينة فلا بد من اعتقاد المتكلم قبل الحذف أنه يعرف المسند إليه بهذه القرينة، حتى يصح الحذف، فكيف يكون الحذف للاختبار؟ ! قلت يكفي للحذف ظن المتكلم أنه يعرف المخاطب المسند إليه بالقرينة، فليكن الاختبار لتحصيل اليقين، على أنه قال اختبار تنبه السامع، ويكفي في قابلية المقام كون المخاطب عارفا به لوجود القرائن، وأقول: وإظهار اعتقاده أن السامع يتنبه أو إظهار اعتقاده أن له تنبها كاملا، أو التنبه على تنبهه أو مقدار تنبهه.
(أو مقدار تنبهه) أيتنبه بالقرينة الخفية أم لا؟ وفي عبارة الشارح أهل (أو إيهام صونه عن لسانك) تواضعا منك بإيهام أنه من الطهارة بحيث يتلوث بلساني (أو عكسه) أي إيهام صون لسانك عنه تحقيرا له، بإيهام أنه في الخبث والرذالة،
стр. 287
بحيث يتلوث به لساني، ولك أن تبالغ في تحقيره بالحذف، بإيهام أنه من الخبث، بحيث يتلوث به كل لسان، وحينئذ الداعي إيهام صون اللسان عنه، كما في المفتاح، لا إيهام صون لسانك عنه، وليس لك أن تقصد بالحذف إيهام صونه عن كل لسان، لأن في ذلك تحقيرا لكل لسان، وليس أمر الألسنة بيدك حتى تفعل به ما تشاء، وإنما لك تحقير لسانك تواضعا منك، فلذلك لم يطلق المفتاح فيه اللسان، واختيار التخييل سابقا. والإيهام هنا ليس لكون أحدهما مدركا خياليّا، والآخر وهميّا، بل التخييل والإيهام مستعاران لإفادة أنهما ليسا محققين، واختلاف الاستعارة للتفنن، وقيل لأن في الإيهام زيادة تبعيد عن التحقق، فاختير التخييل سابقا لشائبة تحقق في العدول بخلاف الصون عن التلوث، فإنه لا تحقق له أصلا. أقول أو إيهام صونه عن سمعك، أو إيهام صون سمعك عنه.
(أو تأتي) أي تيسر (الإنكار لدى الحاجة) الظرف يتعلق بالتأتي أو بالظرف أي لتأتي يعني تأتي الإنكار إنما يدعو إلى الحذف لدى الحاجة إلى الإنكار (أو تعينه) إما لأن المسند لا يصلح إلا له، أو لأنه بلغ فيه من الكمال بحيث لا يلتفت الذهن إلى غيره، والتعين قد يدعو إلى الحذف احترازا عن العبث، وقد يدعو إليه إفادة للتعين، والمراد هنا الثاني، لكن الأظهر أن يقول: أو لإفادة التعين، ويفترق التعين عن الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر في قولك:
خالق لما يشاء؛ إذ لا عبث في ذكر الله في الظاهر مع تعينه؛ لأن فوائد ذكره لا تحصى، ولا يخفى، وجعل (أو تعينه) توطئة لقوله (أو ادعاء تعينه) مخالفة السوق، ومباعدة الذوق، وكذا جعله تفصيلا لبعض ما يوجب الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر.
(أو نحو ذلك) أفرد الإشارة لكونه إشارة إلى أحد الأمور المستفادة من الترديد، وقد عرفت من النحو غير بعيد، فلا نعيد. ومن النحو اتباع الاستعمال الوارد على وجوب الحذف سماعا كما في: رمية من غير رام، أو شنشنة أعرفها من أخزم، أو قياسا كما في الحمد لله الحميد، بالرفع فإنه لا يجوز هو الحميد، كذا قالوا، وفيه بحث، لأن الحذف هنا للاحتراز عن مخالفة القياس، أو ضعف التأليف، فهو من متعلقات البلاغة التي مرجعها غير علم
стр. 288
البلاغة، ولا تتعلق له بمقتضى الحال الذي من وظيفة المعاني.
ومنه الحذف لضيق المقام بسبب تضجر وشآمة، أو فوات فرصة، أو محافظة على وزن، أو سجع أو قافية، فإن قلت: إيجاب السجع أو القافية حذف المسند إليه خفي؛ إذ القافية حينئذ غيره، وكذا آخر لفظ السجع، وهو يحصل بجعل ذلك الغير قافية أو آخر سجع بدون حذف المسند إليه! ! قلت: إذا توقف النظم أو حسن السجع على حذف المسند إليه أو غيره ويكون الغير قافية أو آخر السجع بحذف المسند إليه للمحافظة على القافية أو السجع.
قال الشارح المحقق: وقد يكون من حذف المسند إليه حذف الفاعل، وحينئذ يجب إسناد الفعل إلى المفعول، ولا يفتقر هذا إلى القرينة الدالة على تعيين المحذوف؛ بل إلى مجرد الغرض الداعي إلى الحذف، مثل: قتل الخارجي لعدم الاعتناء بشأن قاتله، وإنما المقصود أن يقتل ليؤمن من شره، وفيه بحث، لأنه لا يجب إسناد الفعل بل إسناد الفعل أو اسم المفعول، ولو أريد بالفعل ما يعم شبهه يشكل بفاعل المصدر، فإنه يحذف، ولا يجب إسناد المصدر إلى المفعول، ولأنه يحذف الفاعل في: اضربنّ، واضربن، واضربوا القوم، واضربي القوم، وضرب القوم، وضربا القوم، مما لا يحصى.
ولا يجب الإسناد إلى المفعول ولأن المحذوف هنا ليس مجرد المسند إليه، بل المسند والمسند إليه، ويجب الداعي بحذف الجملة لا بحذف المسند إليه، بل لتبديل جملة بجملة، والداعي أن لا غرض متعلقا بإفادة صدور الفعل، بل الغرض إفادة وقوع الفعل على المفعول، ولأنه ربما يحذف الفاعل.
ولا يجب الإسناد إلى المفعول، وتجب القرينة والغرض الداعي نحو يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (١) أي الملة التي هي أقوم، حذف إشعارا بأنه بلغ من الفخامة مبلغا لا يمكن ذكره، ونحو: جاء القرية بمعنى أهل القرية.
[وأما ذكره فلكونه إلخ]
(وأما ذكره فلكونه) أي الذكر لا ذكر المسند إليه كما توهمه عبارة المفتاح، حيث قال أو لأن الأصل في المسند إليه كونه مذكورا؛ إذ أصالة الذكر لا يخص شيئا، (الأصل) الذي لا يعدل عنه إلا بسبب، ولا مقتضى للحذف كذا في
стр. 289
الإيضاح، فإن قلت: لا يتوقف اقتضاء كون الذكر الأصل للذكر على انتفاء مقتضى الحذف؛ بل يكفي انتفاء القرينة (١)! ! .
قلت: كأنه لم يرد بالمقتضى ما يزيد على المصحح، بل ما يندرج فيه المصحح، إذ بوجود المصحح يتم المقتضى، ويثبت الاقتضاء، وجعله أول نكتة، والمفتاح أخر ذكره عن الكل، وكأن المفتاح جعله نكتة متبذلة، ولهذا قال السيد السند الذكر لكونه أصلا لا يوجب نكتة زائدة على كونه أصلا، والحذف لمخالفته الأصل يوجب نكتة باعثة عليه، معتدّا بها، فالحذف أعرف وأقوى في اقتضاء المعاني الزائدة على أصل المعنى، التي هي المقاصد في علم المعاني، فلذا يقدم الذكر.
والمصنف خالفه وجعله نكتة غريبة لا تنالها إلا أيدي نظر الخواص؛ لأنه لا يحتاج إلى معرفة أنه ليس في المقام شيء من مقتضيات الحذف، وهذه شأن الأنظار الجليلة، لكن ينبغي أن يذكر معه ولا مقتضى للعدول عنه، ولا يفوته القيد الذي به صار جليلا كما فات المفتاح.
(أو للاحتياط لضعف التعويل) على القرينة (أو التنبه على غباوة السامع) أو لغباوة السامع، أو توبيخه بالغباوة (أو زيادة الإيضاح والتقرير) إما للمسند إليه، أو لغرض تعلق بتكرير المسند إليه، كما في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢) حيث كرر اسم الإشارة، ولم يكتف في الحكم الثاني بما ذكر من اسم الإشارة للتنبه على أن هؤلاء الموصوفين بشرف الإيمانين ممتازون بكل من يستخر الهدى وكمال الفلاح، وكل منهما يكفي في تمييزهم فلإيضاح هذا الغرض ذكر المسند إليه، ولم يحذف بنصب القرينة على تقديره؛ إذ مع الحذف لا يتضح التكرار كمال الاتضاح، ولا يفصح عن الغرض المذكور كمال الإفصاح، وبهذا ظهر فساد رأي من قال: ليس الآية من قبيل اختيار الذكر على الحذف، إذ لو ترك (أولئك) الثاني لم يكن مقدرا بل كان ما بعده معطوفا على مسند «أولئك» الأولى.
(أو إظهار تعظيمه) لأن اللفظ مما يدل على كمال أو لتعظيمه (أو إهانته)
стр. 290
إذا كان اللفظ مما يدل على نقصان (أو التبرك بذكره أو استلذاذه) أي وجدانه لذيذا أو إظهار هذه الأمور (أو بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب) قيل:
الأولى حيث السماع مطلوب للمتكلم؛ ليصح التمثيل بقوله: (نحو: هِيَ عَصايَ) (١) إلا فهو تعالى منزه عن الإصغاء، والأذن، وأقول أشار إلى أن القرآن نازل على لسان العباد عومل فيه معاملتهم في محاوراتهم، وينبغي أن يقول حيث زيادة الإصغاء مطلوب؛ لأن الإصغاء يحصل مع حذف المسند إليه بذكر المسند، وما يتعلق به، ولا يقتصر البسط على ما ذكره، بل ربما كان له دواع أخر، كالابتهاج والافتخار، وحيث للمكان أي في مكان الإصغاء مطلوب فيه، ولا قرينة على جعله مستعارا للزمان، حتى يصح تجويزه، ومما ينبغي أن يتنبه عليه- ولا تغفل- أن قوله: أو نحو ذلك في بحث الحذف في تركه في هذا البحث ليس لأن نكات الذكر استوفيت بالتفصيل، بخلاف نكات الحذف، فاحتيج إلى إشارة إجمالية إلى ما بقي هنالك، بخلاف هذا البحث، بل الإجمال فيما سبق إشارة إلى أن الأحوال المقتضية للخصوصيات ليست سماعية صرفة، بل مدارها على العقل السليم والطبع المستقيم، وتركها هاهنا للاكتفاء بالإشارة السابقة، وهكذا عادته كما سنشاهد أنه قد يأتي بالإشارة الإجمالية، وقد يتركه متابعة لدأب المفتاح.
ولا يخفي أن كون الذكر لأمثال هذه النكات لا يختص بما إذا قامت قرينة مصححة للحذف، حتى إذا لم تكن قرينة كان الذكر لانتفاء القرينة، لا لشيء من هذه النكات، إذ لا تزاحم بين أسباب الذكر. فقول الشارح المحقق: هذا كله مع قيام القرينة بظاهره لا يتم، والصواب: أن هذا كله يكون مع قيام القرينة، ومما ذكره المفتاح أنه قد يكون الذكر لكون الخبر عام النسبة إلى كل أحد، وأريد تخصيصه وتركه المصنف، لأنه زعم أنه فاسد؛ لأنه إن قامت قرينة على الخصوص فكونه عامّا، وإرادة التخصيص لا يوجب الذكر، وإن لم تقم قرينة فالذكر واجب لعدم قرينة الحذف، لا لاقتضاء عموم النسبة، وإرادة التخصيص،
стр. 291
ودفعه الشارح المحقق بأن ينقح كلامه أنه قد يكون الذكر لانتفاء القرينة إلا أنه جعل عموم النسبة وإرادة التخصيص تفصيلا لذلك الانتفاء، لأنه بانتفاء كون الخبر خاصّا ينتفي قرينة الخصوص، وبانتفاء إرادة العموم ينتفي قرينة العموم، واعترض عليه السيد السند بأن عموم النسبة مع إرادة الخصوص بجامع مع قرينة الخصوص كأن يكون جوابا لسؤال أو غير ذلك. نعم يوجب عدم كون الخبر قرينة على المسند إليه وانتفاء كون الخبر قرينة لا يستلزم انتفاء القرينة مطلقا، والجواب أن مراد الشارح بعموم النسبة عمومه في هذا المقام، وشموله لمتعدد؛ وهو يستلزم انتفاء دلالة الخبر على الخصوص، وانتفاء دلالة غيره أيضا، وإلا لم يكن الخبر في هذا المقام عام النسبة إلى متعدد. ونحن نرده على الشارح بأن مراد المصنف أن الذكر لعدم القرينة لتحصيل فصاحة الكلام، والاحتراز عن التعقيد اللفظي؛ لأن الحذف بلا قرينة خلل في النظم، يوجب كون اللفظ غير ظاهر الدلالة، ولأنه مخالف القانون النحوي، لأن حذف المبتدأ عندهم لا يكون إلا لقيام قرينة، فلا تعلق له بهذا العلم، بل يكون مرجعه علم النحو.
والجواب عن اعتراض المصنف أنه كما يكون الحذف لمجرد التعميم لأنه إذا حذف المسند والخبر عام، ولا قرينة على الخصوص- يحمل الكلام على عموم الحكم، دفعا للترجيح بلا مرجح، بكون الذكر عند قصد التخصيص، والخبر عام النسبة لئلا يتبادر الذهن إلى أن الحذف لمجرد التعميم، لشيوع الحذف لذلك، فمع وجود القرينة على الخصوص بذكر المسند إليه الخاص، لئلا يفهم في بادئ الرأي العموم ويغفل عن القرينة ورعايته.
(وأما تعريفه) أي جعل المسند إليه معرفة وهو ما وضع ليستعمل في شيء بعينه أما وضع لشيء بعينه والأول هو المشتهر بين الجمهور، والثاني هو الذي حققه بعض المتأخرين، وهو المعتبر المنصور، وإن أردت كمال تحقيقه فعليك بشرح الرسالة الوضعية لنا، فإنا بذلنا فيه جهدنا المقدور.
وبالجملة لترجيح التعريف على التنكير نكتة هي ملاك التعريف، ولا بد منها في اختيار كل قسم من أقسام التعريف، إذ اختيار كل قسم منها في إفادة المسند إليه مثلا، أن مقام الإفادة لطالب التعريف يقتضيه، وقد بينه المفتاح، وكأنه
стр. 292
تركه المصنف ظنّا منه أن العام لا يتحقق إلا في ضمن الخاص، فنكتة الخاص يكفي لإيراد العام، وليس كذلك لما عرفت أن اختيار الخاص لنكتة تدعو طالب التعريف إليه، وهذا أتم مما قيل: ارتفاع شأن الكلام بأن لا يغفل من نكتة العام بعمومه، ومن نكتة الخاص بخصوصه، وقد تنبه المصنف لذلك فأوردها في الإيضاح (١)، وهي قصد إفادة المخاطب فائدة كاملة معتدا بها، وفائدة الخبر إما الحكم بكون المسند للمسند إليه، وإما الحكم بعلم المتكلم بها، وكلما زاد على أصل الحكم بشيء على شيء خصوص زاد الفائدة، لكن ما لم يوجب البعد عن حد الوقوع إلى أن لا يقبل الخبر من المتكلم، وخصوص الحكم إما بخصوص المسند إليه إما بالتعريف أو التقييد، أو تكثير المحكوم عليه بالتعميم، لا على سبيل الترديد، وإما بغير ذلك، ولكل مقام، كما أن لكل قسم من التعريف مقاما ولذا فصل.
وبما ذكرنا نقحنا ما ذكروا في هذا المقام واندفع ما يرد على قولهم، كلما كان الحكم أبعد كانت الفائدة في الإعلام به أقوى، لأنه لا يتم لأن الحكم ربما يخرج بالبعد عن خبر القبول، واندفع ما يتجه على كون الفائدة في المعرفة أتم أنه يمكن تخصيص النكرة بالوصف حتى لا يشارك فيه غيره، ولا يكون للمعرفة عليه مزية، وذلك لأنه خصوص حصل بما زاد على التنكير من الوصف، وناب مناب التعريف، وله مقام ربما لا يوجد حيث وجد مقام التعريف. وأما ما ذكره الشارح من أن التعريف أتم من هذا التخصيص لأنه وضعي بخلاف تخصيص النكرة قبيحة عليه أن الفائدة التي تدور على الخصوص بعد فهم الخصوص لا محالة من النكرة المخصوصة، لا يمكن أن يكون في المعرفة أقوى، لكون الخصوص فيه وضعيّا. على أنه إن أراد الوضع الإفرادي فلا يوجد في المعرف باللام والمضاف، وإن أراد ما يعم الوضع التركيبي فيوجد في النكرة الموصوفة، واندفع أيضا ما يرد على قولهم: كلما ازداد المسند إليه خصوصا ازداد الحكم بعدا وصارت فائدة الحكم أتم، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وصارت أنقص، من أن:
جاءني كل عالم أبعد من: جاءني زيد؛ إذ قد عرفت أن المراد العموم على سبيل
стр. 293
الترديد، والعموم الذي يربى الحكم العموم على سبيل الاجتماع.
[وأما تعريفه]
[فبالإضمار ٢٩١ - ]
وقوله (فبالإضمار) يشعر بأنه بصدد تفصيل أقسام التعريف، والمقام يقتضي كونه بصدد تفصيل أعراض كل قسم، فالأولى: وأما تعريفه بالإضمار؛ فلأن المقام أي الموضع.
واعلم أنه فاتهم بيان الغرض من التعريف بالنداء، وهو وإن كان بمعزل عن تعريف المسند إليه والمسند، لكن بحث التعريف لا يخص شيئا منهما إلا صورة، والباحث يتكلم عليك في معرفة الغرض منه في غيرهما من أجزاء الكلام، فنقول، أما التعريف بالنداء في قولك: يا رجل، فللإشارة إلى حصة معية من الجنس، فهو بمنزلة اللام في العهد الخارجي، وربما يقصد به تعيين الجنس، لاعتباره في ضمن كل فرد، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ (١) قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ (٢) فهو بمنزلة اللام الاستغراقي وهم لم يجعلوا يا رجلا في شيء من التعريف، وقالوا لم يقصد فيه، إلا النداء، كما في يا زيد، وحرف النداء لا يلزمه قصد التعريف، ولك أن تجعله لقصد تعريف الجنس، إلا أنه اعتبر في ضمن فرد ما فيكون بمنزلة اللام في العهد الذهني، إلا أن التزام وصفه بالنكرة يؤيد اعتبارهم، وقدم التعريف في أحوال المسند إليه لأنه الأصل فيه، كما أنه قدم التنكير في أحوال المسند لأنه الأصل فيه، وقدم المضمر لكونه أعرف المعارف، وبنى عليه ترتيب الذكر في الضمائر الثلاثة، إلا أنه لم يراع ذلك في تقديم الموصول على اسم الإشارة، والأولى أنه قدم الضمير لأن مباحث تعريف الاسم الظاهر كثيرة، فأراد الاشتغال بها بعد فراغ البال عما في الضمير.
(لأن المقام للمتكلم والخطاب والغيبة) يعني ولا مقتضى للعدول عنه، وإلا فقول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا في مقام التكلم والخطاب، وهو توجيه الكلام إلى حاضر، والغيبة كون الشيء غير مخاطب ولا متكلم، أي إذا كان الموضع موضع كون المسند إليه متكلما أو مخاطبا أو غائبا، وفيه أن كون الشيء غائبا لا يستدعي الإضمار؛ لأن الأسماء الظاهرة كلها غيب، ولهذا عرف الضمير
стр. 294
الغائب بما وضع لغائب تقدم ذكره، لفظا أو معنى أو حكما، ولم يعرف بمجرد ما وضع بغائب.
والبيان الوافي ما في المفتاح: يدل قوله أو الغيبة أو كان المسند إليه في ذهن السامع لكونه مذكورا أو في حكم المذكور لقرائن الأحوال، ويراد الإشارة إليه، فلما اختصر كلامه اختل.
وبعد اعتبار قيد التقدم وإرادة الإشارة إليه يتجه أنه لا يتعين الإضمار لجواز المعرف بلام تعريف العهد إلا أن يرجح الضمير بكونه موضوعا له بالوضع الإفرادي، والمعرف بلام العهد، وخيل في ذلك فمقام الضمير الغائب أن يتقدم الذكر، ويراد الإشارة إليه من حيث إنه حاضر في ذهن السامع لذلك الذكر، حتى لو تقدم ولم يقصد الإشارة إليه من هذه الحيثية لم يضمر نحو وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ (١). وقولك: إن جاءني زيد جاءني رجل فاضل، وكون التعريف بالإضمار لأن المقام لأحد الأمور لا ينافي أن ضمير المخاطب قد لا يكون معرفة، كما إذا كان لغير معين، وأن الضمير الراجع إلى نكرة محضة لا يكون معرفة على تحقيق الشيخ الرضى.
على أن مقام الخطاب لا يكون فيه ضمير مخاطب غير معين، لأن الخطاب توجيه الكلام نحو الحاضر، فلا يحتاج إلى تزييف مذهب الشيخ الرضى، وجعل أصل الخطاب منصوبا معطوفا على اسم إن، أي التعريف بالإضمار؛ لأن المقام للخطاب.
[وأصل الخطاب]
(وأصل الخطاب أن يكون لمعين) واحدا كان أو كثيرا، عدل عن عبارة المفتاح: أن يكون مع معين لأن استعمال الخطاب مع اللام أشدّ، إذ يقال خاطبته، ولا يقال خاطبت معه.
(وقد يترك إلى غيره) أي قد يترك الخطاب لمعين قصدا إلى غير معين (ليعم) الخطاب (كل مخاطب) أي كل من يصلح له على سبيل البذل، ونحن نقول:
قصد الخطاب إلى المهيئة في ضمن كل فرد كما في يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ* فهو خطاب للجميع، فكما لا عدول لو قيل: (ولا ترون إذ المجرمون) لا عدول في (ولو
стр. 295
ترى) وهما بمثابة واحدة، فافهم.
ولا يخفى أن خطاب الغير المعين من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر للعدول إلى غير معين؛ بل هو عند التحقيق من قبيل وضع المضمر موضع المظهر، فإن قوله (ولو ترى) الظاهر فيه لو يرى كل أحد، فمقتضى الظاهر أن لا يذكر هنا، بل ذكره هنا يخل بقوله فيما بعد هذا كله مقتضى الظاهر، ولا يخفى أن أصل الخطاب أن يكون لمشاهد، وقد يترك إلى غيره لجعله كالمشاهد لغرض من الأغراض، نحو إِيَّاكَ نَعْبُدُ (١) (نحو وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ) (٢) فإنه لم يقصد بالخطاب معين ليعم صورة الخطاب كل مخاطب، قصد إلى ظهور فظاعة حال المجرمين في ذلك الوقت، وإليه أشار بقوله (أي تناهت حالهم في الظهور) وانكشف فظاعتها لأهل المحشر، إلى حيث يراها كل راء.
(فلا يختص به) أي بالخطاب، وفي بعض النسخ بها أي بالمخاطبة، أو فلا يختص بالإبصار أو بالرؤية (مخاطب) دون مخاطب، فإن قلت: التنبيه على عموم الرؤية ينافي في إبرازها في صورة الممتنع بدخول لو الامتناعية عليه! ! قلت:
إدخال لو الامتناعية عليه للإشعار بأنها مع عمومها تكاد تمنع لفظاعة حالهم، وعدم وفاء طاقة أحد بمشاهدتها، وفي الإيضاح: وقد يترك إلى غير معين نحو فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد مخاطبا بعينه، بل تريد إن أكرم أو أحسن إليه فيخرجه في صورة الخطاب ليفيد العموم، وهو في القرآن كثير، نحو (ولو ترى) الآية. أخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم، يريد تخرجه في صورة الخطاب، من غير أن يكون حقيقة، ليفيد عموم كل مخاطب، فإفادة العموم لانتفاء حقيقة الخطاب، وتعلق العموم بكل مخاطب بصورة الخطاب، وهكذا قوله: أخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم، وقد صعب على الشارح المحقق سلوك الجادة، فعدل إلى طريق غير مسلوك، وتوهم المحجة الواضحة مسلكا هو المشكوك، وقال قوله ليفيد العموم، متعلق بقوله فلا تريد به مخاطبا بعينه، لا بقوله فيخرجه في صورة الخطاب لفساد المعنى، وكذا
стр. 296
قوله لما أريد العموم متعلق بما يدل عليه الكلام، أي يحمل على هذا أعني قوله عدم إرادة معين لإرادة العموم.
[وبالعلمية]
(وبالعلمية) عطف على قوله بالإضمار أي جعل المسند إليه معرفة بكونه علما، والأولى بجعله علما، وجعله معرفة، وجعله مضمرا، إلى غير ذلك عبارة عن إيراده كذلك، إذ لا صنع للبليغ إلا الإيراد، والعلم ما وضع لشيء بشخصه، إن لم يكن علم الجنس علما عند أصحاب فن البلاغة؛ لأنه دعت إليه ضرورات نحوية، هم في سعة عنه ولا يكون غير العلم موضوعا لشيء بشخصه بناء على أن ما سوى العلم معارف استعمالية، حيث وضعت لمفهومات كلية، وشرط في حين الوضع أن لا يستعمل إلا في معين، وإلا فلا قدرة على وضعها لأمور معينة، لا يمكن ضبطها وملاحظتها حين الوضع، وحينئذ يلزم أن تكون المعارف سوى العلم مجازات لا حقائق لها، ولو كان كذلك لما اختلف أهل اللغة في وجود مجازات لا حقائق لها، ولم يتمسك القائل به بأمثلة نادرة له، ويرد على قولهم لا قدرة على وضعها لأمور لا يمكن ضبطها، وملاحظتها حين الوضع، لكثرتها ولعدم خطور بعضها منها بخصوصه في القلب- أنه كيف صح منكم اشتراط أن لا يستعمل إلا في واحد معين من طائفة من المعينات فيما ضبطتم المستعمل فيه يمكن أن يضبط الموضوع له، ويوضع له، فلذلك قيل: ما سوى العلم وضع لأشياء معينة ملحوظة بذلك المفهوم الكلي، الملحوظة هي به لاشتراط أن لا يستعمل إلا في واحد منها بعينه، فالوضع كلي، والموضوع له جزئي، على خلاف الوضع للمفهوم الكلي فإن الموضوع له فيه كلي كالوضع، وعلى خلاف وضع العلم فإن الموضوع له شخص ملحوظ، حين الوضع بشخصه، فالوضع جزئي كالموضوع له، فهذه أوضاع ثلاثة لا رابع لها، فحينئذ لا يتم تحديد العلم بما وضع لشيء بشخصه، لصدقه على ضمير المتكلم، مثلا بل ينبغي أن يقال ما وضع لشيء بشخصه دون غيره في ذلك الوضع.
وهاهنا إشكالان قويان:
أحدهما: أن القول بأن ما سوى العلم موضوع لمفهوم كلي للاستعمال في جزئي بعينه من جزئياته، أو موضوع لجزئيات معينة ملحوظة بمفهوم كلي-
стр. 297
منقوض بالمعرف بلام الجنس، فإنه موضوع للمفهوم الكلي المتعين الملحوظ بنفسه، إذ لا ضرورة تدعو إلى الوضع له بوسيلة مفهوم أعم.
وثانيهما: أن العلم ليس موضوعا لشيء بعينه ملحوظا بعينه؛ لأن الموضوع للشخص من وقت حدوثه إلى فنائه لفظ واحد، والتشخص الذي لوحظ حين الوضع يتبدل كثيرا، فلا محالة يكون اللفظ موضوعا للشخص بكل تشخص ملحوظ بأمر كلي، فالعلم كالمضمر، ويمكن الجواب عن الأول بأن لام التعريف حرف وضع لمفهوم كلي للاستعمال في الجزئيات، أو لتلك الجزئيات على اختلاف الرأيين، وتلك الجزئيات ملحوظة بالمفهوم الكلي، وهو تعيين مدخوله تارة، وتعيين حصة منه تارة، إن كان مشتركا لفظيا بين تعيين الجنس، وتعيين الحصة، وتعيين مدخوله، أو حصة منه إن كان مشتركا معنويا بينهما.
وبالجملة مدخوله موضوع بالوضع التركيبي أو كالموضوع بالوضع الإفرادي لعدم استقلال اللام؛ فكأنه موضوع مع اللام جملة على ما صرح به بعض محققي النحاة لكل معين هو مفهوم مدخوله، أو حصة منه، فوضع المعرف بلام الجنس المعين كلي، والموضوع له جزئي، كسائر المعارف غير العلم وعن الثاني بأن وجود المهيئة لا ينفك عن تشخص باق ببقاء الوجود، يعرف بعوارض بعده، وتلك العوارض تتبدل، ويأخذ العقل تلك العوارض المتبدلة أمارات يعرف بها ذلك التشخص، فاللفظ موضوع للمشخص بذلك التشخص، لا المتشخص بالعوارض، ولو كان التشخص بالعوارض لكان للجزئي أشخاص متحدة في الوجود، وما اشتهر من أن التشخص بالعوارض مسامحة مؤولة بأنه بأمر يعرف بعوارض.
وأما إن ذلك التشخص هل هو متحقق مبرهن أو مجرد توهم فلا حاجة بنا إليه في وضع اللفظ للشخص، لأن أياما كان يكفي فيه.
بقي أن العلم لو كان موضوعا لشخص بعينه لما صح وضعه لما لم يعلم بشخصه، والوضع لما يعلم بشخصه كثير، إذ الآباء يسمون أبناءهم المتولدة في غيبتهم بإعلام، وتأويله بأن تسمية صورة وأمر بالتسمية حقيقة، أو وعد بها بعيد، وإن الوضع في اسم الله يشكل حينئذ لعدم ملاحظته بعينه وشخصه حين الوضع، ولعدم العلم بالوضع له بشخصه للمخاطبين به، وإنما يفهم منه معين مشخص في
стр. 298
الخارج بعنوان منحصر فيه، إلى أن يراد بالشيء بشخصه كونه متعينا بحيث لا يحتمل التعدد بحسب الخارج، ولا يطلب له منع العقل عن تجويز الشركة فيه، ولقد أطنبنا في تحقيق التعريف؛ لأنه ما لا بد منه في توضيح هذا البحث، ولبحث التعريف كله شرب منه، فلعلك تجتنب الشكوى عن إسهاب الإطناب بعد التمتع بالعذب القامع للعطش، الملجئ إلى اقتفاء السراب.
(لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به) وهذه نكتة جليلة عامة مختصة بالعلم حرية بالتقديم على سائر النكات، حيث لا يوجد في نكرة لأنه إحضار لها لمدلوله بعينه، ولا باسم مختص به، والإحصار بعينه في ضمير الغائب العائد إلى العلم أو المعرف بلام العهد؛ إذ المعرف بلام العهد المذكور تحقيقا ليس ابتداء، ولا باسم مختص به، والإحضار بعينه ابتداء بضمير المتكلم، والمخاطب، واسم الإشارة، والمعرف بلام الجنس، وغيره، ليس باسم مختص به، وأخرج أيضا بقوله ابتداء الإحضار بالعلم ثانيا، فإن بعضا منه من خلاف مقتضى الظاهر، كما في اللَّهُ الصَّمَدُ (١) بعد قوله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٢) وإن كان البعض مقتضى الظاهر كما في قولك: جاء زيد زيد.
والإحضار باسم مختص به وإن خص العلم زيد لكن ليس له هذه الجلالة، إذ ليس فيه الترجيح على النكرة وضمير الغائب، والمعرف بلام العهد بمتعدد، ولو ترك قيدا من القيود لصارت النكتة شيئا آخر، فلا بد لبيانها من القيود كلها، وليس القيود لمزيد تحقيق، وتفصيل للنكتة كما ذهب إليه الشارح، والسيد- قدس سرهما- حيث قالا: لا بأس بإغناء القيد المتأخر عن جميع ما يقدم؛ لأنه يحصل به الاحتراز عن جميع ما احترز عنه بالقيود الأخر؛ لأن القيود لتحقيق مقام العلمية كما في التعريفات، وبهذا عرفت أن للتعريف بالعلمية نكات أخر ترشدك إليها هذه النكتة، فحصل عددها، بعد ما حصّلت لك عددها.
فإن قلت: الإحضار بعينه حاصل بالرحمن مع أنه ليس علما، قلت: المراد الاختصاص بالوضعي، واختصاصه استعمالي، ومن النكات الجليلة وإن لم
стр. 299
تسمعها من أحد أن الأصل في إحضار خصوص الذات العلم؛ لأنه وضع لذلك بخلاف غيره، فإنه وضع لغرض أعم، ربما يتفرع عليه إحضار خصوص الذات.
(نحو قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تمثيل في وجه، وتنظير في وجه تعرفه إن بلغك التفسير، وإلا له معرف باللام من الأعلام الغالبة، وبعد حذف الهمزة من الأعلام المختصة، فالله علم بالغلبة نظرا إلى أصله، ومن الأعلام المختصة نظرا إلى نفسه.
قال السيد السند: يجوز أن يكون حذف همزته على غير قياس، فيكون التزام الإدغام قياسا، وأن يكون عكس ذلك بيان ذلك أنه لو حذفت الهمزة على غير قياس تكون محذوفة مع الحركة، فيلزم اجتماع مثلين ساكن ومتحرك، ويجب الإدغام، وإن حذفت بنقل الحركة إلى ما قبلها يكون حذف الهمزة قياسا، ويكون وجوب الإدغام غير قياس؛ لأن المثلين المتحركين لا يجب فيها الإدغام إذا كان من كلمتين نحو ما سَلَكَكُمْ (١) ومَناسِكَكُمْ (٢) ونحن نقول: لما جعل اللام عوضا عن الهمزة وصار بمنزلتها صار اجتماع المتجانسين في كلمة واحدة، فوجوب الإدغام قياس أو فليكن وجوب الإدغام بعد العلمية، لأن الاجتماع في كلمة واحدة. ومنهم من أنكر علميته وقال إنه اسم للمفهوم الكلي المنحصر فيه، يقال من الواجب لذاته أو المستحق للعبودية لذاته وكأن منشؤه أنه يشكل عليه إمكان وضعه له تعالى بشخصه، وترتيب فائدة هذا الوضع، وقد تقدم ما يتعلق به.
وقال الشارح المحقق: هذا سهو مبناه الغفلة عن كلمة التوحيد، فإنه يفيد التوحيد بمفهومه اتفاقا، من غير اعتبار قيد في مفهوم لفظ منه، واستثناء المفهوم الكلي من الإله لا يفيد التوحيد لأنه لا يزيد على الإله بشيء، فلو كفى في التوحيد لكفى إثبات الإله على أنه لو أريد بالإله المعبود مطلقا لزم الكذب إذ عبد غير الله، ولو أريد المعبود بحق لزم إخراج جميع أفراد المستثنى منه بالاستثناء، وأنه باطل، فيجب أن يكون الإله بمعنى المعبود بحق، والله علما للفرد الموجود
стр. 300
منه.
وفيه بحث؛ لأن الله إذا كان علما للفرد الموجود منه لكن لا يكون حاصلا في عقولنا إلا بمفهوم الواجب لذاته، والمتصف به- محتمل لمتعدد، كالإله بحق، فلا يحصل باستثنائه إثبات ما هو مطلوب بالاستثناء على وجه يوجب التوحيد.
وأيضا لما انحصر الإله بحق فيه يكون استثناء إخراج جميع ما تحت المستثنى منه، فمناط التوحيد على نفي وجود ما يتوهم معبودا بالحق، وإثبات ما هو المستحق للعبودية في الواقع، أو الواجب لذاته، وهو يكفي لانحصاره في ذات واحدة، فالمعنى لا إله مما يجوز العقل كونه معبودا بحق إلا الواجب لذاته في الواقع، ولا تفاوت في ذلك كون الله بمعنى الواجب لذاته أو بمعنى شخص معين ملحوظ بمفهوم الواجب لذاته، نعم كونه بمعنى الشخص أنسب بمقام التوحيد كما لا يخفى على الفطن والبليد.
(أو تعظيم أو إهانة) والعريق الواضح في ذلك الألقاب لأن الغرض من وضعها الإشعار بالمدح والذم، وقد يتضمنها الأسماء وإن لم يقصد بالوضع إلا تميز الذات لكونها منقولات من معان شريفة أو خسيسة، كمحمد وعلي وكلب، أو لاشتهار الذات في ضمنها بصفة محمودة أو مذمومة، كحاتم ومادر، وبعد الألقاب في ذلك الكنى كأبي الفضل وأبي الجهل، وإنما قال تعظيم أو إهانة دون تعظيمه أو إهانته تعميما للداعي؛ فإنه قد يقصد تعظيم غير المسند إليه أو إهانته نحو أبو الفضل صديقك، وأبو الجهل رفيقك، ومن نكات العلمية الحث على الترحم نحو أبو الفقير يسألك.
(أو كناية) أي تعريف المسند إليه العلمية لقصد كناية بالعلم، تفوت لولا العلم، نحو أبو لهب فعل كذا، عبر عن المسند إليه بأبي لهب؛ لينتقل منه إلى كونه جهنميّا، باعتبار معناه الأصلي، فإن المعنى الأصلي الذي يقصد البليغ الإشارة إليه بهذا العلم من تولد منه النار، وتولد النار منه باعتبار كونه وقودا للنار، والنار التي وقودها الناس نار جهنم، قال تعالى فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ (١) وهذا وجه بديع.
стр. 301
وقال غيرنا: معنى أبي لهب ملابس النار ملابسة ملازمة، وهو لازم الجهنمي؛ لأن اللهب الحقيقي لهب نار جهنم، فإن قلت: لم لم يكتف في المعنى الكنائي بكونه وقود النار في جهنم، أو ملابستها فيه، واعتبر الانتقال منه إلى كونه جهنميّا؟ قلت: لأن كونه جهنميّا يفيد عذابه بالنار، وغيرها مما في جهنم، فإن قلت: المعنى الحقيقي لا يكون مقصودا في الكناية، وهنا قصد الذات المعين! ! قلت: المعنى الأصلي في نظر البليغ كونه مولدا للنار أو ملازما لها، وهو لم يقصد هاهنا، بل توسل به إلى قصد الجهنمي، فإن قلت: المعنى الأصلي ليس معي حقيقيّا لأبي لهب لأنه حيوان يتولد من نطفته اللهب، قلت: الأكثر في الكناية إرادة لازم الموضوع له، وقد يكون المعنى الأصلي فيه معنى مجازيّا كثر الاستعمال فيه، حققه صاحب الكشف، وستطلع عليه.
وقد يقصد بأبي لهب لازم الذات، وهو الجهنمي لاشتهار الذات في ضمن هذا اللفظ به، فأبو لهب فعل كذا معناه حينئذ جهنمي فعل كذا، وأبو لهب كناية عن الصفة كما تقول: جاءني جبان الكلب، وتريد جاءني مضياف، فحينئذ أبو لهب منكر بإرادة الوصف المشتهر به مسماه في ضمنه له، وهو بمعزل عن مقام التعريف بالعلمية، فلا ينبغي أن يحمل الكناية هنا عليه، ولا أن يجعل من المحتملات كما ذهب إليه السيد السند، ولا يصح إنكار فهم الجهنمي منه بهذا الاشتهار لسند أنه لو قيل هذا الرجل فعل كذا مشارا به إليه لم يفهم كونه جهنميّا، كما زعمه الشارح المحقق؛ لأن اشتهار الذات بالوصف في ضمن لفظ لا يستدعي فهمه من أي لفظ عبر به عن الذات، ولا يصح أن يكون جاءني حاتم للاستعارة بشخص آخر باعتبار أنه بمنزلة جواد، لاشتهاره به، من نكات التعريف بالعلم؛ لأنه حينئذ ليس علما ولا معرفة؛ لكن من النكات قصده الإشارة إلى صفة له يشعر بها العلم إما لاشتهار الذات بها في ضمنه نحو جاءني حاتم وإما لإشعار معناه الأصلي بذلك نحو: أبو الجهل، وأبو المحاسن الأصلي.
(أو إيهام استلذاذه) أي وجدانه لذيذا نحو قوله:
تالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر (١)
стр. 302
أضاف ليلى إلى نفسه حين كونها من الظبيات في التوحش والاجتناب من الناس، ولم يرض بتلك الإضافة حين كونها من البشر لكمال غيرته.
(أو التبرك به) أو نحو ذلك المذكور من كل واحد من تلك الأمور من التفاؤل والتطير، والتسجيل على السامع، أو غير ذلك مما ذكرنا نحوا منه.
[وبالموصولية]
(وبالموصولية) ينبغي أن يجمع التعريف بالموصولية مع التعريف باللام لكونهما في مرتبة، ويذكر التعريف باسم الإشارة بعد العلم لكونه بعده في المرتبة، وإنما ترك بيان المصحح للموصولية لأنه معلوم من النحو، ولذا تركه في سائر المعارف، والمفتاح ذكره في بعض تذكيرا لما عسى أن يغفل عنه المتعلم، لبعد عهده عن موضوع بيانه، وبتركه في بعض إشارة إلى أن بيانه ليس من موجبات كتب الفن.
وأشار إلى ما هو وظيفة الفن في بيان الموجب أو المرجح، والمرجح كما يكون بالنسبة إلى بعض ويكتفي به البليغ بكون الموجب أيضا كذلك، فعدم العلم بما سوى الصلة من الأمور المختصة موجب للموصول بالنسبة إلى العلم، وإن أمكن إيراده حينئذ بالمعرف الموصوف بالموصول مرجح له بالنسبة إليه، لأن ذكر الموصوف لغو فلا ينبغي أن يكذب الإشارة إلى تفصيل الباعث الموجب، والمرجح أنه لا موجب فيما ذكره (لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة كقولك الذي كان معنا أمس رجل عالم) وهذه النكتة لا تخص الموصول؛ بل تجري في العلم، واسم الإشارة، والمضاف، والمفتاح ذكره فيها أيضا، ولا بهذا القدر؛ بل تكون لعدم علم المتكلم أو عدم علم واحد منهما بما سوى الصلة من الأمور المختصة، إلا أنها نكتة قليلة الجدوى، لا يلتفت إليها البليغ، لكونها اضطرارية غير مفضية إليها دقة نظر، فلذا لم يهتم المصنف لاستيفائها، وهذا معنى قول الشارح المحقق: ولم يتعرض لما لا يكون للمتكلم أو لكليهما علم بغير الصلة نحو الذين في قلوبهم بلاد الشرق لا أعرفهم أو لا نعرفهم لقلة جدوى هذا الكلام، ومن لم يعرف المرام قال عدم الجدوى مختص بهذا المثال، فلو قيل: الذين في بلاد الشرق يكرمون الضيف لكان كثير الجدوى، والأولى لعدم العلم بالأمور المختصة ليشمل عدم العلم بالاسم أيضا بلا خفاء.
стр. 303
وقوله: (سوى الصلة) بنفي العلم بالحال المختص الذي هو الصفة؛ فإن الصلة جملة معلومة الانتساب إلى معين، والصفة جملة معلومة الانتساب إلى شخص، ولذا تخصص بها النكرة بخلاف الصلة؛ فإنها توضح المعرفة، وبهذا اندفع أن هذا الباحث لا يقتضي الموصول لجواز التعبير بالنكرة الموصوفة؛ لأنه مقتضي الموصول، واختيار النكرة الموصوفة يحتاج إلى نكتة عدول، ولا يحتاج إلى ما قال السيد السند في دفعه من أن الكلام في مرجح تعريف على تعريف، بعد أن كان المقام للتعريف، فالنكرة الموصوفة بمعزل عنه، ولا إلى ما قال الشارح المحقق: أن المرجح لا يجب فيه الاطراد، والانعكاس؛ بل هو ما يكون له مناسبة وملائمة بالاعتبار المناسب، ولا يرد ما أورد على السيد السند أنه لا يفيد الترجيح على المعرف الموصوف بالموصول؛ لأن ذكر المعرف لغو إذ يكفي الموصول.
(أو استهجان التصريح بالاسم) الأولى بالعلم ليشمل اللقب والكنية أيضا بلا خفاء، ولم يقل لاستهجان الذكر بالاسم للتنبيه على جهة الاستهجان، وهي التصريح، والاستهجان إما لمصلحة يعود إلى المسند إليه كما في الآية، لأن من له شرف إذا احتيج إلى ذكر ما صدر عنه ما لا يليق به لا يحسن أن يصرح به، وإما لمصلحة يعود إلى غيره كما إذا فعل المسند إليه تعظيم ما لا يحسن التصريح بأنه فعل به ذلك نحو ضرب الأمير من أمره السلطان بضربه، وهذه النكتة لا ترجح الموصول إلا على العلم.
(أو زيادة التقرير) ولم يقل أو زيادة تقريره ليعم زيادة تقرير المسند، وزيادة تقرير المسند إليه، وزيادة تقرير غيرهما، من المفعول والغرض المسوق له الكلام، فلو قال: تقرير لكان أظهر، فالخلاف في أن المراد تقرير المسند والمسند إليه والغرض المسوق له الكلام مما لا يلتفت إليه أو الإفهام والحصر في الثلاثة من قصور أنظار الأوهام، ويرد عليك توضيح هذا المحل مع مزيد إنعام من الملك العلام في شرح ما مثل به مقتضى المقام أعني قوله (نحو وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) (١) أي هما نحو هذه الآية يعني التعريف بالموصولية لاستهجان التصريح بالاسم، ولزيادة التقرير كما يرشد إليه كلام المفتاح، وإن كان يوهم اقتصار
стр. 304
الإيضاح على تطبيقه على زيادة التقرير اختصاصه بالثاني، وفي تمثيل مقامين بمثال واحد تنبيه على أنه لا منع جمع بين المقامات ولا خفاء في أن في الاسم الموصول مزيد تقرير ثبوت المراودة، أي: المخادعة، والتمحل لموافقة يوسف إياها لها؛ لأنه إذا كان مولى لها يكون في غاية التمكن من تلك، ومزيد تقرير المسند إليه لدفع الاحتمال الذي في غير الموصول من زليخا، وامرأة العزيز بناء على احتمال اشتراكهما، وزيادة تقرير مراودة يوسف، ودفع استبعاد مراودته بكونه مملوكا لها، وزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام من نزاهة يوسف- ﵇ حيث أفاد إباءه عن الفحشاء، مع سعي مالكته فيه بالغة غاية الاهتمام، وفيه تنزيه دقيق آخر لم يدركه العلماء الأعلام وهو أن نزاهته بحيث أنه لو لم يكن مملوكا لها لم تتمكن من مراودته، ومن عجاب ما وقع من بعض الكتاب على هذا الكتاب أنه كيف يكون التي هو في بيتها أدل من زليخا امرأة العزيز، وقد تكرر في الأصول أن دار فلان يحتمل الدار المملوكة، والعارية، والمستأجرة، ولم يدر أن صاحبة الدار ومالكتها أيضا محتملة أكثر احتمال من امرأة العزيز، فأي شيء يحوجه إلى الرجوع بأئمة الأصول، وأن نسبة العبد إلى شخص بكونه في بيته تفيد أنه مملوك له، وكون الموصول غير محتمل لأن مالكة يوسف- ﵇ متعينة غير محتملة.
(أو التفخيم) أي التعظيم على ما في القاموس، وفي المختصر أي التعظيم والتهويل (نحو فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) (١) قوله من اليم بيان ما غشيهم، أو من للتبعيض، وهو حال على التقديرين، والتعظيم لكثرة ما غشيهم، حيث اجتمع مدة مديدة، وحبس حتى مر بنو إسرائيل، ودخل آل فرعون بتمامه، وكمال قوته وشدته لمنعه عما يقتضيه طبعه من الجريان، حتى ازدحم، فتأثيره فيهم كان في النهاية، أو التعظيم لأنه كان ماء منقادا لحكم الله محكوما بما هو خارق العادة، مأمورا بعذابهم، فعذبهم بما ليس عادة المادة الماء مثله، ويحتمل أن يكون الموصول في الآية للإيهام لبعده عن الأفهام، حيث وجد منه ما لا تقبله العقول، وتتأبى عن القبول، ومنه قول أبي نواس:
стр. 305
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا
بلغت ما بلغ أمرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام (١)
والأثام بفتح الهمزة واد في جهنم، والعقوبة، وبكسر كالمأثم، كذا في القاموس.
(أو تنبيه المخاطب على خطأ)، سواء كان خطؤه أو خطأ غيره، فلذا أنكره نحو قول عبدة بن الطبيب من قصيدة يعظ فيها بنيه:
إن الذين ترونهم ...
على صيغة المجهول من الإراءة أي تظنونهم لأن مجهول هذا الباب من الرؤية تعارف في الظن، والمراد بالظن ما سوى اليقين كما قد يجيء بهذا المعنى، لأن ذلك حكم ظن الأخوة دون الجزم، ولأن الأخوة لا تكون إلا مظنونة لأن الناس أصناف مظنون الأخوة، ومجزومها، ومتيقنها، وصيغة المعروف تروها الرواية، والدراية؛ لأنها بمعنى اليقين، فلا يتصور فيها الخطأ: [إخوانكم يشفى غليل صدورهم] الغليل: العطش أو شدته، أو حرارة الجوف، كذا في القاموس [أن تصرعوا] (٢) أي أن تطرحوا على الأرض، والصرع الطرح في الأرض، والظن أنه كناية عن أن تغلبوا، وقال الشارح أي أن تهلكوا أو تصابوا بالحوادث، ففيه تنبيه المخاطب على خطئه في الاعتقاد ليجتنب عن مثل هذا الاعتقاد، ولا يرضى بالاعتماد على أحد يظن به الوداد وعلى خطأ إخوانه في المعاملة معه، إذ الالتئام الذي يبتني عليه المهام أن لا يفوت منك في شأن أخيك الاهتمام، فالمثال لقسمي الخطأ.
قال الشارح المحقق: ففيه من التنبيه على خطئهم في هذا الظن ما ليس في
стр. 306
قولهم إن القوم الفلاني، هذا ويتبادر منه أن كلام الشاعر في قوم مخصوص والظن أنه تنبيه على اعتقاد يتعلق منه بالناس أيا كانوا، وأي وقت كان، فليس هناك قوم معينون يتأتى التعبير عنهم بالقوم الفلاني، بل من نكات التعبير بالموصول في البيت عدم علم المخاطب، ولا المتكلم بهم، بما سوى الصلة، ويحتمل أن يكون المقصود التحذير عن الناس، فالتعبير بالموصول ليلزم ثبوت الحال لمن ليس له الصلة بطريق الأولى، فخذها من نكات الموصولية، فإنها تعم النكتة.
والسكاكي جعل البيت من الإيماء إلى وجه بناء الخبر ليتوسل به إلى التنبيه على الخطأ. والمصنف عدل عنه، وجعله للتنبيه على خطأ لأنه لا إيماء في الموصول إلى وجه بناء الخبر، لأنه يقتضي بناء نقيضه عليه، ورده الشارح المحقق بأن الذوق والعرف شاهدا صدق على أن التعبير عمن يعتقده المخاطب أخا له لمن يظنه أخا يومي إلى أن الخبر عنه يكون بما ينافي الأخوة، ولا يخفى أن خطأهم مستفاد من الموصول كالإيماء من غير أن يتوسط في ذلك الإيماء، وجعل الإيماء ذريعة لا يصفوا عن شائبة التكلف، فلم يخطئ في العدول، وإن أخطأ في نفي إيماء الموصول، إلا أن يقال: المراد: التنبيه الواضح الحاصل من البرهان، والموصول قد يكون للتنبيه على صواب، نحو: إن الذي رأيته محبّا لك لم يقصر في محبتك.
(أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلى جهته) أقول في القاموس: وجه الكلام السبيل المقصود، فالإيماء إلى وجه بناء الخبر الإيماء إلى سبيل بناء الخبر وإنه إلى أي مقصد ينتهي بعد معرفة بنائه، ولذا قال المفتاح: إلى وجه بناء الخبر الذي نبه عليه إشارة إلى أن الإيماء إنما يتم بعد تحصيل بنائه، وإنما قال: الخبر لأن الكلام في الخبر، وشأن الحكم المشترك بينه وبين الابتداء أن يعرف بالمقايسة فالمقصود أن (نحو إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (١) يومئ إلى أن سبيل الخبر عن دخولهم جهنم صاغرين كون دخولهم على هذه الصفة على طبق استكبارهم عن العبادة، وقوله [إن الذي سمك السماء] (٢) يومئ إلى أن
стр. 307
سبيل الإخبار ببناء البيت الأرفع ليس مزية رفعة، تكون معتادة فيما بين البيوت، بل تفاوت يكون بين السماء وسائر الأبنية الرفيعة، ثم إن ذلك الإيماء ربما يقصد به تعظيم الخبر، كما في هذا البيت، وقوله: إن كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (١) فإنه يدل على أن سبيل الإخبار بخسرانهم ليس الخسران المتعلق بالدار الفانية التي ربما يجبر بالسعي في مقدمات الريح، بل الخسران الأخروي الذي لا تدارك له، وفيه تعظيم شأن شعيب- ﵇ وقوله:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة بكوفة ... الجند غالت ودها غول (٢)
يومئ إلى أن سبيل الإخبار بهلاك ودها أنها استأصلت ولم يبق منها شيء حتى اختارت المهاجرة إلى بلدة بعيدة، يبعد طريق الوصول إليها، وملاقاتها فلو كان بقي من ودها أثر لما اختارت ذلك.
ثم إنه يجعل ذلك الإيماء وسيلة إلى تحقيق الخبر، وبيان أنه لا محالة واقع، ومن هذا تبين الفرق بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيقه، واندفع تزييف المصنف جعل الإيماء ذريعة إلى تحقيق الخبر بعدم الفرق بينهما، ولذا تركه، وقال الشارح المحقق: الإيماء إلى وجه بناء الخبر هو الإيماء إلى طرزه وطريقه، وإلى أنه من أي جنس، أمن جنس الثواب أو العقاب؟ وحاصله أن يأتي بالفاتحة على وجه ينبه على الخاتمة، كالإرصاد في علم البديع، ويرد عليه أنه لا بد من فارق بينه وبين الإرصاد حتى لا يكون جعله من البلاغة، وجعل الإرصاد من توابعها تحكما، ورده السيد السند بأن المتبوع هو الخبر لا بناؤه، فلفظ البناء مستدرك
стр. 308
وإن أريد به الخبر المبني عليه، إذ لا فائدة في وصفه بالمبني عليه، هذا على أن لفظ المفتاح يأبى عن هذا التأويل لأنه قال: وجه بناء الخبر الذي نبه عليه، وبأن الإيماء إلى وجه الخبر بهذا المعنى لا يكون وسيلة إلى تعظيم الخبر، بل تعظيمه إنما يحصل من استناده إلى المعلوم بهذه الصلة، قدم على المسند إليه أو أخر، وكذا تعظيم غيره وإهانة الخبر، وإهانة غيره، مع أنه جعل الإيماء المذكور وسيلة.
ويمكن أن يقال أن تلك الأمور كما تحصل من الاستناد تحصل من معرفة كونه من جنس الصلة، فكما يحصل التعظيم بكونه فعل من رفع السماء، يحصل بكونه من جنس رفع السماء، وأنه إذا كان يحصل من الاستناد، فإذا علم من الموصول جنس المستند إليه حصل التعظيم أو لا إهانة، نعم يحصل من نفس الاستناد أيضا فيمكن أن يجعل الإيماء ذريعة، وأن يجعل نفس الموصول ذريعة، لكن لا يخفى أن الواضح الخالي عن التكلف كون الموصول مفيدا للتعظيم، فالإعراض عنه والإقبال إلى الاستفادة من الإيماء تكلف وتعسف، واختار السيد السند جعل الوجه بمعنى العلة، وفسره بعلة إسناد الخبر إلى الموصول يومئ إلى علة إسناد الخبر إلى المسند إليه، وربما يجعل ذلك الإيماء وسيلة إلى أمور ذكرت. وفيه أن ذلك الإيماء لا يخص الخبر، بل يشمل كل مسند، فتخصيصه بالخبر من غير مخصص، وكيف وقولك: بنى لنا بيتا الذي سمك السماء أيضا يومئ إلى وجه إسناد البناء إلى ذلك المسند إليه.
وأيضا تعظيم المسند إنما يحصل من الإسناد إلى هذا الموصول، لا من إيماء الموصول إلى أن علة الإسناد قيام مضمون الصلة به، وإن أمكن جعله وسيلة إلى التعظيم، لكن مع كون الإسناد وسيلة إليه مما لا يلتفت إليه فضلا عن أن يرجح على الإسناد في ذلك، وحمل جعل الإيماء إلى علة بناء الخبر، وسيلة على جعل ذكر علة بناء الخبر وسيلة لا بيان أنه علة البناء، كما يفهم من كلام السيد السند.
بعيد عن الفهم، على أن تعليق الحكم بالموصول بالمشتق يومئ إلى علة ثبوت المسند لا إلى علة إثباته، ومنهم من فسره بعلة الثبوت، ولم يلتفتوا إليه لأن كثيرا في أمثلة المفتاح للإيماء لا يساعده.
(ثم إنه) أي الإيماء المذكور (وربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم
стр. 309
لشأنه) أي الخبر (نحو) قول الفرزدق [إن الذي سمك السماء] أي رفعها [بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول] يريد بيت الشرف والمجد (أو شأن غيره) أي الخبر (نحو كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) فإن فيه تعظيم شأن شعيب، وفي البيت أيضا تعظيم شأن غير الخبر، وهو البيت أو المتكلم، وفي الآية أيضا تعظيم شأن الخبر، كأنه قيل: خسروا خسرانا عظيما.
واعتبارات التعريف بالموصولية كثيرة جدّا، قال السكاكي: وفي هذه الاعتبارات كثرة فحم حول ذكائك.
[وبالإشارة]
(وبالإشارة) أي تعريف المسند إليه بإيراد اسم إشارة، والعبارة الواضحة بجعله اسم إشارة لأن استعمال اسم الإشارة بهذا المعنى لم يؤنس (لتمييزه أكمل تمييز) أي لتمييز المسند إليه أكمل تمييز، مما يمكن من المعارف التي يسعها المقام، وإلا فأكمل التمييز إنما يتصور بأعرف المعارف، وهو المضمر المتكلم، ثم العلم، ثم اسم الإشارة، على المذهب المنصور، ومن قال هو العلم كمن قال هو اسم الإشارة مذهبه المهجور، فلا يليق أن يبنى عليه هذا الحكم المذكور، والمصنف ترك ما لا بد منه وهو كون المقام صالحا لاسم الإشارة، لما عرفت غير مرة أن مثله مما يعرف من علم آخر، وهو المقام الذي يتأتى للمتكلم أن يحضره في ذهن السامع بالإشارة الحسية، المفسرة بإشارة الجوارح، وذلك بأن يكون المسند إليه مبصرا لهما، ويكون للمتكلم إشارة حسية، فاستعمال اسم الإشارة في كلامه تعالى سواء كان إلى المبصر أو غيره مجاز لتنزهه تعالى عن الإشارة بالجوارح، وكذا استعماله في غير المبصر، سواء كان مما يمكن أن يدرك بالبصر أو لا. ولكن يكون مدركا بالحس أو لا، بل مدركا بالعقل الصرف، فغير المبصر من المبصرات يحتاج إلى تنزيله منزلة المبصر، والمحسوس غير المبصر إلى تأويله بالمبصر، ثم بالمبصر بالفعل، والمعقول إلى تأويله بالمحسوس، ثم بالمبصر بالفعل، فما ذكره السيد السند أن غير المحسوس يحتاج إلى تأويلين: تنزيله منزلة المحسوس، ثم تنزيله منزلة المشاهد، وأما المحسوس غير المشاهد فيكفي فيه تأويل واحد؛ وهو أن يجعل بمنزلة المشاهد ليس بذاك.
وبالجملة استعمال اسم الإشارة في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ
стр. 310
رَبِّهِمْ (١) من خلاف مقتضى الظاهر من وجهين فاعرفهما، وكذا في قوله [أولئك آبائي فجئني بمثلهم] (٢) فالبحث عنه خروج عن مقتضى الظاهر. (نحو قوله) أي ابن الرومي [هذا أبو الصقر فردا في محاسنه] جمع حسن، على خلاف القياس [من نسل شيبان بين الضال والسلم] (٣) النسل الولد، وشيبان بن ثعلبة أبو قبيلة، صار اسما للقبيلة، وما في البيت يحتملها، والضال والسلم شجران بالبادية، وكونه من نسل شيبان يعني كرماء العرب، وكونه بين الضال والسلم يعني من خلص العرب وفصحائهم، أو من أعزة الناس؛ لأن فقد العز في الحضر كما قيل، أو من سادات العرب التي لهم مرعى ومسكن لا ينازعهم الغير فيه، وإن كان داخلا في محاسنه، لكن ذكره، لأن المتبادر منه غير النسب والفصاحة وصيانة العز، ولم يتعرض لبيان الإعراب لأنه نوع من الإسهاب.
(أو التعريض بغباوة السامع) حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس على ما قيل، أو حتى كأنه لا عقل له، وإنما قوته الإدراكية الحس كحيوانات العجم، لا لأنه لا يفهم ما لم يميز الشيء كمال تمييز حتى يجعله هذه النكتة من فروع قصد التمييز أكمل تمييز، كما في المفتاح، ويمكن التعريض باسم الإشارة لفطانة السامع إشارة إلى أنه يدرك كل شيء إدراك المحسوس، وبأن المشار إليه متعين غاية التعين، حتى كأنه محسوس لكل أحد.
(كقوله) أي الفرزدق [أولئك] يحتمل أن يكون للتعريض بتعين آبائه [آبائي فجئني بمثلهم] أي اذكر لي مثلهم من آبائك، ففيه تهكم يناسب هجاءه أو من فرق الناس، وهو المناسب لمقام مدح آبائه، قيل الأمر للتعجيز، نحو فَأْتُوا بِسُورَةٍ
стр. 311
مِنْ مِثْلِهِ (١) وجعل الكلام تهكما لا يحوج إلى جعله للتعجيز، كما لا يخفى على صاحب التميز، [إذا جمعتنا يا جرير] في هذا الخطاب البعيد أيضا قرينة غباوته، كأنه قيل: لا تعرف أنك المخاطب ما لم تناد، ولا تحسب قريبا لبلادتك، ولا تزال تعد بعيدا [المجامع] أي المجالس؛ أي مجلس كثير الحضار، من طوائف العرب، كأنه مجالس، وفيه إشارة إلى أنه بعيد عن الإنصاف، مكابر جدّا، حتى ولو لم يكن كثرة الشاهدين بالحق لادعى ما يشاء، ولا يفحمه الحق المبين الواضح البيضاء، وفي الأساس الجوامع لبيان لغة الجامعة بالأمر الذي يجتمع له الناس، وجعل المجامع مصدرا ميميّا بمعنى الفاعل بجمع الروايتين معنى تكلف بعيد وعنه غنى.
(أو بيان حاله في القرب) الرتبى (والبعد والتوسط) آخر التوسط، مع أن الظاهر حاله يقتضي التوسط، لما قيل: إنه يتحقق بعد تحقق الطرفين، أو لأنه ناقص في كل من القرب والبعد، ولا يخفى أن جعل القرب الرتبى وأخويه ذريعة للتعظيم، والتحقير أقرب، فلا يرد ما استصعب من أنه كيف يعد البيان بالمعنى اللغوي والإفادة بالدلالة الوضعية من الخواص والمزايا، حتى جعل هذا العديل للخواص توطئة لما بعده، ولم يحترز عن عدم مساعدة العبارة، واحتيج إلى دعوى أن القرب والبعد والتوسط ليس مما يقصد باسم الإشارة وضعا، بل من دقائق لا يحيط بها إلا نظر البليغ؛ لأنه يدور على مناسبة الألفاظ بحسب القلة والكثرة والتوسط. وقال الشارح المحقق: إن المعنى الوضعي قد يكون زائدا على أصل المراد؛ فإنه إذا كان المراد أصل الحكم على معين يمكن تصوره بطرق متعددة، فاختار اسم الإشارة لإفادة قربه يكون إيرادا له لزائد على أصل المراد، وهو القرب، ولولا هذا الاعتبار لا يشكل كثير من مباحث المعاني من الإضمار والعلمية والقصر، إلى غير ذلك، ورده السيد السند بأن جميع المعاني اللغوية تصير زائدة على أصل المراد بهذا الاعتبار وتكون الإفادة بالدلالات الوضعية من مباحث علم المعاني؛ مع أنهم صرّحوا بأن نظرهم في الزائد على المعنى الوضعي، ويمكن أن يجاب عن أصل الشبهة بأن الحكم بأنه قريب ليس داخلا في الموضوع له
стр. 312
(وإنما الداخل) فيه القرب على وجه هو قيد للذات وملحوظ معه إجمالا وما جعل داعيا إلى إيراد اسم الإشارة بيان أنه قريب وإفادة هذا الحكم إذا دعا المقام إليه، كما تقول لمن يخاطبك بما لا ترضى أن يسمعه غيرك: تسمع هذا، فالترديد بالتعبير عنه بهذا الإيماء إلى أنه قريب ليمتنع المتكلم عن التكلم، أو يقول المتكلم في ردك: لا يسمع أولئك فيعبر بأولئك للإشارة إلى أنه بعيد لا يسمع؛ ولمزيد توضيح هذا المقصود قال بيان حاله في القرب ... إلخ. ولم يقل بيان القرب ... إلخ.
فتأمل.
ولا يبعد أن يقال: المقصود منه التنبيه على أن غرض البليغ ربما يكون بيان المعنى الموضوع له إذا لم يكن مقام يقتضي أريد منه إما لقصور المخاطب أو لغير ذلك، وهذا مما ينفعك في كثير من مباحث المعاني من أشكاله وينجيك من صعوبته وإشكاله (كقولك: هذا أو ذلك أو ذاك زيد) أي: كقولك هذا زيد أو قولك ذلك زيد أو قولك ذاك زيد، فإن قلت: الظاهر العطف بالواو؛ لأن التمثيل بالثلاثة للنكت الثلاثة السابقة قلت: التمثيل نشر على ترتيب اللف، والمتعارف فيه العطف بكلمة أو واستطلع على وجهه إن شاء الله تعالى، ولك أن تجعله حكما واحدا مشتملا على الأمثلة الثلاثة مشتملا على الترديد (أو تحقيره بالقرب) أي: بسبب القرب إما بأن تريده للانتقال منه إلى التحقير فيكون من قبيل الكناية، وإما بأن تريد التحقير لعلاقة له بالقرب فيكون مجازا (نحو أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (١) أو تعظيمه بالبعد) تنزيلا لبعد درجته منزلة بعد المسافة (نحو الم ذلِكَ الْكِتابُ (٢) أو تحقيره بالبعد كما يقال ذلك اللعين فعل كذا) كأنه لم يذكر التعظيم بالقرب مع أنه يناسب التعظيم بأن ينزل قربه من ساحة الحضور والخطاب منزلة قرب المسافة، وأعرض عنه في الإيضاح أيضا لأنه لم يجده فيما بينهم، ويرده قوله تعالى رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا (٣) وقوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٤) واعلم أن اسم الإشارة المستعملة في
стр. 313
غير الحاضر في المعيّن عينا كان أو معنى كضمير الغائب يحتاج إلى تقدم ذكر، صرح به الرضى (أو للتنبيه عند تعقيب المشار إليه بأوصاف) أي: عند إيراد أوصاف عقيب المشار إليه (على أنه) متعلق بالتنبيه أي: على أن المشار إليه (جدير بما يرد بعده) أي: بعد اسم الإشارة أو على أن المسند إليه جدير بما يرد بعده (من أجلها) أي: من أجل تلك الأوصاف، ولا يخفى أن التنبيه لا يتوقف على تعدد الأوصاف ولا على الكون عقيب المشار إليه؛ فإنه يصح أن يكون قبله، كأن تقول جاءني زيد الفاضل الكامل وهذا يستحق الإكرام، ولا على أن يكون ما هو جدير به، وأراد بعده فليكن قبله، كأن يقول: ويستحق الإكرام هذا، فالواضح أن يقال: أو التنبيه عند الإشارة إلى موصوف، على أن المشار إليه جدير بما أسند إليه من أجل كونه موصوفا.
ووجه التنبيه أنه يصير التعبير باسم الإشارة بمنزلة التعبير بقولنا: المتصف بهذه الصفات لأن إيراد اسم الإشارة لجعله كالمحسوس باعتبار التميز الحاصل بالاتصاف وتعليق الحكم بالمشتق يشعر بعلية مأخذه، فيدل تعليق الحكم بالمتصف على مدخلية الاتصاف، ويحتمل أن يكون إيراد اسم الإشارة بعد وصف المشار إليه لتفخيم الأوصاف أو تحقيره إلى أن عظمت الذات بسببها أو حقرت (نحو أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١) فإن أولئك الأول إشارة إلى الموصول المعقب بصلة الإيمان بالغيب وما عطف عليه، والموصول المعقب بالإيمان بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وفيه تنبيه على أن كونهم خليقين بأن يكونوا على هدى لأجل الاتصاف بهذه الأوصاف، وأولئك الثاني إشارة إلى أولئك المعقبين بتلك الأوصاف مع زيادة كونهم على هدى، وفيه تنبيه على أن استحقاقهم الفلاح والفوز عاجلا وآجلا لأجل ذلك الاتصاف، والشارح المحقق لم يفرق بين اسمي الإشارة فاتبع الفاروق فإنه أعدل؛ واتباع ما هو الأحق أفضل.
ومما جعله صاحب المفتاح داعيا إلى اسم الإشارة أن لا يكون لك أو لسامعك طريق سوى الإشارة ولم يلتفت إليه المصنف لبعد أن لا يمكن التعبير عن المحسوس للمتكلم والسامع بطريق آخر تعرفهما؛ إذ لا أقل من الذي في هذا المكان فتأمل.
стр. 314
[وباللام]
(وباللام) أي: تعريف المسند إليه وإيراده معرفا باللام (للإشارة إلى معهود) أطلق المعهود مع أن نفس الحقيقة في المعرف بلام الجنس أيضا معهود كما يشير إليه قوله: وقد يأتي لواحد باعتبار عهديته في الذهن؛ لأن المعهود تعارف في بعض من مفهوم ما دخل عليه اللام، وقدم لام العهد على لام الحقيقة مع أنه أخره السكاكي؛ لأن المعرف به أعرف؛ ولانقسام لام الحقيقة وكثرة أبحاثه، فلام العهد كالبسيط بالنسبة إليه، ولو أخر لكثر الفصل بين القسمين.
واعلم أنه اشتهر فيما بين النحاة أن لام التعريف يكون للعهد الخارجي ولتعريف الجنس وللعهد الذهني وللاستغراق، فحقق صاحب المفتاح أن لام التعريف للإشارة إلى تعيين حصة من مفهوم مدخوله أو لتعيين نفس المفهوم، والعهد الذهني والاستغراق من أقسام لام تعريف الجنس، ثم ذكر أن الفرق بين تعريف الجنس والعهد بما لا يعود إلى مجرد اصطلاح، وتفرّقه بالتسمية لا يظهر، وهذا لا يحسن، وحقق أن لا فرق بين لام العهد ولام الجنس، إذ كل منهما إشارة إلى معهود غايته أن المعهود في أحدهما الجنس وفي الآخر حصة منه، وجعل أحدهما لام الجنس والآخر لام العهد ليس لتميز يعود إلى مفهوم التعريف بل باعتبار معروض التعيين؛ ولهذا قال أئمة الأصول: حقيقة التعريف العهد لا غير وهذا كلام حق قد خفى على المصنف والشارح المحقق لظنهما به أنه يقول: لا فرق بين القسمين بحسب المفهوم، وتعريف ملتبس بتعريف الحقيقة فردّه المصنف عليه وتبعه الشارح بالفرق بتعيين المراد بلام العهد ولام الحقيقة بأن الأول إشارة إلى حصة من الجنس والثاني إلى نفسه لكن تبعاه في كون لام العهد الذهني ولام الاستغراق داخلين تحت لام الجنس، فلام العهد إشارة إلى معهود أي: مدرك حاضر في ذهن المتكلم والمخاطب؛ إما لذكره سابقا في كلامك أو كلام غيرك صريحا أو غير صريح، وهو العهد التحقيقي وإما لتعينه وكونه معلوما لا محالة حقيقة أو ادعاء لغرض وهو العهد التقديري واحدا كان أو اثنين أو جماعة، لكن الإشارة إلى الجماعة لا لجمع تعريف العهد مع الاستغراق؛ لأن العهد يقتضي قصد الجماعة باللفظ وإشارة اللام إلى تعينها ولام الحقيقة تقتضي الإشارة إلى حضور الجنس، وقصده باللفظ وفهم الجماعة من القرينة ومن خارج اللفظ فما قاله الشارح المحقق
стр. 315
من أنه نبه صاحب المفتاح بتمثيل العهد بقوله تعالى: وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ (١) على أن العموم والعهد يجتمعان ولا يتباينان كما يوهمه جعلهما قسمين إذ المراد بالسحرة جميعهم مزيف كما نبه عليه السيد السند، والذي أرى أن التعريف العهدي لا يكون إشارة إلا إلى واحد من الجنس، فإن المشير إلى اثنين إنما هو التشبيه، والاثنان حصة واحدة من الجنس الذي هو مفهوم التثنية، وهكذا الأكثر من اثنين حصة واحدة من مفهوم الجمع.
واعلم أن المذكور في كلام الشارح المحقق والإيضاح أن لام الجنس ولام الحقيقة بمعنى، والمذكور في حواشي السيد نقلا عن بعض الأفاضل أن لام الحقيقة ولام الطبيعة بمعنى، وهو قسم من لام الجنس يقابل العهد الذهني والاستغراق (نحو وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (٢)) لما فسر قوله تعالى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى بوجهين:
أحدهما: نفي مساواة الذكر والأنثى في التحرير، وهو مبني على كونه من كلام امرأة عمران وتتمة لتحسرها يعني التحسر على وضعها أنثى وعدم مساواتهما في التحرير، فيا ليتها كانت ذكرا أو يا ليتها تساوي الذكر والأنثى في التحرير، فأجاب الله تمنيها بأن جعل أنثاها مساوية للذكر في التحرير، ولو شاء لجعلها ذكرا وحينئذ اللام فيهما للجنس ولا يصلحان مثالين للام العهد.
وثانيهما: أنه من كلام رب العزة تسلية لها بتبشيرها بأن أنثاها تفضل على الذكر الذي طلبته، احتاج المصنف إلى تفسيره حتى يتضح كونهما مثالين فقال:
(أي الذي طلبت) امرأة عمران وهذا يشعر بأنه جعل الذكر معهودا لتعينه باعتبار طلبها لا باعتبار ذكرها فيكون مثالا للعهد التقديري وقوله: (كالتي وهبت لها) إشارة إلى أنها معهودة باعتبار ذكرها في قولها «رب إني وضعتها أنثى»؛ لأن ما وضعتها موهوبة الله، ولو قال: كالتي وضعتها لكان أوضح فهي مثال للعهد التحقيقي، ويمكن جعل الذكر معهودا تحقيقيّا بوجوه، منها: ما ذكره الشارح
стр. 316
المحقق من أن قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (١) يفيد الذكر؛ لأن التحرير لا يكون إلا للذكر وهو عتق الذكر لخدمة بيت المقدس، ومنها: أن قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً بتقدير شرط واضح أي:
لو كان ذكرا، ومنها: أن قوله: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (٢) تحسرا على فوت الذكر فيذكره، لكن ما ذكره المصنف توجيه حسن أليق بهذا المقام تنبهت له- وإن خفى على الفحول الأعلام- والحمد لله على الإنعام بالإلهام.
وجعل الرضى علي وصف المنادي المبهم نحو: يا أيها الرجل وصف اسم الإشارة نحو هذا الرجل للعهد لكونه معلوما البحضور وتبعه الشارح المحقق وفيه تأمل؛ لأن الظاهر أنه لرفع الإبهام ودفع التباس في الإشارة الحسية ببيان الجنس وبه يشعر كلام النحاة فهو لتعريف الجنس، نعم يقع الجنس على حصة متعينة غاية التعين، وفرق بين المقصد بالعبارة وبين انصراف العبارة إليه، قيل ذلك مقيد بما إذا استعمل اسم الإشارة في المشاهد على ما هو وضعه أو ذكر اسم الإشارة على وجه الإهمال لا على وجه كلي أي: اسم الإشارة في الجملة فلا يرد أن اسم الإشارة قد يكون إشارة إلى الجنس الذي جعل وصفا له (أو إلى نفس الحقيقة) ومفهوم المسمى أو المفهوم المجازي فإن لام التعريف كما تدخل على الحقيقة تدخل على المجاز فيقول: الأسد الذي يرمي خير من الأسد المفترس والمراد الإشارة إلى المفهوم سواء اقتصر الحكم على المفهوم أو اقتضى صرفه إلى الفرد فالأول (كقولك: الرجل خير من المرأة) والثاني ما يشير إليه قوله وقد يأتي وقد يفيد، ولا يصح تقييد الحقيقة بما لم تعبر معه قصد الإفراد كما يشعر به كلام الشارح وأن يوهمه التمثيل وإلا فلا يصح جعل العهد الذهني والاستغراق داخلين تحته، وكون جنس الرجل خيرا من جنس المرأة لا ينافي كون شخص مرأة خيرا من شخص رجل فإن العوائق قد يمتنع عما يستعدّه الجنس وقد يكون الإشارة إلى نفس الحقيقة لدعوى اتحاده مع شيء وجعل قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهو الذي قصده جار الله تعالى حيث قال: إن معنى التعريف في (المفلحون)
стр. 317
الدلالة على أن المتقين هم الذين حصلت لهم صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورهم الحقيقة فهم لا يعدون تلك الحقيقة، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد؟ وما جبل عليه من فرط الإقدام، إن زيدا هو هو، ولا يخفى أنه أبلغ من قصد القصر ادعاء، ووصفه الشيخ في دلائل الإعجاز بنهاية الدقة حتى كأنه يعرف وينكر، ومن وهم من قوله لا يعدون تلك الحقيقة أنه جعله من قصر المسند إليه على المسند فلا يبالي به، وكيف وقد استولى عليه الوهم إلى أن قال:
إنه جعل ضمير الفصل لقصر المسند إليه على المسند ولم يعرف أنه في بيان معنى التعريف، وقد يشار إلى تعيين الجنس من حيث انتسابه إلى المسند إليه فيرجع التعيين إلى الانتساب كما فى بيت حسان:
[ووالدك العبد]
أى: ووالدك المعروف بالعبودية، وظاهر عبارته يشعر بأن لام الجنس إشارة إلى نفس المفهوم من غير زيادة، وذلك لا يقتضى تعريفا فى المفهوم حتى يعد معرفا لحصولها من نفس استعمال اللفظ، ويستدعى أن يجعل تعريف المعرف بلام الجنس تعريفا لفظيا لا يحكم به إلا لضبط أحكام اللفظ من غير حظ للمعنى فيه؛ كما قال بعض محققى النحاة: كل لام تعريف سوى لام العهد لا معنى للتعريف فيها، والناظرون فى المعانى لهم شرب آخر، ولا يلتفتون إلى هذا المورد، ولا ينظرون إلى هذا المحتد، ولا يعتبرون التعريف اللفظى، ولذلك تراهم طووا ذكر علم الجنس بأقسامه فى مقام التعرض للعلم وأحكامه فيجب أن يحمل قوله: «أو إلى نفس الحقيقة» على نفس الحقيقة باعتبار حضورها وتعينها وعهديتها فى الذهن، يرشدك إليه قوله فيما بعد «باعتبار عهديته فى الذهن» فإن قيل لم لم يجعل علم الجنس موضوعا لجوهره لما وضع له المعرف بلام الجنس؟ قلت: لأن اعتبار التعيين الذهنى تكلف إذ ليس نظر أرباب وضع اللفظ إلا على الأمور الخارجية، وذو اللام يدعو إليه لئلا يلغوا اللام، ولا داعى فيه فى نحو أسامة.
قال السكاكى: لا بد فى تعريف الحقيقة من تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية إما لكون ذلك الشئ محتاجا إليه على طريق التحقيق أو على طريق التهكم فهو لذلك حاضر فى الذهن، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم لذلك على أحد
стр. 318
الطريقين، أو لأنه لا يغيب عن الجنس على أحد الطريقين، وإما لأنه جار على الألسن، كثير الدور فى الكلام على أحد الطريقين.
(وقد يأتى) أى المعرف بلام الحقيقة (واحد) من أفراد مفهومه (باعتبار عهديته) أى: عهدية ذلك المسمى (فى الذهن) لا باعتبار عهدية الواحد أى:
حرف التعريف لتعين المسمى لا الفرد، وقال الشارح: يريد أنه يأتى لواحد باعتبار عهدية ذلك الواحد من حيث إنه متحد مع ما هو معهود فى الذهن فكأنه معهود، ولا يخفى أن إدخال حرف التعليل فى قوله: قد يأتى، وقوله: وقد يفيد يوهمان أن لام الحقيقة من حيث هى هى أكثر منهما وليس الأمر كذلك لأن الحكم على المفهوم من حيث هو هو قلما يكون فى المحاورات، وإن كثر فى العلوم فى المعرفات، وكأنه أتى بكلمة قد للتحقيق إزالة للشك فى ذلك الإتيان؛ لأنه خلاف الأصل، والأصل إرادة المفهوم من حيث هو هو لأنه الموضوع له وإنما يعدل إلى البعض عند قرينة البعضية، وإلى العموم عند قرينة الوجود وعدم قرينة البعضية؛ لأن التخصيص ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، وإنما قال: وقد يأتي، ولم يقل: وقد يقصد به واحد؛ لأن الواحد غير مقصود باللفظ، وإنما يأتى من القرينة.
(كقولك ادخل السوق) فإن السوق أفاد أن الحقيقة المتحدة المرادة بالمعرف باللام متحدة مع موجود حتى لو أريد الواحد كان اللفظ مجازا بخلاف النكرة، فإنها وإن وضعت للحقيقة المتحدة إلا أنها مع التنوين تفيد الماهية مع وحدة لا بعينها، ويسمى فردا منتشرا ويفهم الواحد منها من حاق اللفظ، واختلف فى وضع اسم الجنس هل هو موضوع للحقيقة المتحدة أو للحقيقة مع وحدة؟ يرجح الشارح المحقق الثانى، ورده السيد السند؛ بأنه لو كان كذلك يلزم أن يكون اسم الجنس حين دخول لام التعريف فى مقام العهد الذهنى مجازا، وقد جعلوه حقيقة أو موضوعا بالوضع التركيبى على خلاف الإفرادى وفيه بعد، ويعارضه أنه لو كان اسم الجنس موضوعا للحقيقة لكان المعرف بلام العهد مجازا فى حصة المعينة أو موضوعا بالوضع التركيبى على خلاف الوضع الإفرادى، والأول باطل بالاتفاق، والثانى بعيد جدا، وبالجملة قولك: ادخل سوقا يأتى لواحد من حاق اللفظ
стр. 319
فالنكرة أقوى فى الإتيان لواحد فلذا قال: (وهذا فى المعنى كالنكرة) لكن ليس كل نكرة كذلك؛ لأن المصادر ليس فيها القصد إلا إلى الحقيقة المتحدة بالإجماع كما نص عليه المفتاح إلا أن الشائع الغالب فى النكرة ذلك؛ فلذلك أطلقها ولا يخفى أن المعرف فى مقام الاستغراق أيضا كالنكرة؛ لأنها تأتى للوحدات من غير إشارة إلى تعيينها، غايته أنها متحدة مع الماهية المعهودة كالمعهود الذهنى، والمعرف بلام الحقيقة من المصادر كالنكرة منها فى المعنى حتى حكم السيد السند فى شرح المفتاح بأنه ينبغي أن يجوز أن يعامل مع هذه المصادر معاملة النكرة وإن لم يتحقق الاستعمال فلا وجه لتخصيص هذا الحكم بهذا القسم، ويمكن أن يقال: يريد أن هذا فى المعنى كالنكرة فى اعتبار البلغاء وليس غيره كذلك، ولذا لم يعامل معه معاملة النكرة ونظرهم فى هذا التخصيص محمود؛ لأن مناط الإفادة وهو الفرد فى هذا القسم مبهم فلم يعتد بتعيين تعلق بالمفهوم بخلاف ما إذا أريد الحقيقة من حيث هى هى، فإن مناط الحكم هو ما يتعلق به التعيين واجتلى فى نظر العقل تعينه، وبخلاف ما إذا أريد جميع الأفراد فإنها لتعينها بالعموم نائب مناب المتعين فلم يختل تعيين اللام بمجاورة الإبهام، وخلص اللام فى إفادة التعيين عن ملام الاتهام والمعاملة معها معاملة النكرة كثيرة وله غير نظير، فإنه وصف بالجملة فى قول الشاعر:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّنى ... فمضيت ثمّة قلت لا يعنينى (١)
وفى التنزيل: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٢) وإنما قال فى المعنى كالنكرة لأنها فى اللفظ معرفة صرفة لوجود اللام وعدم التعيين، ولهذا غلّب إجراء أحكام العارف عليه حيث تعاضد حرف التعريف فى اللفظ لثبوت تعريف فى المعنى،
стр. 320
وهذا أظهر مما قال الشارح: إن التقييد بقوله فى المعنى؛ لأنه يجرى عليه أحكام المعرف من وقوعه مبتدأ وذا حال إلى غير ذلك؛ لأن هذه الأحكام فرع كونه معرفة أو كالمعرفة كما أن إجراء حكم النكرة فرع كونه فى المعنى كالنكرة، وليس من وجوه كونه فى المعنى كالنكرة.
[وقد يفيد الاستغراق]
(وقد يفيد) أى: المعرف بلام الجنس (الاستغراق) وشمول جميع الوحدات إذا امتنع حمله على الحقيقة من حيث هى هى لقرينة اعتبار الوجود على بعض الأفراد دون بعض لعدم قرينة البعضية، فأول ما يفيده المعرف بلام الجنس الحقيقية من حيث هى هى ثم الحقيقة فى ضمن واحد ويتجاوز إلى الحقيقة فى ضمن الجميع، فترتيب الكتاب على وفق هذا الترتيب، وإن كان رجحان الاستغراق على العهد الذهنى ورجحان العهد الذهنى على ما هو لتعريف الحقيقة من حيث هى هى كما تقرر فى محله: يقتضى عكس هذا الترتيب، وقد يتحقق قرينة على الاستغراق سوى انتفاء قرينة البعضية بعد قرينة اعتبار الوحدة ولا بد منها فى المقام الاستدلالى نحو: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (١) فإن الاستثناء قرينة إرادة العموم؛ لأن شرطه الدخول فى المستثنى منه قطعا أو الخروج قطعا أو لا مجال لخروج المؤمنين وعاملى الصالحات من الإنسان فلا بد من الدخول جزما، والمدخول لا يتأتى بدون الاستغراق.
واعلم أن التعريف باللام والنداء والإضافة جاء لمدلول اللفظ من الخارج، وأما تعريف باقى المعارف فمن جوهر اللفظ ولوضعه للأمر المأخوذ مع التعين، وما ذكره السيد السند أن تعريف الموصول واسم الإشارة والضمير من الخارج كالمعرف باللام والنداء والإضافة والانقسام إلى الخمسة بحسب تفاوت ما يستفاد منه مزيف؛ لأن الخارج فى الموصول، ونظير به قرينة المراد من اللفظ لا للإشارة إلى تعينه؛ ولأن تفاوت ما يستفاد منه أزيد من الخمسة (وهو) أى: الاستغراق مطلقا باللام كان أو غيره بدليل قوله بعد بدليل صحة: «لا رجال فى الدار» والأولى والاستغراق (ضربان) كما فى الإيضاح فلا خفاء فى التمثيل بالصاغة مع خفاء كونه معرفا باللام، إذ اللام فى اسم الفاعل اسم موصول لا حرف التعريف