قال صاحب المفتاح (١): ورأيي في هذا النوع أن يعد ملحقا بالمجاز ومشبها به؛ لاشتراكهما في التعدي عن الأصل إلى غير الأصل، لا أن يعد مجازا؛ ولذا لم أذكر الحد شاملا له، لكن العهدة في ذلك على السلف، وكأنه أراد أنه لا يرضى بجعله مشاركا لما سبق في اسم المجاز، وداخلا تحت مفهومه، أو جعل اللفظ مشتركا بينهما، لأن لفظ المجاز لا ينصرف في الإطلاق إلا إلى الأول، ولا يراد به هذا الفرد إلا بالقرينة لكن العهدة في جعل اللفظ مشتركا بينهما اشتراكا معنويا أو لفظيا على السلف، كما يستدعيه تقسيمهم المجاز إلى هذا النوع وغيره، فلا يتوجه عليه ما ذكره الشارح المحقق.
ووافقه السيد السند عليه أنه إن أراد أنهم جعلوه من أقسام المجاز اللغوي المقابل للحقيقة؛ والمفسر تفسيرا يتناوله وغيره فليس كذلك؛ لاتفاق السلف على وجوب كون المجاز مستعملا في غير ما وضع له، مع اختلاف عباراتهم في تعريفاته، فلا يعرف له هاهنا رأي ينفرد به؛ لأنا نقول له: نراع معهم في اشتراك لفظ المجاز بين النوعين اشتراكا معنويا أو لفظيا كما يستدعيه تقسيمهم المجاز إليهما.
ثم نقول: لا يبعد أن يقال هذا النوع من المجاز أيضا من قبيل نقل الكلمة عما وضعت له إلى غيره فإن للكلمة وضعا إفراديا ووضعا تركيبيا، فهي مع كل إعراب في التركيب وضعت لمعنى لم توضع له مع إعراب آخر، فإذا استعملت مع إعراب في معنى وضعت له مع إعراب آخر فقد أخرجت عن الموضوع له التركيبي إلى غيره، مثلا: القرية بالنصب في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ موضوعة لمعين تعلق به السؤال، وقد استعمل في معين تعلق بما أضيف إليه السؤال، وحينئذ يمكن أن يجعل تحت تعريفاتهم للمجاز، ويجعل مقصودا لصاحب البيان لتعلق أغراض بيانية به، فلما رتبه وقد نقل الشارح في هذا المقام تعريفا للمجاز بالزيادة، وتعريفا للمجاز بالحذف عن الإحكام وطول فيه الكلام.
وزاد عليه السيد السند فوائد في بيان المقصود والمرام، إلا أننا خفنا عن السآمة فتركناه؛ فإن اشتهيته فارجع إليهما، وإن فاتك ما كنا نريد عليهما، لكن لا علينا فإنك لا تتحمل ما لدينا.
стр. 947
(الكناية)
مصدر قولهم: كنيت به عن كذا أكنى من باب ضرب، وكنوت أكنو من باب نصر أي: تكلمت بما يستدل به عليه، أو تكلمت به وأردت غيره أو تكلمت بلفظ يحاذيه جانبا حقيقة ومجازا، والمعنى الأخير قريب من المعنى المصطلح عليه أعني قوله: (لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه) (١) وقد أشار إلى فائدة قوله مع جواز إرادته معه، وهو إخراج المجاز عن التعريف بقوله: (فظهر أنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى الحقيقي مع إرادة لازمه) إلا أنه لم يقل فخرج به المجاز، مع أنه أخصر وأوضح في المقصود؛ ليكون مع الإشارة إلى هذه الفائدة تنبيها على أن العمدة في الفرق بين الكناية والمجاز هو هذا الذي هو الوجه الأول للفرق الذي ذكره السكاكي.
والوجه الثاني من الفرق الذي ذكره، وهو قوله: «وفرق بأن الانتقال فيها من اللازم» إلخ ليس بشيء، وكما يخرج به المجاز تخرج بعض الحقائق الصريحة كلفظ الصلاة المستعملة في الدعاء بحسب اللغة، فإنه يصدق عليها لفظ أريد به لازم معناه، لكن لا تجوز إرادته معه؛ إذ لا تجوز حين التكلم باصطلاح اللغة إرادة المعنى الشرعي، فضلا عن إرادته معه، فلا حاجة لإخراجها إلى اعتبار حيثية اللزوم، أي: لازم معناه من حيث إنه موضوع له، لا من حيث إنه لازم الموضوع له.
فإن قلت: ما فائدة قوله: معه، وهل لا يكفي للفائدتين المذكورتين مجرد قوله: مع جواز إرادته؟
قلت: يكفي لهما ذلك، لكن فيه التنبيه على أن إرادة اللازم أصل، وإرادة المعنى تبعية إرادة اللازم، ولينتقل منه إلى اللازم كما يفهم من قولنا: جاء زيد مع عمرو؛ ولهذا يقال: جاء فلان مع الأمير، ولا يقال: جاء الأمير معه،
стр. 948
والممنوع هو الجمع بين المعنى ولازمه، على وجه يكونان مقصودين استقلالا، ولا مانع من الجمع على وجه يكون أحدهما تابعا للآخر، ووسيلة إلى قصده وفهمه، لكن فيه: أن استعمال كلمة «مع» في قوله: مع جواز ليس كما ينبغي؛ لأن إرادة لازم المعنى ليس تابعا لجواز إرادته معه، إلا أن يقال: إن كلمة مع تدخل على المتبوع من المتشاركين، وجواز إرادة معناه مع لازمه لم يشارك اللازم في الإرادة، فتأمل.
ومعنى قوله: «إنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى الحقيقي» أن إرادة المعنى الحقيقي فارق بينهما؛ فإنها جائزة في الكناية، كما ذكره في التعريف، وممتنعة في المجاز كما دل عليه تعريف المجاز. وحينئذ لا يتجه ما ذكره الشارح أن ما به المخالفة جواز إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه لا إرادته.
فبين التعريف وقوله من جهة إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه تناف؛ لأنه لا يتفرع ظهور أن المخالفة من جهة إرادة المعنى الحقيقي، مع إرادة لازمه، ولا حاجة في دفعهما إلى تقدير الجواز، كما ذهب إليه الشارح.
فإن قلت: قد صرح صاحب الكشاف أن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كناية مع امتناع المعنى الحقيقي في حقه تعالى، فتمتنع إرادته، فالتقييد بقوله: مع جواز إرادته معه يخرج كثيرا من الكنايات.
قلت: منهم من يقول: معنى جواز إرادته معه جواز إرادته في الجملة، وفي بعض المواد فلا تخرج كنايات يمتنع جواز إرادة المعنى الحقيقي في بعض المواد، ولا يخفى أنه في غاية البعد على أنه تدخل هذه الكناية في تعريف المجاز؛ لأنه يصدق عليه أنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة مع قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له.
وقال الشارح في المختصر: إن المراد مع جواز إرادته معه من حيث إنها كناية وامتناع الإرادة في هذه الأمثلة بواسطة خصوص المادة، وهو كلام خال عن التحصيل، مع أنه يوجب الدور في تعريف الكناية، وتدخل هذه الأمثلة في
стр. 949
تعريف المجاز.
والتحقيق: نه إذا امتنع إرادة المعنى الحقيقي فهي مجاز، وإنما جعل الكشاف الأمثلة المذكورة من باب الكناية، لا كنايات.
وقد صرح بأنها مجازات متفرعة على الكناية بمعنى: أنها استعملت في المعنى الكنائي كثيرا بحيث قطع النظر عن المعنى الحقيقي، فصار ذلك بسبب استعماله في محل امتنع فيه المعنى الحقيقي، فانقلبت الكناية مجازا، لكن إذا يمكن المعنى الحقيقي ويكون منتفيا بجعل كناية كما في بسط اليد في من فقدت يده لنقصان في الخلقة، فإن استعماله في كرمه كناية لإمكان المعنى الحقيقي فيه.
وفيه بحث؛ لأنه كما أن امتناع المعنى الحقيقي قرينة مانعة عن إرادته، كذلك انتفاؤه.
قال الشارح: وفي الإيضاح: أن الفرق بينه وبين المجاز من هذا الوجه أي:
من جهة إرادة المعنى، مع جواز إرادة لازمه، وهو ليس بصحيح، اللهم إلا أن يراد بالمعنى ما عني باللفظ، وهو لازم المعنى الموضوع له، ويلازم المعنى معناه الموضوع له، وفيه ما فيه، هذا كلامه، وكأنه أراد أن فيه: أن المعنى الموضوع له هو الملزوم كما سيذكره، وفيما رأيناه من نسخ الإيضاح أن من جهة إرادة المعنى مع إرادة لازمه، فلا يتجه عليه شيء.
فإن قلت: قد صرح في المفتاح أن الكناية يراد بها معناها مع لازمه، حيث قال: إذا استعملت الكلمة إما أن يراد معناها وحده، أو غير معناها وحده، أو معناها وغير معناها معا، والأول الحقيقة، والثاني المجاز، والثالث الكناية، فينبغي أن تعرف الكناية بما أريد به معناه مع لازمه.
قلت: زيف هذا الكلام منه بأنه لا شبهة في أنه كثيرا ما يقال: طويل النجاد، لمن لا نجاد له، فهو كناية مع أنه ليس هناك إرادة المعنى الحقيقي، وجعل الموثوق به ما يشعر به كلامه في الفرق الأول بين الكناية والمجاز؛ حيث قال: إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها فلا يمتنع في قولك: فلان طويل النجاد إن أريد طول نجاده من غير ارتكاب تأول مع إرادة طول قامته، فإنه يشعر بجواز إرادة المعنى مع لازمه. وبناء هذا التعريف على هذا، لكن فيه
стр. 950
بحث؛ لأن انتفاء النجاد قرينة مانعة عن إرادته على ما عرفت.
ولنا بحث نذكره لك، وإن حان الإسهاب للإطناب رجاء أن نجدد نشاطك في السماع، فإنه معجب للألباب، وهو أنه يمكن أن تجعل الكناية كلها حقائق صرفة، ويكون قصد ما يجعل معنى كنائيا من قبيل قصد النتيجة بعد إقامة الدليل، فيكون قولنا: فلان كثير الرماد، حقيقة صرفة ذكرت دليلا على أنه مضياف، فيكون التقدير: فهو مضياف، ولا يكون هناك استعمال كثير الرماد في المضياف.
(وفرق) لم ينسبه إلى السكاكي (١)، مع أنه ذكره في كتابه؛ لأنه لا يخصه كما صرح به في الإيضاح (بأن الانتقال فيها) أي: في الكناية (من اللازم إلى الملزوم) كالانتقال من طول النجاد الذي هو لازم لطول القامة إليه.
(وفيه) أي في المجاز (من الملزوم إلى اللازم) كالانتقال من الغيث الذي هو ملزوم النبت إلى النبت.
ولا يخفى أن هذا لا يظهر في الاستعارة؛ لأن الأسد ليس ملزوما للرجل الشجاع، وكذا في كثير من المجازات المرسلة، ولو جعلت ملزومات بالقرينة فالكناية أيضا ملزومة بالقرينة.
(ورد) هذا الفرق يمنع أن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم (بأن اللازم ما لم يكن ملزوما لم ينتقل منه) إلى الملزوم (٢)؛ لأن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم من الملزوم، ولا دلالة للعام على الخاص، وفيه أنه إن عرف علاقة اللزوم بين اللازم والملزوم ينتقل منه إليه، لا محالة.
وإن لم يعرف لا ينتقل من الملزوم أيضا (وحينئذ) أي: حين إذ كان اللازم ملزوما (يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم) كما في المجاز، فلا يتحقق الفرق.
والسكاكي أيضا معترف بأن اللازم ما لم يكن أخص أو مساويا لم ينتقل منه إلى الملزوم.
стр. 951
فإن قلت: إن اللازم كيف يكون أخص، والعام قد يوجد بدون الخاص، فيلزم وجود الملزوم بدون اللازم؟
قلت: أراد باللازم التابع والرديف، كطول النجاد التابع لطول القامة، وما ذكره في موضع آخر من كتابه أن الانتقال في الكناية يتوقف على مساواة اللازم للملزوم، فغير موثوق به، وإن وثقه الشارح في هذا المقام.
وبهذا ظهر الجواب عن رد الفرق من أن السكاكي أراد أن الانتقال في الكناية من التابع، وفي المجاز من المتبوع، ومنع الشارح كون الانتقال في المجاز من المتبوع دائما؛ إذ ربما يتجوز بالنبت عن الغيث، ويمكن دفعه بأن ذلك الفرق مبني على أن الموضوع له مراد أبدا في الكناية، لكن ينتقل منه إلى ملزومه، فالموضوع له في الكناية تابع في الإرادة، والانتقال من التابع في الإرادة إلى المتبوع، وفي المجاز الانتقال من الموضوع له الذي هو المتبوع المحض للمعنى المجازي؛ لأنه الأصل بالنسبة إلى الخارج، ولم تعرض له التبعية بحسب الإرادة.
ولو بنى الكلام على جواز إرادة الموضوع له في الكناية يكون الفرق بينهما في الجملة.
[وهي ثلاثة أقسام]
(وهي) أي: الكناية (ثلاثة أقسام):
(الأولى: ) أي: القسم الأول وتأنيثه باعتبار الخبر؛ لأنه الكناية (المطلوب بها غير صفة ولا نسبة) (١) كنى بغير صفة ولا نسبة عن الموصوف، فكأنه قال: المطلوب بها الموصوف كما في عبارة المفتاح ليكون تعريف هذا القسم من الكناية بما هو المطلوب منه، وليظهر مقابلة هذا القسم بالقسمين الآخرين.
(فمنها) أي: من الأولى (ما هي معنى واحد) أي: عبارة عما هو معنى واحد (كقوله: [والطاعنين مجامع الأضغان] (٢) فإن مجامع الأضغان معنى
стр. 952
واحد كناية عن القلوب.
(ومنها: ما هي مجموع معان) حصل بضم لازم إلى لازم، وأطلق على الموصوف (كقولنا كناية عن الإنسان: حي مستوي القامة، عريض الأظفار (١)، وشرطهما الاختصاص بالمكني عنه) ليحصل الانتقال منهما إلى المكني عنه، لكن الاختصاص أعم من الحقيقي، كما في الواجب والقديم، وغير الحقيقي كما إذا اشتهر زيد بالمضيافية أو صار كاملا فيها؛ بحيث لا يعتد بمضيافية غيره.
وفسر الشارح القسم الأول بأن يتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف معين عارض، فنذكر تلك الصفة ليتوصل بها إلى ذلك الموصوف.
والقسم الثاني بأن تؤخذ صفة فتضم إلى صفة لازم آخر؛ لتصير جملتها مختصة بموصوف ليتوصل بذكرها إليه، وفيه: أن في تفسير القسمين على هذا الوجه يجعل اشتراط الاختصاص لغوا.
ألا ترى أنه لما ذكر صاحب المفتاح القسمين مطابقين لهذا التفسير لم يذكر الاشتراط؟ ومن البين أن تخصيص هذا الشرط بهذا القسم من الأقسام الثلاثة من غير مخصص، وجعل السكاكي الأولى يعني ما هو معنى واحد قريبة، والثانية بعيدة.
قال المصنف في الإيضاح: وفيه نظر، فقال الشارح: ولعل وجه النظر أنه فسر القريبة في القسم الثاني: بأن يكون الانتقال بلا واسطة، والبعيدة: بما يكون الانتقال بواسطة لوازم متسلسلة، والكناية التي هي معنى واحد، والتي هي مجموع معان كلاهما خالية عن الوسائط لظهور أن ليس الانتقال من حي مستوي القامة عريض الأظفار إلى شيء، ثم منه إلى الإنسان.
فالجواب: أن القرب هاهنا باعتبار آخر، وهو سهولة المأخذ لبساطتها واستغنائها عن ضم لازم إلى آخر، وتلفيق بينهما، وتكلف في التساوي والاختصاص، والبعد، بخلاف ذلك.
هذا، ولا يخفى أنه يبعد أن يكون نظر المصنف ذلك لظهور أن ما هو مناط
стр. 953
القرب والبعد في كلام المفتاح ما ذكره الشارح؛ بحيث لا يخفى على من نظر في كلامه نظرا تاما.
فالأقرب: أن وجه النظر إن جعل مناط القرب والبعد في هذا القسم سهولة المأخذ وعدمها، وفي القسم الثاني وجود الواسطة وعدمها تحكم، وفرق من غير فارق؛ فلا يجاب بما ذكره الشارح، بل بما ذكره السيد السند لو تم من أن الواسطة وعدمها ظاهران في القسم الثاني دون الأول.
ولك أن تجعل النظر: أن التكلف في الاختصاص قد يكون في القسم الأول، كما إذا لم يكن للمعنى الواحد اختصاص إلا بتمحل وتكلف، والبراءة عنه في القسم الثاني بأن يكون اختصاص مجموع معان مشتهرا واضحا. ويمكن دفعه بأن التقسيم على هذا الوجه من تصرفات المصنف، ويمكن أن يكون القريبة عند المفتاح ما يكون اختصاصه ظاهرا بلا تكلف، بأن يتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف من غير حاجة إلى إعمال تكلف مركبة كانت أو واحدة، والبعيدة عنده أن يتكلف في اختصاصها مركبة كانت أو واحدة، إلا أنه بين التكلف في المركب على سبيل التمثيل، ولم يقصد اختصاص التكلف بالمركب، ولا شموله لجميع أفراده.
(الثانية: المطلوب بها صفة (١) بمعنى ما قام بالغير) والمكني في طويل النجاد عند التحقيق طول القامة؛ لأن طويل القامة وكلام المصنف حيث قال:
كقولهم كناية عن طول القامة، مشعر بحمل الصفة على هذا المعنى، فلا يتجه أنه إن أريد بالصفة ما قام بالغير يخرج طويل النجاد، وإن أريد مدلول الصفة المفسرة بما دل على ذات مبهمة باعتبار معنى معين خرج عنه نحو: أعجبني طول نجاد فلان، فإنه كناية عن طول قامته، لا عن طويل القامة.
وهي ضربان: قريبة، وبعيدة (فإن لم يكن الانتقال) من الكناية إلى المطلوب (بواسطة قريبة) والقريبة قسمان: (واضحة) يحصل الانتقال منها بسهولة، ومن البين جريان هذين القسمين في القسم الأول من الكناية، وكأنهما
стр. 954
أهملا فيه لعدم الاطلاع على أمثلتهما في كلام البلغاء (كقولهم كناية عن طول القامة: طويل نجاده وطويل النجاد) وخص هذا القسم بتعد، والمثال من بين الأمثال إشارة إلى تقسيم آخر كما أشار إليه بقوله:
(والأولى) كناية (ساذجة) لا يشوبها شيء من التصريح (وفي الثانية تصريح ما لتضمن الصفة) بمعنى ما دل على ذات مبهمة باعتبار معنى معين (الضمير) الراجع إلى الموصوف ضرورة احتياجها إلى مرفوع مسند إليه؛ لمشابهتها الفعل الذي لم يخل عن مرفوع على ما قيل، وليخرج المضاف إليه عن كونه فاعلا إلى كونه فضلة، فتبعد الإضافة عن استهجان إيهام إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصفة عين فاعله على ما نقول، فإضافة الصفة أبدا إلى المفعول أو الملحق به، ولا يكون إلى الفاعل قطعا، لكن هذه الإضافة لا تحسن، بل تقبح، ما لم تتضمن الصفة معنى قائما يتضمنها لا محالة، حين الإضافة، فإن الطويل المسند إلى نجاد أحد يتضمن طول قامته؛ فبهذا الاعتبار حسن إسناده إلى ضمير بعد الإضافة، لأن إسناد الطول الذي هو صفة النجاد في قوة إسناد طول القامة إليه، بخلاف: زيد أصفر ثوره.
وبهذا التحقيق عرفت أن إسناد الطويل إلى ضمير الموصوف لا يجعله صريحا؛ لأنه إسناد طويل هو صفة النجاد، بل يجعله في قوة الصريح؛ لأن الإسناد بملاحظة تضمنه طول القامة، فكأنه أسند بإسناده طول القامة، وبهذا حكم عليه بأن فيه تصريحا مالا لأنه أسند إليه الطويل الذي هو حاله، كما ظنه الشارح.
كيف ولو كان كذلك يخص هذا العرف بطول نجاده وطويل النجاد، ويكون قولنا: زيد كثير الرماد، كناية ساذجة، كقولنا: زيد كثير رماده. وقد أورد بناء على ظنه هذا أنه يجب أن يكون طويل النجاد تصريحا لا كناية فيها تصريح ما، وتكلف في جوابه بأن اعتبار الضمير لمجرد أمر لفظي، هو امتناع خلو الصفة عن مرفوع، وبما حققناه لا اتجاه لهذا السؤال.
(أو خفية) ما عطفت عليها واضحة، وخفاؤها بأن يتوقف الانتقال منها على تأمل وإعمال روية، ولا يخفى أن الساذجة والمشوبة بالتصريح جاريتان فيه، نحو: عريض قفاه، وعريض القفاء، وكذا الواضحة والخفية بأن يكون الانتقال في
стр. 955
كل مرتبة واضحا أولا يكون كذلك، وكأنه لم يعتبر؛ لأن الكناية مع الواسطة خفاء لا محالة.
(كقولهم كناية عن الأبله عريض القفاء) فإن عرض القفاء، وعظم الرأس بالإفراط مما يستدل به على بلاهة الرجل، وهو ملزوم لها بحسب الاعتقاد بلا واسطة، لكن هذا الاعتقاد ليس مشتركا بين الناس، بل يختص به واحد دون واحد، فلا ينتقل إليه إلا بعد تأمل.
وجعل صاحب المفتاح قولهم: عريض الوسادة، كناية قريبة خفية عن هذه الكناية، أعني: قولهم عريض القفاء.
قال المصنف: وفيه نظر، ووجه النظر يحتمل أن يكون ما ذكره الشارح من أنه كناية بعيدة عن الأبله؛ لأنه ينتقل منه إلى عريض القفاء، ومنه إلى الأبله، وحينئذ يندفع بما ذكره في جوابه من أنه لا امتناع من أن تكون الكناية بعيدة بالنسبة إلى المطلوب، وقريبة بالنسبة إلى الواسطة، بل الأمر كذلك فيما يكون الانتقال منه إلى المطلوب بواسطة، فنبه صاحب المفتاح على أن المطلوب بالكناية قد يكون الواسطة إذا كانت في إفادة المطلوب وظهور المطلوب منه كأنه المطلوب نفسه، وقد يكون المطلوب، فلا ينتهي القصد من العبارة إلى الواسطة، بل يذهب إلى المطلوب، لكن كون وجه النظر ما ذكره احتمال ضعيف؛ لأنه بعد ما قال السكاكي كناية قريبة عن هذه الكناية لا يتوجه عليه أنها بعيدة؛ لأن الانتقال منها إلى الأبله بالواسطة، فكيف يظن بالمصنف مثل هذه الغفلة.
ويحتمل أن يكون أن الكناية عن الكناية إنما تكون إذا كانت الكناية المكنية مشتهرة، ربما التحقت بالصريح فإنه لا يكنى بكثير الرماد عن كثرة إحراق الحطب تحت القدر، فإنها ليست كالصريح في المضياف، وليس عريض القفاء كالصريح، وإلا لم تكن من الكناية الخفية كما اعترف به السكاكي.
ولا يخفى لطف هذا النظر ودقته، والجواب عنه أن الكناية الخفية ما كان الانتقال فيها محتاجا إلى تأمل قبل الاشتهار، وعريض القفاء لاشتهاره في الكناية عن البلاهة التحقق بالصريح، فيحسن أن يكنى عنه بعريض الوسادة، ويحتمل أن يكون منعا لكون قولهم عريض الوسادة كناية عن الكناية، فإنهم يقصدون به
стр. 956
البلاهة، وليس الوسادة كناية قصد عريض القفاء بها، إلى مجرد فرض وتقدير، فلا يصح قول السكاكي كما في قولهم: عريض الوسادة كناية عن هذه الكناية، وحينئذ لا جواب له.
ويحتمل أن يكون إن القريب ما لا يكون بينه وبين المطلوب واسطة، ولا خفاء في أن المطلوب بعريض الوسادة الأبله، سواء قصد به عريض القفا والأبله، فلا يحتمل أن يكون قريبا.
وجوابه حينئذ: أن المطلوب عبارة عن المقصود من اللفظ لا ما لا يكون وسيلة إلى شيء آخر بعد إفادته باللفظ.
(وإن كان) أي: الانتقال (بواسطة) فهي (بعيدة) فضلا عن أن يكون بأكثر من واسطة، ولم يقل: وإلا فبعيدة لئلا يشتبه المعطوف عليه، ولأن الأعذب مقابلة الإثبات والنفي، لا مقابلة النفي ونفيه (كقولهم كثير الرماد كناية عن المضياف، فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر، ومنها) أي: ومن كثرة الإحراق وكذا كل ضمير يأتي إلى كثرة قبله (إلى كثرة الطبايخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان) بكسر الضاد جمع ضيف.
و(منها إلى المقصود) وهو المضياف، وبحسب قلة الوسائط وكثرتها وسرعة الانتقال في كل مرتبة وبطؤها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا وخفاء.
(الثالثة المطلوب بها نسبة) (١) سواء كان طرفا النسبة مذكورين صريحين، فتنفرد الكناية في النسبة أو أحدهما، مذكور صريحا والآخر كناية، فتجتمع الكناية في النسبة مع الكناية عن الموصوف أو الصفة؛ إذ كلاهما مذكورين كناية فتجتمع الأقسام الثلاثة فالاحتمالات العقلية سبعة؛ أربعة منها اجتماع الثالث أو اثنان منها، ولا يبطل بشيء منها حصر القسمة؛ لأن المقسم مقيد بالوحدة كما في سائر التقسيمات.
نعم لو جعل قوله ﵇: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢)
стр. 957
كناية عن الاستدلال على كفر المؤذي المعرض به بأن يقال هو كناية عن أن هذا المؤذي كافر؛ لأنه لا يسلم المسلمون من لسانه ويده، وكل من لا يسلم المسلمون من لسانه ويده فهو كافر، يكون قسما رابعا من الكناية.
(كقوله) أي: قول زياد الأعجم [(إن السّماحة) أي: الكرم لا الجود؛ لئلا يكون الندى تطويلا (والمروءة) بضمتين كمال الرجولية (والنّدى) أي: الجود (في قبّة) هي تكون فوق الخيمة يتخذها الرؤساء، يقال: بيت مقبب جعلت فوقه قبة (ضربت على ابن الحشرج]) (١) على وزن جعفر اسم رجل (فإنه إن أراد أن يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات).
قال الشارح: أراد بالاختصاص ثبوت الصفات له، سواء كان على طريق الحصر أو لا يدل عليه أنه جعل السكاكي (٢) من التصريحات بالاختصاص له المتروكة إلى الكناية سمح ابن الحشرج أو حصل السماحة له أو ابن الحشرج سمح.
ومن البين أنه لا حصر في شيء منها، ويؤيد ما ذكره قوله في الإيضاح فإنه حين أراد أن لا يصرح بإثبات هذه الصفات لابن الحشرج جمعها في قبة؛ تنبيها بذلك على أن محلها ذو قبة، وجعلها مضروبة عليه لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين، فأفاد إثبات الصفات المذكورة له بطريق الكناية هذا.
ثم وجه إرادة الثبوت بالاختصاص أن الاختصاص هو الثبوت لشيء، والنفي عن غيره، فأريد هنا بعض معناه.
وفي شروح المفتاح: أنه مبني على أن الإثبات تخصيص بالذكر، ولا يخفى أن المراد هنا ليس الاختصاص بالذكر، وليست الإرادة متعلقة بإثبات الاختصاص بالذكر.
بقي أنه إذا جعل الاختصاص بمعنى ثبوت الصفات له صار قوله: فإنه أراد أن يثبت ثبوت هذه الصفات له.
стр. 958
ولا يخفى سماحته، والعبارة الصحيحة أراد أن يثبت هذه الصفات له.
ولا يخفى أنه لو جعل التعريف في السماحة والمروءة والندى للجنس الاستغراقي أفاد حصر هذه الصفات في ابن الحشرج؛ لأن جميع أفرادها إذا قامت به لا تقوم بغيره؛ إذ الصفة لا تقوم بملحين، وتكون مبالغة في كمال ابن الحشرج في هذه الصفات بحيث التحقت هذه الصفات في غيره بالعدم، فلا يبعد أن يكون قول المصنف: إنه مختص بها، وقوله: اختصاص ابن الحشرج على ظاهرهما، وحينئذ يكون في البيت كنايتان أحديهما: جعل إثبات جميع أفراد الثلاثة له كناية عن الاختصاص، وثانيتهما: جعل جملتها في قبة مضروبة عليه كناية عن الثبوت له.
(فترك التصريح بأن تقول: إنه مختص بها أو نحوه) مجرور معطوف على أن تقول أي التصريح بنحو هذا القول، أو منصوب معطوف على مفعول أن يقول:
أي نحو قولنا: إنه مختص بها من العبارات الدالة على هذا المعنى من نحو اختص بها أو ثبت له دون غيره في وجه، ومن نحو: سمح ابن الحشرج سمح أيضا في وجه آخر، فتأمل.
(إلى الكناية بأن جعلها) أي: تلك الصفات (في قبة مضروبة عليه) أي:
على ابن الحشرج فأفاد إثبات الصفات المذكورة له؛ لأنه إذا ثبت الأمر الذي لا يقوم إلا بغيره في مكان الرجل ثبت له؛ لأن الصفات تثبت في المكان بتبعية ثبوت محلها؛ ولهذا كان هذا من قبيل الكناية دون المجاز؛ إذ لو امتنع ثبوت الصفات في المكان لامتنعت إرادة الحقيقة، ولم تكن كناية، بل مجازا.
ونحن نقول: لا يبعد أن يجعل كون هذه الصفات في قبة ضربت على ابن الحشرج، كناية عن كونها عين ابن الحشرج، حيث جعلت في مكان ابن الحشرج، والمتبادر من الكون في المكان الكون بالذات، ولا يكون في مكان الرجل بالذات إلى نفسه، فكأنه قيل: ابن الحشرج هو السماحة والمروة والندى.
(ونحوه) أي: نحو قوله في الكون مثال الكناية المطلوبة بها النسبة (قولهم [المجد) أي: نبل الشرف والكرم؛ إذ لا يكون إلا بالآباء أو كرم الآباء خاصة، والكرم والحسب أعم من أن يكون من جهة الآباء أو نفس الرجل (بين ثوبيه)
стр. 959
يريد بالثوبين الرداء والإزار، وكذا المراد بالبردين في قوله: (والكرم في برديه)] وإنما قال: ونحوه ردا على من جعل الكناية فيه من قبيل طويل نجاده.
وتبع في هذا الرد المفتاح حيث قال: وقد يظن هذا من قسم زيد طويل نجاده، وليس بذلك، فطويل نجاده بإسناد الطويل إلى النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد وطول النجاد كما تعرف قائم مقام طول القامة، فإذا صرح من بعد بإثبات النجاد لزيد بالإضافة كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد، فتأمل.
هذا، وليس الأمر كما ظن المفتاح؛ فإن المثال ذو وجهين، له وجه نحو الكناية عن الصفة مع التصريح بالنسبة، ووجه إلى الكناية عن النسبة من غير كناية عن صفة، الثاني ما شاهده المفتاح، وهو أنه جعل المجد فيما يحيط به، ويشتمل عليه، وجعل ذلك كناية عن ثبوته له؛ لأن الصفة تكون تبعا فيما يكون فيه الشيء بالذات، ولولا ذلك لامتنعت الحقيقة، وكان اللفظ مجازا.
والأبلغ على هذا أن يجعل التركيب كناية عن كون المجد والكرم عينه؛ لأن كون الشيء بين بردي الشيء يدل على أنه عينه؛ لأنه الذي يكون بين برديه، والأول ما شاهده غيره، وهو أن كون الشيء بين بردي الشي كناية عن إحاطته به، كإحاطة البردين، وبإضافة البردين إليه ثبت التصريح بإثبات الإحاطة المكنية بالكون بين البردين له، على نحو التصريح لإضافة النجاد إلى الشيء بثبوت الطول المكني بطول النجاد له، فيكون المجد بين ثوبيه: بمعنى المجد محيط به، وحينئذ ينبغي أن يكون قوله: ونحوه للتنبيه على الفرق بينه وبين المثال السابق، في كون السابق نصا، وهذا محتمل.
(والموصوف في هذين القسمين) يعني الثاني والثالث كثيرا ما يكون مذكورا كما مر.
(وقد يكون غير مذكور) لكن القسم الثاني حينئذ يستلزم القسم الثالث؛ إذ لا يتصور كون الموصوف غير مذكور عند الكناية عن الصفة، مع التصريح بالنسبة، بخلاف القسم الثالث، فإنه لا يستلزم القسم الثاني، فإنه يصح الكناية عن النسبة إلى موصوف غير مذكور، مع التصريح بالصفة.
(كما يقال) أي: الموصوف الغير المذكور في الكناية عن النسبة لا فيهما كما
стр. 960
هو المتبادر (في عرض) بالضم أي: ناحية (من يؤذي المسلمين «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده») فكأنك أشرت من ناحية هي لمن سلم المسلمون من لسانه ويده، إلى ناحية أخرى هي للمؤذي، فالصفة وهي الإسلام هنا مصرح بها، والموصوف وهو المؤذي غير مذكور، والنسبة وهي نفي الإسلام عنه مكنية بحصر الإسلام في غير المؤذي، على ما يفيده تعريف الجنس للمسند إليه.
فإن قلت: حصر الإسلام في غير المؤذي عبارة عن ثبوته له، ونفيه عن المؤذي؛ فيكون نفي الإسلام عن المؤذي مصرحا.
قلت: الحصر أمر إجمالي يلزمه تفصيل النفي بحسب المقام فيجوز أن يكنى بهذا المجمل عن هذا المفصل، على أنه لو كان معنى الحصر الإثبات والنفي تفصيلا، يجوز أن يكنى بالكل عن الجزء، ويجعل الكل وسيلة الانتقال إلى الجزء، ويجعل الجزء مقصودا بالإفادة، ومثال الكناية عن الصفة قولك في عرض من يعتقد حل الخمر وأنت تريد تكفيره: أنا لا أعتقد حل الخمر، وهذا كناية عن إثبات صفة الكفر له إذا كنى عن الكفر باعتقاد حل الخمر، وكناية عن نفي الإسلام عنه إذا كنى بعدم اعتقاد حل الخمر عن الإسلام.
(قال السكاكي: ) (١) في أوائل بحث الكناية (الكناية تتفاوت إلى تعريض، وتلويح ورمز وإيماء وإشارة) ومساق الحديث يحسن لك اللثام عن ذلك. قال العلامة: إنما قال: تتفاوت، ولم يقل: تنقسم؛ لأن التعريض وأمثاله مما ذكر ليس من أقسام الكناية فقط، بل هو أعم.
قال الشارح: وفيه نظر، والأقرب: أنه إنما قال ذلك لأن هذه الأقسام قد تتداخل، وتختلف باختلاف الاعتبار من الوضوح والخفاء وقلة الوسائط وكثرتها.
أما وجه النظر فهو أن التعريض بهذا المعنى وهو كناية لم يذكر موصوفها ليس أعم من الكناية، وأما محصل ما ذكره من الوجه الأقرب، فهو أن كثير الوسائط قد تبلغ في الخفاء مرتبة التعريض، وهكذا فلا يمكن تقسيم الكناية إلى هذه الأقسام؛ لأنها غير منضبطة وفيه نظر؛ لأنه إذا سمى بالموصوف غير المذكور تعريضا، وما له وسائط كثيرة تلويحا فلا معنى لتداخل الأقسام.
стр. 961
والأظهر أنه قال: تتفاوت لما فيه من التنبيه على تفاوت تلك الأقسام في الدقة والبلاغة دون أن تنقسم.
ثم قال السكاكي في أواخر بحث الكناية، وفاء بوعده: حسر اللثام عن هذه الأقسام: وإذ قد وعيت ما أملي عليك فنقول إلى آخر ما ذكره مما حاصله ما لخصه المصنف بقوله:
(والمناسب للعرضية) (١) أي: للكناية العرضية، وهو ما لم يذكر الموصوف فيها (التعريض)؛ لأن التعريض خلاف التصريح.
قال العلامة: يقال: عرضت فلانا وبفلان إذا قلت قولا، وأنت تعنيه يعني لا يكون القول مسوقا له، وإنما تعنيه من عرض من غير أن تستعمل اللفظ فيه؛ ولهذا لم يقل: وأنت تعنيه به.
(ولغيرها إن كثرت الوسائط) وهو الذي عبر عنه المفتاح بذات مسافة بعيدة.
(التلويح)؛ لأن التلويح هو أن تشير إلى غيرك من بعد.
وجعل السيد السند في شرح المفتاح الوسائط ما فوق الواحد (و) المناسب (لغيرها إن قلت) الوسائط (مع خفاء) وهو الذي فسره المفتاح بذات مسافة قريبة، وفسره السيد السند بما لا واسطة فيها أو فيها واسطة واحدة، لكن في كون ما لا واسطة فيه ذات مسافة خفاء، وشمول قلة الوسائط أخفى منه، والشارح أيضا نبه على شمول قلة الوسائط لما لا واسطة فيها؛ حيث جعل عريض القفاء مثلا له.
(الرمز)؛ لأن الرمز أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية؛ لأنه الإشارة بالشفة والحاجب (و) المناسب لغيرها إن قلت الوسائط (بلا خفاء الإيماء والإشارة).
قال السيد السند: إما لأنه إذا لم يكن قيد زائد، كما في التلويح في الرمز تعين
стр. 962
الاسم الدال على مطلق الإشارة، وإما لأن هذا الاسم إذا أطلق تبادر منه القرب والظهور، وقيل: الأولى أن يخص الإيماء فيه شائبة الخفاء فيبقى اسم الإشارة للباقي.
هذا كلامه، ثم انتقل السكاكي من الكناية في التعريض إلى تحقيق المجاز فيه فكلمة «ثم» للتباعد بين البحثين، وإلا فلا تراخي بين كلامي السكاكي.
واعلم أن السكاكي بعد ما سمى أحد أقسام الكناية تعريضا اشتغل عقيب تحقيق تلك الأقسام بتحقيق التعريض المشهور، فقال:
واعلم أن التعريض تارة يكون على سبيل الكناية، وأخرى على سبيل المجاز، فإذا قلت: آذيتني فستعرف، وأردت المخاطب، ومع المخاطب إنسانا آخر معتمدا على قرائن الأحوال كان من القبيل الأول، وإن لم ترد إلا غير المخاطب كان من القبيل الثاني، فتأمل.
وعلى هذا فقس، وفرع إن شئت، فقد نبهتك.
هذا فالمراد بالتعريض ليس ما هو أحد الأقسام المذكورة للكناية، بل ما اشتهر من التعريض، وهو الذي قاله صاحب الكشاف في مقام الفرق بينه وبين الكناية أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء آخر لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، فكأنه أماله الكلام إلى عرض يدل على المقصود، ويسمى التلويح؛ لأنه يلوح فيه ما يريده، فقد فرق بين الكناية والتعريض بأنه يذكر معنى الكناية بلفظها، والكناية غير موضوعة له بخلاف التعريض، فإنه لا يراد بمعناه التعريضي باللفظ، بل ينتقل إليه من غير استعمال اللفظ فيه، فإنه يفرق الكناية عن التعريض أنه مستعمل في غير الموضوع له، بخلاف التعريض.
ولا يخفى أن هذا الفارق موجود في المجاز أيضا، فقد تضمن الفرق لا التعريف.
وقد صرح ابن الأثير أيضا في المثل السائر بأن التعريض لا يستعمل في المعنى التعريضي، بل يستفاد من عرض اللفظ حيث قال:
الكناية ما دل على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع
стр. 963
بينهما، ويكون في المفرد والمركب.
(والتعريض) (١) هو اللفظ الدال لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي، بل من جهة التلويح والإشارة، فيختص باللفظ المركب كقول من يتوقع صلة: والله إني محتاج فإنه تعريض بالطلب، مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجاز، وإنما فهم منه المعنى من عرض اللفظ أي: جانبه، هذا أو أراد بالوصف الجامع بينهما كون اللفظ معينا لهما، لأحدهما بلا قرينة، وللآخر بقرينة.
وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه، وهو أن كلام السكاكي في التعريض بهذا المعنى لا بمعنى اصطلح عليه من عند نفسه في باب الكناية، كما يلوح من قوله كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا، فهو في هذا المقام جرى على ما جرى عليه غيره مرة حيث عرف المجاز، وقسم المجاز بمعنى آخر، وعرف الاستعارة وقسم الاستعارة لا بهذا المعنى إلى الاستعارة المصرحة والاستعارة بالكناية، على ما حققناه لك؛ ولهذا أدرج لفظ السبيل، فقال: التعريض تارة يكون على سبيل الكناية، وأخرى على سبيل المجاز، ولم يقل تارة يكون كناية، وتارة يكون مجازا.
وأوصى بالتأمل لما رأى المقام مظنة غفلة، لكن المصنف على ما هو ظاهر كلامه ظن أن إطلاق التعريض على الكناية سابقا من إطلاق العام على الخاص، ومقصود السكاكي التنبيه على هذا بتقسيم التعريض إليها، وإلى المجاز، وظن أن التنبيه يحصل بمجرد بيان أنه قد يكون مجازا أو التعريض، بأنه يكون كناية تطويل اختصر كلامه، فقال: (والتعريض قد يكون مجازا كقولك: آذيتني فستعرف وأنت تريد إنسانا (٢) مع المخاطب دونه) ثم زاد في توضيح المثال، وبين أنه يحتمل الكناية فقال: (وإن أردتهما جميعا كان كناية) (٣) ثم نبه على قصور
стр. 964
كلام المفتاح (ولا بد فيهما من قرينة) حيث لم يشتمل كلامه إلا على اشتراط القرينة في الكناية، والحق معه في هذا التنبيه، وإن اعتمد السكاكي على اشتهار وجوب القرينة في المجاز، وخاف توهم عدم القرينة في الكناية من جواز إرادة الحقيقة، لكن باقي تصرفاته على ما ترى. وقد نبه العلّامة أيضا على مراد السكاكي؛ حيث قال في شرحه: معناه أن عبارة التعريض قد تكون مشابهة للمجاز كما في الصورة الأولى، فإنها تشبه المجاز من جهة استعمال ما للمخاطب في غير ما هي موضوعة له، وليس بمجاز؛ إذ لا يتصور فيه انتقال من ملزوم إلى لازم.
وقد يكون مشابهة للكناية كما في الصورة الثانية، فإنها تشبه الكناية من جهة استعمال اللفظ فيما هو موضوع له مرادا منه غير الموضوع له، وليس بكناية؛ إذ لا يتصور فيه لازم وملزوم، وانتقال من أحدهما إلى الآخر؛ إذ حاصل ما ذكره أن التعريض ليس بمجاز ولا كناية، وإن وقع في أثناء تقريره بعض ما لا يتضح، فتأمل.
ومما يقضي منه العجب أنه بعد ما نقل الشارح كلام الكشاف وابن الأثير في هذا المقام كيف زيف كلام العلامة بأن هذا مذهب لم يذهب إليه أحد، بل أمر لا يقبله عقل؛ لأنه يؤذي أن يكون كلام يدل على معنى دلالة صحيحة من غير أن يكون حقيقة ذلك المعنى أو مجازا أو كناية، بل الحق أن الأول مجاز، والثاني كناية، كما صرح به المصنف، وهو الذي قصده السكاكي.
وتحقيقه أن قولنا: آذيتني فستعرف كلام دال على معنى يقصد به تهديد المخاطب، فإن استعمل في تهديد المخاطب وغيره من المؤذين فكناية، وإن أردت تهديد غير المخاطب بسبب الإيذاء بعلاقة اشتراكه للمخاطب في الإيذاء إما تحقيقا، وإما فرضا وتقديرا كان مجازا.
ونعم التوضيح تمثيل السيد السند لدلالة الكلام على المعنى التعريضي بدلالة الحذف مثلا على تعظيم المحذوف أو إهانته، فإنه أفاده من غير استعمال فيه فجعل كلام الشارح مبنيا على الغفلة عن مستتبعات التراكيب.
وهنا مزيد تحقيق بقي إلى الآن في ستر الاكتنان فلا علينا أن نهب لك من
стр. 965
غير امتنان، كما وهب لنا الفياض المنان، وإن طال الكلام وحال السآم بينك وبين الأفهام؛ لأنه منشط وللسآم مسقط فنقول:
فرق بين المعنى التعريضي المجازي وبين المجاز فإنك في المجاز تنصب القرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي، وفي التعريض تريد الحقيقة للانتقال إلى المعنى التعريضي من غير استعمال اللفظ فيه؛ لأنه لا يكون التلفظ به من غير إرادة معنى باللفظ إلا أن المعنى التعريضي تصرف النفس بالكلية عن الالتفات إلى ما أريد به إلى الالتفات إلى ما هو في عرض اللفظ، وكذلك فرق بين التعريضي على سبيل الكناية وبين الكناية، فإنه في الكناية لا يكون القصد إلا إلى غير الموضوع له، وإن قصد الموضوع له كان للانتقال إلى الغير بخلاف التعريض على سبيل الكناية كما في آذيتني فستعرف فإن التفات النفس واهتمامها إلى وعيد المخاطب وغيره على سواء.
[فصل: أطبق البلغاء على أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة]
(فصل) (أطبق) أي: أجمع من قولهم: أطبق القوم على الأمر: أجمعوا (البلغاء على أن المجاز والكناية أبلغ) يقال ثناء أبلغ، أي: مبالغ فيه، فالمعنى أن المجاز والكناية مما بولغ فيهما مبالغة أكثر، حيث بولغ في تقرير معنييهما وتحقيقهما، فقوله: أبلغ شاذ من وجهين:
أحدهما: أنه أخذ من المزيد، كقولهم: هو أعطاهم للدينار والدرهم.
وثانيهما: أنه بمعنى المفعول، ولك أن تجاوز الشذوذ الثاني إلى التجوز في وصف اللفظ بكونه مبالغا في تقرير معناه وتحقيقه، وإنما لم يجعلوا الأبلغ من البلاغة، فيكون المعنى أن كلاما فيه كناية ومجاز أبلغ من كلام فيه الحقيقة الصرفة، ويكون وجه الأبلغية كونه أكثر مبالغة؛ لأن كثرة المبالغة لا توجب البلاغة مطلقا في مقام يستدعي المبالغة. فرب حقيقة أبلغ من المجاز؛ لوقوعها في مقام لا يسع المبالغة.
قال الشارح المحقق والسيد السند في شرحي المفتاح: يراد بالبلغاء علماء البيان على ما هو الظاهر؛ لأنهم هم الذين يظهر منهم الإجماع، ويمكن أن يراد جميع البلغاء، ويجعل إجماع أهل السليقة بحسب المعنى، حيث يعتبرون هذه المعاني في موارد الكلام، وإن لم يعلموا هذه الاصطلاحات.
стр. 966
(من الحقيقة) (١) أي: الحقيقة المفردة، وأما الحقيقة المركبة التي هي الكناية فالمجاز ليس أبلغ منها؛ لاشتراكهما في وجه المبالغة، فقوله (والتصريح) تطويل إلا أن تجعله عطفا تفسيريا للحقيقة (لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم) هذا متفق عليه بين المصنف والسكاكي؛ لأنه وإن جعل الكناية ذكر اللازم أي:
التابع وإرادة الملزوم أي: المتبوع، لكنه جعلها مشاركة للمجاز في الانتقال من الملزوم إلى اللازم؛ لأن اللازم ما لم يصر ملزوما لا ينتقل منه.
ويرد على كون المجاز أبلغ من الحقيقة أن منه المجاز غير المقيد، وهو لفظ المقيد المراد به المطلق، فإنه إذا نظر إلى ما أريد بهذا القبيل من المجاز كان قائما مقام أحد المترادفين، فكما أن أحد المترادفين إذا أقيم مقام الآخر لم يقصد به معنى آخر، بل ذلك المعنى بعينه، فلا يعد مقيدا، كذلك المشفر إذا أقيم مقام الشفة لم يقصد به إلا تلك الحقيقة، أعني: العضو المخصوص.
وذلك القيد الذي جردت الحقيقة عنه تابع عارض لها، كأنه بمنزلة أمر خارج عن مفهوم المشفر، فلا يترتب على قيامه مقام الشفة فائدة، بخلاف إطلاق الأصابع على الأنامل في يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ (٢) فإنه يفيد مبالغة، وكذا إطلاق اليد على القدرة يفيد تصويرها بصورة ما هو مظهر لها.
وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه، والمجاز الغير المقيد لا يكون أبلغ من الحقيقة، كيف ولا يصدق في حقه (فهو) الظاهر فهما (كدعوى الشيء ببينة) قال السيد السند في شرح المفتاح في بحث المجاز الغير المقيد:
وأيضا في كل من هذين الإطلاقين يعني إطلاق الأصابع واليد دعوى الشيء ببينة كما سيأتي، وليس ذلك في المشفر الاتحاد المعنى حقيقة، فيجب أن يحمل المجاز على المجاز المقيد، وبين كونهما كدعوى الشيء ببينة بأن وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم.
стр. 967
وفيه أن ما ثبت أن الانتقال فيهما من الملزوم في التصور إلى اللازم، ووجود الملزوم في التصور لا يستلزم وجود اللازم، وكأنه أشار الشارح المحقق إلى هذا حيث قال: هذا أي اقتضاء وجود الملزوم اللازم ظاهر، وإنما الإشكال في بيان اللزوم في سائر أنواع المجاز، هذا وكثيرا ما لا يتنبه لمراده، فيظن أن الإشكال في بيان اللزوم الذهني، فيعترض بأنه بعد ما بين الشارح في أوائل بحث المجاز اللزوم، فلا وجه لدعوى الإشكال هنا، وليس بشيء؛ لأن ما سبق بيانه هو اللزوم الذهني، والتنبه على وجود الملزوم اللازم الخارجي، فأين ذلك من هذا؟ !
(و) أطبقوا على (أن الاستعارة أبلغ من التشبيه؛ لأنها نوع من المجاز).
أقول: بعد وضوح كون الاستعارة مجازا، والتشبيه حقيقة ليس ذكر هذا الإطباق بعد ذكر الإطباق الأول إلا تطويلا، وإنما ذكره المفتاح لإفراده بدليل آخر، سوى الدليل المشترك بين المجازات، وهو أن التشبيه يتضمن الاعتراف بكون المشبه به أكمل من المشبه في وجه الشبه، ثم كون التشبيه حقيقة يرده ما حقق أن قولنا: زيد كالبدر عبارة عن كونه في غاية الحسن، وأن نسبة التشبيه إلى الاستعارة كنسبة الكناية إلى المجاز.
ومما يجب أن ينبه عليه أن المصنف توهم أن ما ذكره السكاكي أن للاستعارة مزية على التشبيه، فإن في التشبيه الاعتراف بنقصان المشبه عن المشبه به دون الاستعارة، يرد ما حققه الشيخ عبد القاهر؛ حيث قال: وليس السبب في كون المجاز والكناية أبلغ أن أحدا من هذه الأمور يفيد زيادة في نفس المعنى لا يفيدها خلافه، بل لأنه يفيد تأكيدا لإثبات المعنى، لا يفيد خلافه؛ إذ لا يفيد: رأيت أسدا زيد من: رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة، إنما فضيلة الأول لاشتماله على تأكيد فاته الثاني، وهكذا لا مزية للكثير الرماد على المضياف في كثرة القرى، بل لاشتماله على تأكيد فاته المضياف، مع اتحاد المقصود منهما.
ووجه الرد: أن ذلك لا يصح في الاستعارة بالنسبة إلى التشبيه، إذ رأيت أسدا يفيد شجاعة الأسد، وزيد كالأسد يفيد شجاعة دون شجاعة الأسد، ثم نصر الشيخ بأن مراده ليس السبب في كل صورة ذلك، ورفع الإيجاب الكلي لا ينافي الإيجاب الجزئي، فالسبب في كل صورة تأكيد إثبات المعنى بخلاف خلافهما.
стр. 968
وأما المزية في المعنى فربما تكون كما في الاستعارة والتشبيه دون غيرها ودونها وغير التشبيه كما في: رأيت أسدا، ورأيت رجلا يساويه في الشجاعة.
وقال الشارح: هذا استنباط معنى قد غلط فيه، كما هو عادته في استنباط المعاني من عبارات الشيخ لافتقارها إلى تأمل وافر، بل مراد الشيخ: أن شيئا من هذه العبارات لا يوجب ثبوت المزية في الواقع، كما ذكر هو نفسه أن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى ونفيه، مع أنا قاطعون بأن المفهوم من الخبر أن هذا الحكم ثابت أو منفي؛ وذلك لأن الدلالة اللفظية قد تتخلف عن المدلول.
ورده السيد السند: بأن هذا معنى ركيك فاسد؛ لأن ما نفاه الشيخ حينئذ مما لا يذهب إليه وهم، حتى يدفع، فإنهما لا يوجبان ثبوت أصل الشجاعة وأصل القرى في الواقع، فكيف يتوهم إيجابهما لثبوت أصل المعنى فيه، والإنصاف أن المتبادر من كلام الشيخ ما فهمه المصنف، وأن المغلط غالط والتشنيع ساقط.
هذا ونحن نقول: لو كان المراد ما ذكره الشارح لما وفي نفي ما نفاه الشيخ لإثبات أن الأبلغية لمجرد التأكيد، فليكن لاعتبار زيادة في المفهوم، لكن الإنصاف أن مراد الشيخ ليس ما ذكره المصنف، كما أنه ليس ما ذكره الشارح، وإن كان ما ذكره المصنف أقوى، بل مراده: أن ليس للأبلغية لإفادة شيء من العبارات مزية في المعنى، دون خلافها، وإلا لم يكن المقيس عليه للحقيقة والمجاز معنى واحد، وهذا كلام حق.
والمراد بقولنا: جاءني أسد، ليس إلا المراد بزيد كالأسد، وإلا لم يكن بجعله أبلغ منه دون زيد كالحمار معنى، وإنما التفاوت بادعاء المساواة في جاءني أسد وتأكيد تلك الدعوى بجعله عين الأسد، وإنكار كون زيد أنقص، بخلاف زيد كالأسد، فإن فيه اعترافا به، وبخلاف زيد والأسد، سواء فإنه لا يؤكد دعوى التسوية والادعاء وتأكيده لا يفيد مزية في الحق، بل مجرد تأكيد ومبالغة فيه، فما يدل عليه جاءني أسد على تقدير صدقه لا يوجب ثبوت المزية في الواقع، بخلاف الخبر فإنه على تقدير صدقه يوجب ثبوت مضمونه، فبين ما ذكره في الخبر وما ذكره في هذا المقام بون بعيد.
стр. 969
هذا آخر ما وفقنا من شرح الفن الثاني، بعد شرح الفن الثالث، ووهبنا ما فيهما من الغرائب والبدائع، نسأله التوفيق للترقي إلى شرح المقدمة والفن الأول، والحفظ من الموانع.
إلهي هب لنا أقوى الذرائع، التوفيق لاتباع أجل الشرائع، وبصرنا في أنوار العمل بأسرار المعارف والبدائع، واغتناما بإفاضة معاني بيانك العلية عن العلوم الرسمية والصنائع. بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين في الوقائع.
***
стр. 970
(الفن) في اللغة الضرب، أي: النوع، أو التزيين، وكلا المعنيين يناسب ما سماه فنا؛ لأنه في بيان نوع من مسائل تتعلق بالبلاغة، ويزين باستعانتها الكلام.
(الثالث) أي: الواقع في المرتبة الثالثة من الفنون الثلاثة، فالمعنى: الفن الذي هو ثالث الثلاثة؛ لأن الفنون مرتبة في تحصيل البلاغة وتكميلها، أو ثالث الفنين فإنه جعل الفنين المتعلقين بالبلاغة السابقين عليه ثلاثة.
([الفن الثالث] علم البديع)
هو في اللغة: المبتدع اسم فاعل أو مفعول فإضافة العلم إلى الأول إضافة إلى الفاعل، وعلى الثاني إلى المفعول، أي: علم مبتدع الكلام، فإن من زين كلامه بهذه المحسنات فقد أتى بكلام مبتدع، أو علم متعلق بكلام المبتدع، وقد جاء بمعنى الحبل الذي فتل، فالكلام الذي تم تزيينه بهذه المحسنات كالحبل الذي فتلت أوتاره وثلثت ثم فتلت في المثانة.
(وهو علم) فسر الشارح المحقق العلم في تعريفي المعاني والبيان بملكة يقتدر بها على تفصيل إدراكات جزئية متعلقة بأصول وضعها واضع الفن، وجوز أن يراد نفس تلك الأصول، وزاد المحقق المحشي شريف زمانه تجويز إرادة التصديقات بتلك الأصول، بل رجحها.
فمعنى قوله (يعرف به وجوه تحسين الكلام) (١): أنه يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ أو المتلفظ به مما أورد في هذا الكلام، أو أريد إيراده بمقتضى استعمال المعرفة الشائعة في إدراك الجزئي على طبق ما ذكره ذلك الشارح الجليل، في تعريف علم المعاني من التفصيل فما ذكره هنا في شرح قوله: «يعرف به وجوه تحسين الكلام» من قوله أي: يتصور معانيها، ويعلم أعدادها وتفاصيلها بقدر الطاقة محل نظر؛ إذ تصور معانيها إشارة إلى ما يحصل من
стр. 971
تعريفات المفهومات الاصطلاحية، وهي معان كلية لا يوافق إرادتها استعمال المعرفة الشائعة في إدراك الجزئيات.
ومع ذلك ليس داخلا في العلم بالمعنى المذكور، بل في العلم بمعنى المسائل والمبادي والموضوعات وضبط الأعداد لا يكون من المقاصد العلمية ونتائجها.
وقوله: وتفاصيلها ظاهر فيما يحصل من تقسيمات المفهومات، وهي أيضا مفهومات كلية ليست من المقاصد العلمية ونتائجها، وكأنه لما لم يشاهد في هذا الفن سوى تعريفات وتقسيمات ظن أن لا مسألة فيه، وليس كذلك؛ لأن المقصود بذكر كل من الأقسام: الحكم على كليته بأنه محسن للكلام البليغ.
قال الشارح: المراد بوجوه تحسين الكلام الوجوه المعهودة المذكورة في صدر الكتاب؛ حيث قال: ويتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا.
هذا ووجه الإشارة جعل الإضافة للعهد، وحينئذ يفوت قصد الاستغراق الذي لا بد منه في وجوه التحسين، وما يعرف به بعض وجوه التحسين ليس بديعا، فينبغي أن يقال: المراد بتحسين الكلام التحسين العرضي المذكور في صدر الكتاب بقوله: ويتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا.
ولك أن تريد بالكلام الكلام البليغ، لفهم العهد من اللام، ولا يخفى أن تحسين الكلام البليغ إنما يكون بما يكون خارجا عن بلاغته، وإلا لصار بليغا بهذا التحسين فلا يكون التحسين للكلام البليغ وبعد تخصيص الوجوه بالوجوه الخارجة عن البلاغة جعل الشارح تعريف العلم تاما به، وحكم بأن قوله (بعد رعاية المطابقة) أي: مطابقة الكلام (لمقتضى الحال ووضوح الدلالة) (١) أي: الخلو من التعقيد المعنوي للتنبيه، على أن هذه الوجوه إنما تعد محسنة للكلام، بعد رعاية الأمرين، ووجه ذلك أنه يكون إيراد هذه الوجوه، بدون رعاية الأمرين، كتعليق الدرر على أعناق الخنازير، فقوله: «بعد متعلق بالتحسين»، وكأنه أراد مزيد التنبيه، وإلا فالعهد، كما تكفل تخصيص الوجوه بالوجوه التابعة لوجوه البلاغة تكفل التنبيه المذكور؛ إذ لا معنى لتبعيتها لوجوه البلاغة إلا عدم
стр. 972
الاعتداد بها بدونها.
ولك أن تقول: الوجوه التابعة لوجوه البلاغة، ربما يكون مقتضى الحال، ويكون مظنة التباسها بالوجوه المبحوث عنها في البديع، فنبه على أن التحسين التابع للبلاغة بالوجوه المبحوث عنها، إنما يكون بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة، حتى لو لم يتم شيء منهما بدون هذه الوجوه لم تعد في الكلام من المحسنات البديعية.
وأما ما قيل حمل الكلام على العهد بعيد عن المقام، فاللائق بمقام التعريف حمل وجوه تحسين الكلام على مفهومه العام، وإخراج ما سوى المحسنات البديعية من الوجوه الداخلة في البلاغة بقوله بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة فقد رده الشارح بأنه كما يخرج عن الوجوه الداخلة في رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة الوجوه البديعية يخرج بعض ما هو داخل في البلاغة من الخلو عن التنافر، ومخالفة القياس والغرابة وضعف التأليف، فيبقى الجميع في قوله: وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة.
ويمكن دفعه بأن هذا لو حمل وضوح الدلالة على ما هو المعتبر في البيان.
أما لو حمل على مقتضى عموم البيان، فما سوى الخلو عن التنافر له مدخل في وضوح الدلالة؛ إذ المخالف لقياس اللغة والقاعدة النحوية الغريب لا يكون واضح الدلالة، وإن توهم المحشي المحقق أنه لا ينافي الوضوح إلا الغرابة والتعقيد مطلقا.
وأما التنافر، فما يعلم بالحسن، ولا تعلق له بعلم فلا يتوهم دخوله في علم البديع، وبأنه لو حمل الكلام على الكلام الفصيح؛ إذ ما سواه خارج عن درجة الاعتبار خرج عنه ماله دخل في الفصاحة، إذ ليس بها تحسين الكلام الفصيح، بل جعل الكلام فصيحا.
ويعلم مما ذكر أنه لو قال: تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية البلاغة لكان أخصر وأوضح.
ويكون قوله: بعد رعاية البلاغة مخرجا لجميع الوجوه الداخلة في بلاغة الكلام بلا تكلف، لكن يرد على هذا التعريف لو لم يعتبر العهد كما يرد على تعريفه أنه
стр. 973
يدخل في علم البديع حينئذ الوجوه المحسنة للكلام البليغ، مما يبحث عنه في علم العروض والقوافي، وغير ذلك من العلوم الأدبية؛ إذ بها يكتسب الكلام البليغ حسنا لا مرية فيه.
(وهي ضربان) أي الوجوه المحسنة نوعان:
(معنوي) (١) يفيد حسن المعنى، ويكون له مزيد تعلق بحسن المعنى، وإن كان لا يخلو عن تحسين اللفظ، كما يظهر لك في بعضها.
(ولفظي) (٢) له مزيد تعلق بتحسين اللفظ كذلك، وأما الضرب المتعلق بكليهما بأن لا يكون له مزيد اختصاص بأحدهما فمما لم يوجد.
(أما المعنوي) بدأ بالمعنوي؛ لأن الاعتداد باللفظ إنما هو لكونه وسيلة المعنى، ولهذا ستسمع أن أصل الحسن في المحسنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس.
(فمنه المطابقة) (٣) وما يلتحق بها إما بمعنى الموافقة أو المساواة ويؤيد الثاني تسميته بالتكافؤ فإنه بمعنى الاستواء.
(ويسمى الطباق) وهو مصدر مثل المطابقة كالقتال والمقاتلة، سمي بها لموافقة الضدين في الوقوع في جملة واحدة واستوائهما في ذلك، مع بعد الموافقة بينهما.
(والتضاد) ووجهه ظاهر، والتطبيق (أيضا) يقال: طبق الشيء الشيء إذا عمه، فالجملة عمت الضدين وشملتهما، والبديع أيضا وجهه ظاهر، وقيل:
المطابقة مصدر طابقت بين الشيئين إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر. وما ذكرنا أقرب، فتأمل، ولا تبعد.
(وهي الجمع بين متضادين) هذه عبارة المفتاح، ولما كان مراده هنا
стр. 974
بالمتضادين المعنى اللغوي دون الاصطلاحي الكلامي على خلاف دأبه؛ لأنه يذكر الاصطلاحات الكلامية، ويريد معانيها الاصطلاحية تبججا منه لجمع المنقول والمعقول، فسره المصنف بقوله:
(أي: معنيين متقابلين في الجملة) (١) سواء كان تقابل الضدين أي:
المعنيين الموجودين المتواردين على محل واحد بينهما الخلاف أو غايته أو تقابل الإيجاب والسلب، أو تقابل العدم والملكة أو تقابل التضايف، وسواء كان التقابل حقيقيا أو اعتباريا.
وقيل: لا يجعل التضايف تقابلا فلا يسمى الجمع بين الأب والابن طباقا على ما هو الظاهر، بل هو بمراعاة النظير أقرب.
ولك أن تجعل التفسير مجرد قوله معنيين متقابلين، وتكتفي في تعميمه بعدم تقييده، ويجعل قوله في الجملة متعلقا بالجمع أي: الجمع مطلقا، سواء كان في جملة واحدة أو في جملتين إحداهما جزء من الأخرى أولا، والأظهر أن يقول:
بين متضادين فصاعدا.
(ويكون) على طبق وهي أو الجمع، وقوله: ومن الطباق فتفطن فإنك من المخبرين.
(بلفظين) أي: بسبب لفظين (من نوع) قدمه؛ لأن لطف التضاد فيه أتم، كيف والمتكلم كما جمع بين الضدين في تركيب جمعهما في نوع واحد من الكلمة، وهذا أغرب من القسم الثاني، ولأنه أكثر دورانا على ألسنتهم، يشهد بذلك: أنه لم يهمل شيئا من أمثلة أقسامه بخلاف أقسام ما يقابله، فإنه لم يمثل إلا لقسم واحد من أقسامه.
وقد حكم الشارح بأنه لا يوجب جدالا هو ومن لا يتفطن، لما ألقيناه لك ربما لفيناه يقول: هذا التقسيم تطويل لا طائل تحته.
(اسمين نحو) قوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً (٢) جمع يقظ، على وزن عضد أو كتف بمعنى يقظان وَهُمْ رُقُودٌ أي: نيام (أو فعلين نحو) قوله تعالى
стр. 975
(يُحْيِي وَيُمِيتُ* أو حرفين نحو) قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (١) لا يخفى على البالغ مرتبة رجال البلاغة حسن ما في هذه الأمثلة من الطباق كيف، وقد أوقع المتكلم بين الضدين فيها الاتفاق، كما أوقع الموصوف والمحكي عنه بينهم الوفاق، فيشاهد التطبيق فيها من وجهين.
قال القاضي: أي لها ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر لا ينتفع بطاعتها، ولا يتضرر بمعصيتها غيرها، وتخصيص الخير بالكسب والشر، بالاكتساب؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه، فكأنه أجد في تحصيله وأعمل هذه عبارته، والاعتمال هو الاضطراب في العمل.
(أو من نوعين) عطف على قوله: من نوع والقسمة تقتضي أن تكون ستة أقسام اسم وفعل أو حرف وفعل أو اسم وحرف، فهذه أقسام ثلاثة تتضاعف باعتبار التقدم والتأخر، ولم يمثل المصنف إلا للقسم الأول، وأما تمثيله للاسم المتقدم فبقوله: (نحو) قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٢).
قال الشارح: فإن الموت والإحياء مما يتقابلان في الجملة، وقد ذكر الأول بالاسم والثاني بالفعل، وهذا إنما يستقيم لو كان الموت والإحياء بمعناهما، لكن قال المصنف: أي ضالا فهديناه.
هذا، ويشهد له ما بعده من قوله تعالى: وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (٣) قال القاضي: مثل به من هداه الله، وأنقذه من الضلال، وجعل له نورا.
ويمكن تصحيح التمثيل على طبق ما ذكره الشارح الجليل بأن المراد التمثيل إن كنت فطنا، فعلى فهمك التعويل، وبالجملة فالظاهر أن الإحياء مما يتعلق بما يقابل الموت، فالمثال من قبيل أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٤) وما تمثيله للفعل المتقدم، فيقوله في الإيضاح: يصان وهو ليوم الروع مبذول، فقد ذكر
стр. 976
الصون بلفظ الفعل أولا، والبذل المقابل له بلفظ الاسم ثانيا.
قال الشارح: الموجود من الأقسام الثلاثة هو الأول فقط.
ونحن نقول: لا نقتصر في أمثال هذه المقامات بما وقع، بل زد على ما وقع يكن لك نافلة فمثال الحرف والاسم للصحيح كل مضر، وعلى السقيم كل نافع، ومثال الحرف والفعل للصحيح ما يضر، وعلى السقيم ما ينفع، هذا وما ذكر من التفصيل لا يفي إلا بالطباق بين لفظين.
وأما الطباق بين أكثر فتزيد أقسامه باعتبار اجتماع الأنواع الثلاثة، والتقدم والتأخر إلى غير ذلك، وضبط أقسامها مفوض إلى فطانتك.
(وهو ضربان) أي: المطابقة على طبق وهي الجمع، وهو عند الشارح للطباق فكأنه دعاه إليه تذكير الضمير أو عبارة الإيضاح والطباق ينقسم إلى طباق الإيجاب، وهو للتلخيص كالتفسير، وهو ليس بمذكر مؤثر؛ لأن التذكر باعتبار الخبر هو الأكثر من الأكثر، وظهور ما مر من الداعي مغن في الإيضاح.
(طباق الإيجاب، كما مر) أي: كأمثلة مرت بحذافيرها.
(وطباق السلب) قال المصنف وتبعه الشارح: وهي أن يجمع بين فعلي مصدر واحد أحدهما مثبت والآخر منفي أو أحدهما أمر والآخر نهي، والمثال الأول للأول، والثاني للثاني.
قلت: يخرج عن بيانه نحو: لست بعالم، وأنا أعلم، أو أنا عالم، ونحو:
أحسبك إنسانا، ولست بإنسان، ونحو: أضرب زيدا وما ضربت عمرا، ولا تضرب زيدا وقد ضربت بكرا، والأولى هو أن يجمع بين الثبوت والانتفاء.
(نحو: ) قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١) أي: وعد الله، وصدق وعده، بجهلهم وعدم تفكرهم يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا (٢) أي: ظاهرا هي الحياة الدنيا، ويغفلون عن الباطن الذي هو الحياة الآخرة، أو يعلمون ظاهر الحياة الدنيا، التي هي وسيلة الشهوات، ولا يعلمون باطنها، الذي هو وسيلة الحياة الأبدية، كما قال: وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
стр. 977
غافِلُونَ (١) (ونحو) قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ (٢) نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم، ويداهنوا فيها خشية ظالم أو كبير.
قال المصنف: قيل: ومنه قوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٣) أي: لا يعصون الله في الحال، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل، وفيه نظر؛ لأن العصيان يضاد فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضاد؟ !
هذا، وفيه نظر من وجه آخر أيضا؛ لأن ما أمرهم يأتي أن يجعل لا يَعْصُونَ اللَّهَ حالا، ويقتضي أن يقال: لم يعصوا ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فقوله: لا يَعْصُونَ اللَّهَ بمعنى لم يعصوا عبر عن الماضي بالمستقبل، قصدا إلى استمرار عدم العصيان فيما مضى وقتا فوقتا، كما في قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ (٤) وقد سبق.
وقال: الطباق قد يكون ظاهرا كما ذكرنا، وقد يكون خفيا نوع خفاء كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (٥) طابق بين أغرقوا، وأدخلوا نارا، ومثله في الاسمين بالجمع بين هاتا وتلك، والشارح لم يلتفت إلى تقسيمه هذا، بل ذكر ما يشعر بأنه لا يقول بهذا التقسيم، وأن ما هو غير الظاهر داخل في الملحق بالطباق؛ حيث قال:
ومن الملحق بالطباق قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المضاد للإغراق.
ونحن نقول: ما هو غير الظاهر ما لم يكن بين الفعلين والاسمين تضاد، بل حصل التضاد بتصرف في أحدهما أو فيهما في الاستعمال، فإن أغرقوا وأدخلوا فعلان لا تضاد بينهما، وإنما حصل التضاد بجعل مفعوله نارا، وكذلك هاتا وتلك ليستا إلا اسم إشارة، فليس هناك متضادان، إنما صارا متضادين لتصرف فيهما بما
стр. 978
جعل المشار إليه بها تارة بعيدا بعدا تاما، وتارة بعيدا في الجملة لا بعدا تاما، إلا أنه أورد في مقام التمثيل للطباق ما هو ملحق به، تنظيرا لما هو بصدده، وتنبيها على جريان هذه القسمة في الملحق بالطباق أيضا، فتوهم أنه وقع في هذا التقسيم لاشتباه الملحق بالطباق الغير الظاهر، ويجعل غرض الشارح غير هذا مساغ يتفطن له من يفهمه إلى التوجه بدقائق القصد، فراع، فكن ذلك الرجل تجده.
(ومن الطباق) لم يقل: ومنه؛ لئلا يتبادر الوهم إلى أنه من متعلقات تقسيم الطباق إلى طباق الإيجاب وطباق السلب في جعل ضمير منه إلى طباق الإيجاب.
(نحو قوله) أي: قول أبي تمام في مرثية أبي نهشل محمد بن حميد حين استشهد، وأراد «بنحو قوله» ما ضبطه ما سماه بعضهم تدبيجا بالدال المهملة والباء التحتانية الموحدة والجيم، ومن صححه بالحاء المهملة لم يزد ألا تسقيما يرده الرواية والدراية؛ إذ ليس من معاني التدبيج ما يناسبه المعنى الاصطلاحي، بخلاف التدبيج، فإنه التزيين بالديباج، على ما في القاموس. والتزيين على ما في الدستور.
قال الشارح: دبيج الأرض المطر زينها، ويناسب المعنى الاصطلاحي الذي نقل المصنف تفسيره بأن يذكر في معنى المدح أو غيره ألوانا لقصد الكناية، أو التورية، وينبغي أن يقصد بالألوان معان متضادة؛ إذ لو لم تتضاد لكانت من القسم الثاني من الملحق بالطباق، فالتدبيج بمقتضى ظاهر هذا التفسير أعم من الطباق، والملحق به، ففي جعله من الطباق نظر، ولا يظهر وجه لتخصيص التدبيج بما قصد بالألوان الكناية أو التورية من دون أن يشمل المجاز، وإنما قال:
ومن الطباق دفعا لتوهم أنه قسم له، كما توهم تخصيصه باسم أو دفعا لتوهم أنه من القسم الثاني من الملحق به.
والتضاد باعتبار المعنى الحقيقي:
(تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... بها اللّيل إلّا وهي من سندس خضر) (١)
وفي هذا المثال تنبيه على أن المراد بالألوان في تعريف التدبيج ما فوق
стр. 979
الواحد، وفي الحواشي المنقولة عنه: خضر مرفوع في البيت خبر بعد خبر؛ لأن قوافي القصيدة على حركة الضم؛ إذ من جملة أبياتها قوله:
وقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر (١)
على ما سيجيء في رد العجز على الصدر هذا، ولا يخفى أن هذا لا يلائم قوله في شرح البيت: ولم يدخل في الليل إلا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة، فإنه واضح في جعل الخضر صفة للسندس، وهو الموافق للعرف؛ لأنه إذا ذكر أصل الثوب يجعل اللون صفة الأصل، لا الثوب.
فالوجه أن تجعل خضر مرفوعا خبر مبتدأ محذوف، أي هو خضر، ويجعل الجملة صفة سندس قال الشارح: أي ارتدي الثياب الملطخة بالدم.
هذا، فالمراد بثياب الموت ثياب مات فيها، والإضافة لأدنى ملابسة، ويصح أن يراد بثياب الموت دماء تلطخ بها بدنه، وصارت كثياب لبسها، والإضافة إلى الموت؛ لأنه ألبسها له الموت حين لبسها بمجيئه إليه، وفي جمع الثوب إشارة إلى تعدد جراحاته حتى ألبسته كل جراحة ثوبا، فالمعنى: ارتدي الدماء فما آتى لتلك الدماء الليل، ولم ينقض يومه إلا وهي من سندس خضر، والسندس: رقيق الديباج، معرب بلا خلاف، والقصد من الثياب الخمر: القتل، أو نصب السيف، ومن الثاني الحياة الأبدية أو لذات الجنة، واللذة والنصب، والقتل والحياة متضادان، فالبيت من قبيل الكناية.
وقال الشارح: لا ينفي الكناية فيه إلا من لا يعرف معنى الكناية.
أقول: الوقوع في نفي الكناية لا يتصور إلا بأن اللون ليس كناية، بل ارتداء الثياب الحمر والسندس الخضر.
والجواب: أن المراد أن للألوان دخلا في قصد الكناية، لا أن أنفسها كنايات، ومثل المصنف لتدبيج التورية بقول الحريري [فمنذ برّ العيش الأخضر، وازورّ المحبوب الأصفر، اسودّ يومي الأبيض، وابيضّ فودي الأسود، حتى رثى لي العدوّ الأزرق، فيا حبذّا الموت الأحمر].
стр. 980
قال الشارح: فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر، هو الإنسان الذي له صفرة، والبعيد هو الذهب، وهو المراد هاهنا فيكون تورية، كما توهمه البعض.
أقول: المتبادر من ذكر الألوان لقصد الكناية أو التورية أن لا يخرج الألوان منهما، ولا منع من الاجتماع، فالأولى أن يقال: قول الحريري مما اجتمع فيه كلاهما، فما سوى الأصفر كناية فاغبرار العش الأخضر، كناية أن تكدر العيش الناعم، واسوداد اليوم الأبيض، كناية عن سوء الحال الحسن، وابيضاض الفودين جانبا الرأس، كناية عن وهن البنية، كما أن اسوداده كناية عن قوتها.
ثم نقول: يحتمل أن يراد بالمحبوب الأصفر المحبوب الجميل لما أن بنات الأصفر كناية عن نساء الروم المشتهرة بالحسن فيما بينهم، قال ﵇ لأصحابه في الترغيب إلى غزوة تبوك: «هل لكم في بنات الأصفر» (١) كازورار المحبوب الأصفر أي: عدوله عنه كناية من الفقر والعجز التام، فالمثال للكناية، وكأنه لم يجد المصنف لصرف التورية مثالا، وهذا المثال أيضا غير متيقن، فكأنه لهذا لم يذكر للتورية مثالا هاهنا.
(ويلحق به) أي: بالطباق شيئان:
أحدهما (٢): الجمع بين معنيين، يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق، مثل السببية واللزوم (نحو: ) قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٣) فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة، لكنها مسببة عن اللين) الذي يقابلها أو الشدة سبب العنف الذي يقابل الرحمة، ولا يخفى أن سبب المقابل للشيء مقابل له غير مجامع معه، كما أن مسبب المقابل للشيء مقابل له فيدخل في تعريف الطباق على المقابل لذات الشيء، وحينئذ يتجه أنه ينبغي أن يقدم قوله: ودخل فيه ما يختص باسم المقابلة على قوله: ويلحق به، ويمكن دفعه بأن المراد بقوله: ودخل فيه: أنه دخل في الطباق، والملحق به بقرينة أن
стр. 981
بعض الأمثلة المذكورة للمقابلة مما ذكر فيه الملحق بالطباق، ومنهم من تكلف، وقال: هذان الشيئان داخلان في الطباق إلا أن غيره من الطباق أغرق في التقابل، فنبه على التفاوت بذكر لفظ الإلحاق، وبهذا التكلف يندفع الأمان.
قال المصنف: وعليه قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (١) فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل يستلزم؛ لأن الحركة ضربان حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية.
هذا وفيه أن السكون أيضا ضربان، فينبغي أن يعدل عنه، ويمكن دفعه بأن العدول عن الحركة إلى إيتاء الفضل يعين السكون للمصلحة، ويمكن أن يجعل نكتة العدول ما في ابتغاء الفضل من التنبيه على أن كل ما ينتفع به من فضل الله لا مدخل لسعي العبد حقيقة.
قال الشارح: ومنه قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (٢) لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المتضاد للإغراق، وقد مر ما يتعلق به، فتذكر.
(و) ثانيهما: الجمع بين معنيين غير متقابلين، غير أنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان، كذا ذكره الشارح، وينبغي أن لا يخص إيهام التضاد بجمع ما يتضاد معنياهما الحقيقيان، بل بجعله منه ما يتضاد معنياهما المجازيان المشهوران، وإذا عبر عن المعنيين بهذين اللفظين أبرز المعنيان في صورة المتضادين، فالحسن راجع إلى المعنى بهذا الاعتبار، فلا يتوهم أن هذا جمع لفظين معنياهما متضادان، فالحسن عائد إلى اللفظ لا إلى المعنى، فلا يصح جعله من المحسنات المعنوية.
(نحو قوله) أي: دعبل كزبرج شاعر خزاعي رافضي [(لا تعجبي يا سلم) ترخيم سلمى، أو المراد: يا سالمة من العيوب، فيكون السلم بمعنى السّلام المستعمل في السالم (من رجل) يعني نفسه عبر عنه برجل؛ لتمكنه الوصف بالجملة (ضحك المشيب) هو كالشيب الشعر وبياضه.
قال الشارح: أي ظهر ظهورا تاما، فجعل الضحك كناية عن الظهور التام؛
стр. 982
إما لأن الظهور التام للشيب يجعل صاحبه مضحكة للناس، أو لأن الظهور يستلزم ظهور ما خفي من مستورات الشفتين (برأسه فبكى)] (١) ذلك الرجل لتذكر الموت أو التأسف على زمان الشباب، فلا تقابل بين ظهور الشيب والبكاء، بل يكاد يكون بينهما تلازم، لكن بين المعنى الحقيقي للضحك والبكاء تقابل، ويمكن أن يراد بضحك المشيب سروره تشبيها للمشيب برجل سار من قوته وغلبته، وبالبكاء الحزن، فحينئذ يكون من أصل الطباق.
(ويسمى الثاني: إيهام التضاد)؛ لأن المعنيين المذكورين الغير المتقابلين قد عبرا بلفظين يوهمان التضاد للتقابل بين معنييهما الحقيقيين أو المجازيين مع الشهرة.
(ودخل فيه) أي: في الطباق بالتفسير الذي سبق، والملحق به (ما يختص باسم المقابلة) وإن جعله السكاكي وغيره قسما برأسه من المحسنات المعنوية؛ حيث ذكروها في مقابلة الطباق.
(وهي أن يؤتى بمعنيين) متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب فيكون داخلا فيه، فإنه يصدق عليه الجمع بين معنيين متقابلين؛ لأن المراد الجمع بين معنيين متقابلين فصاعدا، كما أشرنا إليه، ولما كان يتجه عليه أن جعله داخلا في الطباق، دون مراعاة النظير يحكم؛ لأنه كما يصدق عليه باعتبار جمع المتقابلين تعريف التضاد يصدق عليه، باعتبار جمع المتوافقين تعريف مراعاة النظير دفعه بقوله:
(والمراد بالتوافق خلاف التقابل) (٢) لا التناسب، فإنها غير مشروطة بذلك بشواهد الأمثلة، وهذا وإن يرجح الحكم بدخولها بالطباق، لكن لا ينفي كون بعض أفرادها من مراعاة النظير؛ لأنه كما لم يشترط فيه التناسب، لم يشترط عدمه، وقد توجه كلام القوم بأن الطباق: الجمع بين الضدين بلا فصل، بخلاف المقابلة فإنه يشترط فيها الفصل بين المتقابلين بغيرهما.
стр. 983
ويرده تمثيلهم المطابقة بأمثال فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً (١) وقد توجه بأن الطباق هو جمع المتقابلين فقط، والمقابلة جمع المتقابلات، وفيه أنه لو خص الطباق بجمع المتقابلين فقط يخرج جمع المتقابلات من غير ذكر على ترتيب المتناسبات المجموعة أولا منها. وبقي مهملا، مع أنه من المحسنات البديعية المعنوية.
ثم قسم المقابلة إلى أقسام، مقابلة الاثنين بالاثنين، والثلاثة بالثلاثة، والأربعة بالأربعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ولما كان هذا التقسيم والتسمية من التطويل بلا طائل لم يلتفت إليه المصنف، ونبه على أنها تقع على تلك الأنحاء بذكر الأمثلة الثلاثة.
(نحو) قوله تعالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ونحو قوله) أي: قول رجل كني بأبي دلامة على وزن نمامة:
(ما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل) (٢)
ذكر الرجل تغليب؛ إذ حديث المرأة معلوم بطريق الأولى؛ لأنه إذا لم يدفع قبح الكفر والإفلاس كمال الرجل برجوليته، كيف يدفعه نقصان المرأة؛ لكونها مرأة (ونحو فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) (٣) أي: بالكملة الحسنى أعني: كلمة التوحيد أو بالخصلة الحسنى أي: الإيمان أو بالملة الحسنى، وهو الملة من عند الله أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (٤).
قال الشارح: ولما كان التقابل في الجميع ظاهرا إلا مقابلة الاتقاء والاستغناء، بيّنه بقوله (المراد باستغنى: أنه زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتق).
ويمكن أن يقال: لما كان ظاهر العبارة إدخال مقابلة في الطباق، وكان المراد
стр. 984
إدخاله في الطباق، ولم يلحق به، نبه على أن جميع الاتقاء والاستغناء مما يلحق بالطباق؛ ليعلم أنه أراد بقوله: دخل فيه الدخول في الطباق وما يلحق به، ثم نقول: مقابلة الاستغناء عن الله بالتقوى ظاهر مستغن عن جعله في قوة عدم التقوى فتأمل.
(أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يبق، وزاد السكاكي) قال الشارح: أي في تعريف المقابلة قيدا آخر، فعرفه بأن يجمع بين شيئين متوافقين أكثر وضديهما.
(وإذا شرط) اعتبر (هاهنا) أي: فيما بين الموافقين أو المتوافقات (أمر شرط ثمة) أي: فيما بين الضدين أو الأضداد.
(ضده) أي: ضد ذلك الأمر (كهاتين الآيتين) فإنه لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق.
(جعل ضده) وهو التعسير المعبر عنه بقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (مشتركا بين أضدادها) وهي البخل والاستغناء والتكذيب، فعلى هذا لا يكون بيت أبي دلامة من المقابلة؛ لأنه اشتراط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، بل الظاهر أنه مبني على الاجتماع؛ إذا الإفلاس مع الإسلام ليس قبيحا فضلا عن كونه غاية في القبح، هكذا شرح كلام المصنف والمفتاح، ووافقه شريف زمانه.
ونحن نقول إثبات مذهب جديد للسكاكي بلا سند معتد به، مما لا يستحسنه العقلاء، وقول السكاكي وإذا شرط هنا أمر شرط ثمة ضده، كما يحتمل أن يكون بيان ما لا بد منه للمقابلة يحتمل أن يكون بيان ما به يكمل ويزيد حسنها، بل سوق كلامه؛ حيث قال بعد التعريف ثم إذا شرط هاهنا أمر شرط، ثم ضده يدل على المخالفة بين هذا الكلام والتعريف؛ وذلك لأن التعريف بيان ما لا بد منه للمقابلة، وهذا بيان ما له بد منه، وله مدخل في كمالها.
ولكلام المصنف احتمال أنه زاد السكاكي حكما على القوم هو أنه يكمل المقابلة بذلك، لا أنه زاد في تعريف المقابلة قيدا.
стр. 985
نعم تصرف في كلام السكاكي بما أخل بها، حيث غير قوله ثم إذا شرط إلخ بقوله: وإذا شرط إلخ.
ومما وقع في هذا المقام من المصنف أن لكلام السكاكي في تعريف المقابلة خللا على ما يشعر به كلام الإيضاح؛ حيث زاد على تعريف السكاكي للمقابلة، وهي أن تجمع بين معنيين متوافقين، أو أكثر وضديهما قوله: أو أضدادها.
واتخذه الشارح المحقق، والمحقق الشريف مذهبا في شرح كلام المفتاح وصرحا بأنه لا بد في الكلام من حذف معطوف، أي: أو أضدادها وليس بذاك؛ لأن معنى كلام السكاكي أن يجمع بين معنيين متوافقين، أو أكثر، ثم ضدي هذين المجموعين بأن يأتي بضد المعنيين المتوافقين، وهو ضدهما وبضد الأكثر وهي أضداده. واعلم أنه لا وجه لجعل الجمع بين المتناسبين وضديهما على الترتيب مقابلة دون الجمع لا على الترتيب؛ لأن الجمع لا على الترتيب أيضا من المحسنات، ونشر لا على ترتيب اللف، وكأنه لذلك حذف السكاكي قيد الترتيب عن تعريفه.
ولا يذهب عليك أنه لا يجب أن يكون الشرط وضده خارجين عن الأضداد والمتوافقات، كما توهمه العبارة.
ألا ترى أن التيسير واحد من المتوافقات والتعسير واحد من الأضداد.
(ومنه) أي: ومن المعنوي (مراعاة النظير) وتسميته بهذا الاسم والتوفيق أي: جعل الشيء موافقا لشيء، والتلفيق أي: ضم شيء إلى شيء بالخياطة بطريق نقل الاسم من أفعال المتكلم به في مقام التكلم به، ولو جعلت هذه الثلاثة مبنيات للمفعول كانت تسمية باسم صفات الأجزاء كالتناسب والائتلاف.
(ويسمى التناسب والتوفيق أيضا، وهو جمع أمر وما يناسبه) شامل للطباق والمشاكلة ومراعاة النظير فأخرج بقوله: (لا بالتضاد) الطباق والمراد بالتضاد ما هو مصدر المتضادين بالمعنى المفسر سابقا، فيخرج الطباق رأسا بقي المشاكلة؛ لأنه جمع أمر، وما يناسبه بمناسبة الجوار في تعبير واحد، فلا بد من قيد يخرجها.
وقد أهمله القوم، ولا يبعد أن يقال: المتبادر من الجمع الجمع في التركيب،