The Atlantic Monthly) في عدد سپتمبر ١٩٩٠م، بعنوان (جذور الغضب الإسلامي) (١).
ووفقًا لما قاله محررو الصحيفة، فإن مقالة هنتنجتون «أثارت نقاشًا طيلة ثلاث سنوات أكثر من أية مقالة قاموا بنشرها منذ الأربعينات» (٢).
وبعد ثلاث سنوات من الجدل والمناقشات - ولا تزال - عزز هنتنجتون نظريته في كتابه الضخم الذي أصدره عام ١٩٩٦م بعنوان (صراع الحضارات وإعادة بناء النظام الدولي).
يذهب هنتنجتون في أطروحته إلى أن «السنوات التي أعقبت الحرب الباردة شهدت البدايات لتغيرات مثيرة في هويات الشعوب والرموز التي تعود لتلك الهويات. وأخذت السياسات العالمية يُعاد صياغتها بما ينسجم مع الخطوط الثقافية» (٣).
يقول (٤): «وللفلسفة التي تتبصر في مصير العالم نظرة مثيرة للاشمئزاز إلى العصر الجديد، أجاد في التعبير عنها مايكل ديبدن Michael Dibdin [١٩٤٧ - ٢٠٠٧ م] في روايته (البحيرة الميتة Dead Lagoon)، حين يقول: "لا يمكن أن يكون ثمة أصدقاء حقيقيون، من دون أعداء حقيقيين. فما لم نكره غيرنا لا يمكن أن نحب أنفسنا". هاتيك الحقائق العتيقة نعود فنكتشفها الآن بألم بعد قرن وأكثر من الانحراف الوجداني. أما أولئك الذين ينكرونها فإنهم ينكرون عائلتهم وتراثهم وثقافتهم وحق ولادتهم، بل ينكرون جوهر أنفسهم! ولن يغفر لهم في شيء. إن الحقيقة المشئومة من بين هذه الحقائق العتيقة التي لا يمكن أن يتجاهلها رجال الدولة والعلماء هي أنه في السبيل الذي تسلكه الشعوب التي تسعى لإثبات هويتها وإحياء العرقية يكون الأعداء ضرورة جوهرية. وتحدث أخطر العداوات على الإطلاق وعلى نحو محتمل عبر خطوط الصدع بين حضارات العالم الرئيسة».
стр. 107
ويرى هنتنجتون أن «السياسات العالمية بعد أن حفزتها حركة (التعصير)، يجري إعادة تركيبها الآن لتكون منسجمة مع الخطوط الثقافية. فتتقارب الشعوب والدول ذات الثقافات المتشابهة لتجتمع معًا. بينما تتباعد الشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة فتفترق. فالتكتلات التي حددتها العلاقات بالأيديولوچية وبالقوة العظمى تنهار فتخلي السبيل لقيام تكتلات تحددها الثقافة والحضارة. ويجري إعادة رسم الحدود السياسية، على نحو يزداد يومًا بعد يوم، لتتلاءم مع الحدود الثقافية: العرقية، والدينية، والحضاراتية. وتحل التجمعات الثقافية الآن محل كتلة الحرب الباردة، وتصير خطوط الصدع بين الحضارات أكثر فأكثر هي الخطوط المحورية للصراع في السياسات العالمية» اهـ (١).
من الملاحظ أن هنتجتون رغم استعراضه في كتابه لنماذج الحضارات المنبعثة - التي وصفها بـ (الثقافات الأهلية) -، والتي يذكر أن انبعاثها يمثل رفضًا، بل وتهديدًا للثقافة الغربية من نواحي عدة، فإنه يعطي اهتمامًا خاصًا لانبعاث الصحوة الإسلامية؛ فعلى الرغم من أنه قَرَنَ في عدة مواضع بين الخطر الإسلامي والخطر (الأصفر) الكونفوشيوسي (٢)، إلا أنه يخصص الإسلام دون غيره بقوله (٣): «أزال انهيار الشيوعية العدو المشترك للغرب والإسلام وجعل كل منهما يرى الآخر هو الخطر الأكبر»، ولقد كان محددًا حينما حصر المسألة في قوله (٤): «إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الغرب هي ليست الأصولية الإسلامية المتطرفة، بل إنها الإسلام نفسه» اهـ.
ولقد أيده الكثيرون في مقالته تلك؛ فكما تذكر الصحافية الأمريكية باربرا فيكتور أنه «منذ سقوط الإمپراطورية السوفيتية، تغيرت ذهنية الأمريكيين تغيرًا قويًّا؛ فقد أصبح الإسلام المتشدد، بدلًا من الشيوعية، هو الشر الأقصى» (٥)، كذلك فقد وصف القس
стр. 108
الإنجيلي هال ليندسي Hal Lindsey المسلمين بأنهم «كالشيوعيين، في أعماق فلسفتهم توق شديد لدفننا جميعًا» (١)، والأمثلة أكثر من أن تحصى ..
ويعكس هذا التأييد مدى نجاح المنظِّرين السياسيين أمثال لويس وهنتنجتون وغيرهما من فرض رؤيتهم على الوعي الجماهيري الغربي، فكما يقول الباحث فاضل الربيعي (٢): «المثير للاهتمام أن معظم ما يُنشر ويُبَث ويُذاع من مواد فكرية وثقافية وسياسية عن العرب، وعالمهم الروحي والسياسي، ومشكلاتهم ومعتقداتهم الدينية وطقوسهم وشعائرهم الدينية، وحتى ملابسهم الغريبة، بات يرتكز على تصورات ومزاعم وأفكار عنصرية عن صدام حقيقي محتمل بين الحضارات».
ويقول إدوارد سعيد - وذلك بعد وصفه لنظرية هنتنجتون بـ «غير المقنعة على الإطلاق» - (٣): «... ولا يعني ذلك أن هنتنجتون، ومن خلفه جميع أصحاب النظريات والمبررات للتقاليد الغربية المتهلِّلة فرحًا، مثل فرانسيس فوكوياما، لم يعودوا يتمتعون بجانب كبير من سيطرتهم على الوعي الجماهيري، بل لا يزالون يتمتعون به» اهـ.
كذلك يذكر روبرت كيجن أنه في استطلاع للرأي رعاه صندوق مارشال الألماني The German Marshall Fund GMF ومجلس شيكاجو للعلاقات الخارجية The Chicago Council on Global Affairs، بين الأول من يونيو والسادس من يوليو ٢٠٠٢م، للتعرف على (التهديدات المحتملة للمصالح الحيوية الأشد خطورة)، جاءت النتيجة عند السؤال عن تهديد (الأصولية الإسلامية) بالإيجاب لدى ٦١% من الأمريكيين مقابل ٤٩% من الأوروپيين (٤).
стр. 109
ولا أظنه يخفى ما تحمله هذه الرؤية الهنتنجتونية من مقاصد خفية لنيل التأييد الشعبي للتحركات التوسعية الأمريكية من أجل السيطرة على موارد النفط ولأمركة الشرق الأوسط (التاريخي) وجعله سوقًا كبيرًا تابعًا للغرب .. وهذا من براعة القوم في الصد عن سبيل الله، ويذكرني بفعل أثو دي لاچيري Otho de Lagery، أو البابا أوربان الثاني كما يحلو لهم تسميته، حينما جيَّش الجيوش الهمجية تحت راية الصليب، دافعًا بها لغزو بلاد المسلمين، مرتكزًا على خلفية ثقافية مشوهة كما تقدم الذكر. وحقيقة أعجبني تلخيص الدكتور چورچ قُرم للمسألة في قوله (١): «الدول الغربية عائدة إلى أهوائها الاستعمارية السابقة بغطاء التنظير حول ظاهرة (عودة الدين) والصراع المحتم بين الحضارات» اهـ.
ورصْد المسألة من هذه الزاوية يجعلنا نعير الاهتمام لما تبنته مجلة (المنابر والنصوص الرمزية Tribunes et Décryptages) في عدد ١٤/ ١٢/٢٠٠٥م، من القول بأن «صدام الحضارات لم تكن نظرية بسيطة حول تطور العلاقات الدولية، إنها برنامج أنشأ في داخل مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة، وفي الأمن الوطني، وهو مرتبط بالمجتمع الصناعي العسكري الموجه نحو خلق عدو استراتيچي وهمي ودائم، لتبرير الاعتمادات العسكرية المتزايدة وتحفيز مبدأ التدخلية العسكرية في المناطق ذات الاحتياطات الپترولية الهائلة، وسهلة الاستخراج والاستثمار. وحول هذه القاعدة فقد تم ابتداع، وبشكل مخادع، مؤامرة إسلامية عالمية واسعة، في حرب ضد الغرب. واعتبرت أحداث ١١ سپتمبر ٢٠٠١م بمثابة إعلان حرب ذات آلية استراتيچية مساوية للحرب الباردة، وإن (القاعدة) تمثل تهديدًا مشابهًا لما كان يمثله الاتحاد السوفيتي (لا بل أكثر خطورة) على النظام الدولي» (٢).
стр. 110
نظرة على علاقة المجتمع الغربي المعاصر بالإسلام:
ولكن قبل أن نقفز إلى أحداث الحادي عشر من سپتمبر وتبعاتها، نناقش مسألة هي من الأهمية بمكان، وهي الموقف الغربي المعاصر من الإسلام ..
ونتوقف قليلًا عند حرب الخليج الثانية (٢/ ٨/١٩٩٠ - ٢٨/ ٢/١٩٩١م)، أو (عملية عاصفة الصحراء Operation Desert Storm) كما أطلقت عليها القوات الأمريكية، والتي قادت فيها أمريكا ائتلافًا دوليًا مكونًا من ٣٤ دولة في مواجهة القوات العراقية.
فلقد بدت هذه الحرب - كما رأى الأمريكيون أنفسهم - «وكأنها الاختبار الحقيقي الأول للنظام العالمي الجديد، حيث وجدت فيها الولايات المتحدة فرصة ذهبية لتؤكد حضورها الطاغي على مسرح الأحداث العالمية، ولتثبت للعالم أجمع أن هناك قائدًا جديدًا منفردًا في الشئون العالمية» (١).
والحاصل أن هذه الحرب (التحريرية!)، مع قرائن صاحبتها، كشفت زيف الادعاءات الأمريكية في رغبتها الخالصة، بل وفي حملها على عاتقها، مسئولية نشر الحرية والعدل والمساواة في الكرة الأرضية تحت غطاء العولمة؛ فكما يذكر هنتنجتون أن «النفاق، وازدواجية المعايير، والاستثناءات، هي الثمن لمطامح العولمة؛ فالديمقراطية مطلوبة لكنها ليست ديمقراطية لو أنها جلبت إلى الحكم الأصوليين الإسلاميين، وحظر تصنيع أسلحة الدمار الشامل يفرض على إيران والعراق ولكنه لا يفرض على إسرائيل ... وحقوق الإنسان هي قضية ذات شأن مع الصين لكنها ليست بقضية مع المملكة العربية السعودية، والاعتداء على الكويتيين أصحاب النفط رُفِض على نطاق واسع ولكن لا يُرفَض أي اعتداء على البوسنيين الذين لا يملكون شيئًا من النفط. إن المعايير المزدوجة في الإجراء العملي هي الثمن الذي لا يمكن تجنبه للمعايير العالمية لأي مبدأ» اهـ (٢).
ثم بعد أن انقضت الحرب، وما تبع ذلك من تعزيز للوجود (الأمريكي/الغربي) في
стр. 111
منطقة الشرق الأوسط، وقف الرئيس الأمريكي چورچ بوش (الأب) في مؤتمر مدريد للسلام في ٣٠ أكتوبر ١٩٩١م معلنًا أن «القضية في الشرق الأوسط ليست مجرد قضية إنهاء الحرب، وإنما هي قضية إنهاء العداوة».
فالعداوة التي أشار إليها - ظاهرًا - هي تلك التي بين العرب والدولة الصهيونية اللقيطة، ولكن المدقق يجد أن العبارة تحمل دلالة عميقة جدًا لم ينطق بها هذا القسيس عفويًا، لا سيما في مؤتمر عالمي أعدت أچندته بدقة. فهو لا يعنيه الحديث عن العداوة القائمة بين قوميات بقدر ما يعنيه الحديث عن عداوة من نوع آخر؛ فالغرب الذي حرَّض في الأساس نصارى الشرق (المستنيرين) على زرع بذور القومية في تربة الخلافة، وأقنعهم بأن هذا سبيلهم للتخلص من ربقة (الاستعباد المِلَلي)، ونيل الحرية والمساواة، ثم جَنَى ثمارها وحده بموجب اتفاقية (سايكس-پيكو) (١)، ولم يُبقِ لهم إلا النزر اليسير (٢)،
لا يكون هو نفسه الذي يدعو إلى إنهاء العداوة القومية، وإنما يدعو لإنهاء العداوة التي من أجلها زرع بذور القومية، وهي العداوة القائمة على أسس عقائدية.
وإنهاء هذه العداوة العقائدية الأساس يقتضي - حسب أطروحة فوكوياما - نشر القيم الديمقراطية الليبرالية في المنطقة، وهو ما يستدعي بالتالي إبقاء دولة إسرائيل قائمة،
стр. 112
باعتبارها قبلة الديمقراطية الغربية في الشرق الأوسط. لكن الحاصل أنه حينما سعت أمريكا - وفي ذيلها الغرب - لنشر هذه التعاليم المشبوهة في أوساط الجماهير المسلمة الغافلة، من ناحية، بل وفي نفخ سمومها في صفوف نصارى الشرق ومهاجريهم في الغرب، وتحريضهم على إثارة الفتن والقلاقل، من ناحية أخرى، تحت غطاء المواطنة وحقوق الإنسان وغيرها، وجدت نفسها مصطدمة بطائفة قد عناها رسول الله ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (١). فلقد بزغت شمس الصحوة الإسلامية متمثلة في هذه الطائفة، وذلك مصداقًا لقوله ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٢)، فقاموا يكشفون الشبهات، ويعلمون الناس أمر دينهم، وأصول إيمانهم، والذي هو أوثق عراه كما أخبر الرسول ﷺ : «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (٣)، وباتت آثار هذه الصحوة واضحة للعيان لا ينكرها إلا جاحد.
وهنا مكمن الخطر؛ إذ إن «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» تناقض في مفهومها وفي تطبيقها العملي مبادئ الديمقراطية الحرة، وفق التصور الذي يريد الغرب أن يروج لها به؛ حيث تحل (الإنسانية) محل الإله في الموالاة والمعاداة وفي الحب والبغض.
وهنا ملحظ مهم، وهو أن المشروع الأمريكي (لإنهاء العداوة) انطلق في الأساس من مبدأ (العداوة)!؛ العداوة للطرف الآخر وعدم القبول به والرغبة في تقويضه داخليًا والسيطرة عليه. فالغرب، لا سيما الولايات المتحدة - كما يذكر هنتنجتون - «كان دائمًا أمة مُبَشِّرة» (٤)، وهذا القول كشف لي معنىً خفيًّا؛ وهو أن المساعي التبشيرية الحالية في طورها العَلْماني لا تختلف كثيرًا، بل ولا تتعارض - من حيث المبدأ - عن الإرساليات
стр. 113
التبشيرية الپروتستانتية والكاثوليكية التي يغزو بها الغرب العالم الإسلامي، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، وكلاهما لهما مرجعية واحدة؛ فالقاعدة الدينية العامة عندهم تقول: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» (١)، وما لقيصر هو ما أكدَّه ريتشارد هاس Richard Haass مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية من أن «الهدف الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية يتمثل في دفع الدول والمنظمات الأخرى إلى أن تتكامل في ترتيبات تجعل العالم يتلاءم مع مصالح الولايات المتحدة وقيمها» (٢)، وما لله - في زعمهم - هو ما وضحه المبشر الأمريكي صامويل زويمر Samuel Zwemer (١٨٦٧ - ١٩٥٢ م) في كونه إخراج جيل «لا صلة له بربه»، لا يهم في أي وادٍ يهلك! وهذا ما طمأن له قديمًا المستشرق الفرنسي ألفرد لُ شاتلييه (١٨٥٥ - ١٩٢٩م) بقوله (٣):
«لا ينبغي لنا أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعًا وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية، إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاص والاضمحلال الملازم له، سوف يفضي - بعد انتشاره في كل الجهات - إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر» اهـ.
إذن، فإن (قضية إنهاء العداوة) التي أشار إليها بوش (الأب) في خطابه تحمل في
стр. 114
ثناياها ملامح لمعترك آخر ولكن على الساحة الفكرية أولًا قبل انتقاله إلى المواجهة المسلحة. وهو معترك إعلامي غير شريف قائم على التشويه وتزييف الحقائق؛ وذلك لأن الغرب حينما أطلق العنان لديمقراطيته الحرة المزعومة وجد الإسلام يغزوه فكريًا في عقر داره، وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجًا (١)، ولله الحمد والفضل والمنَّة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وكما قال ابن تيمية ﵀ (٣): «ومن سنة الله أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» اهـ.
وفي المقابل بات تراث الغرب اليهودي-المسيحي مهددًا بالزوال .. والصراخ - كما يقال - يكون على قدر الألم! وإلا:
- فما الذي دفع الدنماركيين إلى تأسيس منظمة أسموها (وقف أسلمة الدنمارك Stop Islamificering af Danmark SIAD)، ونشروا فروعها في أوروپاوأمريكا تحت شعار (وقف أسلمة أوروپا Stop Islamisation of Europe SIOE) و (وقف أسلمة أمريكا Stop Islamisation of America SIOA) (٤) ،
رافعين شعار (لا شريعة هنا)؟
стр. 115
- وما الذي دفع چورچ جاينزفاين Georg Ganswein السكرتير الخاص ببنديكت السادس عشر للتحذير من خطر (أسلمة أوروپا) الذي يهدد - حسب قوله - هوية القارة الأوروپية، ثم يتبجح بالقول بأن «الكنيسة الكاثوليكية ترى ذلك عيانًا ولا تخشى من التصريح بهذا الكلام» (١)، ثم يتبعه رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في پراج ميلوسلاف فلك Miloslav Vlk، حيث دعا الأوروپيين إلى العودة إلى جذورهم النصرانية والتمسك بأصولهم الروحية، وإلا فسوف تُهزم أوروپالا محالة في المعركة الروحية التي يتفوق فيها المسلمون في حين تفتقد أوروپاالحالية أسلحتها (٢)؟
стр. 116
- كذلك ما الذي دفع الرسام الدنماركي الحاقد كورت فسترجارد Kurt Westergaard إلى رسم الصور الكاريكاتورية المسيئة للرسول ﷺ ونشرها في صحيفة (مورجنافيزن يولاندس پوستن Morgenavisen Jyllands-Posten) الدنماركية (١)، وما الذي دفع العديد من الصحف الأوروپية إلى إعادة نشر الصور ذاتها تحت مسمى حرية التعبير، رغم الاستياء الشديد والغضب العارم في العالم الإسلامي؟ ثم بعد ذلك تكرمه ألمانيا بمنحه جائزة (إم١٠٠) الإعلامية M١٠٠ Media Prize في الأربعاء ٨/ ٩/٢٠١٠م في إحتفالية بمدينة پوستدام Postdam تحضرها المستشارة الألمانية أنچيلا ميركل Angela Merkel، وذلك لكون فسترجارد «صار رمزًا لحرية الصحافة والرأي»، كما يدَّعي عمدة المدينة يان ياكوبز Jann Jakobs!
- بل ما الذي دفع النائب الپرلماني الهولندي خِيرت فيلدرز Geert Wilders للتصريح لصحيفة (دي فولكسكرانت de Volkskrant) الهولندية داعيًا إلى منع تداول القرآن الكريم في بلاده، معتبرًا أنه لا مكان لهذا الكتاب (الفاشي) في (دولة قانون) على حد زعمه. مشبهًا إياه بكتاب (كفاحي Mein Kampf) للزعيم النازي أدولف هتلر Adolf Hitler (١٨٨٩ - ١٩٤٥ م) (٢)؟
- ثم ما الذي دفعه بعد ذلك إلى إعداد وعرض فيلمه البالغ الإساءة المعروف باسم (فتنة Fitna)، وذلك رغم كل المعارضات والتهديدات التي لاقاها (٣)، في حين تنجح المنظمات الكاثوليكية الأمريكية في منع عرض فيلم وثائقي للروائي الأمريكي چيمس
стр. 117
كارول James Carroll بعنوان (سيف قسطنطين Constantine's Sword) يتهم الكنيسة بمعاداة اليهود ويتهمها كذلك بالعنف التاريخي وشن حروب دموية باسم الصليب (١)؟
- كذلك كيف تمكن الألماني-الروسي الحاقد أليكس فينس Alex Wiens في ١ يوليو ٢٠٠٩م من تسديد ١٨ طعنة في دقائق معدودة إلى الصيدلانية المسلمة مروة الشربيني رحمها الله تعالى (١٩٧٧ - ٢٠٠٩م)، في قاعة محكمة دريسدن Dresden بألمانيا على مرأى ومسمع من رجال الشرطة، وذلك بعد ما وصفها بالإرهاب والتطرف بسبب ارتدائها الحجاب؟
- وما الذي دفع دولة سويسرا التي تقر في دستورها مبدأ ضمان الحرية الدينية للجميع، إلى حظر بناء المآذن على أرضها في حين أنها لا تمنع الكنائس من دق أجراسها؟
- وما الذي دفع معدِّي البرنامج الأمريكي الهزلي الشهير ساوث پارك South Park إلى إعداد حلقات يصوَّر فيها شخص رسول الله ﷺ بأبي هو وبأمي - في زي دُب! (٢)، أحجموا عن عرضها عندما جاءهم تهديد بالقتل من مجهول؟
وما ولماذا وكيف ... ؟ تعددت الأسباب والموت واحد!
هل المجتمع الغربي علماني أم مسيحي ؟
كذلك للبعض أن يسأل: كيف يتفق أن نفورًا قديمًا - وكان دينيًا في أساسه وممكنًا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة - يستمر في زمن ترتفع فيه بشكل واضح معدلات الإلحاد والعَلْمنة في العالم؟؟
стр. 118
وقديمًا أجاب محمد أسد ﵀ عن هذا بقوله (١): «ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبدًا، فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التي تلقنها في أثناء طفولته، بينما تظل بعض الخرافات الخاصة - والتي كانت من قبل تدور حول تلك الاعتقادات المهجورة - في قوتها تتحدى كل تعليل عقلي في جميع أدوار ذلك الإنسان، وهذا حال الأوروپيين مع الإسلام؛ فعلى الرغم من أن الشعور الديني الذي كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء للاستشراف على حياة أكثر مادية، فإن النفور القديم نفسه قد بقي عنصرًا من الوعي الباطني في عقول الأوروپيين. وأما درجة هذا النفور من القوة فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر، ولكن وجوده لا ريب فيه. إن روح الحروب الصليبية مازال يتسكع فوق أوروپا، ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامي موقفًا يحمل آثارًا واضحة لذلك الشبح المستميت في القتال» (٢).
стр. 119
وتقول باربرا فيكتور (١): «وحسب عقيدة مسيحية راسخة جدًا في اللاشعور الغربي: الإسلام، ومنذ سقوط بيزنطة وإعادة احتلال إسپانيا، هو الدين الوحيد - من خلال ثقافته وأدبه - الذي هدد باستمرار وجود النصارى» اهـ.
أيضًا، فإن واقعنا المعاصر يشهد بانحسار التيار الإلحادي العَلْماني في العالم بشكل عام، وليس أقوى من الصفعة التي وجهها أعتى ملاحدة العصر سير أنتوني فلو Sir Antony Flew (١٩٢٣ - ٢٠١٠ م) إلى زملائه من الملاحدة والمتشككين؛ فبعد أكثر من نصف قرن قضاها في دعوته إلى الإلحاد ألَّف فيها أكثر من ثلاثين كتابًا وبحثًا فلسفيًا تعد بمثابة أصول الفلسفة الإلحادية المعاصرة، وجدول أعمال الفكر الإلحادي طوال النصف الثاني من القرن العشرين، أعلن في مطلع عام ٢٠٠٤م بصراحة نادرة الوجود عن تراجعه عن إلحاده ودخوله في صفوف (النِيتْشَريين) المؤمنين بوجود الله الخالق، وقوفًا على مبدأ (الربوبية Deism) (٢) ، وصنف في ذلك كتابه الماتع (هناك إله There's a God) (٣) ،
والذي هتك فيه أستار زملائه وعلى رأسهم الأفاك ريتشارد دوكنز Richard Dawkins، والفيزيائي المتشكك ستيفن هوكنج Stephen Hawking (٤) .
стр. 120
كذلك فقد أشار إلى ظاهرة عودة الدين اللاهوتي الكاثوليكي الأمريكي چورچ ويجل George Weigel فقال: «إن تطهير العالم من النزعة العَلْمانية الدنيوية هي إحدى الحقائق السائدة في السنوات الأخيرة من القرن العشرين» (١).
ويقول چورچ قُرم (٢): «في ستينات القرن المنصرم، كان الاختصاصيون أو الخبراء يتحدثون عن حركة (إثنية/قومية). واليوم، تبدو الهوية الدينية أنها هي التي تريد أن تحتوي كل شيء: الغرب اليهودي-المسيحي، العالم الإسلامي أو العربي الإسلامي، القدس التي صارت عاصمة (أبدية) لدولة إسرائيل، مكة، روما، التي هي، سلمًا أو عنوةً، أماكن تجمُّع كبرى؛ ولكنها تريد أيضًا احتواء موسكو، أثينا أو بلجراد، هذه المراكز الحيوية للكنيسة الأرثوذكسية المتجددة جرّاء سقوط الشيوعية؛ فيما الأصولية الپروتستانتية (٣)
أو الإنجيليون الجُدُد والحركات السلفية المسيحية الأخرى Born Again Christians تشارك هي أيضًا، وبجلاء، في ديكورات العالم الجديد».
وتأمل ما صرح به رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير Tony Blair لجريدة
стр. 121
(دي تسايت Die Zeit) الألمانية الأسبوعية (١)، حيث قال: «إذا لم تلعب العقيدة الدينية أي دور في القرن الواحد والعشرين، وهو ما لا أستطيع تخيله، فإن شيئًا ما حاسمًا سيكون مفقودًا».
فضلًا عما كشفت عنه نتيجة الاستطلاع الذي أجراه مركز جالوپ الأمريكي Gallup للإحصاء - والذي أجري طيلة ثلاث سنوات متصلة (٢٠٠٦ - ٢٠٠٨) في ١٤٣ دولة - حول أهمية الدين في حياة الشعوب، حيث جاء المتوسط العالمي للاستطلاع ٨٢% ممن أجابوا بنعم (٢).
بل ما أظهره الاستطلاع الآخر الذي قام به الباحثان چون إسپوزيتو وداليا مجاهد (٣) لصالح مؤسسة جالوپ - والذي يعد الأكبر عالميًا حتى الآن -، من أنه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تنفصل الكنيسة عن الدولة بحكم القانون، تقول الأغلبية (٥٥%) إنها تفضل أن يكون الإنجيل مصدرًا للتشريع، ويقول ٩% من هؤلاء إنه يجب أن يكون المصدر الوحيد (٤).
стр. 122
وحقيقة أعجبتني ملاحظة الدكتور يوسف زيدان حينما قال (١): «أؤكد أن العَلْمانية خرافة والفكر العَلْماني غير رشيد وغير فلسفي؛ لأن الدين لا يمكن وجوده في الواقع بعيدًا عن السياسة. ولا يمكن تطوير سياسة واقعية فعلية بعيدًا عن الدين. وقد يعترض أحد بضرب مثل بالغرب المتقدم الذي نجح في فصل الدين عن السياسة. وهو ما أرد عليه بالقول إن الغرب لم يفصل الدين عن السياسة بل فصل المذهبية عن السياسة، والدليل أنه بالنظر لورقة الدولار الأمريكي سنجد عبارة (نثق في الله In God We Trust)، وهناك الكثير من الشواهد الدالة على ارتباط الدين بالسياسة في المنظومة الغربية المعاصرة، فنحن لم نسمع عن رئيس غربي عادى المسيحية أو أعلن انفصاله عنها».
وهذا ما أكد عليه الدكتور مصطفى حلمي في عرض حديثه عن الصحوة الدينية في الغرب، فقال (٢): «وأخذت أستعيد قراءة ما كتبه الدكتور حامد ربيع ﵀ [١٩٢٥ - ١٩٨٩م] (٣)، الذي درس تاريخ الكنيسة بعناية، وأثبت أن ما زعمه الغرب من الفصل بين الدين والدولة لم يتحقق إلا في العصور الوسطى، ثم لفترة استثنائية أثناء الثورة الفرنسية» اهـ.
ولهذا، وكما يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (٤): «نجزم أن العَلْمانية عند اليهود وعند النصارى ظاهرة طارئة وعارضة، وهي أيضًا في طريقها إلى الاختفاء والأفول .. وعندها سيتجرد الصراع بشكله العقائدي، بين حق واضح يمثله المسلمون، وباطل صراح يمثله اليهود والنصارى. وستكون (أرض إبراهيم) هي ساحة ذلك الصراع في المستقبل، كما هي الآن في الحاضر، وكما كانت في الماضي البعيد» اهـ.
وأذكر أنني حينما سألت الأستاذ فاضل سليمان عن الغرب هل هو عَلْماني أم مسيحي؟ أجابني قائلًا: «الغرب أخذ أسوأ ما في الاثنين: جهل وغباء الملحد مع حقد
стр. 123
وقسوة المسيحي، وعلينا التعامل معه كما هو، والله المستعان».
وبناء على ما تقدم، قد يصح لنا اعتماد قول البعض: «إن الغرب عَلْماني الديانة، مسيحي الهوية، وحيث إنه لا يخشى على هويته إلا من الإسلام فهو لا يتذكر تلك الهوية إلا أمام المسلمين» اهـ.
...
غزوة مانهاتن !
ما زلنا مع (قضية إنهاء العداوة)، وقد أشرنا إلى أن الحل المطروح كان إحلال الإسلام (المعتدل الديمقراطي) المطابق للمواصفات الأمريكية محل الإسلام (الأصولي، الوهابي، الراديكالي (١) ... المتشدد)! ولقد زاد الإلحاح على هذا الحل كرد فعل لتزايد (خطر) انتشار الإسلام، إلى أن بلغ الأمر الذروة بعد أحداث (غزوة مانهاتن)! في الحادي عشر من سپتمبر عام ٢٠٠١م؛ تلك الأحداث التي تصاعدت على إثرها حدة التصريحات المعادية للإسلام (٢)، وقد تقدم ذكر أمثلة لهذه التصريحات، أضف إليها ما قاله رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني Silvio Berlusconi أثناء زيارته إلى برلين في ٢٦/ ٩/٢٠٠١م، أي غداة هجمات نيويورك وواشنطن، قال واصفًا العالم الإسلامي أنه «جزء بقي ١٤٠٠ سنة في المؤخرة» (٣).
وما أقبح ما قاله وزير العدل الأمريكي چون أشكروفت John Ashcroft - عامله الله بعدله - حينها، قال: «إن الله في الإسلام يطالبك بإرسال ابنك ليَقتُل من أجله، أما في المسيحية فالرب يرسل ابنه ليُقتَل من أجلك» (٤)، تعالى الله عما قال.
стр. 124
ولقد قاد القساوسة الإنجيليون الأمريكيون حملة إعلامية شرسة ضد الإسلام؛ ومثال ذلك تجرؤ چيمي سواجارت Jimmy Swaggart (١) على وصف رسول الله ﷺ (بالمنحرف) و (الشاذ جنسيًا)! وذلك في العاشر من نوفمبر عام ٢٠٠٢م. كما وصف قس إنجيلي آخر - وهو چيم باكر Jim Bakker - (٢) الإسلام بكونه «دينًا سيئًا للغاية وخبيثًا جدًا»، وشن حربًا كلامية عنيفة ضده ملصقًا برسول الله ﷺ سمة الإرهاب (٣). وهذا غيض من فيض ..
ونحن لن نتوقف لعقد موازنات بين المصالح والمفاسد التي ترتبت على هذه الواقعة، وكفانا قول العامة: «القاعدة دمرت برجين، وأمريكا احتلت بلدين!!»، وكذلك لن نتوقف للبحث وراء الملابسات الغامضة المحيطة بالواقعة، والتي أثارها الصحافي الإنجليزي روبرت فيسك في مقالته المنشورة بجريدة (الإندپندنت) البريطانية تحت عنوان (حتى أنا أسأل عن الحقيقة وراء أحداث ٩/ ١١) (٤)، ودعمتها المعلومات المريبة التي
стр. 125
طرحتها (منظمة واشنطن دي. سي. الأهلية، لكشف حقيقة أحداث ٩/ ١١)، في نشرتها الصادرة مؤخرًا بعنوان (تسع سنوات من الحرب تأسست على أكذوبة) (١)، والتي تبرهن على تدخل يد العمالة في الحادث. فضلًا عن مساعي الپنتاجون التي بذلت للضغط على ضابط الاستخبارات العسكرية الأمريكية، العقيد أنطوني شافر Anthony Shaffer لأجل تعديل بعض الفصول من كتابه (عملية القلب المظلم Operation Dark Heart)، بل وتعاقدها مع دار النشر المعنية (سان مارتن St. Martin's Press) لشراء أول عشرة آلاف نسخة من الكتاب - المطبوعة قبل إجراء التعديلات - والتخلص منها وجعل محتواها طي الكتمان (٢)،
وذلك لذكر شافر فيها أنه من خلال عمله في المشروع الاستخباراتي الأمريكي المسمى (الخطر الماثل Able Danger) المؤسس في مطلع أكتوبر ١٩٩٩م والمكلف بجمع المعلومات السرية عن نشاط وتحركات تنظيم القاعدة، قد تمكن في عام ٢٠٠٠م من الكشف عن هوية محمد عطا (١٩٦٨ - ٢٠٠١م) زعيم خاطفي الطائرات المستخدمة في الهجمات، ولكن تحذيراته لم يُلقَ لها بال! (٣).
سنتغاضى عن هذا كله، ونعود سريعًا إلى ساحة التنظير السياسي الأمريكية ..
عودة إلى ساحة التنظير السياسي:
فلقد كتب فرانسيس فوكوياما بعد أحداث الحادي عشر من سپتمبر مقالة تحت عنوان (هدفهم: العالم المعاصر Their Target: The Modern World) نشرتها مجلة (نيوزويك Newsweek) في عدد يناير ٢٠٠٢م.
ينطلق في أسطره الأولى بقوله: «العدو الحقيقي: أصبح المسلمين المتطرفين المتعصبين
стр. 126
لكل خلاف وشقاق، هم (فاشست Fascist) يومنا الحالي، وهذا ما نقاتل ضده». ثم يذكر أنه «في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بشن حرب ضد طالبان والقاعدة، تقوم أعداد كبيرة من المسلمين بالتعبئة ضد الولايات المتحدة. والمسلمون بهذا الموقف، قد عبروا عن صراعهم ضد أمريكا، الأمر الذي يكشف من خلال ما جرى أننا نشاهد بداية صراع الحضارات الذي يستمر عقودًا طويلة يقف الغرب فيه ضد الإسلام، صراع ينطلق بعنف من المستنقع الأفغاني ليغمر مناطق عديدة من العالم» (١).
وبغية التأكيد على صحة ما طرحه في مقالته الأولى (نهاية التاريخ؟)، يعتبر فوكوياما أن ما جرى في الحادي عشر من سپتمبر لم يؤثر على الذروة في الديمقراطية الليبرلية المعاصرة؛ فإنه يعتقد صحة فرضياته، وأنها ستبقى صحيحة، لأن (العصرنة)، كما تمثلها الولايات المتحدة و [الدول] الديمقراطية المتقدمة الأخرى ستبقى القوة المهيمنة في عالم السياسة، فيما ستستمر القوانين المتضمنة مبادئ الغرب الأساسية في الحرية والمساواة بالانتشار حول العالم. وأيًا كان الأمر، فإن هجمات ١١ سپتمبر تمثل تراجعًا يائسًا تجاه العالم المعاصر، الذي يبدو أنه سيكون بمثابة قطار شحن سريع بالنسبة لأولئك الذين لا يرغبون الركوب فيه (٢).
ويختتم فوكوياما مقالته بقوله: «إن الصراع الدائر بين الديمقراطية الليبرالية الغربية والإسلامية الفاشية ليس صراعًا متكافئًا بين نظامين حضاريين قابلين للتطور، فكلاهما يتمكن من إخضاع العلم والثقافة لأغراضه، ويحصل على الثروة، ويتعامل مع الواقع المتباين للعالم المعاصر. وفي جميع هذه النواحي، فإن العادات الغربية تحتفظ بكل الأوراق. لهذا السبب سنواصل الانتشار عبر العالم في المدى البعيد. ولكن إلى أن نصل إلى هذا المدى البعيد، لا بد وأن نحافظ على وجودنا من خلال الإرادة على القتال من أجل القيم التي تجعل الحصول على المجتمعات الديمقراطية الحديثة أمرًا ممكنًا» اهـ (٣).
стр. 127
وإذا كانت هذه المقالة، على الرغم من أنها تحتوي بعض الأفكار التي تؤيد نظرية صراع الحضارات لهنتنجتون، تتمسك بالديمقراطية الليبرالية التي لا تزال هي المحرك الرئيس للسياسات العالمية، فإن فوكوياما في المقابلة التي أجراها معه محمد السطوحي ونشرتها مجلة (الكتب: وجهات نظر) في عدد مارس ٢٠٠٢م، بعنوان (فوكوياما يتحدث إليّ: عن الإسلام والأصولية والحداثة)، يبدو أنه ما زال مصرًا على أن الديمقراطية الليبرالية لا يمكن أن تتعايش مع (الإسلام الراديكالي)، أو أن توفِّق بينهما. فهو يرى أن هذا العالم ليس فيه مكان إلا للديمقراطية الليبرالية، وإذا سادت الراديكالية الإسلامية، فإنها ستكون نهاية (نهاية التاريخ)! (١).
أوربان الأمريكي يعلن حربًا صليبية جديدة:
ولقد وفرت أحداث الحادي عشر من سپتمبر المناخ الملائم للمضي في هذه الاستراتيچية الليبرالية في الجزء (التاريخي) من العالم الذي يفتقر إلى الحس الديمقراطي (٢)، ومن الواضح جدًا أن المبدأ المختار للمضي في هذه الاستراتيچية كان مبدأ المخرِّب الإيطالي نيكولو مكيافيللي (١٤٦٩ - ١٥٢٧م)، القائل (٣): «الحرية لا تنال إلا بسفك الدماء»! فلقد كانت الأحداث بمثابة الشرارة التي أشعلت نار «الحرب الصليبية» الجديدة كما تواتر على لسان قائدها، (المؤيد بالله)! (٤)، چورچ بوش (الابن)؛ فبميل أمريكي معهود إلى المبالغة المفرطة في تقويم الأخطار، نصب بوش نفسه حامي حمى السلام العالمي في عصر فردوس ما بعد الحداثة! ومتذرعًا بصد خطر
стр. 128
الإرهاب، أعلن عن مبادئ حربه (الاستباقية/الوقائية) Preemptive War، وذلك في خطابه الذي ألقاه في يونيو ٢٠٠٢ أمام الكليات الحربية، حيث شدد على أن «مبادئ الحرب الباردة القائمة على الردع والاحتواء لم تعد كافية للولايات المتحدة، وإنما من الآن فصاعدًا، يجب أن ننقل المعركة إلى أرض العدو، ونجهض خططه، ونواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر، وبمعنى آخر شن الحرب ضد الدول الأخرى وبشكل وقائي» (١).
ومتقمصًا لشخص أوربان الثاني، وبنظرة أكثر أحادية إلى باقي العالم، صرح مرارًا أنه «في حرب الخير ضد الشر التي نخوضها، إما أن تكونوا معنا، وإما أن تكونوا ضدنا»، كما أكد: «أننا نحن - أمريكا - لن يمكننا الانتهاء من تلك الحرب مع الإرهابيين، ما لم تنشر هذه الأمة المباركة الحرية التي أرادها الله في البلدان الأخرى، وبالقوة إن دعت الحاجة» (٢).
واستطاعت هذه الحرب أن تضُم تحت رايتها كلًا من: المتدينين، دفاعًا عن تراثهم اليهودي-المسيحي المشترك، والعَلْمانيين، دفاعًا عن قوميتهم وثقافتهم المهددة بالانهيار، عاملين بمبدأ (حساء الدجاجة) القائل: «إن لم ينفع فهو لا يضُر»!
ولكن يطرح روربت كيجن سؤالًا مهمًا حول هذا (المبدأ الاستباقي)، فيقول (٣): «ما الذي يوجب على الأمريكيين المحميين بمحيطين أن يكونوا أكثر قلقًا من حريق يندلع في شبه القارة الآسيوية أو في الشرق الأوسط أو في روسيا، من الأوروپيين، الأقرب كثيرًا؟»، ثم يجيب قائلًا: «يكمن الجواب في أن الأمريكيين يعلمون أن تفجر الأزمات الدولية يجعلهم أوائل المرشحين المحتملين للتورط، وهذه حقيقة معلومة أيضًا لدى الأوروپيين».
ويضرب كيجن مثالًا بارعًا لتفسير هذه الظاهرة، فيقول (٤): «ليست السيكولوچيَّتان
стр. 129
المتباينتان للقوة والضعف من الأمور العصية على الفهم، إنهما شديدتا البساطة؛ فأي رجل مسلح بسكين قد يقرر أن ظهور دب في الغابة خطر يمكن أن يطاق، بمقدار ما يكون البديل - اصطياد الدب بالسكين فقط - أكثر خطورة، بالفعل، من القعود دون حركة وعَقد الأمل على أن الدب لن يهاجمك قَط. إلا أن الرجل نفسه يبادر، إذا كان مسلحًا ببندقية، إلى إجراء حساب مختلف لما تعنيه المخاطرة القابلة للتحمل. ما الذي يجعله يخاطر بالتعرض للهَرس حتى الموت إذا لم يكن مضطرًا؟».
قلت: وكما ارتضت أمريكا لنفسها أن تؤدي دور الشرطي، وسلَّمت لها أوروپابذلك، فإنه كما يقال: «الشرطة في خدمة الشعب»!!
وما لا شك فيه أن الإدارة الأمريكية استغلت الأحداث لأقصى درجة من أجل تحقيق أغراضها - المبيَّتة - في المنطقة، فكما يقول كيجن (١): «حين أطلقت إدارة بوش استراتيچيتها الجديدة للأمن القومي في سپتمبر من السنة الماضية (٢٠٠١م) أُصيب عدد كبير من الأوروپيين ومعهم بعض الأمريكيين بذهول عظيم من مدى اتساع طموح الاستراتيچية الأمريكية. اعتُبرت الاستراتيچية الجديدة ردًا على الحادي عشر من سپتمبر، ولعلها كانت كذلك في أذهان من كتبوها. غير أن المدهش في الوثيقة هو أن استراتيچية إدارة بوش (الجديدة) لم تكن - فيما عدى إشارات قليلة إلى فكرة (الاستباق)، وهي ذاتها بعيدة عن أن تكون مفهومًا جديدًا - سوى إعادة طرح سلسلة طويلة من السياسات والخطط الأمريكية، وكثرة منها تعود إلى ما قبل نصف قرن من الزمن» اهـ.
وعلى الرغم من أن الأوروپيين والولايات المتحدة ينتميان إلى العالم الغربي حيث القيم المشتركة، فهناك خلافات على المصالح التي تباعد ما بين الطريفين، ولكن ليس هناك من خلافات عميقة بين الشعوب الأوروپية والشعب الأمريكي، حيث إن التضامن الذي ظهر يوم ١١ سپتمبر، متمثلًا في قولهم: اليوم نحن كلنا أمريكيون! قد عبر عن ذلك. ولكن أيضًا هذا الشعور بالتضامن الذي جاء من أعلى المستويات السياسية الأوروپية، لا يخفي بالتأكيد، الرغبة القوية لدى الأوروپيين في احتلال الموقع السياسي
стр. 130
الدولي الذي يتناسب مع حجمهم، وإحلال التعددية القطبية محل الأحادية الأمريكية المنفردة. إلا أن التحالف مع الولايات المتحدة أمر لا غبار عليه، ولا يمكن التنصل منه. ولكن ما تحاول الولايات المتحدة القيام به في تهميش الدور الأوروپي وإزاحته من كثير من المواقع الحساسة في العالم، وبخاصة الشرق الأوسط، دفع الأوروپيين إلى البحث عن الفرص التي من خلالها يحافظون على مصالحهم ومواقعهم الاستراتيچية، للتعويض عما فقدوه بسبب المنافسة الأمريكية (١).
وخلاصة القول في هذا التباين (الأوروپي-الأمريكي) في ردود الأفعال هو ما لخصه روبرت كيجن في قوله (٢): «وكما قال بعض الأوروپيين، فإن تقسيم العمل الحقيقي جاء متمثلًا بتولي الولايات المتحدة مهمة (إعداد وجبة الطعام) واضطلاع الأوروپيين بوظيفة (ترتيب الأطباق وتنظيفها)» اهـ.
...
حرب العراق:
شنت أمريكا وحلفاؤها الحرب الوقائية على ما سمته بمعاقل الإرهابيين؛ فبدأت بأفغانستان، ثم غرتها الهزيمة السريعة لحكومة طالبان لإعلان حربها على العراق، والتي بدأت في ٢٠ مارس ٢٠٠٣م (٣)، وقد خلق مسوغاتها بوش الابن وحاشيته بناء على مصالح سياسية مبيتة كما تقدم.
стр. 131
ولقد روى ريتشارد كلارك، المسئول الأول عن دائرة مكافحة الإرهاب الأمريكية وقتها، في كتابه (في مواجهة كل الأعداء) - والذي عده بعض المحللين السياسيين «واحدًا من المسامير التي دقت في نعش الرئيس الأمريكي چورچ بوش الابن» (١) - روى تفاصيل هذه اللحظات الحاسمة، فقال (٢): «وفي وقت لاحق من مساء ذاك اليوم الثاني عشر من سپتمبر خرجت من مركز مؤتمر الفيديو وإذا بي أجد الرئيس بوش وحيدًا في غرفة الحالة يذرع الأرض جيئة وذهابًا، ويبدو أنه يريد أن يفعل شيئًا.
وما أن رآني، ورأى بعض فريقي، حتى أغلق باب مركز المؤتمر، وتحدث إلينا قائلًا: "انظروا، أنا أعرف أن عليكم أن تفعلوا أشياء كثيرة ... لكني أريدكم وبالسرعة الممكنة، أن تعودوا لمراجعة كل شيء، أقول كل شيء، انظروا وابحثوا إذا كان صدام قد فعل هذا. حاولوا أن تجدوا إن كان له ضلع في هذا الأمر مهما يكن ... ". وانتابتني دهشة أخرى، لا أُصَدِّق ما أسمع، وقد ظهرت علامات الدهشة على وجهي، وقلت: " ولكن يا سيدي الرئيس، القاعدة هي التي فعلت هذا"، وأجاب الرئيس: "أعلم، أعلم، ولكن ... انظروا وحاولوا أن تعرفوا إذا كان صدام متورطًا. فقط انظروا. أريد أن أعرف إن كان ثمة ضلع له ... ". فقلت: "بكل تأكيد، سوف نفعل ... مرة أخرى"، وأنا أحاول أن أكون شديد الاحترام له، ومستجيبًا لطلبه. وتابعت قولي: "ولكنك تعرف أنَّا بحثنا ونقَّبنا مرات عديدة لنجد دولة راعية لتنظيم القاعدة ولم نجد أية صلة للعراق. هناك دور محدود لإيران، وكذلك پاكستان والسعودية واليمن". فقال الرئيس بشيء من النكد والعصبية: "انظروا في أمر العراق، وصدام". ثم خرج تلاحقه نظرات ليزا جوردون هاجرتي Lisa Gordon-Hagerty (٣) التي وقفت مذهولة فاغرة الفم"» اهـ.
هكذا بدأت الحرب، تلفيقًا لا توثيقًا! ولإضفاء هالة القداسة عليها بررت الإدارة
стр. 132
الأمريكية المتصهينة أفعالها انطلاقًا من مذهب العصمة الحرفية للكتاب المقدس، والذي يؤمن به بوش وزبانيته من الإنجيليين؛ «فالقس دافيد بريكنر David Brickner مثلًا يقول: "إننا نعرف أن تدمير بابل، الذي ورد في الإصحاح ١٨ [من سفر الرؤيا] يعني تدمير العراق"، كما أن القس شارلز داير Charles Dyer، أستاذ اللاهوت في جامعة دالاس، يدَّعي أن إصحاح (أشعياء ١٣) يشير إلى قيام صدام حسين وإلى غزوه للكويت [٢/ ٨/١٩٩٠ - ٢٦/ ٢/١٩٩١م]، وذلك لإقامة قاعدة للهجوم على إسرائيل". واعتبر القس داير، في تفسيراته لهذه النبوءات، صدام حسين خليفة (نبوخذنصر/بُخْتَنَصَّر) [٦٣٠ - ٥٦٢ق. م]، وذلك بسبب عدائه لإسرائيل وبسبب نواياه لإعادة بناء بابل» (١).
فكان غزو بوش للعراق - في زعمهم - هو تنفيذًا لأوامر الرب، وخطوة تمهيدية لمعركة هرمجدون Armageddon، الرؤية الصهيونية للملحمة! (٢).
تقول باربرا فيكتور (٣): «يخال للرئيس بوش بأن صراعًا في العراق بالنسبة للولايات المتحدة سيكون له لا إسقاطات چيوسياسية إيجابية فحسب، بل إنه سيكون إيجابيًا في دعم الثمانين مليونًا من المسيحيين الإنجيليين الذين يعتقدون بأن كل حرب ضد الإسلام ليست أي شيء سوى حرب صليبية لتحرير العالم نهائيًا من هذه الآفة. هؤلاء الإنجيليون أنفسهم مقتنعون فضلًا عن ذلك بأن انتصار أمريكا على بلد إسلامي كبير سيفتح أبواب ذلك البلد لمبشرين مسيحيين لهداية أرواح جديدة». ثم تذكر أنه «بعد اندلاع الأعمال الحربية في العراق مباشرة، زار فرانكلين جراهام Franklin Graham [المبشِّر الإنجيلي المعروف] (٤) هذا البلد ليحمل - على حد زعمه - للشعب العراقي أطعمة وألبسة
стр. 133
دافئة وأدوية، وكل ذلك برعاية منظمته الخيرية (صُرَّة السامريين Samaritans Purse). قبل مغادرته بقليل، شرح فرانكلين في مقابلة الغرض من رحلته بالعبارات التالية: "عملية تحرير العراق فرصة للمسيح، سنذهب إلى هناك لنمُدّ يدنا للعراقيين ونخلِّصهم. وكمسيحي، أتصرف هكذا باسم المسيح"». وتذكر - فيكتور - كذلك أنه «روى جندي، أبقى اسمه طي الكتمان، بأنه رأى حجاجًا إنجيليين من أتباع جراهام يعرضون الماء العذب على مجموعة من العراقيين ولكن بشرط صريح وهو أن يقبلوا بأن يتعمدوا ويعتنقوا العقيدة المسيحية».
و «فيما يتعلق بالانتقادات التي باتت تُسمَع في أمريكا والعالم بأسره بخصوص الصراعات في أفغانستان والعراق، واصل الرئيس بوش ومستشاروه القول بأن الله [تعالى عن ذلك] يقف إلى جانب أمريكا، وبالتالي ليس هناك ما يدعو لمناقشة الغزوات أو تبريرها أو شرحها لأنها التعويض العادل عن الهجمات المرتكبة ضد البلاد. حتى حقيقة أنه لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل اعتُبِرَت في غير محلها؛ فالأمر الجوهري هو أن الإرادة الإلهية للرب جندت الجنود الأمريكيين لإبادة الإرهابيين وكل أعداء الله والديمقراطية» اهـ (١).
فرصة ذهبية:
كذلك، فلقد جاءت هذه الحرب فرصة ذهبية لنائب الرئيس بوش، ديك تشيني Dick Cheney، وحليفه الوثيق، وزير الدفاع الأمريكي السابق، السفاح دونالد رمسفلد Donald Rumsfeld، لوضع خططهم القديمة - والتي تعود إلى أيام حرب الخليج في ١٩٩١م، لخصخصة البيروقراطية العسكرية الأمريكية وتنظيم استخدام القطاع الخاص في شن حروب أمريكا - في إطار التنفيذ ..
стр. 134
بلاكووتر والاتحاد الكاثوليكي الپروتستانتي:
يقول چيرمي سكاهيل (١): «حينما دخلت الدبابات الأمريكية بغداد في مارس ٢٠٠٣م، أتت معها بأكبر جيش من المقاولين الخاصين نُشر في الحروب بإطلاق. وبنهاية مدة رمسفلد في الوزارة، كان ثمة مائة ألف مقاول خاص على الأرض في العراق، بمعدل يكاد يصل ١:١ من جنود الولايات المتحدة الموجودين بالخدمة الميدانية. ومما عمل على إسعاد صناعة الحرب، كان رمسفلد - قبل تركه منصبه - قد اتخذ الخطوة غير المعتادة بتصنيف المقاولين الخاصين على أنهم جزء رسمي من آلة الحرب للولايات المتحدة» اهـ.
لقد تسببت الحرب على الإرهاب واحتلال العراق في توالد عشرات الشركات لتصدير الجنود المرتزقة، وكان من أهمها شركة (بلاكووتر يو إس إيه Blackwater USA)، أو (زِي Xe Services LLC) كما صار اسمها ..
فصاحب هذه الشركة هو البليونير الأمريكي إريك پرنس Erik D. Prince، والذي ينتمي للتيار اليميني الراديكالي المسيحي، وهو أحد الممولين الرؤساء لحملات انتخاب بوش، وأيضًا لأچندة اليمين المسيحي الصهيوني العريضة (٢).
وشركته بلاكووتر هي شركة تعلن بصرامة أن قواتها فوق القانون (٣)، بل يتفاخر بعض تنفيذييها بعضويتهم في (أخوية فرسان مالطا العسكرية ذات السيادة)؛ وهي ميليشيا مسيحية صليبية تشكلت في القرن الحادي عشر الميلادي، ومهمتها الدفاع عن الأراضي التي غزاها الصليبيون ضد المسلمين. وتتفاخر هذه الأخوية اليوم بكونها كيانًا ذا سيادة خاضعًا للقانون الدولي، له دستوره الخاص، جوازات سفره، أختامه، مؤسساته العامة، وعلاقات ديپلوماسية مع ٩٤ بلدًا (٤).
стр. 135
يقول الكاتب روبرت ينج پلتون Robert Young Pelton، وهو من القلة الذين أتيح لهم لقاء إريك پرنس: «إريك يدين بالمذهب الكاثوليكي الروماني، رغم أن الكثيرين يعتقدون أنه يعتنق مذهب والده [الپروتستانتي الكالفاني] ". وحقًا، فإن كثيرين من التنفيذيين الذين شكلوا فيما بعد جوهر شركة بلاكووتر هم أيضًا كاثوليك» (١).
ويقول چيرمي سكاهيل (٢): «واسترشادًا منه بتمويل والده لقضايا وأنشطة الپروتستانت الصليبيين اليمينيين، أصبح پرنس ممولًا رئيسًا للمنظمات الكاثوليكية المتطرفة الهامشية ... ولكن بالتأكيد لم يقتصر سخاء إريك پرنس في التبرعات على القضايا الكاثوليكية ... وعلاوة على دعمه للمنظمات الكاثوليكية المتطرفة، استمر پرنس يُسهِم بمبالغ كبيرة من أجل قضايا ومؤسسات الپروتستانتية الصهيونية الصليبية التي دعمها والده».
وهذا ليس بأمر مستغرب، خاصة إذا علمنا الآتي .. يقول سكاهيل (٣): «في خطاب له عام ٢٠٠٢م، امتدح فيه متآمر ووترجيت Watergate السابق شارلز كولسون Charles Colson إريك پرنس، وتحدث كولسون باستفاضة عن الأساس التاريخي والضرورة الراهنة للتحالف السياسي والديني بين الكاثوليك والپروتستانت الصليبيين. تحدث كولسون عن عمله الذي بدأ في منتصف الثمانينات مع رجل الدين الپروتستانتي الصليبي المحافظ الشهير، والذي أصبح قسيسًا كاثوليكيًا، ريتشارد نيوهاوس Richard Newhouse، وآخرين، لإنشاء حركة موحدة. أدى العمل في النهاية إلى صدور الوثيقة الخلافية بعنوان: (الپروتستانت والكاثوليك معًا: المهمة المسيحية في الألفية الثالثة Evangelicals and Catholics Together: The Christian Mission in The Third Millenium). هذه الوثيقة عبرت عن الرؤية التي ستكون الدافع الحيوي لاستراتيچية شركة بلاكووتر والسياسة التي يمارسها إريك پرنس: زواج بين المرجعية التاريخية للكنيسة الكاثوليكية والجاذبية القاعدية للحركة الپروتستانتية
стр. 136
الصهيونية الصليبية الحديثة في الولايات المتحدة، ودعم من تعاون المحافظين الجدد ذوي الغالبية العَلْمانية واليهودية ... أصبحت تلك الوثيقة هي بيان الحركة التي سرعان ما خدمها ومولها إريك پرنس. أعلنت أن "القرن الذي يقترب من نهايته كان أعظم قرن للتوسع التبشيري في التاريخ المسيحي. ندعو الله، ونؤمن بأن هذا التوسع قد مهد الطريق لجهود تبشيرية أعظم في القرن الأول للألفية الثالثة. إن الجماعتين الأكثر فعالية تبشيريًا والأكثر تناميًا، بأسلوب مسرع، هما الپروتستانت الصليبيون والكاثوليك".
ودعا الموقعون إلى التوحد بين هذين الدينين في هدف تبشيري مشترك "كي يأتي الناس أجمعون إلى الإيمان بيسوع المسيح كربٍّ ومخلِّص".
واعترفت الوثيقة بالفصل بين الدين والدولة، لكنها احتجت بقوة على "تشويه ذلك المبدأ بدرجة أصبح معها يعني فصل الدين عن الحياة العامة ... "».
ثم يقول (١): «لم تكن تلك مجرد وثيقة فلسفية، الأحرى أنها كانت تصورًا لأچندة هي صورة طبق الأصل من أچندة إدارة بوش التي تبدت بعد ذلك ببضع سنوات، حينما عمل نيوهاوس مستشارًا لصيقًا ببوش، ابتداءً من حملته الانتخابية عام ٢٠٠٠م».
وانتهت الوثيقة المستطالة إلى أنه «بعد حوالي ألفي سنة منذ بداية رسالة المسيح، وبعد حوالي خمسمائة عام من انقسامات عصر الإصلاح الديني، فإن رسالة المسيحية إلى العالم نابضة حية وجازمة. لا نعلم، ولا يمكننا أن نعلم، ما يدخره رب التاريخ للألفية الثالثة. من المحتمل أن تكون ربيع بعثات التبشير العالمية، وتوسع المسيحية الهائل. لكننا نعلم يقينًا أن هذا وقت اغتنام الفرص - وإذا كان وقتًا للفرص فهو وقت للمسئولية - وقت للمسيحيين الصليبيين الصهيونيين والكاثوليك أن يتحدوا بأسلوب يساعد على إعداد العالم لمجيئه، هذا الذي يملك المملكة، السلطة والمجد إلى أبد الآبدين، آمين» (٢).
وكما تصور پرنس نفسه، دور مرتزقته، «الجميع يحملون السلاح، تمامًا مثل إرميا
стр. 137
وهو يعيد بناء المعبد في إسرائيل، سيف في يد وسكينة المحارة في اليد الأخرى» اهـ (١).
...
تعديل في المسار:
نعود مجددًا إلى (قضية إنهاء العداوة)!! وقد تقدم بنا قول فرانسيس فوكوياما من «استحالة التعايش بين الديمقراطية الليبرالية والإسلام الراديكالي» كما يصفه هو (٢)، كما تقدم حصر صامويل هنتنجتون للقضية في قوله: «إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الغرب هي ليست الأصولية الإسلامية المتطرفة، بل إنها الإسلام نفسه» (٣).
ما الحل إذن؟ هل من سبيل للتعايش؟ أم هو التسليم للواقع، وإعلان نهاية (نهاية التاريخ)؟!
قديمًا، وفي مقالة له بعنوان (إعادة النظر في دراسات المناطق)، قال المستشرق الاسكتلندي هاميلتون چبّ H. A. R. Gibb (١٨٩٥ - ١٩٧١ م): «إنه لا ينبغي اعتبار الدراسات الشرقية أنشطة علمية بقدر ما تعتبر أدوات في أيدي السياسات القومية تجاه الأمم التي حصلت حديثًا على استقلالها وربما يصعب التعامل معها في عالم ما بعد الاستعمار» اهـ (٤).
معلوم، كما تقدم، أن الاستشراق طالما كان أداة في أيدي القوى الاستعمارية الغربية؛ فهو - كما يصفه إدوارد سعيد - «يكتسب قوة تؤثر في ثلاث جهات: في الشرق، وفي المستشرق، وفي (المستهلك) الغربي للاستشراق» (٥)، بل ومن أهم أهدافه
стр. 138
«تطويع الشرق حتى يلائم المقتضيات الأخلاقية للمسيحية الغربية» (١).
وهذا لا يمنع أنه في أحد مستوياته له أهداف علمية خالصة لا يقصد منها إلا البحث والتمحيص، ولكن أتباع هذا المنهج، كما يذكر الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى (٢): «قليل عددهم جدًا، وهم مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق».
لكن الذي يعنينا في قول چبّ المتقدم هو إشارته إلى «الأمم التي حصلت حديثًا على استقلالها وربما يصعب التعامل معها في عالم ما بعد الاستعمار»، وهو تعبير غير دقيق في ذاته؛ فهو عالم ما زال مستعمرًا بالفعل، ولكن يرتدي الاستعمار فيه ثوبًا فكريًا-اقتصاديًا من طراز جديد! (٣)، ولكنا لو سلمنا جدلًا لقوله نجد أن تخوفه يكمن في أن تحرر الأمم من هيمنة الاستعمار العسكري السافر قد يؤدي بها تلقائيًا إلى عودة الالتفاف حول ثقافاتها التي هي نبع هوياتها، والتي عادة ما تكون هوية دينية لا غير، كما تقدم قول محمود شاكر ﵀ بأن «رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام» (٤).
وحتى مع إبقاء هذه الهيمنة العسكرية عندما تقتضي الحاجة، فكما يذكر چون إسپوزيتو وداليا مجاهد أنه «قد لاحظ الخبراء العسكريون أن القوات العسكرية يمكن أن تأسر وتقتل الإرهابيين، ولكنها ليست مؤهلة لكسب النضال في سبيل العقول والقلوب» (٥)، وهذا هو الصالح الأعم.
ونحن حينما نركز الحديث عن أمتنا الإسلامية نجد أنه وفق الرؤية (الاستعمارية) العولمية الجديدة، بثقافتها (الإنسانية) المشبوهة، نجد استحالة تعايش الإسلام مع غيره على الوجه المراد له، إلا إذا هدم أصله (الولاء والبراء). ولا يُتصور في قارئ هذه السطور ظنه في كاتبها إنكاره وجود تسامح ديني أو إمكانية للتعايش السلمي مع الغير في
стр. 139
دين الله الحق، فهذا لا يصح، ومن يقرأ التاريخ يدرك حقيقة الأمر، وقد تناولنا هذه المسألة في الفصل السابق ..
إذن، فوفق تصوُّر چبّ وملاحظة الخبراء العسكريين، لا بد من إجراء بعض التعديل المرحلي في المسار الاستشراقي، مع إبقاء العمل بالمسار الاستعماري التقليدي حسبما تقتضي الحاجة، كما هو حادث في العراق وغيرها، وذلك من باب إبقاء الهيمنة الغربية وإحكام القبضة على العالم الإسلامي وثرواته.
حرب الأفكار: معركة القلوب والعقول:
وهذا التعديل في المسار تتكشَّف معالمه في عدة أمور، ولعل من أوضح ما وقفت عليه رسالة أرسل بها عضو الكونجرس الأمريكي توم لانتوس Tom Lantos (١٩٢٨ - ٢٠٠٨ م) إلى وزير الخارجية السابق كولين پاول Colin Powell في عام ٢٠٠٢م، حيث عرَّف هذا المسار الجديد بـ «معركة القلوب والعقول Fight for Hearts and Minds الطويلة الأمد في الحرب العالمية ضد الإرهاب» (١). كذا عرَّفه دونالد رمسفلد في حواره مع جريدة (واشنطن تايمز Washington Times) في يوم الجمعة ٢٤ أكتوبر ٢٠٠٣م، بكونه «حرب أفكار War of Ideas» ..
لم يكن هذا المسلك بالأمر المبتدع؛ فلقد سلكته الولايات المتحدة قبل ذلك في حربها الباردة ضد الشيوعية السوفيتية، وكما يذكر توم لانتوس في رسالته المتقدمة أن هذا المسلك كان «عاملًا رئيسًا في تقويض الاتحاد السوفيتي من الداخل». إذن فهي طريقة مجرَّبة وفعالة! ولكن هناك فرق؛ فالسوفيت، كما يذكر الصحافي الأمريكي توماس فريدمان، «كانوا يحبون الحياة أكثر من كرههم لنا، وبغض النظر عن الخلافات بيننا، كنا نتفق على قواعد أساسية للحضارة»، أما مع التيار الأصولي الإسلامي، فـ «نحن نواجه
стр. 140
قومًا يكرهوننا أكثر من حبهم للحياة» (١).
ولذا، فإن خوض هذه المعركة مع العالم الإسلامي ربما يحتاج إلى إجراء بعض (التكتيكات) الخاصة!
شيريل بينارد و (الإسلام المدني الديمقراطي):
ولعل من أبرز من تصدر لوضع هذه التكتيكات هي الباحثة شيريل بينارد، وهي ناشطة تابعة لمؤسسة راند RAND الأمريكية للأبحاث (٢)،
حيث تدير قسم (المبادرة من أجل شباب الشرق الأوسط Initiative for Middle Eastern Youth IMEY)، وهي كذلك زوجة الأمريكي الأفغاني الأصل زلماي خليلزاد Zalmay M. Khalilzad، سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة United Nations UN، وهو أحد أهم أركان اليمين المتطرف، ومشارك رئيس في وضع خطة الحرب الأخيرة على العراق.
стр. 141
ففي عام ٢٠٠٣م، صدر عن مؤسسة راند دراسة تحليلية لبينارد تحمل عنوان: (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيچيات Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies)، قامت فيها بوضع الخطوط العريضة التي قامت عليها حرب الأفكار، أو حرب القلوب والعقول، مع العالم الإسلامي المعاصر.
ولو استعرضنا أهم ما جاء في هذه الدراسة، نجد أن بينارد قامت ابتداءً بتقسيم المسلمين المعاصرين إلى أربعة أصناف، تبعًا لموقفهم تجاه عدد من القضايا الشائكة المختلف فيها؛ فقسمت المسلمين إلى:
- أصوليين Fundamentalists.
- وتقليديين Traditionalists.
- وعصرانيين Modernists.
- وعَلْمانيين Secularists.
وكل منهم من الممكن أن يلتقي مع الذي يليه في المرتبة على قدر موقفه من بعض هذه القضايا أو كلها. فهذا التقسيم أشبه - على حد وصفها - بالطَيْف Spectrum (١) .
ثم تذكر بينارد أن المشكلة تكمن أساسًا في الأصوليين، فهؤلاء مرجعيتهم «ليست الدولة أو الوطن أو الجماعة الإثنية Ethnic [أي العرقية]، ولكنها المجتمع الإسلامي، الأُمَّة The Ummah وذلك مع اعترافها بأن «ليس كل الأصوليين يعتنقون أو حتى يقرون بالإرهاب، على الأقل الإرهاب غير المُمَيِّز Indiscriminate Type of Terrorism، الذي يستهدف المدنيين، وأحيانًا يقتل المسلمين جُملةً مع العدو» (٢).
ولكن الفكر الأصولي المنتشر لا يتوافق - في نظرها - مع روح المجتمع العصري، فتقول (٣): «المجتمع الديمقراطي العصري لن يؤيد قوانين الشريعة ... العصرانية لا
стр. 142
تتوافق مع تطبيق عقوبة الموت أو الرجم للزناة، أو قطع الأطراف كعقوبة مقبولة. إنها كذلك لن تتوافق مع التفرقة الجبرية بين الجنسين، والتمييز الصريح المبالغ فيه ضد المرأة في قوانين الأسرة، كذلك القضاء الجنائي، والحياة العامة والسياسية».
ولذا فهي تنصح بـ «تجنب زيادة أسلمة Over-Islamizing المسلمين، ولكن تعويدهم على فكرة أن الإسلام من الممكن أن يكون مجرد جزء من هويتهم» (١).
وتضرب مثالًا مضللًا بدولة إيران، وبحكومتها ذات المرجعية الدينية، وتقيس عليه قياسًا فاسدًا؛ فتذكر أنه على الرغم من وجود هذه المرجعية فينتشر بين شبابها الزنا والخمر والمخدرات ... ثم تقول (٢): «النموذج الإيراني يقدم لنا تجربة بسيطة تبرهن على إبطال دعوى أن المشكلة تكمن في الحرية الموجودة في النظام الديمقراطي الغربي، والتطبيق القهري للإسلام هو خير إجابة على ذلك. إن نموذج فشل الحكومة الإسلامية في إيران لا بد من نشره على نطاق واسع، إذ إن هذه الحقائق ليست معلومة جيدًا للجماهير المسلمة الذين يميلون إلى الرأي القائل بأن الشريعة تحول دون وقوع الجريمة، وأن التطبيق الصارم للإسلام والشريعة سيقوم بحل مشاكل المجتمع».
ثم تقدم شيريل بينارد الحل، والذي - لا ريب - لا يكمن في دعم الأصوليين، فـ «إن دعم الأصوليين ليس هو الصواب، إلا لاعتبارات تكتيكية وقتية» (٣)، ولكن الحل يكمن - في رأيها - في دعم الرؤية العصرانية الإسلامية، تقول (٤): «إن الرؤية العصرانية تتوافق مع رؤيتنا. من ضمن كل المجموعات، تلك هي أكثر مجموعة متجانسة مع قيم وروح المجتمع الديمقراطي العصري».
وتضع بينارد خطة عملية للقضاء على خطر الأصولية الإسلامية، والتي نلخص بعضها في النقاط التالية:
стр. 143
دعم العصرانيين أولًا: وذلك عن طريق:
- نشر وتوزيع كتاباتهم بأسعار مخفضة.
- تشجيعهم على الكتابة لقطاع واسع من الجماهير وخاصة الشباب.
- بث أفكارهم في المناهج الدراسية الإسلامية.
- جعل آرائهم في المسائل الأصولية للتفسير الديني منافسة لآراء الأصوليين والتقليديين.
- عرض العَلْمانية والعصرانية كثقافة معارضة أو بديلة Counterculture للأصولية الإسلامية للشباب المسلم غير المتأثر بها.
- تيسير وتشجيع المعرفة بالثقافة والتاريخ الـ (ما قبل) و (غير) الإسلامي، وذلك عن طريق وسائل الإعلام والمناهج الدراسية في البلاد الإسلامية.
ثانيًا: مواجهة الأصوليين: وذلك عن طريق:
- الطعن في تفسيرات الأصوليين للإسلام والتشكيك في صحتها.
- إثبات عدم قدرتهم على قيادة البلاد والمجتمعات للوصول إلى تطورات إيجابية.
- تضخيم حجم الخلافات والانقسامات بين الأصوليين.
- تشجيع الآراء والفتاوى ذات المرجعية الحنفية (ذات الميول العصرانية على حد قولها) على الانتشار، وذلك لإضعاف نفوذ الآراء والفتاوى ذات المرجعية (الوهابية/الحنبلية).
- ترويج التصوف الإسلامي (١).
- تشجيع الصحافيين العرب في وسائل الإعلام الرائجة على إعداد تقارير عن الحياة الشخصية والفساد الأخلاقي للقادة الأصوليين، ونشر الحوادث التي يستدل بها على وحشيتهم (٢).
- تكوين جماعة مقاومة أو رافضة للحديث Counterhadith، وكل ذلك من أجل الذين يأملون في إقامة مجتمع أكثر تسامحًا، متساوٍ، وديمقراطي، عن قناعة بأن
стр. 144
التغييرات التي يتطلعون إليها من غير الممكن أن تكون إسلامية (١).
وثالثًا: دعم العَلْمانيين: وذلك عن طريق:
- إحباط تحالفاتهم مع الحركات القومية واليسارية المعادية للولايات المتحدة، وتوجيههم إلى معاداة الأصوليين الإسلاميين باعتبار أنهم هم العدو المشترك.
- ترسيخ فكرة أن الدين والدولة من الممكن فصلهما في الإسلام مع التأكيد بأن هذا لا يعرِّض العقيدة للخطر، بل على العكس من ذلك، فإنه يقويها (٢).
وبحكم إدارتها لقسم (المبادرة من أجل شباب الشرق الأوسط)، تقول بينارد (٣): «نظرًا لصعوبة إقناع الجيل الحالي المتعلق بالحركات الراديكالية الإسلامية بالعدول عن أفكاره، فمن الممكن لنا التأثير على الجيل القادم لو أضفنا رسالة الإسلام الديمقراطي إلى المناهج الدراسية ووسائل الإعلام في البلاد المعنية بالأمر» اهـ.
...
توماس فريدمان و (حرب الأفكار):
كذلك ممن تصدروا لوضع تكتيكات هذه الحرب الفكرية فيما يتعلق بالعالم الإسلامي هو الصحافي توماس فريدمان؛ ففي الفترة من ٨ إلى ٢٥ يناير عام ٢٠٠٤م قام فريدمان بنشر ست مقالات بجريدة (نيويورك تايمز) (٤)، عنونها بـ (حرب الأفكار)، عرض خلالها رؤيته الخاصة لهذه الحرب ..
يقول فريدمان (٥): «خلال الأسابيع القليلة الماضية، كنت أجتهد لوضع التكتيكات
стр. 145
التي من الممكن لنا اتخاذها في الغرب من أجل تقوية نفوذ المعتدلين في العالم (العربي/الإسلامي) لخوض حرب الأفكار ضد القوى المتعصبة داخل مجتمعاتهم، حيث الحرب الحقيقة ضد الإرهاب سوف تنتصر أو تخسر».
وطرح فريدمان ثلاثة اقتراحات للقضاء على خطر الأصولية الإسلامية، ثم قال (١): «... وأهمها هو إيجاد طريقة لجعل المجتمعات التي يعيش فيها هؤلاء الإسلاميون رادعة لهم من جانبها أولًا؛ فهم أكثر معرفة بهم، وهم القادرون على قمع متطرفيهم ... وما نستطيع فعله هو مشاركة التيارات المعتدلة في هذه المجتمعات من أجل مساعدتهم على خوض حرب الأفكار، لأن ذلك في المقام الأول صراع داخل العالم (العربي/الإسلامي)، ونحن يجب علينا مساعدة حلفائنا هناك، تمامًا كما فعلنا في الحرب العالمية الأولى والثانية».
وكان مما نصح به كذلك (٢): «إذا كنا نريد مساعدة المعتدلين للانتصار في حرب الأفكار في العالم الإسلامي، فيجب علينا دعم تركيا كنموذج للديمقراطية والعصرانية» اهـ.
...
أندرو ترنبُل و (عملية المنافسة):
انتقلت قوانين هذه الحرب إلى أوروپا، وسرعان ما وضعت في إطار التنفيذ، خاصة بعد تفجيرات مدريد في ١١ مارس ٢٠٠٤م، وكذلك بعد اكتشاف أعداد كبيرة من المتفجرات غربي لندن، إذ بعدها كلَّف مجلس الوزراء البريطاني سكرتيره أندرو ترْنبُلّ Andrew Turnbull بوضع خطة لاقتلاع جذور الإرهاب الإسلامي من بريطانيا.
وانتهى ترْنبُلّ في مايو ٢٠٠٤م من وضع خطة في أكثر من مائة صفحة، ووضع لها اسمًا رمزيًّا Codename وهو (عملية المنافسة Operation Contest)، والتي وصفها المسئولون بأنها (الأطول أمدًا في حرب الحكومة على الإرهاب The longer-