لإفادة أن الإطعام لكون السخاء خلقا لهم فلا يكون أيضا مما نحن فيه.
قال الشارح المحقق: وكتقليل المدة في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (١) ذكر ليلا مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل للدلالة على أنه أسرى في بعض الليل. قال السيد السند: إن هذا، وإن ذكره الكشاف، لكنه اعترض عليه بأن البعضية المستفادة من التنكير هي الكون في بعض الأفراد، لا الكون في بعض الأجزاء، ونحن نقول: قد حقق أئمة الأصول أن الظرف المنصوب هو المعتاد فلا بد أن يستوفي المظروف جميعه، إلا أن الآية ترد قولهم، لا قول الكشاف للإجماع على أن الإسراء كان في بعض الليل.
ولك أن تقول أراد بقوله في بعض الليل في بعض أفراده، لكنه بعيد نفي أن إفادة أن الإسراء كان في بعض الليل ليس زائدا على أصل المراد.
[أو بالاعتراض]
(وأما بالاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى (٢) بجملة أو أكثر لا محل لها) أي: للجملة أو أكثر (من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام). قال الشارح المحقق: والمراد باتصال الكلامين أن يكونا الثاني بيانا للأول أو تأكيدا أو بدلا منه هذا، وقد فاته أن يكون الثاني معطوفا على الأول، كما في قوله تعالى: إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (٣) اعتراض فإن ما بين قوله: إني وضعتها أنثى، وإني سميتها مريم اعتراض أيضا كما اعترف به، والظاهر أن الصفة المقطوعة مما يتصل معنى بالجملة السابقة، وكذا جواب سؤال نشأت من الجملة السابقة، وقد دخل في التعريف تذييل وتكميل لا محل له من الإعراب، إذا وقعا بين جملتين متصلتين معنى، ولا يخص شمول الاعتراض بعض صور التكميل بما إذا جوز كون الاعتراض مما لا يليه جملة متصلة بما قبل الاعتراض، كما يوهمه ما سيأتي.
وينتقد التعريف بمعطوف لا محل له من الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه نحو قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
стр. 702
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (١) فإن قوله: ويؤمنون به، جملة لا محل لها من الإعراب وقع بين جملتين متصلتين معنى، مع أنه يسمى اعتراضا كما لا ريب فيه (كالتنزيه في قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٢) فإن قوله سبحانه جملة لا محل لها بتقدير أسبحه سبحانا، وقعت في أثناء الكلام؛ لأن قوله: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ معمولان للجعل معطوفان على مفعوليه أعني: لله والبنات، وليس لله ظرفا لغوا للجعل، وإلا لكان الجعل بمعنى الخلق ولا معنى له، وقيل: وإلا لكان الفاعل والمفعول ضميرين متصلين بشيء واحد وذا لا يجوز في غير أفعال القلب، وردّ بأن هذا يجوز في المفعول بواسطة نحو: وَهُزِّي إِلَيْكِ (٣) ومعنى الجعل لله البنات جعله مستحقا للبنات، ومعنى الجعل لأنفسهم البنين استحقاقهم له ولو جعل قوله: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ حالا لم يكن تصريح بالتوبيخ بجعلهم مستحقين لما يشتهون.
(والدعاء في قوله) أي: في قول عوف بن محلّم بن ذهل بن شيبان يشكو كبره وضعفه
(إنّ الثّمانين وبلّغتها قد ... أحوجت سمعي إلى ترجمان) (٤)
أي: إلى مفسر وهو كعنفوان وزعفران وريهقان على ما في القاموس، فقوله:
وبلغتها جملة اعتراضية مع الواو، ومن لم يعرف الواو الاعتراضية تكلف في جعل الجملة حالية، ومثل هذا الاعتراض كثيرا ما يلتبس الحال والفرق دقيق.
(والتنبيه في قوله: [واعلم فعلم المرء ينفعه) جعل المخاطب بقوله: فعلم المرء ينفعه، متنبها متوجها إلى معرفة ما تعقبه عن قلب حاضر، ومن لم يعرفه فسره بالتنبيه على أمر يناسب المقام التنبيه عليه، وفيه تنبيه على أن الاعتراض
стр. 703
يكون بالفاء (أن سوف يأتي كلّ ما قدرا)] (١) من التقدير والألف للإطلاق، وأن هي المخففة، واسمه ضمير شأن مقدر يعني أن المقدرات لا محالة (ومما جاء بين كلامين، وهو أكثر من جملة أيضا) يعني أن فيه تمثيلين: تمثيل ما جاء بين كلامين، وتمثيل ما هو أكثر من جملة (قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (٢) لا خفاء في أن الاعتراض هنا جملة واحدة وخبره جملتان، وليس أكثر من جملة لا محل له من الإعراب، والمثال الواضح: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (٣) ولما كان اتصال قوله:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بقوله فَأْتُوهُنَّ خفيا بينه بقوله: (فإن قوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) بيان لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعني أن المأتى هو مكان الحرث؛ لأن الغرض الأصلي من شرع النكاح هو التناسل وبقاء النوع، لا قضاء الشهوة، بل خلق الشهوة لذلك، والنكتة في هذا الاعتراض الترغيب في التوبة لمن خالف المأتى، والتنفير عن غير المأتى لما فيه من الأذى والقذر الذي الاجتناب عن الحيض لأجله.
وللاعتراض نكت أخرى: منها تخصيص أحد المذكورين بمزيد التأكيد في شأنه نحو: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (٤) فقوله: أن اشكر لي، تفسير لوصينا، وقوله:
حَمَلَتْهُ اعتراض إيجابا للتوصية بالأم خصوصا.
ومنها: الاستعطاف في قول أبي الطيب:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنّتي لرأيت فيه جهنّما (٥)
وجعل المصنف والشارح من نكت الاعتراض في البيت صنعة الطباق، وفيه أنها من البديع.
стр. 704
ومنها: دفع ما يتضرر به كما في هذا البيت، فإنه دفع ضرر جهنم القلب بنداء المحبوبة التي هي الجنة، ويحتمل أن يكون المقصود التنبيه على أن شفاء هذا الداء المحبوبة كما أن النجاة عن جهنم بالجنة.
ومنها: بيان السبب لأمر فيه غرابة كما في قوله:
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه (١)
فإن كون هجر الحبيب مطلوبا أم غريب فبين سببه، وهذا لا ينافي ما قيل إنه جواب سؤال؛ لأن بيان السبب يجوز أن يكون للسؤال المقدر.
(وقال قوم: قد تكون النكتة فيه غير ما ذكر) الأوضح دفع الإبهام (ثم) افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه آخر جملة) لا في أثناء جملة (لا تليها جملة متصلة بها) فلا يكون بين كلامين أيضا، وقد تبعهم الكشاف في مواضع (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) كلها (وبعض صور التكميل) وهو أن يكون لجملة لا محل لها من الإعراب كما في قول الحماسي:
وما مات منّا سيّد في فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل (٢)
فإن المصراع الثاني تكميل؛ لأنه لما وصف قومه بشمول القتل لهم أوهم ذلك ضعفه فأزاله بوصفهم بالانتقام من قاتليهم، وشمول الاعتراض جميع صور التذييل يوجب أن يعتبر فيه أن لا يكون له محل من الإعراب فتفسيره كان قاصرا.
(وبعضهم) عطف على فاعل جوز كما أن (كونه غير جملة) عطف على مفعوله، وهل جوزوا أن يكون جملة لا محل لها من الإعراب الظاهر؟ نعم ولو قال: كونه غير الجملة بلام العهد لشمل جملة لا محل لها من الإعراب بلا خفاء فتأمل.
(فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم و) بعض صور (التكميل) وهو ما كان بين الكلام أو الكلامين المتصلين معنى، وفي الإيضاح أنه يشمل ما كان كذلك من التتميم والتكميل، ولا يكون له محل من الإعراب جملة
стр. 705
كان أو أقل من جملة أو أكثر.
قال الشارح المحقق: فيه اختلال، لأنه إما أن يشترط في الاعتراض عند هؤلاء أن لا يكون له محل من الإعراب أو لا يشترط.
فإن اشترط ذلك لم يصح تجويز كونه غير جملة؛ لأن المفرد لا بد له في الكلام من الإعراب ولم يشمل شيئا من التتميم؛ لأنه إنما يكون بفضلة، ولا بد له من الإعراب.
وإن لم يشترط فلا وجه لتقييد التكميل بما لا محل له من الإعراب هذا، ويمكن اختيار الاشتراط قوله: المفرد لا بد له في الكلام من الإعراب فيه أن المفرد يجوز أن يكون حرف تنبيه وحرف خطاب وصوتا من الأصوات، ولا يكون له محل من الإعراب.
قوله: لا يشمل التتميم أصلا فيه أنه مبني على تفسيره الفضلة بما فسر به، وقد فسره البعض بما يزيد على أصل المراد، ولعل متمسكه في تفسير ما ذكره المصنف هنا.
[وإما بغير ذلك]
(وإما بغير ذلك) عطف على قوله: إما بالإيضاح بعد الإبهام (كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (١) فإنه لو اختصر لم يذكر وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؛ لأن إيمانهم لا ينكره من يثبتهم) فلا حاجة إلى الإخبار به؛ لكونه معلوما (وحسّن ذكره) أي: سبب حسن ذكره، ولك أن تجعله ماضيا من التحسين وفاعله (إظهار شرف الإيمان) أو من الحسن وينصب إظهار شرف الإيمان على أنه مفعول له على مذهب من لا يشترط لنصبه اتحاد فاعله وفاعل عامله، (ترغيبا فيه) أي: في الإيمان لا يقال كما لا مجال لإنكار إيمانهم لإنكار تسبيحهم وحمدهم، فهو أيضا إطناب لإظهار شرف التسبيح والحمد؛ لأنا نقول: يجوز أن لا يكون عبادتهم التسبيح والحمد، ولا بد من التأمل في مقام بيان غير ما ذكر لئلا يوقع في التباس ما سبق لغير ما ذكر، كما وقع للمصنف في الإيضاح، فأورد أمثلة هي من التكميل والتتميم لما هو
стр. 706
بغير ذلك.
(واعلم) أن الأكثر وصف الكلام بالإيجاز والإطناب بمعنى عرفت (وأنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه عليها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له) أي: لذلك في الكلام (في أصل المعنى) وإنما قيد المعنى بالأصل لعدم إمكان المساواة في تمام المراد، فإن للإيجاز مقاما ليس للإطناب، وبالعكس ولا يوصف بالمساواة بهذا الاعتبار؛ إذ ليس المساواة بهذا الاعتبار مما يدعو إليه المقام بخلاف الإيجاز والإطناب (كقوله) أي: قول أبي تمام [(نصدّ عن الدّنيا) أي: نعرض عنها (إذا عنّ سؤدد)] (١) تمامه [ولو برزت في زيّ عذراء ناهد] الزي: الهيئة، والعذراء: البكر، والناهد: المرأة التي ارتفع ثديها، ولا يخفى أن السيادة أيضا من الدنيا، فالمراد من الدنيا غير السؤدد إلا أن يراد سيادة الآخرة، والأول أظهر.
(وكقول الشاعر الأحمر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر (٢))
والعلياء كالحمراء الفعلة العالية على ما في القاموس.
قال الشارح المحقق: أراد بالغنى مسببه أعني: الراحة، وبالفقر أعني المحنة، يعني السيادة مع التعب مرجح عندي من الراحة مع عدم السيادة، ولا ضرورة إلى العدول عن الظاهر، فصراع أبي تمام إيجاز بالنسبة إلى البيت لمساواته له في أصل المعنى مع قلة حروفه، والمساواة إنما يتحقق إذا حمل النفي على المبالغة في نفي النظر، لا على نفي المبالغة في النظر كما يفيده أول النظر، وهذا الإيجاز قد يكون إيجازا بالتفسير السابق، وقد يكون إطنابا وقد يكون مساواة، وكذا هذا الإطناب (ويقرب منه) أي: من المصراع، والبيت مع التفاوت في كونهما نظمين، وكون ذلك نظما ونثرا قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
стр. 707
يُسْئَلُونَ (١) وقول الحماسي:
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول) (٢)
أي: نغير ما شئنا من قول غيرنا ولا يجسر واحد على تغيير ما نقول.
وقال الشارح المحقق: إنما قال: ويقرب لاختصاص البيت بالقول وعموم الآية كل فعل، ولك أن تقول: الشعر مختص بالناس، والآية تشتمل كل فاعل، ولا يخفى ما في ختم المعاني بهذا البيت من الغرابة والابتداع؛ حيث اعترض المصنف على السكاكي وغيره، والحمد لله الذي أنعم علينا نعمة البيان، فوفقنا لتوفية المعاني للحاضرين والغائبين من الإخوان، إلهي هب لنا معرفة واحد لا تعدد فيه بطرق مختلفة واضحة الدلالة، متباعدة عن التشبيه والتمويه، ونجنا بظهور الحقيقة عن الاطمئنان بالمجاز، ونجّنا بإيضاح كنايات البيان وتلخيصها عما يحول بيننا وبين المغاز، واجعل وجوداتنا المستعارة قرابين البقاء في الزلفى، ووفقنا للتيمن بسم الله الرحمن الرحيم من الأسماء الحسنى.
***
стр. 708
[الفن الثاني علم البيان]
(الفن): لغة الضرب والتزيين، ولكل منهما مناسبة بالمصطلح عليه مستغنية عن التبيين (الثاني) أي: ثاني الأول، فإنه جعل الفن الأول اثنين، أو ثاني الفنون الثلاثة فإنه في المرتبة الثانية؛ لأن التعبير فرع ترتيب المعاني في النفس، وما هو داخل في البلاغة أصل بالنسبة لما هو تابع لها، فلذا أخر عن المعاني وقدم عن البديع، وأما ما قال السيد السند: إنه أخر عن علم المعاني؛ لأن علم المعاني يبحث عن إفادة التركيب لخواصها، وعلم البيان عن كيفية تلك الإفادة فنزل منه منزلة المركب من المفرد الشعبة من الأصل، ففيه أن علم البيان يبحث عن الدلالات العقلية على أصل المعنى، لا على الخواص على أن تأخر كيفية الإفادة عن الإفادة تفيد رجحان تأخير البيان من غير حاجة إلى تنزيله من المعاني منزلة المركب من المفرد.
قال الشارح في المختصر: قدّمه على البديع للاحتياج إليه في نفس البلاغة، وتعلق البديع بالتوابع يريد أنه يحتاج إليه في نفس البلاغة في الجملة لا أنه لا يتم بلاغة كلام بدون إعمال علم البيان، إذ الكلام المركب من الدلالات المطابقية لا يحتاج في تحصيل بلاغته إلا إلى علم المعاني؛ إذ لا حاجة إلى البيان للدلالات المطابقية كما ستعرف، وبهذا التحقيق ظهر وجه آخر ليقدم على علم المعاني؛ إذ لا بد منه في بلاغة الكلام أصلا بخلاف البيان.
(علم البيان)
بمعنى يقابل علمي المعاني والبديع (وهو علم) أي: مسائل معلومة عن الأدلة أو تصديقات بها حاصلة عن الأدلة أو ملكة هذه التصديقات، أعني: كيفية راسخة يتمكن بها من التصديق بمسألة مسألة تفصيلا من غير حاجة إلى تجشم كسب جديد، وإنما قيدنا معاني العلم للحصول عن الدليل، وإن أطلقها الناظرون في هذا المقام؛ لما حققت أن من جمع مسائل العلم بالتقليد لا يسمى عالما، وتصديقاتها لها لا يسمى علما، واستعمال لفظ العلم في التعريف مخلّ لما عرفت من اشتراكه، وما يدفع به هذا الخلل من أن استعمال اللفظ المشترك في مقام يصح أي معنى يراد مما لا يعاب بخلوه عن ضرر الاشتراك، وهو فهم غير
стр. 709
المقصود مختل؛ لأنه وإن خلا عن هذا الخلل لم يخل عن تحير السامع أنه ماذا أريد.
(يعرف به) شاع استعمال المعرفة في إدراك الجزئيات تصورا كان أو تصديقا، واستعمال العلم في إدراك الكليات كذلك، فالمعنى: علم يعرف به (إيراد) كل واحد يدخل في قصد المتكلم على أن اللام في (المعنى الواحد) للاستغراق العرفي، والمراد بقوله «يعرف به» يعرف برعايته؛ إذ لو لم يراع، ولم يعرض عليه المعنى الواحد الوارد على قصد المتكلم لم يعرف إيراده، وهذا هو العرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها.
قال الشارح: فلو عرف من ليس له هذه الملكة إيراد معنى قولنا: زيد جواد في طرق مختلفة لم يكن عالما بعلم البيان. أقول: بل لو عرف من ليس له هذه الملكة إيراد كل معنى يدخل في قصد المتكلم كالعرب المتكلم بالسليقة لم يكن عالما بعلم البيان، وفسر القوم المعنى الواحد بما يدل عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، واعترض عليه الشارح بأنه مما لا يفهم من العبارة، وكلامهم في مباحث البيان لا يساعده؛ لأن المفرد يأسره، وهو معظم مباحث البيان وكثيرا من أمثلة الكناية إنما هي مفردات، ويمكن دفعه بأن تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أن موضوع الفن اللفظ البليغ على أن وصف المعنى بالواحد يحتمل أن يكون باعتبار وحدة يحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصح تقديم جزء على جزء، وهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ.
وأما المجاز المفرد وأمثاله فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ.
قال الشارح: وتقييد المعنى الواحد للدلالة على أنه لو أورد معان متعددة بطرق مختلفة كذلك لم يكن ذلك من البيان في شيء، ولا يخفى أن هذه الدلالة مستغنى عنها باللام الاستغراقية فإنه في معنى إيراد كل معنى دخل في قصد المتكلم بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، وقد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان.
стр. 710
وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيد السند من أن فيما ذكره القوم تنبيها على أن علم البيان ينبغي أن يتأخر عن علم المعاني في الاستعمال، والسبب في ذلك أن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح والخفاء على معنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإن هذه كالأصل في المقصودية، وتلك فرع وتتمة لها فالأولى أن يراعى المطابقة أولا ثم وضوح الدلالة ثانيا، وإن لم يكن هذا الأمر لازما هذا، ولا يخفى أنه يعلم منه وجه تقديم علم المعاني على علم البيان.
قال الشارح: وبالتفسير المذكور للمعنى الواحد يخرج ملكة الاقتدار على التعبير عن معنى الأسد بعبارات مختلفة كالأسد والغضنفر والليث والحارث، على أن الاختلاف في الوضوح مما يأباه القوم في الدلالات الوضعية. هذا كلامه، وفيه أن تلك الملكة يخرج بالتفسير المذكور سواء كان بالإباء المذكور أو لا؛ لأن المعنى الواحد متقدم في التعريف على الاختلاف في الوضوح، والأولى أن يقال يخرج به ملكة الاقتدار عن معنى الشجاع بألفاظ مختلفة في الوضوح فإنه لا مخرج له عن التعريف سواء (بطرق) أي: في طرق، وأراد بالطرق التراكيب تشبيها للتراكيب بالطرق في أن المعنى يسلكها فيصل إلى فهم المخاطب أو في أن السامع يسلكها فيصل إلى المعنى، والأول أنسب بسوق التعريف إلا أن سلوك المعنى فسر به كما يفيده الإيراد، وقد سلك في التعبير بالمعنى الواحد عما قصد به، وهو من قبيل ذكر العام وإرادة الخاص بقرينة دقيقة، وفي التعبير عن التراكيب بالطرق بطريق الاستعارة، وفي التعبير عن الدلالة العقلية بمطلق الدلالة في وجه كما سيظهر عليك إن شاء الله تعالى سلوك طريق البيان من اعتبارات الدلالات المجازية، وإن كان الأنسب بصناعة التعريف خلاف رعاية لبراعة الاستهلال، وتأنيثا للدخيل في الفن قبل الاستهلال.
ويستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن يكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بعد فيه؛ لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند ومسند إليه، ونسبة لكل منها، وألا يجرى فيه المجاز سيما باعتبار معنى الالتزامي معتبر في هذا الفن، فيحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة، ولا يشكل عليك أنه وإن يتحقق الطرق الثلاثة بهذا الاعتبار، وأريد كيف تجزم بتحقق الاختلاف في
стр. 711
الوضوح، وهو خفي جدّا، لأنه هين على الميسر لما خلق له بتيسير ملهم كل أحد ما يشاء، فإن الاختلاف في الوضوح والخفاء، كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، ويكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها، فلا محالة بتحقق المعاني المختلفة وضوحا وخفاء، ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرف البليغ، فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، بقولنا: على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه.
نعم يتجه عليه أنه كما أن الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بين مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلا أن يقال: قصد تعريف البيان بخاصة شاملة للمعرف، ولا يلزم منه أن يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان.
(مختلفة) تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركبات، والمختلفة في وضوح الدلالة، والإيراد بالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان في شيء فأخرجه بقوله (في وضوح الدلالة) إما لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية، وبه حكم الشارح متمسكا بما سيأتي من أن الاختلاف المذكور لا يجرى إلا في الدلالات العقلية، وإما لأن الاختلاف في وضوح الدلالة يخص الدلالة العقلية فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة.
وقد وفينا بما وعدنا فلا تغفل عن الموعد، وترك في التعريف ما يقابل في وضوح الدلالة أعني: وخفائها وإن ذكر في المفتاح ما يفيده لعدّه تطويلا للقوم فجرّد كتابه عنه؛ لأن الاختلاف في الوضوح يستلزم الاختلاف في الخفاء.
(عليه) أي: على المعنى الواحد، وسيأتي تتمة ما يتعلق بالتعريف، ويتضح به في بيان قوله: والإيراد المذكور لا يتأتى في الوضعية إلخ فإنه المحل اللائق به، ولما أراد توضيح التعريف بتحقق أن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه يدور على بعض أقسام الدلالة دون بعض، وكان هذا التحقيق محتاجا إلى تقسيم دلالة اللفظ الموضوع.
قال: (ودلالة اللفظ) واكتفى بلام العهد عن التقييد بالموضوع؛ لأن اللفظ
стр. 712
الموضوع هو الذي به يفاد ويستفاد فيما هو المعتاد، وغيره خارج عن حيطة الاعتداد، وفيه نظر؛ لأن دلالة الهيئة أيضا وضعية معتبرة في الإفادة والاستفادة، ويجرى فيها أقسام المجاز، فلا وجه لإسقاطه عن درجة الاعتبار في مقام التقسيم وغيره، وذلك التحقيق، وأن يكفي فيه التقسيم البياني من أن دلالة اللفظ إما على الموضوع له أو على غيره، ويسمى الأول وضعية، والثاني عقلية، إلا أنه أراد مزيد تفصيل وتحقيق للدلالة على غير الموضوع له لزيادة تمكين المتعلم المبتدىء من معرفة العلم بهذا التعريف.
هذا على طبق ما جرى عليه الشارح، مع زيادة تحقيق، ونحن نقول بمساعدة توفيق أن لصاحبه علم البيان فضل احتياج إلى معرفة الدلالات؛ إذ بها يتميز الحقيقة عن المجاز، ويعرف أن يحصل المجاز بأي طريق، وإلى هذا يؤدي تحصيل مقدمة، أوجبه صاحب المفتاح قبل الخوض في علم البيان، بل يتأدى وليت شعري ما أغفلهم عنه، وهنا دقيقة أخرى محوجة إلى ذكر تقسيم الدلالة وتعيين ما يتعلق به التفاوت في الوضوح هي سر التكلم بالمجاز والعدول عن الحقيقة من غير ضيق البيان والأعوان.
هذا ولم يعرّف الدلالة لاشتهار أمرها، فنقول: الدلالة هي كون الشيء بحيث يحصل من العلم به العلم بشيء آخر، ولو في وقت؛ لأن المعتبر عند أئمة العربية الدلالة في الجملة بخلاف أهل الميزان؛ فإن المعتبر عندهم الدلالة الكلية المفسرة بكون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، فتعريف الدلالة في كتب العربية مما لا يليق به على أنه في نفسه مختل؛ إذ لا يكاد يوجد دال يستلزم العلم به العلم بالمدلول، والصحيح أن يقال هو كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر عند العلم بالعلاقة، وبالجملة فالأول هو الدالّ والثاني هو المدلول.
وقد يكون الشيء دالا على شيء ومدلولا له باعتبارين، كالنار والدخان فإن كلا منهما دال على الآخر ومدلوله، فالعلاقة إن كان الوضع فالدلالة وضعية، وإن كان اقتضاء الطبع وجود الدال عن عروض المعنى لطبع المحدث للدال فهي طبيعية، وإلا فعقلية كدلالة الأثر على المؤثر، وكل منها إن كان الدال فيها لفظا فهي دلالة لفظية، وإلا فغير لفظية وحصر الدلالة الطبيعية في اللفظية منقوض
стр. 713
بحمرة الخجل وصفرة الوجل فلا اعتداد به، وإن أتى به من يعتد به كل اعتداد، وعرفوا الدلالة اللفظية الوضعية بفهم المعنى عند إطلاقه بالنسبة إلى من هو عالم بالوضع، واعترض عليه بأن فهم المعنى صفة للسامع، والدلالة صفة اللفظ فلا يصدق التعريف على دلالة ما فغيره البعض إلى كون اللفظ بحيث لو أطلق فهم المعنى للعلم بوضعه وغيره البعض الآخر بأن استصعاب الإشكال ليست بمثابة يحوج إلى التغيير، بل الدلالة نسبة عارضة بين اللفظ والمعنى تابعة لإضافة أخرى هي الوضع، وتلك النسبة مبدأ وصف للفظ هي كونه بحيث يفهم منه المعنى العالم بالوضع، ووصف للمعنى هو انفهامه من اللفظ للعلم به، وكلا الوضعين لازمان لتلك الإضافة، فكما جاز تعريفهما بالأول جاز بالثاني، ورد التغيير بأنه تغيير التعريف إلى ما هو الأولى، وليس للاستصعاب.
وفيه أن الأولوية ممنوع؛ إذ المقدر أنهما لازمان للدلالة سواء، وليس شيء منهما الدلالة؛ إذ الدلالة عارضة للطرفين، وكل منهما عارض لطرف. نعم ليس الجواب جوابا عند التحقيق، بل يستويه المعبر والمعبر إليه في عدم صحة التعريف، أحدهما على أن كون الدلالة صفة للطرفين مبدأ وصف للفظ من غير كونها صفة له لكذبه اشتقاق الدال منها للفظ وإسنادها وإضافتها إلى اللفظ، فالحق أن الدلالة صفة اللفظ، ولا يصدق عليها فهم السامع، ولا انفهام المعنى، ولكن يصدق عليها فهم السامع منه المعنى وانفهام المعنى منه، وكما أن الفهم صفة للمعنى أو السامع بإضافته إلى أحدهما، كذلك صفة للفظ ولا انفهام المعنى، فإذا قيد بقولنا من اللفظ لا يمكن أن يصير صفة للفظ؛ لأن المطلق إذا لم يكن صفة لشيء لا يمكن أن يكون المقيد صفة له؛ لأنا نقول: قوله من اللفظ قيد بحسب الصورة مغير بحسب التحقيق؛ لأن فهم المعنى إذا قيّد بقوله من اللفظ يصير بمعنى ما قام باللفظ، أي كونه بحيث يفهم منه المعنى وله نظائر، فإن الحسن صفة الوجه في قولنا: زيد الحسن وجه برفع وجه، ولا يمكن جعل حسن خبرا عن زيد ولا نعتا له فإذا قلنا: زيد الحسن وجه منه صح جعله خبرا منه نعتا بلا كلفة؛ لأنه يغير معنى العبارة بنسبة الحسن إلى الوجه إلى نسبة الكون بحيث يحسن الوجه منه إلى
стр. 714
زيد، وبهذا اندفع ما قيل: إن صحة التعريف يفهم المعنى منه وهم؛ إذ لا يصح صدق الفهم على الدلالة؛ لأنه صفة السامع، ولا صدق تعلقه بالمعنى أو اللفظ عليها؛ لأنهما صفتان للفهم، ولا صدق المجموع المركب على أن المتبادر من التعريف أن الفهم المقيد، وظهر ضعف ما قيل: إن لا مختص إلا أن يقال تسامحوا في التعريف، واعتمدوا على ظهور عدم صحة الحمل ووجوب قصد ما يصح حمله، وظهور دلالة فهم المعنى من اللفظ على كونه بحيث يفهم منه المعنى؛ لأن كونه معنى عرفيا للوصف بحال المتعلق يغني عن مثله، نعم كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى العالم بالوضع أوضح في المقصود، فالتغيير إليه حسن، وعدول إلى ما هو الأولى، بقي أن الدلالة ليست كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عنه عند الإطلاق، بل كونه بحيث يفهم منه المعنى العالم بالوضع عند حضور اللفظ عنده، سواء كان بسماعة أو بمشاهدة الخفاء الخط الدال عليه أو بتذكره، فالصحيح الأخصر أن يقال: هو فهم العالم بالوضع المعنى من اللفظ، ولا يخفى أن مطلق الدلالة الوضعية (إما على تمام ما وضع له أو على جزئه أو على خارج عنه) إلا أنهم خصوا هذا التقسيم بدلالة اللفظ الموضوع؛ لأن الدلالة الوضعية الغير اللفظية على الجزء أو الخارج في مقام الإفادة غير مقصودة في العادة؛ لأنه لا تستعمل الإشارة ولا العقد ولا النصب في جزء المعنى، ولا لازمه، وكذا الخط على أن أجزاء الخط موضوعة بإزاء جزء ما وضع له الكل لا محالة، ولفظ التمام إنما ذكر؛ لأن العادة في البيان أن يذكر التمام في مقابلة الجزء حتى كأنه لا يحسن المقابلة بدونه فمن اعترض عليه بأن ذكر التمام لغو يستحق أن يحذف غفل عن البيان الأعرف.
(ويسمى) الأظهر أن يقول، ونسمي على صيغة المتكلم ليكون تنبيها على أن هذه تسمية بيانية على خلاف تسمية الميزانين، وهو الذي قدمناه ليس لك أن يقول عبارته للمتكلم؛ لأنه ينطبق بفساده رفع كل من الأخريين.
(الأولى) أي: الدلالة على تمام ما وضع له دلالة (وضعية) لأن مبناه الوضع فقط، بخلاف الأخريين، فإنه انضم فيهما إلى الوضع أمران عقليان: هي توقف فهم الكل على الجزء، وامتناع انفكاك فهم الملزوم عن اللازم؛ (و) لهذا
стр. 715
يسمى (كل من الأخريين) دلالة (عقلية) وفيه مسامحة؛ إذ ليست الدلالة العقلية مشتركة بين الأخريين بل المسمى بها ما يصدق عليهما، أي: الدلالة على غير ما وضع اللفظ عليه، ولو جعل «عقلية» مرفوعة خبرا لقوله: وكل من الأخريين: لخلص من المسامحة، وصح كونه نسمي صيغة المتكلم، لكنه خلاف ما يتبادر من نظم كلامه فالدلالة الوضعية لها معنيان، أحدهما أعم من الآخر مطلقا، والدلالة العقلية لها معنيان متباينان.
وقال الشارح المحقق: إنما سميت الأولى وضعية؛ لأن الواضع إنما وضع اللفظ للدلالة على تمام ما وضع له فهي الدلالة المنسوبة إلى الوضع، وكل من الآخريين عقلية، لأن دلالته عليهما إنما هي من جهة أن العقل يحكم بأن حصول الكل في الذهن يستلزم حصول الجزء فيه، وحصول الملزوم يستلزم حصول اللازم، ويتجه عليه أن لا نسلم أن الواضع وضع اللفظ للدلالة على تمام ما وضع له، بل للدلالة على الجزء واللازم أيضا إلا أنه أوجب قصد الأول من اللفظ بلا قرينة إذا لم يكن اشتراك، والأخريين مع القرينة وإفادتهما باللفظ واستعماله فيهما شاهد؛ لأن الدلالة عليهما أيضا مقصودة بالوضع، وأورد أيضا أن الدلالة أيضا متحققة من غير حكم العقل باستلزام حصول الكلام حصول الجزء، واستلزام حصول الملزوم وحصول اللازم، ودفع بأن المراد بحكم العقل: الحكم بالقوة القريبة من العقل، وهو مندفع بأن الدلالة ليست من جهة ذلك الحكم، بل من جهة الاستلزام المذكور، ولا يخفى أنه كان الأولى أن تبين أسماء الأقسام الثلاثة ثم يبين اجتماع القسمين الآخرين في اسم، إلا أن الاهتمام ببيان اصطلاح الفن دعاه إلى تقديم ما يخص الفن فأخر قوله:
(ويقيد الأولى بالمطابقة، والثانية بالتضمن، والثالثة بالالتزام) ولا يخفى ما فيه من المسامحة؛ إذ ليس تقييد الدلالة على تمام ما وضع له أو الدلالة الوضعية بالمطابقة، بل تقييد الدلالة للمطابقة لأجل الأولى وتحصيلا للاسم له فإسناد الفعل إلى السبب، والمتبادر من التقييد التقييد الوضعي، حتى حصر البعض التركيب التقييدي في المركب من الموصوف، والصفة على أن التسمية السابقة بجعل التقييد ظاهرا في الوضعي، والمراد التقييد الإضافي لا الوضعي،
стр. 716
وأيضا توهم العبارة أن السابق من قبل التسمية، وهذا من قبيل التقييد مع أن الكل من قبيل التسمية، ويرد على التقسيم أن اللفظ قد يقصد به نفسه كما يقال: زيد علم، وحينئذ يصدق على دلالته على نفسه دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، وعلى دلالته على جزئه دلالته على جزء ما وضع له، وعلى دلالته على لازمه دلالته على الخارج عنه، مع أنها لا تسمى مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، فلا يكون شيء من التعريفات الحاصلة من التقسيم مانعا.
والجواب أن من قال بوضع اللفظ لنفسه جعل ذلك الوضع ضمنيا، والمتبادر من إطلاقه الوضع القصدي، ومن لم يقل بدلالة اللفظ على نفسه ولا باستعماله فيه ووضعه له وهو التحقيق وإن كان الأكثرون على خلافه، فلا إشكال على قوله، وأورد على التقسيم أن التعريفات المشتمل هو عليها غير مانعة فإنه يدخل في تعريف المطابقة التضمني الذي مدلوله تمام الموضوع له، وفي تعريف التضمني المطابقة التي مدلولها جزء الموضوع له، فإنه يجوز أن يكون مدلول واحد تمام الموضوع له للفظ بوضع وجزءه بوضع آخر بأن يكون اللفظ مشتركا بين الكل والجزء فيكون دلالته التضمنية على الجزء دلالة على الجزء، وعلى تمام ما وضع له، وكذا دلالته المطابقية عليه، ويدخل في تعريف الالتزام الدلالة المطابقية التي مدلولها خارج عما وضع اللفظ له أيضا بأن يكون اللفظ مشتركا بين اللازم والملزوم، ولو فرضت لفظا مشتركا بين اللازم والملزوم، وبين المجموع دخل في تعريف كل من الدلالات الثلاث الأخريات.
وأجاب عنه الشارح بأن قيد الحيثية معتبر أي المطابقة دلالة اللفظ على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام ما وضع له. والتضمن: دلالة اللفظ على جزئه من حيث إنه جزؤه. والالتزام: دلالة اللفظ على الخارج من حيث إنه لازمه، ولا بأس بترك القيود اعتمادا على شهرتها؛ لأن التعريفات أمور ضمنية، ولا يجب رعاية الأمر الضمني، بل الواجب حفظ التقسيم الذي هو المقصود، واختلال التعريفات لا يخل بالمقصود من التقسيم، أي ضبط الأقسام؛ لأنه لا يخرج منه بهذا الاختلال شيء من الدلالات. وذكر في «المختصر» أن قيد الحيثية مأخوذ في تعريف الأمور التي تختلف باعتبار الإضافات، وكثيرا ما يتركون هذا القيد
стр. 717
اعتمادا على شهرة ذلك، وانسياق الذهن إليه.
وفيما ذكره في الشرح من توجيه ترك القيود بحث.
أما أولا فلأن المقصود من التقسيم تعيين الدلالة المعتبرة في الفن أو الدلالة المأخوذة في التعريف كما ذهب إليه، وبإخلال التعريفات يختل هذا المقصود.
وأما ثانيا فلأن التقسيم ضم القيود المتخالفة إلى المقسم، فإذا لم يراع تخالف تلك القيود على ما ينبغي اختل التقسيم، والمقصود من التعرض بالتعريف إظهار خلل التقسيم من هذا الوجه؛ لأنه إنما يتضح بالتعرض بالتعريف، وفيما ذكره في «المختصر» أن قيدا لحيثية المعتبرة في الأمور الإضافية الحيثية التقييدية التي توجب الفرق بالاعتبار، والحيثية المعتبرة في مفهوم الدلالات للتعليل، وتوجب التمييز بين أفراد الأقسام بالذات.
وأما ما أورده من كلام القوم من تقييد التعريفات، فهو وإن يدفع خلل التعريف، لكن يخيل به ما اشتهر فيما بينهم أن تقسيم الدلالة الوضعية إلى الدلالات الثلاث تقسيم عقلي يجزم العقل بمجرد ملاحظة مفهوم القسمة بالانحصار، ولا يجوز قسما آخر، كيف ودلالة اللفظ الموضوع له بمجموع المتضايفين على أحدهما بواسطة أنه لازم الآخر ليس دلالة على الجزء من حيث إنه جزء، بل من حيث إنه لازم جزء آخر فلا يكون تضمنا ولا التزاما؛ لأنه ليس بخارج فخرجت القسمة على أن تكون عقلية، بل عن الصحة لانتفاء الحصر والضبط بوجه ما، ويخيل أيضا بيان اشتراط اللزوم الذهني؛ لأن اعتبار اللزوم في مفهوم يجعل هذا الاشتراط لغوا محضا، فإن قلت: المعتبر في مفهومه مطلق اللزوم والبيان لاشتراط اللزوم الذهني.
قلت: يجب أن يعتبر في المفهوم اللزوم الذهني؛ لأن مطلق اللزوم لا يصلح أن يكون سببا لدلالة اللفظ على الخارج، وإلا لكان اللازم الخارجي مدلولا، هذا ونحن نقول: دلالة اللفظ باعتبار كل وضع للفظ على انفراده.
أما على تمام ما وضع له أو على جزئه أو على الخارج عنه؛ إذ المعنى الوضعي باعتبار الوضع الواحد لا يمكن أن يكون إلا أحدهما فالحصر عقلي والتعريفات
стр. 718
تامة، والاشتراط مفيد، فهذا مراد القوم في مقام التقسيم ولم يبحثه المتأخرون، فظن التعريفات مختلفة فأصلحوها بزيادة قيود وأخلوا إخلالا كثيرا، ولا يستبعد؛ فإن هذا ليس أول قارورة كسرت في الإسلام، وكثيرا ما ينجبر المكسورة من العظام بأيدي أضعف الأنام إذا تأيد بإنعام الحق والإكرام.
ولا يجاب بأن اللفظ المشترك لا يتحقق فيه دلالتان؛ إذ بتوقف الدلالة على إرادة المتكلم على قانون الوضع، ولا يصح إرادة المعنيين معا باللفظ؛ ولهذا لا يدل اسم الإشارة وأخواته على الموضوع لها أبدا؛ لأنها وضعت ليستعمل في فرد معين أبدا على ما زعموا فلو أريد بها الموضوعة هي لها لم يفهم؛ إذ ليست الإشارة على قانون الوضع فاللفظ أبدا يدل على معنى واحد، فإن كان تمام الموضوع له فمطابقة، وإن كان جزؤه فتضمن، وإن كان الخارج فالتزام لا؛ لأن توقف الدلالة على الإرادة باطل؛ لأنا قاطعون بأنا إذا سمعنا اللفظ وكنا عالمين بالوضع يتعقل معناه، سواء أراده اللافظ أو لا.
ولا نعني بالدلالة سوى هذا إذ التوقف حق؛ لأن دلالة اللفظ الوضعية إنما هو بتذكر الوضع، وبعد تذكر الوضع يصير المعنى مفهوما لتوقف التذكر عليه، فلا معنى لفهمه من اللفظ إلا فهمه من حيث إنه مراد المتكلم، والتفات النفس إليه بهذا الوجه، نعم الإرادة التي هي شرط أعم من الإرادة بحسب نفس الأمر، ومن الإرادة بحسب الظاهر، ومن هذا تبين أن الدلالة تتوقف على الإرادة مطابقة كانت أو تضمنا أو التزاما، وجعل المطابقة مخصوصة به تصرف من القاصر لسوء فهمه، بل لأن انتقاد بعض التعريفات ببعض الدلالات لا يتوقف على اجتماع الدلالتين؛ إذ اللفظ المراد به تمام ما وضع له من حيث إنه تمام ما وضع له يصدق على دلالته عليه أنه دلالة اللفظ على جزء ما وضع له إذا كان ذلك اللفظ مشتركا بين الكل والجزء، ويكون ذلك المعنى جزءا مع أنها مطابقة، ولأن إرادة المعنيين باللفظ قد يتحقق على قانون الوضع كما في الكناية، فإنه يراد به الموضوع له للانتقال إلى لازمه المراد به أو جزئه المراد به.
فإن قلت: توقف الدلالة على الإرادة يستدعي أن لا يجتمع المطابقة والتضمن والالتزام مثلا، وقد تقرر فيما بينهم، إذ التضمن والالتزام يستلزمان
стр. 719
المطابقة.
قلت: يمكن التقصي عنه بأن هذا كلام، واشتهر من قبل عدم التفطن لتوقف الدلالة على الإرادة على أن ما ذكرنا مبني على كون الدلالة فهم المعنى من اللفظ وصحة الاجتماع مبنية على كون الدلالة كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند إرادته (وشرطه) أي: الالتزام (اللزوم الذهني) لا الأعم الشامل للخارجي إذ اللزوم الخارجي لا يوجب انتقال الذهن من المسمى إلى اللازم حتى يترجح به من بين سائر الأمور الخارجية للدلالة عليه، ولما كان اللزوم الذهني مشتهرا بمعنى كون المسمى بحيث يستلزم الخارج بالنسبة إلى جميع الأذهان، وبالنسبة إلى جميع الأزمان، وكان اعتباره منافيا لنظر هذا الفن بخروج كثير من المعاني المجازية والكنائية عن كونه مدلولا التزاميا، حتى اختلف في اعتبار اللزوم الذهني نبه المصنف على أن اللزوم الذهني المشتهر غير معتبر، وأن من اعتبره اللزوم الذهني اعتبره بمعنى آخر، ومن نفاه نفاه بالمعنى المشتهر فالنزاع لفظي. فقال: (ولولا اعتقاد المخاطب) إذا يوجب الانتقال (بعرف) أي بسبب عرف عامة؛ لأن المتبادر من إطلاق العرف (أو غيره) (١) أي: غير العرف العام من الشرع والاصطلاحات، والتأمل في القرينة وتخصيص غيره بما سوى القرينة على ما في الشرح يوجب الاحتياج إلى التكلف في قوله: وشرطه اللزوم الذهني أعم مما يكون على الفور.
ومما يكون بعد التأمل في القرينة، ويوجب عدم صحة كلمة الوصل أعني قوله: ولولا اعتقاد المخاطب ... إلخ؛ لأن معناه أن نقيض الشرط أولى باستلزام الجزاء، والجزاء اشتراط اللزوم الذهني، والاشتراط ليس بأولى على تقدير عدم كونه لاعتقاد المخاطب بسبب عرف أو غيره؛ إذ من جملة اللزوم على هذا التقدير اللزوم بعد التأمل في القرينة، وهو ليس بأولى من اللزوم لاعتقاد المخاطب بعرف عام أو بعرف خاص أو ما يجرى مجراه على ما حمل قوله، أو غيره عليه بخلاف ما ذكرنا، فإن نقيض الشرط حينئذ ليس إلا اللزوم لاعتقاد المخاطب بعرف أو
стр. 720
غيره، شرطا للدلالة الالتزامية؛ إذ يوجد مع كل منهما بدون الآخر، فلا يصح أن أحدهما أولى بكونه شرطا من الشرط الآخر، بل الشرط مطلق اللزوم الذهني، ولا مدفع له لو لم تحصل بأن قوله: ولولا اعتقاد المخاطب لوصول بجزاء معنى الشرط، أي: بجعل الدلالة الالتزامية باللزوم الذهني، ولولا اعتقاد المخاطب بعرف أو بغيره.
قال الشارح: ولم يشترط في الالتزام اللزوم الذهني لنفس المسمى مطلقا، لأنه لو اشترط ذلك؛ لخرج كثير من معاني المجازات والكنايات عن أن يكون مدلولا التزاميا، بل لم يكن دلالة الالتزام مما يتأتى فيه الوضوح والخفاء.
قال السيد السند (١): فيه بحث؛ لأن لازم الشيء وإن كان لازما له لكن دلالة اللفظ على لازمه أظهر من دلالته على لازم لازمه؛ لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى ملاحظة الملزوم أولا وإلى ملاحظة اللازم ثانيا، وإلى ملاحظة لازم اللازم ثالثا، فبسبب ترتيب هذه الملاحظات ولو بالذات تتفاوت الدلالات، وأيضا ينتقض هذا الحكم بالدلالة التضمنية.
هذا، فإن قلت: ما ذكره من الترتيب بين اللوازم إنما يتم لو لم يكن تصور اللازم مما يتوقف عليه تصور المسمى كما في العمى؛ فإن تصور المسمى يتوقف على تصور البصر، وأما إذا توقف فالترتب على عكس ما ذكره.
قلت: هذا لا يضره فيما هو بصدده؛ لأنه يكفيه ترتب المعاني في تأتي الوضوح والخفاء، ولا حاجة له إلى ترتب ذكره، ولو حفظ الترتب المذكور، لكفى تحققه في بعض اللوازم وتحقيق المقام سيأتي فانتظر.
(والإيراد المذكور لا يتأتى) أي: لا يتهيأ (بالوضعية؛ لأن السامع إذا كان عالما بوضع الألفاظ) أي: بوضع جميع الألفاظ التي هي الطرق المختلفة في الوضوح للمعنى الواحد، الذي هو للكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال (لم يكن بعضها) أوضح لاستواء الجميع في الدلالة (وإلا) أي: وإن لم يكن عالما بوضع جميع الألفاظ، سواء كان عالما بوضع البعض أو لا (لم يكن كل واحد دالا عليه) لأنه لا بد في العلم بوضع الجميع من العلم بوضع كل واحد، وفيه
стр. 721
بحث من وجهين:
أحدهما: أن عدم العلم بالوضع لا يستلزم عدم الدلالة؛ لأن الدلالة كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى العلم بوضعه، وهذا المعنى لازم للكلمة الموضوعة علم الوضع أو لا.
وثانيهما: أن عدم كون البعض أوضح لازم لشقي الترديد، فإنه إذا لم يكن كل واحد دالا لم يكن بعضها أوضح؛ لأن كون الشيء أوضح في الدلالة فرع دلالة الأوضح، والواضح فلا وجه لتخصيص اللازم بالأول، ويمكن دفع الأول بأن المراد بالدلالة هناك: فهم المعنى، ومدار وضوح الدلالة على سرعة الفهم وبطئه.
والثاني: بأنه نبه بما ذكره على منشأ لزوم عدم كون البعض أوضح على التقدير الثاني، وهو انتفاء الدلالة فكأنه قال: وإلا لم يكن كل واحد دالا فلا يكون بعضها أوضح.
فإن قلت: العلم بوضع جميع الألفاظ لا يكفي في العلم بالمعنى؛ إذ لا بد من العلم بوضع الهيئة أيضا، فالتعرض بوضع الألفاظ لا يكفي في إثبات أن الإيراد المذكور لا يتأتى في الوضعية لجواز أن يتأتى في دلالة الهيئة.
قلت: العلم بوضع الألفاظ على ما بينته لا يكون بدون العلم بالهيئة؛ إذ الهيئة جزء من اللفظ فتأمل. ولو قال إن كان عالما بوضع الأشياء لم يكن بعضها أوضح لم يتجه شيء، فإن قلت: قوله وإلا لم يكن كل واحد منها وإلا أي: إن لم يكن عالما بوضع جميع الألفاظ لم يكن كل واحد منها، وإلا لنفى العموم في الشرط والجزاء مع بقاء الأصل؛ لأن النفي إذا دخل على ما فيه قيد رجع إليه مع بقاء الأصل فبقي احتمال أن لا يكون عالما بوضع شيء من الألفاظ ولا يكون الترديد حاصرا.
قلت: استعمل قوله وإلا في نفي صدق العلم بوضع جميع الألفاظ، وقوله:
لم يكن كل واحد دالا في رفع الإيجاب الكلي، وانتفاء صدق الإيجاب الكلي يكون بوجهين، وهذا المعنى المتعارف فيما بين أرباب الاستدلال على أن حال ما بقي يكشف عن حال ما ذكر ولا يلتبس، ويمكن إشكال الشق الثاني بأن يقال دالا لم يكن ما لا يعلمه من ظرف المعنى الواحد؛ لأن طريقا يفرد فيه المعنى ما يعلمه
стр. 722
السامع، ولحمل كلام المصنف عليه مساغ فتأمل.
وإنما قال: وإلا لم يكن كل واحد منها إلا ولم يقل وإلا لم يكن واحد دالا تنبيها على أن الشرط رفع الإيجاب الكلي، ولو قال: إن كان عالما بوضع كل لفظ لاستغنى عن هذا التنبيه، وأورد أنه لو توقف فهم المعنى على العلم بالوضع لزم الدّور؛ لأن العلم بالوضع موقوف على فهم المعنى؛ لأن الوضع نسبة بين اللفظ والمعنى، والعلم بالنسبة يتوقف على فهم النسبتين، وأجاب عنه الشيخ في «الشفاء» بأن فهم المعنى في الحال يتوقف على العلم بالوضع سابقا، وبعض المتأخرين بأن فهم المعنى من اللفظ يتوقف على فهم المعنى في الجملة.
قال الشارح: هذا قريب من الأول. هذا وفي الأول نظر؛ لأن فهم المعنى في حال إطلاق اللفظ قد يتوقف على العلم بالوضع فيها، والعلم بالوضع فيها قد يتوقف على العلم بالمعنى فيها ينتج العلم بالمعنى في حال إطلاق اللفظ قد يتوقف على العلم به فيها، فتأمل.
ويمكن الدفع أيضا بأن فهم المعنى من هذا اللفظ يتوقف على فهم المعنى، لا من هذا اللفظ، وبأن فهم المعنى بالوضع يتوقف على فهم المعنى لا بالوضع، ولا يخفى أن هذا الشك مع مزيحاته جارية في اشتراط مطلق العلم بالوضع في مطلق الدلالة الوضعية، بل لا في اشتراط العلم بالعلاقة في مطلق الدلالة؛ لأن العلاقة مطلقا نسبة بين الدال والمدلول يتوقف العلم بها على العلم بهما؛ لما بيّنا لك في بيان اشتراط الدلالة بالإرادة، وبعد يتجه أنه حين إطلاق اللفظ، وبذكر الوضع فهم المعنى لتوقف تذكر المعنى عليه فلا معنى لفهمه من اللفظ؛ لأنه تحصيل الحاصل.
فالتحقيق أن فهم المعنى من حيث إنه مراد بواسطة العلم بالوضع المتوقف على فهم المعنى لا من حيث إنه مراد، ويمنع الملازمة الأولى مستندا بجواز التفاوت بين المعاني الوضعية في حضورها عند العقل سرعة وبطئا، بأن يكون الأنس ببعض الألفاظ أكثر، والعهد بها أقرب، ويحتاج تذكر وضع البعض إلى تفكر وتأمل؛ لقلة تكرر على الحسن وندرة تكرر معناه على العقل.
وأجاب عنه الشارح بأن المراد بالاختلاف في الوضوح والخفاء أن يكون ذلك
стр. 723
بالنظر إلى نفس الدلالة، ودلالة الالتزام كذلك؛ لأنها من حيث إنها دلالة الالتزام قد تكون واضحة كما في اللوازم القريبة، وقد يكون خفية كما في اللوازم البعيدة بخلاف المطابقة، فإن فهم المعنى المطابق واجب قطعا عند العلم بالوضع والتفاوت في سرعة الحضور وبطئه، إنما هو من جهة سرعة تذكر السامع للوضع وبطئه؛ ولهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات.
هذا وفيه بحث؛ لأن الانتقال المسمى إلى الخارج من شرائط الدلالة الالتزامية، وتذكر الوضع من شرائط الدلالة المطابقية، وجعل الاختلاف لتفاوت الانتقال سرعة وبطئا، اختلافا لذات الدلالة دون الاختلاف لتفاوت التذكر، كذلك يحكم على أنه يقتضي أن لا يعتبر اختلاف الطرق في الوضوح والخفاء باعتبار الدلالات الالتزامية، بسبب لزوم حاصل من التأمل في القرائن، فإنه اختلاف لا لذات الدلالة، بل من جهة سرعة النسبة للقرينة وبطئه لاختلاف القرائن وضوحا وخفاء، وكذلك تختلف تلك الدلالات باختلاف الأشخاص، فالوجه أن يقال: ولا يتأتى الاختلاف المذكور في الدلالات الوضعية؛ لأن المراد اختلاف بالنسبة إلى البلغاء.
والاختلاف في المعاني الوضعية بسرعة التذكر وبطئه يستوي فيه العامة والخاصة على أنه لا يبعد أن يقال: لا يتحقق ذلك الاختلاف في الكلام البليغ؛ لأن البلاغة بعد الفصاحة، وهي لا تكون إلا بألفاظ كثيرة الدوران على ألسنتهم، ولا يتجه عليه ما أورده الشارح على بيانهم من أن العلم بوضع الألفاظ لا يستلزم عدم الاختلاف؛ لأن العلم قد يتفاوت؛ لأنه قد يكون جازما وقد يكون غير جازم؛ لأن ذلك التفاوت أيضا مشترك بين العامة والخاصة، على أن التفاوت في العلم بالوضع لا يوجب التفاوت في الوضوح والخفاء لأن التفاوت في الوضوح بسرعة الفهم وبطئه، والظن بالوضع لا يوجب بطئه الانتقال، بل ينتقل من الظن بسرعة إلى المدلول إلا أن الانتقال قد يكون إلى ظنه فتأمل.
نعم يتجه على هذا الوجه، ما اتجه على ما ذكروه من أن عدم جريان الطرق المختلفة في الدلالة الوضعية، لا يوجب إسقاطه عن بطئها البياني، فإنه يكفي جريانها في جميع الدلالات فلتكن الدلالة الوضعية واحدة من الطرق
стр. 724
المختلفة، فالوجه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن المراد بوضوح الدلالة: الوضوح الذي يدفع به التعقيد المعنوي علم البيان، فلا يتأتى الإيراد المذكور في الدلالات المطابقية، وإنما خص بحث البيان بتلك الطرق؛ لأن ما عداها مفروع عنه فيما عداه من علوم العربية، كما مر نبذ منه في المقدمة (ويأتي بالعقلية).
قال المصنف: إنما يتأتى بالدلالات العقلية؛ لجواز أن يكون الشيء لوازم بعضها أوضح لزوما من بعض، فأراد باللوازم ما يعم الجزء، وإلا لم يف بيانه بالدلالات العقلية مطلقا وسيسلك في هذا الكتاب هذا المسلك، وبعد يردّ عليه أن اللازم ما لم يكن ملزوما لا ينتقل منه كما صرح هو به في غير هذا الموضع.
فينبغي أن يكون لجواز أن يكون للشيء ملزومات لزومه لبعضها أوضح منه للبعض، وبالجملة بيانه.
أما في الالتزام فبأن يكون البعض ملزوما بذاته، والبعض يعرف أو اصطلاح أو قرينة واضحة أو خفية، وأن يكون البعض ملزوما بلا واسطة، والبعض بواسطة، يفهم اللازم من الملزوم بلا واسطة أوضح من فهمه من الملزوم بواسطة، لأن الانتقال من الملزوم أولا إلى لازمه ثم إلى لازم لازمه، وأما في التضمن فبأن دلالة الكل على الجزء أوضح من دلالة لفظ الكل على جزء الجزء؛ لأن الانتقال أولا إلى الجزء ثم إلى جزء الجزء، فيكون دلالة الحيوان على الجسم أوضح من دلالة الإنسان عليه، واعترض عليه الشارح بأنه ينبغي أن يكون الأمر بالعكس؛ لأن فهم الجزء سابق على فهم الكل، فالمفهوم من الإنسان أولا هو الجسم، ثم الحيوان ثم الإنسان متساوى الإنسان والحيوان في الدلالة على الجسم؛ لأن المفهوم منهما أولا هو الجسم، وليس لك أن تجعل الاعتراض أنه ينبغي أن يكون دلالة الإنسان على الجسم أوضح من دلالة الحيوان عليه؛ لأن دلالة الحيوان عليه أوضح من دلالته المطابقية، ودلالة الإنسان عليه أوضح من الأوضح من دلالته المطابقية، والأوضح من الأوضح من الشيء أوضح من ذلك الشيء؛ لأنا نقول: الأوضح من الأوضح من الدلالة المطابقية لشيء أوضح من الدلالة المطابقية له، لا من الدلالة المطابقية لشيء آخر فتأمل.
стр. 725
على أن كون الأمر بالعكس أيضا مما يثبت المطلوب، ولا يضر فلا طائل تحته، ولا اختصاص للإشكال ببيان التضمن؛ لأنه لا يطرد القول بأن فهم لازم اللازم بعد فهم اللازم لجواز أن يكون فهم اللازم موقوفا على فهم لازم اللازم، وأجاب: بأن القوم صرحوا بأن التضمن تابع للمطابقة؛ لأن المعنى التضمني إنما ينتقل الذهن إليه من الموضوع له، وكأنهم بنوا ذلك على أن التضمن هو فهم الجزء وملاحظته بعد فهم الكل، وكثيرا ما يفهم الكل من غير التفات إلى الأجزاء.
هذا واعترض عليه السيد السند: بأنه لو كان التضمن فهم الجزء بعد الكل، لم يكن المطابقة فيما تركب معناه مستلزما للتضمن كما صرحوا به، وقد فسروا قولهم التضمن تابع للمطابقة بأنه تابع له في القصد؛ لأن الواضع لم يقصد بالأصالة إلا فهم المعنى المطابقي، وردوا القول بالانتقال من المعنى المطابقي إلى التضمني، فهذا الجواب لا يطابق كلام القوم، والجواب المطابق بقواعدهم أن يقال: اللفظ إذا وضع للكل لا باعتبار تفاصيل أجزائه كما في الألفاظ المركبة، فإذا أطلق ذلك اللفظ فهم الكل مجملة أجزاؤه أنفهم كل جزء إجمالا تضمن لازمه للمطابقة فيما تركب معناه، وهو متقدم على فهم الكل، والاختلاف الذي يوجد في التضمن ليس باعتبارهم إلا جزئين في ضمن إرادة الكل، بل باعتبار فهم الجزء من حيث إنه مراد بلفظ الكل، ومؤدى بالدلالة التضمنية.
ولا يخفى أن ملاحظة الأجزاء والالتفات إليها بعد فهم الكل إجمالا إنما هي بطريق التحليل، فيتعلق أولا بالأجزاء، ثم بأجزاء الأجزاء ففهم جزء الجزء متقدم على فهم الجزء، لكن فهمه من حيث إنه ملاحظته ممتاز متأخر من فهم الجزء.
ولا شك أن فهم كونه مرادا باللفظ يتوقف على ملاحظته المتوقفة على ملاحظة الجزء فيكون أخفى من فهم الجزء على هذا الوجه، وبالجملة الاختلاف في المدلولات التضمنية وضوحا وخفاء من حيث إنها مراده، والمعتبر في هذه الفنون هو فهم المراد، لا الفهم مطلقا. هذا كلامه.
وفيه بحث:
أما أولا: فلأن فهم التفصيلي إذا لم يكن تضمنيا لم يكن الاختلاف في الوضوح والخفاء باعتباره اختلافا في الدلالات العقلية؛ لأن الدلالات العقلية هو
стр. 726
التضمن والالتزام.
وأما ثانيا: فلأن القول باستلزام المطابقة التضمني فيما تركب معناه وإبطالا الانتقال من الموضوع له إلى الجزء كلام أهل الميزان، فلا ينافي ما ذكره الشارح في توجيه كلام أرباب البيان.
وأما ثالثا: فلأن الدلالة التفصيلية على الجزء ليست دلالة عند أهل الميزان؛ لأنها ليست دائمية بخلاف علماء البيان، فإن الدلالة في الجملة عندهم معتبرة فينبغي أن يكون دلالة تضمنية، ويكون التضمن عندهم أعم، فيكون توجيه كلام الشارح بأنه أراد بقوله التضمن هو فهم الجزء وملاحظته بعد فهم الكل، أن التضمن المعتبر عند القوم؛ لأن المعتبر عندهم من الدلالة على المراد، ولا يخفى عليك أن الدلالة على الجزء من حيث هو مراد إنما هو بالقرينة، فاختلاف الدلالة التضمنية وضوحا وخفاء لا يقتصر على ما ذكره من الدلالة على الجزء، والدلالة على جزء الجزء، بل ربما يكون بتفاوت القرائن وضوحا وخفاء.
ومما ينبغي أن لا يفوت، وأورد الشارح أنه يخرج من تعريف البيان البحث عن المجاز المفرد وهو معظم مباحث البيان وكثير من أقسام الكناية لأنها في المعاني الإفرادية؛ إذ قد مر أن المراد بالمعنى الواحد معنى الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، وأجاب عنه بأن تفاوت الكلام في الوضوح والخفاء بتفاوت دلالة الأجزاء على معانيها، فالإيراد المذكور لا يتأتّى إلا بمعرفة المفردات.
ولك أن تقول: مرادهم بمعنى الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال أعم من المعنى المطابقي، والمعنى التضمني والمعنى الالتزامي، فحينئذ مباحث المجاز المفرد مثلا مقاصد بالذات، لا بالتبع وإيراد المذكور في الدلالات العقلية لا يتوقف على ما ارتكبوه من المؤن، حتى لو كان اللوازم الذهنية الثلاثة والأجزاء كلها في مرتبة من الوضوح لكفى في اختلاف مراتب الوضوح في الدلالات العقلية تفاوت الدلالات الالتزامية العرفية أو الاصطلاحية أو المتبعة على التأمل في القرائن، إلا أنهم أرادوا تحقيق الحق في الغاية أن تأتي (ثم اللفظ المراد به) أشار بكلمة ثم إلى الانتقال من بحث إلى آخر؛ فإنه انتقل من تعريف البيان، وتحقيق التعريف إلى تعيين ما يبحث عنه في الفن، وأشار إلى أن ما سبق مقدمة لتعيين
стр. 727
الكناية والمجاز، واكتفى هنا بإيراد اثنين من الثلاثة التي اشتهرت من مقدمات العلم، أعني: بيان التهيئة والموضوع والفائدة؛ لأنه قد تبين في أوائل الكتاب أن فائدة علم البيان الاحتراز عن التعقيد المعنوي.
(لازم) يعني باللازم: ما لا ينفك عما وضع له في الجملة تعقلا، سواء كان داخلا أو خارجا (ما وضع له) الأولى ما وضع هو له على ما لا يخفى على نحوك إن كنت ذا لبّ (إن قامت قرينة على عدم إرادته) يعني ما وضع له ولم يقل:
إن أقيمت قرينة ليخرج ما قامت قرينة على عدم إرادته من غير قصد المتكلم؛ لأن قصد المتكلم مما لا يطلع عليه؛ فجعل القيام دليل الإقامة (فمجاز وإلا فكناية)؛ لأن الكناية هو اللفظ المراد به لازم ما وضع له مع جواز إرادته، فلا تقام قرينة على عدم إرادته، لأنه مع إقامة القرينة عليه لا سبيل إلى جواز الإرادة.
وبهذا يبين ذهول من قال: المراد بعدم إرادته عدم جواز إرادته؛ لأن مبنى الكناية على جواز إرادته، لا على إرادته، وجعل المجاز والكناية تحت اللفظ المراد به لازم ما وضع له من أنه قيل إن المراد بالكناية الملزوم؛ لأن الموضوع له ما لم يكن ملزوما لغيره لا ينتقل منه إليه، فالاستعمال أبدا في اللفظ، وما في الشرح من أن هذا مبنيّ على أن الانتقال في المجاز والكناية من الملزوم إلى اللازم، وأن ما ذكره السكاكي من أن المراد بالكناية الملزوم، وفي المجاز اللازم لا يصح؛ إذ لا دلالة للازم من حيث إنه لازم على الملزوم، فيتجه عليه أنه مع صحة كلام السكاكي أيضا يتم أن اللفظ مستعمل فيهما في اللازم؛ لأن كون الانتقال في الكناية من التابع على ما هو مراد السكاكي باللازم لا ينافي تلك المقدمة الحقة الحاكمة بأن الانتقال من الموضوع له أبدا اللازم بمعنى ما يمتنع انفكاكه عن الموضوع له في الجملة، ثم من القرائن القائمة على عدم إرادة الموضوع له استحالته، فلعل من جوز كون المعنى الحقيقي في الكناية مستحيلا، كجار الله لم يفرق بين المجاز والكناية بذلك، ويحتمل أنه جعل الفرق بأن المراد بالمجاز المتبوع وبالكناية التابع.
ولا يريبك في كون المجاز مطلقا مما أريد به اللازم، أنه بعضه مما أريد به
стр. 728
المشبه به أو الجزء أو الكل إلى غير ذلك؛ لأن جميع ذلك يرجع إلى اللازم بمعنى السالف.
بقي هاهنا أنه فات قيدان لا بد منهما، وبدونهما يختل تعريف كل من المجاز والكناية، أحدهما: قيد اصطلاح التخاطب حتى ينتقض تعريف الكناية بلفظ استعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، وهو غير ما وضع له في اصطلاح آخر فإنه لا ينصبّ هنا قرينة على عدم إرادة ذلك الموضوع له، وحد المجاز بلفظ مشترك بين لازم وملزوم فإنه يصدق عليه علم إذا استعمل في أحد معنييه أنه اللفظ المراد به لازم ما وضع له مع قرينة مانعة عن إرادة ما وضع له، ويمكن أن يدفع بأن المراد اللفظ المراد به لازم ما وضع له من حيث إنه لازم ما وضع له.
وثانيهما: قيد على وجه يصح؛ لئلا يدخل في تعريفهما ذكر الأب وإرادة الابن، فإنه لا يصح مع الملزوم منهما فهو غلط، واللفظ المراد به لازم ما وضع له بعلاقة لم يعتبر نوعها، واللفظ المراد به لازم ما وضع له، إذا جرى على اللسان سهوا، واللفظ المراد به المشبه مع عدم ادعاء دخوله في جنس المشبه به، فإن ذلك غلط لا يعد من المجاز ولا الكناية.
(وقدم) أي: المجاز (عليها) أي: على الكناية (لأن معناه كجزء معناها) المقصود وجه التقديم في البحث، لا في التقسيم، فالتقديم في التقسيم لتقدمه في البحث على أن مفهومه وجودي، ومفهومها عدمي، وإنما قال كجزء معناها؛ لأنه لم يرد بالكناية المعنيان، بل تجوز الإرادة، فنزّل الجواز منزلة الوقوع، وبهذا التنزيل صار جزءا فهو كالجزء فيه، ولأن معنى المجاز من حيث هو مدلول المجاز ليس جزء مدلول الكناية من حيث هي مدلول الكناية، ومن وجوه تقديمه أنه أهم لكثرة مباحثه، ومزيد دقائقه، وكثرة مباحث ما يتوقف عليه، ويبتني عليه، وأنه أبعد عن الحقيقة التي لا يبحث مزيد في الفن بخلاف الكناية، فإن له شبها بالحقيقة فاعرفه.
(ثم) أشار بكلمة ثم إلى التفاوت بين المجاز والكناية والتشبيه في أن التشبيه غير مقصود بالذات في الفن بخلافهما، وقد أشار بقوله: فانحصر في الثلاثة إلى أمر آخر، وهو ضبط أبواب الفن إجمالا، وهو أيضا من مقدمات الشروع.
стр. 729
(منه) أي: من المجاز (ما يبتني على التشبيه) قال الشارح: وهو الاستعارة التي كان أصلها التشبيه، فذكر المشبه به وأريد المشبه فصار استعارة، فجعل معنى الابتناء على التشبيه أن حقيقته التشبيه، ولك أن تجعل معناه أن علاقته التشبيه، وبالجملة يتجه أن أصل القسم الآخر من المجاز أيضا أربعة وعشرون نوعا، فلو كان بيان المجاز معينا للتعرض بالأصل على حدة لوجب مقصد آخر للتعرض لأصل المجاز المرسل، إلا أن يتكلف، ويقال: يريد أن منه ما يبتني على التشبيه الذي هو مباحث كثيرة، يستحق أن يجعل بابا على حدة، ولا يسعه باب ما يبتني عليه.
ولا يذهب عليك أن التشبيه كما يبتني عليه شيء من المجاز يبتني عليه الاستعارة بالكناية فجعله أصلا من أصول الفن ليس بمجرد مصلحة المجاز.
(فتعين التعرض له) (١) على حدة بخلاف ما يبتني عليه المجاز المرسل، فإنه لقلته أورده في بحث المجاز المرسل كما هو حق مقدمة الشيء، وقد فرّع «المفتاح» على التشبيه ابتناء بعض المجاز على الاستعارة، جعله باب على حدة وتقديمه على المجاز والكناية؛ ولذا تكلف الشارح في عبارة المصنف فحمله على التعرض قبل التعرض للمجاز، ووجه تقديمه لذلك على الاستعارة ظاهر.
[انحصار علم البيان فى الثلاثة: التشبيه والمجاز والكناية]
وأما على المجاز المرسل فلأن اتصال المجاز المرسل بالاستعارة جعلهما بابا واحدا، ووجه تقديمه على الكناية؛ لأن المجاز متقدم عليها (فانحصر) أي: علم البيان المحمول على الفن الثاني من الكتاب، وهو محمول على المقصود من علم البيان؛ لأن الفن المشتمل على أمور سوى تلك الثلاثة من تعريف العلم، وبيان ما يبحث عنه فيه، وضبط أبوابه إلى غير ذلك؛ فلذا قال في الإيضاح: فانحصر المقصود في التشبيه والمجاز والكناية، ولك أن تجعل الضمير إلى علم البيان المعرف، فيظهر المقصود بدون اعتبار المقصود (في الثلاثة) المذكورة وكأنه سمى الأقسام الثلاثة بأسامي ما يبحث منه فيها، كما سمى أبواب المعاني باسم الأحوال
стр. 730
على ما هو ظاهر الأحوال من سوق المقام، ويرد على الحصر الاستعارة بالكناية على مذهب المصنف؛ لأنه ليس مما يدخل في المراد بالتشبيه هاهنا لا مجازا ولا كناية. واعترض السيد السند بأن ما ذكر من ابتناء الاستعارة على التشبيه، لا يوجب جعله من المقاصد البيانية، بل يوجب كونه مقدمة لبحث الاستعارة، وينافي كونه مقصدا من المقاصد البيانية، وكثرة مباحثه لا توجب ذلك، بل توجب جعله مقصدا على حدة بعد ثبوت كونه مقصدا.
قلت: ما يتوقف عليه المقصود الأصلي من العلوم بجعل منها، منه جعل مباحث القضايا من المنطق لابتناء القياس عليه، ومباحث الكليات منه لابتناء المعرف عليها.
قال السيد السند: الحق أن التشبيه أصل برأسه من أصول هذا الفن، وفيه من النكت واللطائف البيانية ما لا يحصى، وله مراتب مختلفة في الوضوح والخفاء مع أن دلالته مطابقية، ويضمحل ما ذهب إليه من أن الإيراد المذكور لا يتأتى بالوضعية، ولو تتبعت ما ذكره المصنف في «الإيضاح» من شرف التشبيه ولطائفه نقلا وتحقيقا، لم يبق لك شبهة فيما ذكره وتعجب أنه مع ذلك كيف لم يتنبه أن الطرق المختلفة جارية في الدلالة المطابقية، وأن ليس التشبيه متطفلا للاستعارة، لكن يتجه أن هذه اللطايف هل هي بيانية أم داخلة في المعاني لا بد لكونها من البيان من بيان.
ونقل السيد السند عن بعض الأفاضل فائدة، وهي أنك إذا قلت: وجهه كالبدر، لم ترد به ما هو مفهومه وضعا، بل أردت أنه في غاية الحسن، ونهاية اللطائف، لكن إرادة هذا المعنى لا ينافي إرادة المفهوم الوضعي، كما في الكناية وحينئذ ينبغي أن ينحصر مقاصد علم البيان في أربعة: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز المرسل.
والوجه في الضبط أن يقال: إذا أريد باللفظ خلاف ما وضع له، فإما أن ينافي إرادة ما وضع له أو لا، وعلى كل تقدير فإما أن يبتني إرادته منه على تشبيه أو لا، فنسبة التشبيه إلى الاستعارة كنسبة الكناية إلى المجاز المرسل، إلا أن التشبيه مع كونه أصلا مقصودا مقدمة لمباحث الاستعارة، فاستحق التقديم عليها
стр. 731
من هذه الجهة التي هي الأقوى من الجهة الأخرى التي بها أخرت الكناية عن المجاز المرسل، فتأمل.
وفيه بحث: أما أولا: فلأن عدم إرادة المفهوم الوضعي من قولنا: وجهه كالبدر، ليس بظاهر؛ لأن المراد وجهه كالبدر في جميع جهات الحسن، وهو لا يقصر في المدح عن قولنا: هو في غاية الحسن، ونهاية اللطافة.
وأما ثانيا: فلأن التشبيه إذا أريد به المبالغة في كمال الشيء أو أريد به أنه ممكن أو أنه على هذا المقدار من الوصف فإن لم يمنع مانع من إرادة المعنى الحقيقي، فهو داخل في الكناية، وإلا ففي المجاز المرسل، فبهذا الاعتبار لا يكون مقصدا رابعا.
(التشبيه)
أي: هذا باب يسمى بالتشبيه؛ فلذا قال: ثانيا (التشبيه) ولم يأت بالضمير لئلا يحوج إلى تكلف في المرجع، وقال الشارح: يريد بالتشبيه الأول التشبيه الاصطلاحي الذي يبتني عليه الاستعارة، وبالثاني ما هو أعم، أعني:
التشبيه اللغوي؛ فلذا لم يأت بالضمير لئلا يعود بظاهره إلى المذكور، وفيه أن الأول أعم من المبتنى عليه الاستعارة؛ لأن المبتنى عليه ما يكون وجه الشبه فيه أقوى، والمذكور في هذا البحث لا يقتصر عليه إلا أن يقال: المقصود بالبحث ما يبتنى عليه الاستعارة، وذكر الباقي متطفل.
وقال اللام في التشبيه الأول للعهد، وفي الثاني للجنس، وفيه أنه إذا أريد بالأول التشبيه الاصطلاحي أيضا فاللام فيه أيضا للجنس؛ لأن لام العهد إشارة إلى قسم من مفهوم اللفظ، ولم يرد هنا قسم منه، وجعل التشبيه بالمعنى اللغوي وصرفه إلى الاصطلاحي بلام العهد بعيد.
ويمكن أن يقال المراد التشبيه الاصطلاحي والتعريف إشارة إلى قسم منه، وهو ما يبتني عليه الاستعارة، وهو التشبيه الاصطلاحي الذي يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه، لكن الظاهر من سوق الكلام أن المراد به ما قصد تعريفه
стр. 732
بقوله: والمراد هاهنا ما لم يكن ... إلخ؛ فتأمل.
وإنما عرف مطلق التشبيه؛ لأنه جنس التشبيه الاصطلاحي؛ لأن كلمة ما في تعريف التشبيه الاصطلاحي عبارة عن التشبيه، وتضمن ظهور وجه المناسبة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي، وتنبه على أن تعريف التشبيه الاصطلاحي بتشبيه لم يكن على وجه الاستعارة ... إلخ ليس تعريفا للشيء بنفسه، بل تعريفا للتشبيه الاصطلاحي بالتشبيه اللغوي.
(الدلالة) مصدر قولهم: دللت فلانا على كذا إذا هديته له، لا يقال تعريف الدلالة بالهداية تعريف المعرف؛ لأنهم عرفوا الهداية بالدلالة على ما يوصّل إلى المطلوب؛ لأنا نقول: ليس المقصود تعريف الدلالة، بل التنبيه على أن المراد به ليس الدلالة التي هي صفة اللفظ كما يتبادر في هذا المقام. فإن قلت: لم لم يحمل الدلالة على ما هو صفة اللفظ واللفظ أيضا يدل على مشاركة أمر لأمر كالمتكلم؟
قلت: في عرف القوم واللغة لا يسمى اللفظ بالمشبه على صيغة اسم الفاعل، وإنما يسمى به المتكلم (على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى) (١) فالأمر الأول هو المشبه، والثاني هو المشبه به، والمعنى هو وجه التشبيه والدال والمشبه هو المتكلم في الشرح أن ظاهر هذا التفسير شامل نحو قاتل زيد عمرو أو جاءني زيد وعمرو، وما أشبه ذلك.
وقال السيد السند: إن المدلول المطابقي في هذه الأمثلة ثبوت المسند لكل من الأمرين، ويلزمه مشاركتهما في المسند، فالمتكلم إن قصد المعنى المطابقي فلم يدل على المشاركة؛ إذ المتبادر من إسناد الأفعال إلى ذوي الاختيار ما صدر بالقصد، وإن قصد المعنى الالتزامي فقد دلّ على المشاركة، فهو داخل في التشبيه، وما وقع في عبارة أئمة التصريف أن باب فاعل وتفاعل للمشاركة والتشارك فمسامحة، والمراد أنه يلزمهما ذلك فمنشأ الاعتراض إما ظاهر عبارة أئمة
стр. 733
التصريف أو عدم الفرق بين ما ثبوت حكم لشيئين، وبين مشاركة أحدهما للآخر أو الغفلة عن اعتبار القصد فيما يسند إلى ذوي الاختيار لما ذكرناه اندفع ما يقال:
إنه لو اعتبر القصد في الدلالة لم يكن للفظ دلالة على المدلولات التضمنية والالتزامية؛ لأنه فرق بين دلالة المتكلم ودلالة اللفظ.
نعم يتجه عليه أن هذه الأمثلة على تقدير قصد المشاركة فيها يدل على التشابه، وفرق بين التشابه والتشبيه يدل عليه ما سيذكره المصنف فيما بعد، فإن أريد الجمع بين أمرين في شيء فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه.
(والمراد هاهنا) الأولى: وهو هاهنا أي: التشبيه في الاصطلاح ليعلم أن هذا بيان معنى آخر للتشبيه، وأما عبارته فتوهم أن معنى التشبيه هو ما سبق، والمراد منه هاهنا قسم منه بطريق ذكر العام وإرادة الخاص (ما لم يكن) أي:
تشبيه لم يكن (على وجه الاستعارة التحقيقية) نحو: رأيت أسدا في الحمام، ولا على وجه (والاستعارة بالكناية) نحو: أنشبت المنية أظفارها، ولا إهمال في التعريف بترك التقييد بأن لا يكون على وجه التمثيل؛ لأن الاستعارة التمثيلية داخلة في التحقيقية وأن يوهم عبارة المصنف فيما بعد.
وحسن كل من الاستعارة التحقيقية، والتمثيل برعاية جهات حسن التشبيه أن التمثيل تقابل التحقيقية (و) لا على وجه (التجريد) قيد به ليخرج تشبيه لتضمنه التجريد، فيما إذا لم يكن تجريد الشيء عن نفسه؛ لأنه حينئذ لا تشبيه نحو: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) فإنه لانتزاع دار الخلد من جهنم، وهي عين دار الخلد لا تشبيه به، بخلاف نحو: لقيت بزيد أسدا، فإنه لتجريد أسد من زيد، وأسد مشبه به لزيد، لا عينه، ففيه تشبيه مضمر في النفس فمن احترز به عن نحو: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ فلم تجرد عقله عن غواشي الوهم، وكأنّ حبالة الوهم فيه تعريف التجريد بالانتزاع عن أمر ذي صفة آخر مثله فيها، فيوهم أن في كل تجريد تشبيه فأمعن النظر، واستيقن مظان الخطر؛ لئلا يفتضح من سوء الأثر.
وزعموا أن إخراج التجريد من التشبيه مخالفة من المصنف مع المفتاح؛ حيث صرح بجعل التجريد من التشبيه، وسنذكر لك في الخاتمة تحقيقا يظهر منه أن لا
стр. 734
خلاف بينهما، والمفتاح أيضا معه في هذا التقييد، وإنما لم يكتف بقوله: لا على وجه الاستعارة؛ لأن وجه الاستعارة لفظ مشترك بين الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية عنده، فلا تصح إرادة معنييها في إطلاق واحد، ولم يذكر الاستعارة التخييلية؛ لأنه عنده إثبات لوازم المشبه به للمشبه بطريق المجاز العقلي، وليس فيه دلالة على مشاركة أمر لأمر، فهو لم يدخل في المراد بكلمة ما من التشبيه اللغوي، حتى يحتاج إلى مخرج. وإما على مذهب السكاكي وهو أن الاستعارة مشترك معنوي بين الكلي والتخييلية، استعارة اللفظ لموهوم شبه بالمحقق فيجب الاكتفاء بقوله ما لم يكن على وجه الاستعارة؛ لأن في التقييد تطويلا، بل إفسادا.
قال الشارح: وينبغي أن يزاد فيه قولنا: بالكاف ونحوه لفظا أو تقديرا ليخرج عنه نحو: قاتل زيد عمرا، وجاء زيد وعمرو، وفيه أنه خرج من تفسير كلمة ما بالتشبيه؛ لأنه ليس تشبيها، وإنما يجب بقيد تعريف التشبيه اللغوي، ولما كان دخول نحو قولنا: زيد أسد. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (١) في التفسير المذكور للشبيه مشكوكا للاختلاف في أن أمثالهما استعارة أو تشبيه بليغ صرح بما هو مراده أو مذهبه فقال (فدخل فيه نحو قولنا: زيد أسد) مما حذف فيه أداة التشبيه، وجعل المشبه به خبرا أو ما في حكمه لمشبه مذكور (ونحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) مما جعل المشبه به خبرا، وإنما جعل مع حذف الأداة خبر المشبه محذوف، أو جاريا مجرى الخبر من الحال، والمفعول الثاني من باب علمت، والصفة والمضاف إليه نحو: ماء اللجين، أي: ماء هو اللجين، ولا يذهب عليك أنه يجوز أن يجعل المشبه به مبتدأ نحو: الأسد زيد؛ لأن المبالغة في التشبيه تدور على دعوى الاتحاد، وجعل المشبه به مبتدأ وجعله خبرا سيان في ذلك، وتقرب منه لجين الماء فإنه في معنى لجين هو الماء، فخذه ولا تعرض عن الحق وإن غفل عنه كثيرون.
وفي إيراد: زيد أسد، وصم بكم عمي، زيادة مبالغة في كون التشبيه البليغ تشبيها لا استعارة لماء أن زيد أسد أقرب إلى الاستعارة من زيد الأسد، كما
стр. 735
ستعرف في الخاتمة؛ ولهذا اقتصر على التعرض بهما، واختار أنه ليس باستعارة لما ذكره صاحب الكشاف أن الاستعارة إنما تطلق ذكر المستعار له بالكلية وبجعل الكلام خلوا عنه صالحا؛ لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام هذه عبارته، ودلالته على أن ما مر ليس باستعارة ظاهرة، وإن أشكل على الناظرين قوله لولا دلالة الحال، وفحوى الكلام والمقال؛ لأنه كما لا يصح مع القرينة إرادة المنقول عنه لا يصلح بدونها إرادة المنقول إليه.
وأجاب عنه الشارح بأنه قيد لإرادة المنقول عنه وهو بعيد، وقيل: توجيهه أنه يصح بدون القرينة لإرادة المنقول إليه بأن ينصب القرينة وفيه أنه يصلح لمنقول عنه مع وجود القرينة بأن يترك القرينة، فلا معنى لتقييد الصلاحية بقوله:
لولا دلالة الحال إلخ وأنا أقول: المراد انتفاء دلالة الحال وفحوى الكلام على إرادة شيء منهما أنه لو قطع النظر عن حال يدل على إرادة المنقول عنه، وهو عدم القرينة وعن حال يدل على إرادة المنقول إليه، وهو القرينة وعن فحوى المقال، ومقتضى سوقه للطالب وللحقيقة أو المجاز لجاز إرادة أي منهما تريد.
[أركانه]
(والنظر) محرّكة هو الفكر، لغة أي: الفكر (هاهنا في أركانه) قال الشارح: أي البحث في هذا المقصد أقول فيه تنبيه على أن التشبيه الذي هو من مقاصد الفن لم يجعل نفسه موضوع مسائله، بل أحد أركانه والمقصود معرفته؛ لأنه مبنى الاستعارة لا أركانه، وبهذا علم أن البحث عن الشيء قد يكون بالجمل على أجزائه الخارجية ليحصل منه ملكة استنباط أحوال محمولة عليه (وهي طرفاه ووجهه وأداته) أطلق الأركان على تلك الأربعة، مع أن التشبيه الدلالة المخصوصة، وتلك الأربعة خارجة عنه كالغرض؛ لأنها داخلة في مفهومه أو لأنها أركان للفظ الدال على التشبيه بتنزيل الدال منزلة المدلول، فهذا دأب أئمة العربية.
والدال على التشبيه وإن ليس إلا واحدا منها، لكنه كثيرا ما يكون حرفا لا يؤدي معناه إلا بمعونة الطرفين والوجه، كما هو شأن الحروف، فجعل الدال المجموع المشتمل على الأربعة؛ ولذا كثر إطلاق التشبيه على الكلام الدال على المشاركة المذكورة، نحو قولنا: زيد كالأسد في الشجاعة، وإياك وأن يجعل ضمير
стр. 736
أركانه إلى التشبيه بمعنى الكلام المذكور أو إلى مفهوم التشبيه بطريق الاستخدام، وضمير الغرض منه وأقسامه إلى التشبيه بمعنى الدلالة المذكورة، باعتبار أفراده بهذا الطريق فإنه بعيد عن ذات التعلم والتعليم، ولا يليق بمقام التفهيم، ولا يرضى به البيان السليم والأداة ليس أداة للتشبيه، بل هي أداة دالة لربط أحد الطرفين بالآخر في مقام التشبيه، والمراد به إما معنى الكاف ونحوه فيلائم المقصود بطرفيه ووجهه، وإما نفس اللفظ الدال تنزيلا للدال منزلة المدلول. قال الشارح المحقق:
قدم البحث عن طرفيه يعني من بين الأركان لأصالتهما؛ لأن وجه الشبه قائم بهما، والأداة آلة لبيان الشبه بينهما؛ ولأن ذكر أحد الطرفين واجب ألبتة بخلاف الوجه والأداة.
هذا كلامه، وفيه أنه يقال في جواب هل زيد كالأسد نعم فيحذف الطرفان إلا أن يقال المحذوف بقرينة كالمذكور، ولا يحذفان الطرفان بلا قرينة بخلاف الوجه والأداة فإنهما لم يحذفا بقرينة في: جاءني أسد.
ونحن نقول: قدم البحث عن طرفيه؛ لأن البحث عن التشبيه؛ لأنه مبنى الاستعارة التي هي أحد طرفي التشبيه فاهتمام صاحب البيان بالطرف في الطرف الأعلى، وهذا هو الوجه الأجلى، وإن خفي إلى الآن.
ولا يبعد أن يقال قدم، ليكون البحث عن طرف في طرف، فتأمل.
[وأقسامه]
(وفي الغرض منه، وفي أقسامه) قال المصنف في الإيضاح في تقسيمه بهذه الاعتبارات: وبهذا علم وجه تأخير أقسامه.
[إما حسيان أو عقليان إو مختلفان]
(طرفاه إما حسيان) أي: منسوبان إلى الحس، وهو منحصر في الحس الظاهر عند المتكلمين، وعليه بناء التقسيم (كالخد) المشهور بالفتح، ويوافقه إعجام الصحاح، لكن في القاموس الخدان والخدتان بالضم ما جاور مؤخر العينين إلى منتهى الشدق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدن المحجن إلى اللحى مذكر.
(والورد) في القاموس: ورد كل شجر نوره، وغلب على الحوجم يريد الورد الأحمر (والصوت الضعيف) أي: الذي لا يسمع إلا عن قريب (والهمس) في
стр. 737
الشرح: هو الصوت الذي أخفى حتى كأنه لا يخرج عن فضاء الفم، لكن في القاموس: هو الصوت الخفي، وكل خفي أو أخفي ما يكون من صوت القدم (والنكهة) أي: ريح الفم أو النفس المخرج من الفم إلى أنف آخر، والأخيرة هو الملائم بالعنبر (و) الأول هو الملائم بريح (العنبر والريق) أي: ماء الفم (والخمر) وهو ما أسكر من عصير العنب أو عام، ورجح العموم بأنه حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر (والجلد الناعم) أي: اللين (والحرير).
قال الشارح المحقق: وهذا كله مما فيه نوع تسامح إلا في الصوت الضعيف، والهمس والنكهة، وذلك لأن المدرك بالبصر إنما هو لون الخد والورد، وبالشم رائحة العنبر، وبالذوق طعم الريق والخمر، وباللمس ملامسة الجلد الناعم والحرير ولينهما لا نفس هذه الأشياء؛ لكونها أجساما، لكنه قد استمر في العرف أنه يقال أبصرت الورد، وشممت العنبر من حد علم أو نصر وذقت الخمر، ولمست الحرير من حد ضرب أو نصر.
هذا كلامه، وأجاز السيد السند في شرح المفتاح أن يكون مبنيا على العرف، ولا يكون تسامحا.
فإن قلت: مع ورود العرف كيف جزم الشارح بالتسامح، ورجح السيد السند كونه تسامحا؟ قلت: لأن السكاكي جرى في هذا المقام على الاصطلاحات، والظاهر أن المصنف بنى الأمر على العرف؛ لأنه لو لم يكن كذلك لأصلح هذا التسامح الذي وقع من المفتاح كما أصلح تسامحا آخر، وهو أنه مثّل للطرفين بالخد عن التشبيه بالورد ... وهكذا إلى آخر الأمثلة، ولا يذهب عليك أنه النكهة أيضا مع التسامح على أحد التوجيهين، وأن هذه أمثلة مما طرفاه حسيان، سواء جعل تشبيه الكلي بالكلي أو الجزئي بالجزئي، فالكل مشتمل على التسامح؛ لأن الكلي ليس حسيا.
قال في المفتاح: كالريق إذا شبه بالخمر على زعم القوم.
قال السيد السند في شرحه: يريد القوم المؤلفين بشربها، وفيه دفع لما يقال من أن طعم الخمر مكروه فليس له لذة طعم، هذا ولك أن تقول المراد على زعم
стр. 738
القوم الفساق، فإنهم يثبتون للريق لذة طعم، والأشبه أنه أراد زعم علماء البيان، حيث جعلوا التشبيه في لذة الطعم، وأشار إلى أن الأشبه أن تشبيه الريق بالخمر ليس في الطعم، بل في التذاذ روحاني، والمشبه به لذة النفس بالخمر فليس شيء من الطرفين حسيا (أو عقليان) عطف على قوله: حسيان، (كالعلم والحياة) في المختصر نقلا عن «المفتاح» و «الإيضاح» أن وجه الشبه بينهما كونهما جهتى إدراك، قال: والمراد بالعلم هاهنا ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية لا نفس الإدراك، ولا يخفى أنه جهة وطريق إلى الإدراك كالحياة.
هذا كلامه، ولا يخفى أن الملكة كما أنه سبب لإدراكات جزئية هي صور للجزئيات؛ ولذا وصفت بالجزئية كذلك هي سبب لإدراكات كلية هي صارت سببا لحصول الملكة، فإن الإدراكات إذا تكررت ورسخت تصير ملكة، والملكة تصير سببا لاسترجاع تلك الإدراكات بلا تجشم كسب جديد، فالإدراك أولا سبب لحصول الملكة، والملكة سبب لحصول الإدراك ثانيا، فلا يخفى أن الإدراك أيضا سبب للإدراك فلا صحة لنفس إرادة نفس الإدراك على أن سبب إدراك لإدراك غني عن الكسب، وبالجملة هو مدح العلم بأنه كالحياة تميز صاحبه عن الميت والجماد.
ولك أن تجعل وجه الشبه تميز الصاحب عن الجماد، وذا يصح على أي معنى تحمل العلم فتحمل، والأوجه أن وجه الشبه كونهما سببى انتفاع بالمرافق، فإنه لا انتفاع بدون العلم، كما أنه لا انتفاع بدون الحياة.
ولك أن تريد بالإدراك الوصول إلى الشيء فيكون معنى كونهما جهتي إدراك جهتي وصول إلى الشيء فيئول إلى الأوجه من الأوجه فتنبه، ولا تغفل فإن ملاك العلم التنبه، وملاك الغفلة التحصر والتأوه.
(أو مختلفان) بأن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا أو على العكس، فنبه على الأول بقوله (كالمنية) وهو الموت، وفسر بعدم الحيوة عما من شأنه.
وقال السيد السند: الأظهر أنه عدم الحياة عما اتصف بها، ويؤيد الأول قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (١) (والسبع) بفتح الباء وضمها وسكونها
стр. 739
المفترس من الحيوان، وعلى الثاني بقوله: (والعطر وخلق كريم) إما بإضافة الخلق إلى الكريم، كما في الشرح، لكن لا بتقدير رجل كريم كما فيه، إذ لا وجه للتخصيص، بل بتقدير شخص كريم، وإما بالوصف فيكون من قبيل عيشة راضية، فالعطر وهو الطيب مشموم، والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير سبق رؤية عقلي، ونبه بتقديم الأول على كثرته، كما نبه عليها المفتاح بتمثيل الأول بثلاثة أمثلة، وتمثيل الثاني بواحد، وكأن وجه قلته أن المحسوس أصل للمعقول ينتزعه منه العقول؛ ولذلك قيل: من فقد حسا فقد فقد علما، يعني المستفاد من ذلك الحس، فتشبيه المحسوس بالمعقول جعل الفرع أصلا، والأصل فرعا، وهو مستهجن (١)؛ ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس بالظهور، والمسك بالطيب فقال: الشمس كالحجة في الظهور، والمسك كخلق فلان في الطيب، كان سخيفا من القول، وهذا سر نحوي يعلل به الواقع ويزين به اللغة، فلا يسمع فيه ما يناقش به من أنّ الأهم عدم جواز جعل الفرع أصلا لجواز كون الفرع من وجه أصلا، ولو سلم فليس كل محسوس أصلا لكل معقول فليشبه محسوس بفرع محسوس آخر، وما يمكن أن يناقش به من أن المحسوس ما هو الخيالي، وليس أصلا للمعقولات وأن سخافة المثالين المذكورين؛ لأن المشبه أظهر وأعرف.
نعم لا يتم التمسك به في عدم الجواز، كما فعله من ادعاه، ولا في عدم الجواز، إلا بعد جعل المعقول كالمحسوس كما فعله البعض غاية الأمر أن جعله كالمحسوس أبلغ.
[والمراد بالحسي]
ولما كان المشهور من الحسي ما أدرك بتعلق الإحساس بنفسه، وبالعقلي ما لا يكون للحس الباطن مدخل فيه والمتبادر إلى الوهم جعل المحسوس المخترع داخلا في المحسوس، احتاج إلى تفسير الحسي والعقلي، فقال: (والمراد بالحسي المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس) جمع حاسية، وهي كالحساس مشتقة من الإحساس على خلاف القياس (الخمس الظاهرة) تقييد الحواس بالظاهرة يشعر بالقول بالحواس الباطنة، وجعل الوجدانيات داخلة في العقلي ناسب إنكارها
стр. 740
اتباعا لمذهب المتكلمين، وحمل الظاهر على المستغنية عن البيان، وإن كان دقيقا لطيفا مشارا إليه بالبنان، لكنه بعيد كالمخالف (فدخل فيه) أي: في الحسي بسبب زيادة أو مادته في تفسيره. الخيالي وهو المعدوم الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحس.
فإن قلت: لو فسر الحسي بما لو أدرك لأدرك بإحدى الحواس الظاهرة، لكان أقرب إلى الفهم وأنسب؛ لأن جعل الوهمي في قرن الخيالي أنسب من جعله في قرن العقلي.
قلت: إنما يكونان في قرن لو لم يتفاوتا بكثرة تشبيه المحسوس بالخيالي، وقلة تشبيهه بالوهمي كتشبيهه بالعقلي، وأما إذا كان كذلك فهو في قرن العقلي (كما في قوله:
[وكأنّ محمرّ الشّقيق) وصفه بالمحمر مبالغة في حمرته؛ لأن الإفعلال للمبالغة، فليس وصف الشقيق به، وهو ورد أحمر لغوا يريد به شقائق النعمان- بضم النون- أضيف إلى النعمان بمعنى الدم أو إلى نعمان بن المنذر؛ لأنه انتهى إلى أرض فيها من الشقائق ما أعجبه، وقال: ما أحسن هذه الشقائق احموها.
وكان أول من حماها، لا إلى نعمان بالفتح وهو واد في طريق الطائف، يقال له: نعمان الإدراك، وكأنه رد الشاعر الشقائق إلى المفرد لضرورة الشعراء؛ إذ لم يوجد الشقيق بمعنى الشقائق، بل الشقائق للواحد والجمع.
فإن قلت: هذا الوزن مما لا نظير له في الآحاد، ولو كان الشقائق للواحد لوجد له نظير في الآحاد.
قلت: ذكر في القاموس أنه سميت بالشقائق تشبيها لها بشقيقة البرق، وهي ما انتشر منه في الأفق، هذا فهو في الأصل جمع سمي به هذا الورد لاشتماله على أوراق، كل ورق، كل ورق منه كشقيقة. (إذا تصوّب) أي: مال إلى السفل (أو تصعّد) أي: مال إلى العلو، قيد المشبه بهذا القيد؛ لأن أوراق الشقائق ليست على هيئة العلم من غير ميل إلى السفل والعلو.
(أغلام) جمع علم، وهو ما يشد فوق الرمح (ياقوت نشرن على رماح) جمع