← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكره صاحب الكشاف فى قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ من أنه عطف بيان لقوم عاد. وفائدته وإن كان البيان حاصلا بدونه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما وتجعل فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه، يد أن بيان المتبوع حصل بدونه إذ لا اشتباه محققا لكن بذكر عطف البيان يندفع الاشتباه التقديرى على ما عرفت، جعل قوم هود فى الآية الكريمة للتصريح بأنهم قوم هود «الرسول من الله» فاستحبوا العمى على الهدى فهم أحقاء بهذا الدعاء أو كجعله لتعبيرهم بالضلالة مع كونهم قوم نبى هو فيهم على ما ألهمت (باسم) المراد به ما يقاب الفعل والحرف (مختص به) فى التركيب وأن لا اختصاص له بانفراده وذلك الاسم، أما عطف البيان فإنه وقت ذكره بعد متبوعه مختص بالمتبوع لا يحتمل غيره؛ فلذا ذكر لإيضاحه المتبوع فإنه بعد تعقيبه بعطف البيان يختص بالمسند إليه، فذكر عطف البيان لإيضاح المسند إليه باسم مختص به هو المتبوع الحاصل اختصاصه بذكر عطف البيان، حسن التأمل لعلك تصير من أهل التعقل، ولا تقصر طوقك دون التحمل فلا يرد أن عطف البيان لا يلزم أن يكون مختصا بالمتبوع، ألا ترى أنهم ذكروا أن الطير فى قوله: والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الفيل والسند عطف بيان مع أن الطير لا يخص العائذات وأن لا خلاف فى أن كل موصوف أجرى على الصفة نحو: جاءنى الفاضل الكامل زيد يحتمل أن يكون عطف بيان كما يحتمل أن يكون بدلا، وعلى التقديرين يشعر بكونه علما فى هذه الصفة بحيث يتعين له الصفة إما لجعله تفسيرا وإيضاحا لهذه الصفة كما ذكروا، وإما للتعبير عن ذاته بهذه الصفة حتى كأنه بلغ فيها بحيث يكفى للكشف عنه ذكر الصفة، كما يمكن أن يقال: وإنما النزاع فى أن الأحسن جعله بدلا أو عطف بيان فرجح الشارح المحقق كونه عطف بيان؛ لأن الإيضاح له مزيد اختصاص به، ولك أن ترجح البدل بما وجه السيد السند ترجيح الكشاف له من أن فيه تكرير العامل حكما، ويتفرع عليه تأكيد النسبة وبما يمكن أن يقال حق الصفة أن يجرى على الغير ويفاد بها معنى فيه لا أن يعبر بها عن الذات فى حال نسبة شىء إليه،

стр. 352

فالأولى أن يجعل الذات المذكورة بعدها مقصودة بالنسبة ويكتفي بما حصل به من الإيضاح وأن ليس قصد الإيضاح فى البدل كقصده فى عطف البيان (نحو قوم صديقك خالد) فخالد عطف بيان لو كان المقصود بالنسبة صديقك ولو قصد إلى النسبة إلى الخالد فيتأكد النسبة ويستقر مقره؛ لأن حق الذات أن يعبر باسمه لا بالصفة، وحق الصفة أن يجرى على الغير فخالد بدل، وعلى التقديرين يشعر النظم بأن الخالد علم فى كونه صديقك وتوجيهه عرفت، وكأن المصنف رجح احتمال كون الموصوف الجارى على الصفة عطف بيان فمثل به له. قال ابن الحاجب: التمثيل للتوضيح فلا يحسن بما يحتمل الغير احتمالا يساوى احتمال المقصود فضلا عما يحتمل احتمالا راجحا فوضع البيان للإيضاح وأن يتفرع عليه فوائد أخر بخلاف غيره من الصفة والبدل، فإن وضعهما ليسا للإيضاح بل لأمر آخر، وأن يتفرع عليه الإيضاح ويقصد أحيانا وللتنبيه على مشاركة الوصف فى الإيضاح فى بعض الأحيان قال السكاكى فى بحث البيان: قوله علت كلمته: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ (١) من هذا القبيل فظن أنه جعل الاثنين والواحد عطف بيان، وقد عرفت أنهما صفتان للبيان، وقد طول الكلام فيه فى الشرح بما هو أجدر بالطرح، ومما خفى على الأنظار ولم يظفر لسان قلم بالإظهار ونسخت فيه الأذكار أن عطف البيان يصح أن يكون من غير المتكلم بمتبوعه فإن شأنه التوضيح والأكثر من توضيحك لكلام الغير، لكن العادة جرت بتصديره بحرف التفسير «أى» أى فتقول لتفسير قول من قال: جاء رجل أى: زيد ولا اختصاص بعطف البيان هذا بالتابع بل هو فى كل لفظ شائع ذائع كالتأكيد اللفظى فتقول فى تفسير قلت أى ضربت ضربا شديدا هذا على ما هو الراجح المشهور فيما بين الجمهور، فإن خالفتهم فى ذلك وتبعت المفتاح والمستوفى وضع وديعتنا هذه فى بحث العطف بالحرف، فلا نزاع معك بعد حفظها فى الظرف. [وأما الإبدال منه] (وأما الإبدال منه) أى لإيراد البدل من المسند إليه فقد جعل المبدل منه مسندا إليه وأن ليس القصد إلى الإسناد إليه بل إلى البدل، وإنما أسند إليه

стр. 353

صورة وليس هذا أول ما دل على أن المبدل منه مسندا إليه عندهم بل جعلهم البدل من أحوال المسند إليه أدل عليه، نعم اللائق بنظر الفن أن لا يوافق النحو ويجعل المبدل منه من أحوال المسند إليه؛ لأنه المذكور لإفادة ما يتعلق بالبدل ولجعل البدل مسندا إليه؛ لأنه الذى قصد الإسناد إليه، كما أن اللائق بنظرهم جعل التمييز عن النسبة من أحوال المسند إليه؛ لأنه لا تفاوت بين: طاب زيد علما، وطاب زيد علمه إلا بكون التمييز مخالفا لزيد فى الإعراب، والبدل يوافقه، وهذا أمر نحوى على نحو من نظر صاحب هذا الفن (فلزيادة التقرير) أى لزيادة تثبيت الحكم والمسند إليه فى ذهن السامع لاشتماله على تكرير الحكم والمسند إليه كما نفصله لك هناك فقد نبه بلفظ الزيادة على أنه يشارك التأكيد فى التقرير ويزيد عليه حيث تقرر الحكم بخلاف التأكيد، فإنه لتأكيد المسند إليه دون الحكم كما سيجىء فى بحث تقديم المسند إليه ثم الأنسب بأكثر أخواته جعل الزيادة متعدية مضافة إلى المفعول لا لازمة إلى الفاعل، تأمل. وقال الشارح: أشار إلى أن المقصود من ذكره الإسناد إليه والتقرير زيادة يقصد بالتبع بخلاف التأكيد فإن المقصود منه نفس التقرير وهذا إنما يتم لو جعل التقرير فائدة البدل، أما لو جعل فائدة المبدل منه وذكر البدل بعد المبدل منه فلا إذ ليس التقرير حاصلا بالتبع بل جعل المسند إليه بدلا لزيادة التقرير الحاصلة بالمبدل منه وليس ذكر المبدل منه إلا بزيادة التقرير، وكيف لا والمقصود بالذكر هو البدل، وإنما ذكر المبدل منه تبعا له فعلى هذا لا ينبغى جعل البدل للإيضاح وإلا لكان ذكره لمصلحة المبدل منه وكيف يقصد به إيضاح المبدل منه وهو مطروح عند ذكر البدل ولا قصد إليه فحينئذ ظهر وجه ترك الإيضاح مع التقرير مع أنه ذكر فى المفتاح وإن ذكره فى الإيضاح لقصد استيفاء ما ذكر وإلا لتوثيقه، ولذا لم يقل فى عطف البيان لزيادة الإيضاح كما فى المفتاح ترجيحا لإيضاحه على إيضاح البدل، لأن الغرض منه الإيضاح لا غير بخلاف البدل فهو راسخ فى الإيضاح ولما اقتصر على التقرير قدم بدل الكل ثم بدل البعض على ترتيب ظهور التقرير فإنه لكمال ظهور التكرير فى الأولى أظهر فيه ولاشتمال الكل على البعض صريحا بخلاف الاشتمال الملابس على الملابس قد يكون أظهر فى الثانى من الثالث

стр. 354

بخلاف السكاكى فإنه عكس الترتيب؛ لأن الإيضاح فى الأقسام الثلاثة على العكس التقرير، لأن إبهام المبدل منه فى الاشتمال أكثر منه فى البعض لأن دلالة الكل على الجزء أوضح من دلالة الملابس على الملابس ثم الإبدال منه أو زيادة التقرير (نحو جاءنى أخوك زيد) أو جاءنى زيد أخوك، والتقرير فى الأول أكمل وكذا كلما كان المبدل منه المجمل والبدل المعين؛ فلذلك اختاره وهو إشارة إلى بدل الكل من الكل وهو بدل يستأنف فيه الإسناد إلى المسند إليه الحقيقى الذى قصد بالمبدل منه فيجب فيهما اتحاده أى: البدل والمبدل منه سواء اتحد مفهوما هما أو تغايرا هذا هو المراد بقول ابن الحاجب: مدلوله مدلول الأول، والشائع الواقع في كلام البلغاء: ما يغاير مفهومه مفهوم المبدل منه. وأما اتحاد المفهوم فإنما يتحقق على مذهب البصريين حيث جعلوا: ضربتك إياك ضربته إياه بدلا لا تأكيدا، والكوفيون يجعلونهما تأكيدين كما يجعل الكل بك أنت وبه هو وضربت أنت تأكيدات، ووافقهم صاحب التسهيل وجعل نجم الأئمة الفرق تحكما، ومن فوائد بدل الكل البينة: ما يقصد فى جاء أخوك زيد من تقوية التبشير، وفى أخوك زيد يستحق الإكرام من المبالغة فى حث المخاطب على الإكرام، وأعط المسكين زيدا من أحداث الترحم على زيد فى نفس المأمور، وهكذا ما لا يخفى على الفطن من الأمور اللائقة ولك أن تجعل الكل تحت زيادة التقرير لجعل التقرير شاملا لتقرير الغرض المسوق له الكلام (وجاء القوم أكثرهم) فى بدل البعض والتقرير فيه باعتبار أن المبدل منه مشتمل على البدل إجمالا أما فى المثال المذكور فظاهر؛ لأن مجىء القوم يستدعى مجىء الأكثر، وأما فى نحو قطع زيد يده فلظهور أن المقطوع ليس نفس زيد بل شىء منه فاليد مشعور به إجمالا أو ذكر المبدل منه، كما أنه فى سلب زيد ثوبه الثوب مشعور به إجمالا حين ذكر زيد لظهور أن ليس المسلوب نفسه، ولا فرق فى الاشتمال على هذا الوجه بين بدل البعض والاشتمال، فجعل بدل البعض مما يشتمل عليه المتبوع شمولا ظاهرا وجعل بدل الاشتمال مما يحتاج إلى بيان اشتمال المتبوع عليه كما زعم الشارح غير ظاهر. ومما لا ينبغى أن يفوت الفطن إن جاءنى القوم أكثرهم أو بعضهم إنما ينال

стр. 355

المرتبة العليا إذا كان مجىء ذلك البعض بمنزلة مجىء الكل، وكذا قطع زيد يده إنما ينال تلك المرتبة إذا كان قطع يده كالاستئصال له لمزيد حاجة له إلى اليد لأنه كان ممن يكثر عمل اليد وتضييع بدونه. وبما ذكرنا ظهر أن ما ذكره من المثال له رجحان على الأمثال وزيد اتصال بالقسم الأول من الأبدال فكان جديرا بالاختيار وراجحا فى مقام الاعتبار (وسلب عمرو ثوبه) فى بدل الاشتمال وبيان التقرير فيه مشتمل عليه لظهور أن القصد ليس إلى نفسه بل إلى أمر من أموره؛ ولذا قيل يجب أن يكون المبدل منه فيه مقتضيا لذكر البدل ومشوقا إليه فنحو جاءنى زيد حماره ليس بدل اشتمال كما ذكره بعض النحاة إن كان هذا الواجب واجبا فى تحقيق بدل الاشتمال وغير معتبر عند البليغ لو كان واجبا فى كونه معتبرا عند البليغ فيجزم الشارح بأنه بدل غلط لا اشتمال كما ذكره بعض النحاة بعيدا عن الجزم. ومما لا ينبغى أن يراعى فى سلب زيد ثوبه أن يكون سلب ثوبه بمنزلة سلب نفسه لكثرة تأثير فى سلبه إما لكمال فقره أو غيره وسكت عن بدل الغلط؛ لأنه ليس من أحوال المسند إليه؛ لأنه ذكر المبدل منه سهوا بطريق سبق اللسان أو للنسيان إما قصدا أو ادعاء كما فى قولك: البدر الشمس هذا، فهو ليس بمسند إليه فى قصد المتكلم لا صورة ولا حقيقة بل لم يقصد إليه أصلا أو ترك بالمرة فى وقت ذكر البدل، فاعرفه فإنه بديع دقيق وكأنه لهذا أمر المفتاح بالتأمل فى معرفة وجه ترك بدل الغلط لأن معرفة ما قيل من أن وجه السكوت أنه لا يقع فى كلام البليغ لا يستدعى تأملا بل تتبعا على أنه لا يتم؛ لأن بدل الغلط نوعان: ما هو لسبق اللسان أو النسيان، وما هو لدعوى أحدهما وإبهام أنه ذكر غلطا نحو بدر شمس جاءنى، فإنك وإن عمدت إلى بدر ترى أنه سبق به لسانك وإلا لا يصح أن يجعل «بدر» مشبها به له، والثانى يقع فى كلام البلغاء وهو معتمد الشعراء وشرطه الترقى من الأدنى إلى الأعلى وهو أبلغ من العطف ببل، ويسمى غلط بدل. اعلم أن التثنية والجمع وما يجرى مجراه يقابلان المذكور بطريق العطف، فرب مقام يرجح العطف عليهما ورب مقام يرجح واحدا منهما عليه، فالبليغ فى بيان المتعدد لا يخرج عن ترجيح الإجمال بأحدهما على التفصيل بالعطف وعن ترجيح

стр. 356

العكس؛ فلذا قال. [وأما العطف] (وأما العطف) يعنى جعل المسند إليه معطوفا عليه فالأولى ذكر قولنا عليه على ذكر نحو أما الأبدال منه (فلتفصيل المسند إليه) أى ذكره مفصلا بعضه عن بعض فى العبارة والمذكور إما لأن بيان خصوصية كل من متعدد مقصود لفوت بالإجمال أو بيان خصوصية بعض مقصود كذلك مثال الأول: جاءنى زيد وعمرو فإنه لا يعلم خصوصيتهما ولو قيل: جاءنى رجلان، ومثال الثانى: جاءنى زيد وعمرو ورجل آخر، وإما لقصد التعريض لغباوة السامع وأنه لا يفهم المتعدد مع وحدة اللفظ نحو جاءنى رجل ورجل آخر، وكل من هذه الصور لتفصيل المسند إليه الذى هو رجلان فى جاءنى رجلان فإذا لم يقل: أما العطف فلتفصيله لئلا يتبادر الذهن إلى المسند إليه المتبوع فى الذكر فإن «زيد وعمرو» وليس لتفصيل زيد بل لتفصيل «رجلان» هكذا حقق المقام لئلا يشكل عليك أن المعطوف ليس لتفصيل المعطوف عليه ولا يحتاج إلى أن يريد بالمسند إليه مجموع ما نسب إليه الشىء فى الكلام ويجعل ذكر المسند إليه مفردا مسامحة (مع اختصار) ولم يقل مع الاختصار لئلا يتبادر اختصار المسند إليه واحترز به عن تفصيل المسند إليه بالوصف أو عطف البيان نحو: جاءنى رجلان أحدهما زيد والآخر عمرو، وجاءنى رجلان زيد وعمرو، وليس احترازا عن تفصيل المسند إليه فى قولنا جاءنى زيد وجاءنى عمرو على ما قالوا فإنه وإن كان فيه تفصيل للمسند إليه لكنه ليس لتفصيل المسند إليه وإنما الغرض منه تفصيل القصص الواقعة والنسب المجملة، والبليغ ليس مرجحا له على جاءنى زيد وعمرو بل على وقع أمور ونحوه. ومما يختلج فى القلب أن العطف لتفصيل المسند إليه لا يخص العطف على المسند إليه الذى هو فى الكلام متبوع محض بل يعم المسند إليه التابع، ويشمل نحو: جاءنى اثنان زيد وعمرو فإن زيدا بدل البعض وعمرو عطف عليه لتفصيل المسند إليه التابع وهكذا العطف لتفصيل المسند بأن تقول: زيد فعمرو وثم عمرو، وعليك أن تعود بهذا التحقيق على الوصف والتأكيد وعطف البيان ولا تجس فطنتك على ما يفصله البيان (نحو جاء زيد وعمرو) ونحو جاءنى زيد وعمرو بعده، فإنه لتفصيل المسند إليه ليتوسل به إلى تفصيل المسند فإنه لو لم يذكر

стр. 357

المعطوف لم يمكن تقييد مجيئه بما يفيد تأخره، والمراد بالكون لتفصيل المسند إليه من أن يكون تفصيله مقصودا لذاته أو ليتوسل به إلى غرض آخر (أو المسند كذلك) أى تفصيل المسند مع اختصار. والأوضح الأخصر معه وفيه أن لا تفصيل فى جاءنى زيد فعمرو بمعنى ذكر كل منهما منفصلا عن ذكر الآخر بل كلاهما ذكرا بقولك جاء، نعم فيه تفصيل بمعنى بيان خصوصيته فى كل لم يفهم من ذكر المسند إلا أن يقال العطف أفاد تذكر المسند فى المعطوف بخصوصه، فكأنه ذكر بعبارة منفصلة عن عبارة ذكرتها للمعطوف عليه، والمراد بكونه لتفصيل المسند أن الداعى إليه تفصيل المسند إما لذاته أو ليتوسل به إلى غرض نحو جاء زيد فعمرو بساعة فإن تفصيل المسند بالعطف ليتأتى التقييد بساعة واحترز بقوله كذلك عن نحو جاء زيد بعيد أن جاء عمرو فإنه لتفصيل المسند لكن لا اختصار فيه قال الشارح المحقق: احترز به عن نحو جاءنى زيد وعمرو بعده بيوم أو سنة وفيه بحث؛ لأن المقصود بهذا التركيب ليس من مقاصد العطف حتى يكون الاختصار داعيا إلى اختيار العطف عليه كيف وشىء من الفاء وثم وحتى لا يفيد التعقيب بيوم أو سنة فلإفادة التعقيب بلا مهلة مقام يقتضى الفاء ولإفادة التعقيب بيوم مقام يقتضى هذا التركيب، وليس ترجيح العطف عليه للاختصار، بل لأنه لا يفيد ما يفيده العطف على أنه لتفصيل المسند مع اختصار، إذ لو لم يعطف لاحتيج إلى ذكر المسند (نحو جاءنى زيد فعمرو) (١) فإنه قد يدل على أن مجىء عمرو يفيد مجىء زيد ففيه تفصيل للمسند على وجه الاختصار فإن قلت: العطف فيما يجعل لتفصيل المسند يشتمل على تفصيل المسند إليه أيضا فينبغى أن يقول: أو التفصيل المسند أو المسند إليه. كذلك قلت: تفصيل المسند إليه فى هذه الصورة ليتوسل به إلى تفصيل المسند فإنه لا يتأتى تقييد المسند بالتعقيب على أخصر وجه إلا بعد نسبته إليه، وما يكون لداع هو وسيلة إلى أمر آخر كثيرا ما يطوى فى بيان الداعى إليه الغرض الأول ويكتفى بالغرض الثانى، كما يقال تعريف المسند إليه بالإشارة لتحقيره مع

стр. 358

أنه لبيان القرب ليتوسل به إلى التحقير على أن اللازم للعطف بالفاء، وثم هو تفصيل المسند دون تفصيل المسند إليه ألا ترى أنه لا تفصيل له فى قولك: جاءنى رجل فرجل آخر أو ثم رجل آخر وأجاب عنه الشارح المحقق بأنه ذكر الشيخ ما محصله: أنه ما من كلام فيه أمر زائد على مجرد إثبات شىء لشىء أو نفيه عنه إلا وهو الغرض الحاصل والمقصود من الكلام وهذا مما لا سبيل إلى الشك فيه، ففى نحو جاءنى زيد فعمرو يكون الغرض إثبات مجىء عمرو بعد مجىء زيد بلا مهلة كأنه معلوم أن الجائى زيد وعمرو، والجهل إنما تعلق بالترتيب والتعقيب فيكون العطف لإفادة تفصيل المسند لا غير حتى لو قلت: ما جاءنى زيد، فعمرو كان نفيا لمجيئه عقيب مجىء زيد ويحتمل أنهما جاءاك معا أو جاءك عمرو قبل زيد أو بعده بمدة متراخية هذا كلامه، وفيه نظر؛ لأن كون العطف لتفصيل المسند إليه والمسند أعم من الكون له مقصودا لذاته أو لغيره ولا خفاء فى كون تفصيل المسند إليه مقصودا بالعطف ليتوسل به إلى تفصيل المسند فى العطف بالفاء ولولا اعتباره أعم لم يتم نكتة العطف فى جاءنى زيد وعمرو بعده بيوم؛ فإن المقصود فيه الترتيب والتعقيب حتى كأن مجيئهما معلوم، والجهل إنما وقع بالترتيب والتعقيب. فإن قلت: ما الفائدة فى عطف المسند إليه فى نحو قولك: جاءنى الآكل فالشارب فالنائم ومن البين أنه ليس لتفصيل المسند، لعدم تعدد المجىء ولا الجائى؟ قلت: قال الشارح: وهو فى التحقيق ليس من عطف المسند إليه بل من عطف الصلات أى: جاءنى الذى يأكل فيشرب فينام، هذا: وتوجيهه أن اللام وصلته لشدة الامتزاج كالكلمة الواحدة فيدخل عاطف الصلة على اللام كما يدخل إعراب اللام على الصلة، ولو قدرت الموصوف وجعلته من عطف الصفة على الصفة أى: جاءنى الرجل الآكل فالشارب فالنائم، لاستغنيت عن هذا التكلف (أو ثم عمرو) لائمة فإنه مخصوص بعطف الجمل والفرق بينه وبين الفاء أن الفاء لنفى المهلة وثم لإثباتها (أو جاء القوم حتى خالد) لم يقل: أو حتى خالد؛ لأن «حتى» لعطف جزء من متعدد عليه بخلاف «ثم» فلا يقال: جاء القوم ثم خالد، وهذا هو الفارق بين «حتى» و «ثم» بعد اشتراكهما فى التراخى

стр. 359

بمهلة. وقال الجزولي: هى متوسطة بين الفاء وثم، والتحقيق أن المهلة المعتبرة فى حتى بين أول جزء للمعطوف عليه وما بعدها لا بين المعطوف عليه والمعطوف؛ إذ المعطوف من تتمة المعطوف عليه، ولخفاء المهلة بين ما بعد حتى وما قبلها أنكر نجم الأئمة كونها للمهلة وأنكر أيضا الترتيب الخارجى، وقال: إن الترتيب المعتبر بين أجزاء المعطوف عليه هو الذهنى دون الخارجى، وفى قولنا: جاء القوم حتى زيد يعتبر العقل ترتب تعلق المجىء بأجزاء القوم بحسب رجحانه بالنظر إلى بعض ببعض حتى ينتهى إلى الأقوى أو الأضعف، وما قال يخالف جعلهم إياها مثل «ثم» وما استدل عليه من قولهم: مات كل أب لى حتى آدم مع أن موته متقدم، ومات الناس حتى الأنبياء مع أن موت الأنبياء فى أثناء موت الناس. وقولهم: جاء القوم حتى خالد مع أن مجيئهم معا لا يتم لجواز أن تكون هذه الأمثلة مستعارات للترتيب الذهنى للمبالغة فى الترتيب الذهنى بحيث يخل الترتيب الخارجى وقد جاء مثله فى «ثم» فى قوله: إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ ساد قبل ذلك جدّه (١) على أن الترتيب فيما ذكره من الأمثلة أيضا خارجى لكنه رتبى لا زمانى وليس للعقل إلا ملاحظة هذا الترتيب الرتبى كما يلاحظه الترتيب الزمانى (أو رد السامع عن الخطأ) أى: الاعتقاد الغير المطابق (إلى الصواب) أى: اعتقاد المطابق وأما تفسير قوله مما فى الإيضاح والشرح حيث قالا: أو رد السامع عن الخطأ فى الحكم فيقتضى جعل الخطأ والصواب صفتين للحكم لا جعلهما نفس الحكم وحينئذ يكون المعنى رد السامع عن كون حكمه خطأ إلى كون حكمه صوابا، ولا يخفى أنه معنى سمج وإن وافق المفتاح ففيه تفويت لما اتفق فى عبارة المتن من إصلاح عبارة المفتاح، ولا بد من تقييد الرد بقولنا: «مع اختصار» ليخرج عنه نحو ما جاءنى زيد، ولكن جاء عمرو، وكذا فى البواقى ليخرج عنه عطف الجمل على الجمل، ولا بد من تقييده أيضا مما يخرج ما عداه من طريق القصر فإنه يصح فى (نحو جاءنى زيد لا عمرو) وما جاء إلا زيد، وإنما جاء زيد، وزيد جاء، فالأولى أن

стр. 360

يقال: أو رد السامع صريحا إلى الصواب فإن فى ما عداه لا نص إلا على المثبت ويجب فيه التصريح بالمثبت والمنفى إلا إذا كان المنفى لكمال ظهوره كالمصرح كما سيجىء إن شاء الله تعالى، ورد السامع إلى الصواب فى المثال المذكور بإزالة اعتقاده الشركية لا غير، فإنه إنما يكون لقصر الإفراد، على ما بينه الشيخ عبد القاهر وعند المفتاح تقلب به اعتقاد المخاطب أيضا، ويخاطب به من اعتقد أنه جاء عمرو دون زيد ووافقه المصنف، ويفهم من كلام الشارح فى بحث القصر أنه يخاطب به من اعتقد بمجىء أحدهما من غير تعيين لكنه حينئذ ليس لرد السامع إلى الصواب، بل لحفظه عن الخطأ، فليكن هذا نكتة أخرى للعطف على ذكر منك، ومن أمثلة رد السامع إلى الصواب: ما جاءنى زيد بل عمرو على ما قال ابن مالك (١) إن بل بعد النفى والنهى ك «لكن»، وجعل ابن الحاجب ذلك محتملا حيث قال: ما جاءنى زيد بل عمرو ويحتمل إثبات المجىء لعمرو مع تحقيق نفيه عن زيد وعليه ما سيأتى فى بحث القصر أن ما جاءنى زيد بل عمرو للقصر، ومما ذكره المفتاح والإيضاح أن ما جاءنى زيد لكن عمرو بمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو ولم يتعرضا لكونه لمن اعتقد الشركة فقال الشارح: إن مجيئه لرد السامع اعتقاد الشركة لم يقل به أحد وهذا وجه خفى، ومنهم من وجهه بأنه يحصل رد اعتقاد الشركة بالمعطوف عليه، فذكر الإثبات لغو ورده السيد السند بأنه منقوض بقولك: جاءنى زيد لا عمرو، والأولى أنه منقوض بباقى طرق القصر. ونحن نقول: لم يذكروا «لكن» من طرق القصر إلا فى بحث العطف مثالا لرد السامع إلى الصواب، والعطف لا يرد به إلى الصواب فى قصر الإفراد؛ إذ هو مما اعتقده المخاطب بل هو لتقرير ما اعتقده من الصواب فجعله لقصر القلب فى مقام التمثيل به للرد إلى الصواب لا يوجب عدم كونه لقصر الإفراد لاحتمال أن يكون عدم التعرض به؛ لأنه لا يصلح بهذا الاعتبار لما يتم فيه من التمثيل وإنما لم يذكره المصنف فى المتن مع تعرضه له فى الإيضاح لأنه نحو جاء زيد لا عمرو من

стр. 361

طرق القصر؛ كذا ذكره الشارح، ونحن نقول: لم يتعرض له؛ لأنه مخالفة من المفتاح مع الأئمة الأعلام من النحاة حيث جعلوه لدفع توهم المخاطب أن عمرا أيضا لم يجئ كزيد بناء على ملابسة بينهما، وقلة انفراد أحدهما بأمر ولم يتعرض لما ذكروه أيضا ليعلم أن العطف ب «لكن» لدفع توهم ناشئ من السابق لاحتمال أن يكون الحق مع المفتاح، وكلام الشارح المحقق والسيد السند يشعران بأن المراد بالتوهم الاعتقاد سواء كان جزما أو ظنا ضعيفا ويمكن أن يقال: لا مخالفة بين كلام السكاكى والنحاة على ما توهموا لأنه يجوز أن يكون ذكر «لكن» فى التصريح بالإثبات بعد النفى للقصر واختياره على «بل» لأنه نشأ من نفى ما اعتقده ثانيا يوهم أنه وافقه المتكلم فيما نفاه؛ ولذا لم يبدأ بإثباته مع أن الإثبات أحق بالتقديم ففيه مع رد المخاطب إلى الصواب دفع توهم المشاركة فى النفى، ولا يبعد أن يجعل رد السامع إلى الصواب شاملا لدفع التوهم بعد ما بين أن المراد بالتوهم الاعتقاد، فإن العطف بلكن حينئذ لرد المخاطب من خطأ أوقعه المتكلم فيه وهو اعتقاد أنه لم يجئ عمرو، أو اعتقاد أنه مشارك لزيد فحينئذ يكون من طريق قصر الإفراد. (أو صرف الحكم إلى آخر) سواء جعل الأول فى حكم المسكوت عنه بحيث يحتمل أن يكون ثانيا وأن لا يكون ويسمى الإضراب، أو لم يجعل فى حكم المسكوت عنه وذلك حين يزاد «لا» قبل «بل» فإنه يبطل الإيجاب قبله وتقرير النفى ويؤكده، فلا يكون ما قبل «بل» حينئذ محتملا بل مقطوعا به فإذا قلت: جاء زيد لا بل عمرو وأبطلت مجىء زيد وصرفت الحكم إلى عمرو، وإذا قلت: ما جاء زيد لا بل عمرو وقررت النفى وصرفته إلى عمرو فإن قلت: آخر بمعنى غير من جنس السابق، فلا يقال: جاءنى زيد وحمار آخر بل رجل آخر، فقوله: أو صرف الحكم إلى آخر يوجب عدم صحة جاءنى زيد بل حمار مع أنه ليس كذلك فالصحيح: أو صرف الحكم إلى غيره. قلت: معنى قوله أو صرف الحكم إلى آخر: إلى مسند إليه آخر والمسند إليه الآخر من جنس السابق فى هذا الكلام، وذلك لا يقتضى كونه فيما بعد، بل من جنس السابق عليه وهذا من قبيل اشتباه مفهوم الحكم بموارده فلما كان الإضراب غير شامل لجميع صور العطف ببل وإن كان متحققا فى (نحو جاء زيد بل عمرو

стр. 362

وما جاءنى زيد بل عمرو) أضرب عن ذكر الإضراب والنفى بصرف الحكم الشامل لجميع الصور، لكن كون المثال الثانى لصرف الحكم غير واضح على مذهب الجمهور من أن «بل» يبطل النفى فيما بعده ويجعل ما قبله فى حكم المسكوت عنه حتى يكون المعنى ما جاءنى زيد بل جاءنى عمرو؛ لأنه لا معنى لصرف الحكم إلى ما بعد «بل» بعد اختلاف الحكم السابق واللاحق، نعم يتضح على مذهب المبرد أن النفى والإثبات سببان والمعنى: بل ما جاءنى عمرو مع احتمال جاءنى زيد بين النفى والإثبات، فالغلط عند المبرد فى الاسم المعطوف عليه فقط وعند الجمهور فيه وفى ذكر النفى فكلمة «بل» لتدارك غلطين عندهم تدارك النفى بالإبطال وتدارك المعطوف عليه بعينه بصرف الحكم إلى المعطوف ويمكن توضيح صرف الحكم بأن المراد صرف الحكم بعينه أو بعد إصلاحه بإبطال نفيه، والمراد بالحكم إما الوقوع واللاوقوع أو الإيقاع والانتزاع والمراد بصرفه صرفه باعتبار الإفادة فلا يتجه أنه يقتضى تكذيب الحكم فى المعطوف عليه مع أنه غير تكذيب بل مسكوت عنه والصرف فى الإفادة كما يصح في الإيقاع يصح في الوقوع، والصرف بحسب الواقع لا يصح في شيء منهما فما ذكره الشارح المحقق في شرح المفتاح أن المراد بالحكم الإيقاع فلا يستلزم صرف الحكم كذب الحكم في المعطوف عليه لا يتم ولا يشكل عليك عدم شمول النكتة للعطف في: ليضرب زيد بل عمرو؛ لأنه ليس لصرف الحكم بل لصرف الطلب؛ لأن الكلام في المسند إليه بالإسناد الخبري على أن التحقيق أن الحكم هنا يعم الخبر والإنشاء قال الرضى: وإذا عطفت ب «بل» مفردا بعد النفي أو النهي فالظاهر أنها للإضراب أيضا ومعنى الإضراب: جعل الحكم الأول موجبا أو غير موجب كان، كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه وفرق بين العطف ببل وبدل الغلط وإن كان كلاهما لتدارك الغلط في المتبوع فإن الأول لا يقع في كلام البليغ والثاني شائع بين البلغاء مطرد في كلامهم؛ لأنها موضوعة لتدارك مثل هذا الغلط وقد نبه عليه المصنف حيث ترك بدل الغلط وذكر العطف ببل، وابن الحاجب سوى بينه وبين البدل لكن تعقبه الرضي بهذا الفرق وهو المرضي كذا قيل، وقد عرفت أن من بدل الغلط ما هو أبلغ من المعطوف فالفرق بأن هذا البدل ليس من أحوال المسند إليه إذ لا مسند إليه

стр. 363

قبله؛ لأنه لم يقصد أو ترك بالكلية بخلاف المعطوف عليه ببل فإن البليغ بعد الإتيان به سهوا التفت إليه واعتبر الحكم مرتبطا به وذكر ما يصرف الحكم عنه إلى آخره. (أو الشك) أي: لإفادة الشك (أو التشكيك) أي: لجعل المخاطب شاكّا في الحكم لغرض يتعلق به (نحو جاءني زيد أو عمرو) أو للإبهام نحو وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١) أو للتحقير أو للإباحة نحو: ليدخل زيد أو عمرو، والفرق بينهما أن التحقير يفيد ثبوت الحكم لأحدهما فقط وفي الإباحة تجوز الجمع بينهما لكن لا من حيث مدلول اللفظ بل بحسب أمر خارج، ونبه المصنف بترك عد التفسير مقاما للعطف على قلته في الواو والفاء وعلى أن ما بعد «أي» و «إن» عطف بيان لما قبله كما عليه الجمهور لا معطوف كما عليه المفتاح، قالوا يؤيد الجمهور كون المعطوفات مغايرة للمعطوف عليه إلا ما قل من العطف بالواو والفاء للتفسير. وتفسير أئمة اللغة الضمير المجرور بأي من غير إعادة الجار وتفسيرهم الضمير المرفوع المتصل به من غير تأكيد بمنفصل ولا فصل، وفيه بحث؛ لأن ما بعدهما يشارك المعطوفات في كون التشريك فيه في الإعراب بواسطة الحرف وهما مستثنيان عنده من قاعدتي العطف على الضمير المجرور والضمير المرفوع المتصل، بل القاعدتان عنده أنه إذا عطف بغير أي وأنا على الضمير المجرور أعيد الخافض، وعلى الضمير المرفوع المتصل يؤتى بتأكيد بمنفصل أو بفصل، وكون القاعدة عندهم أشمل من القاعدة عنده لا يوجب تأييدهم والحروف العاطفة عنده اثنا عشر لأنه جعل «أي» و «أن» فيهما لأنه لا وجه للفرق بين أي وأن وإن لم يصرح إلا بأي فما ذكره السيد السند أنها عنده أحد عشر حرفا محل نظر، ولم يذكر العطف بأم لاختصاصه بالإنشاء إلا أن عدم التعرض به في باب الإنشاء أيضا يوجب إهمال الفن لما يهمه. [وأما الفصل] (وأما الفصل) أي: ما يسميه نحاة البصرة فصلا وغيرهم عمادا وجعل الفصل من أحوال المسند إليه لدلالته على كونه مخصصا به المسند ودالا على معنى فيه كونه متميزا بالمسند منفردا من بين الجنس به وجعل الفصل مصدرا

стр. 364

يعني: تعقيب المسند إليه به غير ثابت وعنه مندوحه وكون أخواته مصادر لا يخل به مثل هذا المتكلف، والأصح أنه على صفة الضمير المرفوع المنفصل وليس ضميرا، فقول الشارح: ضمير الفصل مرجوح، وما ذكره النحاة من كونه وضع للفصل بين الخبر والنعت يستدعي جعله من أحوال المسند، كما أن كون التخصيص متعلقا بالمسند بلا واسطة حرف الجر معنى يقتضي جعله حالا له إلا أنه لما كان العمدة في الكلام هو المسند إليه ونظر المتكلم عليه وما عداه متطفل بين يديه كان الأولى إرجاع الحال إليه ما لم يقتض إلى مزيد تكلف وحينئذ لا يبعد أن يجعل الفصل لفصله عن الموصوف وإنما اقتصر على قوله: (فلتخصيصه بالمسند) مع أن فائدته التي لا تنفك عنه تأكيد الحكم بخلاف التخصيص، فإنه قد يكون إذا لم يكن في الكلام ما يفيد التخصيص سواه وقد لا يكون إذا كان الخبر المعرف بتعريف الجنس؛ لأنه لإفادته تأكيد الحكم من أحوال الإسناد على الثاني ثبوت القصر معه إذا لم يكن ما يفيده سواه تردد. قال الشارح في شرح الكشاف: إفادته القصر إنما يتم إذا ثبت القصر في مثل كان زيد هو أفضل من عمرو مما الخبر فيه نكرة، ولا خلاف بين المصنف والسكاكي حيث قال: إنه لتخصيص المسند بالمسند إليه إلا في العبارة فإن الباء في صلة التخصيص قد تدخل على المقصور، وقد تدخل على المقصور عليه وجعل الشارح الاستعمال الأول عربيّا وغالبا، والثاني عرفيّا، والسيد السند الاستعمال الثاني أصليّا، والأول مبنيا على جعل التخصيص مجازا مشهورا قريبا بالحقيقة العرفية في التمييز أو مضمنا بمعنى التمييز وجعل الباء متعلقا بمعنى التمييز أي: الفصل لتمييز المسند إليه به مخصصا بالمسند إليه. فعدول المصنف عن عبارة المفتاح إلى ما هو العرفي الغالب استعمالا في وجه وإلى ما هو أظهر في كونه حالا للمسند إليه في وجه ليس لك أن تقول: إنه قد يكون لقصر المسند إليه على المسند نحو الكرم هو التقوى وهو الذي ذكره المصنف وقد يكون في قصر المسند على المسند إليه نحو إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ (١) وهو الذي ذكره المفتاح؛ لأن قصر المسند إليه على المسند في المثال المذكور من تعريف المسند إليه على نحو

стр. 365

قولك: المنطلق زيد، وكون الفصل له غير ثبت وإنما هو مما وهمه بعض من عبارة الكشاف في تفسير وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١) ولكون بيانه متعلقا بمقام آخر لو بسطنا الكلام فيه لتساءمون ولقد سمعتم نبذا منه في بحث التعريف باللام إن كنتم ما يهمكم تحفظون. [وأما تقديمه] (وأما تقديمه) أي: تقديم المسند إليه على غيره من أجزاء الكلام فيشتمل تقديم الفاعل على المفعول، والتعميم أولى من تقدير على المسند موافقا للمفتاح لجريان أكثر النكات فبينه وبين قوله في أحوال متعلقات الفعل وتقديم بعض معمولاته على بعض ... إلخ عموم من وجه ففي ترك المصنف قول المفتاح على المسند تكثير المعنى بإيجاز اللفظ فتقدير الشارح على المسند تفويت لما قصده المصنف، والتقديم يقتضي وجوده لا على صفة التقديم، وذلك بأن يكون حقه المقام المتأخر إما على الصفة التي هي الآن عليه كتقديم المفعول على الفاعل فإن حق المفعول المقام المتأخر، وإما على صفة أخرى لو وجد متأخرا كان على هذه الصفة كما في تقديم المسند إليه بجعله مبتدأ ولو جعلته فاعلا حقه المقام المتأخر والأشبه بإطلاق التقديم هو القسم الأول؛ لأنه يتوهم في شأنه أنه إذا كان متأخرا غير إلى التقديم لكون حقه أن يكون متأخرا والقسم الثاني إنما يسمى تقديما؛ لأنه أوجد مقدما لا لأنه غير من التأخير إلى التقديم، كما أن ذكر المسند إليه الذي ليس حقه التأخير باعتبار نحو زيد إنسان مقدما يسمى تقديما بهذا المعنى، ولهذا قال صاحب الكشاف: إن التقديم إنما يوصف به المزال لا القار في مكانه مع أنه كثر منه إطلاق التقديم على القار ونظيره «صغر» فإن صغر الجسم معناه جعل الكبير صغيرا، وقولهم: صغر الله جسم البعوضة معناه أوجده صغيرا وضعوا الإمكان موضع الفعل فكما أن الصغير الثاني مجاز في اللغة كذلك التقديم مجاز في عرف أرباب الفن في غير الأول، وتقديم المسند إليه مطلقا من القسم المجازي كما أن تقديم المفعول على الفاعل أو على الفعل من القسم الحقيقي، فإما أن يراد بالتقديم في عباراتهم ما يشمل التقديم الحقيقي والمجازي مطلقا ليكون استعمال التقديم على نحو واحد، وأما أن يستعمل فيما يقتصر على المجاز في المعنى المجازي

стр. 366

وفيما يقتصر على الحقيقة في المعنى الحقيقي كما في تقديم المسند. (فلكون ذكره) أي: المسند إليه (أهم) من ذكر باقي أجزاء الكلام لا من ذكر المسند فإنه قاصر كما عرفت ولا من الحذف فإنه حينئذ يكون مرجحا للذكر على الحذف لا للتقديم على غيره. ومعنى كون ذكره أهم أن العناية به أكثر من العناية بذكر غيره ومن البين أن لا جهة لتقديم فعل على فعل إلا كون العناية بالمتقدم أكثر والاهتمام به أوفر، وكون الاهتمام موجبا للتقديم وصحة كون التقديم لا لاهتمام بينة مستغنية عن بيان ما به الاهتمام لكن كون التقديم على وفق مقتضى الحال يوجب أن يكون له جهة من جهات يدعو البليغ إليه فمن قال يكفي أن يقال: قدم للعناية يريد أنه إذا وقع تقديم من البليغ يكفي ذلك القول؛ إذ لا خفاء في أن ما دعاه إلى الاهتمام أمر معتبر في البلاغة وحيث قال الشيخ: إنا لم نجدهم اعتمدوا في التقديم شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، لكن ينبغي أن يفسر وجه العناية بشيء ويعرف فيه معنى يريد أن صاحب علم المعاني ينبغي أن يفسره ليعلم المتعلم الكاسب للبلاغة الجهات المعتبرة عند البلغاء فلذلك جعل المصنف- اقتفاء للمفتاح- سبب التقديم الأهمية ثم فسر وجوهها بقوله (إما لأنه) ظاهره إما لأن المسند إليه (الأصل) وهو موجه لأن كل ما يذكر من غيره متطفل على ذكره ولبيانه ولتحصيل معرفته بالإحاطة بحاله وحينئذ يحتاج قوله (ولا مقتضي للعدول عنه) إلى تكلف بإرجاع الضمير إلى كونه الأصل حتى يكون المعنى ولا مقتضى للعدول عن كونه الأصل أي: عن مقتضاه وهو كونه أهم مما يتفرع عليه، لكن لا خفاء في جعله وسيلة إلى الأهمية الداعية إلى التقديم، وفي المفتاح إما لأن أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه فلذا فسر الشارح المحقق: ضمير لأنه بتقديم المسند إليه، ولا يخفى أن كون تقديم المسند إليه الأصل بلا مقتضى عدول يوجب التقديم من غير أن يلاحظ أنه يوجب الأهمية وكأنه لهذا جعل الشيخ الاهتمام جاريا مجرى الأصل إذ نكتة تقديم لا يكون تحته نادرة ككون التقديم الأصل بلا اقتضاء العدول، ويمكن أن يقال: ملاحظة كون التقديم الأصل وعدم موجب العدول بجعل ذكره أهم وكون المسند إليه أو تقديمه الأصل ليس لكونه محكوما عليه بل لكونه مسندا إليه حتى يستحق التقديم في

стр. 367

الإنشائية أيضا وإنما قال: ولا مقتضى للعدول عنه لأنه لا تقدم مع مقتضى العدول، ولهذا لم يقدم الفاعل على الفعل؛ لأن كون المسند عاملا يقتضي العدول عن تقديم المسند إليه لأن مرتبة العامل قبل مرتبة المعمول. فإن قلت: كيف يوجب كون المسند عاملا لتقديم المسند والعدول عن تقديم المسند إليه غايته أن يتعارض العاملية والأصل الذي في المسند إليه فلا بد من أمر آخر حتى يتم اقتضاء العدول، قلت: كون الفعل عاملا حال نفسه، وكون المسند إليه الأصل باعتبار مدلوله وما للشيء باعتبار نفسه أقوى مما له باعتبار مدلوله ولك أن تقول: إن المقتضى للعدول عن الأصل في الفاعل التباسه بالمبتدأ أو التباس العامل اللفظي بالعامل المعنوي أو التباس علامة الفاعلية بعلامة كون الشيء مبتدأ (وإما ليتمكن الخبر) أراد به الخبر في وقت ما سواء كان خبرا في الحال أو لا؛ ليشمل البيان تقديم المفعول الأول من باب علمت على الثاني نحو أن تقول: علمت الذي حارت البرية فيه حيوانا مستحدثا من جماد، ولا حاجة إلى التعميم لتناول خبر كان وخبر إن وخبر ما، ولا لأن الخبر يتناول الجميع كخبر المبتدأ لكن العبارة حينئذ على عموم المجاز لأن تسمية المفعول الثاني خبرا مجاز وتسمية البواقي حقيقة- ولو قال وإما ليتمكن المسند لكان واضحا إلا أنه أراد التنبيه على أن المسند في باب تقديم المسند إليه ما سوى مسند الفاعل في ذهن السامع (لأن في المبتدأ) الحاجة ماسة إلى تعميم المبتدأ أكثر مما سبق في الخبر والتشويق في تقديم المبتدأ إذ لو قدم الخبر فلا تشويق في المبتدأ المتأخر إليه فالأولى «لأن في تقديم المسند إليه» (تشويقا إليه) كما في المفتاح. وفيه أن كون التقديم مشوقا إلى الخبر يدعو إلى التقديم لا إلى كونه أهم حتى يصح تفسير وجه الاهتمام به وقد هديت في قطع هذه المسافة، والتشويق إنما يتكامل بتطويل المسند إليه؛ ولذا قيل حتى الكلام تطويله وإنما يتمكن الخبر حين سماعه بعد التشويق؛ لأن حصول الشيء المترقب بعض الشوق ألذ وأوقع في النفس وإنما قيدنا الشيء بالمترقب لئلا ينافي ما يقال إن حصول نعمة غير مترقبة ألذ وهو كرزق من حيث لا يحتسب (كقوله) أي: أبي العلاء المعري من قصيدة يرثي بها فقيها حنفيّا: -

стр. 368

والذي حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد (١) يعني: تحيرت البرية في المعاد الجسماني والنشور الذي ليس بنفساني، وفي أن أبدان الأموات كيف تحيا من الرفات كذا في ضرام السقط وقيله: بان أمر الإله واختلف النا ... س فداع إلى ضلال وهاد (٢) يعني: بعضهم يقول بالمعاد، وبعضهم لا يقول به، وبهذا يتبين أن ليس المراد بالحيوان المستحدث من الجماد آدم- ﵇ ولا ناقة صالح ولا ثعبان موسى ولا القلس على ما وقع في الشروح لأنه لا يناسب السياق، هكذا ذكره الشارح فزيف ما في الشروح بأنه يخالف ما في ضرام السقط ويخالف البيت الذي قبله، وزيد في التزييف بأنه يخالف البيت الذي بعده وهو: اللبيب الذي من ليس يغترّ ... بأن مصيره إلى الفساد (٣) وأورد عليه السيد السند في شرح المفتاح بأن تلميذ الشاعر ذكر في تنوير السقط أن المراد حيرة الناس في خلقة آدم ﵇ من التراب، ومن البين أن كون التوجيه مخالف السياق لا يدفعه كونه من تلميذ الشاعر، ونحن نقول: كون الكلام في حشر الأجساد لا ينافي كون المراد بالحيوان المستحدث من الجماد أحد هذه الأمور بل نقول: المراد ما يعم الجميع والكلام تشبيه بليغ أي الذي تحيرت الناس فيه من الجسم المحشور ليس إلا كحيوان استحدث من الجماد والإعادة أهون من الاستحداث فبعد انكشاف الاستحداث بل تعدده لا مجال للتحير، وحينئذ لا يبعد أن يراد ما يشمل خلق الحيوانات من النطف، ومحصل الأبيات أنه ظهر أمر الإله بين العقلاء من كمال قدرته بخلق ما يكون خلق الإنسان من الرفات بالقياس إليه هينا واختلف الناس في بعث الأجساد فمنهم داع إلى ضلال وهو الإنكار ومنهم هاد إلى الاعتراف والذي تحيرت الخلق فيه حيث أنكروا ليس إلا كحيوان مستحدث من جماد واللبيب الكامل اللب من ليس يغتر بالحياة بأن

стр. 369

مصيره إلى الفساد من غير المعاد فيغتنم هوى النفس ولا يعمل لما بعد الموت. (وإما لتعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل أو التطير) قوله: للتفاؤل أو التطير نشر على ترتيب اللف لأن التفاؤل مشهور الاختصاص بالخير؛ فلذا لم يكتف به كالمفتاح زاد لفظ التعجيل ظنّا منه أن ما يصلح للتفاؤل موجب للمسرة بالتفاؤل به سواء كان في مستهل الكلام أو إثباته، ورد بأن التفاؤل إنما يكون في مستهل الكلام أو في أثنائه ولا يتفاؤل بغيره، وبعد بناء الكلام على أن التفاؤل والتطير يكون في غير الأول، لا يخفى أن قوله للتفاؤل لا يصلح علة لتعجيل المسرة؛ لأن التفاؤل لا يقتضي تعجيلها بل لتعجيل التفاؤل فيجب أن يجعل علة للمسرة لا لتعجيل كما جعله الشارح في المختصر، ولا يخفى أن كون المسند إليه سارّا لا يتوقف على التفاؤل به؛ لأنه إنما يسر السامع لتضمنه خيرا وإدخاله خيرا في ذهنه والمسرة كما تحصل بالتفاؤل تحصل بتذكره ما هو الواقع لأنه ربما يسره سماع صديقك وربما يسوؤه سماع عدوك فقوله للتفاؤل أو التطير مذكور على سبيل التمثيل. (وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر أو أنه يستلذ به) أي: يوجد لذيذا لم يقل أو لأنه ليكون عطفا على أنه لا على إيهام، ويكون تحت الإيهام فإن ما يوجد لذيذا تصور المدلول لا اللفظ فاستلذاذه وهمي (وإما لنحو ذلك) هو أحسن من عبارة المفتاح «أو أشباه ذلك» وهو واضح لا يشتبه عليك ومن جملة أمثال ما مر ما قاله المفتاح: وهو كون المسند إليه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب لا نفس الخبر، واعترض عليه المصنف بأن المراد بقوله لا نفس الخبر إن كان لا نفس تصور الخبر فما من خبر إلا وهو كذلك وإن أراد لا نفس وقوع الخبر ففيه أنه مع ذكر المسند إليه لا يكون المراد نفس وقوع الخبر بل يجب الاقتصار على المسند فعند إرادة نفس وقوع القيام لا يقال: قام زيد بل وقع القيام، ولك أن تقول: المراد الثاني ولا خفاء في أن كون المطلوب عند ذكر إرادة المسند إليه كونه متصفا لا وقوع الخبر مما يوجب كونه أهم ويصح جعله موجبا للاهتمام الموجب للتقديم فحينئذ الخبران بمعنى وهو أحسن من جعل الخبر الأول بمعنى خبر المبتدأ والخبر الثاني بمعنى الإخبار. والمشهور في جواب المصنف ما ذكره الشارح المحقق في أن المراد بكون المسند

стр. 370

إليه متصفا بالخبر كونه متصفا به على وجه الاستمرار، وبقوله لا نفس الخبر لا مجرد الإخبار فالخبر الثاني بمعنى الإخبار، ولعدم تنبه المصنف له خفى الحال عليه وأيد ذلك بأنه قال المفتاح كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب، فإن كيف إنما يسأل بها عرفا عن الحال المستمرة في أكثر الأوقات فبشرب الزاهد يدل على مجرد صدور الشرب عنه في الحال أو الاستقبال، والزاهد يشرب يدل على صدوره عنه حالة فحالة على سبيل الاستمرار واعترض عليه بأن الاستمرار التجددي إنما يستفاد من المضارع بقرينة سواء قدم المسند إليه أو أخر فلا يكون وجها للتقديم، ويمكن دفعه بأن مراد المفتاح أن تقديم المسند إليه؛ لأن المطلوب اتصافه بالخبر على الاستمرار التجددي والفعل مع تقديم المسند إليه أدل عليه؛ وذلك لأن قولك: الزاهد يشرب وضع الفعل فيه موضع المفرد لأن الأصل في الخبر الإفراد، فإبزاز الاسم في صورة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي، وأجاب السيد السند عن اعتراض الإيضاح في شرح المفتاح بأن مراد المفتاح أنه إذا كان المطلوب موصوفية المسند إليه لا وصفية الخبر فإن للإخبار عن شرب الزاهد اعتبارين أحدهما: أن يكون الكلام في الزاهد وأنه هل يصدر عنه الشرب؟ فالمطلوب هنا: موصوفية الزاهد فيقال: الزاهد يشرب، وثانيهما: أن يكون الكلام في الشرب وأنه هل تقع وصفا للزاهد فيقال: يشرب الزاهد؟ ومنها ما قاله من أن التقديم يكون لزيادة تخصيص كما في قوله: [متى تهزز بني قطن تجدهم] أي: متى تحرك وتبعث هذه القبيلة تجدهم: [سيوفا في عواتقهم سيوف] أي: تجدهم سيوفا في قطع الأمور والنوائب وفي سرعة التحرك والسيوف لا تنتقل عن عواتقهم؛ لأنهم يكفون الأمر بذواتهم ومهابتهم من غير حاجة إلى إعمال السيوف. [جلوس في مجالسهم رزان] يحتمل أن يكون جملة مفعولا ثانيا لتجدهم أي تجدهم بهذه الصفة من كون الجلوس في مجالسهم أصحاب وقار لتأثير وقارهم في تلك الجلوس، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي: هم جلوس ... إلخ. [وإن ضيف ألمّ فهم خفوف] (١) قالوا: هو جمع خاف بمعنى: خفيف والأظهر أن

стр. 371

يجعل جمع خفيف فإنه جاء ظريف وظروف، والمراد بزيادة التخصيص ليس زيادة الحصر إذ لا يوصف الحصر بالزيادة والقلة، بل المراد: زيادة تخصيص المسند الأعم من المسند إليه بالمسند إليه؛ لأنه بالذكر يحصل التخصيص وبالتقديم زيادة التخصيص إذ بالذكر آخرا يحصل التخصيص في آخر الكلام وبالتقديم يحصل التخصيص أولا فيكون التخصيص حاصلا في أول الكلام وآخره، ولا نعني بزيادة التخصيص إلا هذا القدر ولما كان زيادة التخصيص موهمة لإرادة الحصر قال: والمراد هم خفوف يعني: لا أنه لا خفوف إلا هم، وبهذا الدفع اعتراضان ذكرهما المصنف في الإيضاح: أحدهما: منع كون «فهم خفوف» مفيدا للحصر لاختصاص إفادة الحصر بالخبر الفعلي. وثانيهما: أن قوله: والمراد هم خفوف تفسير للشيء بإعادة لفظه، وربما يدفع الأول بإثبات أن الحصر يستفاد من الخبر المشتق، وإن لم يكن فعلا تمسكا بتصريح أئمة التفسير به في قوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١) وأمثاله، ويرد بأنه لا معنى يقصد الحصر في البيت وندفعه بأن حصر الخفيف فيهم لترجيح سرعتهم في خدمة الضيف على سرعة خدمتهم نعم يتجه أنه لا يصح تقدير المسند إليه في قوله هم خفوف على أنه فاعل معنى إذ لا اعتماد لخفوف بعد تأخير المسند إليه حتى يكون له معمول فضلا عن أن يكون فاعلا معنى ودفع الشارح المحقق الثاني بأنه أراد بقوله والمراد «هم خفوف» أن المقصود من البيت للاستشهاد «هم خفوف» لا تجدهم سيوفا ولا جلوسا لاحتمال تقدير المسند إليه مؤخرا ولا ينحصر نحو ذلك فيهما، بل ذكر أمورا أخر في المفتاح (ويمكن أمور أخر بيدك المفتاح) (٢)، وإنما تعرضنا لهما لما ذكرنا لك من أبحاث تعلق بهما ولا يخفي عليك أن الإجمال المطلوب بقوله: «وإما لنحو ذلك» ينبغي أن يكون بعد تمام التفصيل وبعض التفصيل يذكر فيما بعد إلا أنه أخر بعض التفصيل لئلا يتباعد المعطوف عن المعطوف عليه كثيرا وحينئذ ينبغي أن يجعل ما يذكر فيما بعد تفصيلا لبعض ما

стр. 372

اندرج في قوله «وأما ... (١) عبد القاهر» أي: قال عبد القاهر. (وقد تقدم) المسند إليه (ليفيد تخصيصه) أي: المسند إليه (بالخبر الفعلي) أي: قصر الخبر الفعلي عليه على أن الباء دخل على المقصور وتحقيقه أن تقديم المسند إليه لكونه أهم؛ لأن المخاطب إذا أصاب في أصل الحكم وأخطأ في قيد من قيوده يكون ذلك القيد أهم عند المتكلم؛ لأنه به يتقرر الصواب ويرد الخطأ فيقدم، فالتخصيص من جهات الأهمية إلا أنه جعله المصنف من جهات التقديم ولم يجعله من جهات الأهمية على طبق ما تقدم من أن لا جهة له إلا الأهمية والنكات تفسير الأهمية تنبيها على أنه كثيرا ما يوضع تفسير الأهمية ووجه العناية مكانها، ولكن ذلك يقتضي أن لا يخص التقديم لهذه النكتة بالفعل، بل يجري في كل مسند واعتذر السيد السند عن تخصيصه بما سوى الجوامد بأن معاني الجوامد كالجسم والحيوان والجوهر مثلا أمور ثابتة غير متغيرة قل ما يقع الخطأ فيها من الأمور العرفية فلن يلتفت إليها، وأما المشتقات فكلها متشاركة في سبب إفادة التخصيص، ونص السكاكي بأن وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ من هذا القبيل وكأنه أراد أنه لم يلتفت إلى الجوامد في إفادة التقديم فيها التخصيص لأنه علامة له غير واضحة وإلا فلا خفاء في وقوع التخصيص فيها نحو إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا (٢)، وبعد فيتجه أن الصفة المشبهة من المشتقات للثبوت وقد جعلت التقديم فيه وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ للتخصيص وبالجملة إنما قال المصنف بالخبر الفعلي لا بالخبر الفعل؛ لأن الخبر ليس الفعل بل المركب من الفعل وغيره من أجزاء الجملة أو شبه الفعل، فالفعلي يتناول شبه الفعل فلا حاجة إلى ما اعتذر به الشرح للمصنف من أن التقييد بالفعلي مما يفهم من كلام الشيخ وإن لم يصرح به على خلاف تصريح المفتاح بعدم التقيد واشتراك الحكم بين الأخبار المشتقة ثم كون التخصيص في «ما أنا قلت» بالخبر الفعلي ليس بواضح إذ المسند إليه فيه خص بنفي الخبر الفعلي بغير المسند إليه فإن القول خص بغير المتكلم، وإنما خص به نفي القول.

стр. 373

وأجيب بأن الخبر الفعلي هنا نفي القول وحرف النفي من تتمة المسند ولا يعد فيه بل هو نظير لا فِيها غَوْلٌ (١) حيث جعل لتخصيص القول بعدم كونه في خمور الجنة وأورد عليه السيد السند بأنه يستدعي عدم الفرق بينه وبين «ما أنا قلت» وسيأتي الفرق ونقول: لولا الفرق لم يصح تقييد الحكم بقوله (إن ولي حرف النفي) أي: كان المسند إليه بعد حرف النفي بلا فصل، ويمكن دفعه بأن الفرق ليس في إفادة التخصيص بل في خصوصيات أخر وكيف لا وقولك «أنا ما قلت» داخل في قوله وإلا فقد يأتي للتخصيص ... إلخ وقد أزال ما في قوله تخصيصه بالخبر الفعلي من خفاء بينا لك فتنبه بقوله (نحو: ما أنا قلت هذا أي: لم أقله مع أنه مقول) أي: لغيري حيث أفاد به أن التقديم لقصر المسند على المسند إليه دون العكس، ولتخصيص نفي القول دون القول، فقولك «ما أنا قلت» هذا إنما هو في شيء ثبت أنه مقول وتريد نفي كونك القائل ردا على ما زعم شركتك مع غيرك واختصاصك به وبراءة غيرك عنه كذا قالوا، والظاهر أنه لا ينحصر فيه بل يجوز أن يكون ردا لترديد المخاطب الأمر بينك وبين غيرك فيكون قصر تعيين هذا إذا قصد قصر إضافي، أما لو قصد حقيقي فينبغي أن يكون جميع من عداك قائلا به، ولا يجب أن يكون هناك اعتقاد مشوب بصواب وخطأ. بقي أنه كيف يكون تخصيص النفي رد الخطأ اعتقاد الثبوت؟ بل ينبغي أن يكون لرد خطأ في اعتقاد النفي كما في «أنا ما قلت» ويمكن دفعه بأنه لما لم يذكر من جزئي القصر إلا النفي أريد الإشعار بتسليم الثبوت للمشارك في قصر الإفراد وبالثبوت لمن اعتقد النفي عنه في قصر القلب، وذلك يحصل بحصر النفي في المسند إليه (ولهذا) أي: ولأن التقديم يفيد التخصيص ونفي الفعل عن المذكور مع ثبوته للغير (لم يصح: ما أنا قلت هذا ولا غيري) قالوا: لأن مفهوم أول الكلام ثبوت هذا القول لغير المتكلم، ومنطوق المعطوف نفيه عن الغير وهما متناقضان، ولك أن تقول: لأن أول الكلام يفيد تخصيص السلب بالمتكلم، ولا حقه نفي التخصيص ولأنه تسليم ثبوت القول وتصويبه مع سلبه عنك وعن جميع أغيارك فيلزم إثبات القول من غير قائل، والأظهر أن العطف دال على أنه لم يقصد الحصر بالتقديم فليس اللازم

стр. 374

شيئا من المحالات المذكورات بل كون التقديم لغوا، وفيه أيضا بحث لأنه إنما يكون لغوا لو لم يكن له في هذه الصورة داع آخر من دواعي التقديم وهو ممنوع. قال الشارح المحقق: يجوز التقديم من غير قصد التخصيص إذا أظهر أن التقديم لغرض آخر غير التخصيص كما إذا ظن المخاطب بك ظنين فاسدين أحدهما: أنك قلت هذا القول، والثاني: أنك تعتقد أن قائله غيرك فيقول لك: أنت قلت لا غيرك فتقول له: ما أنا قلته ولا أحد غيري قصدا إلى إنكار نفس الفعل فيقدم المسند إليه ليطابق كلامه هذا كلامه المنقح لكلام المفتاح ولك أن تقول: لم يصح هذا التركيب؛ لأن نفي القول عن المعطوف عليه نفي على وجه الاختصاص بمقتضى التقديم، ونفيه عن المعطوف نفي لا على وجه الاختصاص فلا يحسن العطف وهذا الوجه يفيد عدم صحة أن يقال: ما أنا قلت هذا أو لا زيد بخلاف الوجوه السابقة، والوجوه السابقة تنفي صحة: ما أنا ولا غيري قلنا هذا بخلاف هذا الوجه، والشاهد البريء عن الاتهام الجلي من غير الإيهام أن تقول: ولهذا لم يصح «ما أنا قلت هذا وقال غيري» لأنه بعد قال غيري لاغية ليس لها داعية ومما يجب التنبيه عليه أن هذا التخصيص فيما إذا لم يكن المسند إليه دالا على العموم نحو: [ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه] (١) فإنه لنفي الشمول خاصة، والظاهر أن التقديم لأنه مناط الفائدة المقصودة بالكلام من توجيه النفي إلى الشمول خاصة. (ولا ما أنا رأيت أحدا) أي: ولأن التقديم يفيد تخصيص المسند إليه بنفي الخبر الفعلي مع تصويب إثبات ما نفي عنه بعينه للغير لم يصح هذا التركيب ويتجه عليه أن رؤية الغير أحدا غير باطل، وهو الذي نفي فالمثبت للغير هو لا غير ويمكن أن يدفع بأن المراد به «تخصيص المتكلم» ينفي رؤية أحد في وقت معين ردّا

стр. 375

على من زعم رؤيته دون غيره أحدا أو مشاركته فيها من غير تعيين الغير بل أي غير كان، وحينئذ لا يصح هذا التركيب لظهور أنه لا محالة رأى غير ما أحدا فلا فائدة في الإخبار بها، بل التركيب المفيد ما رأيت أحدا لكن القوم برمتهم قالوا: لم يصح هذا التركيب؛ لأن تصويب المخاطب يقتضي أن يكون إنسان غير المتكلم قد رأي كل واحد وهو ظاهر البطلان، أو لأن التخصيص يقتضي أن يكون المخاطب معتقدا أنك رأيت كل أحد، ولا يتصور هذا الاعتقاد لعاقل، ويمكن أن يقال: لأن تصويبك المخاطب يقتضي أن يكون معتقدا أن إنسانا غيرك رأى كل أحد، وأن يكون في مقام الرد طامعا أن يعتقد المخاطب ذلك، وعلل المصنف ذلك بأنه يجب إثبات المنفي بعينه للغير، والمنفي هناك الرؤية الواقعة على كل أحد، وأورد عليه الشارح المحقق أن ذلك منه، بل المنفي الرؤية الواقعة على فرد من أفراد الناس، ولا يلتبس أحدهما بالآخر عند من لا يلتبس عليه السلب الجزئي بالسلب الكلي، ثم بين ذلك، بأن تقديم المسند إليه بإيلائه حرف النفي يفيد إثبات المنفي للغير على وجه نفي: إن عامّا فعام وإن خاصّا فخاص ناقلا ذلك عن الشيخ، ولا يخفى أنه يمكن رد ما قاله المصنف إلى ما ذكره بحمل قوله؛ لأن المنفي هو الرؤية الواقعة على كل أحد على السلب الكلي دون الإيجاب الجزئي، لكن هذا التوجيه يوجب اختلال المتن؛ لأن قوله: ولهذا لم يصح ما أنا رأيت أحدا حينئذ يكون تعليلا لما لم يذكر؛ لأنه تعليل لكون التركيب لإسناد المنفي لغير المسند إليه على وجه نفي، وهو غير مذكور بل لم يذكر؛ إلا أن التقديم يفيد التخصيص بنفي الخبر الفعلي، وأيضا تخصيص النفي لا يفيد إلا ثبوت ما نفي عن المتكلم بغيره، وهو رؤية أحد لا بعينه لا رؤية كل واحد حتى يلزم ثبوتها للغير، فاللازم ثبوت رؤية أحد لا بعينه للغير وكيف لا وإفادة التقديم التخصيص بالفحوى لا بالوضع حتى يصح أن يقال: إنه في عرف البلغاء لهذا المعنى، والمفهوم من الفحوى ليس إلا هذا القدر، وأيضا لو كان المفاد إثبات المنفي على وجه نفي لكان: ما أنا رأيت كل أحد للإيجاب الجزئي للغير، لأن السلب فيه على الوجه الجزئي مع أنهم لم يفرقوا بين: ما أنا رأيت أحدا، وما أنا رأيت كل أحد، فمعنى كلام الشيخ أن المثبت هو المنفي على وجه نفي، وكان

стр. 376

عليه حين تعلق النفي لا بعد التعلق النفي، نعم ينفيه ما قاله: إنه لا يصح أن يقال: ما أنا قلت شعرا؛ لأنه يقتضي أن يكون إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، لكن تأويله أن التمثيل به يجعل: قلت شعرا للعموم لما أن النكرة ربما يكون في الإثبات عامة نحو: تمرة خير من كسرة، فكما أن قولك: ما تمرة خير من كسرة لرفع الإيجاب الكلي دون السلب الكلي، فكذلك: ما أنا قلت شعرا في هذا المقام، ولا مناقشة في التمثيل، وما يورد لتصوير الشيء وتوضيحه، وقس عليه قوله: ما أنا رأيت أحدا، واستغن به عن دعوى أنه سهو الكاتب، والصواب: ما أنا رأيت كل أحد، وعما قيل: أن لفظ أحد بمنزلة كل أحد، لما أنه في الإيجاب لا ينفك عن الكل، إذ لم يكن همزته مبتدلة عن الواو كما في أحد عشر، أو لأنه يصح استعماله بمعنى الجمع كما صرح بهما أئمة اللغة، فليحمل على معنى الآحاد المستغرقة لكل أحد؛ لأنهما مع ضعف الأول وبعد الثاني لا يجريان فيما أنا قلت شعرا. هذا غاية ما بذلنا الجهد في تحقيق الكلام، وقال السيد السند: إن التفصيل هاهنا أن يقال: إن كان النزاع في رؤية واقعة على شخص معين، كزيد مثلا يقال: ما أنا رأيت زيدا، فيكون هناك من رأى زيدا وهو ظاهر، وإن كان في رؤية واقعة على أحد لا بعنيه يقال: ما أنا رأيت الأحد من الناس، أو ذلك الأحد فإنه وإن كان غير معين، لكنه معهود من حيث تعلق الرؤية به فحقه أن يشار إليه بذلك الاعتبار، ولا يصح أن يقال هاهنا: ما أنا رأيت أحدا؛ لأنه في قوة قولك: ما أنا رأيت زيدا، ولا عمرا، ولا بكرا إلى غير ذلك في إفادة نفي الرؤية بالنسبة إلى كل واحد من المفاعيل، وإن اختلفا في الظهور والنصوصية، فيبقى عموم نفي الرؤية لكل واحد منها ضائعا؛ لأن الفعل المثبت في اعتقاد المخاطب متعلق منسوب إلى واحد، فلا يحتاج في رد خطئه في الفاعل إلى نفيه عن كل واحد، وإن كان النزاع في رؤية واقعة على كل أحد فهناك عبارتان إحداهما: أن يقال: ما أنا رأيت كل أحد، والثانية: ما أنا رأيت أحدا، وهذه أخصر من الأولى. وفي إفادتها للمعنى المذكور نوع خفاء ودقة ولهذا اختلف فيها، وتوجيهها ما

стр. 377

قررناه، هذا كلامه، وأورد عليه أن نفي الرؤية عن واحد وأحد متحقق في: ما أنا رأيت الأحد؛ لأنه وإن عرف فيه الأحد لم يخرج عن الإيهام الذي يستلزم العموم في سياق النفي، فقد ضاع عموم النفي مع ضياع التعريف العهدي، وأن التعرض للنفي عن واحد وأحد ضائع في رد اعتقاد المخاطب أن فاعل الرؤية لكل أحد أنت، ويكفي نفي الرؤية عن كل واحد وإن نفي رؤية واحد، لا بعينه يقتضي إيراد النفي عليه، ولا لغو في الإجمال، وإنما يلزم اللغو لو فصل؛ لأنه إتيان بما عنه مندوحة هذا، ونحن نقول: ربما يقصد بنفي رؤية واحد لا بعينه السلب الكلي، وإنما يقصد مجرد سلب رؤية الواحد، ويلزم السلب الكلي، فالأول لرد اعتقاد ثبوت الحكم الكلي، والثاني لرد اعتقاد رؤية واحد لا بعينه، ففي: ما أنا رأيت الأحد إشعار بأنه لم يقصد السلب الكلي وإن لزم، بل سلب الأحد على وجه اعتقده المخاطب، وهو أحد لا بعينه فلا يلزم كون السلب الكلي لغوا؛ لأنه من ضرورات ما قصد، ولا يعد لغوا إلا ما تعلق به القصد من غير حاجة، فاندفع لزوم اللغو في: ما أنا رأيت الأحد في رد اعتقاد أحد أيضا، وإن لزوم اللغو في: ما أنا رأيت أحدا مبني على عدم الفرق بين الإجمال والتفصيل. وأما لزوم اللغو في: ما أنا رأيت أحدا في رد اعتقاد رؤية كل أحد بناء على أن قصد نفي رؤية كل أحد يتأتى بدون نفي رؤية واحد وأحد، فندفع بأن فيه تحقيق نفي رؤية كل واحد، وبيان أن التحقق هو السلب الكلي، بل فيه مبالغة في رد الاعتقاد، إذ يفيد أنه لم ير أحدا فضلا عن كل أحد، واعلم: أن إيلاء المسند إليه المقدم حرف النفي يفيد بظاهره نفي اختصاص الخبر الفعلي، لا اختصاص النفي، وإنما يستفاد حصر النفي، واختصاصه بجعل الاختصاص المستفاد من التقديم واردا على النفي، وإن كان الظاهر ورود النفي عليه، ونظيره كون النفي في الجملة الاسمية لاستمرار النفي، لا لنفي الاستمرار، وكون قوله تعالى: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١) للمبالغة في نفي الظلم لا لنفي المبالغة في الظلم، وهذا المعنى، وإن كان بعيدا عن الظاهر، لكن جعله عرف البلغاء في ما نحن فيه واضحا، والواضح مهجور.

стр. 378

(ولا ما أنا ضربت إلا زيدا) قد تقرر في النحو، أن الاستثناء المفرغ في الإثبات لا يستقيم غالبا؛ لأن ثبوت الحكم للجنس في غير المستثنى لا يتحقق غالبا، فلا يصح: ضربت إلا زيدا لامتناع أن يضرب كل أحد إلا زيدا فإذا دخل عليه النفي وقلت: ما ضربت إلا زيدا صح؛ لأنه لا بعد في أن لا تضرب أحدا إلا زيدا، إذا عرفت هذا فاعلم أنه جعل المصنف من ثمرات إفادة التقديم في هذه الصورة تخصيص المسند إليه بنفي الحكم وثبوت الحكم بعينه لغيره. إن دخول النفي على قولنا: أنا ضربت إلا زيدا لا يوجب صحة الاستثناء، وما أنا ضربت إلا زيدا باق على عدم الصحة، بخلاف: ما ضربت إلا زيدا؛ لأن دخول النفي يفيد تخصيص المسند إليه بنفي الضرب المقيد بالمستثنى مع ثبوته بعينه لغيره، فالمستثنى على ما كان قبل دخول النفي من كونه في الإثبات، ويستلزم صحة التركيب كون كل واحد مضروبا لغيرك سوى زيد، وأن يعتقد المخاطب أن هذا الضرب صدر عنك، ويعقتد أنه صدر عن غيرك، وتريد أن ترده إلى اعتقاد أنه صدر عن غيرك، فهذا المثال يشارك المثال الثاني في الفساد، فناسب أن يجمع معه دون الأول، لكن الشيخ عبد القاهر (١) والسكاكي (٢) جعلاه مشاركا للمثال الأول في الفساد، وناسب أن يجمع معه، وإن لم يجمعاه معه، بل مع الثاني كما فعله المصنف، وقالا: لم يصح: ما أنا ضربت إلا زيدا، لأن نقض النفي بأن يقتضي أن يكون ضربت زيدا، وتقديم الضمير وإيلائه حرف النفي يقتضي نفي أن يكون ضربته، فهما أرادا أن من ثمرات إفادة هذا التركيب تخصيص المسند إليه بالنفي وغيره بالإثبات أنه لا يصح استثناء شيء من هذا النفي لاستلزام نقض ذلك النفي بإلا التناقض، فلكل من المصنف والشيخ وجهة هو موليها، ولا يتمانعان عن سلوك الطريق، إلا أنه خفي على المصنف اقتضاء التقديم، وإيلاء النفي نفي: ضربك زيدا فمنعه، ويمكن إثباته بأن: ما أنا ضربت يقتضي تخصيصك بنفي هذا الضرب عنك وإثباته لغيرك. وإذا كان هذا الضرب منتفيا عنك، فلست ضاربا زيدا ولا غيره بهذا

стр. 379

الضرب، ونقض النفي بإلا يقتضي كونك ضاربا بهذا الضرب، فقد تم التناقض من وجهين: كونك ضاربا وغير ضارب وكون عمرو مضروبا لك وغير مضروب لك؛ إلا أن الشارح المحقق أثبته بأن تخصيصك بالنفي يقتضي ثبات ضرب من عدا زيدا لغيرك فيلزم أن لا يكون زيد مضروبا لك ولا لغيرك، فاعترض بأن الاستثناء حينئذ من الإثبات لا من النفي فليس النفي من الانتقاض في شيء، فكأنك قلت: لست الذي ضرب إلا زيدا، فكأن المخاطب اعتقد أن إنسانا ضرب كل أحد إلا زيدا، وأنت ذلك الإنسان فبقيت أن يكون أنت ذلك الإنسان، وشنع على المصنف بأنه غفل عن أن الأجدر بالاعتراض انتقاض النفي بإلا دون اقتضاء تقديم المسند إليه، وإيلاءه حرف النفي، نفي أن يكون ضارب زيد، وقد نبهناك أن هذا اعتراض على نفسه دون القوم، وكان منشؤه قلة التأمل وإهمال العقل وإعمال الوهم؛ لكن لا يتجه عليه ما ذكره السيد السند من أنه يوجب هدم ما قرره من أن: ما أنا رأيت أحدا يقتضي إثبات الرؤية لغير المسند إليه على طبق النفي من العموم؛ لأن النفي إذا كان للفاعلية لا يفيد عموم الأحد لعدم توجه النفي إلى المفعول، ويكون مآل التركيب أني لست فاعل رؤية أحد، فلا يقتضي أن يكون الشأن رأى كل أحد، بل أن يكون الشأن رأى أحدا؛ لأن قولك: إني لست فاعل رؤية أحد في قوة لست فاعل رؤية زيد ولا عمرو إلى غير ذلك، فعموم النكرة واضحة فلو لم يكن القصد إلى إثبات رؤية كل أحد لغير المسند إليه لكان ذلك العموم ضائعا، ولا ما ذكره من أنه لا يصح أن يكون الاستثناء من الإثبات؛ لأنه حينئذ يكون المستثنى منه أحد، وهو ليس بعام، فلا يصح: ما أنا ضربت إلا زيدا، كما لا يصح ضربت إلا زيدا لعدم تناول أحد زيدا؛ لأنه لا موجب لكون المستثنى منه أحدا، بل المستثنى منه في المفرغ عام من جنس المستثنى مثبتا كان أو منفيّا، فيجب أن يكون المستثنى منه كل أحد، كما أن المستثنى منه في: قرأت إلا يوم كذا قرأت كل يوم على أنك عرفت أن نفي الفاعلية بضرب أحد يفيد عموم أحد، والإثبات للغير يجب أن يكون على طبق النفي على زعم الشارح، فالمثبت للغير ضرب كل أحد إلا زيدا. وأما ما يقال: من أن كون الاستثناء من الإثبات إنما لزم من كلامهم حيث

стр. 380

قالوا: إن تخصيصك بالنفي يقتضي إثبات ضرب من عدا زيدا بغيرك، وظاهر أن ذلك مبني على كون الاستثناء من الإثبات فلا توجيه له؛ لأن الشارح دفع بهذا البيان منع المصنف، فالمناقشة فيه مع الشارح مناقشة فيما هو معتقده ولا بد له منه لا فيما لزم القوم، وهو لا يرضى به على أنك عرفت أنه شيء فهمه من كلامهم وليس بكلامهم، ونحن نقول: امتنع: ما أنا ضربت إلا زيدا، لأن قولك: ما أنا ضربت لنفي ضرب معين عن نفسك مع إثباته للغير فإما أن يكون زيد داخلا في المضروب، فيكون مضروبا، فلا يصح استثناؤه، وإن لم يكن داخلا فيه، فكذلك؛ لأنه غير داخل في مفهوم الحكم حتى يصح إخراجه، ولأن التقديم يفيد كون المخاطب مصيبا فيما عدا تعيين الفاعل، فيجب أن لا يكون زيد مضروبا لك، والقصر بالنفي والاستثناء يقتضي كونه مصيبا فيما عدا تعيين المفعول، فيجب أن يكون زيد مضروبا لك، ولا يذهب عليك أن إفادة التقديم التخصيص بالنفي لا يخص تقديم المسند إليه، بل منه: ما شعرا قلت؛ حيث خصصت الشعر بنفي القول، وقصدت تعلق القول بغيره، فلا يصح: ما شعرا قلت، ولا غيره، ولا ما شيئا قلت، ولا ما شعرا قلت؛ إلا قصيدة (وإلا) نفي للشرط السابق أعني: ولي حرف النفي يعني: إن لم يقع بعد حرف النفي بلا فصل، فقد خرج من الشرط الأول، مثل: ما إن أنا قلت هذا، ودخل في هذا الشرط مع أنه من دواخل جزاء الشرط الأول فيفسد الحكمان، إلا أن لا يعد ما هو من توابع حرف النفي فاصلا بينه وبين مدخوله، فحينئذ ما لم يل حرف النفي ما تقدم، ولم يكن في الكلام حرف نفي أو كان، وقد تقدم على حرف النفي، نحو: أنا ما قلت، أو تقدم حرف النفي، ولكن فصل بينه وبين المسند إليه نحو: ما زيدا أنا ضارب، فإنه لتخصيص نفي الفعل بالمفعول مع إيقاعه على غيره، لا لتخصيص نفي الخبر بالمسند إليه وإثباته لغيره وجزاء قوله، وإلا قوله فقد يأتي، ومجموع الشرط والجزاء معطوف على مجموع قوله، وقد تقدم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن ولي حرف النفي أي: إن لم يل المسند إليه حرف النفي (فقد يأتي) التقديم (للتخصيص) أي: لتخصيص المسند إليه بالمسند، لا لتخصيصه بالنفي (ردّا على من زعم انفراد غيره) أي: غير المسند إليه بخصوصه (به)

стр. 381

أي: بالمسند لا ردّا على من زعم انفراد المسند إليه به كما في القسم السابق، وهو قصر قلب على ما ستعرف. (أو زعم مشاركته فيه) أي: مشاركة الغير في المسند، أو في احتمال كون المسند إليه فهو قصر إفراد أو تعيين، فالفرق بين ما يلي حرف النفي وما لا يليه: أن الأول لتخصيص المسند إليه بالنفي، والثاني لتخصيصه بالخبر، وأن الأول رد على من زعم انفراد المسند إليه بالخبر، والثاني على من زعم انفراد الغير به، وأن الأول للتخصيص، والثاني للتخصيص، أو التقوى، وإنما قلنا: زعم انفراد غيره بخصوصه؛ ليخص الكلام بغير المنكر كما يقتضيه قوله فيما بعد، وإن بنى الفعل على منكر، فإنه تفصيل لتخصيص المنكر على خلاف ما بينا لك، فإن التخصيص في المعرف بخصوصه ورد على ثبوت الحكم لغيره من حيث الخصوص، وفي المنكر تخصيص بالمسند إليه بحسب الجنس أو الوصف، ورد على من زعم انفراد الغير بحسب الجنس أو الوصف، لأن الخصوص غير معلوم حتى يعتبر الغير بحسب الخصوص، والتفصيل في المنكر في مجرد التخصيص لعدم التفاوت في التقوى، فالمراد بتخصيص المسند إليه في هذين القسمين تخصيص خصوصه، وإن بنى الفعل على منكر أفاد تخصيص الجنس أو الواحد. فقولك: ما رجل جاءني، تخصيص جنس الرجل أو الرجل الواحد بالنفي، وقولك: رجل جاءني، تخصيص جنس الرجل أو الواحد منه بالمجيء، فعلم بهذا أن قوله: وإن بني الفعل على منكر لا يخص بالقسم الثاني، وإنه لا يوجب أن لا يكون المنكر للتقوى حتى يرده إشارة الشيخ في دلائل الإعجاز إلى كونه للتقوى أيضا (نحو أنا سعيت في حاجتك) لأحد الفرضين، فهو مثال للتخصيص كما يصرح به قوله: (ويؤكد على الأول بنحو لا غيري)، مثل: لا غيرك، ولا غيره، ولا زيد، ولا عمرو، ولا ما سواي (وعلى الثاني بنحو وحدي)، مثل: وحدك، ووحده، ومنفردا، ومتوحدا، ولا غيري- أيضا- فافهم. وفيه دفع شبهة ربما يختلج في صدرك من أنه لو كان التقديم للتخصيص لما يجتمع مع مثل قولك: وحدي، ولا غيري، فدفعه بأنه لتأكيد التخصيص، ووجه تخصيص كل تأكيد بقسم مع أن كل تخصيص تشتمل على وحدة

стр. 382

المخصص، والسلب عن الغير أن الملائم لزعم استقلال الغير التصريح بالسلب عنه، والملائم، لزعم الشركة التصريح بالوحدة كما لا يخفي على سلامة الذوق. (وقد يأتي) التقديم (لتقوي الحكم) الأنسب بقوله: للتخصيص لتقوية الحكم، ولا يبعد أن يجعل: فعل مضارع منصوب بإن المقدرة بعد اللام مسندا إلى ضمير التقديم أي: قد يأتي التقديم لتقوي الحكم، ويقرره في ذهن السامع (نحو: هو) أي: الله تعالى (يعطي الجزيل) أي: كل مسند إليه مقدم على خبر مسند إلى ضميره إسنادا تامّا؛ لأن التقوية من جهة تكرر الإسناد التام عند السكاكي وتبعه المصنف، وأما عند الشيخ ففي كل مبتدأ مقدم تقوية الحكم؛ لأنه بيان للحكم بعد التقدمة للإعلام، فعلى هذا: زيد ضربته للتقوي، بخلاف ما ذهب إليه المصنف لكن هذا ينافي كون التقوي مختصّا بالخبر الجملة، والذي أراد أن وجه التقوي: أن الخبر الذي هو جملة مستقلة بعيدة الارتباط بما قبله فإذا ربط بالعائد أو غيره يتقرر إسناده إلى المبتدأ؛ لأن في تحصيله احتمالا ومزيد توجه، وعليه يجري التقوي في كل خبر جملة ولا يتعداه، والسيد السند ذهب إلى أن تحقيق كلام السكاكي: أن ربط الخبر بالمبتدأ بسبب ضمير ليس ملحقا بالعدم يوجب التقوي، فزيد ضربته توجيه؛ لأنه تكرر إسناد الضرب إلى زيد بالوقوع سبب الضمير، فتخصيص التقوي بما يكون فيه الضمير مسندا إليه توهم من الشارح المحقق، ويزيفه أن ذلك يقتضي أن يكون في عمرو ضاربه أنا تقوي؛ لأنه تكرر بواسطة الضمير إسناد الضرب على وجه الإيقاع إلى زيد فلذا بينا الكلام في شرح كلام المصنف على ما ذكره الشارح، وأثبتنا المخالفة بينه وبين الشيخ في كون زيد ضربته للتقوي، وكما أن التخصيص لا بد له من داع إليه كذلك التقوي، وهو إزالة الشك أو الإنكار حقيقة أو ادعاء؛ إلا إنه لما تقرر هذا في أحوال الإسناد دون فوائد التخصيص لم يتعرض له كما تعرض لفوائد التخصيص، ولتخصيصه بالتعرض وجه آخر وجيه لا أظن بك الغفلة عنه فيما قدمنا لك، ولما كان الخبر المنفي مظنة اشتباه بما يلي فيه المسند إليه حرف النفي لم يكتف بعموم قوله فقد يأتي للتخصيص وقد يأتي لتقوي الحكم مع ظهور اندراج المنفي فيه، وصرح بقوله: (وكذا إذا كان الفعل منفيّا نحو: أنت لا تكذب) لقصد التخصيص أو مجرد

стр. 383

التقوي، فلم يفت المصنف تمثيل التخصيص في النفي كما ظنه الشارح، ولما كان إفادة التقديم التقوي محتاجا إلى توضيح قال: (فإنه أشد لنفي الكذب من لا تكذب) ولا خفاء أن صيغة التفضيل ليس على حقيقته؛ إذ لا يريد المثالان على نفي الكذب، وتوجيهه لا يخفى على الأفقه من الحمار، وللنظر الدقيق أن يقول: نفي الكذب في الاستقبال، مع أنه مبطن الحال يفيد مبالغة فيه، ولما كان نفي الأشد به من لا تكذب أتم في الوهم من لا تكذب أنت، جعله مشبها به تنبيها على هذا التفاوت. وقال (وكذا من لا تكذب أنت)، ولم يشتغل بهذا التوضيح في قسم الإثبات، مع أنهما سيان فيه لئلا يتباعد النفي عن الإثبات، إلا أنه يتجه أن كون التقديم للتقوية ليس أخفى من كون أنت لا تكذب أشد لنفي الكذب من التركيبين الآخرين حتى يتم توضيحه به، بل قد بين كونه أشد لنفي الكذب بكونه لتأكيد المحكم حيث قال: (لأن تأكيد المحكوم عليه) لا الحكم، وقولنا: أنت لا تكذب على الاحتمال لاحتمال أن يكون أنت الثاني مبتدأ، لا تأكيدا للمحكوم عليه، بل لحكم في الخبر، وفيه مخالفة لما ذكره الكشاف في تفسير قوله تعالى حكاية عن يوسف- ﵇: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١) من أن تكريرهم للدلالة على أنهم خصوصا كافرون بالآخرة وأن غيرهم قوم مؤمنون بها، وهم الذين على ملة إبراهيم- ﵇ ولتوكيد كفرهم بالجزاء هذا، وفي تخصيص بيان الفرق بأنت لا تكذب للتقوي تعريض للمفتاح، بأنه لا اشتباه بين لا تكذب أنت، وبين أنت تكذب للتخصيص، فبيانه الفرق بينهما لغو ينبغي أن يفرق بين لا تكذب أنت وأنت لا تكذب للتقوي؛ لأنه محل الاشتباه، ولا يدفعه ما ذكره الشارح المحقق أنه خص بيان الفرق بالتخصيص؛ لأنه أورده في بحث التخصيص. [وإن بنى الفعل على منكر] (وإن بني الفعل على منكر) أو ما في حكمه من الضمير الراجع إلى النكرة، فإذا قلت: ضربت رجلا وهو جاءني، كان قولك: وهو جاءني التخصيص جنس الرجل أو الرجل الواحد لا يقال: الأولى (أفاد) التقديم (تخصيص الجنس)،

стр. 384

أو العدد (أو) قوله: (الواحدة) لا يتناول: رجلان جاءني، فإنه التخصيص الجنس أو العدد، أي: رجلان جاءني لا رجل واحد؛ لأنا نقول: رجلان جاءني التخصيص العدد، ولا يحتمل تخصيص الجنس؛ لأن التثنية أو الجمع نص في العدد لا يحتمل التجريد عنه، بخلاف التنوين، فإنه كثيرا ما يجرد عن العدد، نعم إطلاق المنكر منكر، ومن موجبات ضعف الإطلاق: أن المصدر غير المرة لتخصيص الجنس دون الواحد والمراد بالجنس المفهوم الكلي حتى أن رجلا طويلا جنس صرح به الشيخ لكن ينبغي أن يعلم: أن قولك: رجل واحد جاءني لتخصيص الواحد دون الجنس؛ لأن الواحد لكونه نصّا في الوحدة لا يمكن تجريده عنها، ولو أريد بالتنوين التحقير، أو التقليل، أو التكثير يكون لقصر الجنس الحقير، أو القليل، أو الكثير دون الواحد (نحو رجل جاءني أي: لا امرأة أو لا رجلان) أو لا ثلاثة إلى غير ذلك، والأعذب في قصد قصر الجنس الرجل جاءني بالتعريف الجنسي (ووافقه السكاكي على ذلك) أي: على إفادة التقديم التخصيص والتقوي، لكن لم يجعل تقديما للتخصيص قطعا من غير أن يقصد به مجرد التقوي كما جعله الشيخ ما يلي حرف النفي كذلك، وجعل من التقديم ما هو لمجرد التقوى قطعا بخلاف الشيخ، فإنه ليس تقديم قطع فيه لمجرد التقوى عنده. وإلى هذا التفاوت أشار بقوله: (إلا إنه قال) أي: لكنه قال: (التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط، نحو: أنا قمت) قدمه على التقدير؛ لأن التقدير فرعه، ولم يقتصر على التقدير، مع أن التقدير لا ينفك عن الجواز لاحتمال أن يفارق تقدير التقديم الجواز، ولا يتوقف عليه، فصرح بالجواز تنبيها على أنه لا بد منه في التقدير أيضا، ولا يبعد أن يقال: المراد جواز التقدير بلا تكلف (وقدر) فقولك: ما أنا قلت يفيد التخصيص لو قدر أصله: ما قلت أنا، ويتجه عليه أنه حينئذ يبطل ما حكم به من عدم صحة: ما أنا قلت هذا، ولا غيري، وما أنا رأيت أحدا، وما أنا ضربت إلا زيدا؛ لأنه لو لم يقدر التأخير يكون غير مفيد للتخصيص فلا يلزم شيء من المفاسد فتأمل.

стр. 385

(وإلا) أي: إن لم يجز تقدير التأخير على أنه فاعل معنى فقط (فلا يفيد إلا تقوي الحكم جار كما مرّ) في نحو: أنا قمت (ولم يقدر)، ومن أمثال أنا قمت: هو عرف، فإن هو في قولك عرف هو لا يحتمل كونه فاعلا لفظا (أو لم يجز نحو زيد قام) فإن زيدا لو قدر مؤخرا لكان فاعلا لفظا لا معنى فقط، وقال الشارح: لم يجز تقديره مؤخرا؛ لأنه يلزم تقديم الفاعل لفظا وهو لا يجوز، والمراد بنحو: زيد قام: ما يكون المسند إليه فيه مظهرا فإنه عند التأخير يصير فاعلا لفظا هذا كلامه، وفيه بحث؛ لأن «زيد قام» يوضع الظاهر موضع المضمر المسند إليه فيه مضمر، مع أنه لو أخر يكون فاعلا كما في: هو قام، فتقول: المراد بنحو: زيد قام أن يكون المسند إليه مظهرا معنى، وهذا ينافي ما سبق أن نحو زيد والفاعل مضمرا، وكذا: زيد ضربته، فإنه لو قدر مؤخرا أيضا لصار مفعولا معنى، وهذا ينافي ما سبق أن نحو: زيد ضربته، لا يفيد تقوي الحكم عنده؛ لأنه يفيد أنه يفيد التقوي، وقدم المصنف نقيض التقدير على نقيض الجواز على عكس ترتيب الجواز، والتقدير لنكتة دقيقة لا يتبصر بها إلا البصائر المحيطة بأخفى الضمائر، وهو أن النفي المستفاد من قوله: وإن لا يرجع أولا إلى التقدير الذي بمنزلة القيد للجواز. (واستثنى) السكاكي (١) (المنكر) الصرف الذي ليس فيه شائبة التخصيص بقرينة قوله: لئلا ينتفي التخصيص، ولك أن تجعل صيغة التفضيل للمبالغة في النكارة، فتفيد بها صرافة النكارة، والاستثناء من حكم مستفاد من قوله: وإلا فلا يفيد إلا تقوي الحكم، أي: إن لم يجز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط بلا تكلف لا يفيد إلا تقوي الحكم إلا المنكر الصرف؛ فإنه لا يجوز تقدير كونه مؤخرا فقط بدون تكلف، وهو لا يفيد إلا التخصيص وهو أظهر، قال الشارح المحقق: إن المراد أنه أخرج السكاكي المنكر عن كونه فاعلا لفظا وجعله فاعلا معنى (بجعله من باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (٢) أي: بجعل المسند في الأصل مسندا إلى ضمير مبهم، تفسيره: إبدال الظاهر منه،

стр. 386

وإنما قال: (أي على القول بالإبدال من الضمير) إشارة إلى قول آخر فيه، وهو أن الواو في الفعل قد يكون علامة الجمع فقط كما في الصفة من غير أن يكون فاعلا، ولا يخفى ما فيه من وجوه البعد من قلة نظائر وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا والخلاف في كون الواو ضميرا أو تغيير الضمير من الإبهام إلى التعيين بالتقديم، فيلزم المخالفة الفاحشة بين الأصل المقدر وما عدل إليه، وإنما ارتكب هذه الأمور (لئلا ينتفي التخصيص) الذي شرط كون المبتدأ نكرة (إذ لا سبب له)، أي: لهذا التخصيص (سواه أي) سوى كونه في الأصل فاعلا معنى، فكما لا يحتاج فاعلية النكرة إلى مخصص سوى تقديم المسند لم يحتج هذا الابتداء إليه سوى تقديم المسند في الأصل، ولا يخفى أنه لا يحتاج المنكر الصرف على إطلاقه إلى الاستثناء؛ إذ بقرة تكلم وكوكب انقض الساعة إلى غير ذلك لا يحتاج إلى مخصص. وقوله: (بخلاف المعرف) يفيد: أن للمعرف سببا للتخصيص سوى تقديم المسند في الأصل ولا يخفى فساده، فلذا جعل الشارح تقدير الكلام وإذا انتفى التخصيص لم يصح وقوعه مبتدأ؛ بخلاف المعرف فإنه يجوز وقوعه مبتدأ من غير هذا الاعتبار البعيد، ولا يخفى أنه بعيد، كما أن جعل الضمير لا سبب له إلى كونه مبتدأ بعيدا. (ثم قال) لا تراخي بين هذا الكلام وما سبق في كلام السكاكي كما يفيده كلمة ثم (وشرطه) أي: شرط ارتكاب هذا الوجه البعيد في المنكر (أن لا يمنع من التخصيص مانع)، وهو انتفاء فائدة القصر من رد اعتقاد المخاطب في قيد الحكم مع تسليم أصله كما أشار إليه (بقوله: كقولك: رجل جاءني على ما مر) من أن معناه: لا امرأة، أو لا رجلان، ولا يخفى أن شرط مطلق التخصيص ذلك وهو بين مستغن عن البيان، وغاية التوجيه أن يقال: يكاد يتوهم أن التوجيه الضرورة في المنكر رفعت عنه شرط التخصيص فخصّه بالتعرض لإزاحة هذا التوهم (دون قولهم: شر أهر ذا ناب) فإنه فيه مانعا من التخصيص (إما على) التقدير (الأول) وهو تخصيص الجنس (فلامتناع أن يراد المهر شر لا خير) إذ المهر لا يكون إلا شرّا أو ظهور الخير للكلب لا يهره ولا يفزعه (وأما على) التقدير

стр. 387

(الثاني فلتبوئه عن مظان استعماله) (١) فإنه لا يستعمل لرد اعتقاد أن يكون المهر أكثر من شر واحد (وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر) لزم طلب وجه لتصريحهم، أو للتخصيص، وللتأويل. وقال الشارح المحقق: لزم طلب وجه للجمع بين ما ذكرنا وبين ما فعلوه، فكأنه قال: وإذ قد صرح الأئمة لما ينافي ما ذكرناه لزم طلب وجه للجمع ليصح ما ذكرناه أو ما ذكروه للتعويل (فالوجه) بأحد الوجوه فتأمل. (تقطيع شأن الشر بتنكيره) بجعل التنكير للتعظيم والتهويل كما مر في تنكير المسند إليه، ونحن نقول بجعل المفضل عليه المحذوف في غاية العموم أي: شر من كل شيء، وبالجملة المعنى ما أهر ذا ناب إلا شر عظيم في الغاية، ويتجه أن النكرة حينئذ تخصصت بالوصف المستفاد من التنوين أو بالمفضل عليه المحذوف فلا حاجة إلى تقدير التأخير، بل لا يصح؛ لأنه لا يرتكب الاعتبار البعيد إلا في النكرة الصرفة على ما حقق. وأجيب بأن التخصيص الذي صرح به الأئمة في تأويلهم هو التخصيص المستفاد من التقييد؛ إذ التقييد يفيد التخصيص عند السكاكي؛ لأنه يجعل: ما ضربت أكبر إخوتك إثباتا لضرب الأصغر، وفيه أنه لم يجعل النحاة شر أهر ذا ناب من قبيل: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وعلى ما ذكر يكون كلاهما تخصيصا بالوصف (وفيه) أي فيما قاله وفعله السكاكي (نظر إذ الفاعل اللفظي والمعنوي) الأولى الأسلم من النزاع الفاعل اللفظي والبدل والتأكيد (سواء في امتناع التقديم) ما بقيت على حالها، لأنه لا يتجه عليه، عليك ورحمة الله السّلام، وقوله: (ما بقيا على حالهما) قيد الامتناع أي سواء في امتناع المقيد بزمان بقائهما على حالهما لا التسوية حتى يحتاج إتمام الكلام إلى تقدير، وسواء في جواز التقديم إذ لم يبقيا على حالهما فتأمل. والمناقشة في التسوية بدعوى أن التابع أولى بالامتناع؛ لأن فيه التقديم على العامل والمتبوع (فيجوز تقديم المعنوي دون اللفظي) ترجيح للمرجوح (لا تحكم) إذ التحكم هو الترجيح بلا مرجح لا يضر السكاكي بل ينفعه (ثم لائم انتفاء

стр. 388

التخصيص لولا تقدير التقديم لحصوله بغيره كما ذكر) يتجه على كلام السكاكي منعان أحدهما: على قوله: التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل فقط وقدر، لأنه يقال: لائم انتفاء التخصيص من غير تقدير التقديم إذ لا دليل على اعتبار التقديم للتخصيص، بل يحصل بلا تقدير تقديم كما ذكر منقولا عن الشيخ (١)، وكلام المتن يحتمل هذا المنع، وحينئذ معنى قوله: لحصوله بغيره لحصول بلا تقدير تقديم بإجراء غير مجرى لا يكون غير ما سوف على زمن أي لا ما سوف، ولا غير نظير، وثانيهما: على قوله: لئلا ينتفي التخصيص، وحينئذ معنى الكلام: لائم انتفاء التخصيص في صورة المنكر لولا تقدير التقديم لحصول التخصيص بغير التقدير من التخصيص بالوصف المستفاد من التنكير كما ذكر السكاكي، والإيضاح يفصح عن هذا المعنى، وهو أوفق بالعبارة وبالجملة الأوضح لولا تقديم التأخير، ولا ينجاب المنع الأول. والجواب مطلقا عن هذا المنع الثاني أنك إن أردت منع انتفاء التخصيص في النكرة مطلقا لولا تقدير التأخير، فلم يدع أحد أن المسند إليه إذا كان نكرة لا يفيد التخصيص بدون تقدير التأخير، وإن أردت منع انتفاء التخصيص في نكرة من النكرات لولا تقدير التأخير، فالمنع مكابرة؛ لأن النكرة التي لم تخصص بشيء من المخصصات إذا قدمت ينتفي تخصيصه لولا تقدير التقديم (ثم لائم امتناع أن يراد المهر شر لا خير) وكيف لا، وقد قال الشيخ عبد القاهر: قدم شر؛ لأن المعنى الذي أهره من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن يقول رجل: جاءني يزيد؛ أنه: رجل لا امرأة، وربما يدفع هذا المنع بأن المتبادر من الشر الشر بالنسبة إلى الكلب، والإهرار: صوته عند تأذيه، وعجزه عما يؤذيه، فلا يشك عاقل أن مهره لا يكون خيرا بالنسبة إليه، وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يراد بالشر الشر بالنسبة إلى أهل الرجل، أو يراد بالإهرار مجرد جعله ذا صوت، وهناك منعان آخران: أحدهما: أن لا نسلم أن لا يصح قصد التخصيص لامتناع أن يراد: شر أهره لا خير، وامتناع أن يراد: شر أهره، لا شران؛ لاحتمال أن يراد: شر أهر ذا ناب لا غير، بأن يكون الحصر حقيقيّا،

стр. 389

لا لرد اعتقاد، وثانيهما: أن هذا مثل يراد به عجز القوي البعيد عن العجز، فهو يصح أن يقع مبتدأ بلا تخصيص، لكون الحكم مفيدا بدون التخصيص، وبالجملة يرد أن: النزاع في مثال ذكر لتصوير مانع قصد التخصيص، وهو ليس من دأب المحصلين، (ثم قال) السكاكي (١) (ويقرب من هو قام زيد قائم في التقوى) يعني: في إفادة التقوي، ولو قال: ويقرب من زيد قام زيد قائم لم يحتج إلى قوله في التقوي؛ لأن (زيد قام) لا يحتمل إلا التقوي؛ بخلاف هو قام، فإنه يحتمل التخصيص أيضا قال السيد السند في شرح المفتاح: هو قائم يحتمل التخصيص على نحو. هو قام، ولو تم ما ذكره لكان في اختيار زيد قائم على هو قائم وجه وجيه، لكن فيه أنه كيف يحتمل التخصيص؟ ولا يمكن تقدير تأخيره على أنه فاعل معنى؛ إذ لا يعمل اسم الفاعل بدون الاعتماد (لتضمنه الضمير) علة لقال، وهو الأوفق بقوله: (وشبهه بالخالي عنه من جهة عدم تغيره في المتكلم والخطاب والغيبة) فتأمل. أو علة لقوله: يقرب، وهو أوفق بمقام النقل. وقوله: وشبهه على صيغة الماضي من التفعيل هو المشهور، ويحتمل كونه مخففا مصدرا، فالأظهر: أنه عطف على لتضمنه، ويحتمل النصب على أنه مفعول معه، والرفع على أنه مبتدأ، والجملة حالية أي: والحال أن شبهه ثابت بالحالى، أو شبهه بالخالي عن الضمير ثابت من جهة التغير والضمير في تغيره للضمير، أي: من جهة عدم تغير الضمير في وقت تكلمه، وخطابه، وغيبته، وجعله الشارح لقائم، أي: لعدم تغير قائم في وقت تكلمه، كما هو الظاهر، ففيه مسامحة، أي: في وقت تكلم الضمير، والمراد: إما عدم التغير في الأحوال الثلاث فتقول: ومن جهة عدم التغير في التكلم كما في الفعل كان متكلم الماضي: ضربت تارة وضربنا أخرى، ومتكلم المضارع: أضرب تارة ونضرب أخرى، وكذا في الخطاب والغيبة، وإما عدم التغير في واحد وأحد، وحينئذ تقول: ولعدم التغير في الأحوال الثلاث (ولهذا لم يحكم بأنه) أي: اسم الفاعل مع فاعله (جملة) أصلا، واحتيج في الحكم بكون اسم الفاعل الذي صلة اللام مع ضميره جملة إلى تأويله بالفعل، وادعاء أنه فعل في صورة الاسم، فقول الشارح المحقق:

стр. 390

إلا في صلة الموصول استثناء من غير حاجة، ومن قال: استثناؤه قاصر إذ اسم الفاعل الواقع بعد حرف الاستفهام، وحرف النفي الرافع للملفوظ أيضا من قبيل الجملة يعود إليه القصور؛ لأن الكلام في اسم الفاعل المتضمن للضمير، وأما ما لم يتضمن الضمير فجعل تابعا للمتضمن في الإفراد والإعراب، ولم يتعرض له المصنف كما تعرض له المفتاح حيث قال: واتبعه في حكم الإفراد نحو: زيد عارف أبوه، يعني: اتبع عارفا مع الضمير عارف أبوه في حكم الإفراد، وما في بعض نسخ الإيضاح معناه: اتبع عارف عرف في الإفراد سهو إذ لم يسق في المفتاح عرف. وقال الشارح: إذ لا حاصل لهذا الكلام، فإن قلت: لم يحكم بكون اسم الفاعل مع فاعله جملة؛ لأنهم اشترطوا في الجملة الإسناد الأصلي، وهو إسناد الفعل، أو ما هو فعل في صورة الاسم، وإسناد المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف- أيضا- على ما قالوا على سبيل الشبه، وليس بجملة، وإن كان جعل الظرف غير جملة يخالف ما قالوا: إن الخبر الظرف مقدر بالجملة في الأصح قلت: ما ذكره المفتاح توجيه لتخصيص الجملة بما يكون إسناده أصليّا، ولتأويلهم اسم الفاعل الذي هو صلة، والذي بعد حرف النفي، وألف الاستفهام بالفعل حتى يصح كونه مع فاعله جملة أو كلاما، فإن قلت الجملة ما يكون إسناده مما يصح السكوت عليه في الجملة، واسم الفاعل مع فاعله ليس كذلك أصلا. قلت: اسم الفاعل كذلك في: أقائم زيد؟ وما قائم زيد، فعدم جعله مع الفاعل جملة، وجعل هاتين الصورتين مؤولتين بفعلتين لا بد له من وجه، وذلك الوجه ما ذكره في المفتاح (ولا عومل) قائم مع الضمير (معاملتها) أي: الجملة (في البناء) الجملة إذا لم تقع في محل مفرد مبني لا إعراب له أصلا لا محلا، ولا لفظا، ولا تقديرا، وإذا وقع موقع مفرد فهو معرب محلا، واسم الفاعل مع فاعله معرب؛ إلا أنه أجرى إعرابه على جزئه الأول، لاشتغال جزئه الثاني بإعراب له من جهة اسم الفاعل، كما أجرى إعراب عبد الله علما على جزئه الأول؛ لاشتغال الجزء الثاني بإعراب اقتضاه الجزء الأول، فإن قلت: المعرب:
следующие страницы →