حدث فهو مبني على المجاملة وغير مأمون العاقبة، بمعنى أن الغدر والخيانة هي عاقبته كما يعترف هذا الرافضي (١).
وعقَّب الشيخ رشيد رضا [١٢٨٢ - ١٣٥٤هـ/١٨٦٥ - ١٩٣٥م] على رأي الشيعي هذا بأن تاريخ الشيعة مع أهل السنة يؤيده، فهو تاريخ حافل بالغدر والخيانة وممالأة الأعداء ومناصرتهم ضد أهل السنة (٢).
وقد اهتم الشيخ محمد رشيد رضا برأي (السالف الذكر) والذي لا يرى تقاربًا بأي شكل من الأشكال إلا بنزول السنة على مذهب الشيعة، وطلب من مجتهدي الشيعة أن يعلنوا رأيهم صريحًا في هذا الأمر - أي في تصريحات عبد الحسين نور الدين العاملي - على صفحات مجلة (المنار)، أو في مجلتهم العرفان فلم يجيبوه، وكأن ذلك إقرار منهم بما فيه (٣).
ولما التقى بمجتهدهم الأكبر محمد حسين آل كاشف الغطاء [١٢٩٤ - ١٣٧٣هـ] في
стр. 72
مؤتمر القدس كلَّمه في هذا الموضوع .. فأنكر ذلك بلسانه، ولم يكتب ذلك، وطلب من رشيد أن يطلب منه الكتابة في ذلك على صفحات المنار (١)، وفعلًا طلب ذلك رشيد، وجاء جواب آل كاشف الغطاء بعد ذلك مخالفًا لما قاله لرشيد في المؤتمر، فلم يعلن فيما كتبه رأيه صريحًا حاسمًا في ذلك (٢). وهذا يدل على أن الروافض لا يقبلون هذا التعاون إلا إذا كان في ذلك نشر لمذهبهم» اهـ.
٣ - علماء السعودية في عهد الملك فيصل:
ويروي القفاري كذلك (٣): «وقد حدثني سماحة الشيخ عبد الله بن حميد [ت. ١٤٠٢هـ] أن الرافضة في عهد الملك فيصل [١٣٢٤ - ١٣٩٥هـ/١٩٠٦ - ١٩٧٥م] قد أرسلوا لعلماء السعودية [رسالة] يطلبون فيها جلسة حوار معهم، فإن تبين - كما يقولون - أن الحق مع السنة اتبعه الجميع، وإن كان مع الشيعة اتبعه الجميع، وبهذا يرفع الخلاف ويكون التقارب والتآلف. فكان من إجابة علماء السعودية أنه لا مانع لدينا من ذلك ولكن لا بد من الاتفاق على أصل يرجع إليه عند الخلاف، وهو كتاب الله وصحيح السنة وعلى رأسها صحيح البخاري. وأرسلوا بذلك إليهم وانتظروا منهم الجواب ولم يصل لهم جواب» اهـ.
стр. 73
٤ - محمد الأمين الشنقيطي:
ورحم الله الشيخ محمدًا الأمين الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣هـ) - ويشهد طلاب الجامعة الإسلامية على موقفه - عندما أجاب بعض (آيات) الشيعة الذين جاءوا لمناظرته قال: «لو كنا نتفق على أصول واحدة لناظرتكم ولكن لنا أصول ولكم أصول وبصورة أوضح لنا دين ولكم دين، وفوق هذا كله أنتم أهل كذب ونفاق» اهـ (١).
٥ - يوسف القرضاوي:
ولا نغفل عن ذكر الموقف الشجاع - الذي أشرنا إليه منذ قليل - للدكتور يوسف القرضاوي، وصدعه بالحق في وجه أئمة الرفض المعاصرين، وتحذيره من خطر المد الشيعي واختراقهم لبلاد السنة، الأمر الذي عرَّضه لموجة حادة من الانتقادات تذكرني بموقف يهود المدينة مع عبد الله بن سلام ﵁!؛ حيث اعتبر آية الله تسخيري أن تصريحات القرضاوي ناجمة عن ضغوط الجماعات المتطرفة، وتتعارض مع أهداف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .. وتحت عنوان (القرضاوي وخطابه الطائفي) كتب حسن هاني زاده خبير الشئون الدولية في وكالة (مهر) الإيرانية للأنباء مقالًا قال فيه: إن الشيخ يوسف القرضاوي تحدث بلغة تتسم بالنفاق والدجل وتنبع عن أفكار تحمل الطابع الطائفي، واعتبر زاده أن تصريحات القرضاوي جاءت على لسان حاخامات يهود الذين كانوا وما زالوا يحذرون العالم من خطر المد الشيعي، لأن الخسائر التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي في حرب يوليو عام ٢٠٠٦م جاءت على يد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان دون غيرها (!) (٢)(٣).
стр. 74
ولقد جاء رد الدكتور القرضاوي على هذا الإسفاف في بيان دافع فيه عن موقفه، وكان مما قاله فيه (١): «ولكني أخالفهم في أصل مذهبهم وأرى أنه غير صحيح، وهو: أن النبي ﷺ أوصى لعلي بالخلافة من بعده وأن الصحابة كتموا هذا، وخانوا رسولهم، وجحدوا عليًا حقه، وأنهم تآمروا جميعًا على ذلك. والعجب أن عليًا لم يعلن ذلك على الملأ ويقاتل عن حقه. بل بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وكان لهم معينًا ومشيرًا. فكيف لم يواجههم بالحقيقة؟ وكيف لم يجاهر بحقه؟ وكيف تنازل ابنه الحسن عن خلافته المنصوص عليها لمعاوية؟ وكيف يمدحه النبي ﷺ بذلك، وأن الله أصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (٢)»، ثم قال: «وإني أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم، ولو كنت أبيع في سوق النفاق لنافقت إيران التي تقدر أن تعطي الملايين، والتي تشتري ولاء الكثيرين بمالها، ولكني لا أشترى بكنوز الأرض، فقد اشتراني الله تعالى وبعت
стр. 75
له»، وختم البيان بقوله: «وأما ما قلته من محاولات الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، فأنا مصرّ عليه، ولا بد من التصدي له، وإلا خُنَّا الأمانة، وفرطنا في حق الأمة علينا. وتحذيري من هذا الغزو، هو تبصير للأمة بالمخاطر التي تتهددها نتيجة هذا التهور، وهو حماية لها من الفتنة التي يُخشى أن يتطاير شررها، وتندلع نارها، فتأكل الأخضر واليابس. والعاقل من يتفادى الشر قبل وقوعه. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل» اهـ.
وفي حوار لاحق مع الجريدة نفسها قال (١): «فلوا استمروا في ممارستهم [أي اختراق الدول السنية] ولم يتراجعوا عنها بوضوح، سأعلن التوقف عن مشاركتي في التقريب بين المذاهب، لأنه في هذه الحالة سيكون لا معنى له .. فأنا أرى أن التقريب الآن على المحك» اهـ.
...
دافعي لبحث مسألة التشيع:
حقيقة، فإن مما كان له أبلغ الأثر في دفعي لبحث (المسألة الشيعية) هو قول قرأته للدكتور محمد إسماعيل المقدم، حيث قال (٢): «إن مقولة: إن الشيعة الإمامية مذهب فقهي خامس، أحد الشعارات الكاذبة المضلة التي تفتن الناس عن دينهم، وتسهل الطريق للغزو الرافضي الفكري، وهي أحد الأفكار (الملغَّمة) التي تهدف إلى نسف منهج النبوة، وتدمير ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، كي يُبنى على أنقاضها أساطير الرافضة وخرافاتهم، من وراء ستار التقريب الذي هو عين التخريب لعقائد المسلمين، فالتقريب في اصطلاحهم له معنى واحد لا ثاني له: ألا وهو: تقريب أهل السنة إلى عقيدة الشيعة، وإذابتهم فيهم، فهو وسيلة إلى (تصدير) دين الرافضة ليس إلا. وقائل هذه العبارة محل
стр. 76
السؤال، والمروج لها إما أنه جاهل ساذج، وإما خائن مُضل .. وأما جهله:
- فبأصول دينه الذي ينتمي إليه إن كان منتسبًا إلى أهل السنة والجماعة.
- وجهله بدين الرافضة الذي يقوم على أصول تخالف دين الإسلام قطعًا.
- جهله بوقائع التاريخ التي تدين الرافضة بالغدر والخيانة العظمى لأمة المسلمين، كما حدث أن أدخل الوزير العلقمي الشيعي قاتله الله [١١٩٧ - ١٢٥٨م] هولاكو [١٢١٧ - ١٢٦٥م] وجنوده إلى بغداد في عهد الخليفة العباسي المستعصم [١٢١٣ - ١٢٥٨م]- وما أشبه اليوم بالأمس (١) -، وقتلوا معه غدرًا وفي ساعة واحدة مائتي ألف شخصية من العلماء والوجهاء والقضاة، واستمرت المذابح فيها بضعًا وثلاثين يومًا، قتل فيهم حوالي ثمانمائة ألف مسلم ومسلمة، حتى صبغ نهر دجلة باللون الأحمر لكثرة من قتل من أهل السنة، ثم صبغ مرة أخرى باللون الأسود لكثرة ما ألقي فيه من الكتب والأسفار (٢).
أيضًا، كما تسببوا في انحسار المد الإسلامي العثماني في أرجاء أوروپا،
стр. 77
وطعنوا الخليفة العثماني في ظهره بزحفهم على عاصمة الخلافة بينما كان يتغلغل بجيوشه في أحشاء النمسا إلى أن دخل قلب فيينا، وكادت أوروپاتدخل في حظيرة الإسلام لولا اضطرار الجيش العثماني إلى الانسحاب والرجوع إلى الرافضة لدحرهم ودفعهم. أيضًا، كما تحالفوا مع ملك المجر ضد الدولة العثمانية، وكما سلَّموا أرض المسلمين في پاكستان الشرقية لقمة سائغة للهندوس حتى يقيموا عليها الدولة المسخ بنجلاديش.
- جهله بالواقع الأليم لأهل السنة المحاصرين المستضعفين في داخل الدولة الرافضية الإيرانية، وما يعانونه من تفرقة عنصرية واضطهاد وتشريد وتصفية جسدية، ويكفي أن طهران العاصمة لم يسمح فيها ببناء مسجد واحد لأهل السنة، على الرغم من وجود اثنتي عشرة كنيسة، وأربعة معابد يهودية، وعددًا من معابد المجوس عبدة النار (١).
أما إن كان قائل هذه العبارة يدري كل هذا وهو يتشدق بهذه الفرية، فالمصيبة أعظم، ولا يبقى إلا أنه غاشٌّ لأهل الإسلام إذ يتغاضى عن هذه الحقائق الصارخة، ويكذب على المسلمين حين يزعم أن الخلاف مع الرافضة كالخلاف بين الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي، فهذه المذاهب وإن اختلفت في الفروع الفقهية العملية، لكنها تقف جميعًا في مسائل العقيدة والتوحيد تحت مظلة واحدة، هي السنة والجماعة، وهذا المفتري يحاول
стр. 78
دمجها مع الرافضة - وهم فرقة نارية - في الفرقة الناجية، ويجتهد في ستر عورات مذهبهم الشاذ، الذي يشذ عن الفرقة الناجية حتى في أصول الدين» اهـ.
ولقد أشار الدكتور راغب السرجاني إشارة قوية الدلالة حينما قال (١): «إن قضية الشيعة ليست قضية هامشية في قصة الأمة الإسلامية، بحيث يطالب البعض بتركها أو تأجيلها .. إنها قضية تأتي في أولويات الأمة الإسلامية، ولقد رأى الجميع أن تحرير فلسطين من الصليبيين على يد صلاح الدين [٥٣٢ - ٥٨٩هـ] لم يكن إلا بعد تخليص مصر من الحكم الشيعي العبيدي، ولم يقل صلاح الدين عندها أن حرب الصليبيين أولوية تؤجل مسألة الحكم الشيعي لمصر، ذلك أن المسلمين لا ينتصرون إلا بعقيدة صافية، وجنود مخلصين، ولم يكن لصلاح الدين أن يأخذ شعب مصر ليقاتل معه في قضيته المصيرية إلا أن يرفع عن كواهلهم هذا الحكم البدعي العبيدي، وما ذكرناه في حق مصر أيام صلاح الدين نذكره في حق العراق الآن، وفي حق كل الدول المهدَّدة من الشيعة، ولا بد أن يكون لنا في التاريخ عبرة».
ويقول في مقالة تالية (٢): «بناء على هذا الانحراف الشديد الذي تعانيه المناهج الشيعية فإننا نستطيع أن نقطع باستحالة التقريب العقائدي والفقهي بينهم وبين المسلمين السنة؛ فالشيعة ليست مذهبًا من المذاهب كما يعتقد البعض، إنما هي انحراف عن الطريق المستقيم، وأي تقريب بين الطريق المستقيم وبين الانحراف ما هو إلا انحراف أيضًا ولكن بدرجة أقل، وهذا ليس مقبولًا البتة في الشريعة الإسلامية، وهل يعني التقريب أن نقبل بسب بعض الصحابة دون غيرهم؟ وهل يعني التقريب الإيمان ببعض الأئمة الاثني عشر دون غيرهم؟ وهل يعني التقريب الأخذ عن البخاري ومسلم وترك الترمذي وأبي داود؟ وهل يعني التقريب أن نحلَّ زواج المتعة في بعض الظروف؟ وهل يعني التقريب التغاضي عن اضطهاد بعض السنة في إيران والعراق ولبنان وسوريا، وعدم التغاضي عن اضطهاد الآخرين؟ إن الطريق - يا إخواني وأخواتي - مسدودٌ مسدود!!
стр. 79
وأي محاولات للتقريب العقائدي والفقهي بين السنة والشيعة ما هي إلا محاولات لتبديل الدين وتحريفه، وهذا ما لا ينبغي أن نسعى إليه» اهـ.
ويقول محب الدين الخطيب (١): «ومما لا ريب فيه أن الشيعة الإمامية هي التي لا ترضى بالتقريب، ولذلك ضحت وبذلت لتنشر دعوة التقريب في ديارنا وأبت وامتنعت أن يرتفع له صوت أو تخطو في سبيله أية خطوة في البلاد الشيعية، أو أن نرى أثرًا له في معاهدها العلمية. ولذلك بقيت الدعوة إليه من طرف واحد، فكانت هذه الدعوة كأسلاك الكهرباء التي لا يلتقي سالبها بموجبها ولا موجبها بسالبها، ولذلك فإن كل عمل في هذا السبيل سيبقى عبثًا كعبث الأطفال، ولا طائل تحته، إلا إذا تركت الشيعة لعن أبي بكر وعمر، والبراءة من كل من ليس شيعيًا منذ وفاة النبي ﷺ إلى يوم القيامة، وإلا إذا تبرأ الشيعة من عقيدة رفع أئمة آل البيت الصالحين عن مرتبة البشر الصالحين إلى مرتبة الآلهة اليونانيين، لأن هذا كله بغي على الإسلام، وتحويل له عن طريقه الذي وجهه إليه صاحب الشريعة الإسلامية ﷺ وأصحابه الكرام، ومنهم علي بن أبي طالب وبنوه، فإن لم تترك الشيعة هذا البغي على الإسلام وعقيدته وتاريخه، فستبقى منفردة وحدها، بأصولها المخالفة لجميع أصول المسلمين، ومنبوذة من جميع المسلمين» اهـ.
وخلاصة القول: «أن المنهج السليم للتقريب هو: أن يقوم علماء السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم وبيان صحته وتميزه عن مذاهب أهل البدع، وكشف لمؤامرات الروافض وأكاذيبهم وما يستدلون به من كتب أهل السنة. وأن يصاحب ذلك كله بيان لانحرافات الروافض وكشف ضلالاتهم وأصولهم الفاسدة. وإذا كان أئمة السنة قد شاركوا في ذلك فإنه يجب مضاعفة الجهد وأن يكون جهدًا جماعيًا مخططًا له. أي أن المنهج الأصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل، هو تقريب الشيعة إلى الحق والوقوف في وجه المد التبشيري الرافضي الذي ينشط اليوم بشكل غريب في العالم الإسلامي، وفي أوروپاوأمريكا. حتى يجتمع المسلمون على كلمة سواء، ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا. وإذا كان لا يجدي مع الشيعة الاحتجاج عليهم بالقرآن والسنة والإجماع، وبيان
стр. 80
الحق بهذه الأصول لمخالفتهم لأهل السنة في ذلك فلا يعني ذلك أن نتوقف عن بيان مذهب أهل السنة وصحته، وبطلان مذهب الشيعة وضلاله في ضوء تلك الأصول. فذلك سيحد من انتشار عقيدة الروافض بين أهل السنة. أما مع الروافض فإنه من الضروري أن نسلك مع المنهج السالف أو قبله المنهج التالي. والذي أبينه فيما يلي. فأقول: إن التقريب لا بد وأن يكون على أساس الحق، وإذا كنا لا نستطيع أن نحتج عليهم بالكتاب والسنة. ونحسم الخلاف على ضوئها فلنبحث عما يكشف باطلهم من كتبهم نفسها. وهذا المنهج لم يسلكه علماؤنا المتقدمون الذين اهتموا بالرد على الروافض وتفنيد حججهم ودحض دعاواهم وما ندري هل السبب في ذلك أن علماءنا - يرحمهم الله تعالى - كانوا يحتقرونهم ويرونهم مصدر الكذب ومعين التزوير فأعرضوا عن النظر في كتبهم فضلًا عن البحث فيها عن أدلة تكشف كذبهم وباطلهم. أم أن السبب أن هناك بعض كتبهم الأساسية قد وضعت من المتأخرين ونسبت للمتقدمين أو زيد عليها في العصور المتأخرة (الدولة الصفوية [١٥٠١ - ١٧٢٢م]).
أيًا كان السبب هذا أو ذاك أو جميعًا فإن كتب الروافض اليوم قد انتشرت ودان بقدسيتها وآمن بصحتها ملايين الشيعة فهم لا يؤمنون إلا بما جاء فيها ولا يحتجون إلا بها. ويردون بها السنة الصحيحة بل نصوص الكتاب الظاهرة بل منهم من يصدق أساطيرها التي تمس كتاب الله العظيم وتزعم الوحي للأئمة وعلم الغيب .. فليكن تصحيح وضع الشيعة من كتبهم وكشف ضلالهم من رواياتهم، ومنطلق التقريب الصحيح من مدوناتهم» اهـ (١).
стр. 81
الفصل الثاني: بين أوربانية الماضي والحاضر
стр. 82
- - ﴿بين أوربانية الماضي والحاضر﴾ - -
«نحن في حرب أفكار ...» [دونالد رامسفلد]
في مارس من عام ١٠٩٥م، أرسل الإمپراطور البيزنطي ألكسيوس كومنينوس الأول Alexios Komnenos I (١٠٨١ - ١١١٨ م) رسله إلى المجمع الكنسي في پياسنزا Piacenza، يستنجدون بالبابا أوربان الثاني Pope Urban II (١٠٤٢ - ١٠٩٩ م)، ويطلبون منه إمدادهم بجيش من الجند المرتزقة لدفع المد الإسلامي السلجوقي الذي يهدد الإمپراطورية .. «وكان الإسلام وقتها قد ظهر بدينه وثقافته، وغلب على رقعة ممتدة من حدود الصين إلى الهند، إلى أقصى الأندلس، إلى قلب إفريقيا، وأنشأ حضارة نبيلة متماسكة كاملة، بعد أن ردَّ النصرانية وأخرجها من الأرض، وحصرها في الرقعة الشمالية التي فيها هذا الهمج الهامج الذي كان يعيش فيما يعرف اليوم باسم أوروپا» (١).
فلما تدبر أوربان الأمر وجده جد خطير؛ فمن جهة كانت الإمپراطورية الرومانية قد انقسمت إلى شرقية وغربية، وتلتها في ذلك الكنائس، أرثوذكسية شرقية وكاثوليكية غربية، ومن جهة ثانية وجد الفتح الإسلامي يحاصره ويهدد البقية الباقية من ملكه، ومن جهة ثالثة وجد صراعات داخلية عنيفة على السلطة بين القيادة البابوية الدينية والإمپراطورية العَلْمانية، ووجد كذلك صراعات قبلية طاحنة يقودها الهمج الچرمان من النورمان والقوط والأنجلوساكسون وغيرهم.
«... فالمسيحية أصبحت في هذا الوقت منقسمة متصدعة بشكل لا يدعو لأي أمل، ولم تعد المهارة الديپلوماسية كافية لرأب الصدع، ولهذا رأى أوربان أنه من الضروري القيام بمغامرة مثيرة على مستوى عالمي، تضع العالم المسيحي بأجمعه أمام عمل وهدف عام مشترك ... فأعلن أوربان أنه ينوي عقد جلسة استثنائية في كليرمون Clermont يعلن بها للعالم المسيحي بأجمعه خطة يحتفظ بسريتها حتى ذلك الحين، ولكنها ستخدم في إعادة الوحدة المسيحية إلى سالف عهدها ...
стр. 83
وفي يوم بارد من أيام شهر نوفمبر، وأمام جمع غفير احتشد، اعتلا أوربان الثاني المنصة، وتلا خطابه: "انهضوا وأديروا أسلحتكم التي كنتم تستعملونها ضد إخوانكم، ووجهوها ضد أعدائكم، أعداء المسيحية ... انهضوا إذن ولا تقاتلوا إخوانكم المسيحيين بل قاتلوا أعداءكم الذين استولوا على مدينة القدس، حاربوا تحت راية المسيح قائدكم الوحيد، افتدوا أنفسكم، أنتم المذنبين المقترفين أحط أنواع الآثام وهذه هي مشيئة الرب ... "، وهنا دوت أصوات الألوف من الناس الذين رددوا هذه الكلمة: "هذه هي مشيئة الرب" ... وهكذا بدأت الحروب الصليبية» (١)، والتي كانت - نوعًا ما - كما يصفها القس توماس فولر Thomas Fuller (١٦٠٨ - ١٦٦١ م) بمثابة «البالوعة التي تشفط كل النزاعات من المسيحية» (٢).
وفعلت الجيوش الصليبية فعلتها في المسلمين، وفي يهود، بل وفي بني ملتهم من الأرثوذكس الذين استغاثوا بهم ابتداءً! حتى وصف المؤرخ البيزنطي نيكيتاس كونياتس Niketas Choniates (١١٥٥ - ١٢١٥ م) الموقف بقوله: «إنه حتى المسلمون أكثر رحمة وشفقة مقارنة بهؤلاء الرجال الذين يحملون صليب المسيح على أكتافهم» اهـ (٣).
واستمرت حروب (الفرنجة/الصليبية) قرابة مائتي عام (٤٨٩ - ٦٩٠هـ/١٠٩٦ - ١٢٩١م) حتى باءت بالفشل وعادت قواتها إلى بلادها خائبة خاسرة. ليس ذلك فقط، ولكنها كذلك تركت أثرًا من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروپي؛ «... فلقد كانت الحروب الصليبية هي التي عينت في المقام الأول والمقام الأهم موقف أوروپامن الإسلام، ولقد كانت الحروب الصليبية في ذلك حاسمة لأنها حدثت في أثناء (طفولة) أوروپا، في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية الخاصة قد أخذت تعرض نفسها، وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد؛ إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة
стр. 84
التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهرًا أو باطنًا مدى الحياة التالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفرًا عميقًا، حتى إنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة والمتَّسم بالتفكير أكثر من اتِّسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تمامًا ... إن الحمية الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها لا يمكن أن تقارن بشيء خبرته أوروپامن قبل، ولا اتفق لها من بعد. لقد اجتاحت القارة الأوروپية كلها موجة من النشوة، كانت - في مدة ما على الأقل - عنفوانًا تخطى الحدود التي بين البلدان والتي بين الشعوب والتي بين الطبقات. ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ، أن أوروپاأدركت في نفسها وحدة، ولكنها وحدة في وجه العالم الإسلامي. ويمكننا أن نقول من غير أن نوغل في المبالغة أن أوروپاوُلِدَت من روح الحروب الصليبية؛ ففي أثنائها ولدت فكرة (المدنية الغربية)، وأصبحت هدفًا واحدًا تسعى إليه جميع الشعوب الأوروپية على السواء. وكانت تلك المدنية الغربية، عداوة للإسلام، وقفت عرَّابًا (١) في هذه الولادة الجديدة ...
ولم يكن ذلك لأن الصليبيين راموا الحرب، فإن حروبًا كثيرة كانت قد نَشِبت بين الشعوب، وكم من عداوة انقلبت بعد ذلك صداقة، إلا أن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح، ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شرًا ثقافيًا؛ لقد نشأ تسميم العقل الأوروپي عما شوهه قادة الأوروپيين من تعاليم الإسلام ومُثله العليا أمام الجموع الهائلة في الغرب» (٢).
وفي المسألة تفصيل ..
فإن المجابهة (الدينية/السياسية) مع العالم الإسلامي في القرون الوسطى خلطت عامل الخوف من المنافس القوي مع عامل حب الاطلاع على نمط حياته ومعارفه
стр. 85
العقلية. وهكذا بدأ العالم الإسلامي يدخل تدريجيًا في مجال المصالح والاهتمامات الثقافية للأوروپيين.
يقول إدوارد سعيد (١٩٣٥ - ٢٠٠٣م) (١): «الاهتمام الأوروپي بالإسلام لم ينشأ من حب الاستطلاع، بل من الخوف من منافس للمسيحية يتميز بوحدته وصلابته وبقوته الجبارة ثقافيًا وعسكريًا (٢). وكان أوائل الباحثين الأوروپيين في الإسلام على نحو ما بيَّنه مؤرخون كثيرون، من أرباب المجادلات القروسطية (٣) الذين كتبوا ما كتبوه لدرء خطر جحافل المسلمين التي تهددهم وخطر الارتداد عن الدين المسيحي. وقد استمرت هذه (التوليفة) من الخوف والعداء، بصورة ما، حتى يومنا هذا، سواء في الاهتمام العلمي أو غير العلمي بالإسلام» (٤).
ويقول المستشرق الروسي ألكسي چورافسكي (٥): «يمكن القول إن التصورات الغربية المعاصرة حول دين المسلمين لم تتكون وترتسم في صفحة بيضاء خالية، وإنما انعكست في مرآة قديمة مشوهة، إذ إن سكان أوروپاالمعاصرة ورثوا عن أسلافهم من القرون الوسطى مجموعة عريضة وراسخة من الأفكار حول الإسلام، التي كانت تتغير تدريجيًا مظاهرها الخارجية فقط، تبعًا لتغير الظروف في أوروپاذاتها، وتبعًا لطبيعة علاقاتها ومواقفها المستجدة نسبيًا مع البلدان الإسلامية وثقافاتها الحديثة» اهـ.
стр. 86
ولو دققنا الملاحظة لوجدنا أن هذه التصورات قد تكونت في كثير من جوانبها وخطوطها الكبرى على خلفية التفسير المسيحي (الشرقي) للعقيدة الإسلامية. وكان من القيود التي قيدت تفكير المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام - كما يذكر إدوارد سعيد - قيد القياس والتشبيه (١)، وكان الإشكال يتمحور حول إيجاد سند ديني مسيحي للإسلام وبنيه ..
يقول چورافسكي (٢): «في المسيحية الشرق أوسطية كانت قد انتشرت قصة خرافية مؤداها أن محمدًا [ ﷺ ] كان في البداية تلميذًا للراهب النسطوري (٣) سرجيوس بحيرا، زاعمين أنه تلقى منه بعض المعلومات الأساسية عن التوراة والإنجيل، وبعد ذلك أعلن نفسه نبيًا وكوَّن عقيدة خاصة به».
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (٤).
وتعد المؤلفات التي وضعها يوحنا الدمشقي (٦٧٦ - ٧٤٩م) من أبكر الدراسات المسيحية الشرقية عن الإسلام، خاصة مؤلفه (فيما يتعلق بالهرطقة Concerning Heresy/peri aipeseon)، والذي سرد فيه فصلًا خاصًا يتحدث فيه عن (هرطقة الإسماعيليين Heresy of the Ishmaelites) نسبة إلى العرب من نسل إسماعيل ﵇ (٥).
يقول الدكتور أحمد القاضي (٦): «وقد عاش [يوحنا] في أكناف أمراء بني أمية. وقد ألَّف عدة مؤلفات ضمنها القدح في الإسلام ونبيه ﷺ وكتابه القرآن. فالإسلام عنده ليس
стр. 87
دين إبراهيم ﵇ بل هو مؤذِن بالمسيح الدجال. والرسول ﷺ واحد من أتباع بدعة آريوس (١)، لا يعرف من العهدين القديم والجديد إلا ما اضمحلت قيمته، والقرآن نتاج لأحلام اليقظة، كما ينتقد إجراءات الزواج والطلاق في الشريعة» اهـ.
وحيث إن بلاد الشام كانت تعد بمثابة حلقة الوصل بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي الغربي، فإن «التصورات المتكونة عن الإسلام كبدعة مسيحية مرتدة ومنشقة، وعن محمد [ ﷺ ] كنبي مزيف، انتقلت من مسيحيي سوريا إلى البيزنطيين، ومنهم إلى الأوروپيين» (٢).
يقول القاضي (٣): «إن هذا القسيس المضلل، الذي يصفه النصارى بـ (القديس)، يبوء بإثم إشاعة هذه الافتراءات التي صدت كثيرًا من النصارى في الشرق والغرب عن الوقوف على حقيقة الإسلام ... وإذا كان يوحنا الدمشقي، وهو عربي النسب واللسان، يلجأ إلى كتابة مفترياته وتشويهاته المتعمدة عن الإسلام ونبيه ﷺ وكتابه العزيز، باللغة اليونانية، وهو يعيش بين ظهراني المسلمين، وفي خدمة البلاط الأموي خشية رد الفعل العملي والاجتماعي والسلطوي، فللقارئ أن يتخيل ما يمارسه القسس الحاقدون الذين يعيشون خلف الحدود في أرجاء أوروپاالبيزنطية، ثم الرومانية، حيث لا يعلمون عن الإسلام وعقيدته وشريعته وتطبيقه سوى ما يتلقفون من إنتاج نظائرهم الذين يتميزون غيظًا وحسدًا في المشرق الإسلامي، ثم يضيفون أوهامهم المريضة، وخيالاتهم الفاسدة من أساطير وحكايات مسفة».
ويضيف چورافسكي أن المعلومات المقدَّمة كانت «تُنتزع في معظم الحالات من سياقها الأصلي، ثم تقدم إلى القارئ الأوروپي. وبهذا الشكل شوهت الوقائع بصورة متعمدة، واعية أحيانًا، أو بشكل غير واع في أحيان أخرى»، وذلك في إطار «البحث الحماسي عن حل سريع لمشكلة الإسلام»! (٤).
стр. 88
يقول (١): «والحقيقة أن أوروپاتعرفت على المؤلفات الدينية والكلامية المعادية للإسلام في نموذجها البيزنطي بالدرجة الأولى».
ويقول إدوارد سعيد (٢): «ومن أمثال هذه المفاهيم الخاطئة وغيرها تشكلت حلقة لم تنكسر في يوم من الأيام بالانفتاح على الخارج، إذ اعتبروا أن المفهوم المسيحي للإسلام متكامل وكاف بذاته، وأصبح الإسلام صورة، إذ لم تعد وظيفتها تكمن في تمثيل الإسلام في ذاته بقدر تمثيله لعيون المسيحيين في العصور الوسطى».
ويقول أيضًا (٣): «وقد تدعمت هذه الصورة الصارمة للإسلام بعدة سبل كان من بينها ضروب بالغة التنوع من الشعر، والمجادلات العلمية، والخرافات الشعبية». ثم ينقل عن المؤرخ الإنجليزي ريتشارد سَذِرْن Richard Southern (١٩١٢ - ٢٠٠١ م) قوله (٤): «وأبرز ما يتجلى لنا هو عجز أي نظام من هذه النظم الفكرية (المسيحية الأوروپية) عن تقديم تفسير مقنع ومُرضٍ للظاهرة التي تحاول تفسيرها (الإسلام)، بل وعجزها إلى درجة أكبر عن التأثير بصورة حاسمة في مجرى الأحداث في دنيا الواقع». ثم يُعقِّب - سعيد - قائلًا (٥): «ولم يتغير على مر الزمن إلا مصدر هذه الأفكار الغربية، والنرجسية إلى حد ما، عن الشرق، دون أن يتغير طابعها. وهكذا انتشر الاعتقاد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بأن بلاد العرب تقع على حافة العالم المسيحي، وأنها ملجأ طبيعي للزنادقة الخارجين على القانون، وأن محمدًا [ ﷺ ] كان مرتدًا ماكرًا، وكان القرن الثاني عشر يرى أن الباحث المستشرق، أي المتخصص العالِم، كان من يُركَن إليه لإيضاح أن الإسلام لا يزيد في الواقع عن بدعة أريوسية من الدرجة الثانية» اهـ (٦).
...
стр. 89
فتح القسطنطينية وتبعاته:
مضت أعوام كثيرة، و «بطل عمل السلاح بالإخفاق واليأس، وخمدت الحروب تقريبًا بين الإسلام والصليبية نحو قرن ونصف قرن، ثم وقعت الواقعة؛ اكتُسِحَت الأرض المسيحية في آسيا، في شمال الشام، ودخلت برمَّتها في حوزة الإسلام. وفي يوم الثلاثاء ٢٠ من جمادى الأولى سنة ٨٥٧هـ/٢٩ مايو سنة ١٤٥٣م، سقطت القسطنطينية عاصمة المسيحية، ودخلها محمد الفاتح [٨٣٥ - ٨٨٦هـ/١٤٣٢ - ١٤٨١م] بالتكبير والتهليل (١)، وارتفع الأذان في طرف أوروپاالشرقي. إذن، فقد وقعت الواقعة! واهتز العالم الأوروپي كله هزة عنيفة ممزوجة بالخزي والخوف والرعب والغضب والحقد، ولكن قارَن ذلك إصرار مستميت على دفع هذا الخزي، وإماطة هذا الخوف والرعب، وإشعال نيران الغضب والحقد، بحمية تأنف من الاستكانة لذل القهر الذي أحدثه محمد الفاتح ورجاله من المسلمين الظافرين» (٢).
стр. 90
ولكنهم هذه المرة «نحَّوا أمر السلاح جانبًا إلى أن يحين حينه ويصبح قادرًا وحاسمًا. فلم يبق لهم إذن إلا سلاح العقل والعِلم والتفوق واليقظة والفهم وحسن التدبير، ثم المكر والدهاء واللين والمداهنة وترك الاستثارة، استثارة عالم ضخم مجهول ما في جوفه، ولا قِبَل لهم بتدفق أمواجه الزاخرة، والتي كان التُرك الظافرون طلائعها الظاهرة لهم عيانًا في قلب أوروپا» (١).
ومن ثم كانت الخطوة الجديدة هي «بعثة أعداد كبيرة ممن تعلموا العربية وأجادوها إجادة ما، تخرج لتسيح في أرض الإسلام، وتجمع الكتب شراءً أو سرقة، وتُلاقي الخاصة من العلماء، وتخالط العامة من المثقفين والدهماء، وتُدَوِّن في العقول وفي القراطيس ما عسى أن ينفعهم في فهم هذا العالم الذي استعصى على المسيحية واستعلى قرونًا طوالًا. يخرجون أفواجًا تتكاثر على الأيام، ويجوبون أرجاء هذا العالم، ويعودون لإتمام عملين عظيمين: إمداد علماء اليقظة بهذه الكنوز النفيسة من الكتب التي حازوها أو سطوا عليها، وإطلاعهم على ما وقفوا عليه فيها، باذلين كل جهد ومعونة في ترجمتها لهم، وفي تفسير رموزها بقدر ما استفادوا من العلم بها، وأيضًا إطلاع رهبان الكنيسة وملوكها على كل ما علموا من أحوال دار الإسلام وما رأوه عيانًا فيها، وما لاحظوه استبصارًا. وكان أهم ما لاحظوه أو خبروه، هذه الغفلة المطبقة على أرض الإسلام، والتي أورثهم إياها الاستنامة إلى النصر القديم على المسيحية، والاغترار بالنصر الحادث بفتح القسطنطينية، ثم سماحة أهل الإسلام عامتهم وخاصتهم مع من دينه يخالف دينهم، ولا سيما اليهود والنصارى، لأنهم أهل كتاب وأهل ذمة» (٢) ..
ومضت أعوام أخرى، تتقدم فيها أوروپامسرعة نحو الأمام، في حين تتراجع الأمة الإسلامية نحو الوراء، والأيام دُوَل! حتى جاء الوقت الذي بلغ (الطفل) الأوروپي فيه أشده، وقد ترسخت في وجدانه فكرة مغلوطة عن الإسلام عاطفية وغير متزنة.
وكما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣)، فطاقت غريزته التوسعية غير الرشيدة إلى التسلط و (الاستخراب)، فخرج بقواته غازيًا أركان
стр. 91
المعمورة الأربعة. ولكن، حينما وقف على أعتاب العالم الإسلامي، تذكر ماضيه الأليم، وعلم يقينًا أنه إذا أراد المُضيّ فعليه أن يتدارك الخطأ؛ فالمواجهة يدًا وحدها ما كانت تكفي للقضاء على جماعة الإسلام؛ فإن «يد الله مع الجماعة» (١)، و «إنما يأكل الذئب القاصية» (٢).
كذلك أيقن أن الأمر لا يقف على مجرد كونها جماعة؛ فثمة جماعات كثيرة سهُل هزيمتها عسكريًا، وإنما الأمر يكمن في منهج الجماعة ذاته، ذلك المنهج الذي ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣).
ولذا، كان المخرج من ذلك كله هو إحداث صدع في هذا البنيان المرصوص، وزرع خلية سرطانية خبيثة في جسد الأمة الواحد، والذي «إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٤)، وذلك عن طريق إحياء روح الشعوبية، القومية العنصرية، الجاهلية المنتنة، كما وصفها رسول الله ﷺ (٥)؛ ذلك أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٦).
وسيأتي بيان هذا في موضعه، ولكن ما ترتب هو استشراء سرطان القومية في جسد الأمة. وكانت القاصمة التي لم تتبعها عاصمة هي مبعث الذئب الأغبر من مرقده في جبل طوران، على يد (خالد التُرك!) الدونمي (٧)، إذ قام الذئب مسعورًا جائعًا، فلم يجد أمامه
стр. 92
إلا رجل أوروپاالمريض (١)، والذي عقَّه أولاده الإخوة لعَلاَّت، فانقض عليه فصرعه والتهمه .. وسقطت الخلافة الإسلامية!!
ورحم الله شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي (١٢٨٦ - ١٣٧٣هـ/١٨٦٩ - ١٩٥٤م)، آخر شيوخ دولة الخلافة، قال: «يا أسفًا على الخلافة، قطعوا دابرها وأبدلوها خلافًا!» اهـ (٢).
ثم توالت عرى الإسلام في انتقاضها كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال ﷺ : «لَيُنْقَضَنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتَقَضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة» (٣).
يقول الدكتور مصطفى حلمي واصفًا حال الأمة بعد سقوط الخلافة (٤): «كنا كمن يقف على مفترق طرق يبحث عن امتداد خط السير الذي بدأ به، وربما انحرف عنه أحيانًا، ولكن الاتجاه نفسه كان صحيحًا، ولكن بالوصول عند المفترق، ضل السائق الذي أسلمنا له القيادة بدلًا من الاستمرار في طريقنا الذي عرفناه، انحرف عن الطريق إلى طريق آخر لن يوصلنا إلى محطة الوصول سالمين، بل سيصل بنا إلى ما يشبه الهاوية، إن لم تتداركنا رحمة الله تعالى وفضله» اهـ.
...
стр. 93
اختلال موازين القوى الغربية بين ضفتي الأطلسي:
تقدم الغلام الأوروپي الأرعن بجيوشه ليقسِّموا التركة فيما بينهم قسمة ما أنزل الله بها من سلطان، ناثرين بذور الصهيونية الخبيثة في الأرض المقدسة الطاهرة، آملين في إنهاء مسألتهم اليهودية التي عكرت عليهم صفو حياتهم الأوروپية، وكانت ذريعتهم هي أن الأرض المقدسة هي «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»! وأنهم قد أدوا بذلك واجبًا دينيًا رئيسًا، ألا وهو تهيئة الأرض لعودة المسيح ﵇، ليهنأ القوم بصحبته في الألف عام السعيدة!
ويمضي الزمان، ويتقدم العمر بالغلام الأوروپي، حتى صار كهلًا وقد أجهدته كثرة حروبه الخارجية والداخلية، وبات يحلم بقضاء باقي عمره مستمتعًا بتركته (الشرقية) بعيدًا عن الحروب والصراعات. فسيطرت على خاطره رؤية جديدة لمستقبل تسود فيه شعارات الإنسانية والحرية والإخاء والمساواة .. ولكن لعلنا لا ننسى أن من شبَّ على شيء شاب عليه!
وقبل أن نستطرد، نتوقف قليلًا لإلقاء بعض الضوء على أمر محوري مهم، ألا وهو اختلال موازين القوى الغربية بين ضفتي الأطلسي ..
فلقد نزلت الضربة الأكبر لكل من قوة أوروپاوثقتها قبل نحو قرن من الزمن، في الحرب العالمية التي اندلعت سنة ١٩١٤م. فذلك الصراع الرهيب تمخض عن تدمير ثلاث من قوى أوروپاالخمس: ألمانيا، (النمسا/هنجاريا)، وروسيا، التي كانت ميزان القوى القارِّي منذ سنة ١٨٧١م (١).
стр. 94
ولكن بدلًا من أن تعلن فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ولادة نظام دولي جديد، قائم على المصالح المتبادلة والأمن المستقر الدائم، تبدلت سريعًا مواقع القوة في العالم، وحل محل التوازن التقليدي السابق، توازن الرعب، والصراع الأيديولوچي الذي أشعل الحروب الإقليمية في ساحات أخرى من العالم الثالث، وبعيدًا هذه المرة عن الساحة الأوروپية التي خيمت عليها الحرب الباردة لأكثر من نصف قرن، ولكن من دون أن تطلق طلقة واحدة (١).
يقول صامويل هنتنجتون (١٩٢٧ - ٢٠٠٨م) (٢): «في السنين ما بين ١٩١٠ إلى ١٩٤٥م انقسمت أوروپاعلى نفسها وانهمكت في مشاكلها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولكن في الأربعينات، بدأ الطور الأمريكي من الهيمنة الغربية؛ ففي سنة ١٩٤٥م هيمنت أمريكا بوقت قصير على ما يضاهي تقريبًا ما استحوذت عليه جميع القوى المتحالفة في سنة ١٩١٨م، وأدى التحرر من الاستعمار الذي أعقب الحرب إلى التقليل أكثر من التأثير الأوروپي، لكنه لم يقلل من تأثير الولايات المتحدة التي استبدلت بالإمپراطورية الإقليمية التقليدية استعمارًا جديدًا يتخطى حدود الدولة».
ويقول روبرت كيجن في دراسته «الاستفزازية والعميقة» - كما يصفها السيناتور چون ماكين John McCain - (٣) : «وبعد قرنين اثنين تبادل الأمريكيون والأوروپيون موقعيهما ونظرتيهما. وكان سبب ذلك - جزئيًا - هو أن معادلة القوة شهدت خلال ذينك القرنين وبخاصة في العقود الأخيرة تحولًا دراميًا مثيرًا: حين كانت الولايات المتحدة
стр. 95
ضعيفة، مارست استراتيچية المداورة، واستراتيچيات الضعف القائمة على المكر. أما الآن، وقد باتت الولايات المتحدة قوية، فهي تتصرف تصرف الدول القوية. عندما كانت الدول الأوروپية الكبرى قوية، بقيت مؤمنة بالجبروت والمجد العسكري. أما الآن فهي ترى العالم بعيون قوى أضعف».
لذا، «فمع حلول عام ١٩٤٧م رأى الرسميون البريطانيون أن الولايات المتحدة ستبادر سريعًا إلى "انتزاع مشعل قيادة العالم من أيدينا المتجمدة"، وباتت أوروپامعتمدة على الولايات المتحدة على صعيد أمنها الخاص كما على مستوى أمن الكرة الأرضية» (١).
ويعلل كيجن ذلك بأن «الثقافة الاستراتيچية الأوروپية الحديثة تمثل رفضًا واعيًا للماضي الأوروپي، ونفورًا من شرور سياسة القوة (ماختپوليتيك Machtpolitik) الأوروپية (٢).
إنها انعكاس لرغبة الأوروپيين الجامحة والمفهومة في عدم العودة إلى ذلك
стр. 96
الماضي أبدًا ... وليس الاتحاد الأوروپي بالذات إلا النتاج الذي أفرزه قرن مرعب من الحروب الأوروپية» (١).
لذا، فإن وجهتي النظر المختلفتين هاتين، بين أمريكا وأوروپابالتحديد، ما لبثتا - بطبيعة الحال - أن «تمخضتا عن تقويمات متباينة للتهديدات وللوسائل المناسبة للتعامل معها، وعن حسابات مختلفة للمصالح، وآراء متغيرة حول قيمة القانون الدولي ومغزى المؤسسات الدولية» اهـ (٢).
الارتباك الفكري يهدد القيادة الأمريكية للنظام العالمي الجديد:
من المعلوم أن النظام الدولي القديم الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية كان يستند إلى قطبية ثنائية متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تتزعم المعسكر الرأسمالي الغربي، والاتحاد السوفييتي الذي كان يتزعم المعسكر الاشتراكي، وقد تأرجح هذا النظام ما بين الحرب الباردة، والتعايش السلمي والوفاق، وشكلت مناطق العالم الثالث في ظله ساحات للتنافس والمواجهة بين القطبين.
ولكن التحولات التي شهدها الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان أوروپاالشرقية منذ منتصف الثمانينات، والتي انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى، وانهيار الأحزاب الشيوعية في تلك الدول وقيامها بتبني التعددية السياسية، وأشكال من الديمقراطية الليبرالية (٣) والاقتصاد الحر على الصعيد الداخلي، واتجاهها نحو الانفتاح على المعسكر الغربي والانخراط في الاقتصاد العالمي على الصعيد الخارجي، هذه التحولات وضعت النهاية للنظام الدولي القديم، وأسهمت ضمن عوامل ومتغيرات أخرى في وضع الأساس لبروز نظام عالمي جديد. وكان من الطبيعي أن تقود الولايات المتحدة
стр. 97
الأمريكية هذا النظام الجديد؛ إذ أضحت القوة العالمية الأبرز في هذه المرحلة من تطور النظام العالمي (١).
كان النظام العالمي الجديد - ببساطة شديدة - هو نظام المنتصر، وكل منتصر في حرب كبرى كان يفرض نظامه الذي يبتغي تدويله ويعتبره (جديدًا). وكان هذا النظام يبقى ما بقي سيده قادرًا على فرضه وتثبيت أركانه (٢).
لكن ثمة مشكلة باتت تهدد القيادة الأمريكية لهذا النظام العالمي الجديد، يلخصها الباحث محمد سيف حيدر النقيد في قوله (٣): «خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين، سادت الساحة الأمريكية حالة من الارتباك الفكري و (فقدان اليقين النظري) بشأن مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى مهيمنة. وعلى الرغم من حالة التآكل التي كانت تعيشها الكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي - قبل انهياره في عام ١٩٩١م -، فإن ثمة أطروحات ودراسات قد أخذت في الرواج والانتشار تؤكد تراجع المكانة العالمية للولايات المتحدة، وتتنبأ بانحطاط القوة الأمريكية العظمى وانهيارها الحتمي.
في هذا الجو الملبد بغيوم (التشاؤمية الثقافية) - بحسب تعبير المؤرخ الأمريكي آرثر هيرمان Arthur Herman -، نشرت مجلة (ذي واشنطن كوارترلي The Washington Quarterly) الرصينة في شتاء ١٩٩٠م مقالة لافتة للانتباه لجريجوري فوستر Gregory Foster (٤) ، وهو أحد الباحثين الاستراتيچيين الأمريكيين، شكا فيها أن الأبحاث الاستراتيچية الأمريكية ذات منهج محدود؛ إنه منهج تجريبي وپراجماتي Pragmatic (٥) وبلا نظرية، ولا يخرج عن إطار الخبرة في
стр. 98
(إدارة الأزمات) وعن خطط السياسات اليومية والمرحلية. وانطلاقًا من هذا النقد، دعا فوستر إلى إبداع نظرية جديدة للاستراتيچية الأمريكية، نظرية مؤسسة على المفاهيم الفلسفية.
ولم يمض وقت طويل (أقل من عامين)، حتى ظهرت، أو بتعبير أكثر دقة، تبلورت النظرية التي طالب بها فوستر. ووسط مظاهر الدهشة والذهول وعدم القدرة على التنظير، ثمة حجر كبير يقذف في بركة الفكر الأمريكي الراكدة، وفي مستنقع الأيديولوچيات التقليدية البالية.
ففي عام ١٩٩٢م، أصدر المفكر الأمريكي ذو الأصول اليابانية، فرانسيس فوكوياما، كتابه الذائع الصيت (نهاية التاريخ وخاتم البشر The End of History and the Last Man)، الذي طور فيه أفكاره النظرية حول (نهاية التاريخ)، التي سبق أن وضع خطوطها الأولى في صيف عام ١٩٨٩م في مقالة شهيرة حملت ذات العنوان ولكن بصيغة تساؤلية حذرة، نشرتها مجلة (ذي ناشيونال إنترست) اليمينية المعروفة (١)، وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصبح الكتاب (إنجيل) المجتمع الأمريكي المثقف.
ورغم أن فكرة نهاية التاريخ لم تكن فكرة جديدة وخصوصًا في الساحة العقائدية والفكرية والفلسفية، فإن الوضع العالمي في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات، ساهم بقوة في إذكاء الجدل حولها ... وقد لوحظ في هذا الصدد أن المرحلة التاريخية التي تُستَقبل فيها الأفكار هي التي تعطيها وزنًا تفاعليًا أو تواصليًا» اهـ.
ولو استعرضنا سريعًا أصول هذه النظرية، والتي صيغت كما عبَّر البعض (بروح انتصارية)، نذكر أن «نقطة انطلاق فوكوياما تذهب إلى ما يمكن أن يُسمَّى بـ (التفسير المادي للتاريخ في صورته الرأسمالية)؛ فإنه يرى إمكان أن يجري تفسير التطور في التاريخ جزئيًا، بناء على أساس اقتصادي، أي أن العامل الاقتصادي هو أحد المحركات الرئيسية في التطور التاريخي. ولكن هذا التطور يؤدي إلى الرأسمالية بدلًا من الاشتراكية بالنتيجة النهائية. وبهذا يوجد للتاريخ نهاية، ونهاية التاريخ هي الليبرالية الديمقراطية في
стр. 99
السياسة الرأسمالية في الاقتصاد، ويشكل هذان معًا وجهتين لنظام واحد، والتاريخ له نهاية ليس كسلسلة من الأحداث، إذ إن وقوع الأحداث بالطبع سيستمر في التاريخ، وإنما التاريخ له "صيرورة واحدة مستمرة تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى، إلى أن تصل غايتها ونهايتها". ونهاية التاريخ هي النظام الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي» (١).
وكما أن للتاريخ خاتمة أو نهاية، فإن الإنسان الذي يعيش في هذه المرحلة النهائية يعد بمثابة (خاتم البشر)، وخاتم البشر - في نظر فوكوياما - هو ذلك الرجل الذي يصفه فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (١٨٤٤ - ١٩٠٠ م) بـ «العبد الظافر» (٢)، أي الإنسان المنتصر، الذي ينعم بالحياة في ظل الديمقراطية الليبرالية.
وإلى أن تنتشر هذه الصورة النهائية للتاريخ، فإن العالم في نظر فوكوياما سوف ينقسم في المستقبل المرئي إلى «شطر قد تخطى التاريخ، وشطر لا يزال غارقًا في التاريخ» (٣).
يقول فوكوياما في خاتمة كتابه (٤): «لن تكون البشرية عندئذ ألف زهرة تتفتح في صور وأشكال متباينة، وإنما ستكون بمثابة قافلة طويلة من عربات متشابهة. قد يتجه بعض هذه العربات صوب المدينة في حركة حادة مفاجئة، وقد يعود بعضها إلى الصحراء، وقد تتعطل عجلات بعضها أثناء صعودها الجبل. وقد يهاجم الهنود الحمر عدة عربات فيشعلون فيها النار ويهجرها ركابها في الطريق. وقد تُذهِل المعركة عددًا من الركاب، فيفقدوا كل إحساس بوجهتهم، ويتجهوا - مؤقتًا - في الطريق الخطأ. وقد تتعب عربة أو عربتان من الرحلة فيقرر ركابها الإقامة الدائمة في معسكرات في نقط معينة من الطريق. وقد يجد آخرون طرقًا بديلة إلى الطريق الرئيس، رغم أنهم سيكتشفون أنهم من أجل اجتياز السلسلة الأخيرة من الجبال عليهم أن يستخدموا نفس النفق الذي سيستخدمه غيرهم. غير أن الغالبية العظمى من العربات ستمضي في رحلتها البطيئة إلى المدينة،
стр. 100
وسيصل معظمها إليها. والعربات متشابهة حتى مع اختلاف ألوانها والمواد المصنوعة منها. غير أن لكل منها عجلات أربع، وتجرها جميعًا الخيول، وبداخل كل منها عائلة يساورها الأمل، وتدعو أن تكون الرحلة رحلة آمنة. ولن تؤخذ الاختلافات الظاهرة بين حالة العربات على أنها تعكس اختلافات دائمة وحتمية بين ركابها، وإنما سينظر إليها باعتبارها نتيجة لاختلاف مواقعها على طول الطريق» اهـ.
...
العالم من الثنائية إلى الأحادية القطبية:
في عالم ما بعد الحرب الباردة، حيث تحول النظام العالمي من (الثنائية القطبية Bipolar Order) الأمريكية-السوفيتية، إلى (الأحادية القطبية Unipolar Order) الأمريكية، وجدت الولايات المتحدة نفسها منفردة بسلطة القرار السياسي الدولي، وأضحت تعاني من انفراط القوة أو مما يطلق عليه القوة الخارقة Super Power، أو Hyperpuissance، بحسب المفهوم الذي طرحه وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فيدرين Hubert Védrine في وصفه للولايات المتحدة (١).
ولقد فسَّر الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون Bill Clinton نهاية الحرب الباردة على أنها «دلالة على (اكتمال الزمن)، في إشارة توراتية إلى اللحظة التي اختار الله فيها تحول التاريخ. ولأن القرن العشرين الملطخ بالدماء كان يشارف - وقتذاك - على نهايته، في حين أن الوعد الإلهي بنشر السلام على الأرض لم يتحقق، فإن أعضاء السياسة الخارجية الأمريكية وبينهم كلينتون نفسه، رأوا لهذا السبب أنه أصبح لزامًا على الولايات المتحدة الأمريكية الآن، بما أنها ارتقت لمصاف القوة العظمى الوحيدة، إكمال عمل الله، أو - كما يفضل أعضاء من النخبة الأمريكية المتعلمنة القول - أن تقود التاريخ نحو وجهته المقصودة» (٢).
стр. 101
يقول الدكتور ناظم الجاسور (١): «وعندما تطرح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها باعتبارها القطب الأوحد أو القوة الخارقة، فإن ذلك يرجع إلى فلسفة دينية ثالوثية مقدسة، نهضت قوام الثلاث (الإغريقية-الرومانية) و (اليهودية-المسيحية) و (الوضعية-العَلْمانية). وتداخلت دوائرها وتكاملت حلقاتها عبر مسيرة معقدة كانت المرتكز الرئيس للحضارة الغربية البيضاء التي تكونت فيها أمريكا. ولذلك، فإن عقدة التفوق الحضاري الغربي، أو المركزية الغربية، وما تمخضت عنه من مفهوم (أورپة العالم) الذي يعبر عن (حلم) سيادة الجنس الأبيض الأوروپي على العالم، وما رافقه من مشروع استعماري اندلعت بسببه حربان عالميتان، انقطع إلى بروز تصور أو (حلم) آخر، وهو (أمركة العالم)، أي سيادة القيم والمعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية الأمريكية، وذلك في إطار دورها التاريخي ورسالتها الحضارية في المجتمع الدولي والضامن الرئيس للتنظيم الدولي» اهـ.
أضف إلى هذا أن النموذج الأمريكي للديمقراطية الليبرالية تميز عن نظيره الأوروپي بخاصية مهمة تتمثل في قدرته على الاحتفاظ بنقائه الكامل، وذلك لجملة من العوامل، أبرزها - كما يذكر النقيد - اختلاف التطور التاريخي الذي خضعت له الولايات المتحدة الأمريكية بالقياس إلى التطور التاريخي الذي شهدته الدول الأوروپية؛ فالولايات المتحدة لم تعرف المشكلات التي ترتبت على وجود الإقطاع، وتخلخل المجتمعات الزراعية وسيادة البيروقراطية كما حصل في الدول الأوروپية.
إن الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسها بمنأى عن هذه المشكلات، وبالتالي بمنأى عن الصراع الاجتماعي، مما سمح لها بالبقاء نقية بكل خصائصها الليبرالية الصرفة، وربما هذا هو الذي جعل الولايات المتحدة تعتز بديمقراطيتها وتستهين، في المقابل، بأشكال الديمقراطية الأخرى بما فيها الديمقراطية الپرلمانية الشائعة في دول غرب أوروپا. وهذا الاعتزاز يتضاعف مع استجابة ديمقراطيتها للِّيبرالية الاقتصادية التي تحظى لديها بحضور أعظم.
стр. 102
هذه الأمور مجتمعة أسهمت في حفز الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض نموذجها الخاص للديمقراطية الليبرالية في التعامل الدولي، وذلك عبر سياستها الخارجية، على اعتبار أن هذا يندرج في إطار الخروج بالقيم السياسية الأمريكية إلى خارج الحدود الوطنية ونشرها عالميًا، وهو ما يتسق مع تطلعات الشعب الأمريكي؛ إذ إنه ليس هناك من إيمان، فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية، أكثر عمقًا في النفوس من الإيمان الذي عبر عنه نيل لويس Neil Lewis، المراسل الديپلوماسي لجريدة (النيويورك تايمز The New York Times)، بقوله: «إن التوق لرؤية الديمقراطية على الأسلوب الأمريكي وهي تستنسخ في أرجاء العالم كان محورًا دائمًا في السياسة الخارجية الأمريكية» (١).
بيد أن توجهات السياسة الأمريكية تبدو أعقد من مجرد توصيل رسالة أيديولوچية بسيطة، ويمكن ملاحظة ذلك في ربط الأمن القومي الأمريكي بتنمية الديمقراطية الليبرالية في العالم، وربط هذه الأخيرة بالحفاظ على المصالح الأمريكية، وبهذا بات أمن الولايات المتحدة يعني ضمان مصالحها العالمية بضمان الديمقراطية عالميًا من كل خطر.
وفي ضوء ذلك، أضحت الديمقراطية والدفاع عنها هي الشعار المرفوع مرارًا من قبل واشنطن لتسويغ و (تسويق) أي تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر، في عالم ما بعد الحرب الباردة بدءًا من العراق مرورًا بهاييتي والصومال وكوسوفا وصولًا إلى أفغانستان ثم العراق مجددًا (٢).
ولكن رغم أن الجهات الرسمية في الولايات المتحدة تنفي أي تبنٍّ مباشر أو غير مباشر لنظرية فرانسيس فوكوياما، فإن هذا النفي- في الواقع - لا يعتد به من الناحية العملية (٣).
وقد عبر الرئيس چورچ بوش (الابن) George W. Bush أكثر من مرة عن هذا
стр. 103
التوجه، مؤكدًا أن أمريكا هي «النموذج الوحيد الباقي على قيد الحياة للنجاح الإنساني»، ولذا «يجب أن نقول للعالم إن أمريكا هي هكذا وينبغي أن تتعلموا منا وأن تكونوا هكذا».
وهكذا أصبحت الإدارة الأمريكية أكثر إدراكًا لارتباط مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأمنها ورفاهيتها بما يجري في مناطق العالم الأخرى، وبالتالي أضحت أكثر استعدادًا لاتباع سياسة خارجية نشطة قد تتورط بسببها في صراعات في أماكن متفرقة من المعمورة (١).
زوال (الخطر الأحمر) وظهور (الخطر الأخضر):
ولكن هنا بدت مشكلة، وهي أنه بعد أن زال (الخطر الأحمر) الشيوعي الذي كان يمثل تهديدًا قويًا للغرب بقيادته الأمريكية، صارت أمريكا تفتقر إلى عدو يمكنها من إضفاء صبغة شرعية على تدخلاتها في شئون غيرها، وهذا ما لم تعتد عليه السياسة الغربية على مدار التاريخ ..
ففي الواقع، «أن الغرب، ومنذ أن جعل مركزيته هي المعيار في الفكر والوجود، وهو يحاول (اختراع عدو) أو (صُنعه)، وتقسيم العالم قسمة جغرافية، سياسية، فكرية، أيديولوچية، بل ومعرفية تقوم على شرخ في التفكير لا يستطيع أن يرى الكون إلا من خلال أضداد مزدوجة يحدد كل ضد فيها الآخر ويمنحه هويته (٢).
وإزاء ذلك، وبعد زوال الخطر الشيوعي، كان لا بد للغرب أن يحافظ على بقاء هذه القمة، لكي يبقى هو القوة (الذات) المهيمنة على العالم. كان لا بد إذن من خلق خصم جديد، أولًا في الوعي الغربي، وهذه مهمة المفكرين والمنظِّرين الذين كثيرًا ما يطلب منهم ذلك بطرح الوعي الغربي، وطرح التصورات والأفكار، لتأتي المؤسسة العسكرية
стр. 104
الأمنية والإعلامية لإعداد سيناريوهات التنفيذ على أرض الواقع، وذلك من خلال افتعال صراع جديد مع الآخر لتوريطه في نزاع يعزز مناخ المواجهة ما دامت حصيلتها مطمْئنة، وهي انتصار الأقوى سياسيًا واقتصاديًا، وعسكريًا ومعرفيًا، أي الغرب.
وهذا ما دعا إليه وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كسنچر Henry Kissinger، عندما قال في كتابه الضخم (الديپلوماسية Diplomacy) إن ما تحتاج إليه أمريكا هو تهديد واضح معروف وأيديولوچيا معادية، هاتان الخاصيتان من خصائص الحرب الباردة لم تعودا موجودتين، الأمر الذي يتطلب (خلقهما) بالقوة نفسها. من هنا، جاءت طروحات المنظرين الغربيين لتؤسس لهذه المنطلقات الفكرية الأرضية السياسية والعسكرية والأمنية، وتحددت ساحة الصراع الواسعة چيولوچيتيكيًا (١)، وتشمل هذه الساحة كل الشرق الأوسط بامتداداته الواسعة من شمال إفريقيا حتى آسيا الوسطى» (٢).
ولو تحرينا الدقة لقلنا: إن ساحة الصراع المشار إليها هي ساحة العالم الإسلامي تحديدًا، وكذلك يتبين لنا الإشكال؛ لأن (التعلُّل) بنشر القيم الديمقراطية من أجل التدخل في الشئون الداخلية لدول العالم الإسلامي ليس بالأمر السهل، وذلك لأن الإسلام كما يعلمه المحللون والمُنَظِّرون الغربيون منظومة شاملة قائمة بذاتها ولها وضع السيادة المتعدية للحدود القومية، وهو بالتالي غير قابل لدمج أيديولوچيات وضعية مستوردة في منظومته.
وقد تفطن لهذا الأمر فرانسيس فوكوياما؛ ففي غمرة دفاعه الشديد عن ديمقراطيته الليبرالية، تجده يستثني قائلًا (٣): «... أما الآن فيبدو أن ثمة اتفاقًا عامًا - إلا في العالم
стр. 105
الإسلامي - على قبول مزاعم الديمقراطية الليبرالية بأنها أكثر صور الحكم عقلانية» اهـ.
إذن فلكي يستمر الصراع في هذه الساحة الإسلامية، فلا بد أن يتخذ استراتيچية مغايرة؛ إذ صار البديل الحضاري الجديد، بقوامه الرأسمالي الليبرالي وصبغته المسيحية، صار في مواجهة مكشوفة مع الإسلام، وهذا يعني ضرورة التعديل في المرجعية الأيديولوچية الغربية لمواجهة هذا (الخطر الأخضر) الإسلامي! (١) ..
صمويل هنتجتون يتقدم:
وفي هذا التوقيت، يبرز على الساحة السياسية مُنَظِّر آخر، يدلو بدلوه في مستنقع الأيديولوچيات الغربية، طارحًا نظريته (التشاؤمية) حول اصطدام الحضارات، وهو الأمريكي صامويل هنتنجتون ..
كان هنتنجتون قد وضع الخطوط الأولى - أيضًا - لنظريته في مقالة له نشرتها صحيفة (الشئون الخارجية) الأمريكية في صيف عام ١٩٩٣م.
حملت المقالة عنوان (اصطدام الحضارات؟) (٢)، وجاءت ردًا على إصدار فوكوياما لكتابه في عام ١٩٩٢م (٣). ولقد اقتبس هنتنجتون العبارة نفسها (اصطدام الحضارات) من مقالة للمستشرق الإنجليزي-الأمريكي برنارد لويس (٤) نشرتها صحيفة (الأطلنطي الشهرية
стр. 106
The Atlantic Monthly) في عدد سپتمبر ١٩٩٠م، بعنوان (جذور الغضب الإسلامي) (١).
ووفقًا لما قاله محررو الصحيفة، فإن مقالة هنتنجتون «أثارت نقاشًا طيلة ثلاث سنوات أكثر من أية مقالة قاموا بنشرها منذ الأربعينات» (٢).
وبعد ثلاث سنوات من الجدل والمناقشات - ولا تزال - عزز هنتنجتون نظريته في كتابه الضخم الذي أصدره عام ١٩٩٦م بعنوان (صراع الحضارات وإعادة بناء النظام الدولي).
يذهب هنتنجتون في أطروحته إلى أن «السنوات التي أعقبت الحرب الباردة شهدت البدايات لتغيرات مثيرة في هويات الشعوب والرموز التي تعود لتلك الهويات. وأخذت السياسات العالمية يُعاد صياغتها بما ينسجم مع الخطوط الثقافية» (٣).
يقول (٤): «وللفلسفة التي تتبصر في مصير العالم نظرة مثيرة للاشمئزاز إلى العصر الجديد، أجاد في التعبير عنها مايكل ديبدن Michael Dibdin [١٩٤٧ - ٢٠٠٧ م] في روايته (البحيرة الميتة Dead Lagoon)، حين يقول: "لا يمكن أن يكون ثمة أصدقاء حقيقيون، من دون أعداء حقيقيين. فما لم نكره غيرنا لا يمكن أن نحب أنفسنا". هاتيك الحقائق العتيقة نعود فنكتشفها الآن بألم بعد قرن وأكثر من الانحراف الوجداني. أما أولئك الذين ينكرونها فإنهم ينكرون عائلتهم وتراثهم وثقافتهم وحق ولادتهم، بل ينكرون جوهر أنفسهم! ولن يغفر لهم في شيء. إن الحقيقة المشئومة من بين هذه الحقائق العتيقة التي لا يمكن أن يتجاهلها رجال الدولة والعلماء هي أنه في السبيل الذي تسلكه الشعوب التي تسعى لإثبات هويتها وإحياء العرقية يكون الأعداء ضرورة جوهرية. وتحدث أخطر العداوات على الإطلاق وعلى نحو محتمل عبر خطوط الصدع بين حضارات العالم الرئيسة».
стр. 107
ويرى هنتنجتون أن «السياسات العالمية بعد أن حفزتها حركة (التعصير)، يجري إعادة تركيبها الآن لتكون منسجمة مع الخطوط الثقافية. فتتقارب الشعوب والدول ذات الثقافات المتشابهة لتجتمع معًا. بينما تتباعد الشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة فتفترق. فالتكتلات التي حددتها العلاقات بالأيديولوچية وبالقوة العظمى تنهار فتخلي السبيل لقيام تكتلات تحددها الثقافة والحضارة. ويجري إعادة رسم الحدود السياسية، على نحو يزداد يومًا بعد يوم، لتتلاءم مع الحدود الثقافية: العرقية، والدينية، والحضاراتية. وتحل التجمعات الثقافية الآن محل كتلة الحرب الباردة، وتصير خطوط الصدع بين الحضارات أكثر فأكثر هي الخطوط المحورية للصراع في السياسات العالمية» اهـ (١).
من الملاحظ أن هنتجتون رغم استعراضه في كتابه لنماذج الحضارات المنبعثة - التي وصفها بـ (الثقافات الأهلية) -، والتي يذكر أن انبعاثها يمثل رفضًا، بل وتهديدًا للثقافة الغربية من نواحي عدة، فإنه يعطي اهتمامًا خاصًا لانبعاث الصحوة الإسلامية؛ فعلى الرغم من أنه قَرَنَ في عدة مواضع بين الخطر الإسلامي والخطر (الأصفر) الكونفوشيوسي (٢)، إلا أنه يخصص الإسلام دون غيره بقوله (٣): «أزال انهيار الشيوعية العدو المشترك للغرب والإسلام وجعل كل منهما يرى الآخر هو الخطر الأكبر»، ولقد كان محددًا حينما حصر المسألة في قوله (٤): «إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الغرب هي ليست الأصولية الإسلامية المتطرفة، بل إنها الإسلام نفسه» اهـ.
ولقد أيده الكثيرون في مقالته تلك؛ فكما تذكر الصحافية الأمريكية باربرا فيكتور أنه «منذ سقوط الإمپراطورية السوفيتية، تغيرت ذهنية الأمريكيين تغيرًا قويًّا؛ فقد أصبح الإسلام المتشدد، بدلًا من الشيوعية، هو الشر الأقصى» (٥)، كذلك فقد وصف القس
стр. 108
الإنجيلي هال ليندسي Hal Lindsey المسلمين بأنهم «كالشيوعيين، في أعماق فلسفتهم توق شديد لدفننا جميعًا» (١)، والأمثلة أكثر من أن تحصى ..
ويعكس هذا التأييد مدى نجاح المنظِّرين السياسيين أمثال لويس وهنتنجتون وغيرهما من فرض رؤيتهم على الوعي الجماهيري الغربي، فكما يقول الباحث فاضل الربيعي (٢): «المثير للاهتمام أن معظم ما يُنشر ويُبَث ويُذاع من مواد فكرية وثقافية وسياسية عن العرب، وعالمهم الروحي والسياسي، ومشكلاتهم ومعتقداتهم الدينية وطقوسهم وشعائرهم الدينية، وحتى ملابسهم الغريبة، بات يرتكز على تصورات ومزاعم وأفكار عنصرية عن صدام حقيقي محتمل بين الحضارات».
ويقول إدوارد سعيد - وذلك بعد وصفه لنظرية هنتنجتون بـ «غير المقنعة على الإطلاق» - (٣): «... ولا يعني ذلك أن هنتنجتون، ومن خلفه جميع أصحاب النظريات والمبررات للتقاليد الغربية المتهلِّلة فرحًا، مثل فرانسيس فوكوياما، لم يعودوا يتمتعون بجانب كبير من سيطرتهم على الوعي الجماهيري، بل لا يزالون يتمتعون به» اهـ.
كذلك يذكر روبرت كيجن أنه في استطلاع للرأي رعاه صندوق مارشال الألماني The German Marshall Fund GMF ومجلس شيكاجو للعلاقات الخارجية The Chicago Council on Global Affairs، بين الأول من يونيو والسادس من يوليو ٢٠٠٢م، للتعرف على (التهديدات المحتملة للمصالح الحيوية الأشد خطورة)، جاءت النتيجة عند السؤال عن تهديد (الأصولية الإسلامية) بالإيجاب لدى ٦١% من الأمريكيين مقابل ٤٩% من الأوروپيين (٤).
стр. 109
ولا أظنه يخفى ما تحمله هذه الرؤية الهنتنجتونية من مقاصد خفية لنيل التأييد الشعبي للتحركات التوسعية الأمريكية من أجل السيطرة على موارد النفط ولأمركة الشرق الأوسط (التاريخي) وجعله سوقًا كبيرًا تابعًا للغرب .. وهذا من براعة القوم في الصد عن سبيل الله، ويذكرني بفعل أثو دي لاچيري Otho de Lagery، أو البابا أوربان الثاني كما يحلو لهم تسميته، حينما جيَّش الجيوش الهمجية تحت راية الصليب، دافعًا بها لغزو بلاد المسلمين، مرتكزًا على خلفية ثقافية مشوهة كما تقدم الذكر. وحقيقة أعجبني تلخيص الدكتور چورچ قُرم للمسألة في قوله (١): «الدول الغربية عائدة إلى أهوائها الاستعمارية السابقة بغطاء التنظير حول ظاهرة (عودة الدين) والصراع المحتم بين الحضارات» اهـ.
ورصْد المسألة من هذه الزاوية يجعلنا نعير الاهتمام لما تبنته مجلة (المنابر والنصوص الرمزية Tribunes et Décryptages) في عدد ١٤/ ١٢/٢٠٠٥م، من القول بأن «صدام الحضارات لم تكن نظرية بسيطة حول تطور العلاقات الدولية، إنها برنامج أنشأ في داخل مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة، وفي الأمن الوطني، وهو مرتبط بالمجتمع الصناعي العسكري الموجه نحو خلق عدو استراتيچي وهمي ودائم، لتبرير الاعتمادات العسكرية المتزايدة وتحفيز مبدأ التدخلية العسكرية في المناطق ذات الاحتياطات الپترولية الهائلة، وسهلة الاستخراج والاستثمار. وحول هذه القاعدة فقد تم ابتداع، وبشكل مخادع، مؤامرة إسلامية عالمية واسعة، في حرب ضد الغرب. واعتبرت أحداث ١١ سپتمبر ٢٠٠١م بمثابة إعلان حرب ذات آلية استراتيچية مساوية للحرب الباردة، وإن (القاعدة) تمثل تهديدًا مشابهًا لما كان يمثله الاتحاد السوفيتي (لا بل أكثر خطورة) على النظام الدولي» (٢).
стр. 110
نظرة على علاقة المجتمع الغربي المعاصر بالإسلام:
ولكن قبل أن نقفز إلى أحداث الحادي عشر من سپتمبر وتبعاتها، نناقش مسألة هي من الأهمية بمكان، وهي الموقف الغربي المعاصر من الإسلام ..
ونتوقف قليلًا عند حرب الخليج الثانية (٢/ ٨/١٩٩٠ - ٢٨/ ٢/١٩٩١م)، أو (عملية عاصفة الصحراء Operation Desert Storm) كما أطلقت عليها القوات الأمريكية، والتي قادت فيها أمريكا ائتلافًا دوليًا مكونًا من ٣٤ دولة في مواجهة القوات العراقية.
فلقد بدت هذه الحرب - كما رأى الأمريكيون أنفسهم - «وكأنها الاختبار الحقيقي الأول للنظام العالمي الجديد، حيث وجدت فيها الولايات المتحدة فرصة ذهبية لتؤكد حضورها الطاغي على مسرح الأحداث العالمية، ولتثبت للعالم أجمع أن هناك قائدًا جديدًا منفردًا في الشئون العالمية» (١).
والحاصل أن هذه الحرب (التحريرية!)، مع قرائن صاحبتها، كشفت زيف الادعاءات الأمريكية في رغبتها الخالصة، بل وفي حملها على عاتقها، مسئولية نشر الحرية والعدل والمساواة في الكرة الأرضية تحت غطاء العولمة؛ فكما يذكر هنتنجتون أن «النفاق، وازدواجية المعايير، والاستثناءات، هي الثمن لمطامح العولمة؛ فالديمقراطية مطلوبة لكنها ليست ديمقراطية لو أنها جلبت إلى الحكم الأصوليين الإسلاميين، وحظر تصنيع أسلحة الدمار الشامل يفرض على إيران والعراق ولكنه لا يفرض على إسرائيل ... وحقوق الإنسان هي قضية ذات شأن مع الصين لكنها ليست بقضية مع المملكة العربية السعودية، والاعتداء على الكويتيين أصحاب النفط رُفِض على نطاق واسع ولكن لا يُرفَض أي اعتداء على البوسنيين الذين لا يملكون شيئًا من النفط. إن المعايير المزدوجة في الإجراء العملي هي الثمن الذي لا يمكن تجنبه للمعايير العالمية لأي مبدأ» اهـ (٢).
ثم بعد أن انقضت الحرب، وما تبع ذلك من تعزيز للوجود (الأمريكي/الغربي) في