← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهو أن الاستعارة مستعملة في غير ما وضعت له بخلاف القول الآخر، وهو أن الاستعارة مستعملة فيما ضعت له، والتصرف في أمر عقلي، فإنه حينئذ حقيقة لغوية ولا يسوغ إخراجها عن تعريف الحقيقة اللغوية ولا إخراجها بقوله من غير تأويل في الوضع؛ لأنه لا تأويل في الوضع على غير القول الأصح. وقوله (فإنها) بيان لوقوع الاحتراز عنها بهذا القيد بأنها (مستعملة فيما وضعت له بتأويل) أي: وضعا ملتبسا بتأويل، وصرف للوضع عن الظاهر، فإن الظاهر منه ليس الوضع على سبيل الادعاء، بل على سبيل التحقيق. ولا يخفى أنه كما قيد الدعوى بقوله: على أصح القولين، يجب أن يقيد الدليل، إلا أن تقييد أحدهما يسوق الذهن إلى تقييد الآخر، فيكفي به. وقد عدل عن عبارة السكاكي؛ لاختلال فيه على ما هو المشهور؛ حيث قال: وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة، ففي الاستعارة بعد الكلمة مستعملة فيما وضعت له على أصح القولين، ولا نسميها حقيقة، بل مجازا لغويا لبناء دعوى اللفظ المستعار موضوعا للمستعار له، على ضرب من التأويل. هذا والمراد بقوله: دعوى اللفظ دعوى كون اللفظ على حذف كون مضاف إلى اللفظ، فاشتهر أنه لا يصح جعل قوله على أصح القولين متعلقا بقوله: مستعملة فيما وضعت له؛ إذ لا اختلاف في استعمالها فيما وضعت له في الجملة، وإنما الاختلاف في استعمالها فيما وضعت له بالتحقيق، لكن أصح القولين انتفاؤه، وحمل الوضع على الوضع بالتأويل بعيد؛ فتعين تعلقه بقوله: ليحترز به، فاختل النظم، وصار معقدا للفصل بين قوله: على أصح القولين ومتعلقه بقوله، ففي الاستعارة بعد الكلمة مستعملة فيما وضعت له، وبين قوله: ولا نسميها حقيقة، وقوله بعد الكلمة إلخ بقوله على أصح القولين. هذا ونحن نقول: عدل عن المطلب الأخفى إلى الأوجز الأوضح، لكن كلام السكاكي برئ عما ظن به من الخلل، فإن قوله: على أصح القولين متعلق بقوله مستعملة فيما وضعت له، والمراد: ما وضعت له بتأويل لوضوح القرينة المؤدية إليه، بل لفظ العد ينبئ عن كونها مستعملة فيما وضعت له، لا على سبيل التحقيق واكتفى بتقييد الدليل بقوله: على أصح القولين، عن تقييد الدعوى على

стр. 912

عكس ما فعله المصنف. لكن ما فعله المصنف أنسب؛ لأن حوالة أمر اللاحق بالسابق أنسب من العكس، وأحفظ من توهم غير المقصود. [وعرف المجاز اللغوي] (والمجاز اللغوي) عطف على قوله: الحقيقة اللغوية أي: عرف السكاكي المجاز اللغوي (بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق) (١) أراد به ما يقابل التأويل (في اصطلاح به التخاطب، مع قرينة مانعة عن إرادته، وأتى بقيد التحقيق لتدخل الاستعارة) في تعريف المجاز بناء (على ما مر) من أنها مستعملة فيما وضعت له بالتأويل؛ وهذا واضح، وإن كان ظاهر عبارة السكاكي تقتضي أن هذا القيد لإخراج الاستعارة حيث قال: وقولي: بالتحقيق احتراز عن أن لا يخرج، وفي بعض النسخ احتراز أن لا يخرج استعارة؛ لأن ذلك الظاهر ظاهر الفساد، فجعل الشارح كلمة «لا» زائدة، وجعل في المختصر الجار المحذوف في احتراز أن لا يخرج كلمة اللام، أي: احتراز لئلا يخرج. ونحن نقول: المراد: احتراز عن أن لا يخرج مدلول الاستعارة عما وضعت له، فلا تدخل الاستعارة في المستعملة في غير ما وضعت له. (ورد) ظاهر ما ذكره السكاكي (٢) (بأن الوضع) وأن يطلق في شأن الاستعارة فيقال: هي موضوعة للمستعار له بتأويل، ويطلق عليه الموضوعة بالتأويل، لكن لا يطلق فيها الوضع من غير تقييد بالتأويل، وذلك ظاهر من موارد استعمال الوضع، لا مما ذكره المصنف. وتبعه الشارح فيه من أنه فسر السكاكي بنفسه الوضع بتعيين اللفظ بإزاء المعنى بنفسه، وقال: قولي: بنفسه احتراز عن المجاز المعين بإزاء معناه بقرينة. ولا شك أن دلالة الأسد على الرجل الشجاع، وتعينه بإزائه إنما هو بواسطة القرينة؛ لأنه يجوز أن يكون تفسير السكاكي تفسيرا لأحد معنييه، ولا يلزم من

стр. 913

تفسير أحد المعنيين نفي الآخر، فهو (إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل) فالاستعارة داخلة من غير قيد بالتحقيق، فلا يصح أنه ليدخل الاستعارة في تعريف المجاز. نعم فيه زيادة إيضاح للدخول، وبهذا التقرير ظهر أن ما أجاب به الشارح عنه في المختصر من أنه أراد السكاكي أنه عرض للوضع اشتراك بين معناه المشهور والوضع بتأويل، فذكر قوله: بالتحقيق قرينة على المراد؛ ليظهر فيدخل فيها الاستعارة؛ لأن انصرافه عند الإطلاق إلى ما ليس بتأويل ينفي عروض الاشتراك. ويرد أيضا توقف الدخول على التقييد بأنه يصدق على الاستعارة: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لا محالة، ولا ينافيه صدق الكلمة المستعملة فيما وضعت له؛ لأن صدق الأول باعتبار الوضع بالتحقيق، وصدق الثاني باعتبار الوضع بالتأويل، ولا يندفع بما ذكره الشارح في المختصر أنه قرينة على نفس المراد بلفظ الوضع الذي عرض له الاشتراك؛ لئلا يحمل على الوضع بالتأويل، فتخرج الاستعارة؛ لأن عروض الاشتراك قد زيّف. واعلم أن الشارح قال: المراد بالوضع موافقا لما في الإيضاح، وما يشتق منه لينتفع به في إثبات عدم الحاجة إلى تقييد وضعت بعدم التأويل في تعريف الحقيقة، وبالتحقيق في تعريف المجاز. ويمكن أن يقال: بيان حال الوضع يكفي فيما هو بصدده؛ لتقرر أن المشتقات تابعة للمصدر في ذلك. (وبأن) عطف على قوله بأن في قوله: «ورد بأن»، وإعادة الجار يدل على أن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مستقلّ في الرد عليه، وليس كذلك؛ لأن المعطوف عليه يرد تعريف الحقيقة والمجاز، والمعطوف يخص بالحقيقة فرد ما ذكره بمجموع الأمرين، فالأولى ترك إعادة المجاز. (التقييد باصطلاح به التخاطب) لا بخصوصه (كما لا بد منه في تعريف المجاز لا بد منه) في تعريف (الحقيقة) ليخرج المجاز المستعمل فيما وضع له، كالصلاة التي استعملت في لسان الشرع بمعنى الدعاء، فحصل الاعتراض: أن

стр. 914

التعريف غير مانع، وربما يجاب بأن المراد بالوضع في قوله: من غير تأويل في الوضع الواضع في اصطلاح به التخاطب، وذلك يوجب تقييد الوضع في غير ما وضعت له باصطلاح به التخاطب؛ وبهذا اندفع ما ذكره الشارح أنه لا يكفي العهد، بل لا بد من تقييد موضوعه أيضا في قوله: فيما هي موضوعة له. نعم يتجه أن لام العهد لا تصرف اللفظ إلا إلى وضع مفهوم من قوله: فيما هي موضوعة له. وأن قوله: بالتحقيق في تعريف المجاز، وقوله: من غير تأويل في الوضع، في تعريف الحقيقة بمعنى واحد بلا ريبة، فلو أغنى قوله: من غير تأويل في الوضع عن قيد اصطلاح به التخاطب لأغنى عنه قوله: «بالتحقيق». ومنهم من أجاب بأن القيد مراد في تعريف الحقيقة، تركه للعلم به من تقييد تعريف المجاز، وهو غير ملتفت إليه لوجوه: منها: أن الترك بالمقايسة لا يليق بالتعريفات. ومنها: أن القيد المذكور بعبارة ذكره السكاكي في تعريف المجاز، لا يمكن ذكره في تعريف الحقيقة؛ لأنه يستلزم الدّور. ومنها: أن المفتاح الذي هو بصدد توضيح التعريف إلى أن ذكر للتوضيح قوله: من غير تأويل في الوضع، مع أنه لا حاجة إليه كيف يتوهم به ترك القيد للمقايسة؟ وأجاب عنه الشارح، وارتضاه السيد السند: بأن الأمور التي تختلف بالإضافات لا يتم تعريفاتها بدون اعتبار قيد الحيثية. وقد تعارف ذلك بحيث يكتفى بهذا التعارف من ذكرها، وبأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالحقيقة كما في قولنا: الجواد لا يخيب سائله. ومعلوم أن الحقيقة والمجاز من الأمور الإضافية، حتى إن لفظا واحدا يكون حقيقة ومجازا بالنسبة إلى معنيين، بل بالنسبة إلى معنى واحد، فالمعنى هاهنا: أن الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من حيث إنها موضوعة له، والصلاة المستعملة في لسان الشارع في الدعاء لم تستعمل في الموضوعة هي له، من

стр. 915

حيث إنه موضوع له. ولا يصح أن يجعل معنى تعريف المجاز: الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له، من حيث إنه غير ما هي موضوعة له؛ لأن استعمال المجاز في غير الموضوع له ليس من حيث إنه غير الموضوع له، بل من حيث إنه متعلق الموضوع له بنوع علاقة، مع قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له؛ فلهذا لم يترك التقييد باصطلاح به التخاطب في تعريف المجاز. وفيه بحث، وهو: أنه لو أريد بقوله: المستعملة فيما وضعت له، من حيث إنه ما وضعت له أن كونه موضوعا له علة مستقلة للاستعمال، فلا يستقيم؛ لأن استعمال المتكلم اللفظ فيما وضع له لأجل أنه موضوع له، والمخاطب عالم بالوضع، وإن اكتفى في الحيثية التعليلية بمجرد أن لها مدخلا فلا خفاء في مدخلية كون الشيء غير ما وضع له في استعمال المجاز، إلا أنه لا يكفي، بل لا بد من ضميمة التعلق، مع كونه غير هذا. قال في الإيضاح: ثم تعريفه للمجاز يدخل فيه الغلط كما تقدم، يريد ما تقدم من أنك تقول لصاحبك: خذ هذا الفرس مشيرا إلى كتاب بين يديك، وأنت تريد أن تقول: خذ هذا الكتاب، فغلطت. وأجيب تارة: بأن الغلط لا ينصب قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، وردّه الشارح بأن إشارته إلى الكتاب قرينة مانعة. وفيه: أنه لو كانت هذه قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له لم تعد المخاطب ساهيا، بل هذه الإشارة قرينة مانعة عن إرادة التلفظ به، وفرق بين المانعة عن إرادة التلفظ والمانعة عن إرادة المعنى؛ لأن المانعة عن إرادة المعنى أن ينتقل الذهن منها إلى عدم إرادته، لا إلى عدم إرادة التلفظ المستتبع؛ لعدم إرادة المعنى من غير أن يلتفت الذهن إليه، وتارة بأن عبارة الحد مشعرة بأن ذكر الكلمة عن قصد، ولا قصد في ذكر الغلط. وأجاب عنه السيد السند: بأن المراد الغلط ليس ما يكون سهوا من اللسان، بل ما يكون خطأ في اللغة صادرا عن قصد. وفيه أنه قوله كما تقدم يتأدى أن مراده ما هو سهو. نعم لو كان المراد ذلك لتم أن الغالط لا ينصب قرينة كما ذكره الشارح، لكن

стр. 916

يمكن المناقشة في عدم كون هذا الغلط حقيقة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد بتعريف الحقيقة الكلمة التي استعملت فيما وضعت له، في اعتقاد المتكلم، غايته أن لا يكون حقيقة صحيحة. [وقسم المجاز الى الاستعارة وغيرها] (وقسّم) السكاكي (المجاز اللغوي) أي: المجاز بالمعنى الذي سبق (إلى الاستعارة وغيرها) (١) ولم يرد أنه قسمه إليهما صريحا، بل إنه ذكر ما يحصل منه هذه القسمة؛ لأنه قسمة إلى خال عن الفائدة، ومتضمن لها؛ وقسم المتضمن لها إلى الاستعارة وغيرها. ومن البين أنه يستفاد منه أن المجاز المطلق استعارة وغيرها. (وعرف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفي التشبيه) أي لفظ أحد طرفي التشبيه بقرينة قوله: (وتريد به الآخر) ذلك أن تريد به معنى الآخر، فتأمل. (مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به) (٢) فجعل الاستعارة قسمين. أحدهما: المشبه المراد به المشبه. وثانيهما: المشبه به المراد به المشبه، ومع ذلك جعل المستعار منه مطلقا المشبه به؛ حيث قال: ويسمى المشبه به، سواء كان هو المذكور أو المتروك مستعارا منه، واسمه مستعارا. أما في صورة إرادة المشبه بالمشبه به فيتبادر أن يكون المستعار منه المشبه، لكنه اعتبر في إطلاق المستعار منه استعارة لازم المشبه به للمشبه، ففي أظفار المنية جعل المستعار منه السبع، مع أنه أريد بالمنية السبع؛ لأنه استعير من السبع الأظفار للمنية. ولما خفي هذا، ظن به أنه خالف نفسه في هذا المقام، حيث جعل الاستعارة بالكناية منها السبع؛ ولذا جعل المشبه به مستعارا منه، لكن في جعل اسم المشبه به مستعارا مخالفة بجعله الاستعارة بالكناية المشبه، إلا أن يقال: أراد أن المشبه به نفسه، سواء كان المذكور كما في الاستعارة بالكناية أو المتروك كما في الاستعارة المصرحة سمي مستعارا منه لما عرفت بالتفصيل، واسمه المذكور

стр. 917

مستعارا كما هو المتبادر منه، ومن ترك التسوية فيه بين المذكور والمتروك. ومما يوهم كلامه في هذا المقام، أنه جعل الاستعارة بالكناية الأظفار، حيث بين في استحقاقه اسم الاستعارة كون الأظفار مستعارا. ويمكن دفعه بأنه جعل المنية مستحقة لاسم الاستعارة، لاستلزامها استعارة الأظفار. وقد انكشف لك بما ذكرنا لك أن زعم القوم أنه وقع منه حفظ عظيم في تحقيق الاستعارة بالكناية واضطراب في كلامه ليس بوارد. نعم، يتجه أنه كيف تكون المنية مجازا، وسيجيء ما يتعلق به إن شاء الله تعالى. (وقسمها) أي: السكاكي الاستعارة (إلى المصرّح بها، والمكنى عنها، وعنى بالمصرح بها أن يكون المذكور) من طرفي التشبيه (هو المشبه (١)، وجعل منها تحقيقية) سواء كان على سبيل القطع أو الاحتمال (وتخييلية) كذلك، وإنما لم يقل قسمها إليهما مع أنه قال: والمصرح بها ينقسم إلى تحقيقية وتخييلية تفننا. وما قال الشارح المحقق: إنه لم يقل، وقسمها إليها؛ لأنه أراد بالتحقيقية والتخييلية ما يكون على القطع كما يتبادر إلى الفهم، وهو لم يقسم إليهما، بل إليهما، والمحتملة للتحقيق والتخييل كما مر في بيت زهير ليس بشيء لأن الظاهر من قوله: (وفسر التحقيقية بما مر) أي: ما يكون المشبه متحققا حسا أو عقلا التحقيقية السابقة، والمفسر بما مر مطلق التحقيقية لا التخييلية على القطع. (وعد التمثيل) أي: الاستعارة التمثيلية، وقد عرفت أنها قد تسمى التمثيل مطلقا كما يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة فلا وجه للتقدير على سبيل الاستعارة، كما يوهمه تقرير الشارح. [وفسر التحقيقية] (منها) أي: من التحقيقية؛ حيث قال في قسم الاستعارة المصرح بها التحقيقية مع القطع: ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصف صورة أخرى.

стр. 918

ومن البين أنه لا اختصاص للتمثيل بالتحقيقية إلا مانع من تشبيه صورة مركبة من أمور وهمية بصورة محققة كما كان ينتزع من المخاطب الملتئمة من أمور متعددة صورة، ويتوهم مثلها للمنية؛ فكأنه ذكره في التحقيقية على سبيل القطع، واعتمد على التنبيه منه على مثله في التحقيقية على الاحتمال، وفي التخييلية. (وردّ بأنه) أي: التمثيل (مستلزم للتركيب المنافي للإفراد) فلا يصح عدّه من الاستعارة التي هي قسم من أقسام المجاز المفرد، وإلا لزم كون مباين الشيء مندرجا تحته. وأجيب عنه بوجوه: أولها: ما عدّ تاما، واختاره الشارح المحقق والسيد السند، وهو منع عدم صحة عدّه من الاستعارة التي هي قسم من المجاز المفرد؛ لأن المعدود من قسم الشيء لا يجب أن يكون معدودا منه؛ لأن قسم الشيء قد يكون أعم منه من وجه، فيقال: الحيوان إما أبيض أو غيره، والأبيض أعم من الحيوان، لا يقال: هذه مسامحة والقسم الأبيض الحيوان، فالأعم من وجه قيد قيد القسم، لا القسم؛ لأنا نقول: فليكن تقسيم السكاكي أيضا من هذا القبيل. وثانيهما: ما اختاره أيضا الشارح، وهو أن ما قسّمه السكاكي من المجاز ليس ما عرفه، وإن وقع تقسيمه عقيب التعريف، بل المجاز المعنى الأعم منه بقرينة أنه جعل من أقسامه المجاز العقلي والمجاز الراجع إلى حكم الكلمة، وهما لا يدخلان في المجاز المعرف بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له. أما الأول فظاهر، وأما الثاني؛ فلأنه إما نفس الإعراب، فهو ليس بكلمة، وإما الكلمة باعتبار الإعراب فهي غير مستعملة في غير ما وضعت له. وفيه أنه قال: المجاز عند السلف قسمان: لغوي، وهو ما تقدم، ويسمى مجازا في المفرد. وعقلي، ويسمى مجازا في الجملة، وينقسم اللغوي قسمين: راجع إلى معنى الكلمة، وراجع إلى حكم لها في الكلام. والراجع إلى معنى الكلمة قسمان: خال عن الفائدة، ومتضمن لها.

стр. 919

والمتضمن للفائدة قسمان: خال عن المبالغة في التشبيه، ومتضمن لها، وأنه يسمى الاستعارة، فالمجاز المقسم وإن كان أعم يجعل المجاز العقلي قسما منه، لكن المنقسم إلى الاستعارة وغيرها المجاز اللغوي بالمعنى المتقدم، فلا ينفع في منع كون الاستعارة عنده قسما من المجاز المفرد. وكون المقسم في هذا التقسيم المجاز الأعم لا يقال: لا بد من جعل المجاز اللغوي في تقسيمه؛ حيث قال: واللغوي قسمان: أعم من المجاز اللغوي الذي جعله قسيما للمجاز العقلي، وإلا لم يصح جعل المجاز الراجع إلى حكم الكلمة قسما منه، فالمراد به ما يطلق عليه المجاز؛ لأنا نقول هذا مع كونه تكلفا في غاية السماجة، يرده أن ما يطلق عليه المجاز لا ينحصر في المجاز الراجع إلى معنى الكلمة؛ والراجع إلى حكمها، وإلا لم تكن الاستعارة أعم من المجاز المفرد. فالوجه أن يقال: المقسم هو المجاز اللغوي بمعنى تقدم، وجعل الراجع إلى حكم الكلمة قسما منه؛ لكونه ملحقا به على ما صرح به السكاكي نفسه بعد ذلك في بحث المجاز، ومشبها به الراجع إلى حكم الكلمة؛ حيث قال: ورأيي في هذا النوع أن يعد ملحقا بالمجاز، ومشبها به؛ لما بينهما من الشبه؛ لاشتراكهما في التعدي عن الأصل إلى غير الأصل، لا أن يعد مجازا، وبسبب هذا لم أذكر الحد شاملا له، ولكن العهدة في ذلك على السلف ﵏. وثالثها: أن المجاز المعرف شامل للمركب، والمراد بالكلمة هو اللفظ الموضوع مطلقا، ومنه قولهم: كلمة الله. ورده الشارح بأن الكلمة في هذا المعنى مجاز في اصطلاح العربية، فلا يصح من غير قرينة سيما في التعريف مع أنه صرح بأن المقسم إلى الاستعارة وغيرها هو المجاز المفرد: حيث قسم إليهما المجاز اللغوي الذي عيّنه بقوله: وهو ما تقدم، ويسمى مجازا في المفرد، فقوله: وهو ما تقدم وإن لم يكن صريحا في أن المقسم المجاز المفرد، بناء على تعميم الكلمة، لكن قوله: ويسمى مجازا في المفرد نص فيه، بل نص في أنه لا يصح تعميم الكلمة أي: سلمنا صحة تعريف المجاز بالكلمة بهذا المعنى إما لأن عبارة المفتاح غير مصونة عن التعقيد، وإما لأن القرينة قامت على هذه الإرادة حيث قسم إلى أقسام هي مركبات، وسلمنا أنه لم يصرح بأن المنقسم

стр. 920

إلى الاستعارة وغيرها هو المجاز المفرد، بناء على أن التسمية بالمجاز في المفرد يصح أن يكون بناء على الأغلب، لكنا نقول بعد ما أريد بالكلمة ما يعم المفرد والمركب، فإن أريد بالوضع الوضع بالشخص، لم يدخل المركب من الحقائق في تعريف الحقيقة، ومن المجازات في تعريف المجاز؛ لأنه وإن يصدق عليه أن الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له، لكن لا يصدق أنها الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له في اصطلاح به التخاطب؛ لأنه لا وضع لها فضلا عن الوضع في اصطلاح به التخاطب، حتى يتحقق عن غير الموضوع له في اصطلاح به التخاطب. وإن أريد ما هو أعم من الشخصي والنوعي، فقد دخل المجاز في تعريف الحقيقة؛ لأنه موضوع بإزاء المعنى المجازي وضعا نوعيّا على ما تبين في الأصول. هذا كلام الشارح مع نهاية تحريره وتوضيحه، وفيه نظر. أما أولا: فلأن قوله مع أنه قد صرّح بأن المنقسم إلى الاستعارة وغيرها، هو المجاز في المفرد ينافي ما ذكره في جوابه الثاني؛ إذ مورد القسمة ليس المجاز المفرد اللهم إلا أن يقال: لم يجعل الشارح المقسم المجاز المفرد لجعله المجاز اللغوي المنقسم إلى: الراجع إلى معنى الكلمة، وإلى: الراجع إلى حكمها غير المجاز اللغوي المسمى: بالمجاز في المفرد. وهذا المجيب لا يتكلف بجعلهما متغارين، بل يجعل المجاز المعرف أعم، ويتوهم أنه يندفع به الإشكال، فرد توهمه بأن السكاكي صرح بأن المنقسم المجاز المفرد بناء على كون المجاز اللغوي المقسم والقسم واحدا في زعمه لا ينافي الحكم بأن المقسم ليس المجاز المفرد، بناء على ارتكاب التكلف والحكم بأن المقسم والقسم متغايران. وأما ثانيا: فلأنا نختار شقّا ثالثا: ونقول: أراد بالوضع الوضع بلا قرينة، سواء كان شخصيا أو نوعيا، ولم يتبين في الأصول أن المجاز موضوع بهذا المعنى، والحاصل أن للوضع معنيين: خاص، وهو التعيين للمعنى بلا قرينة، وهو المشهور، والتقسيم إلى الحقيقة والمجاز إليه يدور، وعام وهو التعيين للمعنى ويدخل فيه تعيين المجاز، فليكن هذا على ذكر منك ينجيك عن كثير من

стр. 921

المزالق. وأما ثالثا: فلأن هذا الاعتراض يلزم على المصنف أيضا؛ لأنه فرع الاعتراف بالحقيقة والمجاز المركبين، فإذا عرف مطلق الحقيقة والمجاز وأخذ الوضع في تعريفهما، يقال: إن أريد بالوضع الوضع بالشخص إلى آخر ما ذكر، والحاصل أن هذا الاعتراض لا يرد على جعل الاستعارة التمثيلية قسما للمجاز المفرد، بل على جعله قسما للمجاز فكما يبطل به هذا الجواب يبطل به الجواب الذي اختاره الشارح وغيره. ورابعها: أن إضافة الكلمة إلى شيء أو تقييدها واقترانها بألف شيء لا يخرجها عن أن يكون كلمة؛ فالاستعارة هاهنا هو التقديم المضاف إلى الرجل المقترنة بتأخير أخرى، والمستعار له هو التردد، فهو كلمة مستعملة في غير ما وضعت له. قال الشارح: وهذا في غاية السقوط، وإن كان ممن هو في غاية الحذاقة والاشتهار للقطع بأن لفظ «تقدم» في قولنا: تقدّم رجلا وتؤخر أخرى مستعمل في معناه الأصلي والمجاز إنما هو في استعمال هذا الكلام في غير معناه الأصلي، أعني صورة تردد من يقوم ليذهب فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد ويؤخر أخرى. وهذا ظاهر عند من له مسكة في علم البيان. وخامسها: وهو أسقط من الرابع، وهو أن المراد بقول السكاكي: ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصف الأخرى، ومن أمثال الاستعارة ونظائرها، فلا يلزم كونه استعارة، والاستعارة المستعملة في بيانه من قبيل اللغة. وسادسها: أنا [لانم] (١) أن التمثيل يستلزم التركيب؛ لأنه استعارة مبنية على التشبيه التمثيلي، والتشبيه التمثيلي قد يكون طرفاه مفردين، كما في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً (٢) فإذا ترك فيه التشبيه إلى الاستعارة صار استعارة تمثيلية مفردة. ولا يخفى أن هذا المنع لا يضر المصنف؛ لأنه يكفي كون التمثيل مركبا، ولا

стр. 922

يتوقف رد عد التمثيل من الاستعارة على استلزامه التركيب، لا تقول: فليكن التمثيل معدودا منها لا بتمامه، بل ببعض أقسامه أي: المفرد؛ لأنا نقول عد السكاكي التمثيل من الاستعارة على استلزامه التركيب مطلقا، حيث مثّل لتلك الاستعارة المعدودة «بأراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، على أنه يمكن تحرير عبارة المصنف على وجه يندفع عنه هذا المنع بأن يقال: مراده باستلزام التمثيل التركيب استلزام قسم التمثيل للتركيب، بمعنى أن هذا القسم لا ينفك عن فرد مركب؛ وبهذا ظهر ضعف ما ذكره الشارح ﵀ حيث قال: وفيه نظر؛ لأنه لو ثبت أن مثل هذا المشبه به يقع استعارة تمثيلية، فهذا إنما يصلح لرد كلام المصنف، لا لإصلاح كلام السكاكي؛ لأنه قد عد من الاستعارة التحقيقية، مثل قولنا: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى. ولا شك أنه ليس مما عبر عن المشبه به بمفرد، ولا مجاز في مفرد من مفرداته، بل في نفس الكلام حيث لم يستعمل في معناه الأصلي على أن المنع المشار إليه بقوله: لو ثبت أن مثل هذا المشبه به يقع استعارة تمثيلية منع للسند، وقوله: لا مجاز في مفرد من مفرداته، بل في نفس الكلام لا يخلو من خلل أو المجاز نفس الكلام لا فيه، فالصحيح لا يجوز في مفرد من مفرداته، بل في نفس الكلام. واعلم أن ملخص هذا الجواب، والجواب الرابع واحد؛ لأنه أيضا منع استلزام التمثل التركيب، لكن بسند أن لا تركيب في تمثيل، حتى قولنا: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، إلا أنه لو تم لكان نافعا، بخلاف المنع بهذا السند كما عرفت. والسيد السند أثبت استلزام التمثيل التركيب بالنقل أولا من «المفتاح»؛ حيث قال: ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصف الأخرى، وهذا الذي نسميه تمثيلا على سبيل الاستعارة، فقد صرح بكون المستعار منه والمستعار له مركبين. ورد بأن الصورة المنتزعة لا يستدعي إلا متعددا ينتزع عنها، ولا يقتضي للدلالة عليها لفظا مركبا فليغير عن الصورة المنتزعة بمفرد مثل المثل. وأجاب بأن دلالة المفرد إجمالية لا يلتفت النفس إلى المتعدد المضمر في

стр. 923

مفهومه قصدا، فلا يقدر العقل على انتزاع الصورة منها، ولو فصّله العقل بعد فهمه إجمالا لم يبق مدلول اللفظ المفرد، وفيه أن استعارة اللفظ الدالّ على الهيئة المنتزعة لهيئة منتزعة أخرى لا يجب أن يكون من الهيئة المفصلة لهيئة مفصلة، بل لا يكون إلا لهيئة مجملة، وربما يكون من هيئة مجملة إذا كان اللفظ مفردا، إلا أن ذلك الإجمال لغرابة تفصيل الهيئة يحضر تفصيلها، وبجعله العقل وسيلة تفصيلها، ولذلك يكون لهذه الاستعارة شرف وفضل وبيان أنه لا يكون إلا لهيئة مجملة أن استعارة «تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، من هيئة التردد في الذهاب تفصيلا لانفهامه من ألفاظ متعددة ينتقل من كل منها إلى جزء من الهيئة، لكن لهيئة التردد في جواب الاستفتاء إجمالا؛ إذ هيئة التردد فيه تفهم من جميع هذه الجملة من حيث هو جميع من غير تفصيل ألفاظها على قدر تفصيل أجزاء الهيئة، فأجزاء الجملة بالنسبة إلى الهيئة المستعار لها كالحروف التي في المفرد، وأثبت ذلك الاستلزام ثانيا بالاستدلال بأن مبنى الاستعارة التمثيلية على التشبيه التمثيلي، وهو لا يكون إلا بين طرفين مركبين؛ وذلك لأنه عرف بما يكون وجهه منتزعا عن متعدد، والمتبادر منه الانتزاع عن متعدد هو غير أجزائه، وإلا لقيل: ما وجهه مؤلف أو مركب من متعدد، وحمل التعريفات على ما يتبادر. وأجيب ما لم يصرف عنه صارف، فلا بد أن يكون كل من طرفيه مركبا. وفيه أن صرف التعريف عن الظاهر ليس بأصعب من تأويل الحكم بكون الطرفين في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اليهود مفردين، وجعله حكما على سبيل التوسع، وجعل إدخال الكاف عليه مبنيا على المسامحة لاتحاده مع المشبه به، كما ذهب إليه؛ لحفظ ظاهر عبارة التعريف، على أن اختيار الانتزاع على التأليف لا يجب أن يكون لخروج المنتزع عنه عن المنتزع، بل للتنبيه على أن المعتبر هو التركيب الاعتباري، لا التركيب الحقيقي الثابت، مع قطع النظر عن اعتمال العقل وتصرفه، فالانتزاع لا يتبادر منه إلا التركيب الاعتباري، لا خروج المنتزع عنه. ولو سلم، فلا يستدعي ذلك إلا كون متعدد متحققا في الظرف لا تركيبه المنافي للإفراد، كما حققناه لك على وجه أغناك عن بيانه هنا. فإن قلت: قد جوز صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ

стр. 924

الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً (١) الآية، أن يكون تشبيهات مفرقة، وأن يكون تشبيها واحدا مركبا، ولا مرية في أن لا فرق بين المركب والمفرق، إلا بأن العقل يجعل المتعدد أمرا واحدا مأخوذا من حيث الاجتماع في المركب، ويعتبره واحدا مشبها بواحد فواحد بواحد في المفرق، فكما لا بد في المفرق من اعتبار ألفاظ منوية في الطرف، وإن لم تكن مقدرة في نظم الكلام لا بد في المركب، فلا يكون الطرف الذي هو الهيئة المركبة مدلول اللفظ المفرد. قلت: من تجويز التركيب والتفريق في جملة واحدة لا يجب أن يعتبر في التركيب ما يعتبر في التفريق، فليكن من جملة فضل التركيب على التفريق غناء التركيب عن تقدير الألفاظ دون التفريق، على أن في احتياج التفريق أيضا نظر؛ لم لا يجوز أن يكتفى في التشبيهات المفرقة بتخييل مفهوم المفرد واعتبار التشبيه بين جزء منها وشيء. وقد فرع السيد السند التنافي بين الاستعارة والتبعية والتمثيل على وجوب تركيب الطرف في التمثيل، ووجوب إفراده في الاستعارة التبعية والتمثيل؛ لأنه يعتبر في المصادر ومتعلقات الحروف ابتداء، وكلها مفردات. وشنّع على الشارح: في جعله كلمة «على» في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ (٢) استعارة تبعية وتمثيلا، ومتابعته ظاهر عبارة «الكشاف»، وقد وقع بينهما مناظرة فيه وأطنب في هذا المقام غاية الإطناب، ولم يكن لنا غرض يتعلق بإيراده فأعرضنا عنه، وإن كان لنا فيما ذكره مباحث، لكن نقول: لا التباس على ذوي الإحساس بعد قياس البناء على الأساس، فتبصّر بالبصيرة والبصر، واستعذ بالله في المزالق عن أن يكون في بئر ممن سرى لا حور وما شعر. [وفسر التخيلية] (وفسر) السكاكي (التخييلية بما) أي استعارة (لا تحقق لمعناه حسّا ولا عقلا) فلا يرد القول ونظائره، فإنه ليس معناه إلا أمرا وهميا؛ لأنه لم يدخل تحت المراد بكلمة ما، ولما كان ما لا تحقق لمعناه حسّا ولا عقلا شاملا لما لم يتعلق

стр. 925

به توهم أيضا أضرب عنه بقوله (بل هو) أي معناه صورة، أي ذو صورة، فإن الصورة جاءت بهذا المعنى أيضا (وهمية) اخترعها المتخيلة بإعمال الوهم إياها؛ فإن للإنسان قوة لها تركيب المتفرقات وتفريق المركبات إذا استعملها العقل يسمى مفكرة، وإذا استعملها الوهم يسمى متخيلة، ولما كان حصول هذا المعنى المستعار له باعتبار إعمال بالوهم إياهما سميت استعارة تخييلية، ومن لم يعرفه قال: المناسب حينئذ أن تسمى وهمية، وعدّ التسمية تخييلية من أمارات تعسف السكاكي في تفسيره، وإنما وصف الوهمية بقوله (محضة) أي: لا يشوبها شيء من التحقق العقلي أو الحسي للفرق بينه وبين اعتبار السلف، فإن أظفار المنية عندهم أمر محقق شابه توهم الثبوت للمنية، فهناك اختلاط توهم وتحقق، بخلاف ما اعتبره فإنه أمر وهمي محض، لا تحقق له لا باعتبار ذاته، ولا باعتبار ثبوته. وصرح باللفظ في قوله (كلفظ الأظفار) اهتماما بتمثيل ما هو في تحقيقه من التخييلية، حتى لو حذف اللفظ، وقال: كالأظفار لربما يسبق الوهم إلى جعله مثالا للصورة الوهمية، أو لربما يسبق الوهم إلى تمثيلها بإثبات الأظفار للمنية، كما اشتهر (في قول الهذلي) أي: المعهود الذي سبق (فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال أخذ الوهم) بإعمال المتخيلة (في تصويرها) أي: المنية (بصورته) أي: السبع (واختراع) مثل (لوازمه) بحسب الصورة، لا بحسب الحقيقة، فإن الأظفار لا تستلزم (١) حقيقة السبع. قال في المفتاح: وفي الإيضاح: فيثبت ما يلزم صورته (لها) أي: للمنية (فاخترع لها مثل صورة الأظفار ثم أطلق عليه) لفظ (الأظفار) أي: مثل المصور بصورتها لأنها من لوازم السبع لا يكمل الاغتيال فيه إلا بها، على ما حققه المصنف سابقا، ولا يتقوم الاغتيال إلا بها على ما ذكره «المفتاح»، ووافقه في الإيضاح هنا، ولم يتعرض له اعتمادا على ما سبق من تحقيقه، فتعريفه هذا صادق على لفظ مستعمل في صورة وهمية محضة من غير أن تجعل قرينة الاستعارة بالكناية، فلا تستلزم الاستعارة بالكناية، بخلاف تفسير السلف، فإنها لا تنفك عندهم عن الاستعارة بالكناية.

стр. 926

وقد صرح به حيث مثل للتخييلية بأظفار المنية المشبهة بالسبع، والسلف إما أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعا أو يجعلوا الأظفار ترشيحا للتشبيه لا استعارة تخييلية. وقد صرح في فصل بيان جهات حسن الاستعارة أيضا به حيث قال: التخييلية، فلما يحسن الحسن البليغ بدون الاستعارة بالكناية؛ ولذلك استهجنت في قول الطائي لا تسقني، هذا يريد قول أبي تمام (١): لا تسقني ماء الملام فإنّني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي ويريد بالاستهجان ما نقل أن بعض أصحاب الطائي بعث إليه قارورة، وقال: ابعث لنا فيها ماء الملام، فقال في جوابه: ابعث لنا من جناح الذل حتى نبعث لك من ماء الملام. يعني إنما وقع مني مثل: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ (٢) ولم يلتفت إلى ما ذكره في الجواب، وجعل الاستهجان بمكان؛ لأن الآية ليست من قبيل ماء الملام، حتى يذب عنه الملام؛ لأن الطائر عند إشفاقه وتعطفه على أولاده يخفض جناحه، ويلقيه على الأرض، وكذا عند تعبه ووهنه، والإنسان عند تواضعه يطأطئ من رأسه، ويخفض من بدنه، فشبه ذله وتواضعه بإحدى حالتي الطائر على طريقة الاستعارة بالكناية. ويضاف إليها الجناح قرينة لها، فإنها من الأمور الملابسة للحالة المشبه بها، واستبعد المصنف وجودها بدون المكنية جدا؛ إذ لا يوجد له مثال في كلام البلغاء، وقال: قول الطائي ليس فيه دليل على وقوعه؛ لجواز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظرف الشراب؛ لاشتماله على ما يكرهه الملوم، كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لبشاعته ومرارته؛ فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكنى عنها أو بالماء نفسه؛ لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الإدام، فيكون تشبيها على حد لجين الماء فيما مر، لا استعارة. والاستهجان على الوجهين؛ لأنه كان ينبغي أن يشبهه بظرف شراب مكروه أو

стр. 927

بشراب مكروه. هذا كلامه، يعني: تشبيهه بمطلق الظرف أو بمطلق الماء ليس على ما ينبغي، وليس المراد أن عبارته لا تفي بما قصده من التشبيه بظرف شراب مكروه، على ما بينه الشارح؛ لأنه خلاف عبارته. ويمكن أن يقال: المقام قرينة على إرادة تشبيهه بالظرف المكروه، أو الماء المكروه؛ فلا استهجان. على أنا لا نسلم أن التشبيه بالمكروه؛ لجواز أن يقول للائم: (فلائم على سبيل (١) المجازاة) إني لا أستعذب الملام مع عذوبته، وإنما أستعذب ماء بكائي فاحفظ ماء ملامك فلا تضيعه. (وفيه) أي: في تفسيره التخييلية (تعسف) (٢) وخروج عن الطريق لما فيه من اعتبارات لا حاجة إليها. وقد عرفت وجه الحاجة على أوضح بيان وأتمه، فتذكر. (ويخالف) عطف على تعسف وبتأويل المصدر لتقدير أن فهو منصوب، والمعنى فيه تعسف ومخالفة. (تفسير غيره لها بجعل الشيء للشيء) ولا يخفى أنه يصدق على كل مجاز عقلي؛ فلذا قيده في الإيضاح بقوله: جعل اللبيد للشمال يدا، وكأنه جعل اللام للعهد أي: جعل الشيء الذي هو لازم المشبه به للشيء الذي هو المشبه. ولك أن تعطفه على قوله: وفيه تعسف عطف فعلية على اسمية، وبالجملة يريد أن تفسيره مع كونه تعسفا غير موثوق به عقلا غير موثوق به نقلا؛ لأنه يخالف تفسير غيره في أنه يقتضي كون الأظفار مستعملة في صورة وهمية. وتفسير غيره يقتضي كونها حقيقة على ما عرفت، ومخالفة القوم فيما الحق معهم بلا شبهة جسارة فيه خسارة؛ فلا يرد ما ذكره الشارح المحقق في المختصر أن صاحب المفتاح في هذا الفن خصوصا في مثل هذه الاعتبارات ليس بصدد التقليد بغيره، حتى يعترض عليه بأن ما ذكره مخالف لما ذكره غيره؛ لأن مقصود المصنف أن ما ذكره

стр. 928

مزيف جدا لمخالفته مقتضى العقل، وما ذهب إليه القوم بأجمعهم. (ويقتضي) ما ذكره السكاكي (أن يكون الترشيح تخييلية؛ للزوم مثل ما ذكره) في التخييلية من أنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال أخذ الوهم في تصويرها بصورته، واختراع لوازمه لها. (فيه): أي في الترشيح؛ لأنه أيضا إثبات ما اخترعه الوهم من لوازم المشبه به للمشبه، بعد تصويره بصورته، كما يقتضيه التشبيه، فإما أن يلتزمه فيلزم مزيد تعسف ومخالفة للغير، وإما أن يوافق فيه غيره فيلزم التحكم. وما ذكرنا أقوى مما ذكره الشارح أنه يلزم أن يكون الترشيح تخييلية، مع أنه ذكر صاحب الكشاف في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً (١) ما يدل على أن الترشيح ليس من الاستعارة؛ حيث قال: إنه يجوز أن يكون الحبل استعارة لعهده، والاعتصام استعارة للوثوق بالعهد، أو هو ترشيح هذا يريد بقوله: ليس من الاستعارة أنه ليس بجميع أفراده منها، بل ربما يفارقها؛ فإنه دل على أن الترشيح متحقق بدون الاستعارة، سواء كان المراد بقوله أو هو ترشيح بدون استعارة، أو كان المراد بقوله: أو هو ترشيح على إطلاقه، فلا يرد على الشارح مما ذكره السيد السند أنه يجوز أن يكون المراد بقوله: أو هو ترشيح فقط، فلا ينافي تحقق الترشيح مع الاستعارة أو هو ترشيح مع الاستعارة، بل يجوز كما جوّزه صاحب الكشاف، بل الشارح نفسه أيضا في شرح الكشاف؛ فإن الاعتصام مع كونه استعارة للوثوق بالعهد ترشيح لاستعارة الحبل للعهد، فإن التعبير عن لازم العهد بعبارة هي حقيقة في لازم الحبل ترشيح. ووجه كون ما ذكرنا أقوى أنه لا يلزمه على ما ذكره إلا مخالفته للكشاف، لكن ما ذكره وفق بتقرير الإيضاح. وأجاب الشارح عن هذا الاعتراض بأن الأمر الذي هو من خواص المشبه به لما قرن في التخييلية بالمشبه، كالمنية مثلا حملناه على المجاز، وجعلناه عبارة عن أمر موهم يمكن إثباته للمشبه. وفي الترشيح لما قرن بلفظ المشبه به لم يحتج إلى ذلك؛ لأنه جعل المشبه به

стр. 929

هو هذا المعنى مع لوازمه، فإذا قلنا: رأيت أسدا يفترس أقرانه، ورأيت بحرا يتلاطم أمواجه، فالمشبه به هو الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي، والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي، بخلاف أظفار المنية فإنها مجاز عن الصورة الوهمية؛ لتصح إضافتها إلى المنية. هذا ومخلصه أن حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارة؛ لما يصح إثباته للمشبه، ولا يحتاج إلى تجوز في ذلك الإثبات، وليس هذا الداعي في الترشيح؛ لأنه أثبته للمشبه به، فلا وجه لجعله مجازا ثم أورد على نفسه أنه يلزم حينئذ أن لا يكون الترشيح خارجا عن الاستعارة زائدا عليها. وأجاب عنه بأنه فرّق بين المقيد المجموع والمشبه به هو الموصوف، والصفة خارجة عنه، لا المجموع المركب منهما، وأيضا معنى زيادة أن الاستعارة تامة بدونه، وأورد عليه السيد السند بأن هذا الفرق لا ينفع: لأن المشبه به إذا كان هو المقيد لوصف كان ذلك الوصف من تتمته، ولا يتم ذلك التشبيه إلا بملاحظته، فلا يكون ذكر الوصف تقويته، وتربية للمبالغة المستفادة من التشبيه، ولا مبنيا على تناسيه فلا يكون ترشيحا أصلا، وأيضا إذا كان المشبه به هو المقيد به من حيث هو مقيد، فلا بد أن يستعار منه ما يدل عليه من حيث هو كذلك. فلا تتم تلك الاستعارة بدون ذلك القيد. هذا وأيضا يرد على الشارح أن مثل لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (١) لا شك أن شاكي السلاح فيه أثبت للمشبه لا للمشبه به، وليس من تتمة المشبه به؛ فيكون قوله: مقذف، وقوله: له لبد، كقوله: شاكي السلاح مثبتين للمشبه لا للمشبه به، فلا بد من تجوز في الإثبات أو في المثبت، وأن الترشيح كما يكون في الاستعارة المصرحة، يكون في المكنى عنها، وهو في الاستعارة بالكناية لم يقرن المشبه به. ويمكن أن يفرق بين التخييلية والترشيح بأن

стр. 930

التخييلية لو حمل على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكني عنها، كما عرفت. بخلاف المصرحة فإن قولنا: جاءني أسد له لبد، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد، فإن ما له جاءني رجل شجاع لما شبه به لبد، لكنه لا يتم في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً (١) فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قصد بيانه للعهد، فلا بد من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد. (وعنى) أي: أراد السكاكي (بالمكني عنها أن يكون الطرف المذكور هو المشبه) على وجه خاص أشار إليه بقوله: (على أن المراد بالمنية) في قوله: [وإذا المنيّة أنشبت أظفارها] (٢) (هو السبع بادعاء السبعية لها) وإنكار أن يكون شيئا غير السبع (بقرينة إضافة الأظفار) التي هي من خواص السبع (إليها) أي: إلى المنية فقوله: على أن المراد بالمنية يفيد أن المشبه المذكور يجب أن يراد به المشبه به، فلا حاجة إلى تقييد قوله أن يكون الطرف المذكور هو المشبه بقولك ويراد به المشبه به، تمييزا للاستعارة المكنى عنها عند السكاكي عنها عند المصنف، كما فعله الشارح المحقق. وقوله: بقرينة إضافة الأظفار إليها لو حمل على أن القرينة للاستعارة بالكناية إنما هي إضافة خاصة المشبه به إلى المشبه أفاد استلزام الاستعارة بالكناية للتخييلية. ولو حمل على أن القرينة لها إضافة ما هو موضوع لما يختص بالمشبه به إلى المشبه لم يفد، وكأنه حمله المصنف على الأول فادعى فيما بعد أن الاستعارة بالكناية مستلزمة للتخييلة. (ورد) أي: ما ذكره السكاكي من تعيين الاستعارة بالكناية، وجعلها قسما من الاستعارة التي هي قسم من المجاز، وجعل إضافة الأظفار قرينة الاستعارة (بأن لفظ المشبه فيها) أي: في الاستعارة بالكناية كلفظ المنية مثلا (مستعمل

стр. 931

فيما وضعت له تحقيقا) فلا يصح تفسير الاستعارة بأن يكون الطرف المذكور هو المشبه، ويراد به المشبه به. (والاستعارة ليست كذلك) فلا يصح جعلها قسما منها (وإضافة نحو الأظفار قرينة التشبيه) ولا يدل على أكثر من التشبيه، فلا يصح ما ذكره أنه قرينة الاستعارة، وليس ضمير رد إلى مجرد تفسير الاستعارة بالكناية، كما ظنه الشارح المحقق؛ فإنه حينئذ يلغون قوله: والاستعارة ليست كذلك، وقوله: وإضافة نحو الأظفار قرينة التشبيه، ويحتاج في دفع الأخير إلى ما ذكره بقوله: وهذا كأنه جواب سؤال مقدر، وهو أنه لو أريد بالمنية معناها الحقيقي فما معنى إضافة الأظفار إليها، على أنه بعد ما عرف أن إضافة الأظفار قرينة التشبيه اعتبار مثل هذا السؤال بعيد، وقد بذلوا الجهد في دفع هذا الاعتراض، وهو لقوته قاوم عساكر التوجه، وأكثر ما ذكر ليس إلا مجرد التفوه. وهكذا يكون سعي العجزة في مقاومة الأقوياء، ولا علينا أن نستوفي البيان، فإنه من مطارح الأذكياء، فمنهم من أجاب بأن السكاكي قد ذكر أنه كما أن استعمال المشبه به في المشبه في الاستعارة التصريحية مبني على ادعاء أن المشبه داخل تحت جنس المشبه به، وبذلك لا يصير المشبه داخلا تحته، حتى ينافي هذا الادعاء نصب القرينة على أن المراد بالمشبه به ليس ما وضع له؛ إذ لا منافاة بين الادعاء، والاعتراف بأن الواقع والتحقيق خلافه، كذلك استعمال المنية في الموت بادعاء أنه سبع مبني على دعوى الترادف بين السبع والمنية، حتى يتم ادعاء دخول المنية تحت السبع بجعل أسمائه قسمين متعارف وغير متعارف. ولا يكون التعبير عنه بالمنية مناقضا لهذا الادعاء. ولا يخفى أن استعمال المنية في الموت بعد كونها مرادفة للسبع استعمال في غير ما وضعت له. ومن البين أنه ليس بشيء؛ إذ الموت ما وضع له المنية تحقيقا، ولا يخرج بدعوى أنها مرادفة للسبع عن كونها موضوعة للموت تحقيقا، كيف والسكاكي مصرح في أثناء البيان بأن ثبوت الشيء ادعاء لا ينافي نفيه حقيقة؟ ! ولهذا لم يتناقض نصب القرينة، على أن المراد غير الموضوع له مع دعوى أن المراد داخل تحت الموضوع له.

стр. 932

فإن قلت: ما ذكره السكاكي لا يتم؛ لأن الادعاء أن المنية داخلة تحت السبع بجعل أفراد السبع قسمين: متعارف وغير متعارف لا يناسب دعوى الترادف بين السبع والمنية، بل يستدعي كون السبع أعم. قلت: ليس الدعوى أن جنس المنية من أفراد السبع، بل إن المنية المخصوصة التي يخبر عنها تحت السبع، وحينئذ لا يبعد دعوى من الترادف. نعم، لا يتعين، لكنه أبلغ فيما هو المقصود من الادعاء، وأوهن مما ذكر ما يجاب به من أن لفظ المنية بعد «جعل» مراد، فاللسبع استعماله في الموت استعمال فيما وضع ادعاء، لا تحقيقا، فلا يكون حقيقة، بل مجازا وكذا ما يجاب به من أنه لا يمكن إنكار أن المنية مستعملة في المشبه هي به، فيكون مجاز الظهور أنها مستعملة فيما وضعت له تحقيقا، وفي المشبه هي به ادعاء. وأجاب الشارح تارة بأن الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له، من حيث هو كذلك، والمنية لم تستعمل في الموت من حيث إنها موضوعة له، بل من حيث إنه فرد من أفراد السبع، وزيفه تارة بأنه لا يستعمل اللفظ في المعنى إلا لكونه موضوعا له، أو لكونه لازما للموضوع له، فاستعمالها مجاز أو مستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق، وتارة في الموت لكونه موضوعا لها، وتارة بأنه وإن خرجت بذلك عن كونها حقيقة، لكنها لم تصر مجازا ومستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق، فلا ينفع، وتارة بأن الاستعارة بالكناية بالمعنى المصدري هو ذكر المشبه وإرادة المشبه به، والاستعارة بالكناية التي هي قسم المجاز المشبه به المضمر في الكلام المستعار للمشبه المدلول عليه بذكر لازمه، كما صرح به السلف. ولما أبى عنه قول السكاكي بأن المنية استعارة بالكناية عن السبع، وكذا في أخواته أوّله بأن معناه أن ذكر المنية استعارة بالكناية، ولا يخفى أن مقتضى جعل الاستعارة بالكناية بالمعنى المصدري ذكر المشبه وإرادة المشبه به جعل الاستعارة بالكناية بمعنى المستعار بالكناية نفس المشبه، فهذا بعيد عن الاعتبار جدا. وأجاب السيد السند بأن في المصرحة تصور غير الموضوع له تصورته، وفي المكنية تصور الموضوع له بصورة غيره، فقد اعتبر في كل منهما ما خارج عن

стр. 933

الموضوع له، وما اعتبر فيه الخارج خارج فيكون مجازا كالمصرحة، وفيه أن اعتبار الخارج ليس فيما استعمل الاستعارة بالكناية فيه، بل إنما استعملت فيما وضعت له، وجاء الخارج من إضافة لازم المشبهة هي به. وقد جرني سماع هذه الأصوات على أن ترنمت فيما بينهم بأن المنقسم إلى الاستعارة بالكناية والاستعارة المصرحة ليست استعارة، وهي قسم المجاز، بل ما يطلق عليها الاستعارة، فلتكن الاستعارة بالكناية حقيقة. وهذا التقسيم منه كتقسيمه للمجاز إلى المجاز العقلي والمجاز اللغوي، بعد تعريفه المجاز بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق في اصطلاح به التخاطب، ولا شبهة أن المنقسم ما يطلق عليه المجاز لا المجاز لمعنى عرف حيث عرف فتأمل. (واختار) السكاكي (رد التبعية (١) إلى المكنى عنها على نحو قوله) أي: قول السكاكي (في المنية وأظفارها) حيث جعل المنية استعارة بالكناية، وإضافة الأظفار المستعارة للصورة الوهمية الشبيهة بالأظفار قرينتها لا يجعل التبعية مكنيا عنها (بل يجعل قرينتها) أي: قرينة التبعية (مكنيا عنها) وجعل (التبعية قرينتها) ففي قولنا: نطقت الحال بكذا، جعل الحال الذي جعله القوم قرينة التبعية، استعارة بالكناية باستعماله في متكلم ادعاء، ويجعل إثبات النطق الذي هو من لوازم المتكلم له قرينة تلك الاستعارة، لكن في كون ذلك مختار السكاكي نظر؛ لأنه قال في آخر بحث الاستعارة التبعية: هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية، بأن قلبوا فجعلوا في قولهم: نطقت الحال بكذا الحال التي ذكروها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المتابعة في التشبيه، على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة كما تراهم في قوله: [وإذا المنية أنشبت أظفارها] يجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط فتدبر. هذا كلامه، وهو صريح في أنه رد الاستعارة التبعية إلى المكنية على قاعدة

стр. 934

القوم، فحينئذ لا حاجة له إلى استعارة قرينة المكنية لشيء حتى تبقى التبعية مع ذلك بحالها، ولا يتقلل الأقسام بهذا، فلا يتم ما رد به المصنف رده. فإن قلت: لم يجعل السلف الاستعارة بالكناية المشبه المستعمل في المشبه به، كما اعتبره في هذا الرد، فكيف لا يتأتى لك توجيه كلامه بأن رده على قاعدة السلف من غير أن يكون مختارا له. قلت: لا شبهة فيما ذكرنا، والعهدة عليه في قوله كما تراهم في قوله: وإذا المنية أنشبت أظفارها، يجعلون المنية استعارة بالكناية، ولا يضرنا فيما ذكرنا من توجيه كلامه. (ورد) رد السكاكي التبعية إلى المكنى عنها (بأنه) أي: السكاكي أو الشأن (إن قدر) أي السكاكي وإن قدر (التبعية) فتأمل (حقيقة) كما هو طريقة غيره في قرينة المكنى عنها (لم تكن تخييلية) على مذهبه؛ (لأنها مجاز عنده) ولا يخفى أن هذا الترديد قبيح؛ لأنه لما قال: وجعل التبعية قرينتها على نحو قوله في المنية وأظفارها لم يبق احتمال تقديره حقيقة، وإلا لم يكن على نحو قوله، فكان عليه أن يقول على نحو المنية وأظفارها ليحسن هذا الترديد، وأيضا ينبغي أن يقول: إن قدر التبعية غير استعارة لم يكن تخييلية؛ لأنها مجاز عنده (فلم يكن المكنى عنها مستلزمة للتخييلة، وذلك باطل بالاتفاق) (١) لئلا يتجه المنع على قوله (وإلا) أي: وإن لم يقدر حقيقة (فتكون استعارة) لجواز أن يكون مجازا مرسلا، وأن لا يضر هذا المنع؛ لأن الكون مجازا مرسلا أيضا يشارك الكون حقيقة في الفساد، وأما إثبات الملازمة بأن كون العلاقة بين المعنيين هي المشابهة، كما تصدى له الشارح المحقق، فدونه خرط القتاد. (فلم يكن ما ذهب إليه السكاكي مغنيا عما ذكره غيره) ولا يحصل ما هو الغرض من الرد من تقليل الأقسام؛ لأن تقسيم الاستعارة إلى التبعية وغيرها بعد بحاله، إلا أن التبعية صارت برمتها قرائن الاستعارة بالكناية.

стр. 935

وقد يجاب عن هذا الرد بأن استلزام المكنى عنها للتخييلية ليس متفقا عليه، بل المتفق عليه عدمه، كيف وصاحب الكشاف من السلف صرح بأن في: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ (١) استعارة بالكناية بتشبيه العهد بالحبل والنقض استعارة لإيطال العهد، فقد وجد الاستعارة بالكناية بدون التخييلية عند غير السكاكي، وهو صرح في بحث المجاز العقلي بأن قرينة المكني عنها إما مقدر وهمي كالأظفار في أظفار المنية، ونطقت في نطقت الحال، أو أمر محقق كالإنبات في أنبت الربيع البقل، والهزم في هزم الأمير الجند، فقد أثبت الإنبات المحقق قرينة للمكنى عنها، فلم يجعل المكني عنها مستلزمة للتخييلية فلم يكن استلزام المكنى عنها للتخييلية ثابتا، لا عنده ولا عند غيره، على أن مذهب الغير لا يقوم دليلا على إبطال كلامه؛ لأنه يصدر الخلاف، وزيفه الشارح بأنه يتم في إفساد كلام المصنف، لا لإصلاح كلام السكاكي، كيف وقد جعل نطقت في نطقت الحال قرينة وهمية للاستعارة بالكناية؟ ! فقد اعترف بالاستعارة التبعية، وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم، أن ذلك اعتراف باستعارة نطقت؛ لأن كونها وهمية، ليس لاستعارتها لنطق موهوم كالأظفار، بل لأنه ليس مع الحال نطق يتوهم ثبوته لها، كالإنبات مع الربيع، بل النطق كثبوته وهم محض. سلمنا أنه اعتراف باستعارة نطقت لصورة وهمية لكن ليس ذلك مع حفظ الرد؛ لأنه لا إنكار في احتمال بعض صور الاستعارة التبعية للاستعارة بالكناية، بلا تكلف، فتمثيله بنطقت الحال لقرينة الاستعارة بالكناية لا يلزم أن يكون مع التزام الرد حتى ينافي القول بالرد. ويشهد لما ذكرنا ما ذكره صاحب الكشّاف في الرد على السكاكي رد الاستعارة التبعية إلى المكنى عنها، من أنه قد يكون تشبيه المصدر هو المقصود الأصلي، والواضح الجلي، ويكون ذكر المتعلقات جليّا تابعا ومقصودا بالغرض عنها، فالاستعارة حينئذ تكون تبعية كما في قوله: تقري الرّياح رياض الحزن مزهرة ... إذ سرى النّوم في الأجفان أيقاظا (٢)

стр. 936

فإن التشبيه هاهنا إنما يحسن بين هبوب الرياح عليها، وبين القرى ولا يحسن التشبيه ابتداء بين الرياح والضيف، ولا بين الأيقاظ والطعام، نعم يلاحظ التشبيه بين هذه الأمور تبعا لذلك التشبيه، ولا يصح أن يعكس فيجعل التشبيه بين الهبوب والقرى تبعا لشيء من هذه التشبيهات، فلا يصح هاهنا رد التبعية إلى المكنية عند من له ذوق سليم. وقد يكون التشبيه في المتعلق غرضا أصليا، وأمرا جليا، وقد يكون ذكر الفعل، واعتبار التشبيه فيه تبعا (فح) (١) يحمل على الاستعارة بالكناية كقوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ فإن تشبيه العهد بالحبل مستفيض مشهور، وقد يكون التشبيه في مصدر الفعل أو في متعلقه على السوية، فحينئذ جاز أن يجعل استعارة تبعية وأن يجعل مكنية كما في: نطقت الحال، فإن كلا من تشبيه الدلالة بالنطق وتشبيه الحال بالمتكلم ابتداء مستحسن، فظهر أن ما ذكره السكاكي من الرد مطلقا مردود. ويمكن توجيه كلام المصنف بأنه أراد أنه إن قدر التبعية حقيقة لم تكن الاستعارة التخييلية قرينة للمكنية أصلا، وذلك باطل عنده باتفاق الناس؛ وذلك لأنه إذا جعل قرينة المكنية في صورة رد التبعية حقيقة يلزمه أن يجعل القرينة في غيرها أيضا كذلك، لأن الفرق تحكم، فالمراد بقوله: أن لا تكون مستلزمة نفي مطلق الاستلزام الأعم من الاستلزام الجزئي والكلي، حتى لو قال: ولا تكون التخييلية قرينة المكنية أصلا لم يتجه عليه شيء. ومن وجوه رد الرد ما ذكره الشارح المحقق في شرح المفتاح في بحث الترشيح حيث قال: وليت شعري ماذا يفعل المصنف بالاستعارة التبعية في كل استعارة تبعية تكون قرينتها عقلية، وكيف تجعلها قرينة على استعارة مكنية، وهذا في غاية القوة، وغاية ما يمكن أن يقال: إنه لما كان مدار القرينة في التبعية على الفاعل والمفعول والمجرور، على ما صرح به السكاكي بين الرد بجعل قرينة التبعية مكنية، وأما في نحو: قتلت زيدا إذا ضربته ضربا شديدا، فجعل زيدا مكنيا عنها

стр. 937

باستعماله في المقتول ادعاء وإثبات القتل تخييلية، ولا يجعل القرينة مكنية. نعم يتم الرد على السكاكي لو وجد مثال لتبعية قرينتها حالية، ولم يكن هنا ما تجعل مكنية، والتبعية قرينتها. ومن وجوه الرد كلام من لا مساس له، فكلام السكاكي نقله الشارح وطوّل الكلام في الرد عليه في حاشية الشرح، وزاد في طول كلامه السيد السند، ولم أظن ذكره إلا إطالة وإبطالا لما هو أظهر بطالة فأعرضنا عنه شفقة على الآذان، وصيانة للأذهان. [فصل: حسن كل من التحقيقية والتمثيل] (فصل) في شرائط حسن الاستعارة وتعينه (والمراد) بيان ما به أصل الحسن، وما يزيد في حسنها، ويدور عليه مراتب الحسن، ولا يقتصر على ما لو أهمل لخرج من الحسن إلى القبح. (حسن كل من التحقيقية) أي: كل فرد من أفراد التحقيقية مفصلة، فقوله: (والتمثيل) تخصيص بعد التعميم لمزيد اهتمام بشأنه، كما لا يخفى، وليس المراد حسن كل من هاتين الاستعارتين، وإلا للغى ذكر التمثيلية فافهم. (برعاية جهات حسن التشبيه) (١) سوى ما يأتي من أن لا يقوى التشبيه بحيث يتخيل الطرفان متحدين فإنه ليس من شرائط حسن الاستعارة أن توجد فيها هذه الجهة لحسن التشبيه. وكأنه أراد الجهة المعهودة لسبقها، وهذه الجهة مما لم تسبق. قال الشارح في تفصيل جهات حسن التشبيه: كأن يكون وجه الشبه شاملا للطرفين، والتشبيه وافيا بإفادة ما علق به من الغرض، ونحو ذلك مما سبق، وكأنه أراد ظهور الشمول أو الشمول تحقيقا، وإلا فشمول وجه الشبه مما يتوقف عليه التشبيه لا حسنه، وإنما كان الحسن برعاية جهات حسن التشبيه؛ لأنه مبنى الاستعارة فصحتها وحسنها مانعان لصحته وحسنه، وفيه نظر تأمّل تعرف. (وأن لا يشم رائحته لفظا) ظاهره أن المراد: أن لا يشم كل من التحقيقية والتمثيل، كما في الشرح، والصحيح تفسيره بأن لا يشم شيئا منهما كما في

стр. 938

المختصر، والتحقيق: أن المعنى أن لا تشم التحقيقية؛ إذ التمثيل مندرج تحتها، فلا حاجة إلى عود الكناية إليه أيضا. وإنما قال لفظا أو التشبيه معنى مما لا بد منه، لكنه لفظا ينافي ادعاء دخول المشبه تحت المشبه به؛ لدلالته على كون المشبه به أقوى في وجه الشبه؛ ولذا قيل: ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك، فقاعدة التشبيه نقصان ما يحكى، فإشمام رائحته لا يلائم الادعاء المذكور، فينقص من حسنه، فالاستعارة توجب انتفاء التشبيه لفظا، وحسنه يستدعي انتفاء الإشمام، فقولنا: رأيت بدرا في الحسن، ليس باستعارة وقوله: [قد زرّ أزراره على القمر] (١) استعارة قليلة الحسن؛ لأن في ذكر المشبه إشمام رائحة التشبيه، وإن كان ليس على وجه ينبيء عن التشبيه. كذا حققه السيد السند في شرح المفتاح، وأظن أن في التجريد أيضا إشمام رائحته، ولا يخفى أنه كما تدور الاستعارة على التشبيه، فحسنها برعاية جهات حسنه يدور على القرينة أيضا، فحسنها برعاية حسن القرينة بأن تكون في الخطاب مع الذكي غير واضحة جدا، ومع البليد في غاية الوضوح، ومع المتوسط بين بين، وكأن لم يتعرض له؛ لأنه من جهات حسن مطلق المجاز من غير اختصاص بها. (ولذلك) أي: ولأن شرط حسنهما أن لا يشم رائحة التشبيه لفظا (لوصى أن يكون التشبيه) أي: ما به المشابهة (بين الطرفين جليا) بنفسه أو بسبب عرف أو اصطلاح (لئلا تصير) الاستعارة التحقيقية (إلغازا) أي: سبب إلغاز وتعمية أي: إخفاء يقال: ألغز فلان في كلامه إذا عمّاه أي: أخفى مراده، ومنه: اللغز والجمع: ألغاز نحو رطب وأرطاب. وتلك الوصية مخصوصة بالتحقيقة المصرحة دون الاستعارة بالكناية كما صرح به في المفتاح: قيل ذلك لأن في المكنية تصريحا باسم المشبه، فلا يصير لخفاء وجه الشبه سبب تعمية وإلغاز، والتوصية بالجلاء أي: إلى حد لا ينتهي إلى الابتذال؛ لأن شرائط حسن التشبيه أن يكون وجه الشبه غريبا غير مبتذل،

стр. 939

ويفهم من كون الوصية مبنية على الاجتناب عن إشمام أن وجه الشبه الخفي لا يوجب كون الاستعارة إلغازا إذا أشممت رائحة تشبيه. (كما لو قيل: ) في التحقيقة (رأيت أسدا، وتريد إنسانا أبخر) البخر بالتحريك: النتن في الفم وغيره. (ورأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة، وأريد الناس) تمثيل للتحقيقية والتمثيل، ولا يخص التمثيل كما يوهمه بيان الشرح؛ لأن التمثيل من التحقيقية وإنما صار إلغازا؛ لأن مشابهة الناس بالإبل المائة لا توجد فيها راحلة في عزة وجوده مرضي منتخب، فيما بينهم خفية غير واضحة، بحيث لو ترك التشبيه لفظا انتقل الذهن إليه من ذكر المشبه به؛ ولذا صرح النبي ﷺ بالتشبيه فقال: «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» (١) وفي رواية «تجدون الناس كالإبل المائة ليست فيها راحلة». الراحلة: البعير يرتحله الرجل جملا كان أو ناقة، أي يحط عليه رحله، وقوله: كالإبل مفعول ثان ليجدون، وقوله: ليست فيها راحلة: حال أو جملة مستأنفة. (وبهذا ظهر أن التشبيه أعم محلا) أي: أعم بحسب التحقق لا بحسب الصدق؛ إذ لا يصدق التشبيه على الاستعارة، ولا الاستعارة عليه. ونبه على إرادة العموم بينهما بحسب التحقق بقوله: «محلا» والأعم إذا أطلق ينصرف إلى الأعم المطلق، ولم يظهر بما سبق إلا افتراق التشبيه عن الاستعارة، ولا يظهر به مع ضميمة ما هو ظاهر من اجتماع التشبيه والاستعارة أنه أعم من الاستعارة، ما لم يظهر أن الاستعارة لا تفارق التشبيه، وهو لم يعلم، بل سيعلم خلافه من أنه قد تتعين الاستعارة، ولا يصح التشبيه فبينهما عموم من وجه. وليس لك أن تحمل العموم عليه؛ لأنه خلاف العبارة، ومع ذلك لم يظهر مما سبق، وليس للأعم معنى أعم منهما، حتى يحمل عليه؛ إذ ظهر بما سبق أحد العمومين. ولما في عبارته هذه من الخلل غيّره في الإيضاح إلى قوله: وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه.

стр. 940

(ويتصل به) أي: بما ذكر من جهات حسن التشبيه تعيين الاستعارة، وإن كان بينهما تفاوت، فناسب جمعهما في فصل واحد. وقال الشارح أي: يتصل بما ذكر من تعيين التشبيه إذا خفي الشبه أنه تتعين الاستعارة؛ إذا قوي الشبه. هذا وفاعل قوله: «ويتصل به» (أنه إذا قوي الشبه بين الطرفين حتى اتحدا كالعلم والنور، والشبهة والظلمة لم يحسن التشبيه وتعيين الاستعارة) (١) لئلا يصير كتشبيه الشيء بنفسه أو لا يفوت ما أوجبه البلوغ إلى مرتبة الاتحاد من جنس الادعاء، فإذا فهمت مسألته تقول: في قلبي نور، ولا تقول: في قلبي ما هو كالنور، وإذا وقعت في شبهة تقول: أنا في ظلمة، ولا تقول: كأني في ظلمة. ومن هذا علم أن من فوائد الاستعارة الاحتراز عن تهمة تشبيه الشيء بنفسه ألا ينحصر الغرض منه في المبالغة في التشبيه. (والمكنى عنها كالتحقيقية) في أن حسنها برعاية جهات التشبيه، لا في أن لا تشم رائحة التشبيه لفظا؛ لأنه تشبيه مضمر في النفس، فلا ينافي رائحة التشبيه. نعم ينبغي أن نتحاشى عما يوجب ظهور التشبيه. (و) الاستعارة (التخييلية حسنها بحسب حسن المكنى عنها)؛ لأنها لا تكون إلا تابعة للمكني عنها عند المصنف؛ فلهذا لم يقيد هذا الحكم بقولنا: إن كانت تابعة لها كما قيده صاحب المفتاح؛ لأنه جوّز وجود المكنية بدون الاستعارة بالكناية، ولم يلتفت إلى بيان جهة حسنها إذا لم يكن تابعة لها لقلته كما صرح به؛ حيث قال: وقلما يحسن الحسن البليغ غير تابعة لها. وينبغي أن يكون حسن الاستعارة التخييلية باعتبار ظهور اختصاصها بالمشبه به، وباعتبار قوتها فيه. وينبغي أن يكون ما به قوام وجه الشبه أحسن مما به كماله. قال الشارح: ولقائل أن يقول: لما كانت التخييلية عنده استعارة مصرحة مبنية على التشبيه، فلم لم يكن حسنها برعاية جهات حسن التشبيه أيضا، كما

стр. 941

ذكره في التحقيقية والمكني عنها. ويمكن دفعه بأن الاستعارة التخييلية صورة وهمية مخترعة اخترعها البليغ، وأضافها إلى المشبه مشابهة للازم المشبه به، وهو أمر مبطن غير مصرح به في الكلام، فلا يمكن بيان التفاوت فيه، وضبط درجات حسنه بتفاوت حسن التشبيه المعتبر فيه، فتأمل. [فصل: قد يطلق المجاز على كلمة تغير حكم إعرابها] (فصل: وقد يطلق المجاز) إما على سبيل الاشتراك أو التشابه (على كلمة تغير حكم إعرابها) الإضافة لأمية أي: حكم لإعرابها، لأنها إضافة العام إلى الخاص كشجر الأراك، فقول الشارح: «هي للبيان على نحو من النحو». قال في المفتاح: يتغير إعرابها من نوع إلى نوع آخر (بحذف لفظ أو زيادة لفظ) خرج بهذا القيد لغير حكم إعراب «غير» في: جاءني القوم غير زيد، فإن حكم إعرابه كان الرفع على الوصفية، فتغير إلى النصب على الاستثناء، لكن لا يحذف لفظ أو زيادة، بل لنقل «غير» عن الوصفية إلى كونه أداة استثناء، لكنه يخرج عنه ما ينبغي أن يكون مجازا، وهو جملة حذف ما أضيف إليها، وأقيمت مقامه، نحو: ما رأيته مذ سافر، فإنه في تقدير: مذ زمان سافر إلا أن يؤول قوله كلمة بما هو أعم من الكلمة حقيقة، ومنها حكما، ويدخل فيه ما ليس بمجاز نحو: إنما زيد قائم، فإنه يغير حكم إعراب زيد بزيادة «ما» الكافة، وإن زيدا قائم، فإنه يغير إعراب زيد من النصب إلى الرفع بحذف إحدى نوني إنّ وتخفيفها، وغير ذلك مما تعرفه لو كنت في درجة من التفطن. فالصحيح كلمة تغير حكم إعرابها الأصلي إلى غيره، أي: إلى غير الأصلي فإن ربك في وَجاءَ رَبُّكَ (١) تغير حكم إعرابه الأصلي أي: إعرابه الذي يقتضيه بالأصالة لا بتبعية شيء آخر، وهو الجر في المضاف إليه أي: إلى غير الأصلي الذي حصل بمتابعة أمر آخر، كالرفع الذي حصل فيه بفرعية مضافة المحذوف وثباته له، وليس ما غير إليه الإعراب الأصلي في الأمثلة المذكورة إلى غير الأصلي، بل إلى أصل آخر. وكذلك يدخل فيه نحو: ليس زيد بمنطلق، وما زيد بقائم، مع أن المفتاح صرح بأنهما ليسا بمجازين، إذ قيدا لإخراجهما بأن قال: أو زيادة لفظ مستغنى

стр. 942

عنه استغناء واضحا نحو: كفى بالله، وبحسبك زيد بخلاف: ليس زيد بقائم، وما زيد بقائم. وفسر شارحوا المفتاح الاستغناء الواضح بما لم يظهر لزيادته فائدة أصلا، وزيادة الباء في النفي لتأكيد النفي. قال الشارح: وظاهر عبارة المفتاح أن الموصوف بهذا النوع من المجاز هو الإعراب، يريد به أنه قال: الحكم الأصلي لقوله: ربك هو الجر، وأما الرفع فمجاز فيه. كذا قال المصنف: النصب في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١) مجاز، والجر في لَيْسَ كَمِثْلِهِ (٢). واعترض عليه: بأن الأقرب أن يكون المجاز هو الكلمة دون الإعراب؛ لأنه لا يتم في المجاز بالزيادة نحو: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أنه تعدى الإعراب عن محله، وقد صرح المفتاح بأن اعتبار التجوز هنا باعتبار مشابهته المجاز في التعدي عن الأصل إلى غير الأصل. وردّ ذلك بأن ظاهر عبارة تعريفه الذي يجب حفظه أنه نفس الكلمة؛ حيث قال: وهو عند السلف أن تكون الكلمة منقولة عن حكم لها أصلي إلى غيره، فليؤول قوله: وأما الرفع المجاز بأن المراد فحكم مجازي بمنزلة المعنى المجازي في المجاز، والمجاز شائع بالمعنى السابق، لا بهذا المعنى فإنه قلما يستعمل كما دل عليه قوله: وقد يطلق إذ لا غرض متعلق به في فن البيان. قال الشارح: حاول المصنف التنبيه عليه اقتداء بالسلف، وحفظا للمتعلم عن الزلق عند استعمال المجاز بهذا المعنى، هذا والأولى القناعة بالوجه الثاني؛ إذ لا بد لتعرض السلف لهذا المعنى من جهة، وهي ليست إلا المعنى المذكور، وستعرف تحقيق هذا المجاز على وجه يكون مقصودا في البيان. فالأول: (كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ) لاستحالة مجيء الرب (٣)،

стр. 943

فيجب أن يحمل على أن التقدير: جاء أمر ربك أو عذابه، وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ للقطع بأن المقصود سؤال أهل القرية، وإن كان الله قادرا على إنطاق الجدران أيضا، وأنه ليس المقام مقام تذكير المخاطب، وجعله معتبرا بفناء أهل القرية، حتى يقال لها: اسئل القرية، وقل لها: ما صنعوا كما يقال: سل الأرض من شق أنهارك، فإنه لا يحذف في أمثال هذا المقام المضاف على ما صرح به الشيخ عبد القاهر. وسر ذلك أن التصرف هنا في السؤال والقصد من الأمر بالسؤال الأمر بالتأمل في القرية الخالية عن أهلها، والتأمل فيها والاعتبار بها، والتذكير لمآل ما تعلق به المخاطب من المنازل والمآرب. (و) الثاني (كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ) فإن الأصل ليس مثله شيء، تغير حكم إعراب مثله عن النصب إلى الجر بزيادة الكاف، هذا إذا قيل بزيادة الكاف دون المثل، كما قيل بدليل: إن الزيادة نشأت منه، ورجّح الأول بأن الحكم بزيادة الحرف سيما حرف «ليس» إلا حرفا أنسب، ونحن نرجحه بأن القول بزيادة المثل يؤدي إلى القول بدخول الكاف على المضمر، وإلى الحاجة إلى تقدير متعلق للجار. وقد يقال: المقصود من هذا الكلام نفي أن يكون شيء مثله تعالى، وكما يكون قصد هذا المعنى بجعل الكاف أو المثل زائدا يمكن مع الاستغناء عن جعل شيء منهما زائدا، بل التحصيل مع عدم الزيادة بطريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح. وذكر الشارح المحقق له وجهين: أحدهما: وهو ما نقله عن الكشاف، وهو أنه قد قالوا مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، والغرض نفيه عن ذاته فسلكوا طريق الكناية قصدا إلى المبالغة؛ لأنهم إذا نفوا عمن يماثله، وعمن يكون على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه كما يقولون: قد أيفعت لذاته، وبلغت أترابه يريدون إيفاعه وبلوغه، فحينئذ لا فرق بين قوله: ليس كالله شيء، وقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلا ما تعطيه

стр. 944

الكناية من فائدتها، وهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد، وهو نفي المماثلة عن ذاته، ونحو قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ (١) فإن معناه: بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها؛ لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئا آخر، حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له، وكذلك يستعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له. هذا وينبغي أن يعلم أن نفي المثل عنه تعالى بنفي مثل المثل مجاز متفرع على الكناية؛ لأنه لا بد في الكناية من صحة إرادة المعنى الحقيقي، وهذا إنما يصح فيما يمكن في حقه المعنى الحقيقي، وأما فيما يمتنع فلا يصح، فهو مجاز متفرع على الكناية بأن هذه الكناية لما نقلت عن محل يصح فيه المعنى الحقيقي إلى محل يمتنع انقلبت مجازا. فإطلاق الكناية مسامحة شائعة تسمية للفرع باسم أصله، هذا على حذف ما حققوه. وأما ما يقتضيه الرأي الصائب فلعله غيره؛ لأنه إذا جاز إرادة المعنى الحقيقي لانتقال إلى اللازم، فيما لا يتحقق فيه مع إمكان تحققه فلم لا تجوز تلك الإرادة، فيما يمتنع، حتى تكون كناية محضة. ومما يتعلق بتحقيق هذا الوجه من الكناية، وبه يمتاز عن الوجه الثاني الذي سنذكره لك أن نفي المثل عنه تعالى على هذا الوجه لازم لنفي المثل عن مثله تعالى؛ لأنه إذا انتفى المثل عن مثله، وعمن هو على أخص أوصافه، ينتفي عنه بطريق الأولى لا من جهة أن ثبوت مثل المثل لازم لثبوت المثل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. وثانيهما: أنه نفي للشيء بنفي لازمه؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم؛ وذلك لأنه لو كان له تعالى مثل لكان لمثله مثل، وهو ذاته تعالى؛ لأن المماثلة من الجانبين. وأورد عليه السيد السند: أنه لا تفاوت بين هذين الوجهين في باب الكناية إلا بحسب العبارة، وبيان ذلك أن كلا الوجهين كناية في الشبه؛ حيث نسب

стр. 945

النفي إلى مثل المثل، وأريد بسببه إلى المثل فرجعهما إلى استعمال لفظ دال على نفي مثل المثل في نفي المثل، إلا أنه عبر عن الأول بأن ثبوت مثل المثل لازم لثبوت المثل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، وعن الثاني بأن نفي المماثل عمن هو على أخص أوصافه نفي للمماثل عنه بطريق المبالغة، فالصواب: أن هذا الوجه ليس بكناية، بل هو من المذهب الكلامي بإيراد حجة على نفي المثل على طريقة أهل الكلام، فيكون المآل أنه ليس لمثله مثل؛ إذ لو كان له مثل لكان لمثله مثل هو ذاته تعالى، وحينئذ يكون لنا وجهان متميزان. هذا، وقد عرفت التمايز بين وجهي الكناية وأن بناءه على اختلاف وجه لزوم نفي المثل لنفي المثل فيهما، وكفى شاهدا في التمايز بينهما أنه يتوجه على الثاني ما لا يتوجه على الأول، وهو أنا لا نسلم أنه لو كان له مثل، لكان ذاته مثلا بمثل؛ لأن مثل الشيء ما هو ملحق به إلحاق الناقص بالكامل، على ما عرفته في باب التشبيه، حتى لو تساويا لترقى الأمر في باب البلاغة عن التشبيه إلى التشابه. فإن قلت: فقد سقط بهذا الفرق الوجه الثاني. قلت: كأني بصاحب هذا الوجه يقول: ينبغي أن يكون المقصد من الآية أكثر من نفي الملحق بذاته، لئلا يقصر عن نفي المشارك، لكنا نقول لا نرضى بحمل أبلغ كل كلام على ترك ما هو أحسن من العدول من التشبيه إلى التشابه، في أمثال هذا المقام، فنقول: المراد على هذا نفي المثل، ويلزم من انتفائه انتفاء المشارك بطريق الأولى، ولا يقوم ما ذكرته من وجه الكناية، بل يتعين حينئذ الحكم بزيادة الكاف. نعم لو أريد التوجيه بطريق الكناية، فالوجه هو الأول؛ وبهذا ظهر سقوط المذهب الكلامي أنه لا يخص بالوجه الثاني، بل يصح صرف ما ذكره الكشاف أيضا على المذهب الكلامي، وأنه ليس نفي مثل المثل أوضح من نفي المثل، حتى يستدل به على نفي المثل. وللكناية وجه ثالث يتضمن التعريض لمثبت المثل بأنك لم تتعقل الواجب، بل لم تتعقل إلا مثلا له؛ إذ لو تعقلت ذاته لم تثبت له مثلا، فاللائق بحالك في مقام نفي المثل عنه تعالى نفي المثل عن مثله تعالى، فتنبه. ***

стр. 946

قال صاحب المفتاح (١): ورأيي في هذا النوع أن يعد ملحقا بالمجاز ومشبها به؛ لاشتراكهما في التعدي عن الأصل إلى غير الأصل، لا أن يعد مجازا؛ ولذا لم أذكر الحد شاملا له، لكن العهدة في ذلك على السلف، وكأنه أراد أنه لا يرضى بجعله مشاركا لما سبق في اسم المجاز، وداخلا تحت مفهومه، أو جعل اللفظ مشتركا بينهما، لأن لفظ المجاز لا ينصرف في الإطلاق إلا إلى الأول، ولا يراد به هذا الفرد إلا بالقرينة لكن العهدة في جعل اللفظ مشتركا بينهما اشتراكا معنويا أو لفظيا على السلف، كما يستدعيه تقسيمهم المجاز إلى هذا النوع وغيره، فلا يتوجه عليه ما ذكره الشارح المحقق. ووافقه السيد السند عليه أنه إن أراد أنهم جعلوه من أقسام المجاز اللغوي المقابل للحقيقة؛ والمفسر تفسيرا يتناوله وغيره فليس كذلك؛ لاتفاق السلف على وجوب كون المجاز مستعملا في غير ما وضع له، مع اختلاف عباراتهم في تعريفاته، فلا يعرف له هاهنا رأي ينفرد به؛ لأنا نقول له: نراع معهم في اشتراك لفظ المجاز بين النوعين اشتراكا معنويا أو لفظيا كما يستدعيه تقسيمهم المجاز إليهما. ثم نقول: لا يبعد أن يقال هذا النوع من المجاز أيضا من قبيل نقل الكلمة عما وضعت له إلى غيره فإن للكلمة وضعا إفراديا ووضعا تركيبيا، فهي مع كل إعراب في التركيب وضعت لمعنى لم توضع له مع إعراب آخر، فإذا استعملت مع إعراب في معنى وضعت له مع إعراب آخر فقد أخرجت عن الموضوع له التركيبي إلى غيره، مثلا: القرية بالنصب في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ موضوعة لمعين تعلق به السؤال، وقد استعمل في معين تعلق بما أضيف إليه السؤال، وحينئذ يمكن أن يجعل تحت تعريفاتهم للمجاز، ويجعل مقصودا لصاحب البيان لتعلق أغراض بيانية به، فلما رتبه وقد نقل الشارح في هذا المقام تعريفا للمجاز بالزيادة، وتعريفا للمجاز بالحذف عن الإحكام وطول فيه الكلام. وزاد عليه السيد السند فوائد في بيان المقصود والمرام، إلا أننا خفنا عن السآمة فتركناه؛ فإن اشتهيته فارجع إليهما، وإن فاتك ما كنا نريد عليهما، لكن لا علينا فإنك لا تتحمل ما لدينا.

стр. 947

(الكناية) مصدر قولهم: كنيت به عن كذا أكنى من باب ضرب، وكنوت أكنو من باب نصر أي: تكلمت بما يستدل به عليه، أو تكلمت به وأردت غيره أو تكلمت بلفظ يحاذيه جانبا حقيقة ومجازا، والمعنى الأخير قريب من المعنى المصطلح عليه أعني قوله: (لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه) (١) وقد أشار إلى فائدة قوله مع جواز إرادته معه، وهو إخراج المجاز عن التعريف بقوله: (فظهر أنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى الحقيقي مع إرادة لازمه) إلا أنه لم يقل فخرج به المجاز، مع أنه أخصر وأوضح في المقصود؛ ليكون مع الإشارة إلى هذه الفائدة تنبيها على أن العمدة في الفرق بين الكناية والمجاز هو هذا الذي هو الوجه الأول للفرق الذي ذكره السكاكي. والوجه الثاني من الفرق الذي ذكره، وهو قوله: «وفرق بأن الانتقال فيها من اللازم» إلخ ليس بشيء، وكما يخرج به المجاز تخرج بعض الحقائق الصريحة كلفظ الصلاة المستعملة في الدعاء بحسب اللغة، فإنه يصدق عليها لفظ أريد به لازم معناه، لكن لا تجوز إرادته معه؛ إذ لا تجوز حين التكلم باصطلاح اللغة إرادة المعنى الشرعي، فضلا عن إرادته معه، فلا حاجة لإخراجها إلى اعتبار حيثية اللزوم، أي: لازم معناه من حيث إنه موضوع له، لا من حيث إنه لازم الموضوع له. فإن قلت: ما فائدة قوله: معه، وهل لا يكفي للفائدتين المذكورتين مجرد قوله: مع جواز إرادته؟ قلت: يكفي لهما ذلك، لكن فيه التنبيه على أن إرادة اللازم أصل، وإرادة المعنى تبعية إرادة اللازم، ولينتقل منه إلى اللازم كما يفهم من قولنا: جاء زيد مع عمرو؛ ولهذا يقال: جاء فلان مع الأمير، ولا يقال: جاء الأمير معه،

стр. 948

والممنوع هو الجمع بين المعنى ولازمه، على وجه يكونان مقصودين استقلالا، ولا مانع من الجمع على وجه يكون أحدهما تابعا للآخر، ووسيلة إلى قصده وفهمه، لكن فيه: أن استعمال كلمة «مع» في قوله: مع جواز ليس كما ينبغي؛ لأن إرادة لازم المعنى ليس تابعا لجواز إرادته معه، إلا أن يقال: إن كلمة مع تدخل على المتبوع من المتشاركين، وجواز إرادة معناه مع لازمه لم يشارك اللازم في الإرادة، فتأمل. ومعنى قوله: «إنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى الحقيقي» أن إرادة المعنى الحقيقي فارق بينهما؛ فإنها جائزة في الكناية، كما ذكره في التعريف، وممتنعة في المجاز كما دل عليه تعريف المجاز. وحينئذ لا يتجه ما ذكره الشارح أن ما به المخالفة جواز إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه لا إرادته. فبين التعريف وقوله من جهة إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه تناف؛ لأنه لا يتفرع ظهور أن المخالفة من جهة إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه، ولا حاجة في دفعهما إلى تقدير الجواز، كما ذهب إليه الشارح. فإن قلت: قد صرح صاحب الكشاف أن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كناية مع امتناع المعنى الحقيقي في حقه تعالى، فتمتنع إرادته، فالتقييد بقوله: مع جواز إرادته معه يخرج كثيرا من الكنايات. قلت: منهم من يقول: معنى جواز إرادته معه جواز إرادته في الجملة، وفي بعض المواد فلا تخرج كنايات يمتنع جواز إرادة المعنى الحقيقي في بعض المواد، ولا يخفى أنه في غاية البعد على أنه تدخل هذه الكناية في تعريف المجاز؛ لأنه يصدق عليه أنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة مع قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له. وقال الشارح في المختصر: إن المراد مع جواز إرادته معه من حيث إنها كناية وامتناع الإرادة في هذه الأمثلة بواسطة خصوص المادة، وهو كلام خال عن التحصيل، مع أنه يوجب الدور في تعريف الكناية، وتدخل هذه الأمثلة في

стр. 949

تعريف المجاز. والتحقيق: نه إذا امتنع إرادة المعنى الحقيقي فهي مجاز، وإنما جعل الكشاف الأمثلة المذكورة من باب الكناية، لا كنايات. وقد صرح بأنها مجازات متفرعة على الكناية بمعنى: أنها استعملت في المعنى الكنائي كثيرا بحيث قطع النظر عن المعنى الحقيقي، فصار ذلك بسبب استعماله في محل امتنع فيه المعنى الحقيقي، فانقلبت الكناية مجازا، لكن إذا يمكن المعنى الحقيقي ويكون منتفيا بجعل كناية كما في بسط اليد في من فقدت يده لنقصان في الخلقة، فإن استعماله في كرمه كناية لإمكان المعنى الحقيقي فيه. وفيه بحث؛ لأنه كما أن امتناع المعنى الحقيقي قرينة مانعة عن إرادته، كذلك انتفاؤه. قال الشارح: وفي الإيضاح: أن الفرق بينه وبين المجاز من هذا الوجه أي: من جهة إرادة المعنى، مع جواز إرادة لازمه، وهو ليس بصحيح، اللهم إلا أن يراد بالمعنى ما عني باللفظ، وهو لازم المعنى الموضوع له، ويلازم المعنى معناه الموضوع له، وفيه ما فيه، هذا كلامه، وكأنه أراد أن فيه: أن المعنى الموضوع له هو الملزوم كما سيذكره، وفيما رأيناه من نسخ الإيضاح أن من جهة إرادة المعنى مع إرادة لازمه، فلا يتجه عليه شيء. فإن قلت: قد صرح في المفتاح أن الكناية يراد بها معناها مع لازمه، حيث قال: إذا استعملت الكلمة إما أن يراد معناها وحده، أو غير معناها وحده، أو معناها وغير معناها معا، والأول الحقيقة، والثاني المجاز، والثالث الكناية، فينبغي أن تعرف الكناية بما أريد به معناه مع لازمه. قلت: زيف هذا الكلام منه بأنه لا شبهة في أنه كثيرا ما يقال: طويل النجاد، لمن لا نجاد له، فهو كناية مع أنه ليس هناك إرادة المعنى الحقيقي، وجعل الموثوق به ما يشعر به كلامه في الفرق الأول بين الكناية والمجاز؛ حيث قال: إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها فلا يمتنع في قولك: فلان طويل النجاد إن أريد طول نجاده من غير ارتكاب تأول مع إرادة طول قامته، فإنه يشعر بجواز إرادة المعنى مع لازمه. وبناء هذا التعريف على هذا، لكن فيه

стр. 950

بحث؛ لأن انتفاء النجاد قرينة مانعة عن إرادته على ما عرفت. ولنا بحث نذكره لك، وإن حان الإسهاب للإطناب رجاء أن نجدد نشاطك في السماع، فإنه معجب للألباب، وهو أنه يمكن أن تجعل الكناية كلها حقائق صرفة، ويكون قصد ما يجعل معنى كنائيا من قبيل قصد النتيجة بعد إقامة الدليل، فيكون قولنا: فلان كثير الرماد، حقيقة صرفة ذكرت دليلا على أنه مضياف، فيكون التقدير: فهو مضياف، ولا يكون هناك استعمال كثير الرماد في المضياف. (وفرق) لم ينسبه إلى السكاكي (١)، مع أنه ذكره في كتابه؛ لأنه لا يخصه كما صرح به في الإيضاح (بأن الانتقال فيها) أي: في الكناية (من اللازم إلى الملزوم) كالانتقال من طول النجاد الذي هو لازم لطول القامة إليه. (وفيه) أي في المجاز (من الملزوم إلى اللازم) كالانتقال من الغيث الذي هو ملزوم النبت إلى النبت. ولا يخفى أن هذا لا يظهر في الاستعارة؛ لأن الأسد ليس ملزوما للرجل الشجاع، وكذا في كثير من المجازات المرسلة، ولو جعلت ملزومات بالقرينة فالكناية أيضا ملزومة بالقرينة. (ورد) هذا الفرق يمنع أن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم (بأن اللازم ما لم يكن ملزوما لم ينتقل منه) إلى الملزوم (٢)؛ لأن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم من الملزوم، ولا دلالة للعام على الخاص، وفيه أنه إن عرف علاقة اللزوم بين اللازم والملزوم ينتقل منه إليه، لا محالة. وإن لم يعرف لا ينتقل من الملزوم أيضا (وحينئذ) أي: حين إذ كان اللازم ملزوما (يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم) كما في المجاز، فلا يتحقق الفرق. والسكاكي أيضا معترف بأن اللازم ما لم يكن أخص أو مساويا لم ينتقل منه إلى الملزوم.
следующие страницы →