المحقق من أن قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (١) يفيد الذكر؛ لأن التحرير لا يكون إلا للذكر وهو عتق الذكر لخدمة بيت المقدس، ومنها: أن قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً بتقدير شرط واضح أي:
لو كان ذكرا، ومنها: أن قوله: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (٢) تحسرا على فوت الذكر فيذكره، لكن ما ذكره المصنف توجيه حسن أليق بهذا المقام تنبهت له- وإن خفى على الفحول الأعلام- والحمد لله على الإنعام بالإلهام.
وجعل الرضى علي وصف المنادي المبهم نحو: يا أيها الرجل وصف اسم الإشارة نحو هذا الرجل للعهد لكونه معلوما البحضور وتبعه الشارح المحقق وفيه تأمل؛ لأن الظاهر أنه لرفع الإبهام ودفع التباس في الإشارة الحسية ببيان الجنس وبه يشعر كلام النحاة فهو لتعريف الجنس، نعم يقع الجنس على حصة متعينة غاية التعين، وفرق بين المقصد بالعبارة وبين انصراف العبارة إليه، قيل ذلك مقيد بما إذا استعمل اسم الإشارة في المشاهد على ما هو وضعه أو ذكر اسم الإشارة على وجه الإهمال لا على وجه كلي أي: اسم الإشارة في الجملة فلا يرد أن اسم الإشارة قد يكون إشارة إلى الجنس الذي جعل وصفا له (أو إلى نفس الحقيقة) ومفهوم المسمى أو المفهوم المجازي فإن لام التعريف كما تدخل على الحقيقة تدخل على المجاز فيقول: الأسد الذي يرمي خير من الأسد المفترس والمراد الإشارة إلى المفهوم سواء اقتصر الحكم على المفهوم أو اقتضى صرفه إلى الفرد فالأول (كقولك: الرجل خير من المرأة) والثاني ما يشير إليه قوله وقد يأتي وقد يفيد، ولا يصح تقييد الحقيقة بما لم تعبر معه قصد الإفراد كما يشعر به كلام الشارح وأن يوهمه التمثيل وإلا فلا يصح جعل العهد الذهني والاستغراق داخلين تحته، وكون جنس الرجل خيرا من جنس المرأة لا ينافي كون شخص مرأة خيرا من شخص رجل فإن العوائق قد يمتنع عما يستعدّه الجنس وقد يكون الإشارة إلى نفس الحقيقة لدعوى اتحاده مع شيء وجعل قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهو الذي قصده جار الله تعالى حيث قال: إن معنى التعريف في (المفلحون)
стр. 317
الدلالة على أن المتقين هم الذين حصلت لهم صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورهم الحقيقة فهم لا يعدون تلك الحقيقة، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد؟ وما جبل عليه من فرط الإقدام، إن زيدا هو هو، ولا يخفى أنه أبلغ من قصد القصر ادعاء، ووصفه الشيخ في دلائل الإعجاز بنهاية الدقة حتى كأنه يعرف وينكر، ومن وهم من قوله لا يعدون تلك الحقيقة أنه جعله من قصر المسند إليه على المسند فلا يبالي به، وكيف وقد استولى عليه الوهم إلى أن قال:
إنه جعل ضمير الفصل لقصر المسند إليه على المسند ولم يعرف أنه في بيان معنى التعريف، وقد يشار إلى تعيين الجنس من حيث انتسابه إلى المسند إليه فيرجع التعيين إلى الانتساب كما فى بيت حسان:
[ووالدك العبد]
أى: ووالدك المعروف بالعبودية، وظاهر عبارته يشعر بأن لام الجنس إشارة إلى نفس المفهوم من غير زيادة، وذلك لا يقتضى تعريفا فى المفهوم حتى يعد معرفا لحصولها من نفس استعمال اللفظ، ويستدعى أن يجعل تعريف المعرف بلام الجنس تعريفا لفظيا لا يحكم به إلا لضبط أحكام اللفظ من غير حظ للمعنى فيه؛ كما قال بعض محققى النحاة: كل لام تعريف سوى لام العهد لا معنى للتعريف فيها، والناظرون فى المعانى لهم شرب آخر، ولا يلتفتون إلى هذا المورد، ولا ينظرون إلى هذا المحتد، ولا يعتبرون التعريف اللفظى، ولذلك تراهم طووا ذكر علم الجنس بأقسامه فى مقام التعرض للعلم وأحكامه فيجب أن يحمل قوله: «أو إلى نفس الحقيقة» على نفس الحقيقة باعتبار حضورها وتعينها وعهديتها فى الذهن، يرشدك إليه قوله فيما بعد «باعتبار عهديته فى الذهن» فإن قيل لم لم يجعل علم الجنس موضوعا لجوهره لما وضع له المعرف بلام الجنس؟ قلت: لأن اعتبار التعيين الذهنى تكلف إذ ليس نظر أرباب وضع اللفظ إلا على الأمور الخارجية، وذو اللام يدعو إليه لئلا يلغوا اللام، ولا داعى فيه فى نحو أسامة.
قال السكاكى: لا بد فى تعريف الحقيقة من تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية إما لكون ذلك الشئ محتاجا إليه على طريق التحقيق أو على طريق التهكم فهو لذلك حاضر فى الذهن، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم لذلك على أحد
стр. 318
الطريقين، أو لأنه لا يغيب عن الجنس على أحد الطريقين، وإما لأنه جار على الألسن، كثير الدور فى الكلام على أحد الطريقين.
(وقد يأتى) أى المعرف بلام الحقيقة (واحد) من أفراد مفهومه (باعتبار عهديته) أى: عهدية ذلك المسمى (فى الذهن) لا باعتبار عهدية الواحد أى:
حرف التعريف لتعين المسمى لا الفرد، وقال الشارح: يريد أنه يأتى لواحد باعتبار عهدية ذلك الواحد من حيث إنه متحد مع ما هو معهود فى الذهن فكأنه معهود، ولا يخفى أن إدخال حرف التعليل فى قوله: قد يأتى، وقوله: وقد يفيد يوهمان أن لام الحقيقة من حيث هى هى أكثر منهما وليس الأمر كذلك لأن الحكم على المفهوم من حيث هو هو قلما يكون فى المحاورات، وإن كثر فى العلوم فى المعرفات، وكأنه أتى بكلمة قد للتحقيق إزالة للشك فى ذلك الإتيان؛ لأنه خلاف الأصل، والأصل إرادة المفهوم من حيث هو هو لأنه الموضوع له وإنما يعدل إلى البعض عند قرينة البعضية، وإلى العموم عند قرينة الوجود وعدم قرينة البعضية؛ لأن التخصيص ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، وإنما قال: وقد يأتي، ولم يقل: وقد يقصد به واحد؛ لأن الواحد غير مقصود باللفظ، وإنما يأتى من القرينة.
(كقولك ادخل السوق) فإن السوق أفاد أن الحقيقة المتحدة المرادة بالمعرف باللام متحدة مع موجود حتى لو أريد الواحد كان اللفظ مجازا بخلاف النكرة، فإنها وإن وضعت للحقيقة المتحدة إلا أنها مع التنوين تفيد الماهية مع وحدة لا بعينها، ويسمى فردا منتشرا ويفهم الواحد منها من حاق اللفظ، واختلف فى وضع اسم الجنس هل هو موضوع للحقيقة المتحدة أو للحقيقة مع وحدة؟ يرجح الشارح المحقق الثانى، ورده السيد السند؛ بأنه لو كان كذلك يلزم أن يكون اسم الجنس حين دخول لام التعريف فى مقام العهد الذهنى مجازا، وقد جعلوه حقيقة أو موضوعا بالوضع التركيبى على خلاف الإفرادى وفيه بعد، ويعارضه أنه لو كان اسم الجنس موضوعا للحقيقة لكان المعرف بلام العهد مجازا فى حصة المعينة أو موضوعا بالوضع التركيبى على خلاف الوضع الإفرادى، والأول باطل بالاتفاق، والثانى بعيد جدا، وبالجملة قولك: ادخل سوقا يأتى لواحد من حاق اللفظ
стр. 319
فالنكرة أقوى فى الإتيان لواحد فلذا قال: (وهذا فى المعنى كالنكرة) لكن ليس كل نكرة كذلك؛ لأن المصادر ليس فيها القصد إلا إلى الحقيقة المتحدة بالإجماع كما نص عليه المفتاح إلا أن الشائع الغالب فى النكرة ذلك؛ فلذلك أطلقها ولا يخفى أن المعرف فى مقام الاستغراق أيضا كالنكرة؛ لأنها تأتى للوحدات من غير إشارة إلى تعيينها، غايته أنها متحدة مع الماهية المعهودة كالمعهود الذهنى، والمعرف بلام الحقيقة من المصادر كالنكرة منها فى المعنى حتى حكم السيد السند فى شرح المفتاح بأنه ينبغي أن يجوز أن يعامل مع هذه المصادر معاملة النكرة وإن لم يتحقق الاستعمال فلا وجه لتخصيص هذا الحكم بهذا القسم، ويمكن أن يقال: يريد أن هذا فى المعنى كالنكرة فى اعتبار البلغاء وليس غيره كذلك، ولذا لم يعامل معه معاملة النكرة ونظرهم فى هذا التخصيص محمود؛ لأن مناط الإفادة وهو الفرد فى هذا القسم مبهم فلم يعتد بتعيين تعلق بالمفهوم بخلاف ما إذا أريد الحقيقة من حيث هى هى، فإن مناط الحكم هو ما يتعلق به التعيين واجتلى فى نظر العقل تعينه، وبخلاف ما إذا أريد جميع الأفراد فإنها لتعينها بالعموم نائب مناب المتعين فلم يختل تعيين اللام بمجاورة الإبهام، وخلص اللام فى إفادة التعيين عن ملام الاتهام والمعاملة معها معاملة النكرة كثيرة وله غير نظير، فإنه وصف بالجملة فى قول الشاعر:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّنى ... فمضيت ثمّة قلت لا يعنينى (١)
وفى التنزيل: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٢) وإنما قال فى المعنى كالنكرة لأنها فى اللفظ معرفة صرفة لوجود اللام وعدم التعيين، ولهذا غلّب إجراء أحكام العارف عليه حيث تعاضد حرف التعريف فى اللفظ لثبوت تعريف فى المعنى،
стр. 320
وهذا أظهر مما قال الشارح: إن التقييد بقوله فى المعنى؛ لأنه يجرى عليه أحكام المعرف من وقوعه مبتدأ وذا حال إلى غير ذلك؛ لأن هذه الأحكام فرع كونه معرفة أو كالمعرفة كما أن إجراء حكم النكرة فرع كونه فى المعنى كالنكرة، وليس من وجوه كونه فى المعنى كالنكرة.
[وقد يفيد الاستغراق]
(وقد يفيد) أى: المعرف بلام الجنس (الاستغراق) وشمول جميع الوحدات إذا امتنع حمله على الحقيقة من حيث هى هى لقرينة اعتبار الوجود على بعض الأفراد دون بعض لعدم قرينة البعضية، فأول ما يفيده المعرف بلام الجنس الحقيقية من حيث هى هى ثم الحقيقة فى ضمن واحد ويتجاوز إلى الحقيقة فى ضمن الجميع، فترتيب الكتاب على وفق هذا الترتيب، وإن كان رجحان الاستغراق على العهد الذهنى ورجحان العهد الذهنى على ما هو لتعريف الحقيقة من حيث هى هى كما تقرر فى محله: يقتضى عكس هذا الترتيب، وقد يتحقق قرينة على الاستغراق سوى انتفاء قرينة البعضية بعد قرينة اعتبار الوحدة ولا بد منها فى المقام الاستدلالى نحو: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (١) فإن الاستثناء قرينة إرادة العموم؛ لأن شرطه الدخول فى المستثنى منه قطعا أو الخروج قطعا أو لا مجال لخروج المؤمنين وعاملى الصالحات من الإنسان فلا بد من الدخول جزما، والمدخول لا يتأتى بدون الاستغراق.
واعلم أن التعريف باللام والنداء والإضافة جاء لمدلول اللفظ من الخارج، وأما تعريف باقى المعارف فمن جوهر اللفظ ولوضعه للأمر المأخوذ مع التعين، وما ذكره السيد السند أن تعريف الموصول واسم الإشارة والضمير من الخارج كالمعرف باللام والنداء والإضافة والانقسام إلى الخمسة بحسب تفاوت ما يستفاد منه مزيف؛ لأن الخارج فى الموصول، ونظير به قرينة المراد من اللفظ لا للإشارة إلى تعينه؛ ولأن تفاوت ما يستفاد منه أزيد من الخمسة (وهو) أى: الاستغراق مطلقا باللام كان أو غيره بدليل قوله بعد بدليل صحة: «لا رجال فى الدار» والأولى والاستغراق (ضربان) كما فى الإيضاح فلا خفاء فى التمثيل بالصاغة مع خفاء كونه معرفا باللام، إذ اللام فى اسم الفاعل اسم موصول لا حرف التعريف
стр. 321
عند غير المازنى (١)؛ لأن التعريف بالموصولية أيضا يأتى للاستغراق نحو: أكرم الذين يأتونك إلا زيدا، هكذا ذكره الشارح المحقق وفيه نظر؛ لأن اسم الموصول لا يستعمل إلا فى فرد معين من المعلوم بالصلة، فالصاغة استعملت فى الجماعة المعينة التى هى صاغة بلده أو مملكته لا فى مفهوم معرف بتعريف جنسى من حيث التحقق فى ضمن أفراد بمعونة القرينة من غير إشارة إلى تعيين الأفراد، فتأمل إن كان لك دقة نظر يعينك إلى إدراك وطر، فلا ترتيب فى أنه لا معنى لجريان الأقسام الأربعة فى تعريف الموصول، والشارح المحقق جعل كون اللام فى اسم فاعل أو مفعول لم يقصد به الحدوث حرف تعريف اتفاقا كاللام فى الصفة المشبهة استنباطا من مقتضيات كلامهم حقيقى نحو: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ* (٢) أى:
كل غيب (وعرفى نحو جمع الأمير الصاغة) جمع صائغ (أى صاغة بلده أو مملكته) هو بفتح الميم واللام أو ضم الميم: عز الملك وسلطانه على ما فى القاموس، والمراد هنا: ما فى تصرف الملك من البلاد وإرادة صاغة البلد إذا كان المراد بالأمير أمير البلد والمملكة إذا كان أمير بلاد، وفسر الشارح المحقق الحقيقى:
بالشمول لكل ما يتناوله اللفظ بحسب اللغة، وكأنه أراد أعم من التناول بحسب المعنى المجازى أو الحقيقى والعرفى بالشمول لما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف هذا؛ والتعرف إذا أطلق يراد به العرف العام فيتجه أنه يبقى الشمول شرعا واصطلاحا واسطة، وأن الظاهر لغو وعرفى إذ لا تقابل بين الحقيقى والعرفى، وفسر فى شرح المفتاح والسيد السند أيضا الحقيقى بما كان شموله للأفراد على سبيل الحقيقة بأن لا يخرج فرد، والعرفى بما يعد شمولا فى عرف الناس، وإن خرج عنه كثيرون من أفراد المفهوم. هذا ولا يخفى عليك أن التقسيم إلى الحقيقى والعرفى لا يخص الاستغراق بل هو تخصيص من غير مخصص، إذ إتيان المعرف باللام أيضا لواحد مبهم يكون عرفيا وحقيقيا، إذا دخل السوق عرفى، إذ المراد سوق من أسواق البلد لا أسواق الدنيا، بل الإشارة إلى الحقيقة من حيث هى هى أيضا كذلك؛ لأنك ربما تقول فى بلد: البطيخ خير من العنب؛ لأن بطيخه خير من عنبه، فالإشارة فى كل من البطيخ والعنب إلى جنس خاص منهما بمعونة العرف؛
стр. 322
ولذا قد يعكس ذلك فى بلد آخر وهكذا، دقيقة قد أبدعها السكاكى، واتخذها من جاء بعده مذهبا يشعر به قوله فى صدر هذا البحث: «وهاهنا دقيقة» والحق أن لا استغراق إلا حقيقيا، والتصرف فى أمثال هذا المثال فى الاسم المعرف حيث خص ببعض مفهومه بقرينة التعارف، فأريد بالصاغة إحدى الصاغتين، وأدخل اللام واستفيد العموم.
فإن قلت: لم لم يجعل الصاغة عهدا تقديريا؟ قلت: لا نزاع فى صحته، وإنما الكلام فيما إذا أريد بها كل صاغة. ولو نازعت فى الإرادة يقطع نزاعك، وبالعدول إلى التمثيل بقولنا: جمع الأمير كل صاغة، ولما كان المثنى أشمل من المفرد، والجمع من المثنى، وكان الغرض من وضعهما الشمول لقصور المفرد عنه، وكان يتبادر إلى الوهم أن الجمع المستغرق أشمل من المثنى، والمثنى المستغرق أشمل من المفرد المستغرق إذ زاد موجب الشمول نبه على فساده بأن استغراق المفرد يكون أشمل، واعتمد على أنه يتنبه الفطن منه؛ لأن استغراق المثنى منه يكون أشمل من الجميع فقال: (واستغراق المفرد أشمل) (١) أى: استغراق ما هو مفرد فى المعنى سواء كان مفردا فى اللفظ أو لا كالجمع المحلى باللام الذى بطل فيه معنى الجمعية أشمل من الجمع بحسب المعنى سواء كان جمعا صورة أو مفردا نحو: قوم ورهط ولم يقصد بذلك الحكم الكلى، والأظهر منه عبارة المفتاح، واستغراق المفرد يكون أشمل، والأظهر منهما قد يكون فلا يتجه أن قوله: (بدليل صحة «لا رجال فى الدار» إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل) لا يتم؛ لأن الصورة الجزئية لا تثبت الدعوى الكلية؛ ولأنه معارض بأنه يصح «لا يطيق حمل هذا الحجر رجل»، حيث يطيقه رجلان أو رجال دون لا يطيقه رجال، وينساق الفهم مما ذكره إلى استغراق المثنى أشمل من استغراق الجمع، واستغراق جمع القلة أكثر من استغراق جمع الكثرة، واستغراق كل جمع محصور أشمل مما فوقه، فقولك: لا عشرة رجال أشمل من لا عشرين رجالا حتى أنه كان الواضح
стр. 323
أن يقول: واستغراق المشمول أشمل من استغراق الشامل.
قال الشارح المحقق: وإنما أورد البيان (بلا) التى لنفى الجنس؛ لأنها نص فى الاستغراق نحو: ما من رجل فى الدار؛ لأن زيادة «من» بعد النفى للتنصيص على الاستغراق، وبناء اسم «لا» لتضمنه معنى «من» حتى لا يصح «لا رجل بل رجلان» بخلاف لا رجل بالرفع فإنه ظاهر فيه حتى يصح صرفه عن الاستغراق بالقرينة نحو: ما جاءنى رجل بل رجلان، وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: ما ذكره السيد السند يعنى: أنه أورد بيان الدعوى فيما هو نص فى الاستغراق؛ لأنه إذا لم يشمل نفى الجمع مع كون النفى نصا فى الاستغراق الواحد والاثنين فعدم شمول جموع ليس نصا فيه بطريق الأولى، فيتضح بذلك ثبوت المدعى، ويعارضه أن المفرد فيما ليس نصا فى الاستغراق إذا كان شاملا لما لا يشمله الجمع كان شموله فيما هو نص فيه بطريق الأولى.
وثانيهما: أنه يعنى أنه لا ريبة فى صحة قوله دون «لا رجل» بالفتح؛ لأنه نص فى الاستغراق بخلاف «لا رجل فى الدار» بالرفع فإن عدم صحته خفى إذ يصح أن يقال: لا رجل فى الدار بل رجلان، ولو جعل لا رجال بالفتح، ولا رجل بالرفع، لكان عدم شمول: لا رجال بالرفع، وشمول: لا رجل بالفتح بطريق الأولى، وأورد على كون زيادة «من» موجبا للاستغراق القطعى قول الأئمة: ما من عام إلا وقد خص منه البعض، فإنه ليس نصا فى العموم وإلا لم يكن مخصوص البعض فيكذب نفسه، وأجيب بأنه مبالغة وادعاء لا يقبل الكذب، ومما يدل على الدعوى صحة «كل رجال جاءونى» مع تخلف رجل أو رجلين دون «كل رجل جاءنى» ولا يضره صحة كل رجل تسعه الدار دون كل رجال فتذكر.
وإنما لم يتعرض فى بيان كون استغراق المفرد أشمل للمعرف باللام مع أن عقد البحث له؛ لأن استغراق الجمع المعرف باللام فى الأكثر لإحاطة كل فرد من الجنس لا لإحاطة كل جمع، صرح بذلك أئمة الأصول والنحو، وصرح بتفسير كل جمع معرف باللام بكل فرد فرد دون جماعة جماعة أئمة التفسير كلهم.
وقال السيد السند فى حواشى شرح التلخيص: كأنه بطلت الجمعية فى المحلى
стр. 324
باللام لأنه يلزم من اعتبار كل جماعة تكرار الحكم على الجماعات إذ ما من جماعة إلا وهى داخلة فى جماعة فوقها ونحن نقول: يلزم تكرار الحكم على آحاد الجنس أيضا؛ إذ ما من واحد إلا وهو داخل فى جماعات متعددة فإن قلت: أيلزم التكرار فى استغراق المفرد أيضا لأن الحكم على كل واحد حكم على كل اثنين وعلى جماعة؟ قلت: هذا من قبيل استثناء الثبوت بالإثبات أو ثبوت الحكم لكل واحد يستلزم الثبوت استثناء لكل اثنين ولكل جماعة، لكن الحكم على كل واحد لا يستلزم الحكم على الاثنين، فإن قلت: جعل الجمع مستغرقا للمجموع لا يمكن بدون التكرار فهو ضرورى، والتكرار بالضرورى يعفى عنه قلت: قولنا: كأنه بطلت الجمعية لذلك، وفيه إشارة إلى أن إهمال الجمعية العائدة إلى أمر اللفظ أهون من ارتكاب التكرار؛ لأن فيه إهمال جانب المعنى ولا يخفى أن المثنى المستغرق أيضا يستلزم التكرار؛ إذ قولنا كل رجلين يستلزم دخول زيد مثلا مرارا غير متناهية فى الحكم، ولم يثبت أنه بمعنى كل رجل، وبالجملة هذا الجمع المحلى باللام داخل فى استغراق المفرد، فنقض الشارح القاعدة الكلية به باطل لما عرفت سابقا من وجهين فتذكر.
وقد يأتى الجمع المعرف باللام لإرادة الجميع فيكون: جاءنى الرجال فى معنى جاءنى جميع الرجال، وهو هذا المعنى ليس دون المفرد فى الشمول، ووجه إفادة استغراق الأجزاء مع أن اللام ليس معناه إلا تعريف المفهوم هو أن الأولى بالقصد فى المقام الخطابى الفرد الأشمل من الجمع، وجزء ليس بأولى من جزء فيشمل جميع الأجزاء.
واعلم أن السيد السند جعل «لا رجال» محتملا لأن يقصد به معنى لا رجل تحرزا عن التكرار كما فى المعرف باللام وفيه بحث؛ لأنه يتوقف على أن يثبت قصد معنى المفرد به من أئمة اللغة، ولا يصح البناء على ما هو الباعث على إبطال معنى الجمعية فى المعرف باللام؛ لأنه سر نحوى لا يطرد، على أنه يمكن الفرق بأن مقام المبالغة فى النفى كما تشهد له زيادة «من» الاستغراقية يدفع بشاعة التكرار، ولا تعويل على ما روى عن ابن عباس، رضى الله تعالى عنه أن الكتاب أكثر من الكتب وإن قال الزمخشرى أيضا فى تفسير قوله تعالى: وَالْمَلَكُ
стр. 325
عَلى أَرْجائِها (١) أن الملك أكثر من الملائكة متابعة لهذا المروى؛ لأن ما حققناه سابقا مما وثّقه الكثيرون وتبعه الكشاف فى مواضع كثيرة وما قاله المفتاح:
إنّ فى اختيار المفرد المستغرق على الجمع المستغرق تكثيرا للمعنى بتقليل اللفظ، ولهذا ألطف قوله تعالى: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (٢) لإفادته وهن كل عظم بخلاف وهن العظام فإنه يصحح وهن العظام بوهن البعض إما مبنى عليه فيكون ضعيفا وإما مبنى على أنه ربما يقصد بالجمع المعرف باللام المجموع من حيث المجموع ولهذا لا يلزم فى قولك: للرجال علىّ درهم إلا درهم واحد، فلما كان وهن العظام يحتمل أن يكون هذا المعنى قصد بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى قطعا فحكم الشارح المحقق ببطلان قوله: لا يخلو عن وهن. فإن قلت: لا يصح الحكم بمجىء الرجال من حيث المجموع مع تخلف واحد فكيف يصح وصف مجموع العظام بالوهن مع عدم وهن بعض؟ قلت: لأنه إذا قل قوة المجموع ثبت للمجموع وهن، إذ لم يبق القوة التى تعلقت بالمجموع بخلاف المجىء، فإنه لا يثبت للمجموع، إذا لم يثبت لجزء.
اعلم أن من لا يفرق بين الجمع المحلى باللام والمفرد كذلك فى جانب الكثرة يوافق من يفرق بينهما فى جانب القلة؛ إذ لا يصلح أن يراد بالجمع الجنس فى ضمن الواحد، اتفاقا بخلاف المفرد فإنه يصلح أن يراد به الجنس فى ضمن أى بعض إلى الواحد وهذا لا ينافى ما تقدم من أن الجمع المستغرق بطل جمعيته؛ لأنه من خواص الجمع المستغرق للزوم التكرار مع بقاء الجمعية، والمعرف بلام الجنس لا يستدعى بطلان الجمعية لعدم الموجب لا يقال: من حلف لا يتزوج النساء يحنث بتزوج واحدة وعليه قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (٣) فقد أريد بالجمع المعرف باللام إلى الواحد؛ لأنا نقول هذا من قبيل المعرف بلام الاستغراق أى لا أتزوج واحدة من النساء فهو نظير وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (٤) أى لا تخاصم عن خائن، لما أثبت إفادة المعرف باللام الاستغراق بقوله تعالى: إِنَ
стр. 326
الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (١) فالنزاع فيها إما بالمعارضة أو النقض بأن يقال: لا يفيد الاستغراق للتنافى بين الاستغراق وإفراد الاسم، أو لو صح الدليل المذكور للزم تحقق المتنافيين أولا ثم توقف صحة الاسثناء على الاستغراق؛ لأنه يستحيل الاستغراق فى المفرد، وبهذا تبين أن حق ما ذكره من الجواب أن يذكر متصلا بقوله وقد يفيد الاستغراق نحو إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يثبت الاستغراق ويستحق أن يذكر تقسيمه وحكمه وتحقيق الجواب المشار إليه بقوله (ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد الاسم) أى: كون الاسم مفردا مستدعيا للوحدة أو إفراد يفيده الاسم، فالإفراد بمعنى الوحدة كما سيأتى فى قوله:
وأما تنكيره فللإفراد (لأن الحرف) أى حرف التعريف الذى يكون إفادة الاسم الاستغراق بعد دخوله، وتفسيره بالحرف الدال على الاستغراق كما فى الشرح ينافي ما حقق أن مدلول الحرف ليس إلا التعريف، والاستغراق إنما يجىء من القرينة، وذكر الحرف تغليب، والواضح أن الاسم إنما يعتبر مفهومه فى ضمن جميع الإفراد مجردا عن معنى الوحدة، كيف وتنافي الاستغراق لا يختص استغراق المعرف باللام بل يجرى فى المضاف والموصول والمضاف إليه كل أيضا (إنما يدخل عليه) أى على الاسم المفرد وفيه أن الإشكال لا يخص المفرد؛ لأنه يتجه على قولك: ما جاءنى رجال وما جاءنى رجلان أيضا؛ لأن رجالا يدل على جماعة واحدة، والاستغراق يوجب تعدد الجماعة المقصودة أو على الاسم المفيد للإفراد والوحدة وحينئذ يتناول الجمع والتثنية فهذا التوجيه مرجّح فاحفظه (مجردا) اسم فاعل حال من ضمير الحرف أو اسم مفعول حال من ضمير الاسم (عن معنى الوحدة) أنه يجعل الاسم بمعنى الحقيقة من حيث هى هى بحيث لا وحدة فيها ولا تكثر، بل هى قابلة لكل منهما فيضم الكثرة معها بقرينة الاستغراق، فإن قلت: هذا ظاهر فى قولك «الرجل» لخلوه عن التنوين الدال على الوحدة، وأما فى قولك ما جاءنى رجل أو رجال فمشكل لوجود الدال على الوحدة.
قلت: التنوين له دلالتان: دلالة على التمكن أو دلالة على الوحدة فإذا لم تصح الوحدة تحمل على التمكن كتنوين زيد، نعم التنوين فى الاسم الغير المتمكن
стр. 327
نحو «صه» لا يفارق عن الوحدة احتزازا عن اللغو، وهذا الجواب لا يتم فى بعض الصور إلا على سبيل الجدل فإن ما جاءنى رجل لم يجرد عن الوحدة بل أريد به الوحدة المطلقة فعمت بدخول النفى لإبهامها، وكذا فى ما جاءنى رجال وليس هذا الجواب مبنيا على جعل اسم الجنس موضوعا للفرد؛ إذ لو كان موضوعا للحقيقة المتحدة فلا وحدة حتى يجرد عنها؛ لأن التنوين جعله ذا وحدة وأما ما ذكره السيد السند أن اسم الجنس لما استعمل فى التراكيب لبيان الأحكام وكان أكثر الأحكام جارية على الماهية فى ضمن فرد شاع اسم الجنس مع اعتبار الوحدة، وصار بحيث يتبادر منه الفرد لإلف النفس كأنه دال على الوحدة، فإذا دخل عليه حرف الاستغراق جرّد عن هذا العارض الذى هو منشأ الاعتراض فلا يخفى ما فيه، إذ غلبة الأحكام على الماهية فى ضمن الفرد لا توجب كون إرادة الفرد منه أكثر حتى يتبادر منه؛ لأن المراد بالأخبار والأحوال والأوصاف هى المفهومات دون الأفراد (ولأنه) أى: الاسم المستغرق (بمعنى كل فرد لا مجموع الأفراد) وأنه يجتمع التعدد مع الوحدة؛ لأنه بمعنى كل واحد لا مجموع الآحاد، والكل المتناول للمتعدد واحد أو واحدا على سبيل البدل لا ينافى الوحدة؛ ولذا صح كل واحد (ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع) بأن يجعل الجمع نعتا له وكذا امتنع جعله حالا عنه وخبرا له، والأولى ترك النعت ليعم الكل.
ومما جعله المصنف علة للامتناع: المحافظة على التشاكل اللفظى، ويتجه عليه أن التشاكل اللفظى لا يجب؛ ولهذا صحح «القوم الفاضل والفاضلون» فلا يصير سببا للامتناع، والتحقيق أن المراد بالمعرف موصوفا أو صفة نفس الحقيقة المجردة عن الوحدة والكثرة، والكثرة إنما جاءت من القرينة فلا يصح جمع ما أريد به الحقيقة المطلقة من غير كثرة، وإن اقتضت القرينة اعتبار المتعدد من غير قصده بالمعرف. فإن قلت: كيف يمتنع الوصف بنعت الجمع، ولام الاستغراق نبطل الجمعية، ويصير اللفظ معه فى حكم المفرد فليوصف بالجمع الذى بطلت جمعيته؟
قلت: النعت وأخواته يراد به المفهوم لا كل فرد حتى يبطل معنى الجمعية بالاستغراق، والمراد امتناع وصفه بنعت الجمع إذا كان مفردا وإلا فلأن يمتنع وصف رجال فى ما جاءنى رجال بنعت الجمع، ولهذا امتنع أيضا إرجاع ضمير
стр. 328
الجمع إليه فتأمل.
قال الشارح المحقق: امتناع الوصف المذكور عند الجمهور، والأخفش (١) حكى الدينار الصفر والدرهم البيض، ورده السيد السند بأن الدينار الصفر ليس بمعنى كل الدينار، بل المراد بالدينار الجنس مجردا عن الوحدة، نعم مذهب الأخفش ينافي وجوب المحافظة على التشاكل اللفظى، لكنه لم يذكره المصنف هناك، وإن ذكره فى الإيضاح فلا يليق التعرض بمذهب الأخفش فى شرح كلام المتن، ولا يذهب عليك أن الدينار الصفر يحتمل أن يكون من قبيل ثوب أسمال بمعنى أن جميع أجزائه سمل أى: خلق فيراد بالدينار الصفر أن جميع أجزائه صفر وليس بمغشوش، ونحن نقول: يشكل امتناع الوصف بقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (٢) ويمكن أن يدفع بأن المراد امتناع وصفه بالجمع مع إبقائه على ظاهره من غير تأويل والآية؛ لتأويل ما من دابة بقولنا ما الدواب وحينئذ يمكن التوفيق بين الأخفش والجمهور، فتأمل.
[وبالإضافة]
(وبالإضافة) أى: تعريف المسند إليه بإضافة ولا يذهب عليك أن الإضافة من أحوال المسند إليه ولا يخص بالتعريف بل يتعلق بها نكات كثيرة مع خلوها عن التعريف فكم بين الحقير فى ولد حجام حضر أو يضاحك، وبين ولد الحجام إلا أن القوم أهملوها من غير ظهور جهته (لأنها) أى: الإضافة أى: المعرف بالإضافة فافهم، (أخصر طريق) إلى إحضار المسند إليه فى ذهن السامع فى هذا المقام، إما لأنه أخصر كل ما يحضر عند المتكلم، وأخصر كل ما يحضر عند المخاطب لا أنه أخصر طرق التعريف؛ لأن أخصر الطرق مطلقا هو بعض الضمائر، فهذا لا يصلح إلا داعيا إلى الضمير (نحو) قول جعفر بن علية الحارثى [(هواى)] فسره الشارح المحقق والسيد السند فى شرح المفتاح بمهويى ومحبوبى، والصواب تفسيره بمهويتى ومحبوبتى يدل عليه ما بعد هذا البيت وهو شعر:
стр. 329
عجبت لمسراها وأنّى تخلّصت ... إلىّ وباب السّجن دونى مغلق
ألّمت فحيّت ثمّ قامت فودّعت ... فلمّا تولّت كادت النفس تزهق (١)
ولا يريبك تذكير مصعد؛ لأنه للفظ هواى فإنه أخصر من التى أهواها، واسمه لا ينفع المخاطب، وليس مقام الإشارة والضمير والاختصار مطلوب لضيق المقام وفرط السآمة لكونه فى السجن والمحبوب على الرحيل، ويمكن أن يقال:
الداعى إلى الإضافة استلذاذ إضافة الهواى إلى نفسه (مع الرّكب) اسم جمع للراكب (اليمانين) أى: جمع يمان مغير يمنى بتخفيف الياء وتعويض الألف عنه وحذف الياء المخففة لالتقاء الساكنين بعد حذف حركة الياء لموجبه (مصعد) مبعد ذاهب فى الأرض، تمامه: (جنيب وجثمانى بمكة موثق) (٢)، والجنيب:
المحبوب المستتبع، ولفظ البيت خبر، ومعناه تحزن وتأسف إما على البعد الجثمانى أو على مفارقة الروح من الجثمان (أو لتضمنها تعظيما لشأن) أى أمر (المضاف إليه أو المضاف أو غيرهما) وأمثلة الثلاث على ترتيبها (كقولك عبدى حضر) إذا كان العبد ذا شأن والألطف عبدى عندى (أو عبد السلطان ركب) عبد السلطان عندى (أو) لتضمنها (تحقيرا) على أحد الوجوه الثلاثة (نحو ولد الحجام حاضر) مثل لتحقير المضاف واستخراج المثالين الآخرين سهل، ومن دواعى الإضافة تضمنها اعتبارا لطيفا مجازيا، وهو جعل أدنى ملابسة تامة تستدعيها الإضافة نحو كوكب الخرقاء، وهل هى مجاز لغوى أو حكمى؟ اختلف كلام الشارح المحقق فيه، ورد السيد السند كونه مجازا حكميا بأنه ليس فيه نقل الإضافة من محل إلى محل لملابسة بينهما بل هو استعارة الهيئة الإضافية من الملابسة الكاملة لأدنى ملابسة لمضاهاتها إياها، وفيه أن تحقق حقيقة المجاز الحكمى أو ظهورها غير لازم كما عرفت، فيجوز أن تكون الإضافة منقولة عن محل وهمى
стр. 330
أو محل يحتاج معرفته إلى تأمل، ومنهم من قال: ما هو له للكوكب الوقت الذى يطلع فيه كما يقال كوكب الصبح، ورد بأن الكوكب ليس مملوكا له وليس بشىء لأن الاختصاص الملكى الذى يفيده الإضافة أعم من الملك الحقيقى المعتبر الذى لا يزاحم الوهم فيه للعقل أو كونه بمنزلته حتى يعد الوهم المضاف ملكا للمضاف إليه دون غيره، ألا ترى أن جل الفرس حقيقة وجل زيد تجوز، ومنها تعميم المضاف بإضافته إلى شىء يعم جميع أفراده فيعلم أن القصد إلى الجنس دون فرد بعينه، ولا يلزم فيه أن يكون المضاف إليه مخصوصا بالمضاف كقولهم: يدلك على خزامى الأرض نفحة من رائحتها، ومنها ما ذكره السكاكى من أنه لا طريق له سواها، وزيفه السيد السند بأنه ليس إلا تجويزا عقليا إذ الإضافة تتضمن نسبة خبرية ليصح جعلها صلة.
وقال: ولذا تركه المصنف ولم يلتفت إليه فى الإيضاح أيضا، ويمكن دفعه بأن النسبة الإضافية لاشتهارها وإلف نفسه بها حاضرة عنده، وطريق الموصول أن يحتاج إلى أعمال واستخراج من النسبة الإضافية فيصح أنه لا طريق له سواها؛ إذ الإمكان لا ينافى نفى الشىء بالفعل، وترك الإيضاح إنما يكون أمارة إعراض المصنف لو لم يترك غيره مما ذكره فى المفتاح واعتبارات الإضافة كثيرة، واستخراجها يسيرة فعليك به فإنه ليس بينك وبينه مسيرة.
[وأما تنكيره]
(وأما تنكيره) أى: جعل المسند إليه نكرة، قدم التنكير على التوابع والفصل احترازا عن الفصل بين التعريف والتنكير مع تناسبهما، والمفتاح قدم التوابع والفصل على التنكير لاختصاص الفصل بالمعارف ومزيد اختصاص التوابع بها (فللإفراد) أى: لجعل المسند إليه فردا من شىء بإفادة فرديته، فإن جعل الشىء سببا يكون بحسب الحقيقة، وبحسب القول، وبحسب الاعتقاد، وعليها قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً (١) أى: لا تعتقدوا ولا تذكروا له ندا، والفرد يكون شخصا ويكون نوعا لكن المتبادر منه الشخص؛ فلذلك جعله مقابلا للنوعية مع أن المفتاح جعل الإفراد شاملا لهما، ويحتمل أن يراد بالإفراد جعل الشىء فردا مطلقا من غير تعرض للنوعية والشخصية، وحينئذ يقابله الإفراد
стр. 331
الشخصى والنوعى، وحينئذ يكون التعرض بالإفراد الشخصى متروكا استغناء بشيوعه وظهوره عن البيان والمثال أعنى قوله: نحو: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى ظاهر فى قصد الشخصى، والأظهر أو التنويع مكان قوله (أو النوعية) أى: جعل المسند إليه نوعا إلا أنه تفنن فى ذكر الأسباب فأبرز بعضها فى صورة الغرض المترتب وبعضها فى صورة الحامل المتقدم نحو: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ (١) أى: نوع من الغشاوة غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامى عن آيات الله، فإن التنكير كما يفيد الوحدة الشخصية أو النوعية يفيد إبهامها وكونها مجهولة، وإفادة كونها مجهولة لئلا يتأتى المخاطب عن قبوله لعدم حضوره بغطاء من أغطيته يعرفها، وليعلم أنها عسيرة الإزالة لعدم معرفتها حتى يعرف طريق إزالتها، وبما شيدنا ببيان هذه النكتة اندفع ما قالوا: إن الأقضى لحق المقام حمله على التعظيم كما فعله المفتاح أى: غشاوة عظيمة تحول بين أبصارهم والحق المبين بالكلية، وما يسبق إلى الوهم أن عدول المصنف هنا عما فى المفتاح أشبه بالإفساد مما هو بصدده من الإصلاح، ولا يذهب عليك أن جعل تنوين غشاوة للنوعية يحوج إلى جعل غشاوة مستعملة فى المجاز الأعم من الحقيقة ليصير التعامى نوعا منها داخلا تحتها (أو التعظيم) أى: بيان العظمة لجعل الإبهام وسيلة إلى عظمته؛ لأن العظمة حاجبة عن معرفة العظيم (أو التحقير) أى: بيان الحقارة المناسبة للنكارة؛ لأن الحقير لعدم الاعتناء به لا يعرفهما (كقوله) أى قول ابن أبى السمط قال فى القاموس: السمط الرجل الخفيف وأبو السمط من كناهم، وفى سوق كلامه دلالة واضحة على أن المثال لهما فاعرفهما.
[له حاجب] أى مانع عظيم [فى كلّ أمر يشينه] أى يعيبه وهو كونه عيبا؛ فلذا قال: فى كل أمر [وليس له عن طالب العرف] أى الإحسان [حاجب] (٢)
стр. 332
حقير فكيف العظيم؟ والظهور تعين الأول للتعظيم والثانى للتحقير عند الطبع السليم كما ادعاه السكاكى لم يبينه، ولا يخفى أنه لو جعل الأول للتحقير والثانى للتعظيم لأقبل عليه الذوق القويم حيث يفيد أنه يكفيه مانع حقير عن العيب ولا بد له من مانع عظيم عن الإحسان، ولك أن تجعل نكتة ترك تعيين المثال وعدم تعينه عنده لتنبهه لهذا المقال لكن لتعيينه فى الإيضاح ينوه عن هذا الاحتمال، ولو جعل الثانى للإفراد حتى يكون عموم النفى صريحا لم يبعد، ومن البين أن إثبات المانع عن كل أمر يشينه يستلزم انتفاء المانع عن الإحسان؛ لأنه شين، فالأبلغ «فليس» ولجعل التنكيرين للتكثيرة والتقليل على ما عرفت فى التعظيم والتحقير من التفصيل مساغ (أو التكثير) بعلاقة إن الكثيرة تمنع عن المعرفة (كقولهم إن له لإبلا وإن له لغنما أو التقليل) بعلاقة إن القلة لعدم الاعتداد بها تحول بينه وبين المعرفة نحو: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (١) وفى تعريض بالتقليل والتحقير تعرض بما صرح به فى الإيضاح من أن السكاكى لم يفرق بين التعظيم والتكثير والتقليل والتحقير، وأكد الفرق بقوله: (وقد جاء للتعظيم والتكثير) جميعا نحو: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٢) وجعله الشارح إشارة إلى الفرق، والظاهر ما ذكرنا، وتحقيق الفرق أن القلة والكثرة باعتبار الكمية تحقيقا أو تقديرا، والتعظيم والتحقير بحسب ارتفاع الشأن وانحطاطه كما أشار إليه بقوله: (أى: ذو عدد كثير وآيات عظام) والأظهر استفادة الكثرة من جمع الكثرة إلا أن يراد المبالغة فى الكثرة أو فى الدلالة عليها، والعجب من المصنف كيف وافق السكاكى فى هذا المقام وخالفه فى جعل تنوين «نفحة» فيما سيأتى للتحقير، ولم يتعرض لاجتماع التقليل والتحقير لعدم عثوره على مثال من كلامهم، وجعل السكاكى التنكير فى قوله تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ (٣) للتحقير، واعترض المصنف بأن التحقير مستفاد من بناء
стр. 333
المرة ونفس الكلمة؛ لأنها إما من قولهم: نفحت الرياح إذا هبت، أى: هبته، أو من نفح الطيب إذا فاح، أى: فوحه، ولا يرد أن بناء المرة للوحدة لا للحقارة؛ لأن النفحة إذا كانت واحدة تفيد كمال حقارة ما عبر بها عنه، والجواب: أن التنوين لتحقير النفحة لا لتحقير العذاب، وتحقير النفحة لا يستفاد من بناء المرة ولا من نفس الكلمة، نعم تحقير النفحة لغاية المبالغة فى تحقير العذاب، وهذا أظهر مما ذكروه، ونفحة السيد السند فى شرح المفتاح من أن التحقير مما يقبل الشدة والضعف فيفهم من اجتماع الدوال الثلاث أن العلة فى الغاية، وزاد فى حواشى شرح المفتاح عليه حيث قال: على أن اجتماع الدوال على مدلول واحد لا يقبل تفاوتا جائز للمبالغة فى الدلالة عليه وإيضاحه ومما جعله فى المفتاح محتملا للتهويل وبخلافة قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (١) وقال المصنف هو ظاهر فى الثانى، ووجه قوله: أن ذكر المس والرحمن يشعر بأنه بصدد تخويفه من أدنى عذاب وإظهار شفقته عليه بحيث لا يجوز أدنى عذاب له يدفعه ما ذكره الشارح أنه لا دلالة للفظ المس وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثانى كما ذكره بعضهم لقوله تعالى:
لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢) ولأن العقوبة من الحليم أشد، على أن بين إضافة العذاب إلى الرحمن وإضافته إلى الحليم فرقا (ومن تنكير غيره) لا من تنكير المسند إليه كما هو ظاهر عبارة المفتاح فليحمل كلامه على ذكر النظير دون المثال (للإفراد أو النوعية) لا لمجرد النوعية كما هو الظاهر من المفتاح وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ (٣) أى: كل فرد منها من فرد للنطفة، فى الشرح هى نطفة أبيه المختصة به، ووجه التخصيص بنطفة أبيه غير ظاهر والظاهر: وهى النطفة الممتزجة من نطفة أبيه به أو كل نوع من الدواب من نوع من أنواع المياه، وهو نوع النطفة الممتزجة من نطفتى أبويه، ولا يجوز أن يراد كل شخص من الدواب من نوع من الماء؛ لأنه بعيد عن العبارة وخلاف الواقع ولا كل نوع من كل شخص من الماء لذلك لا لأنه محال كما زعم السيد السند؛ إذ لا يبعد أن
стр. 334
يخلق نوع منحصر فى شخص من شخص من الماء فلذا لم يلتفت المصنف فى الإيضاح إلى هذين الاحتمالين، واكتفى بالاحتمالين الأولين وأورد على الاحتمالين آدم وحواء وعيسى ﵈ والغراب والفأرة والعقرب. ويمكن منع عدم خلقهم وعدم خلقها من النطفة إذ لم يقم دليل على بطلانه حتى يؤوّل له النظم.
نعم لا ينبغى أن يفسر الماء بنطفة الأب أو الأبوين، وأورد على الاحتمال الثانى خصوصا البغل فإنه خلق من نوعى نطفة، ويدفعه أن ليس النوع هو النوع الحقيقى بل أخص من النطفة، فالنطفة الممتزجة من نطفتى الحمار والفرس نوع من النطفة، ولصاحب المفتاح تفسير آخر لماء وهو نوع الماء يعنى: النطفة إذ هى نوع من الماء ولم يلتفت إليه المصنف؛ لأنه خلاف سوق النظم؛ لأن الظاهر تخصيص كل دابة بماء، ورد كون التنكير فى الآية للإفراد بأن تفصيل الدابة بالأنواع حيث قال: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ (١) الآية لا يلائم إرادة الفرد وللتعظيم نحو: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) حيث أوثر على بحرب الله ورسوله، ويحتمل النوعية أى: نوع حرب غير متعارف وهو حرب جند الغيب لا يدرك حربهم حتى يدفع ضره (وللتحقير) قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٣) أى: لا نظن بالساعة إلا ظنا ضعيفا لا اعتداد به؛ ولهذا صح الاستثناء ولم يلزم استثناء الشىء عن نفسه، وهذا من مزالق النحاة حيث خرجوا فى دفع الإشكال عن مقتضى اللفظ والمعنى، فتارة يجعلون إن ضربت إلا ضربا بمعنى إن أنا إلا ضربت ضربا ويقولون: فى التركيب تقديم وتأخير وتارة يقولون: لم يقصد بالضرب إلا مطلق الفعل، كأنه قيل: ما فعلت إلا ضربا، ولا يخفى أن اللفظ بعيد عن هذا الحمل غاية البعد وأن المعنى على حصر الضرب فى نوع منه لا على حصر الفعل فى الضرب، على أنه لا يصح فى: إن ضربت زيدا ضربا جعله فى تقدير إن فعلت زيدا إلا ضربا، فليس ترجيح هذا التوجيه على ما ذكروه لمجرد أنه مغن عن تكلف فيما ذكروه كما يدل عليه كلام الشارح؛ بل لأن توجيههم فاسد والأنجع للنحاة حذف الصفة فى أمثاله فيكون التقدير ما ضربت إلا ضربا حقيرا أو عظيما
стр. 335
أو كثيرا على حسب القرائن، ولا يجب لدفع الإشكال حمل التنوين على ما يجعل به المصدر نوعا كما يشعر به بيان الشارح بل رب مقام يكون التنوين فيه للوحدة فيجعل المفعول المطلق للعدد، قال الشارح المحقق: وكما أن التنكير لإبهامه يفيد التعظيم والتحقير كذلك لفظ البعض قال الله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ (١) أفاد نبينا صلوات الله وسلامه عليه بلفظ البعض إعلاءا لقدره، ونقول هذا كلام ذكره بعض الناس تحقيرا لشأن البعض، وقد يقصد به التقليل نحو كفانا بعض اهتمامه.
[وأما وصفه]
(وأما وصفه) أى جعله موصوفا بإيراد نعت له، ذكر التوابع على طبق ما يذكر فى الكلام إذا اجتمعت، قال الرضى: بدئ بالنعت ثم بالتأكيد ثم بالبدل ثم بالمنسوق ولم يذكر البيان لكمال التباسه بالبدل حتى قال: لم يظهر لى إلى الآن فرق بين بدل الكل وعطف البيان، والحق أنه بدل الكل كما هو ظاهر كلام سيبويه وقال الشارح المحقق: بدئ بالوصف لكثرة وقوعه واعتباراته، وإنما تكون هذه النكتة سرية لو كانت مرعية فى ذكر التوابع كلها (فلكونه) أى: كون الوصف بمعنى النعت، فالأوضح عبارة المفتاح فلكون الوصف (مبينا له كاشفا عن معناه) بين بقوله كاشفا عن معناه ما أراد بقوله مبينا له من بيان معناه دون نفسه فجعل عبارة الحكم مثالا له وهذا من البدائع التى قصده بعض أهل الأدب حتى جعل كتابا فى النحو كذلك بتمامه والمتبادر من المعنى هو المطابقى لكن لا ينبغى أن يحمل عليه؛ لأن الوصف الكاشف ربما يكشف عن معنى مجازى مراد، فالمراد: بالمعنى المقصود لكن أعم من المقصود لذاته؛ إذ ربما يحتاج المعنى الأصلى للفظ الكناية إلى كشف، لينتقل منه إلى المقصود لذاته ولا يجب فى الكشف أن يبلغ الغاية حتى يكون مظهرا للنكتة أو مميزا له عن جميع ما عداه، بل ربما يكون الكشف بوجه أعم، وقول المفتاح: كشفته كشفا كأنك جردته إنما هو تحقيق المثال لا وضع الضابط (كقولك: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله) كل من الأوصاف الثلاثة وصف كاشف يبين الجسم بوجه والمجموع وصف كاشف بالغ مرتبة الحد إما لجعلها بمنزلة وصف واحد بمعنى الممتد فى
стр. 336
الجهات الثلاث، وإما لجعل الوصف أعم من أن يكون واحدا أو متعددا، وقد تكلف بما لا يحتاج إليه من قال: المثال هو العميق؛ لأنه يساوى الجسم أو قال المثال هو الطويل الموصوف بالوصفين وهذا الوصف كاشف على مذهب السكاكى دون المصنف؛ فإن الجسم عند الأشاعرة قد يتركب من جزءين، فلا يكون عريضا عميقا.
قال الشارح فى شرح المفتاح: والمراد بالطول أزيد الامتدادين أو الامتداد المفروض أولا وبالعرض أنقصهما أو المفروض ثانيا، وبالعمق ما يقاطعهما، هذا ولا يخفى أنه لو فسر الطول بأزيد الامتدادين والعرض بأنقصهما لا يتناول الوصف جسما ليس فيه أزيد الامتدادين، وقد نبه بالمثال على أن النكات غير مختصة بوضع اللغة بل تجرى فى الأوضاع الاصطلاحية وإلا فالجسم فى اللغة هو جماعة البدن والأعضاء من الناس وسائر الأنواع العظيمة الخلق؛ كذا فى القاموس وفى الصحاح هو البدن قال السيد السند: من فوائد هذا الوصف الإشارة إلى علة الحكم وفيه أن علة الحاجة ليست الطول والعرض والعمق وإلا لما احتاج الجوهر الفرد إلى حيز (ونحوه) أى: نحو قولك (قوله) أى: قول أوس بن حجر الشاعر الجاهلى فى مرثية فضالة بن كلدة، فصله عنه تنبيها على التفاوت بينهما من وجهين أحدهما فى الكشف عن المعنى، فإن السابق بعينه تفصيل معنى الجسم، وهذا ليس بعينه تفصيل معنى الألمعى؛ لأن معناه الذكى المتوقد، وليس الوصف تفصيله بل بحيث لو تأمل فيه ينكشف معناه وهو أنه مصيب فى ظنه كأنه رأى المظنون أو سمعه ممن رآه، قالوا: وبمعنى «أو» أو المراد أنه رأى فى بعض الأوقات وسمع فى بعض الأوقات.
وثانيهما: أن:
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظّنّ ... كأن قد رأى وقد سمعا
ليس من وصف المسند إليه بل وصف اسم إن فى البيت السابق أعنى:
إنّ الذى جمع السماحة والمر ... وءة والبرّ والتّقى جمعا (١)
стр. 337
أو بتقدير أعنى أو مرفوع بالمدح، وخبر إن ما يأتى بعد عدة أبيات من قوله:
أودى فلا ينفع الإشاحة من امرئ يساعده السوق فتأمل.
(أو مخصصا) أى: له أى للمسند إليه والفرق بينه وبين الوصف المبين أن الغرض فيه تخصيص اللفظ بالمراد، وفى الوصف المبين كشف المعنى وجعل المخاطب عالما بما أريد باللفظ، فالنظر فيه على إزالة الاحتمال عن اللفظ، وفى الأول على إزالة المجهولية والإبهام عن المراد، وإلا فالوصف الكاشف أو المادح لا يخلو عن التخصيص، ولهذا قيد صاحب المفتاح كونه مخصصا بقوله: مفيدا غير فائدة الكشف والمدح، والمصنف استغنى عن التقييد بجعل كونه مخصصا علة الوصف صريحا، ولما لم يكن صريحا فى عبارته احتاج إلى التقييد.
وقيده فى المفتاح أيضا بزيادة تخصيص لما أنه خص البحث بوصف المعرف، والمعرف لا يخلو عن تخصيص ولما لم يخصه المصنف به لم يحتج إلى هذا التقييد والتخصيص فى عرف النحاة تقليل الاشتراك فى النكرة، وتقليل الاشتراك فى المعرفة عندهم يسمى توضيحا. والمراد بتقليل الاشتراك: تقليل مقتضى الاشتراك وهو الاحتمال، وإلا فاشتراك اللفظ بين أفراد مفهومه أو بين مفهوماته لا يندفع بشىء.
والظاهر أنه محمول على إزالة الاشتراك إما فى الجملة أو بالكلية، إلا أنه فسر بتقليل الاشتراك؛ لأنه الغالب فى التخصيص، وقلما يبلغ مرتبة الإزالة بالكلية والمصنف جرى على اللغة؛ لأنه أشيع من الجرى على اصطلاح قوم آخرين وأراد به إزالة الاشتراك إما فى الجملة أو مطلقا ليحوي جميع المواد ولم يرد إزالة اشتراك نشأ من المعنى أى: الاشتراك بين إفراد المعنى. وإن ادعى السيد السند أن المتبادر من تقليل الاشتراك المعنوى وشموله لتقليل الاشتراك اللفظى تمحل؛ لأن التقليل لا يتصور فيه بلا تمحل؛ لأنه يتصور فى أمثاله، والدعوى لا تثبت له بعد ما أوضحناه لك.
فالوصف فى عين جارية مخصصة عند النحاة؛ لأنه يزيل مقتضى الاشتراك وهو احتمال العين لمعان.
ولو خص التخصيص بإزالة الاشتراك الناشئ من المعنى لخرج وصف الأعلام
стр. 338
المشتركة والمبهمات والمعرف بلام العهد عن كونه مخصصا؛ لأن الاشتراك فى هذه الأمور ليس بين أفراد يتوسل فى تعلق حكم الكلام بها باستعمال اللفظ فى مفهوم كلى صادق عليها، بل بين متعدد يقصد واحد منه بنفس اللفظ.
أما فى الأعلام المشتركة فظاهرة، وأما فى غيرها فلأنها إما موضوعات لكل واحد من متعدد، أو للاستعمال فى خصوص واحد منه على اختلاف، وأيّاما كان لا يستعمل إلا فى واحد ولا يخرج جميع المعارف لكون الاشتراك فيها من نفس اللفظ، كما أفاده السيد السند، إذ المعرف بلام الجنس يكون وصفه لتخصصه ببعض أفراد مفهومه، فالاشتراك فيه ناشئ من المعنى لا من اللفظ.
فإن قلت: الرجل العالم خير من الجاهل فى المقام الاستغراقى، لا يتصور أن يكون لتقليل الاحتمال للمستغرق بل لتقليل الشمول فهل يجعل تقليل الشمول داعيا آخر، أو يمكن درجه فى الوصف المخصص؟ .
قلت: قرينة الاستغراق تقوم بعد الوصف، فالوصف لتقليل الاحتمال، وقرينة الاستغراق لتعميم ما رفع فيه بعض الاحتمال، فيكون الوصف مخصصا.
فإن قلت: لا يتم ذلك فى كل رجل عالم.
قلت: دخل الكل على الموصوف؛ ولذا لا يمكن وصف الكل بل يجب إجراء الوصف على المضاف إليه.
وينقدح من هذا جواب آخر فى المعرف باللام؛ لأنه بمنزلة كل وما أضيف إليه يستغني الفطن عن تعريفه، ولو جعل تقليل الاشتراك عبارة عن رفع الاحتمال، أو إزالة بعض الشمول؛ لأن مقتضى الاشتراك قد يكون الشمول، وإن كان الأكثر الاحتمال لهان الأمر (نحو: يا زيد التاجر) اختاره على الرجل التاجر، ليتضح شمول التخصيص لرفع الاحتمال الناشئ من اللفظ (أو مدحا أو ذما) عطف على «مخصصا» أو «مبينا» فيحتاج إلى جعله بمعنى مادحا أو ذاما؛ لأن الوصف مفيد مدح، أو ذم، أو عطف على قوله «لكونه» على أنه مفعول له، وحينئذ لا بد من نكتة لجعل المبين والمخصص فى فرق واحد وهى تقاربهما جدا حتى يكون الفرق لمجرد القصد والنظر (نحو: جاءنى زيد العالم أو الجاهل
стр. 339
حيث يتعين) الموصوف عند المخاطب إما لاختصاص الاسم أو لاختصاص عمله بوصفه له أو لأمر آخر (قبل ذكره) بظاهره متعلق بالتمثيل، فالمعنى: حيث يتعين زيد.
ونفس النكتة أحق بالتقييد لكن جعله قيدا لها ورجع ضمير يتعين إلى الموصوف أبعد من التقييد، ويخالف الإيضاح، وإنما قيد المدح والذم به؛ لأن الأصل فى الوصف التخصيص أو الكشف فلا ينبغى للبليغ قصد شىء غيرهما ما احتمل قصد أحدهما.
(أو تأكيدا) إذا كان الوصف غير الشمول ويفيده الموصوف إفادة ضمنية واضحة، وهذا معنى ما قيل: إنما يكون الوصف للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف مصرحا بالتضمين، وكلاهما أو كلهم لا يكونان وصفين للتأكيد؛ لأنه وإن كان يفيد متبوعا هما ما يفيدانه لكن المفاد هو الشمول (نحو: أمس الدابر) فى القاموس أمس مثلثة الآخر مبنية، يبنى معرفة ويعرب معرفة اليوم الذى قبل يومك بليلة وأمس منونا شاذّا وإذا دخله «أل» فمعرب (كان يوما عظيما) وإنما يوصف الأمس بالدابر، إذا كان دبوره مقصودا إما للتلذذ بدبوره، أو بالنجاة عنه، أو بالتحسر على دبوره إلى غير ذلك.
والفرق بينه وبين الوصف البيان أى: بيان المقصود من الموصوف وما هو مناط القصد إلى مفهومه، والداعى إلى ذكره نحو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ (١) غامض، إذ اثنين مما أفاده الموصوف إفادة ضمنية واضحة، وهو غير الشمول حتى لم يفرق بينهما نظر النحوى.
وجعله نجم الأئمة كنفحة واحدة مثالا للموصف للتأكيد والفرق بين إيراده للإشارة إلى ما هو مناط الفائدة ومتعلق القصد، فإن المقصود بالنهى: اتخاذ الاثنين لا اتخاذ الإله فلو لم يوصف بالاثنين لربما أوهم أن النهى اتحاد هذا الجنس، وإنما ذكر المثنى لكونه اتخاذهم على هذا الوجه وأن المطلوب الانتهاء عن اتخاذ الاثنين على أى وجه كان، حتى يكون المنتهى عن كل منهما عاملا بالنهى، أو يكون الكلام على شمول النهى أى: لا تتخذوا شيئا منهما، ولما كان منع الاثنين
стр. 340
يوهم جواز اتخاذ غير الله بوحدته عقبه بقوله: إنما هو أى: الله إله واحد تكميلا للإرشاد بخلاف الدابر، فإن مناط الحكم هو الزمان لا الدبور على ما لا يخفى.
فإن قلت: فى كون وصف إليه بالواحد للبيان نظر، بل هو يشبه أن يكون وصفا للتخصيص، إنما يكون للتأكيد لو كان تنوين إله نصا فى الوحدة، وليس كذلك لاحتماله التعظيم والتكثير فوصفه بالواحد كوصف زيد بالتاجر لرفع الاحتمال. قلت: سبق قوله: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ بجعل تنوين إله للوحدة وبعد فيه بحث؛ لأن وصف إليه ليس بالواحد الذى يشتمل عليه الإله؛ لأنه بمعنى الوحدة الفردية التى تجعل الجنس فردا منتشرا وهذه الوحدة بمعنى نفى الشركة، ولولاه لكان معنى إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ إنما الله فرد من الإله فلا يفيد توحيدا بل لا يكون كلاما مفيدا ولعلك لا يلتبس عليك الوصف للبيان بالبيان كما لا يلتبس الوصف للتأكيد بالتأكيد، فإن البيان الإيضاح نفس المتبوع، وذلك الوصف لبيان معنى فيه هو مناط القصد إليه ولا تظنن أنه التبس على السكاكى ذلك الرجل حيث أورده فى البيان، فإنه ذكره نظيرا للبيان لا مثالا له وله فى كتابه غير نظير ولقد تفطن لذلك المعنى المصنف بذكره فى الإيضاح هناك ولم يرد إيراده فى عطف البيان عليه وجعل صاحب المفتاح قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (١) من هذا القبيل، وقال ذكر فى الأرض مع دابة، ويطير بجناحيه مع طائر لبيان أن القصد من اللفظين إلى الجنسين وإلى تقريرهما هذا المعنى لدفع توهم أن يراد بهما ما هو أخص منهما كما فى جمع الأمير الصاغة فيكون زيادة من لاستغراق بعض أفرادهما لا لاستغراق الجمع وهذا مدار ما ذكره صاحب الكشاف أن معنى وصفهما بهذين الوصفين زيادة التعميم والإحاطة (٢) كأنه قيل: وما من دابة فى جميع الأرضين السبع ولا طائر يطير فى جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهملة أمورها إذ لولا تقرير إرادة الجنس بعمومه لم تفد كلمة «من» استغراق جميع أفراد الجنس، فتوهم المصنف أن كلا من السكاكى والزمخشرى يوجه الآية
стр. 341
بتوجيه ساقط والأمر كما ذكره الشارح المحقق من وحدة التوجيهين، وما ذكره السيد السند من أنه إذا أريد بهما نفس الجنسين لا معنى لزيادة التعميم؛ لأن الجنس مفهوم واحد لا يجرى فيه التعميم، والتخصيص لا يتم؛ لأن التعميم فى أفراد الجنس بإرادة الجنس باللفظ لا بإرادة الجنس فى مقام الحكم يرشدك إليه قوله: إن الوصف لبيان القصد من اللفظ إلى الجنس، وما ذكره من أن حمل أمم يحتاج إلى اعتبار ما ذكر واحدا واحدا على سبيل الإجتماع فى توجيه الكشاف دون المفتاح؛ إذ لا كلفة فى حمل الأمم على الجنس يتجه عليه أن «من» الاستغراقية جعل الجنس فى ضمن كل واحد إلا أن يتكلف ويقال: كلمة «من» فى الحقيقة لم تدخل عليهما بل على أعم منهما كأنه قيل: ما من واحد من هذين الجنسين، ولا يخفى بعده عن السوق؛ بقي أن القصد لا يصح أن يكون إلى الجنس على قدر ما يفيد عمومه الوصف لوجوب خروج المشبه به عنه، إلا أن يقال: القصد إلى العام والمشبه به مستثنى عنهم بقرينة التشبيه، كأنه قيل: ما من واحد من أفراد هذين الجنسين بعمومهما سواكم إلا أمم أمثالكم، ومما ينبغى أن لا يهمل بيانه ولا يمهل ولا يفصل بتفصيل أجمل: وصف النكرة بالجمل فنقول: أولا اشتراط أن يكون الموصوف بالجملة نكرة: حقيقة أو حكما كالمعرف بلام العهد الذهنى.
قالوا: لأن الجمل نكرات، وأورد عليه أن التعريف والتنكير من خواص الاسم، ودفع بتأويل قولهم بأن مرادهم أن مفردا يجب باعتبار صحة قيامه مقام الجملة التى لها محل من الإعراب، نكرة لأنه يسبك من الجملة باعتبار المحكوم به الذى حقه أن يكون نكرة، ونحن نقول: هذا تكلف، ومع ذلك لا يتم؛ لأن من الجمل التى لها محل من الإعراب خبر ضمير الشأن والمفرد الذى يقوم مقامها ليس مسبوكا من المحكوم به بل هو زيد قائم فى معنى القصة، هذا الخبر وهو معرفة وكذا مقول القول نحو قال زيد: إن عمرا قاعد لا يقوم مقامه إلا هذا الكلام ولهما غير نظير، بل مرادهم أن الجمل نكرات حكما لأنه عومل معها معاملة النكرة حيث جعلت أحوالا هى لا محالة نكرات وأخبارا حقها أن تكون نكرات ولا يبعد أن يكون سر جعلها فى حكم النكرة أنها فى الأغلب كما ذكروا، وثانيا أنه اشترط فى
стр. 342
الجملة الواقعة صفة أن تكون خبرية، ووجه ذلك تارة بأن الصفة فى الأصل خبر حتى قيل: الأوصاف قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات والخبر يجب أن يكون جملة خبرية، ورد بأن ذلك من باب اشتباه خبر بخبر؛ لأن الخبر بمعنى ما يحتمل الصدق والكذب لا يصح أن يكون إنشاء لا خبرا لمبتدأ، والوصف فى الأصل خبر المبتدأ، نعم: الحكم بأن الأخبار بعد العلم بها أوصاف ليس كليا بل الأكثر ذلك على أن لنا أن نقول: الأخبار بعد العلم بها أوصاف مطلقا وليس الخبر الذى هو إنشاء مما يتعلق به العلم والتصديق فهذا الحكم مما يخصص المحكوم به لا محالة، فخبر المبتدأ لا يطلب إلا إسنادا إلى المبتدأ سواء كان على وجه الإنشاء أو الإخبار ألا يرى إلى قولك أزيد قائم؟ ويصح إسناد الجملة الإنشائية إلى المبتدأ على وجه الإنشاء فيقال: زيد اضربه، ووجه تارة أخرى بأن الصفة يجب أن تكون معلومة الإنشاءاتت إلى الموصوف يتميز به عند المخاطب، وما هو ثابت للغير يجب أن يكون ثابتا ولا ثبوت لمدلول الإنشاء معه؛ لأنه إما طلب لأنه لا بد له من أمر غير حاصل، وإما غيره من التمنى وصيغ العقود فالجمع يتعلق بأمر غير حاصل.
ودفع بأن مضمون الإنشاء هو الطلب أو التمنى أو إحداث عقد شرعى وكلها حاصل مع الجملة ويرد أيضا أن هو معلوم الإنشاءات لا يجب أن يكون حاصلا ألا ترى إلى قولك: رجل يأتينى، ووجه مرة أخرى بأن الصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب قبل الوصف، والجمل الإنشائية تحصل مدلولاتها بنفس اللفظ ويعلم حين التلفظ به، ولا يعلم قبل الوصف وأورد عليه الشارح المحقق أن وجوب علم المخاطب بالصفة كلام ذكره المفتاح وكلام الكشاف يشعر بأنه فى الصلة دون الصفة حيث قال فى قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ (١) أن الصلة يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب فيحتمل أنهم علموا ذلك بأن سمعوا قول الله تعالى فى سورة التحريم: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ (٢) ثم قال: وإنما جاءت النار هنا معرفة وفى سورة
стр. 343
التحريم نكرة لأن الآية فى سورة التحريم نزلت أولا بمكة فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة ثم جاءت فى سورة البقرة مشارا بها.
وأجاب بأن المخاطبين فى سورة التحريم هم المؤمنون فيحتمل أنهم علموا ذلك بسماع من النبى ﷺ ، والمشركون لما علموا ذلك بسماع الآية، خوطبوا فى سورة البقرة، ويرد عليه أن المؤمنين لو سمعوا ذلك عن النبي ﷺ لوجب أن تعرف النار لهم كما عرف للمشركين فى سورة البقرة وأيضا لا وجه حينئذ لتوجيه العلم بالصلة فى الآية بإسناده إلى سماع آية سورة التحريم؛ لأن سماعهم إنما يفيدهم لو علموا قبل سماعهم مضمون الصفة وحينئذ يستند الصلة والصفة فى الاثنين إلى ذلك العلم، وأيضا سماع المنكرين آية سورة التحريم لا يفيدهم العلم حتى يصح جعل الجملة صلة، وأجاب السيد السند بأن الإدراك المطلق كاف فى جعله صلة، وهو خلاف المنقول والمعقول بل الجواب أن الإنكار عن عناد لا ينافى استفادة العلم ويمكن أن يجاب عن الشبهتين الأوليين بأن الصلة والصفة وإن تشاركا فى وجوب العلم بمضمون الجملة لكن الصلة امتازت بوجوب العلم بالمحكوم عليه بها بأن يجعل ملحوظا بها، فالإيراد صلة مستند إلى سماع اتقوا نارا وقودها الناس والحجارة؛ لأن النار تعرف مضمون الجملة وقوله: اتقوا نارا مستندا إلى سماع من النبى ﵇ أن بعض النار كذلك وقودها الناس والحجارة، ولا يكفى فى عهدية النار معرفة وأن بعض النار كذلك، بل لا بد من معرفة النار بهذه الجملة فلهذا نكرت فى التحريم وعرفت هنا ولا يبعد أيضا أن يقال: لا يكفى فى التعريف العهدى معرفة الشىء مطلقا بل معرفة ينتقل إليها فى الإيراد معرفة فيقتضى معرفة شىء فى القرآن إيراده ثانيا معرفة ولا يقتضى معرفته عن النبى صلّى الله تعالى عليه وسلم إيراده فى القرآن معرفة.
وأورد على قول الكشاف أن الآية فى سورة التحريم نزلت أولا بمكة أنه ينافي ما صرح به فى أول سورة التحريم بأنها مدنية وما قد سبق منه أيضا أن المصدر ب «يا أيها الناس» مكى وب «يا أيها الذين آمنوا» مدنى، ويمكن أن يجاب عن الأول بأنه يحتمل أن يكون هذه الآية نازلة فى المكة (١) وحدها، والسورة نازلة فى
стр. 344
المدينة بتمامها، وعن الثانى بأن ما قد سبق منه كان رواية عن علقمة فيحتمل أن لا يكون واثقا بها، أو يكون معنى الرواية ما صدر ب «يا أيها الناس» مكى لا محالة، وذلك لا ينافى النزول بمكة أيضا، وتصدى السيد السند لإثبات أن خبر المبتدأ يجب أن يكون جملة خبرية فيتم التوجيه الأول لوجوب كون الصفة كذلك فقال: خبر المبتدأ وضع على أن يكون حالا من أحوال المبتدأ سواء أسند إليه على وجه الاستفهام أو النفى. ولا شك أن الجمل الإنشائية ليست بمضموناتها أحوالا لما يجعل أخبارا له ونحن نقول: الجملة الخبرية لا تقع خبرا ما لم يخرج عن احتمال الصدق والكذب ولم يجعل نسبتها غير ملحوظة قصدا، فالقول بأن الجملة الخبرية تقع خبرا مؤوّلا بأن ما فى الأصل جملة خبرية تقع خبرا لا حال كونها جملة خبرية، وكذا الجملة الإنشائية إذا كانت نسبتها مقصودة وكانت لإنشاء شىء لا تقع خبرا ولا يرتبط بغيره لا أظنك فى مرية من ذلك، ووجدانك حاكم صدق وإذا أخرجت عن كونها كلاما تاما وجعلت فى حكم المفرد فلا مانع من جعلها خبرا فالجملة الخبرية والإنشائية سيان فى امتناع كونهما خبرين، وهما على فطرتهما، وإمكان جعلهما خبرين بجعلهما كالمفردين، فكما لا مانع من وقوع قام أبوه خبرا لزيد لجعله فى قوة قائم الأب لا مانع من جعل اضربه خبرا له لكونه فى قوة مطلوب اضربه أو واجب اضربه، نعم: ذلك التصرف فى الخبريات أكثر بقى الكلام فى أن زيدا اضربه هل هو جملة إنشائية اعتبر نسبة اضربه إلى زيد على وجه الطلب والإنشاء أو خبرية كما يشعر به قولهم إنه فى تأويل زيد مقول في حقه اضربه؟ الحق أنه إنشائي لا تفاوت في القصد بين زيد اضربه، واضرب زيدا، ثم لا وجه في جعل زيد قام أبوه فى قوة زيد قائم الأب دون زيد مقول فيه قام أبوه وجعل زيد اضربه فى قوة زيد مقول فيه اضربه دون زيد مطلوب الضرب أو حقيق به أو واجب الضرب كما استشهر.
[وأما توكيده]
(وأما توكيده) أى: إيراد التأكيد للمسند إليه، ومن لطائف ترتيب المصنف اتصال بحث التأكيد بقوله أو تأكيد لنحو أمس الدابر كان يوما عظيما فإن بحث التأكيد يوضحه، ولك أن تريد بقوله وأما توكيده إيراد التأكيد الاصطلاحى أو ما فى حكمه فيتقوى حسن الاتصال (فللتقرير) أى: جعل مفهوم المسند إليه مقررا
стр. 345
ثابتا فى ذهن المخاطب وذلك إذا توهم المتكلم أن المخاطب غفل عن سماع اللفظ لشاغل السمع عنه أو سمع لكن لم يلتفت إلى معناه لشاغل الفهم عنه ولا يخفى أن هذا التقرير ينفك عن دفع توهم التجوز أو السهو فيصبح ذكره مقابلا له وإن كان دفع توهم التجوز أو السهو مستلزما للتقرير؛ لأن توهم التجوز أو السهو يمنع عن ثبوت المسند فى نفس المخاطب بذكره مرة فإذا تكرر تقرر واندفع التوهم ولا حاجة فى توجيه ذكر التقرير مقابلا للدفع إلى ما ذكره الشارح من أن القصد إلى مجرد التقرير يغاير القصد إلى دفع التوهم وإن كان بالتقرير يندفع التوهم، وقد حمل العلامة التقرير على تقرير الحكم وأورد عليه الشارح. إن عرفت أنا نقرر المسند إليه دون الحكم كما سيأتى وكأنه أراد بتقرير الحكم ما يلزم تقرير المحكوم عليه من إدخال الحكم فى نفس المخاطب وإزالة غفلته عنه بغفلته عن المحكوم عليه لا التقرير الحاصل له بتكرير الإسناد وإزالة الشك أو الإنكار ويشهد به أنه قال: أى بمجرد تقرير الحكم لا توكيده فلا يتجه ما أورده عليه الشارح المحقق (أو دفع توهم) عدل عن الظن كما فى المفتاح؛ لأن ذكر المسند إليه لا يوجب ظن التجوز أو غير غاية التوهم (التجوز) أى المتكلم بالمجاز، والمجاز مشترك بين المجاز اللغوى والمجاز العقلى والتأكيد يعم دفعهما وإرادتهما توجب الجمع بين المعنيين أو عموم الاشتراك، ولا يخفى أن فائدة التأكيد لا يقتصر على دفع توهم التجوز بل هو لدفع توهم التجوز أو الحذف فإن قولنا: أحببت قريتى يحتمل أن تكون القرية مجازا عن الأهل وكون الأحباب متعلقا بالقرينة مجازا عقليا وحذف المضاف أى أهل قريتى، فأحببت قريتى لدفع توهم التجوز أو الحذف ودعوى أنه يكون لدفع توهم التجوز لا غير الحكم ولا تظنن أن التأكيد لا يجامع المجاز؛ لأن دفع توهم المجاز لا يوجب دفع المجاز المحقق فقولنا: رمانى أسد نفسه فيه تأكيد الأسد المجاز عن الشجاع لدفع توهم أن الرامى بعض غلمانه وإسناد الرمى إليه مجاز وكأنى بك أن تقول: زيد نفسه جاء لدفع توهم التجوز على مذهب غير المصنف وليس عند المصنف لدفع توهم التجوز فإن إسناد الخبر إلى المبتدأ ليس مجازا عنده فعبارة المصنف قاصرة فى بيان النكتة وإنما هى وافية فى كلام المفتاح لا تقول: إذا أكد زيد اندفع توهم التجوز فى إسناد «جاء» إلى الضمير فقد تم أن التأكيد لدفع توهم
стр. 346
التجوز فى إسناد الخبر إلى المبتدأ بل هو الظاهر، وبيان المصنف لا يشمله.
(أو) دفع توهم (السهو) ترك النسيان مع أنه مذكور فى المفتاح لعدم الفرق بين السهو والنسيان فى اللغة فى القاموس: سها عنه نسيه وغفل عنه، والمفتاح جرى على اصطلاح الحكمة من جعل السهو لزوال الصورة عن المدركة دون الحافظة حتى لا يحتاج فى حصولها إلى تحصيل ابتداء بل يكفى الاستحضار والنسيان لزوال الصورة عن الحافظة حتى يحتاج فى حصولها إلى تحصيلها ابتداء، والظاهر أن التأكيد ليس لدفع توهم السهو بل لدفع توهم وضع صورة مكان صورة وإلا فزوال الصورة عن المدركة لا يوجب الإتيان بالخطأ، نعم منشأ الوضع زوال الصورة عن الحافظة فالأولى لدفع توهم الخطأ فإن قلت: إيراد التأكيد لدفع توهم ما سبق اللسان مما فاتهم لأنه ليس للسهو بل يكون مع حصول الصورة فى المدركة، قلت: سبق اللسان لزوال الصورة اللفظ الذى يراد ذكره عن المدركة، وإنما الصورة الحاصلة معه صورة المفهوم نحو: جاءنى زيد زيد لئلا يتوهم أن الجائى عمرو وإنما ذكر «زيد» على سبيل السهو، فإن قلت: التكرار لا يدفع توهم السهو لأنه ربما يتوهم فى: جاءنى زيد زيد أن زيد الأول وقع موقع أخوك، وزيد الثانى بدل أو عطف بيان، وفى زيد قائم قائم يتوهم أن الأول قائم مقام قاعد سهوا والثانى خبر ثان قلت: اندفع به توهم السهو فى الإخبار عن مجىء زيد وعن قيامه، قال الشارح المحقق: وهذا التوهم لا يندفع بالتأكيد المعنوى، وهو ظاهر ووجهه السيد السند بأنه إذا قيل: جاءنى زيد نفسه احتمل أنه أراد أن يقول:
جاءنى عمرو نفسه فيها وتلفظ بزيد مكان عمرو وفيه بحث لأن حفظ الكلام عن توهم التجوز ينبئ عن مزيد احتياط ويبعد المتكلم عن مظنة السهوية وسنزيد لك غير بعيد، ولأنه ينافى ما حقق بعيد هذا الكلام أن الأولى إن جاءنى الرجلان كلاهما ليس لدفع توهم عدم الشمول؛ لأن المثنى نص فيه بل لدفع توهم أن الجائى واحد منهما والإسناد إليهما وقع سهوا ولأنه ينافى ما ذكره السكاكى فى بحث الفصل والوصل أن إتباع لا رَيْبَ فِيهِ لذلك الكتاب كإتباع نفسه للخليفة فى قولك:
جاءنى الخليفة نفسه إزالة لما عسى أن يتوهم السامع أنك فى قولك: جاءنى الخليفة، متجوز وساه؛ ولم يخالفه الشارح المحقق والسيد السند فى شرحيهما فى
стр. 347
هذا المقام.
(أو) دفع توهم (عدم الشمول) هو أوضح وأخصر من خلاف الشمول نحو جاءنى القوم كلهم لمن شأنه أن يتوهم أن القوم لم يجىء منهم البعض إلا أنك لم تعتد بذلك البعض وجعلت الجائين كل القوم، أو أن القوم جاءوا برمتهم، إلا أنك لم تقصد إلا بعضهم لعدم الاعتداد بغيرهم، أو لجعل البعض منزلة الكل لكونهم بمنزلة الكل فى المجىء لتفاوتهم واشتباك مصالحهم واشتراك مضارهم وتوقف فعل بعضهم على رضا كلهم وفى كون التأكيد دافعا للتوهم بحث؛ لأن التأكيد مما يؤكد كون البعض بمنزلة الكل سواء كان بالاعتبار الأول أو بالاعتبار الثانى وسواء كان مبنى التوهم على توهم إطلاق الاسم على البعض فيكون مجازا لغويا أو على توهم إسناد فعل البعض إلى الكل وتخصيص البحث بالتأكيد بالاعتبار الثانى كما وقع من السيد السند خفى، كما أن جعله الاعتبار الأول من المجاز اللغوى والثانى من المجاز العقلى غير ظاهر، على أن جعل الكل بمنزلة البعض لما ذكر ليس من الملابسات التى ضبطها المصنف للمجاز العقلى، ولا يدفع للشبهة إلا بكون دفع التأكيد لذلك مبنيا على المواضعة والعرف لا على اقتضاء المفهوم التركيبى ذلك.
قال الشارح المحقق: وههنا بحث وهو أن ذكر عدم الشمول إنما يفيد زيادة توضيح، وإلا فهو من قبيل دفع توهم التجوز، نص عليه الشيخ عبد القاهر حيث قال: لا نعنى بقولنا يفيد الشمول أنه توجيه من أصله وأنه لولاه لما فهم الشمول من اللفظ وإلا لم يسم تأكيدا بل المراد أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضى للشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومجوزا فيه، انتهى كلامه.
وههنا أبحاث:
أحدها: أن ذكر إفادة الشمول المندرج تحت دفع توهم التجوز فى مقابلته هل هو إغلاق أو توضيح، ويمكن دفعه بأنه لما كان الاندراج واضحا علم أن المقصود من دفع توهم التجوز دفع توهم تجوز سواه، وصار الكلام تفصيلا لدفع توهم التجوز توضيحا للمقام.
وثانيها: أنه ينبغى أن لا يفصل بينه وبين دفع توهم التجوز بالسهو.
стр. 348
وثالثها: أنه لا يظهر كون دفع الشمول دفع توهم تجوز، بل يحتمل دفع توهم سهو خاص هو وضع القوم مثلا فى جاء القوم موضع بعض القوم أو أكثر القوم سهوا، نعم حينئذ أيضا لمزيد توضيح من غير نقضية الفصل بينه وبين قسميه بالسهو.
ورابعها: أن فى كلام السكاكى ما ينافى كلام الشيخ حيث جعل «كل إنسان حيوان» و «كل رجل عارف» ولدفع توهم عدم الشمول مع أنه يوجب الشمول من أصله، ولولا «كل» لما فهم الشمول من اللفظ ويمكن دفعه بأنه ربما يكون النكرة فى الإيجاب للعموم، وذلك فى المبتدأ غير قليل، كما فى الفاعل فلو لم يكن «كل» لكان رجل عارف للعموم وكيف لا ولا مخصص للنكرة حتى يقع مسندا سوى ذا، ويمكن تفصيل هذا التفصيل على الإجمال بأن دفع توهم الشمول فى التأكيد أشيع، والمتكلم البليغ أحوج بهذا القسم لشيوع التخصيص فى العمومات حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص منه البعض، ولهذا عين له مراتب على قدر قوة التوهم فربما يكتفى بالتأكيد بالكل، وربما يتبع الكل بأجمع، وربما يتبع ببعض توابعه أيضا، وربما يتبع بتوابعه أجمع فاستحق بذلك تمييزه فى البيان وجعله مشارا إليه بالبنان فإن قلت: قد يوجد دفع توهم عدم الشمول مع التجوز فلا نعنى دفع توهم التجوز عنه، ألا ترى أن قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ* شامل لإبليس تجوزا، فإن الأصح أنه كان جنيا مغمورا فى الملائكة فلذا أدخل فيها وتأكيد الملائكة ب «كلهم أجمعون» يفيد شمول الحكم لما قصد بالملائكة تجوزا ولا يدفع التجوز، قلت: يحتمل الإسناد التجوز بأن إسناد السجدة إلى الكل تجوزا فهذا التأكيد المفيد للشمول يدفع توهم هذا التجوز.
قال السيد السند: استدراك قوله أو عدم الشمول إنما يتوهم إذا أريد بالتجوز ما يتناول العقلى واللغوى، أما إذا خص بالعقلى كما يشعر به كلام السكاكى حيث قال: وأما الحالة التى تقتضى تأكيده فهى إذا كان المراد أن لا يظن بك السامع فى حكمك ذلك تجوزا أو سهوا أو نسيانا فلا بد من التعرض بعدم الشمول فإنه تجوز لغوى لم يندرج فى التجوز المذكور، هذا وفيه أن تخصص التجوز بالعقلى مما يضيق دائرة النكتة الوسيعة بلا جهة؛ فلذا أسقط المصنف لفظ الحكم الموهوم
стр. 349
للتخصيص فلا يعتد به لتوجيه ذكر عدم الشمول، وقد اتضح لك بما قدمناه أن قوله: فإنه تجوز لغوى ما يلوح عليه أثر الإهمال والحق المبين فإنه ربما يكون تجوزا لغويا، ولولا الضنة بتفويت عموم دفع توهم التجوز العقلى ولدفع توهم التجوز اللغوى ولدفع توهمهما (لأقبلنا على ما يختلج فى القلب أنه) (١) فليكن المراد بدفع توهم التجوز دفعه بالمرة حتى لا يبقى توهمه من وجه، وحينئذ يقابله القصد إلى دفع توهم تجوز خاص وهو استعمال العام فى البعض أو إسناد حكم البعض إلى الكل فلا ريبة فى قبول ذكر أو عدم الشمول، وكنت معتبرا فى التأكيد لدفع توهم الحذف لأمكنك النزاع فى اندراج دفع توهم الشمول فى دفع توهم التجوز؛ لأن توهم عدم الشمول يجوز أن يكون بتوهم اعتبار حذف مضاف كما نبهت عليه، لكن بيانهم يكشف عن غفلتهم عن الحذف؛ فلذا لم ينظر إليه إلا بمؤخر العين، ما يحق أن يطوى به الكل ويتحمل بحلق القلب حق التحمل أن توهم عدم الشمول ربما يكون لظن أن المتكلم حاكم بالتخمين غير متتبع أجزاء الكثرة حق التتبع المفيد لليقين فيدفع ذلك بتأكيد الشمول إفادة للاستقصاء فى تفحص الكثرة والتجنب عن الغفلة والعثرة.
ومما ينبغى أن ينبه عليه، وأن هو (٢) عقيب الإطناب تكميلا لفوائد هذا الباب: أن التأكيد لدفع التوهم إنما يكون شديدا إذا كان فى المتبوع مجال التوهم؛ وذا منع النحاة عن «اختصم الرجلان كلاهما» لكن جوزوا: جاءنى الرجلان كلاهما؛ لأن المثنى وإن لا يحتمل إرادة البعض منه وهو نص فى العدد لكن يحتمل جعلهما بمنزلة الشخص الواحد حتى يسند فعل أحدهما إليهما، فرد الشارح جعل «جاءني الرجلان كلاهما» لدفع توهم عدم الشمول لكونه نصا في العدد وحكمه بأن الأولى أنه لدفع توهم السهو، ووضع الرجلين مقام الرجل محل نظر لوجهين فتأمل، ولا ينبغى أن يقول جاءنى الرجلان كلاهما لدفع توهم أن القصد إلى مجىء رسوليهما أو رسول أحدهما ونفس الآخر؛ لأنه لا يدفعه إلا جاءنى الرجلان أنفسهما ونحوه، ولا لدفع توهم أن الجائى أحدهما والآخر باعث، وجعل
стр. 350
جاءنى مستعملا فى المجىء والتحريض على سبيل عموم المجاز، فإنه إنما يدفع بقولك: جاءنى الرجلان؛ لأن توهم التجوز إنما وقع فيه، نعم لو جعل كون أحدهما محرضا وسيلة إسناد المجىء إليهما تجوزا يصح أن يكون لدفع توهم الشمول على ما حققناه لك.
[وأما بيانه]
(وأما بيانه) أى: تعقيب المسند إليه بعطف البيان (فلإيضاحه) المراد بالإيضاح: رفع الاحتمال سواء كان فى المعرفة أو النكرة فلا يلزم كون المتبوع فيه معرفة، ولعل الإيضاح ليس كالتوضيح مخصوصا برفع الاحتمال فى المعرفة ولذا عرف النحاة عطف البيان بتابع غير صفة يوضح متبوعه مع تخصيصهم التوضيح بالمعارف كما عرفت، وسواء كان الاحتمال محققا أو مقدرا إذ قد يكون متبوع عطف البيان مما لا إبهام فيه أصلا، وإنما يؤتى بعطف البيان لتقدير الاحتمال بتقدير الاشتراك أو اتفاق الإطلاق على غيره مجازا؛ ولذا جعل قوم هود فى قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (١) عطف بيان لعاد مع كون عاد علما مختصا بهم لا إبهام له، قال السيد السند: عطف البيان ههنا لدفع الإبهام التقديرى إما من تقدير اشتراك الاسم بينهم وبين غيرهم وإما من جواز إطلاق اسمهم على غيرهم لمشاركتهم إياهم فيما اشتهروا به من العتو والعناد كثمود، ولذا قيل: عاد الأولى، فالفائدة التى لا يخلو عنها عطف بيان هو الإيضاح الحقيقى أو التقديرى؛ فلذا صح جعل النحاة إيضاح المتبوع فصلا لتعريفه، لكنه قد لا يكون الإيضاح مقصودا لذاته بل يجعل وسيلة إلى غيره كالمدح على ما ذكره صاحب الكشاف فى قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ (٢) أن البيت الحرام عطف بيان جىء به للمدح لا للإيضاح كما تجىء الصفة لذلك أراد: لا لمجرد الإيضاح أو لا للإيضاح الحقيقى فلا ينافي جعل النحاة كل عطف بيان للإيضاح لكن يمكن أن يكون عطف البيان مجرد البيت، فإن البيت- معرف باللام- علم للكعبة كالنجم ويكون المدح فى وصف عطف البيان بالحرام لا فى جعل الموصوف بالحرام عطف بيان ولجعل المسند إليه موسوما بالشىء لذكر عطف البيان على ما
стр. 351
ذكره صاحب الكشاف فى قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ من أنه عطف بيان لقوم عاد.
وفائدته وإن كان البيان حاصلا بدونه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما وتجعل فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه، يد أن بيان المتبوع حصل بدونه إذ لا اشتباه محققا لكن بذكر عطف البيان يندفع الاشتباه التقديرى على ما عرفت، جعل قوم هود فى الآية الكريمة للتصريح بأنهم قوم هود «الرسول من الله» فاستحبوا العمى على الهدى فهم أحقاء بهذا الدعاء أو كجعله لتعبيرهم بالضلالة مع كونهم قوم نبى هو فيهم على ما ألهمت (باسم) المراد به ما يقاب الفعل والحرف (مختص به) فى التركيب وأن لا اختصاص له بانفراده وذلك الاسم، أما عطف البيان فإنه وقت ذكره بعد متبوعه مختص بالمتبوع لا يحتمل غيره؛ فلذا ذكر لإيضاحه المتبوع فإنه بعد تعقيبه بعطف البيان يختص بالمسند إليه، فذكر عطف البيان لإيضاح المسند إليه باسم مختص به هو المتبوع الحاصل اختصاصه بذكر عطف البيان، حسن التأمل لعلك تصير من أهل التعقل، ولا تقصر طوقك دون التحمل فلا يرد أن عطف البيان لا يلزم أن يكون مختصا بالمتبوع، ألا ترى أنهم ذكروا أن الطير فى قوله:
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الفيل والسند
عطف بيان مع أن الطير لا يخص العائذات وأن لا خلاف فى أن كل موصوف أجرى على الصفة نحو: جاءنى الفاضل الكامل زيد يحتمل أن يكون عطف بيان كما يحتمل أن يكون بدلا، وعلى التقديرين يشعر بكونه علما فى هذه الصفة بحيث يتعين له الصفة إما لجعله تفسيرا وإيضاحا لهذه الصفة كما ذكروا، وإما للتعبير عن ذاته بهذه الصفة حتى كأنه بلغ فيها بحيث يكفى للكشف عنه ذكر الصفة، كما يمكن أن يقال: وإنما النزاع فى أن الأحسن جعله بدلا أو عطف بيان فرجح الشارح المحقق كونه عطف بيان؛ لأن الإيضاح له مزيد اختصاص به، ولك أن ترجح البدل بما وجه السيد السند ترجيح الكشاف له من أن فيه تكرير العامل حكما، ويتفرع عليه تأكيد النسبة وبما يمكن أن يقال حق الصفة أن يجرى على الغير ويفاد بها معنى فيه لا أن يعبر بها عن الذات فى حال نسبة شىء إليه،
стр. 352
فالأولى أن يجعل الذات المذكورة بعدها مقصودة بالنسبة ويكتفي بما حصل به من الإيضاح وأن ليس قصد الإيضاح فى البدل كقصده فى عطف البيان (نحو قوم صديقك خالد) فخالد عطف بيان لو كان المقصود بالنسبة صديقك ولو قصد إلى النسبة إلى الخالد فيتأكد النسبة ويستقر مقره؛ لأن حق الذات أن يعبر باسمه لا بالصفة، وحق الصفة أن يجرى على الغير فخالد بدل، وعلى التقديرين يشعر النظم بأن الخالد علم فى كونه صديقك وتوجيهه عرفت، وكأن المصنف رجح احتمال كون الموصوف الجارى على الصفة عطف بيان فمثل به له.
قال ابن الحاجب: التمثيل للتوضيح فلا يحسن بما يحتمل الغير احتمالا يساوى احتمال المقصود فضلا عما يحتمل احتمالا راجحا فوضع البيان للإيضاح وأن يتفرع عليه فوائد أخر بخلاف غيره من الصفة والبدل، فإن وضعهما ليسا للإيضاح بل لأمر آخر، وأن يتفرع عليه الإيضاح ويقصد أحيانا وللتنبيه على مشاركة الوصف فى الإيضاح فى بعض الأحيان قال السكاكى فى بحث البيان: قوله علت كلمته:
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ (١) من هذا القبيل فظن أنه جعل الاثنين والواحد عطف بيان، وقد عرفت أنهما صفتان للبيان، وقد طول الكلام فيه فى الشرح بما هو أجدر بالطرح، ومما خفى على الأنظار ولم يظفر لسان قلم بالإظهار ونسخت فيه الأذكار أن عطف البيان يصح أن يكون من غير المتكلم بمتبوعه فإن شأنه التوضيح والأكثر من توضيحك لكلام الغير، لكن العادة جرت بتصديره بحرف التفسير «أى» أى فتقول لتفسير قول من قال: جاء رجل أى:
زيد ولا اختصاص بعطف البيان هذا بالتابع بل هو فى كل لفظ شائع ذائع كالتأكيد اللفظى فتقول فى تفسير قلت أى ضربت ضربا شديدا هذا على ما هو الراجح المشهور فيما بين الجمهور، فإن خالفتهم فى ذلك وتبعت المفتاح والمستوفى وضع وديعتنا هذه فى بحث العطف بالحرف، فلا نزاع معك بعد حفظها فى الظرف.
[وأما الإبدال منه]
(وأما الإبدال منه) أى لإيراد البدل من المسند إليه فقد جعل المبدل منه مسندا إليه وأن ليس القصد إلى الإسناد إليه بل إلى البدل، وإنما أسند إليه
стр. 353
صورة وليس هذا أول ما دل على أن المبدل منه مسندا إليه عندهم بل جعلهم البدل من أحوال المسند إليه أدل عليه، نعم اللائق بنظر الفن أن لا يوافق النحو ويجعل المبدل منه من أحوال المسند إليه؛ لأنه المذكور لإفادة ما يتعلق بالبدل ولجعل البدل مسندا إليه؛ لأنه الذى قصد الإسناد إليه، كما أن اللائق بنظرهم جعل التمييز عن النسبة من أحوال المسند إليه؛ لأنه لا تفاوت بين: طاب زيد علما، وطاب زيد علمه إلا بكون التمييز مخالفا لزيد فى الإعراب، والبدل يوافقه، وهذا أمر نحوى على نحو من نظر صاحب هذا الفن (فلزيادة التقرير) أى لزيادة تثبيت الحكم والمسند إليه فى ذهن السامع لاشتماله على تكرير الحكم والمسند إليه كما نفصله لك هناك فقد نبه بلفظ الزيادة على أنه يشارك التأكيد فى التقرير ويزيد عليه حيث تقرر الحكم بخلاف التأكيد، فإنه لتأكيد المسند إليه دون الحكم كما سيجىء فى بحث تقديم المسند إليه ثم الأنسب بأكثر أخواته جعل الزيادة متعدية مضافة إلى المفعول لا لازمة إلى الفاعل، تأمل.
وقال الشارح: أشار إلى أن المقصود من ذكره الإسناد إليه والتقرير زيادة يقصد بالتبع بخلاف التأكيد فإن المقصود منه نفس التقرير وهذا إنما يتم لو جعل التقرير فائدة البدل، أما لو جعل فائدة المبدل منه وذكر البدل بعد المبدل منه فلا إذ ليس التقرير حاصلا بالتبع بل جعل المسند إليه بدلا لزيادة التقرير الحاصلة بالمبدل منه وليس ذكر المبدل منه إلا بزيادة التقرير، وكيف لا والمقصود بالذكر هو البدل، وإنما ذكر المبدل منه تبعا له فعلى هذا لا ينبغى جعل البدل للإيضاح وإلا لكان ذكره لمصلحة المبدل منه وكيف يقصد به إيضاح المبدل منه وهو مطروح عند ذكر البدل ولا قصد إليه فحينئذ ظهر وجه ترك الإيضاح مع التقرير مع أنه ذكر فى المفتاح وإن ذكره فى الإيضاح لقصد استيفاء ما ذكر وإلا لتوثيقه، ولذا لم يقل فى عطف البيان لزيادة الإيضاح كما فى المفتاح ترجيحا لإيضاحه على إيضاح البدل، لأن الغرض منه الإيضاح لا غير بخلاف البدل فهو راسخ فى الإيضاح ولما اقتصر على التقرير قدم بدل الكل ثم بدل البعض على ترتيب ظهور التقرير فإنه لكمال ظهور التكرير فى الأولى أظهر فيه ولاشتمال الكل على البعض صريحا بخلاف الاشتمال الملابس على الملابس قد يكون أظهر فى الثانى من الثالث
стр. 354
بخلاف السكاكى فإنه عكس الترتيب؛ لأن الإيضاح فى الأقسام الثلاثة على العكس التقرير، لأن إبهام المبدل منه فى الاشتمال أكثر منه فى البعض لأن دلالة الكل على الجزء أوضح من دلالة الملابس على الملابس ثم الإبدال منه أو زيادة التقرير (نحو جاءنى أخوك زيد) أو جاءنى زيد أخوك، والتقرير فى الأول أكمل وكذا كلما كان المبدل منه المجمل والبدل المعين؛ فلذلك اختاره وهو إشارة إلى بدل الكل من الكل وهو بدل يستأنف فيه الإسناد إلى المسند إليه الحقيقى الذى قصد بالمبدل منه فيجب فيهما اتحاده أى: البدل والمبدل منه سواء اتحد مفهوما هما أو تغايرا هذا هو المراد بقول ابن الحاجب: مدلوله مدلول الأول، والشائع الواقع في كلام البلغاء: ما يغاير مفهومه مفهوم المبدل منه.
وأما اتحاد المفهوم فإنما يتحقق على مذهب البصريين حيث جعلوا: ضربتك إياك ضربته إياه بدلا لا تأكيدا، والكوفيون يجعلونهما تأكيدين كما يجعل الكل بك أنت وبه هو وضربت أنت تأكيدات، ووافقهم صاحب التسهيل وجعل نجم الأئمة الفرق تحكما، ومن فوائد بدل الكل البينة: ما يقصد فى جاء أخوك زيد من تقوية التبشير، وفى أخوك زيد يستحق الإكرام من المبالغة فى حث المخاطب على الإكرام، وأعط المسكين زيدا من أحداث الترحم على زيد فى نفس المأمور، وهكذا ما لا يخفى على الفطن من الأمور اللائقة ولك أن تجعل الكل تحت زيادة التقرير لجعل التقرير شاملا لتقرير الغرض المسوق له الكلام (وجاء القوم أكثرهم) فى بدل البعض والتقرير فيه باعتبار أن المبدل منه مشتمل على البدل إجمالا أما فى المثال المذكور فظاهر؛ لأن مجىء القوم يستدعى مجىء الأكثر، وأما فى نحو قطع زيد يده فلظهور أن المقطوع ليس نفس زيد بل شىء منه فاليد مشعور به إجمالا أو ذكر المبدل منه، كما أنه فى سلب زيد ثوبه الثوب مشعور به إجمالا حين ذكر زيد لظهور أن ليس المسلوب نفسه، ولا فرق فى الاشتمال على هذا الوجه بين بدل البعض والاشتمال، فجعل بدل البعض مما يشتمل عليه المتبوع شمولا ظاهرا وجعل بدل الاشتمال مما يحتاج إلى بيان اشتمال المتبوع عليه كما زعم الشارح غير ظاهر.
ومما لا ينبغى أن يفوت الفطن إن جاءنى القوم أكثرهم أو بعضهم إنما ينال
стр. 355
المرتبة العليا إذا كان مجىء ذلك البعض بمنزلة مجىء الكل، وكذا قطع زيد يده إنما ينال تلك المرتبة إذا كان قطع يده كالاستئصال له لمزيد حاجة له إلى اليد لأنه كان ممن يكثر عمل اليد وتضييع بدونه. وبما ذكرنا ظهر أن ما ذكره من المثال له رجحان على الأمثال وزيد اتصال بالقسم الأول من الأبدال فكان جديرا بالاختيار وراجحا فى مقام الاعتبار (وسلب عمرو ثوبه) فى بدل الاشتمال وبيان التقرير فيه مشتمل عليه لظهور أن القصد ليس إلى نفسه بل إلى أمر من أموره؛ ولذا قيل يجب أن يكون المبدل منه فيه مقتضيا لذكر البدل ومشوقا إليه فنحو جاءنى زيد حماره ليس بدل اشتمال كما ذكره بعض النحاة إن كان هذا الواجب واجبا فى تحقيق بدل الاشتمال وغير معتبر عند البليغ لو كان واجبا فى كونه معتبرا عند البليغ فيجزم الشارح بأنه بدل غلط لا اشتمال كما ذكره بعض النحاة بعيدا عن الجزم.
ومما لا ينبغى أن يراعى فى سلب زيد ثوبه أن يكون سلب ثوبه بمنزلة سلب نفسه لكثرة تأثير فى سلبه إما لكمال فقره أو غيره وسكت عن بدل الغلط؛ لأنه ليس من أحوال المسند إليه؛ لأنه ذكر المبدل منه سهوا بطريق سبق اللسان أو للنسيان إما قصدا أو ادعاء كما فى قولك: البدر الشمس هذا، فهو ليس بمسند إليه فى قصد المتكلم لا صورة ولا حقيقة بل لم يقصد إليه أصلا أو ترك بالمرة فى وقت ذكر البدل، فاعرفه فإنه بديع دقيق وكأنه لهذا أمر المفتاح بالتأمل فى معرفة وجه ترك بدل الغلط لأن معرفة ما قيل من أن وجه السكوت أنه لا يقع فى كلام البليغ لا يستدعى تأملا بل تتبعا على أنه لا يتم؛ لأن بدل الغلط نوعان: ما هو لسبق اللسان أو النسيان، وما هو لدعوى أحدهما وإبهام أنه ذكر غلطا نحو بدر شمس جاءنى، فإنك وإن عمدت إلى بدر ترى أنه سبق به لسانك وإلا لا يصح أن يجعل «بدر» مشبها به له، والثانى يقع فى كلام البلغاء وهو معتمد الشعراء وشرطه الترقى من الأدنى إلى الأعلى وهو أبلغ من العطف ببل، ويسمى غلط بدل.
اعلم أن التثنية والجمع وما يجرى مجراه يقابلان المذكور بطريق العطف، فرب مقام يرجح العطف عليهما ورب مقام يرجح واحدا منهما عليه، فالبليغ فى بيان المتعدد لا يخرج عن ترجيح الإجمال بأحدهما على التفصيل بالعطف وعن ترجيح