← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فإنه يحتمل الإيراد لداع مع عدم قصد الاستيناف فلا حاجة إلى الواو ولتنزيله منزلة المفردة، وبهذا يتبين أنه ليس الظاهر الموضوع موضع الضمير مثل الضمير كما زعم السيد السند، ويعلم منه أن الجملة الحالية مما يقصد به استيناف الإثبات، وأن الجملة التي في محل الإعراب لا يجب تأويلها بالمفرد، وترتبط بغيرها مع أنها جملة كما زعم الرضي، على خلاف ما عليه ابن الحاجب من وجوب التأويل بالمفرد. ومما يستفاد من الكشاف أن الجملة المعطوفة على الحال يجب فيها ترك الواو وكراهة اجتماع حرفي عطف؛ لأن واو الحال واو عطف في الأصل. ثم قال الشيخ: مقوله كل ما ذكر إلى آخر التذنيب. (وإن جعل نحو: وعلى كتفه سيف، حالا كثير فيها تركها) نحو قول بشار: إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ونحو: خرجت مع البازي عليّ سواد (١) ثم قال الشيخ: الوجه في مثل هذا أن يكون الاسم فاعلا للظرف لاعتماده على ذي الحال لا مبتدأ أو ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم الفاعل دون الفعل، اللهم إلا أن يقدر فعلا ماضيا مع قد. وقال المصنف لعله إنما اختار تقديره باسم الفاعل لرجوعه إلى أصل الحال وهي المفردة؛ ولهذا كثر فيها ترك الواو، وإنما جوز التقدير بالفعل الماضي لمجيئها بالواو قليلا، وإنما لم يجوز التقدير بالمضارع، لأنه لو قدر بالمضارع لامتنع الواو. قال الشارح المحقق: وفيه نظر؛ لأنه كما أن أصل الحال الإفراد، فكذا الخبر والنعت، فالواجب أن يذكر مناسبة يقتضي اختيار الإفراد في الحال على الخصوص دون الخبر والنعت ولأن الأهم أن جواز التقدير بالمضارع يوجب امتناع

стр. 667

الواو، وكيف لا وجواز التقدير بالمفرد لا يوجب امتناعها؛ إذ يكفي لجوازها إمكان تقدير الماضي، وجعل الجملة الاسمية، والحق جواز تقدير الجملة الاسمية وفعلية ماضوية ومضارعية، فكثرة ترك الواو للاسمية والإفراد والمضارعية، ومجيء الواو لاحتمال الاسمية والماضوية. هذا ونحن نقول: يمكن إتمام ما ذكره المصنف بضميمة أن المبتدأ والمنعوت أدعى للخبر والنعت من ذي الحال للحال؛ ولذا كان احتياج الجملة الحالية إلى الربط أشد فأصالة الإفراد فيها آكد، ومع ذلك يحتاج في تقديرها اسمية إلى خلاف أصل هو تقديم الخبر، فتقدير الظرف فيها جملة يحتاج إلى مزيد مؤنة، فالوجه تقديره مفردا ولولا مجيئه قليلا بالواو لم يقدر جملة فتقدير الفعل مع أنه خلاف الأصل لتصحيح الواو وتقدير الماضي مع «قد» مرجح على جعل الجملة اسمية؛ لأنه يجوز في ترك الواو من غير ترجيح الذكر، ومن غير ارتكاب تقديم الخبر. (ويحسن الترك) ولقد أعجب حيث ختم بحث التذنيب بمحسن الترك كما ختم بحث الأصل بمحسن الوصل أي: يحسن ترك الواو في الجملة الاسمية (تارة لدخول حرف) من نواسخ المبتدأ (على المبتدأ كقوله) أي: الفرزدق: (فقلت عسى أن تبصريني ... كأنّما بني حواليّ الأسود الحوارد) (١) أي: الغواضب من حرد إذا غضب فقوله بني الأسود جملة اسمية وقعت حالا من مفعول تبصريني، ولولا دخول كأن عليها لم يحسن ترك الواو، وحوالي بمعنى في أكنافي حال من بني لما في حرف التشبيه من معنى الفعل، وإنما حسن ترك الواو؛ لأنه جعل الجملة في معنى مشبها بني بالأسود الحوارد. (وتارة لوقوع الجملة) الاسمية الحالية (تعقب مفرد) الأولى مفردة؛ ليخص الحال ولا يشكل بجاءني زيد وأبوه قائم، وينبغي أن يقيد الوقوع بأن يكون لا بطريق العطف؛ لأن ترك الواو فيه واجب كما نص عليه الكشاف. (كقوله) أي: قول ابن الرومي:

стр. 668

(والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم) (١) الشاهد غير منصوص به لاحتمال أن يكون برداك فاعلا سالما، ويكون تبجيل بدلا من برداك، إذ وصف البدل النكرة من المعرفة لا يجب، بل يحسن وإذا سلم تبجيل الرجل وتعظيمه فقد سلم الرجل؛ لأن سلامة التبجيل فرع السلامة فتأمل. وأيضا إنما تكون الحال الجملة عقيب حال مفردة لو لم تكن الحال الجملة معمولا سالما؛ لأنه حينئذ لم تتعدد الحال حتى تكون الجملة عقيب مفردة، فما ذكره الشارح من أنه يجوز أن يكونا حالين مترادفين، وأن يكونا متداخلتين فلعل غرضه التنبيه على ما ذكرنا من عدم كونه منصوصا، وإلا لكان مختلا فتأمل. إلهي محامدك أجل من الإحراز، وغاية الإطناب فيها نهاية الإيجاز، تذييل كل حامد محاد غيره بمحامد غيرها خال عن التكميل والتتميم وكائنات الأزل إلى الأبد في جنب قدرتك تخصيص بعد التعميم، اجتهاد المجتهدين في عبادتك لا يأمن الاعتراض بالتقصير، ولذة الذاكرين لأسمائك الحسنى تزيد بالتكرير بعد التكرير، فكيف نوفي حق حمدك بالأفعال وغاية المني فيه الاجتناب عن الإهمال (الإيجاز والإطناب والمساواة) (قال السكاكي) (٢) في أول باب الإيجاز والإطناب: (أما الإيجاز والإطناب فلكونهما نسبيين) (٣) أي: من الأمور النسبية التي يكون تعقلها بالقياس إلى تعقل شيء آخر، فإن الموجز إنما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام أزيد منه، وكذا المطنب إنما يكون مطنبا بالقياس إلى كلام أنقص منه (لا تيسير الكلام فيها إلا بترك التحقيق) والتعيين يعني لا يمكن أن يقال على التعيين إلا الإتيان بهذا المقدار إيجاز، وبذلك المقدار إطناب؛ إذ رب موجز هو مطنب بالنسبة إلى كلامين.

стр. 669

(والبناء على أمر عرفي) (١) أن يتعارف بين أهل العرف في أداء المقاصد من غير رعاية بلاغة ومزية (وهو متعارف الأوساط) الذين يكتفون بأداء أصل المعاني على ما ينبغي (أي: كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني) وربما يشتمل متعارفهم على الحذف، ومع ذلك لا يسمى اختصارا وإيجازا؛ لأنه متعارفهم، فإن عرفهم في طلب الإقبال: «يا زيد» وهو مشتمل على الحذف وفي التحذير «إياك والأسد» وامرأ ونفسه وحمدا وسقيا. (وهو لا يحمد في باب البلاغة) من الأوساط كذا ظاهر عبارة «المفتاح»، ولا يحمد أيضا من البليغ معه، لأنه لا يقصد معهم بكلامه مزية سوى التجريد عن المزايا، وبذلك يرتقي عن أصوات الحيوانات. (ولا يذم) أيضا لا منهم، ولا من البليغ معهم. وأما المتكلم بمتعارفهم إذا عرى عن المزية فلا يحمد من البليغ معهم، ويذم منه مع البليغ، وإذا اشتمل على المزايا التي هم غافلون عنها كما في إياك والأسد فمعهم لا يحمد من البليغ ولا يذم، ومن البليغ يحمد؛ لأن البليغ قصد به مزايا يتعلق بالإيجازات التي فيها. (فالإيجاز أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف) الأولى من المتعارف لأنّ المتعارف هو العبارة (والإطناب أداؤه بأكثر منها). ثم قال في آخر الباب: الاختصار لكونه نسبيا يرجع فيه أي: المرجع في معرفته (تارة إلى ما سبق) أي: كونه أقل من عبارة المتعارف، وهذا التفسير أنسب من تفسير الشارح؛ حيث قال: أي إلى كون عبارة المتعارف أكثر منه، لأن المطابق لما سبق ما ذكرناه إلا أن الشارح راعى المناسبة بقوله (وأخرى إلى كون المقام أي: ظاهر المقام خليقا بأبسط مما ذكر) أي: مما ذكر في المقام فللاختصار معنيان كونه أقل من عبارة المتعارف، وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر المقام هل الإيجاز كذلك؟ لم يعلم من كلام المفتاح صريحا، نعم يفهم من قوله في ذكر أمثلة الإيجاز، ومن أمثلة الاختصار أنه لا يفرق بينهما، بل المتبادر من قوله

стр. 670

ثم الاختصار لكونه من الأمور النسبية في مقام تحقيق الإيجاز أنه لا يفرق بين العبارتين. (وفيه نظر) قد يقصر نظر المصنف، وفات عنه أمران ظاهران: أحدهما: أنهم جعلوا نحو: نعم الرجل زيد من الإطناب، ولا عبارة للأوساط غيره. وثانيهما: أنه لم يحفظ تعريف الإيجاز عن دخول الإخلال. وتعريف الإطناب عن الحشو والتطويل؛ (لأن كون الشيء أمرا نسبيا لا يقتضي تعسر تحقيق معناه) لأن كثيرا من النسبيات يعرف تعريفات جامعة مانعة، وقد عرفت أن مراد السكاكي بتعسر التحقيق تعسر تحقيق مقدار الإيجاز والإطناب لا تعسر تعيين مفهوميهما. قال الشارح: كيف وقد تبين مفهوماهما في كلام السكاكي، وفيه أنه تبين بالبناء على أمر عرفي على طبق دعواه أنه لا يتيسر إلا بالبناء عليه، (ثم البناء على المتعارف والبسط الموصوف رد إلى الجهالة). وأجاب عنه الشارح بأن عرف الأوساط معلوم للبليغ وغيره، فتعيين الإيجاز والإطناب به نافع للكل، وأما البناء على البسط الموصوف فإنما ينفع البليغ؛ لأنهم يعرفون أن كل مقام يقتضي أي مقدار من البسط وفيه بحث؛ لأنّ متعارف أوساط العرب لا يتيسر للعجم، فالتعريف لا ينفع إلا بمتتبع لغة العرب، والتضيف عام لكل محصل فهو رد إلى الجهالة لكثير من المخاطبين، وأن البليغ لا يحتاج إلى علم المعاني، فتعريفات الفن لطالبي البلاغة، لا للبلغاء فالتعريف لما يخص معرفته بالبلغاء رد إلى الجهالة، نعم إنما ينفع التعريف؛ لأن معرفة ما سبق في الأبواب السابقة يكفل من معرفة المقامات ما يكفي في معرفة البسط اللائق بالمقام. (والأقرب) إلى الصواب وإلى الفهم (أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد) (١) احتراز عن غير المقبول من الإخلال والتطويل والحشو تأدية أصله،

стр. 671

الأولى تأديته؛ لأن المراد بالمراد أصله، بل الأولى المقبول من طرق التعبير عن أصل المراد تأديته، (بلفظ مساو له) (١) أي: لأصل المراد (أو) بلفظ (ناقص عنه واف أو) بلفظ (زايد عليه لفائدة) واعتمد في معرفة أن الأول مساواة، والثاني إيجاز، والثالث إطناب بإشعار المفهومات بذلك، كما لا يخفى. وهاهنا أبحاث: الأول: أنه أراد بالمقبول المقبول مطلقا، سواء كان من البليغ أو من الأوساط، فالزائد والناقص غير مقبولين من الأوساط؛ لأنهما خروج عن طريقهم لا لداع، وإن أراد المقبول من البليغ فليس المساوي والناقص الوافي مقبولين مطلقا، بل إذا كانا لداع. والثاني: أن قولنا: جاءني إنسان، وقولنا: جاءني حيوان ناطق، كلاهما تأدية أصل المراد بلفظ مساو له، فينبغي أن لا يكون أحدهما إطنابا، والآخر إيجازا وبالجملة لا يشمل تعريف الإيجاز إيجاز القصر. والثالث: أن قولنا: حمدا لك، ونظائره مساواة بتعريف السكاكي إيجاز بتعريفه، فنزاعه مع السكاكي في نقل اصطلاح القوم، ومثله لا يسمع منه بدون سند قوي، ولو قيل: المراد المساوي بحسب عرف الأوساط (فتعريفه يئول إلى ما ذكره السكاكي) ويرد عليه ما أورد عليه. الرابع: أن الإيجاز والإطناب والمساواة، مختصة بالكلام البليغ، كما علم من تقسيم، الفن إلى الأبواب الثمانية، فلا يتم تعريف الإيجاز والإطناب ما لم يقيّد بالبلاغة، لجواز أن يكون الناقص الوافي غير فصيح، وكذا الزائد لفائدة. (واحترز بواف عن الإخلال) وهو أن يكون اللفظ ناقصا عن أصل المراد غير واف ببيانه، وإنما احترز عنه ليتم التعريف المشار إليه للإيجاز أو لئلا يكذب

стр. 672

وصفه بالقبول، وهكذا الاحتراز لقوله لفائدة (فقوله) أي: الحارث بن حلذة اليشكري- واليشكر قبيلتان من العرب على ما في القاموس بنو يشكر بن علي بن بكر بن وائل وهو يشكر بن مبشر بن صعب: [(والعيش خير في ظلال النّوك) بالضم والفتح أحمق (ممّن عاش كدّا)] (١) قال الشارح: أي: من عيش من عاش مكدودا متعوبا، والأعذب أن يراد بالعيش ذو العيش كأنه صار في ظلال الجهل عين العيش، وحينئذ يستفاد نعومة عيشه من جعله عين العيش، ولا يكون إخلالا (أي: الناعم في ظلال النوك) ففيه إخلال حيث فات وصف النعومة (خير من الشاق في ظلال العقل) ففيه إخلال لفوت التقييد بظلال العقل، ولا يخفى أنه يلايم تقييد العيش الشاق بكونه في ظلال العقل، وينبغي أن يقول في شدة إحراق إشرافات العقل، وكأنه أوقعه في التعبير بظلال العقل المشاكلة. وقال الشارح: لا إخلال إذ قد اشتهر أن عيش الجاهل لا يكون إلا ناعما فاستغنى به عن تقييد العيش في ظلال النوك بالناعم مع أن لفظ الظلال لا يخلو عن إشعار به، وأطلق العيش الشاق ادعاء أن العيش لا يكون إلا للعاقل، حتى أنه لو قيدا لكان التقييد تكرارا (ولفائدة) أي: وبقوله ولفائدة (عن التطويل) وهو كون اللفظ زائدا غير متعين فيه الزيادة (نحو) قول عدي بن الأبرش يذكر غدر زباء- كفراء- ملكة الحيرة لجذيمة الأبرش- بالجيم والذال ككريمة- حيث انتظم سلطنتها حيث كتبت إليه أن ملك النساء ضعيف لا يحسن في نظر الرعايا ولا أثق سلطنتي، فرأيت مصلحتى أن أنكحك ويكون ملكي أيضا لك، وكانت تهاب من الجذيمة فأرادت أن تأخذه بهذا الغدر وتدفعه فذهب إليها من غير عدة مغرورا بوعدها، فأخذته، وأمرت بقطع راهشيه وترك دمه يذهب إلى أن مات وجذيمة الأبرش كان أبرص فهابت العرب وصفه بالأبرص، فبدلوه بالأبرش- والبرشة بالضم في شعر الفرس نكت صغار يخالف سائر لونه والفرس أبرش-

стр. 673

[وقدّدت الأديم لراهشيه] التقديد: التقطيع، والأديم: الجلد، والراهشان: عرقان في باطن الذراعين، والضمير في راهشيه وألفي لجذيمة، وفي قددت وقولها للزباء [(وألفى قولها كذبا ومينا)] (١) الكذب يرادف المين، ولا فائدة في الجمع بينهما ولا يبعد أن يجعل ذلك حشوا مفسدا، لأن عطف المين يفيد المغايرة، وهي باطلة (وعن الحشو المفسد كالندى في قوله) أبي الطيب: [(ولا فضل فيها) أي: في الدنيا (للشّجاعة والنّدى] [وصبر الفتى لولا لقاء شعوب)] (٢). شعوب بالفتح علم المنية، سمى لها لأنها تفرق الاجتماع غير منصرف للعلمية والتأنيث، كسرت للضرورة، وهل انصرفت كما قال الشارح فيه تردد؛ لأن الجر بالكسر يحصل لجميع باب ما لا ينصرف باللام والإضافة، مع أن البعض غير منصرف بالاتفاق، فمجرد الكسر بلا تنوين لا يدل على الانصراف، فالمعنى أنه لا فضيلة في الدنيا للشجاعة والعطاء والصبر على الشدايد على تقدير عدم الموت، وهذا يصح في الشجاعة والصبر دون العطاء؛ فإن الخلود يزيد الحاجة إلى المال فزيد فضل العطاء مع الخلود، وقيل: المراد بالندى بذل النفس فلا يكون حشوا مفسدا، ورده الشارح بأنه لا يفهم من لفظ الندى وبأنه لا معنى لبذل النفس على تقدير عدم الموت إلا أن يؤول بعدم التحرز عن الهلاك، وهذا بعينه معنى الشجاعة ورد الشارح إنما يتم لو كان مراد القائل تصحيح الشعر كما يشعر به عبارة المصنف في الإيضاح. أما لو كان المناقشة في كونه حشوا مفسدا فلا؛ لأنه على مقتضى رده الأول يكون إيجازا مخلا، وعلى مقتضى رده الثاني يكون تطويلا، إلا أن يقال: يتعين

стр. 674

الثاني للزيادة لإيهامه ومفسد لإيهامه خلاف المقصود، فإن قلت: الحشو المفسد ما يكون زائدا غير محتاج إليه في أداء المقصود، ويكون مفسدا ولا شبهة في أن الشاعر قصد ترتب عدم الفضل للندى على انتفاء لقاء شعوب، ولا بد منه في أداء هذا المقصود، نعم إنه كاذب، وفرق بين الكاذب والحشو المفسد. قلت: هذا إشكال قوي وغاية ما يمكن أن يقال في دفعه: إن مراده أنه لا فضل لمجموع هذه الثلاثة لولا الموت؛ لأنه مع فضل الندى لا فضل للآخرين، فيصح أنه لا فضل للثلاثة، والمال نفي الفضل عن الشجاعة والصبر، فذكر الندى زائد موهم لخلاف المقصود فيكون حشوا مفسدا ويمكن أن يقال: ذكره استطراد لما جرى ذكر اثنين مما اشتهر بالفضل على لسانه جرى الثالث الذي يذكر معهما في مقام بيان الفضائل. وذكر ابن جني في تصحيح البيت: أن في الخلود وتنقّل الأحوال من يسير إلى عسير، ومن شدة إلى رخاء ما يسكن النفوس ويسهل البؤس، فلا يظهر للبدل كثير فضل. والأقرب أن أجلّ فضائل المال وأعلى ما يقعد به الهمم في حرزه أن ينسب به إلى دفع المهالك وفي ويتوقى به عن الفضاء، فلولا لقاء شعوب لم يكن له هذا الفضل، فللتنبيه على عظم هذا الفضل نفى جنس الفضل كأنه لا فضل له سوى ذلك. (وغير المفسد وكقوله: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عمي) (١) قوله: قبله، صفة الأمس بتقدير الكائن قبله، وهو الوصف للتأكيد، وإنما صار حشوا؛ لأنه لا فائدة للتأكيد فيه بخلاف ما أبصرته بعيني وسمعته بأذني وضربته بيدي؛ فإنه يدفع التجوز بالأبصار والسماع عن العلم بلا شبهة، وبالضرب عن الأمر به، ولك أن تقول اللام للاستغراق، أي: كل أمس ووصفه بالقبلية من قبيل وصف الجنس بما يعم كل فرد؛ تبيينا لعمومه وتنصيصا عليه، كما ذكر

стр. 675

في قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (١). (المساواة) قدمها مع تأخيرها عن الإيجاز والإطناب في مقام التصوير لقلة مباحثها فأراد أن الشغل بمباحث كثيرة لا وجوبها بعد الفراغ عنها. وأما في مقام التصوير فراعى علو شأنهما في باب البلاغة. وقال الشارح: قدمها لأنها الأصل والمقيس عليه وفيه أن المقيس عليه للمساواة والإيجاز والإطناب هو المعنى على ما اختاره المصنف. (نحو قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (٢) أي: قول النابغة يخاطب أبا قابوس مغرب كاووس النعمان بن المنذر ملك العرب: [(فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتأى [اسم موضع من انتأى عنه، أي: بعد] (عنك واسع)] (٣) شبهه بالليل في حال سخطه، وضمن هذا التشبيه أمورا. أحدها: أنه يدرك لا محالة كما هو شأن الليل، وأنه لا يخص إدراكه به، بل يشمل الجميع وتخصيصه به في الذكر لداع وأنه كان في غاية البعد يصل إليه، ويتجاوزه ولا ينتهي بمكان هو فيه وأن لليلة سخطة نهار لطيف ولا دوام لسخطه. ومن لطايف البيان أنه ذكره مقدما على نفسه متباعدا عنه، ثم ذكره متأخرا متباعدا عنه تصويرا لوصوله إليه مع بعده، ولتجاوزه عنه وذكر نفسه بصورتين تصويرا وتخييلا؛ لأنه يبدل صورته من هو له. قال الشارح المحقق: فإن قيل: لا يطابق شيء من المثالين لظهور الإيجاز فيهما، وأما في الآية فلحذف المستثنى منه، وأما في البيت فلحذف الجزاء، ونحن نقول: ولحذف المعطوف عليه للشرط، قلنا: اعتبار ذلك أمر لفظي ورعاية للقوانين النحوية من غير أن يتوقف عليه تأدية أصل المراد حتى لو صرح بذلك لكان إطنابا، بل ربما كان تطويلا، وبالجملة كون اللفظ البيت والآية ناقصا عن

стр. 676

أصل المراد مما على أنه قد صرح كثير من النحاة بأن مثل هذا الشرط أعني الشرط الواقع حالا لا يحتاج إلى الجزاء، هذا ولا يخفى عليك أن ذكر المستثنى منه إذا لم يكن لفائدة يكون حشوا وأنه يشكل كون البيت مثالا للمساواة باعتبار حذف متعلق الخبر الظرف أيضا، وليس لك أن تجيب بأنه رعاية لأمر لفظي ولا حذف عن التحقيق؛ لأنه ينافيه ما قد سبق منهم من أن النكتة في جعل الخبر جملة ظرفية اختصارا لفعلية، فإنه يشعر بأنهم جعلوه إيجازا إلا أن يقال: التحقيق أنه لا حذف والتقدير لأمر لفظي كما يقتضيه التمثيل بالبيت، وما سبق كلام ظاهري حتى إن ذكر متعلق الخبر الظرف يكون حشوا مفسدا لوجوب حذفه إذ الإفساد أعم من أن يكون إفسادا لقاعدة اللفظ والمعنى، فما ذكره الشارح من أنه لو ذكر لكان تطويلا لا وثوق عليه. [والإيجاز ضربان] (والإيجاز ضربان: [إيجاز القصر] (١)، وهو ما ليس بحذف) أي: بمحل حذف أو بسلب حذف (نحو وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (٢) قال صاحب «المفتاح»: هو علم في إيجاز، ووجهه أنه رجح على ما هو أوجز كلام فيما بين البلغاء على ما بينه المصنف، (فإن معناه كثير ولفظه يسير) أوضح المصنف كثرة معناه بقوله في «الإيضاح»: لأن المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له قويا إلا أن لا تقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم. وفيه بحث؛ لأن ما ذكره دليل على دعوى أن في القصاص حياة، والدليل لا يراد بلفظ الدعوى، حتى يقال معناه كثير باعتباره، ولو كان الدليل موجبا لكثرة معنى الدعوى لكان كل دعويّ نظرىّ إيجازا. (ولا حذف فيه) (٣) أورد عليه أن ما ذكره المصنف في بيان كثرة معناه

стр. 677

يفيد أن الحياة في شرع القصاص أو العلم به ففيه حذف، ويدفعه أن معنى النظم أن القصاص منشأ الحياة، وغياته أن منشأيته مبنية بأن العلم به أو شرعه يوجب الحياة، والمراد بنفي الحذف نفي حذف الكلمة؛ إذ هو المعتبر في إيجاز الحذف، فلا يرد حذف كلمة في (وفضله) أي: رجحان قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (على ما كان عندهم) أي: في اعتقادهم أوجز كلام في هذا المعنى وهو القتل أنفى للقتل، أي: في معنى في القصاص حياة، ونبه بلفظ «عندهم» على أنه ليس كذلك في الواقع، كما أفاده ببيانه، ومن قصور نظره أنهم لم ينتبهوا أن قولنا: القتل أنفى له، أخصر منه (بقلة حروف ما بناظره) أي: اللفظ الذي يناظر قولهم: القتل أنفي بالقتل (منه) أي: من قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ وما يناظره منه ما سوى لكم؛ لكونه زائدا على معنى القتل أنفى للقتل، فالحروف اللازمة وقفا ووصلا في النظم عشرة فقط، وفي قولهم أربعة عشر (والنص على المطلوب) الذي هو الحياة إذ انتفاء القتل ليس مطلوبا لذاته، بل يطلب للحياة والنص على المطلوب أعون على القبول (وما يفيده تنكير حياة من التعظيم) ولا يخفى ما في التعظيم أو النوعية في مقام المنة على العباد شرع القصاص من إعانته على القبول، وبين وجه تعظيمه بقوله: (لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد) فالمعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة ولك أن تريد بتعظيم الحياة ومع سلامة الأعضاء إذ القصاص يعم العضو والنفس (أو النوعية، وهي الحياة الحاصلة للقاتل والمقتول بالارتداع) لا وجه لتخصيص النوعية بهذا الوجه، والتعظيم بالوجه الأول، بل كل من الوجهين يصلح أن يكونا وجها لكل منهما، وفيه كون التعظيم أو النوعية خارجا عن المطلوب نظر؛ إذ المطلوب الحياة العظيمة أو نوع من الحياة، فإفادة التعظيم أو النوعية داخلة في النص على المطلوب. (واطراده) لجريان الحكم في كل قصاص بخلاف حكم القتل، فإنه لا يجرى في القتل الذي هو ليس بقصاص لأنه أدعى للقتل، وفي أن مقصودهم بالقتل القتل في مقابلة القتل فيكون مطردا، ويمكن دفعه بأن القتل في المقابلة يجوز أن يكون قتل جماعة بواحد، نعم لو أريد قتل واحد لواحد لكان مطردا، لكنه ليس

стр. 678

مقصودهم، ويرد أن الكلام في الفضل بحسب البلاغة وعدم الاطراد ينافي الصدق، ولا ينافي البلاغة، فالأولى وبالنص على المقصود؛ لأن مرادهم القتل في مقابلة القتل، ولفظ القتل ليس نصا فيه بخلاف القصاص، فإنه نص فيما قصد به (أو خلوه عن التكرار) بخلاف قولهم: فإنه يشتمل على تكرار القتل، والخلو من التكرار فضيلة، وأورد عليه أن فيه رد العجز على الصدر، وهو يوجب حسنا، ودفعه الشارح أن التكرار من حيث هو تكرار منقصة، وفضيلة من حيث إنه رد العجز على الصدر وليس بشيء، لأنه يعارض خلوه عن التكرار ما يلزم التكرار من رد العجز على الصدر، فلا يصير سببا للترجيح لوجود المعارض نعم في كونه رد العجز على الصدر بحث، وهو أنه في النثر أن يكون أحد اللفظين في أول الفقرة والآخر في آخرها، وفي كون قولهم فقرة بحث (أو استغنائه عن تقديم محذوف) بخلاف قولهم: فإنه يحتاج إلى تقدير المفضل عليه. قال المصنف: أي: القتل أنفى من تركه؛ ولا يخفى أن الترك لا ينفى القتل، حتى يصلح لأن يكون مفضلا عليه، فالمراد أنفى من كل زاجر، ويتجه عليه احتياج في القصاص إلى متعلق فلا يستغنى عن الحذف. والجواب ما عرفته (والمطابقة) أي وباشتماله على صنعة المطابقة، وهي الجمع بين المتضادين عن القصاص والحيوة، وفيه أن القتل ونفيه أيضا متضادان، ومنهم من زاد في وجوه الترجيح ما فيه من الغرابة من جعل القصاص الذي ينافي الحياة منشأ لها، ولم يلتفت إليه المصنف، ولقد أحسن وإن ذكره في الإيضاح، لأنه مشترك لأن في قولهم أيضا جعل القتل سببا لانتفائه، ورجّح أيضا بما فيه من السلاسة لسلامته عن توالي الأسباب الخفيفة لتوالي متحركين فيه كثيرا، بخلاف قولهم فإنه لم يتوال المتحركان فيه إلا مرة، ورجّح أيضا بتقديم المسند للاختصاص مبالغة، ورده الشارح بأن التقديم على المبتدأ المنكر لا يفيده ويرد نصهم على التخصيص في قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ (١) إلا أن يقال: أراد المنكر الصرف وبعد فيه أنه لا تزاحم في النكات، فليكن تقديم الخبر الصحيح المبتدأ

стр. 679

والاختصاص أيضا. [وإيجاز حذف] (وإيجاز الحذف) عطف على إيجاز القصر قدم إيجاز القصر؛ لقلة مباحثه وعلو درجته. (والمحذوف إما جزء كلمة) فضلة كان أو عمدة مفردا كان أو مركبا (مضاف) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مضاف، والجملة صفة جزء جملة وقيل: بدل من جزء جملة (نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١) أي: أهل القرية (أو موصوف نحو) قول العرجي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الشاعر والعرج كغلس بالمهملتين والجيم: منزل بطريق مكة سمي به لتولده فيه. [(أنا ابن جلا) في القاموس ابن جلا واضح الأمر كابن أجلى، ورجل معروف سمته، ...... وطلّاع الثّنايا] [متى أضع العمامة تعرفوني] (٢) طلاع الثنايا يراد به ركاب لصعاب الأمور بقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه، أو قاصد معالي الأمور، كذا في القاموس (أي رجل جلا) تقدير الموصوف باعتبار أصل التركيب، ولا فقد عرفت أن هذا التركيب بمعنى واضح الأمر، «وجلا» في الأصل بمعنى انكشف أمره، لا بمعنى كشف الأمور على ما جوزه الشارح كما لا يخفى عليك. قال الشارح المحقق: وقيل: إن الصفة إذا كانت جملة لا يحذف موصوفها إلا إذا كان بعضها مما قبله ومجرورا بمن أو فى كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ (٣) وما في القوم دون هذا أي: رجل دون هذا، وفي غيره نادر سيما إذا لزم إضافة غير الزمان إلى الجملة فلفظ «جلا» ههنا علم لم ينوّن لحكايته مع الضمير؛ إذ لو جعل مجرد الفعل علما لنوّن؛ لأن الوزن غير مختص؛ ولا مما في أوله زيادة

стр. 680

كزيادة الفعل فينصرف هذا، أو لا يخفى عليك أنه لا يساعده ما نقل عن القاموس، وأيضا لا يوافقه ما ذكره الشارح في البديع أن الشعر لسحيم بن وثيل إلا أن يجعل قوله: أنا ابن جلا تشبيها بليغا (أو صفة نحو: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (١) أي: صحيحة أو نحوها) من الألفاظ المقاربة لها من سالمة وغير معيبة (بدليل ما قبله) وهو قوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها (٢) فإنه يدل على أن الملك كان لا يأخذ إلا الصحيحة (أو شرط كما مر) في آخر باب الإنشاء (أو جواب شرط) لا يخفى أنه لو كان الحكم في جزاء الشرط، وكان الشرط قيدا كما دل عليه كلام المصنف في أول بحث أحوال المسند، وشرحه الشارح المحقق، والسيد السند في أنه مذهب «المفتاح»، والمصنف لكان حذف جزاء الشرط من حذف الجملة وإبقاء قيده كما في قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ فإنه لا فرق بينهما في حذف أصل الجملة وإبقاء متعلقه (إما بمجرد الاختصار نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٣) أي: أعرضوا بدليل ما بعده) وهو قوله تعالى: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) (أو للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف) فلا تنصب قرينة تدل على خصوص محذوف، وكذا فيما أشار إليه بقوله: (أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن) وفيه غاية تفخيم الجزاء في المسرة أو المساءة؛ لأنه لا يتصور شيئا إلا ويجوز أن يكون فوقه، وفي التعيين ينتهي تفخيمه إلى حدّ أو فيه إبقاء ذهن السامع فيه على مكث بخلاف ما لو عين فإنه يعرض عنه بعد التعيين، ويذهل عنه بسرعة لتوطين نفسه عليه، أو لرجاء دفعه بما يظنه دافعا فإن قلت: هل يقدّر في النظم جزاء بلا قرينة فيكون عبثا لعدم فهم السامع فهو بمنزلة المتكلم بما لا يفهم أو لا يقدر فيكون إلغاء الشرط إلغاء ما لا يصح السكوت عليه؟ قلت: هذا إشكال قوي، وأظن أنه إذا لم تنصب قرينة على الخصوص بقدر

стр. 681

مبهم، فالتقدير فعل شيئا هو الغاية في ذلك، وحذف مثل هذا الجزاء لتذهب النفس كل مذهب ممكن بخصوصه، حتى يقر الجزاء عليه، ويكون بعد ذلك شاملا في تعيينه من عند نفسه أو ليفهم أن الجزاء ذلك حذف للمبالغة في علوه بتخييل أن ترك ذكره للدلالة على أنه لا يحيط به الوصف. (مثالهما وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (١) وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (٢) ولا أظن بك أن تقتصر في نكات حذف جواب الشرط على ما ذكر بل ترى فيه ما سمعت سابقا سريع الجريان، كاختيار تنبه السامع أو مقدار تنبهه أو الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر أو تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل، واللفظ أو تعينه أو ادعاء تعينه، وكأن تخصيص هؤلاء بالذكر للتنبيه على كثرة اعتبارها في هذا الحذف؛ ولهذا لم يتعرض لنكتة الحذف في سائر المحذوفات. (أو غير ذلك) عطف على قوله: أو جواب الشرط لا مجرور ويرشدك إليه (نحو لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) (٣) والمراد بغير ذلك المسند إليه والمسند، والفعل والمفعول والحال نحو: البر الكرّ بستين، أي: منه والمستثنى لا المستثنى منه؛ لما عرفت أنه لم يجعل حذفه موجبا للإيجاز والمضاف إليه، نحو: بين ذراعي وجبهة الأسد ونحو: يا رب، ويا غلام. قال الشارح: وجواب القسم نحو: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ (٤) وجواب لما ولا شبهة في أن جواب القسم جملة، فإدخاله تحت قوله: أو غير ذلك وهم، وما ذكره في المختصر من أن المراد بالجملة كلام مستقل لا يكون جزءا من كلام آخر؛ ولذا عد جواب الشرط جزءا لجملة ينتقد بجعل قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ (٥) من حذف الجملة؛ لأن المحذوف جزء جملة أخرى هي مجموع الجملة ومتعلقه، والأظهر أن جواب «لما» داخل تحت قول المصنف: أو جواب شرط. قال سيبويه:

стр. 682

«لما» ظرف بمعنى «إذ» يستعمل استعمال الشرط نحو كلما (أي: ومن أنفق من بعده وقاتل) بمعنى المحذوف المعطوف مع حرف العطف (بدليل ما بعده) وهو قوله: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا (١) ويحتمل الآية، والله أعلم أن لا يكون فيه حذف وتفسير بأنه لا يستوي منكم جماعة أنفقوا من قبل الفتح، وهم مع اشتراكهم في الإنفاق قبل الفتح متفاوتون لتفاوتهم في الإنفاق والإخلاص فيه، ويكون قوله: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً بيان أنه مع تفاوت درجاتهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. (وإما جملة) عطف على قوله إما جزء جملة (مسببة عن مذكور نحو: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ (٢) أي: فعل ما فعل، ومنه قول أبي الطيب: أتى الزّمان بنوه في شيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم (٣) أي: فساءنا (أو سبب لمذكور نحو) (قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ (٤) أي: قدر فضربه بها، ويجوز أن يقدر فإن ضربت بها فقد انفجرت). قال الشارح: فيكون المحذوف جزء جملة هو الشرط. قلت: جزء من الجزاء أيضا هو كلمة قد وهذه الفاء التي يطلبها محذوف يسمى فاء فصيحة، فقيل: على تقدير أن يكون المقدر الشرط، وهو ظاهر كلام «الكشاف»، وقيل: على تقدير كون المحذوف جملة مستقلة، وهو ظاهر كلام «المفتاح» أنها فصيحة، وقيل: على التقديرين. قال الشارح: والمشهور في تمثيلها قوله: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا (٥) وكأنه أراد به تأييد ما ذكره الكشاف؛ لأنه مقدر فيه الشرط كما قال في شرح

стр. 683

«المفتاح» أي إن صح ما قالوا فقد آن لأنا جئنا خراسانا، ويحتمل أن يقدر جملة مستقلة أي: امتثلنا ما قصد بنا أو قضينا ما قصد بنا فقد جئنا خراسانا (أو غيرهما) أي: غير المسبب والسبب (نحو قوله: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (١) على ما مر) في بحث الاستيناف من أن التقدير هم نحن على قول (وإما أكثر من جملة نحو أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ (٢) أي: إلى يوسف لأستعبره الرؤيا وأخبركم بتعبيره ففعلوا فأتاه وقال له يا يوسف) وما ينبهك عليه البصيرة الوقادة، أما المراد بالأكثر من جملة جملتان أو أكثر، لا جملة وبعضها أيضا كما يوهمه ما ذكره في بيان تقدير الآية؛ لأن الجملة وبعض جملة من اجتماع القسمين، فالمقصود بالتمثيل حذف ففعلوه فأتاه، وقال له ولا يخفى أن التقدير أكثر مما ذكره؛ إذ التقدير أرسلون إلى يوسف لأستعبره الرؤيا وأخبركم بتعبيره ففعلوا إلخ. (والحذف على وجهين): أحدهما: (أن لا يقام شيء مقام المحذوف كما مر) يشعر كلامه بأن ما مر من الأمثلة كله مما لم يقم فيه شيء مقام المحذوف، وليس كذلك فإن المحذوف في قوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٣) مما قام فيه القرينة مقام المحذوف، فمثال القسمين مر، لكن مثال القسم الثاني مر على المصنف (و) الثاني (أن يقام) شيء مقام المحذوف (نحو وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٤) أي: فلا تحزن واصبر) والأظهر أن التقدير فلا يقدح في رسالتك فإنه قد كذبت رسل من قبلك. قال الشارح: إنما جعل الجزاء المحذوف؛ لأن تكذيب الرسل من قبله متقدم على تكذيبه فلا يصح وقوعه جزاء له، بل هو سبب لعدم الحزن والصبر فإن البلية إذا عمت طابت، ونحن نقول: إذا تقدم زمان الجملة الحالية على زمان عاملها لجعل القصة حالا، ولا يخفى أنه جاز في هذا المقام، ولا يذهب

стр. 684

عليك أن الحذف ليس نفس قيام شيء مقام المحذوف ولا عدمه، ففي جعلها قسم الحذف تسامح، والتقدير ذو أن يقام وقد ذهب هذا على الشارح المحقق، فلم يتعرض له وقال في قوله: ومنها أن يدل العقل تسامح وكأنه على حذف مضاف. [وأدلة الحذف] (وأدلته) أي: أدلة لا بد للحذف منها إما للتنبيه على أصل الحذف وإما للتنبيه على خصوص المحذوف (كثيرة منها أن يدل العقل عليه) أي: على الحذف (والمقصود الأظهر) فيه مسامحة أي: كون المحذوف مقصودا أظهر (على تعيين المحذوف) فيه مسامحة أي: على خصوص المحذوف، فبتلك الدلالة يحصل تعيين المحذوف، ولخفاء المسامحتين خفيتا على الشارح المحقق، فلا ينكرهما لعدم تعرضه لهما، مع تعرضه لمسامحة في قوله: ومنها أن يدل: وكن تابعا لدلالة العقل الرشيد، ولا تكن في عقال التقليد كالبليد (نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ (١) أي: تناولها) هو الأخذ على ما في القاموس، فإن العقل دل على أن الأحكام الشرعية متعلقة بالأفعال للمكلفين دون ما ليس في قدرة المكلفين، فلا بد هاهنا من محذوف يحتمل الأكل والشرب والاستضاءة بأدهانها وبيعها وشرائها، والمقصود الأظهر ما يعم الكل (ومنها أن يدل العقل عليهما) أي: على الحذف وتعيين المحذوف (نحو وَجاءَ رَبُّكَ (٢) أي: أمره أو عذابه) فإن العقل يدل على امتناع المجيء على الله؛ إذ المجيء يتوقف على الانتقال من مكان إلى آخر وما يعذب به الرب ربما ينتقل من مكان إلى آخر كالمطر والنار، وكذا ما يأمره بالمجيء، فالأمر بمعنى ما أمر، والعذاب بمعنى ما يعذب به، فلا يرد أن الأمر والعذاب أمران معنويان لا مجيء لهما، وترديد المحذوف بين الأمر والعذاب لا ينافي تعيين المحذوف، فإنه أشار إلى أن (جاء ربك) لو وقع في مقام يدل فيه العقل على خصوص المحذوف، فالعذاب بقدر ذلك المخصوص، ولو وقع في مقام لا يرشد العقل إلى مخصوص بقدر العام، وقد أشكل الترديد على الشارح، فقال: أي يدل على تعيين هذا المحذوف بأنه

стр. 685

أحدهما، وليس المراد أنه يدل على تعيين الأمر أو تعيين العذاب فليتأمل. وفهم ما ذكره كان أصعب من فهم ما ذكره المصنف، فاخترنا شرح كلامه على التأمل في حق مرامه فاعرف وأنصف. ولا يخفى أن العقل لا يفي بتقدير الأمر أو العذاب، بل لا بد من زائد على العقل من اقتران، وغيره يعين شيئا، ثم العقل لا يدل على الحذف وتعيين المحذوف في هذا المثال يدل على أحد الأمرين، فإنه ربما يجعل تمثيلا في ظهور آيات الرب وهيئته، كما يظهر عند مجيء السلطان فلا حذف حينئذ. (ومنها أن يدل العقل عليه والعادة على التعيين نحو: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) (١) فإن العقل دل على أن في قوله (فيه) مضافا محذوف إذ لا معنى للوم الإنسان على ذات شخص؛ لأن اللوم للانتهاء عما لا ينبغي فهو ينبغي أن يكون مقدورا، وأما تعيين المحذوف (فإنه) بالفتح بتقدير فبانه بمعنى ملاحظة أنه (يحتمل تقدير في حبه لقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا) (٢) أي: حرق شغاف قلبها (و) تقدير (في مراودته لقوله تعالى: تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ (٣) (و) تقدير (في شأنه حتى يشملهما) أي: الحب والمراودة (والعادة دلت على الثاني) أي: مراودته؛ (لأن الحب المفرط لا يلائم في صاحبه عليه في العادة لقهره إياه) أي: لغلبة الحب المفرط على صاحبه، فلا يقدر على الانتهاء، وفيه أنه ما لا يلايم عليه الشيء لا يلايم على ما يلزمه أيضا؛ لأن مغلوب الشيء مغلوب لازمه، فالأولى أن يقال: لا عيب في الحب المفرط، فلا يلام عليه، بل في المراودة فتعين تقديرها. فإن قلت: فليقدر الشأن ويصرفه بالإضافة العهدية إلى المراودة قلت: هي بعينها المراودة، والدال لا يكون معتبرا إلا في حق المعنى، وأما العبارة فموكولة إلى المخاطب فليقدر ما شاء. (ومنها) أي: من أدلة الحذف لتعيين المحذوف (الشروع في الفعل)؛ لأن الشروع إنما يدل على أن المحذوف هو الفعل الذي شرع فيه، وأما الدلالة على

стр. 686

أصل الحذف فإنما هي من جهة أن الجار والمجرور لا بد له من فعل يتعلق هو به، كما يشهد به القوانين النحوية. [الإطناب] كذا في الشرح وفيه أن المخاطب قلما يكون نحويا فلا معنى لجعل طلب الجار والمجرور فعلا متعلقا بمعرفة القوانين، بل ينبغي أن يجعل الدليل عليه طلب معنى حرف الجر له بمقتضى العقل، وأن تقدير الفعل للجار والمجرور لرعاية القواعد النحوية غير معتبر عند علماء الفن. ولذا لم يجعل في القصاص حياة إيجازا لحذف، مع أن حرف الجر يقتضي المحذوف على قاعدة النحوية، وبهذا علم أن التمسك بطلب معنى حرف الجر تقدير الفعل أيضا ضعيف، بل إنما يطلب الحذف عند عدم تمام الكلام بدونه في (نحو: بسم الله الرحمن الرحيم فيقدر ما جعلت التسمية مبتدأ له) (١) حتى لو قيل: قرائتي بسم الله الرحمن الرحيم لا يكون دليلا على الحذف (ومنها الاقتران) أي: الاقتران بعد وجود الفعل حتى يصح جعله مقابلا للشروع، وإلا فالشروع أيضا اقتران (كقولهم للمعرس) على صيغة اسم الفاعل من الإعراس بمعنى اتخاذ الوليمة والبناء على الأهل، والمراد الثاني: (بالرفاء والبنين أي: أعرست) فإن كون هذا الكلام مقارنا للإعراس دل على أن المحذوف وهو أعرست والباء للملابسة، والمراد بالرفاء الملايمة والاتفاق، وأصله الإصلاح، ومن أدلة الحذف، وقد فاتهم دليل تعيين مقام المحذوف كما في: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن مقام دعوى الاختصاص عين أن موضع التقدير بعد بسم الله الرحمن الرحيم، لا قبله (والإطناب إما بالإيضاح بعد الإبهام) ومنه ما فاتهم ولم يضبطوه، وهو كعكس ذلك ولنسمّه إجمالا بعد التفصيل، لا إبهاما بعد الإيضاح إذ لا يصير ما يعقب الإيضاح مبهما كقوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٢) ليرى المعنى في صورتين مختلفتين. إحداهما مبهمة، والأخرى موضحة، ولا خفاء في أن تلك الإراءة كعرض

стр. 687

الحسناء في لباسين، وفيه توجه العقل إلى المعنى ومشاهدته بعين الرغبة ما لا يخفى. وقال الشارح: فيهما علمان، والعلمان خير من علم واحد هذا، وقولهم: علمان خير من علم واحد مثل يضرب في مدح المشورة والبحث. قال الميداني: أصل قولهم: علمان خير من علم واحد، أن رجلا وابنه سلكا طريقا فقال الرجل: استبحث لنا طريقا فقال: إني عالم، قال: يا بني علمان خير من علم واحد يضرب في مدح المشورة والبحث، كذا ذكره في شرحه للكشاف في تفسير: تلك عشرة كاملة، فقوله: والعلمان الصحيح فيه وعلمان. ومن فوائد الإيضاح بعد الإبهام تسهيل الفهم والحفظ؛ إذ المبهم لو جازته أقرب إلى الحفظ، والموضح أقرب إلى الفهم، وفي كل من تلك الوجوه أنه لا يفيد إلا الجمع بين المبهم والموضح، بل لا يفيد إلا الجمع بين بيانين ولفوت وجه الإيضاح بعد الإبهام، وإنما يتكفله ما ذكره بعد ذلك من قوله: (أو ليتمكن في النفس فضل تمكن) وما يعقبه فعليهما التعويل، وإنما يوجب فضل التمكن؛ لأن ورود المبهم يوجب توجه النفس إليه، والسعي في تحصيله فيقع الإيضاح في أن ذلك التوجه التام فيحفظ كل الحفاظ فلا حاجة إلى ما قال الشارح من أن النفس جبلت على أن يكون المبين بعد الإبهام أوقع فيها من المبين أولا (وليكمل لذة العلم به). قال المصنف: وذلك لأنه يكون الإيضاح علما ولذة عقيب ألم الجهل الذي في الإبهام؛ لأن الإبهام علم مخلوط بجهل تتألم النفس منه، وتسعى في النجاة عنه فإذا علم غير ممتزج بالجهل حصل له لذة العلم ولذة النجاة عن الألم، وفيه أنه لا معنى لإيلام النفس قبل إيراد اللذة عليها؛ ليكون مع اللذة لذة النجاة عن الألم فالوجه أن هناك لذتين: لذة العلم على وجه الإبهام، ولذة العلم على وجه الإيضاح، وليس لك أن تقول: كمال لذة العلم باعتبار أن العلم بالإيضاح غير مشوب بألم الجهل كالعلم مع الإبهام؛ لأنه لا يوجب إيراد المبهم بل يقتضي الاكتفاء بالإيضاح، وفي الإيضاح أو لتفخيم الأمر وتعظيمه، وكأن وجهه أن لا طريق إلى إدراك العظماء دفعه، بل لا بد في الوصول إليهم من التدريج، وذكر في

стр. 688

تمثيله قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (١) وزاد الشارح: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ (٢) حيث لم يقل قواعد البيت بالإضافة (نحو: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) (٣) فقال: للإيضاح بعد الإبهام للنكات الثلاثة، وفيه تنبيه على أنه لا تزاحم في النكات (فإن: اشرح لي صدري، يفيد طلب شرح لشيء ما له) لا لأن لي صفة نكرة مقدرة، أي: اشرح شيئا لي وصدري بدلا منه؛ لأنه خلاف ما يتبادر من النظم، بل لأنه يفهم من قوله: لي أي: لأجلي أن المط شرح شيء ما له من غير تقدير فالإبهام أعم من الإبهام المقدر، والمفهوم فإن قلت: في فهم الشيء ما له نظر لجواز أن يقال اشرح لأجلي صدر معلمي. قلت: لا خفاء في تبادر ما ذكره، وإن كان ما ذكر به محتملا فإن قلت: يكفي في فهم المبهم الفعل، ولا حاجة إلى قوله لي؛ لأن اشرح يدل على طلب شرح شيء ما، قلت: لاعتداد بما يفهم من الفعل، وإلا لكان كل الفعل منع مفعوله المتأخر إبهاما وتفسيرا، ثم نقول لا إطناب في ذكر الظرف فإن اللام للنفع، فهو تقييد للشرح احترازا عن الشرح بما يضره. [ومنه باب نعم] (ومنه) أي: من الإيضاح بعد الإبهام كذا في الإيضاح، والأنسب أي: من الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام. (باب نعم) أدرج الباب ليشتمل الأفعال الأربعة (على أحد القولين) (٤) في المخصوص، وهو أنه خبر مبتدأ محذوف بخلاف القول بأنه مبتدأ نعم فإنه ليس فيه الإيضاح بعد الإبهام، بل الواضح مبتدأ هو المقدم على المبهم، وفيه بحث لأن المبتدأ بتأخيره يوضح الخبر المقدم، فهو عكس باب ضمير الشأن؛ إذ فيه الخبر موضح المبتدأ، ولا يخفى أن عد باب نعم منه على ما هو الأغلب وإلا فقد تقدم

стр. 689

المخصوص (إذ لو أريد الاختصار كفى نعم زيد) فيه بحثان: أحدهما: أنه لا يصح «نعم زيد» إذ فيه ضعف التأليف لما ثبت في النحو أن فاعله معرف باللام أو مضاف إليه أو مضمر مميز بنكرة منصوبة أو بما. وثانيهما: أنه لو قيل: نعم زيد لكان إخلالا لأن «نعم» للمدح العام في جنس من الأجناس لا مطلقا، فمعنى نعم الرجل زيد أن زيدا جيد في جميع ما يتعلق بالعالمية أيضا، ويمكن دفعهما بأن المقصود بنعم مدح زيد مثلا في جنس، وقد أمكن فيه الاختصار بأن يقال: نعم زيد في الرجولية ويقدر قولنا: في الرجولية بقرينة إلا أنه التزم فيه الإطناب لالتزام الإيضاح بعد الإبهام؛ لأنه يناسب غرض الباب، وهو المبالغة في المدح فامتنع الاختصار، وقد أشار إلى هذا الامتناع بقوله: لو أريد الاختصار فمن وجوه حسنة سوى ما ذكر اتباع الاستعمال الواجب، وبهذا ظهر أن المراد بقوله الاختصار ما يقابل الإطناب، والمساواة دون ما يشمل المساواة، بناء على أن نعم زيد من المساواة كما ظنه الشارح المحقق، وصوبه السيد السند فقالا: فيه إشعار بإطلاق الاختصار على ما يعم الإيجاز دون الإطناب موافقا لاصطلاح السكاكي، وكيف لا، وقولنا نعم زيد في إفادة مدح زيد برجولية اختصار لا مساواة على أن في إثبات الاصطلاح للسكاكي صعوبة إذ ما تمسك به السيد السند هذه العبارة، وقال: لا شك أن نعم زيد من قبيل المساواة، وقوله وقد تلوت عليك فيما سبق طرق الاختصار والتطويل، يعني الإطناب. قال السيد السند: فقد جعل الاختصار مقابلا للتطويل، والظاهر تناوله للمساواة، ومن البين أنه ليس موجبا للاصطلاح، كما اعترف به، وأنه يحتمل أن لا يكون متعرضا للمساواة لعدم الاعتداد بشأنه؛ ولذا اكتفى في ذكر الباب بالإيجاز والإطناب، ولو كان السكوت عن المساواة موجبا لدخوله في مقابل الإطناب لثبت إطلاق الإيجاز أيضا على المساواة. بقي أن «نعم الرجل زيد» مدح عام لزيد في الرجولية، فلا بد من ذكر الرجل وزيد فلا إطناب في الكلام بذكرهما. (ووجه حسنه) أي: حسن باب نعم (سوى ما ذكر) في صحة استعمال

стр. 690

سوى هنا نظر؛ لأنه حرف استثناء، ولا معنى للاستثناء هنا والعبارة الصحيحة غير ما ذكر بجعله حالا عن المبتدأ، وإنما وقع فيه من تغيير عبارة «المفتاح» وهي صحيحة حيث قال: ولو لم يكن فيه أي: في باب نعم شيء سوى أنه يبرز الكلام في معرض الاعتدال نظرا إلى إطنابه من وجه، وإلى اختصاره من آخر، وإيهامه الجمع بين المتنافيين مثله في الجمع قد بين الإجمال والتفصيل لكفى (إبراز الكلام في معرض الاعتدال) وقد عرفت وجهه (وإبهام الجمع بين المتنافيين) من الإيجاز بحذف المبتدأ، والإطناب بذكر الرجل، والإجمال والتفصيل والإيضاح والإبهام والإبخار والإنشاء، وإبهام الجمع بين المتنافيين يوجب استطراف البيان واستغرابه، وفيه ظهور سلطان البلاغة في ملك البيان يجمع حيث بين الذئب والغنم، وإنما قال: إبهام الجمع، لأن حقيقة الجمع بين المتنافيين محال، ومن موجبات حسنه، سوى ما ذكر اجتماع جهتى البلاغة فيه، من الإيجاز والإطناب. [ومنه التوشيع] (ومنه التوشيع) قال الشارح: التوشيع لف القطن بعد الندف فكأنه يجعل التعبير عن المعنى الواحد بالمثنى المفسر باسمين منزلة لف القطن بعد الندف، وفيه أنه بمنزلة الندف بعد اللف؛ لأن المثنى أشبه باللف والتفسير بالندف فالوجه أنه من قبيل التسمية بالضد وربما يقال المثنى بجمعه المتعدد يشبه الندف الذي يجعل القطن المتفرق شيئا واحدا، وتفصيله يشبه تقسيم المندوف باللف. ولك أن تجعله من قبيل التوشيع بمعنى أعلام الثوب؛ إذ فيه تزيين البيان الذي هو ثوب للمعنى (وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمعنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول) لا يظهر فرق بين المثنى المفسر باسمين وبين الجمع المفسر بأسماء، ولعلهم ذكروا أقل ما يكون وكذا لا يظهر فرق بين المثنى في عجز الكلام، وفي أثنائه كأن يقال يشيب ابن آدم وخصلتاه يشبّان الحرص وطول الأمل، فالأظهر أن يحذف العجز عن التعريف (نحو «يشيب ابن آدم ويشبّ فيه خصلتان الحرص وطول والأمل») (١) وكقوله: سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب

стр. 691

فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب (١) ويخرج عن التوشيع بقوله ثانيهما معطوف على الأول مثل قولنا: يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان: أحدهما الحرص، وطول الأمل. [وإما بذكر الخاص بعد العام] إن اللايق جعله منه فتأمل. (وأما بذكر الخاص بعد العام) هذا بظاهره يصدق على التوشيع، وباب نعم ودفعه أن يراد بالعام ما يندرج الخاص فيه بحكمه لا مجرد ما يكون الخاص فردا منه فلا يرد الخاص الذي هو صفة أو بدل من العام. قال الشارح المحقق: يعني بذكره بعد أن يكون معطوفا عليه، فلو قال: وأما بعطف الخاص على العام لكان أوضح وفيه نظر؛ لأن قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (٢) من قبيل ذكر الخاص بعد العام بلا شبهة مع أن جبريل وميكال عطفان على لله على ما هو الأصح، فلا يصح أن يقال: وأما بعطف الخاص على العام، ويستفاد من الكشاف في تفسير قوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٣) أن الخاص المذكور بعده لا يجب أن يكون مندرجا تحته بحكمه، بل لو ميّز عن العام وأخرج عنه مع مشاركته لما قصد بالعام في حكمه يكون من هذا القسم حيث قال: فإن قلت: لم أخر الشمس والقمر؟ ، قلت: أخرهما ليعطفهما على الكوكب على طريق الاختصاص بيانا بفضلهما واستدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخر جبريل وميكال من الملائكة ثم عطفهما عليها كذلك، هذا كلامه، وحينئذ لا يتم ما وجهنا به كلام المتن (للتنبيه على فضله) أي: على مزية الخاص (حتى كأنه ليس من جنسه) أي: من جنس العام (تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات) يعني لما امتاز عن سائر أفراد العام بما له من الأوصاف الفاضلة، جعل كأنه شيء آخر مغاير للعام مباين له، ولا يشمله العام ومما لا يبعد عن الاعتبار أن يعطف الخاص على العام تنبيها على

стр. 692

كمال نقصانه حتى كأنه ليس من جنسه تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات (نحو: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١) أي: الفضلى من غيره من الصلوات من قولهم للأفضل الأوسط. قال الشارح: هي صلاة العصر، على قول الأكثرين. وفي القاموس: الصلاة الوسطى المذكورة في التنزيل: الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الوتر أو الفطر أو الأضحى أو الضحى أو الجماعة أو جميع الصلوات المفروضة، أو الصبح والعصر معا، أو صلاة غير معينة، أو العشاء والصبح معا، أو صلاة الخوف، أو صلاة الجمعة في يومها، وفي سائر الأيام الظهر أو المتوسط بين الطول والقصر أو كل من الخمس؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. قال ابن سيده: من قال هي غير صلاة الجمعة فقد أخطأ إلا أن بقوله براوية مسندة إلى النبي ﷺ قيل: لا يريد عليه «شغلونا عن الصلوة الوسطى صلاة العصر» (٢)؛ لأنه ليس المراد بها في الحديث المذكور في التنزيل، هذا وينبغي أن يعلم على أنه تفسير الوسطى بالمتوسط بين الطول والقصر أو بصلاة الخوف لا إطناب؛ لأن المقصود الأمر بالمحافظة على الصلاة والمحافظة على وضعها، ومنه قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (٣) [وإما بالتكرير] (وإما بالتكرير لنكتة) ليكون إطنابا لا تطويلا؛ ولهذا قيد كلما ذكر إطنابا بنكات إلا أنه أجمل هنا النكتة؛ لأنه عرف سابقا نكات التأكيد إلا أنه قد تكون فيه النكتة غير ما سبق منه التنبيه على ما ينفي التهمة، كما قال تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ (٤) فإن في تكرار «يا قَوْمِ» التنبيه على مزيد الشفقة ودفع تهمة عدم الشفقة.

стр. 693

ومنه زيادة التوجع والتحسر نحو قوله: فيا قبر معن أنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للسّماحة مضجعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا ولا يبعد أن يجعل نكتة للتأكيد في: مات زيد زيد ومنه زيادة السرور والفرح نحو: جاء أخوك أخوك، وقد يكون لمجرد إحضار اللفظ ليرتبط به المتعلق ولا يلتبس لبعد المتعلق عن المتعلق إما مجردا عن رابط، كما في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١) وإما مع رابطة كما في قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢) (كتأكيد الإنذار) لنكتة من نكات عرف في التأكيد (في كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ولما استشعر أن يستبعد كون الكلام تكريرا لأن العاطف يستدعي كون المراد بالثاني غير الأول، قال: لدفعه. (وفي ثم دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول) يعني أن ثم مستعار عن التراخي الزماني إلى التدرج في درج الارتقاء من غير اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج، فإن قلت: إذا كان الإنذار الثاني أبلغ لم يكن تكريرا. قلت: كونه أبلغ باعتبار زيادة اهتمام المنذر به لا بأنه زاد في المفهوم شيء، ولجعل قوله: وفي ثم إلخ بيانا لم خفي من نكتة إطناب في ذكر ثم مجال. [وإما بالإيغال] (وإما بالإيغال) من أوغل في البلاد إذا بعد واختلف في تفسيره (فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها) لا يخفى أن تمام الكلام بدونها لا يخصّ الإيغال، بل كذلك جميع أقسام الإطناب، وأن تعريف الإيغال يشمل الإيضاح بعد الإيهام، وذكر الخاص بعد العام، والتكرير إذا كان ختم البيت، بل غيرها أيضا من أقسام الإطناب إذا كان كذلك (كزيادة المبالغة في قولها)

стр. 694

أي: قول الخنساء من مرثية أخيها صخر: [(وإنّ صخرا لتأتمّ) أي: تقتدي (الهداة به) يريد الهداية بذلك الاقتداء (كأنّه علم) في القاموس: هو الجبل الطويل أو عام، وفي الشرح جبل مرتفع (في رأسه نار)] (٤). فإن قوله: كأنه علم واف بالمقصود، وهو المبالغة في هدايته، وقوله: في رأسه نار زيادة المبالغة في هدايته. هذا إذا كان المراد الهداية به مطلقا، أما لو كان المراد الهداية به في ظلمات الجهل فهو ليس من الإطناب في شيء، بل لا بد منه في أصل المقصود. (وتحقيق) أي: وكتحقيق (التشبيه في قوله) أي: امريء القيس: (كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب) (١) شبه عيون وحش اصطادها وأكلها بالجزع وهو بالفتح والسكون: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به عيون الوحش، لكنه أتى بقوله لم يثقب لتحقيق التشبيه؛ لأن غير المثقوب أحق بأن يجعل مشبها به لا ثقبة في العين. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعيونهما كلها سواد، فإذا ماتا بدا بياضها فشابهت الجزع، وبهذا ظهر فساد ما قيل: إنه أراد أنه من كثرة إقامتهم في المفاوز ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم، والمراد كثرة الصيد. فإن قلت: لا يستفاد كثرة الصيد إلا أن يكون حول خبائهم وأرحلهم كثرة الجزع، وظاهر أنه ليس كذلك. قلت: كون العيون حول الخيام والرحال يدل على الكثرة. قال الشارح المحقق: وكدفع توهم غير المقصود في بيت السقط: فسقيا لكأس من فم مثل خاتم ... من الدّرّ لم يهمم بتقبيله خال (٦) فإنه لما جعل الفم كأسا ضيقا مثل خاتم من الدر، وكأن الكأس غالبا مما يكرع فيه كل أحد من أهل المجلس حتى كأنه يقبله دفع ذلك بأن وصفه بأنه لم

стр. 695

يقبله ملك متكبر فكيف غيره. وقال السيد السند: إن البيت يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لم يكن في ثغرها خال، أي شامة تغير لونه. والثاني: ما ذكره، ودفع توهم غير المقصود إنما يتأتى على الثاني دون الأول. قلت: لما شبه فمه بالخاتم، والخاتم ربما يسود بالخبر ربما يتوهم أن يكون في ثغره شامة يشبه سواد الخاتم فدفعه بذلك، ولك أن تريد به بدفع توهم ذكره الشارح أخا أم الرجل فيكون مبالغة في نفي تقبيله؛ لأنه إذا لم يتيسر ذلك لخاله فكيف لغيره (وقيل: لا يختص بالشعر) وهل يختص في الشعر بآخر البيت كما في القول الأول؟ وهل يختص في النثر بآخر الفقرة؟ (ومثل ذلك بقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (١) لأن قوله: وهم مهتدون، مما يتم المعنى بدونه؛ لأن الرسول مهتد لا محالة. وذكر لزيادة الحث على الاتباع والترغيب في الرسل أي: ولا تخسرون معهم شيئا من دنياكم أو تربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة. كذا في الشرح. قلت: المثال اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون بكليته؛ لأن الرسول لا يكون إلا كذلك، وفيه مزيد الحث كما ذكره فتأمل. [وإما بالتذييل] (وإما بالتذييل وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى، تشتمل) تلك الجملة الثانية (على معناها) (٢) أي: معنى الجملة الأولى (للتوكيد) (٣) علة للتعقيب، ولا يخفى أنه يشمل الجملة المؤكدة نحو: إن زيدا قائم إن زيدا قائم، وجاء زيد جاء زيد فبينه وبين التكرير عموم من وجه (وهو ضربان: ضرب لم يخرج مخرج المثل) بأن لم يستقل بإفادة المراد، بل توقف على ما قبله، كذا في

стр. 696

الشرح ولا بد فيه من قيود أخر نظرا إلى ما فسر به الخارج مخرج المثل، وهو ما يكون حكما كليا منفصلا عما قبله جاريا مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال، فهذا الضرب المقابل له ينبغي أن يتحقق بأن لا يستقل أو يكون حكما جزئيا أو كليا لم يفش استعماله، وكان حسن الترتيب أن يقدم الضرب الثاني؛ لأنه ثبوتي إلا أن يقال الضرب الأول أشد ارتباطا بالمقصود من الثاني؛ فلذا قدم (نحو ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١) على وجه) وهو أن يكون المعنى، وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص؟ فيكون متعلقا بما قبله؛ لأنه لحصره في الكفور، وأشار بقوله على وجه أن هناك وجها آخر ليس بما نحن فيه، وهو ما نقله عن الزمخشري في الإيضاح، من أن الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وتارة في معنى الإثابة، فلما استعمل في قوله: (جزيناهم بما كفروا) بمعنى عاقبناهم لكفرهم قيل: وهل يجازي إلا الكفور؟ ، بمعنى وهل يعاقب إلا الكفور؟ . قال المصنف: فعلى هذا يكون من الضرب الثاني. فإن قلت: لولا أن جزيناهم بمعنى عاقبناهم لا يحمل، وهل يجازي معنى وهل يعاقب، فيتوقف على سابقه. قلت: التوقف لفهم المراد فالاحتياج يفهم باعتبار دلالة اللفظ، وهو لا ينافي الاستقلال إنما المنافي أن يكون نفس الحكم متوقفا على ما قبله بقي أنه لا يصح نفي مطلق المعاقبة عن غير الكفور فإنه المبالغة في الكفور، ويكفي في المعاقبة الكفر فعلى هذا أيضا لا بد أن يحمل النظم على أنه هل يعاقب ذلك العقاب إلا الكفور، فعلى هذا الوجه أيضا يكون من الضرب الأول مطلقا إلا أن يقال: حصر العقاب ادعائي فلا يحتاج إلى التقييد، والأولى أن يجعل من الضرب الأول مطلقا، ويستغنى عن اعتبار الادعاء ويمكن أن يحمل الجزاء على المطلق، ويخرج مخرج المثل بأن يقال: لا جزاء إلا للكفر، وأما الإثابة فمحض فضل؛ لأن الشاكر لا يفي عمله بما وجده عاجلا، وليس ما يسمى جزاء إلا بارزا في معرضه من غير أن يكون على حقيقة الجزاء.

стр. 697

(وضرب أخرج مخرج المثل) بأن تكون الجملة الثانية حكما كليا منفصلا عما قبلها جاريا مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال، نحو: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ أي اضمحل الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (١) في الإيضاح، وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (٢) فقوله: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ تذييل من الضرب الأول، وقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، من الضرب الثاني، فكل منهما تذييل على ما قبله، وفي تقريره إشعار بأن تذييل يطلق على الجملة الثانية أيضا، ولا يبعد أن يكون التذييلان بجملة واحدة، (وهو أيضا) أي: عاد التقسيم عودا، ففيه تصريح بأن التقسيم لمطلق التذييل لا بقسمة الثاني كما توهمه بعض من المثالين المذكورين؛ إذ تقسيم القسم ليس عود القسمة إلا بتأويل بعيد من جعل تقسيم قسم الشيء تقسيما له (إما لتأكيد منطوق كهذه الآية) فإن زهوق الباطل منطوق [وإما لتأكيد مفهوم] (وإما لتأكيد مفهوم كقوله) أي: النابغة الذبياني: [(ولست بمستبق أخا لا تلمّه) أي: لا تصلحه حال من أخا لعمومه بالنفي، وليس حالا عن ضمير المخاطب في لست أو مستبق؛ لأن ما يصلح حالا عن الفاعل والمفعول فهو حال عما يتصل به إلا بقرينة، وليس صفة لأخا؛ لأن المعنى على أنك لست بمستبق أخا أن لا يصلح تفرق حاله وذميم خصاله، والحال أقرب من معنى الشرط من الصفة؛ لأنه قيد للعامل دون الصفة (على شعث) أي: تفرق حال، وذميم خصال (أيّ الرّجال المهذّب)] (٣) أي: المنقح الفعال المرضي الخصال. [أو بالتكميل] (وإما بالتكميل ويسمى الاحتراس أيضا) وهو التحفظ سمي به؛ لأن فيه تحفظ الكلام عن نقصان الإبهام فناسب التسمية بالتكميل (وهو أن يؤتى في

стр. 698

كلام) إن أريد بكلمة في الجزئية يشكل بتكميل لا يكون جزء الكلام، ويكون جملة مستقلة وإن أريد الظرفية لا يشمل ما أخر الكلام فتأمل. (يوهم خلاف المقصود بما يدفعه) أتى بمثالين: أحدهما للواقع في الوسط، والآخر للواقع في الآخر، هذا على طبق ما في الإيضاح، ونحن نقول: أحد المثالين لدفع الوهم قبل حدوثه، والآخر لدفعه بعده. (كقوله) أي: قول طرفة كسودة [(فسقى ديارك غير مفسدها) مفعول به أو مطلق، أي: سقيا غير مفسد الديار، وجعله الشارح حالا مما بعده (صوب الرّبيع) أي نزول المطر في الربيع (وديمة) أي: مطر في الربيع (تهمي)] (١). أي: تسيل قيد السقي لغير المفسد؛ لأن نزول المطر سيما السيل قد يكون مفسدا وسببا لخراب الديار، كذا في الشرح. ولك أن تقول: صوب الربيع مصلح في أوله مفسد في آخره؛ لأنه يضر المحصولات فاحترز عنه بقوله: غير مفسدها، ويحتمل أن يراد بالديار أهلها، ويجعل غير مفسدها بمعنى إلا مفسدها فيكون الاستناء من الأهل فيكون من أصل الكلام، لا للتكميل. (ونحو) قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (٢) فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين؛ لتوهم أن ذلك لضعفهم فأتى على سبيل التكميل بقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، دفعا لهذا الوهم وإشعارا بأن ذلك تواضع منهم للمؤمنين؛ ولذلك عدى بعلى لتضمين معنى العطف، ويجوز أن يكون من قبيل تضمين الشرف والعلو، أي: أذلة لهم مع فضلهم عليهم، كذا في الإيضاح والشرح. ونحن نقول: الآية لتنفيرهم عن الرجوع عن الإيمان، والمقصود أنكم لو ترجعون عن الإيمان سيأتي الله بقوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فينقلب حالكم من كون هذا القوم متواضعا لكم إلى كونكم أذلة لهم، ولا بد في إفادة

стр. 699

هذا المعنى من ذكر قوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فهو داخل في أصل المقصود، وليس في الإطناب من شيء والله أعلم. ومن هذا القسم قول كعب بن سعد الغنوي: حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم في عين العدوّ مهيب (١) فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم لأوهم أن ذلك له من عجزه عند القدرة، فأزال هذا الوهم بأن جملة إنما هو في وقت تزيين الحلم لأهله، وهذا إما يكون عند القدرة، وإلا لم يكن زينا، وأما المصراع الثاني فيزعم المصنف أنه تأكيد لمفهوم قوله: إذا ما الحلم زين أهله، مع أنه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله، فإنه من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم يكون مهيبا في عين العدو لا محالة، فيكون هذا تذييلا لتأكيد المفهوم لا تكميل كما زعم بعض الناس، وفيه نظر؛ لأن تذييل التكميل تكميل كما لا يخفى فبهذا الاعتبار جعله هذا البعض تكميلا. وقال الشارح المحقق: وفيه نظر؛ لأن الأهم أن من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم يكون مهيبا في عين العدو؛ لجواز أن يكون غضبه مما لا يهاب ولا يعبأ به، ويمكن إثبات ما منعه بأنه إذا لم يكن حلمه مع العدو حسن لا محالة يكون غضبه مهيبا، وإلا لكان حلمه حسنا؛ إذ لا نفع لغضبه. قال الشارح: والذي يخطر بالبال أن معنى البيت ألطف وأدق مما يشعر به كلام المصنف، وأن المصراع الثاني تكميل؛ وذلك لأن كونه حليما في حال يحسن فيه الحلم يوهم أنه في تلك الحالة ليس مهيبا لما له من البشاشة وطلاقة الوجه وعدم آثار الغضب والمهابة، فنفى ذلك الوهم بقوله: مع الحلم في تلك الحالة التي يحسن فيها الحلم بحيث يهابه العدو ليتمكن مهابته في ضميره، فكيف في غير تلك الحالة. [أو بالتتميم] (وإما بالتتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود) يخرج عنه تتميم ذكر في كلام يوهم خلاف المقصود، فإن الفرق بين التتميم والتكميل بأن النكتة في التتميم غير دفع وهم خلاف المقصود، لا بأنه لا يكون يوهم خلاف المقصود؛ إذ لا مانع من اجتماع التتميم والتكميل.

стр. 700

(بفضلة) (١) لنكتة المتعارف فيما بين علماء العربية كون الفضلة بمعنى يقابل العمدة، فالشارح المحقق حفظ المتعارف، ومنهم من جمله على ما يزيد على أصل المراد، ولا يفوت بحذفه، فرده الشارح المحقق في المختصر بأنه لا تخصيص بذلك للتتميم، وبأنه كذّبه بذلك كلام المصنف في الإيضاح، وكلاهما ضعيفان. أما الأول، فلأن المصنف غير متحاش عن ذكر ما لا يخص بقسم في قسم يشهد قوله في تعريف الإيغال بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. وأما الثاني، فلأن المصنف لم يزد في هذا المقام في الإيضاح على ما في التلخيص إلا تكثير الأمثلة مع أنه لم يمثل بغير الفضلة، نعم ما ذكره في بحث الاعتراض أن من اشترط في الاعتراض كونه بين كلامين أو في أثناء كلام، وجوز كونه غير جملة يشمل الاعتراض عنده بعض صور التتميم ينافيه فإنه لو لم يكن التتميم مخصوصا بالفضلة لم يتوقف شمول الاعتراض بعض صوره على تجويز كونه غير جملة، بل يشمل عنده من لم يجوزه أيضا إلا أنه يبعد أن يكون مراده هذا الموضع؛ لأنه مذكور في نفس الكتاب فلا معنى للإحالة بالإيضاح، ثم التخصيص بالفضلة يوجب أن لا يكون قولنا: زيد يقاسي مشقة الجوع، ويطعم الطعام من التتميم، مع أنه كقولنا: زيد يطعم الطعام مع مقاساة شدة الجوع، ولا يخفى أنه بعيد عن الاعتبار جدّا. (كالمبالغة نحو: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ (٢) في وجه أي مع حبه) من وجهين ذكرا في تأويل النظم، وهو كون ضمير حبه للطعام إما على توجيه آخر، وهو كونه لله فلا يكون من الإطناب؛ لأنه لتأدية أصل المراد لا تقول على الوجه الأول أيضا هو لأصل المعنى؛ لأنه لا بد منه في أداء أنهم يطعمون الطعام مع حب الطعام؛ لأنا نقول: لولا المبالغة في الإطعام لم يكن لإفادة أن الإطعام مع حب الطعام وجه، ولم يقصد إليه البليغ، ولا يبعد أن يجعل الضمير للإطعام، أي: يطعمون الطعام بناء على حب الإطعام، فيكون

стр. 701

لإفادة أن الإطعام لكون السخاء خلقا لهم فلا يكون أيضا مما نحن فيه. قال الشارح المحقق: وكتقليل المدة في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (١) ذكر ليلا مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل للدلالة على أنه أسرى في بعض الليل. قال السيد السند: إن هذا، وإن ذكره الكشاف، لكنه اعترض عليه بأن البعضية المستفادة من التنكير هي الكون في بعض الأفراد، لا الكون في بعض الأجزاء، ونحن نقول: قد حقق أئمة الأصول أن الظرف المنصوب هو المعتاد فلا بد أن يستوفي المظروف جميعه، إلا أن الآية ترد قولهم، لا قول الكشاف للإجماع على أن الإسراء كان في بعض الليل. ولك أن تقول أراد بقوله في بعض الليل في بعض أفراده، لكنه بعيد نفي أن إفادة أن الإسراء كان في بعض الليل ليس زائدا على أصل المراد. [أو بالاعتراض] (وأما بالاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى (٢) بجملة أو أكثر لا محل لها) أي: للجملة أو أكثر (من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام). قال الشارح المحقق: والمراد باتصال الكلامين أن يكونا الثاني بيانا للأول أو تأكيدا أو بدلا منه هذا، وقد فاته أن يكون الثاني معطوفا على الأول، كما في قوله تعالى: إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (٣) اعتراض فإن ما بين قوله: إني وضعتها أنثى، وإني سميتها مريم اعتراض أيضا كما اعترف به، والظاهر أن الصفة المقطوعة مما يتصل معنى بالجملة السابقة، وكذا جواب سؤال نشأت من الجملة السابقة، وقد دخل في التعريف تذييل وتكميل لا محل له من الإعراب، إذا وقعا بين جملتين متصلتين معنى، ولا يخص شمول الاعتراض بعض صور التكميل بما إذا جوز كون الاعتراض مما لا يليه جملة متصلة بما قبل الاعتراض، كما يوهمه ما سيأتي. وينتقد التعريف بمعطوف لا محل له من الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه نحو قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

стр. 702

وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (١) فإن قوله: ويؤمنون به، جملة لا محل لها من الإعراب وقع بين جملتين متصلتين معنى، مع أنه يسمى اعتراضا كما لا ريب فيه (كالتنزيه في قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٢) فإن قوله سبحانه جملة لا محل لها بتقدير أسبحه سبحانا، وقعت في أثناء الكلام؛ لأن قوله: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ معمولان للجعل معطوفان على مفعوليه أعني: لله والبنات، وليس لله ظرفا لغوا للجعل، وإلا لكان الجعل بمعنى الخلق ولا معنى له، وقيل: وإلا لكان الفاعل والمفعول ضميرين متصلين بشيء واحد وذا لا يجوز في غير أفعال القلب، وردّ بأن هذا يجوز في المفعول بواسطة نحو: وَهُزِّي إِلَيْكِ (٣) ومعنى الجعل لله البنات جعله مستحقا للبنات، ومعنى الجعل لأنفسهم البنين استحقاقهم له ولو جعل قوله: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ حالا لم يكن تصريح بالتوبيخ بجعلهم مستحقين لما يشتهون. (والدعاء في قوله) أي: في قول عوف بن محلّم بن ذهل بن شيبان يشكو كبره وضعفه (إنّ الثّمانين وبلّغتها قد ... أحوجت سمعي إلى ترجمان) (٤) أي: إلى مفسر وهو كعنفوان وزعفران وريهقان على ما في القاموس، فقوله: وبلغتها جملة اعتراضية مع الواو، ومن لم يعرف الواو الاعتراضية تكلف في جعل الجملة حالية، ومثل هذا الاعتراض كثيرا ما يلتبس الحال والفرق دقيق. (والتنبيه في قوله: [واعلم فعلم المرء ينفعه) جعل المخاطب بقوله: فعلم المرء ينفعه، متنبها متوجها إلى معرفة ما تعقبه عن قلب حاضر، ومن لم يعرفه فسره بالتنبيه على أمر يناسب المقام التنبيه عليه، وفيه تنبيه على أن الاعتراض

стр. 703

يكون بالفاء (أن سوف يأتي كلّ ما قدرا)] (١) من التقدير والألف للإطلاق، وأن هي المخففة، واسمه ضمير شأن مقدر يعني أن المقدرات لا محالة (ومما جاء بين كلامين، وهو أكثر من جملة أيضا) يعني أن فيه تمثيلين: تمثيل ما جاء بين كلامين، وتمثيل ما هو أكثر من جملة (قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (٢) لا خفاء في أن الاعتراض هنا جملة واحدة وخبره جملتان، وليس أكثر من جملة لا محل له من الإعراب، والمثال الواضح: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (٣) ولما كان اتصال قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بقوله فَأْتُوهُنَّ خفيا بينه بقوله: (فإن قوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) بيان لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعني أن المأتى هو مكان الحرث؛ لأن الغرض الأصلي من شرع النكاح هو التناسل وبقاء النوع، لا قضاء الشهوة، بل خلق الشهوة لذلك، والنكتة في هذا الاعتراض الترغيب في التوبة لمن خالف المأتى، والتنفير عن غير المأتى لما فيه من الأذى والقذر الذي الاجتناب عن الحيض لأجله. وللاعتراض نكت أخرى: منها تخصيص أحد المذكورين بمزيد التأكيد في شأنه نحو: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (٤) فقوله: أن اشكر لي، تفسير لوصينا، وقوله: حَمَلَتْهُ اعتراض إيجابا للتوصية بالأم خصوصا. ومنها: الاستعطاف في قول أبي الطيب: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنّتي لرأيت فيه جهنّما (٥) وجعل المصنف والشارح من نكت الاعتراض في البيت صنعة الطباق، وفيه أنها من البديع.

стр. 704

ومنها: دفع ما يتضرر به كما في هذا البيت، فإنه دفع ضرر جهنم القلب بنداء المحبوبة التي هي الجنة، ويحتمل أن يكون المقصود التنبيه على أن شفاء هذا الداء المحبوبة كما أن النجاة عن جهنم بالجنة. ومنها: بيان السبب لأمر فيه غرابة كما في قوله: فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه (١) فإن كون هجر الحبيب مطلوبا أم غريب فبين سببه، وهذا لا ينافي ما قيل إنه جواب سؤال؛ لأن بيان السبب يجوز أن يكون للسؤال المقدر. (وقال قوم: قد تكون النكتة فيه غير ما ذكر) الأوضح دفع الإبهام (ثم) افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه آخر جملة) لا في أثناء جملة (لا تليها جملة متصلة بها) فلا يكون بين كلامين أيضا، وقد تبعهم الكشاف في مواضع (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) كلها (وبعض صور التكميل) وهو أن يكون لجملة لا محل لها من الإعراب كما في قول الحماسي: وما مات منّا سيّد في فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل (٢) فإن المصراع الثاني تكميل؛ لأنه لما وصف قومه بشمول القتل لهم أوهم ذلك ضعفه فأزاله بوصفهم بالانتقام من قاتليهم، وشمول الاعتراض جميع صور التذييل يوجب أن يعتبر فيه أن لا يكون له محل من الإعراب فتفسيره كان قاصرا. (وبعضهم) عطف على فاعل جوز كما أن (كونه غير جملة) عطف على مفعوله، وهل جوزوا أن يكون جملة لا محل لها من الإعراب الظاهر؟ نعم ولو قال: كونه غير الجملة بلام العهد لشمل جملة لا محل لها من الإعراب بلا خفاء فتأمل. (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم و) بعض صور (التكميل) وهو ما كان بين الكلام أو الكلامين المتصلين معنى، وفي الإيضاح أنه يشمل ما كان كذلك من التتميم والتكميل، ولا يكون له محل من الإعراب جملة

стр. 705

كان أو أقل من جملة أو أكثر. قال الشارح المحقق: فيه اختلال، لأنه إما أن يشترط في الاعتراض عند هؤلاء أن لا يكون له محل من الإعراب أو لا يشترط. فإن اشترط ذلك لم يصح تجويز كونه غير جملة؛ لأن المفرد لا بد له في الكلام من الإعراب ولم يشمل شيئا من التتميم؛ لأنه إنما يكون بفضلة، ولا بد له من الإعراب. وإن لم يشترط فلا وجه لتقييد التكميل بما لا محل له من الإعراب هذا، ويمكن اختيار الاشتراط قوله: المفرد لا بد له في الكلام من الإعراب فيه أن المفرد يجوز أن يكون حرف تنبيه وحرف خطاب وصوتا من الأصوات، ولا يكون له محل من الإعراب. قوله: لا يشمل التتميم أصلا فيه أنه مبني على تفسيره الفضلة بما فسر به، وقد فسره البعض بما يزيد على أصل المراد، ولعل متمسكه في تفسير ما ذكره المصنف هنا. [وإما بغير ذلك] (وإما بغير ذلك) عطف على قوله: إما بالإيضاح بعد الإبهام (كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (١) فإنه لو اختصر لم يذكر وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؛ لأن إيمانهم لا ينكره من يثبتهم) فلا حاجة إلى الإخبار به؛ لكونه معلوما (وحسّن ذكره) أي: سبب حسن ذكره، ولك أن تجعله ماضيا من التحسين وفاعله (إظهار شرف الإيمان) أو من الحسن وينصب إظهار شرف الإيمان على أنه مفعول له على مذهب من لا يشترط لنصبه اتحاد فاعله وفاعل عامله، (ترغيبا فيه) أي: في الإيمان لا يقال كما لا مجال لإنكار إيمانهم لإنكار تسبيحهم وحمدهم، فهو أيضا إطناب لإظهار شرف التسبيح والحمد؛ لأنا نقول: يجوز أن لا يكون عبادتهم التسبيح والحمد، ولا بد من التأمل في مقام بيان غير ما ذكر لئلا يوقع في التباس ما سبق لغير ما ذكر، كما وقع للمصنف في الإيضاح، فأورد أمثلة هي من التكميل والتتميم لما هو
следующие страницы →