← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ففي عام ٢٠٠٣م، صدر عن مؤسسة راند دراسة تحليلية لبينارد تحمل عنوان: (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيچيات Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies)، قامت فيها بوضع الخطوط العريضة التي قامت عليها حرب الأفكار، أو حرب القلوب والعقول، مع العالم الإسلامي المعاصر. ولو استعرضنا أهم ما جاء في هذه الدراسة، نجد أن بينارد قامت ابتداءً بتقسيم المسلمين المعاصرين إلى أربعة أصناف، تبعًا لموقفهم تجاه عدد من القضايا الشائكة المختلف فيها؛ فقسمت المسلمين إلى: - أصوليين Fundamentalists. - وتقليديين Traditionalists. - وعصرانيين Modernists. - وعَلْمانيين Secularists. وكل منهم من الممكن أن يلتقي مع الذي يليه في المرتبة على قدر موقفه من بعض هذه القضايا أو كلها. فهذا التقسيم أشبه - على حد وصفها - بالطَيْف Spectrum (١) . ثم تذكر بينارد أن المشكلة تكمن أساسًا في الأصوليين، فهؤلاء مرجعيتهم «ليست الدولة أو الوطن أو الجماعة الإثنية Ethnic [أي العرقية]، ولكنها المجتمع الإسلامي، الأُمَّة The Ummah وذلك مع اعترافها بأن «ليس كل الأصوليين يعتنقون أو حتى يقرون بالإرهاب، على الأقل الإرهاب غير المُمَيِّز Indiscriminate Type of Terrorism، الذي يستهدف المدنيين، وأحيانًا يقتل المسلمين جُملةً مع العدو» (٢). ولكن الفكر الأصولي المنتشر لا يتوافق - في نظرها - مع روح المجتمع العصري، فتقول (٣): «المجتمع الديمقراطي العصري لن يؤيد قوانين الشريعة ... العصرانية لا

стр. 142

تتوافق مع تطبيق عقوبة الموت أو الرجم للزناة، أو قطع الأطراف كعقوبة مقبولة. إنها كذلك لن تتوافق مع التفرقة الجبرية بين الجنسين، والتمييز الصريح المبالغ فيه ضد المرأة في قوانين الأسرة، كذلك القضاء الجنائي، والحياة العامة والسياسية». ولذا فهي تنصح بـ «تجنب زيادة أسلمة Over-Islamizing المسلمين، ولكن تعويدهم على فكرة أن الإسلام من الممكن أن يكون مجرد جزء من هويتهم» (١). وتضرب مثالًا مضللًا بدولة إيران، وبحكومتها ذات المرجعية الدينية، وتقيس عليه قياسًا فاسدًا؛ فتذكر أنه على الرغم من وجود هذه المرجعية فينتشر بين شبابها الزنا والخمر والمخدرات ... ثم تقول (٢): «النموذج الإيراني يقدم لنا تجربة بسيطة تبرهن على إبطال دعوى أن المشكلة تكمن في الحرية الموجودة في النظام الديمقراطي الغربي، والتطبيق القهري للإسلام هو خير إجابة على ذلك. إن نموذج فشل الحكومة الإسلامية في إيران لا بد من نشره على نطاق واسع، إذ إن هذه الحقائق ليست معلومة جيدًا للجماهير المسلمة الذين يميلون إلى الرأي القائل بأن الشريعة تحول دون وقوع الجريمة، وأن التطبيق الصارم للإسلام والشريعة سيقوم بحل مشاكل المجتمع». ثم تقدم شيريل بينارد الحل، والذي - لا ريب - لا يكمن في دعم الأصوليين، فـ «إن دعم الأصوليين ليس هو الصواب، إلا لاعتبارات تكتيكية وقتية» (٣)، ولكن الحل يكمن - في رأيها - في دعم الرؤية العصرانية الإسلامية، تقول (٤): «إن الرؤية العصرانية تتوافق مع رؤيتنا. من ضمن كل المجموعات، تلك هي أكثر مجموعة متجانسة مع قيم وروح المجتمع الديمقراطي العصري». وتضع بينارد خطة عملية للقضاء على خطر الأصولية الإسلامية، والتي نلخص بعضها في النقاط التالية:

стр. 143

دعم العصرانيين أولًا: وذلك عن طريق: - نشر وتوزيع كتاباتهم بأسعار مخفضة. - تشجيعهم على الكتابة لقطاع واسع من الجماهير وخاصة الشباب. - بث أفكارهم في المناهج الدراسية الإسلامية. - جعل آرائهم في المسائل الأصولية للتفسير الديني منافسة لآراء الأصوليين والتقليديين. - عرض العَلْمانية والعصرانية كثقافة معارضة أو بديلة Counterculture للأصولية الإسلامية للشباب المسلم غير المتأثر بها. - تيسير وتشجيع المعرفة بالثقافة والتاريخ الـ (ما قبل) و (غير) الإسلامي، وذلك عن طريق وسائل الإعلام والمناهج الدراسية في البلاد الإسلامية. ثانيًا: مواجهة الأصوليين: وذلك عن طريق: - الطعن في تفسيرات الأصوليين للإسلام والتشكيك في صحتها. - إثبات عدم قدرتهم على قيادة البلاد والمجتمعات للوصول إلى تطورات إيجابية. - تضخيم حجم الخلافات والانقسامات بين الأصوليين. - تشجيع الآراء والفتاوى ذات المرجعية الحنفية (ذات الميول العصرانية على حد قولها) على الانتشار، وذلك لإضعاف نفوذ الآراء والفتاوى ذات المرجعية (الوهابية/الحنبلية). - ترويج التصوف الإسلامي (١). - تشجيع الصحافيين العرب في وسائل الإعلام الرائجة على إعداد تقارير عن الحياة الشخصية والفساد الأخلاقي للقادة الأصوليين، ونشر الحوادث التي يستدل بها على وحشيتهم (٢). - تكوين جماعة مقاومة أو رافضة للحديث Counterhadith، وكل ذلك من أجل الذين يأملون في إقامة مجتمع أكثر تسامحًا، متساوٍ، وديمقراطي، عن قناعة بأن

стр. 144

التغييرات التي يتطلعون إليها من غير الممكن أن تكون إسلامية (١). وثالثًا: دعم العَلْمانيين: وذلك عن طريق: - إحباط تحالفاتهم مع الحركات القومية واليسارية المعادية للولايات المتحدة، وتوجيههم إلى معاداة الأصوليين الإسلاميين باعتبار أنهم هم العدو المشترك. - ترسيخ فكرة أن الدين والدولة من الممكن فصلهما في الإسلام مع التأكيد بأن هذا لا يعرِّض العقيدة للخطر، بل على العكس من ذلك، فإنه يقويها (٢). وبحكم إدارتها لقسم (المبادرة من أجل شباب الشرق الأوسط)، تقول بينارد (٣): «نظرًا لصعوبة إقناع الجيل الحالي المتعلق بالحركات الراديكالية الإسلامية بالعدول عن أفكاره، فمن الممكن لنا التأثير على الجيل القادم لو أضفنا رسالة الإسلام الديمقراطي إلى المناهج الدراسية ووسائل الإعلام في البلاد المعنية بالأمر» اهـ. ... توماس فريدمان و (حرب الأفكار): كذلك ممن تصدروا لوضع تكتيكات هذه الحرب الفكرية فيما يتعلق بالعالم الإسلامي هو الصحافي توماس فريدمان؛ ففي الفترة من ٨ إلى ٢٥ يناير عام ٢٠٠٤م قام فريدمان بنشر ست مقالات بجريدة (نيويورك تايمز) (٤)، عنونها بـ (حرب الأفكار)، عرض خلالها رؤيته الخاصة لهذه الحرب .. يقول فريدمان (٥): «خلال الأسابيع القليلة الماضية، كنت أجتهد لوضع التكتيكات

стр. 145

التي من الممكن لنا اتخاذها في الغرب من أجل تقوية نفوذ المعتدلين في العالم (العربي/الإسلامي) لخوض حرب الأفكار ضد القوى المتعصبة داخل مجتمعاتهم، حيث الحرب الحقيقة ضد الإرهاب سوف تنتصر أو تخسر». وطرح فريدمان ثلاثة اقتراحات للقضاء على خطر الأصولية الإسلامية، ثم قال (١): «... وأهمها هو إيجاد طريقة لجعل المجتمعات التي يعيش فيها هؤلاء الإسلاميون رادعة لهم من جانبها أولًا؛ فهم أكثر معرفة بهم، وهم القادرون على قمع متطرفيهم ... وما نستطيع فعله هو مشاركة التيارات المعتدلة في هذه المجتمعات من أجل مساعدتهم على خوض حرب الأفكار، لأن ذلك في المقام الأول صراع داخل العالم (العربي/الإسلامي)، ونحن يجب علينا مساعدة حلفائنا هناك، تمامًا كما فعلنا في الحرب العالمية الأولى والثانية». وكان مما نصح به كذلك (٢): «إذا كنا نريد مساعدة المعتدلين للانتصار في حرب الأفكار في العالم الإسلامي، فيجب علينا دعم تركيا كنموذج للديمقراطية والعصرانية» اهـ. ... أندرو ترنبُل و (عملية المنافسة): انتقلت قوانين هذه الحرب إلى أوروپا، وسرعان ما وضعت في إطار التنفيذ، خاصة بعد تفجيرات مدريد في ١١ مارس ٢٠٠٤م، وكذلك بعد اكتشاف أعداد كبيرة من المتفجرات غربي لندن، إذ بعدها كلَّف مجلس الوزراء البريطاني سكرتيره أندرو ترْنبُلّ Andrew Turnbull بوضع خطة لاقتلاع جذور الإرهاب الإسلامي من بريطانيا. وانتهى ترْنبُلّ في مايو ٢٠٠٤م من وضع خطة في أكثر من مائة صفحة، ووضع لها اسمًا رمزيًّا Codename وهو (عملية المنافسة Operation Contest)، والتي وصفها المسئولون بأنها (الأطول أمدًا في حرب الحكومة على الإرهاب The longer-

стр. 146

term phase of the government's war on terrorism). تسربت هذه الوثائق إلى صحيفة (صنداي تايمز) الإنجليزية ونشرها الصحافيان روبرت وينيت ودافيد ليپارد في عدد ٣٠ مايو ٢٠٠٤م تحت عنوان: (خطط بريطانيا السرية للفوز بقلوب المسلمين وعقولهم) (١). وكان أكثر ما جذب انتباهي في هذه الوثائق هو ما صرحت به قائلة ما نصه: «نحن في حاجة لإيجاد الطرق لتقوية جانب القادة المسلمين المعتدلين، بما فيهم الشباب المسلم ذوو الاحتمالية القيادية في المستقبل». علمًا بأن الاعتدال في نظرهم هو ما بينه الصحافيان السالفان الذكر بأسلوب أوضح في مقالة أخرى نشرتها الجريدة ذاتها في عدد ١٠ يوليو ٢٠٠٥م تحت عنوان (عملية المنافسة Operation Contest)، حيث قالا ما نصه: «إن الهدف من وراء (عملية المنافسة) هو إقناع قلوب وعقول المسلمين بسياسة لا تشتمل مبادئها على الدين كعنصر للتمييز Policy initiatives including anti-religious discrimination laws» اهـ. ... أنچل راباسا و (بناء شبكات إسلامية معتدلة): أخيرًا وليس آخرًا، ففي ٢٦ مارس ٢٠٠٧م، أصدر مركز راند للأبحاث تقريرًا متممًا لسلسلة التقارير التي أصدرها لتحديد الأطر الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سپتمبر. أعد هذا التقرير أنچل راباسا Angel Rabasa، وهو باحث أكاديمي شغل عددًا من المناصب المهمة في كل من وزارتي الخارجية الأمريكية والدفاع، وله عدد من الكتب والدراسات حول العالم الإسلامي.

стр. 147

واشترك كذلك في إعداد التقرير كل من: شيريل بينارد، ولويل شفارتز Lowell H. Schwartz، وپيتر سيكل Peter Sickle. استغرق إعداد هذا التقرير ثلاثة أعوام كاملة، وقام معدوه بالعديد من الزيارات واللقاءات مع الكثير من المفكرين والإعلاميين في الولايات المتحدة وأوروپاوالعالم الإسلامي من أجل جمع المعلومات، وهذا ما يميز التقرير من الناحية البحثية والأكاديمية. يحمل التقرير اسم (بناء شبكات إسلامية معتدلة Building Moderate Muslim Networks)، وقد رصد الدكتور باسم خفاجي جزاه الله خيرًا هذا التقرير وقدَّم له قراءة تحليلية كبيرة النفع نشرها المركز العربي للدراسات الإنسانية، العدد رقم ٤، الصادر في ربيع الآخر من عام ١٤٢٨هـ/مايو ٢٠٠٧م. نقف هنا على أهم ما جاء فيها - فيما يتعلق بدراستنا - مع العزو إلى النص الأصلي للتقرير الذي حصلنا على نسخة منه. يؤكد التقرير في البداية على فاعلية حرب الأفكار التي تخوضها أمريكا مع العالم الإسلامي، والتي استخدمتها في حربها الباردة ضد الشيوعية، حيث يرى التقرير «أن الطريق الصحيح هو بناء أرضية دولية للمسلمين من أعداء التيار الإسلامي كما تم إيجاد منظمات معادية للشيوعية في غرب أوروپاأثناء الحرب الباردة» (١). ويعقد التقرير مقارنة بين بيئة الحرب الباردة وبيئة الشرق الأوسط المعاصر لتوضيح الفروق العملية بين المعركة الفكرية الشيوعية والمواجهة الحالية مع الإسلام (٢). وكانت المشكلة الفعلية التي تم ملاحظتها، والتي كشفت عن تناقض السياسة الأمريكية وازدواجية معاييرها التي أشار إليها هنتنجتون من قبل، هي أن مساعيها لنشر القيم الديمقراطية الليبرالية في المنطقة قد أفسحت مجال العمل السياسي للتيارات الإسلامية ذات الشعبية الجماهيرية الكبيرة، مما أدى بها إلى الصعود بقوة ومزاحمة التيارات الأخرى المنافسة على الساحة. وهذا ما لا ترضاه الولايات المتحدة كما بيَّنا.

стр. 148

ولقد أشار راباسا إلى هذه المسألة في تقريره، فكان مما قاله (١): «الدعوة إلى الديمقراطية يمكن أن تضعف نفس الدول التي تشكل جزءًا من البنية الأمنية الحالية التي تدعمها الولايات المتحدة في المنطقة» اهـ. أيضًا، يظهر في التقرير عدولًا بعض الشيء عن الرأي القديم الذي قدمته بينارد في تقرير عام ٢٠٠٣م؛ حيث يرفض التقرير بالعموم فكرة التعاون مع الإسلاميين على مختلف توجهاتهم، وحتى العصرانيين منهم، بدعوى أن التيار العصراني المسلم ليس تيارًا تحرريًا، وأن العصرانيين يحملون بداخلهم رؤى ومواقف محافظة، ولذا لا يجب دعمهم أو مساندتهم؛ فإن الدعم سيعطي للإسلاميين المزيد من المصداقية ويساعد في نشر دعوتهم، وتكلفة ذلك باهظة في المستقبل. ولكن في المقابل، يرى التقرير أن عدم دعم أو مساندة الإسلاميين لا يعني عدم الحوار مع المعتدلين منهم، حيث إن الحوار سيكون بنَّاءً في توضيح موقف كلا الطرفين (٢). كذلك، فعلى الرغم من هذا التحذير الذي احتل عدة مواضع من التقرير، فهو يدعو إلى دعم ومساندة من سماهم (بالدعاة الشباب المعتدلين Young Moderate Clerics)؛ فيرى التقرير أن الحركات العَلْمانية الليبرالية التي لها قاعدة شعبية، ولكنها لا تتقبل بسهولة فكرة استخدام المساجد في الترويج لأفكارها يمكن أن تستفيد من استخدام الدعاة المعاصرين والتفاعل الجاد مع المعتدلين، وخاصة الدعاة الجدد ممن سيصبحون قادة الحركة الدينية في المستقبل. ومن المهم جدًا ملاحظة أن التقرير قد أشار في بداية الفصل الخامس إلى ضرورة التزام هؤلاء الدعاة الجدد بمبادئ الاعتدال كما حددها التقرير، وليس طبقًا لأي معيار آخر (٣). أما عن هذه المبادئ، فلقد وضع التقرير مجموعة من الأسئلة (١١ سؤالًا) التي اعتبرها مقياسًا Criteria للاعتدال، وأن الإجابة على هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان

стр. 149

الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا: فيحذر التقرير من أن التيار الإسلامي يدعي في بعض الأحيان أنه تيار معتدل ولكن وفق تفسير خاص به للاعتدال، وأن وجود قائمة من الأسئلة المختارة والمتفق عليها يمكن أن يحل هذه المشكلة، ويكشف للإدارة الأمريكية نوايا الأفراد والجماعات من التيار الإسلامي ممن يدَّعون أو يطالبون بأن يعاملوا معاملة المعتدلين، وهو ما يجب أن يقتصر - حسب رؤية التقرير - على من يتجاوزون اختبار الاعتدال الأمريكي! وهذه الأسئلة هي (١): ١ - هل يتقبل الفرد أو الجماعة العنف أو يمارسه؟ وإذا لم يتقبل أو يدعم العنف الآن، فهل مارسه أو تقبله في الماضي؟ ٢ - هل تؤيد الديمقراطية؟ وإن كان كذلك، فهل يتم تعريف الديمقراطية بمعناها الواسع من حيث ارتباطها بحقوق الأفراد؟ ٣ - هل تؤيد حقوق الإنسان المتفق عليها دوليًا؟ ٤ - هل هناك أية استثناءات في ذلك (مثال: ما يتعلق بحرية الدين)؟ ٥ - هل تؤمن بأن تبديل الأديان من الحقوق الفردية؟ ٦ - هل تؤمن بأن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات الجنائية؟ ٧ - هل تؤمن بأن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات المدنية؟ وهل تؤمن بوجوب وجود خيارات لا تستند للشريعة بالنسبة لمن يفضلون الرجوع إلى القوانين المدنية ضمن نظام تشريع عَلْماني؟ ٨ - هل تؤمن بوجوب أن يحصل أعضاء الأقليات الدينية على نفس حقوق المسلمين؟ ٩ - هل تؤمن بإمكانية أن يتولى أحد الأفراد من الأقليات الدينية مناصب سياسية عليا في دولة ذات أغلبية مسلمة؟ ١٠ - هل تؤمن بحق أعضاء الأقليات الدينية في بناء وإدارة دور العبادة الخاصة بدينهم

стр. 150

(كنائس أو معابد يهودية) في دول ذات أغلبية مسلمة؟ ١١ - هل تقبل بنظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير طائفية؟ يقول الدكتور باسم خفاجي (١): «إن من يقرأ هذه اللائحة من الأسئلة يدرك على الفور أن تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي لا يعبر إلا عن المصالح الأمريكية الهادفة إلى تحويل المسلمين بعيدًا عن الإسلام تحت دعوى الاعتدال العالمي. إننا أمام محاولة لإعادة تعريف مفهوم الاعتدال داخل المجتمع المسلم بحيث لا يستند التعريف من الآن فصاعدًا إلى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثت عليها الشريعة، وإنما أن يتحول مفهوم الاعتدال إلى مجموعة من المسلمات الغربية التي تقدم للعالم على أنها مبادئ دولية. ومن المتوقع لاحقًا في حال إقرار هذه التوجهات ودفعها في الساحات الفكرية الدولية أن تُمنع شعوب العالم من رفضها أو حتى الاعتراض عليها، بدعوى أن ذلك سيكون اعتراضًا على حقوق الإنسان الدولية أو الشرائع العالمية، كما حدث من قبل فيما يتعلق بما يسمى حقوق الإنسان التي أصبحت حقوقًا للشواذ وحقوقًا لمخالفة الأخلاق والقيم والعادات» اهـ. مما يذكره التقرير كذلك أن وزارة الخارجية الأمريكية تقوم بإعداد قاعدة بيانات مركزية عن الشخصيات الدينية والثقافية المهمة والمؤثرة في المنطقة الإسلامية، وهو ما يشار إليه بقاعدة بيانات الشخصيات المؤثرة Key Influencers، ولكن التقرير لا يوضح الغرض من إعداد هذه القاعدة من المعلومات، أو كيف سيتم استخدامها (٢). كما ينبه التقرير إلى أهمية الإنفاق المالي الأمريكي على الجهود الإنسانية والخدمية في منطقة الشرق الأوسط والعالم المسلم من أجل منافسة التيار الإسلامي الذي يستأثر بالنصيب الأكبر من تقديم هذه المساعدات إلى الفقراء والمحتاجين في العالم الإسلامي. ويشير التقرير بالامتنان والموافقة إلى فكرة تقدم بها دنيس روس Dennis Ross،

стр. 151

المبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط، لإيجاد مشروع أسماه (الدعوة العَلْمانية Secular Da'wa) (١) . ويخلص التقرير في نهاية الفصل الخامس إلى أن استراتيچية بناء الشبكات المضادة للتيار الإسلامي، أو الشبكات المسلمة المعتدلة يجب أن تعتمد على محورين: الأول: التعاون مع المعتدلين من العَلْمانيين في دول الأطراف أو الدول التي يمكن العمل فيها بحرية، والمحور الثاني: عكس مسار الأفكار بحيث تكون من الأطراف نحو المركز؛ فلقد لاحظ معدو التقرير أن التركيز على منطقة الشرق الأوسط هو خيار استراتيچي غير صحيح خاصة في المرحلة القادمة، وذلك لأن العالم العربي هو مركز قوة التيارات المحافظة. لذا، فإن الأنسب للمشروع الأمريكي أن يركز على الأطراف، وليس على المركز. وفي هذا الإطار يوصي التقرير باستخدام المسلمين في الغرب في الحملة الداعية إلى الاعتدال بالمفهوم الأمريكي، وكذلك التركيز على استخدام آسيا (جنوب شرق آسيا) في مواجهة الشرق الأوسط .. أو غير العرب في مواجهة العرب، وأن يتم تبني الأعمال الفكرية المعتدلة من تلك المناطق وترجمتها ونشرها في العالم العربي. ويذكر التقرير التجربة الآسيوية القائمة حاليًا لتحقيق ذلك الهدف، ويركز على مثال إندونيسيا كنموذج مهم لقدرة التيار المتحرر على صياغة أچندة الحراك الفكري والإعلامي لخدمة قضايا المعتدلين بالمفهوم الأمريكي له. وقد تم مؤخرًا إنشاء مؤسسة جديدة اسمها LibForAll Foundation (مؤسسة الحرية للجميع) في أمريكا، بهدف ترجمة كتب ومقالات التيار التحرري الذي يتزعمه مجموعة من المفكرين الإندونيسيين إلى العربية والإنجليزية، ونشرها على الإنترنت، وكذلك توفيرها في شكل كتب مطبوعة للمهتمين (٢). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ

стр. 152

تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (١). ... والآن، وبعد أن وضعنا في هذا المبحث تصورًا عامًا لعلاقة الغرب بالإسلام، نستكمل في الفصل التالي رصد قضية (ازدواجية المعايير) النصرانية الغربية، ولكن فيما يتعلق هذه المرة بالعالم اليهودي، ولا ضير؛ فكما يذكر الدكتور قاسم عبده قاسم وفقه الله (٢): «لم تكن الحركة الصهيونية التي أفرزها الغرب الأوروپي نفسه سوى تكرار جديد للحركة الصليبية سبقته مشروعات عديدة لم تتوقف منذ نهاية الوجود الصليبي في القرن الثالث عشر، حتى بداية المشروع الصهيوني، ثم تحقيقه في منتصف القرن العشرين». وهذا ملخص ما سنفصله في الفصل التالي ..

стр. 153

الفصل الثالث: الصهيونية، رؤية مغايرة

стр. 154

- - ﴿مدخل﴾ - - «إن لم يجد العقل الإنساني نموذجًا تفسيريًا ملائمًا لواقعة ما، فإنه يميل إلى اختزالها وردِّها إلى أياد خفية تُنسَب إليها كافة التغييرات والأحداث» [المسيري] (١) منذ قرابة أربع سنوات، فرغت من إعداد مسودة هذا البحث، وأذكر أني حينها شعرت وكأني قد قدمت ما لم يسبقني إليه أحد فيما يخص كشف المؤامرة اليهودية (المشَّيحانية) الساعية في إقامة مُلك المسيح المنتظر (ابن داود) (٢) الذي ستنقاد إليه جميع الأمم (٣)؛ بدءًا بمحاولة (القوة الخفية) قتل المسيح ابن مريم ﵇ الذي دعاهم إلى مملكة روحية ليست من هذا العالم (٤)، وما تبع ذلك من فتن ومؤامرات أحدثوها في مشارق الأرض ومغاربها اتفقت في غايتها وإن لم تتفق في التدبير - على قول البعض - (٥)، وما تمخضت عنه من ميلاد للدولة الصهيونية اللقيطة في الرابع عشر من مايو عام ١٩٤٨م، تحقيقًا لوعد الرب: «سأخلِّص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس. وأجيء بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعبًا وأكون لهم إلهًا بالحق والصدق» (٦)، ممهدين بذلك الطريق لقدوم مسيحهم الدجال، «شر غائب يُنتظَر» (٧)، والذي سيقود شعبه

стр. 155

«وبأيديهم سيف ذو حدَّين. ينتقمون من جميع الأمم ويؤدبون جميع الشعوب. يقيدون ملوكهم بالقيود وأمراءهم بسلاسل من حديد. ينزلون بهم القضاء المكتوب» (١). وبعد أن طبعت المسودة عرضتها على أحد من أثق برأيهم. تلقيت منه ثناءً حسنًا على حسن التنسيق والإعداد، ولكني صدمت بقوله - الذي مفاده - أني لم أضف شيئًا جديدًا!! حقيقة شعرت بالحزن المخلوط بالتعجب؛ فلم أكن أتوقع أن يكون أحد قد قدم هذا الموضوع على الوجه الذي قدمته به، وسوء تقديري هذا للأمر كان مرده - كما أحسب - إلى العُجب وضيق الاطلاع، ورحم الله الإمام ابن الجوزي (ت. ٥٩٧هـ) إذ يقول (٢): «أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنه كافيًا استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة، والمذاكرة تبين له خطأه» اهـ. ولكن اليأس - بفضل الله وكرمه - لم يجد إليَّ مسلكًا، وشعرت بأن ما حدث هو من رحمة الله تعالى بي. فأصررت على إكمال المسير، وتوقفت عن الكتابة لفترة، وعكفت على الاطلاع وإعادة النظر في المسألة. وكان همي - لا يزال - هو تقوية مصادر البحث وإضفاء الجديد المميَّز، ولكن على الوجه الذي يخدم المسار ذاته! وكان مما وقفت عليه هو مصنَّف الباحث الدكتور العلَم عبد الوهاب المسيري رحمه

стр. 156

الله تعالى (١٩٣٨ - ٢٠٠٨م) الفريد في بابه، (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) (١). فحينما تصفحت فهارسه شعرت وكأني أخوض بحرًا لجِّيًا لا يُرَى ساحله على مرمى البصر، وحينها علمت أن الأمر سيطول! انتقيت من الموسوعة المباحث المتعلقة بموضوعي، وأذكر أن أول ما بدأت به كان المبحث المتعلق بپروتوكولات حكماء صهيون، المدون في المجلد الثاني من الموسوعة. وهنا كانت صدمتي الثانية!!؛ حيث إني لم أجد فيما ذكره ما يخدم هدفي مطلقًا! بل على العكس، وجدت المبحث يتخذ مسارًا معاكسًا تمامًا لما اتخذته في بحثي. أعدت القراءة عدة مرات، ولكن لا جدوى. فأخذت أجول بين صفحات الموسوعة ناشدًا ضالتي، ولكن الذي تبين لي أنها ما اتخذت هذا الطريق في الأصل! غير ذلك، فقد أصبت بحالة من الذهول من سعة اطلاع الرجل وعمق تفكيره، بل ومن وعورة أسلوبه كذلك، رحمة الله تعالى عليه. وقتها استشعرت ضآلة حجمي، وأبقيت البحث قيد التنفيذ لحين وضوح الرؤية التي

стр. 157

تشوشت بداخلي نتيجة الصدمات المتتالية! كان مما أثار انتباهي كثرة حديث الدكتور المسيري ﵀ عما سماه (النموذج الاختزالي والنموذج المُرَكَّب)؛ حيث أصَّل هذا التعريف في المجلد الأول من موسوعته وأفرد له بحثًا مستقلًا، ثم طبَّق هذا الأصل على باقي مباحث الموسوعة. وشعورًا مني بأن قارئ هذه الورقات قد أُغلِق عليه فهم ما أرمي إليه في حديثي، فإني أُصَدِّر هذا الفصل بمدخل أتناول فيه إشكالية الاختزال والتركيب هذه، ولعل دافعي هو الرغبة في تكوين رؤية أكثر دقةً وعمقًا وأكثر واقعية ومنطقية وانضباطًا بالشرع لتقدير حجم العدو الذي يواجهه العالم الإسلامي، وكما قال نبي الله شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١). ... فبدايةً .. ما المقصود بالنموذج الاختزالي والمركَّب؟ النموذج الاختزالي: يعرِّفه الدكتور المسيري بأنه «النموذج الذي يتجه نحو اختزال العالم إلى عدة عناصر (عادةً مادية) بسيطة. فالظواهر، حسب هذا النموذج، ليست نتيجة تفاعُل بين مركَّب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة، والمجهولة من جهة، وإرادة إنسانية حرة وعقل مبدع من جهة أخرى، وإنما هي نتاج سبب واحد بسيط عام أو سببين أو ثلاثة (قد يكون قانونًا طبيعيًا واحدًا، أو دافعًا ماديًا واحدًا، أو قوة مدبرة خارقة)، تنطبع على عقل متلق لهذا القانون أو الدافع أو القوة ... ومهما تنوَّعت الأسباب وتعدَّدت، فإن التنوع والتعدد من منظور النموذج الاختزالي مسألة ظاهرية، إذ إن كل الأسباب عادةً ما تنحل كلها وتمتزج، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، لتصبح مبدًا واحدًا ثابتًا لا يتغيَّر، تخضع له كل الظواهر بشكل مباشر يُلغي كل الخصوصيات والثنائيات وأشكال التنوع. ولهذا السبب فإن النماذج الاختزالية نماذج مطلقة مغلقة ترى التاريخ كيانًا يتحرك بطريقة واحدة ونحو نقطة واحدة. وأحداث التاريخ والواقع الإنساني ككل هي نتاج بطولة بطل أو بطلين، أو نتاج عقل واحد متآمر وضع مخططًا جبارًا وصاغ الواقع حسب هواه،

стр. 158

أو نتاج نظرية ثورية فورية أو فكرة انقلابية جذرية أو عودة مشيحانية أو حتمية تاريخية أو بيئية أو وراثية أو العنصر الاقتصادي أو الدافع الجنسي». أما النموذج المركب: فهو النموذج الذي «يحوي عناصر متداخلة مركبة (أهمها الفاعل الإنساني ودوافعه) بحيث يعطي الإنسان صورة مركبة عن الواقع ولا يختزل أيًا من عناصره أو مستوياته المتعددة أو تناقضاته أو العوامل المادية والروحية، المحدودة واللامحدودة والمعلومة والمجهولة، التي تعتمل فيه. وهو النموذج الذي لا يمكنه أن يطرح نهاية للأشياء بسبب تركيبيته، فهو نموذج تفسيري اجتهادي منفتح وليس نموذجًا موضوعيًا متلقيًا ماديًا» اهـ (١). ونحن حينما نتعرض للتاريخ اليهودي على وجه الخصوص، نجد الدكتور المسيري يعرفه بأنه «مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية المتأثرة بها. وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة. ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية» اهـ (٢). المسألة كما يتبين من الوهلة الأولى معقدة بعض الشيء ومتشعبة المسالك. ولذا، فإن المتجه لدينا - لعدم الاستطراد - هو تبيان خطورة سيطرة هذه الرؤية الاختزالية للتاريخ اليهودي على الفكر الإسلامي المعاصر، مع الاجتهاد في وضع الأمور في نصابها الشرعي الصحيح، لعلي أكون صاحب أجرين إن أصبت، أو أجر واحد إن أخطأت ..

стр. 159

فنقول: إن المتتبِّع يلاحظ أن الرؤية السائدة المسيطرة في كثير من أحوالها على العقلية الإسلامية فيما يخص التاريخ اليهودي (المقدس) هي ذات الرؤية التي نجح الإعلام الصهيوني الخبيث في الترويج لها؛ «فكتابة التاريخ هي نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبما أن الحاضر يتغير على الدوام، فإن نقطة الالتقاء هذه في حركة مستمرة، ومن خلال هذه النقطة، أي قراءة التاريخ، يستطيع المؤرخ أن يتسلل إلى العقل الفردي والجماعي بتقديم النماذج التاريخية والمواقف التي تخدم أهدافه» (١). والرؤية (المقدسة) للتاريخ اليهودي، تتمثل في المتتالية الآتية: (نفي وشتات - إحساس يهودي دائم بالنفي والرغبة في العودة - قدوم المسيح - عودة وسيطرة تحت قيادته). ولقد أحدث الصهاينة بعض التصرف في هذه المتتالية فصارت على النحو التالي: (نفي وشتات - إحساس يهودي دائم بالنفي والرغبة في العودة - عودة مجموعة من اليهود (عودة مادية فعلية) للإعداد لقدوم المسيح - قدوم المسيح - عودة وسيطرة تحت قيادته). علمًا بأن الرؤية الإسلامية لهذه المتتالية لا تدور - بالطبع - في إطار التسليم بتحققها في المستقبل على الوجه الذي يبثه الصهاينة، وإنما تدور في إطار الاعتقاد في مساعي اليهود المنظمة المتصلة - منذ النفي إلى العودة - لتحقيقها. وهذا قول رد، وهو زور وبهتان، دعمه - في نظري - أمران: الأول: هو التأييد الحالي لغالب اليهود للصهيونية ودعمهم إياها، حتى صارت كلمة يهودي ترادف في غالب أحوالها كلمة صهيوني (٢). والثاني: هو الترويج الواعي وغير الواعي لما جاء فيما يعرف باسم (پروتوكولات حكماء صهيون) وما شابهها، والتي يقول عنها الدكتور المسيري (٣): «لا أعرف أحدًا من الدارسين الجادين للظواهر اليهودية والصهيونية يعتمد هذا الكتاب مرجعًا لدراسته» اهـ.

стр. 160

سنرجئ الحديث عن الپروتوكولات إلى حينه .. ولكن، قد يقول قائل: إذا كانت النبرة اليهودية السائدة اليوم هي النبرة الصهيونية، فما الداعي لهذا (الجدل البيزنطي) العقيم؟! أقول: إن هذا الجدل البيزنطي له مغزى، وهو التنبيه على خطورة الاعتقاد في هذه المتتالية التاريخية ثم الترويج إليها على هذا الوجه؛ لأنه وجه زائف يحوي مغالطة ذات شقين: تآمري وعاطفي؛ فعلى الجانب التآمري، فهي بالتالي تخلق شعورًا بوجود مؤامرة عالمية منظمة تضرب بجذورها في عمق التاريخ البشري، كما يقول محمد خليفة التونسي ﵀ (ت. ١٤٠٨هـ) (١): «لليهود منذ قرون خطة سرية غايتها الاستيلاء على العالم أجمع، لمصلحة اليهود وحدهم، وكان ينقحها حكماؤهم طورًا فطورًا حسب الأحوال، مع وحدة الغاية» اهـ. فالمُعتقَد لدى الكثير منَّا أنه منذ أن تآمر ملك اليهود هيرودس أجريپا Herod Agrippa (١٠ ق. م-٤٤م) ورهط آخرون على قتل المسيح ﵇ اعتقادًا في تجديفه، وبعد أن عاقبهم الله تعالى وقطَّعهم في الأرض أممًا، سعى اليهود مساعي جادة بطرق شتى للعودة إلى الأرض المقدسة، إلى أن تحقق الحلم في إقامة دولة اليهود Judenstaat التي وضع لبنتها الأولى ثيودور هرتزل Theodor Herzl (١٨٦٠ - ١٩٠٤ م)، ولم يخلُ الأمر حتمًا من وقوع سلسلة من المؤامرات (المتناقضة/المنظمة)! شرقًا وغربًا لنشر الإلحاد والفساد بين الجوييم Goyim أو الچنتيل Gentiles أو الأمميين (٢)، تمهيدًا لظهور المسيح حاكم اليهود المنتظر، والذي لا بد أن يسبق قدومه شيوع للفساد بين الأمميين. فكأن اليهود صاروا بذلك (آلة قدرية) تهيء الأجواء وفقًا لمعتقداتهم، وكأن البشر صاروا بين أيديهم أحجارًا على رقعة الشطرنج، كما يصف وليم جاي كار (١٨٩٥ - ١٩٥٩م) في كتابه المعروف (٣).

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 163

وهذا اعتقاد «لا يقوم على ساقٍ صحيحة ولا ساق عرجاء»! (١). أما على الجانب العاطفي، فلقد روج الصهاينة لهذه الصورة المختزلة للشتات اليهودي، مع إبراز وتضخيم صور العداء لليهود على مر العصور في محاولة لاحتكار دور الضحية واستمالة الرأي العام لصالحهم، بل وتوظيفه في خدمة مشروعهم السياسي الاستعماري التوراتي. وكأن ما وقع بهم من بلاء لا يُنكَر في مختلف البقاع - رغم أنه لم يكن القاعدة - لم يكن نتاجًا لما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، وكأنهم لم يستحقوا وعيد الله تعالى لهم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٢)، بل زعموا أن ما حلَّ بهم إنما جاء نتيجة خطأ إلهي بدر منه في وقت طيش! «وقد اعترف الله بخطئه في تصريحه بتخريب الهيكل، فصار يبكي ويمضي ثلاثة أجزاء الليل يزأر كالأسد قائلًا: تبًا لي لأني صرحت بخراب وإحراق الهيكل ونهب أولادي»، كذلك فإنه «يندم على تركه اليهود في حالة تعاسة حتى إنه يلطم ويبكي كل يوم فتسقط من عينيه دمعتان في البحر فيسمع دويهما من بدء العالم إلى أقصاه، وتضطرب المياه، وترتجف الأرض في أغلب الأحيان فتحصل الزلازل!!»، «ولما يسمع الباري تعالى تمجيد الناس له يطرق رأسه ويقول: ما أسعد المَلِك الذي يُمدَح ويُبَجَّل مع استحقاقه لذلك، ولكن لا يستحق شيئًا من المدح الأب الذي يترك أولاده في الشقاء» (٣)، ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٤).

стр. 164

نحن لا ننكر وجود مؤامرة أكيدة واضحة المعالم، كذلك صحيح هو قول القائل: «إذا كان عدوك نملة فلا تَنَمْ له»، ولكن ما نرفضه هو اختزال هذه المؤامرة وحصرها في هذه الزاوية الضيقة، والتي بالتالي تنسب إلى اليهود قوة عجائبية خارقة يرتد إليها كل الشرور والكوارث العالمية، وهذا بالتالي يزيد من هيبة العدو ويؤدي بنا إلى الفشل في تقدير حجمه الحقيقي، بل ويتجاهل الوجود الفعلي لأعداء أُخَر من غير يهود قد يكونون في كثير من الأحوال أشد خطرًا منهم. كذلك نرفض ربط كل الحوادث والثورات والانقلابات العالمية (كالثورة الفرنسية والبلشفية) واختزالها بكل بساطة في المؤامرة اليهودية العالمية بغض النظر عن مركب الظروف والدوافع المحيطة، لأن هذا من الكسل الفكري، وعقلنا البشري «إن لم يجد نموذجًا تفسيريًا ملائمًا لواقعة ما، فإنه يميل إلى اختزالها وردها إلى أياد خفية تُنسَب إليها كافة التغييرات والأحداث» (١)، وهذه اليد هي اليد اليهودية عادة! وحقيقة أعجبني قول الباحثة الدكتورة ريچينا الشريف (٢): «معظم المؤرخين والمحللين السياسيين يعزون نجاح الصهيونية - الذي بلغ أَوْجَهُ في قيام دولة يهودية في إسرائيل - إلى المواهب السياسية والديپلوماسية لليهود الصهيونيين من أمثال حاييم وايزمان Chaim Weizmann [١٨٧٤ - ١٩٥٢ م]، أو لويس برانديس Louis Brandeis [١٨٥٦ - ١٩٤١ م]، أو ناحوم سوكولوف Nahum Sokolow [١٨٥٩ - ١٩٣٦ م]، الذين عملوا بلا كلل على التأثير في الشخصيات غير اليهودية. ويعزى معظم الفضل في صدور وعد بلفور Balfour Declaration، عادة، إلى وايزمان وطاقاته الجبارة وتصميمه وإخلاصه ... ويندر أن تعزى قصة نجاح الصهيونية لغير اليهود. غير أن مثل

стр. 165

هذه التفسيرات لقوة الصهيونية ساذجة جدًا، إذ إن مواهب وايزمان في الديپلوماسية الدولية والإقناع، مهما بلغت من القوة، ما كانت لتؤتي ثمارها لو لم يكن أشخاص من غير اليهود قد بذروا بذور الصهيونية ورعَوْها قبل ظهور كتاب (الدولة اليهودية) لهرتزل عام ١٨٩٦م» اهـ. فيصح إذن وجود أثر العنصر اليهودي في كثير من الحوادث التاريخية الجذرية، وقد يُقبل أحيانًا في حقهم القول بأنهم «كالملاح الماهر ينتفع لتسيير سفينته بكل تيار وكل ريح مهما يكن اتجاهه، ويسخره لمصلحته سواء كان موافقًا أو معاكسًا له» (١)، ولكن هذا مقبول على المستوى الفردي، أو حتى على المستوى الجماعي لا العالمي، وهو لا ينطبق على اليهود وحدهم، بل وكذلك لا يعني بالضرورة كونهم حكومة العالم الخفية كما يصفهم آرثر شيريپ سپيريدوفيتش (١٨٥٨ - ١٩٢٦م) في كتابه (٢)، فأي حكومة واضحة المعالم منظمة ومقسمة الأدوار والواجبات تقوم على أكتاف قوم قال الله تعالى فيهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣)، وقال تعالى فيهم كذلك: ﴿بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾؟! (٤). وتأمل ما قاله أدولف هتلر في حقهم «بأن روح التضحية لا تتعدى عند الشعب اليهودي نطاق (الأنا) ... فروح التضحية لا تتجلى ما لم يشعر كل فرد بأنه مهدد. والتضامن يصبح واجبًا في حالتين: حيال عدو مشترك أو فريسة مشتركة. فإذا انعدم الحافز تكون الأنانية هي الطابع الغالب، ويصبح هَمّ اليهود أن يكيد بعضهم لبعض وأن ينهش بعضهم بعضًا» اهـ (٥). والمثال قد يكون ساذجًا، ولكنه لا يخلو من إشارة مفيدة: وإلا، فعلام يحمل قول حاييم وايزمان (اليهودي الصهيوني) في مذكراته (٦): «... وفي سويسرا تلك عرفت لينين، وپليخانوف، وتروتسكي، وكان كل هؤلاء يهودًا، إلا أنهم كانوا كلهم يحتقروننا،

стр. 166

نحن دعاة الصهيونية، وكانوا يقولون: إن اليهودي الروسي يجب أن يصلح روسيا وطنه، لا أن يتهرب منها، ويدعو نفسه يهوديًا. وكنت أنا أبادلهم احتقارًا باحتقار، وكرهًا بكره ...»، ومعلوم أن فلاديمير لينين Vladimir Lenin (١٨٧٠ - ١٩٢٤ م) وچيورچي پليخانوف Georgi Plekhanov (١٨٥٦ - ١٩١٨ م) وليون تروتسكي Leon Trotsky (١٨٧٩ - ١٩٤٠ م) وغيرهم هم من رواد الشيوعية الملحدة، وأن أصول كثير منهم يهودية. فكيف تكون إذن حكومة عالمية واحدة كما تذكر الپروتوكولات في ظل مشاعر الكره المتبادلة تلك؟ هل يحمل كلامه على أنه تقية؟! هذا مستبعد. ولقد قال ربنا : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ (١)، فكيف يعتقد إذن أن لليهود حكومة عالمية وأنهم «لا تتأدى بهم الغفلة - وهم يؤسسون إسرائيل في فلسطين أو أقطار الشرق الأوسط - إلى حد نزوحهم جميعًا من أقطار العالم، وتكدسهم في هذه الدولة، وإن كل ما يهدفون إليه هو اتخاذ هذه الدولة مركزًا يتدفق إليه ذهبهم، ويسيطرون منه على التجارة وأعمال الصيرفة العالمية بين الشرق والغرب، وينشرون منه المكايد التي تطيح بالعوائق ضد تسلطهم على العالم. هذا مع احتفاظهم بتشتتهم في أقطار الأرض كما هم الآن، ليسيطروا عليها ويستغلونها، فمن ضاق به العيش في قطره هجره إلى هذه الدولة»؟! (٢). الشاهد: أنه من أجل إعطاء الأمور حجمها الطبيعي، بلا تهوين أو تهويل، لا بد من إخضاعها لمركَّب من الظروف الاجتماعية المحيطة بها. وإن كان اليهود قد برزوا في

стр. 167

الكثير من الحركات الهدامة، على اختلاف اتجاهاتها العقائدية والفكرية، فهو تصديق لقول الله ﷻ : ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، ولقوله تعالى كذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٢)، فهم يسعون في الأرض فسادًا، ولكن سعيهم شتَّى! وإذا صحت الكثير من الوقائع التي يذكرها أصحاب الرؤى الاختزالية للتدليل على نظرياتهم، فكما يقول الدكتور المسيري (٣): «ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما يجتزئونها، ولكن كثيرًا ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهي تُسمَّى بالإنجليزية: True Lies أكاذيب حقيقية)، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي» اهـ. ... الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي: نتفرع هنا إلى مسألة أخرى، وهي إشكالية (الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي)، والتي يطرحها الدكتور المسيري في موسوعته، وقد نختلف معه فيها كثيرًا. ولكن نشير هنا فقط إلى ما يتعلق مباشرة بموضوعنا، وهو قوله في المجلد الرابع تحت عنوان (الاستمرار اليهودي: منظور إسلامي): «من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرقية أحيانًا) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقًا من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة (يهودي) تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة (يهودية) تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك

стр. 168

موروثهم الديني. ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تمامًا مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية ...». وكان من الملاحظات التي سجلها، أنه «من الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح (بني إسرائيل) جاء مخصصًا للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصًا ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين وهما: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ﴾ (١)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢). وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أيًا كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات ... وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالم، وعن مراكز الدراسة التلمودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهودًا. ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلا بد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي (يهودي) و (بني إسرائيل) كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث» اهـ. وجوابًا أقول، مستعينًا بالله: لقد زخر القرآن الكريم بآيات واضحة صريحة دالة على وجود استمرارية بين يهود العالم قديمًا وحديثًا، منها قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٣)، فهذه واحدة. أيضًا، فإن المتأمل في آيات الكتاب العزيز يلاحظ مخاطبة يهود المدينة بلسان حال

стр. 169

قوم موسى ﵇، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (١)، فهل يهود المدينة أنفسهم هم الذين قالوا لموسى أرنا الله جهرة؟ وهل هم الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم؟ وقوله ﷻ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢)، فهل يهود المدينة أنفسهم هم الذين رُفِع فوقهم الطور؟ ومعلوم بالضرورة أن القرآن الكريم هو نفسه الذي يدعو به المسلمون غيرهم شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤). ولذا، فكما قال السعدي ﵀ (٥): «والخطاب مع فرق بني إسرائيل الذين بالمدينة وما حولها، ويدخل فيهم من أتى بعدهم، فأمَرَهم بأمر عام» اهـ. يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (٦): «لم يكن من قبيل المصادفة تحذير القرآن الكريم من عداوة اليهود ووضعهم في مقدمة صفوف أعداء المؤمنين في قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٧)، ولم يكن مصادفة كذلك حديث القرآن المتكاثر عن هذا الصنف من الناس بهذا الشكل اللافت؛ حيث شغل الكلام عن بني إسرائيل واليهود حيزًا كبيرًا في التنزيل الحكيم مكيِّه ومدنيِّه؛ بحيث ورد ذكرهم تصريحًا أو تلميحًا ومسهبًا أو مقتضبًا في نحو خمسين سورة من مجموع المائة والأربع عشرة سورة من سور القرآن. نعم، لم يكن ذلك كذلك قط، فباليقين هناك سر بل أسرار، وبالحتم ثمة حكمة بل حِكَم من وراء استحواذ اليهود على كل ذلك الاهتمام، تحذيرًا وتنبيهًا، وتوضيحًا وتفصيلًا. ولقد كانت الأحداث المتتابعة أثناء عهد تنزيل الوحي كفيلة بكشف أسرار كثيرة، وسبر أغوار عميقة جديرة بأن نقف أمامها طويلًا. فما كاد العهد المكي ينقضي إلا ويجيء العهد المدني كاشفًا بمرور أيامه عن جوانبه الحقيقية، حقيقة العداء اليهودي المتأصل للإسلام وأهله» اهـ.

стр. 170

أضف إلى ذلك أنه ليس من قبيل المصادفة - وحاشاه - ذكر الله تعالى لليهود في فاتحة الكتاب التي نكررها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على أقل تقدير، والتعريف بأنهم: ﴿المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ (١)، كما أخرج الترمذي من حديث عدي بن حاتم ﵁ (٢)، ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣). ولذا، فالرأي هو: أن قول الله تعالى الذي استدل به الدكتور المسيري: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ (٤)، وقوله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٥) مع ما تقدم من آيات يرُد قوله: «فالمجالان الدلاليان لكلمتي (يهودي) و (بني إسرائيل) كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث». وليس حديث الفِرَقُ منا ببعيد؛ فقول رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٦)، لم يخرج السبعين فرقة اليهودية النارية من كونهم يهودًا بالمعنى العام للكلمة (٧)، ولذا فعند القول بوجود يهودي أصولي

стр. 171

أرثوذكسي وآخر حسيدي صوفي وثالث صهيوني ديني أو إثني أو إصلاحي أو ملحد ... إلخ، فمن زاوية حديثنا هنا نقول: إنه لا مشاحة في الاصطلاح، وليس بعد الكفر ذنب، وطالما أن المرء ارتضى لنفسه الانتساب إلى اليهودية، تحت أي فلسفة أو أيديولوچية كانت، فهو يهودي شمله كتاب الله تعالى بالذكر، ونعامله كما أمر ربنا جل وعلا، كلٌ حسب حاله، والقاعدة العامة عندنا هي قول الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ (١). وعليه، وخطابنا هنا على المستوى العام، فإن ما يثار اليوم من القول بأن عداءنا مع الصهاينة لا مع اليهود هو كلام ديپلوماسي أجوف، وتقييد لما أطلقه الله تعالى في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٢)؛ ذلك أن الخلاف بين التيار اليهودي الصهيوني والآخر المناهض له (المتقلِّص) هو خلاف أيديولوچي مرحلي، وكفانا أنه حينما ينطق الحجر والشجر في آخر الزمان فلن يقول: «يا مسلم، يا عبد الله، هذا صهيوني خلفي فتعال فاقتله»! وراجع ما أخرجه مسلم وغيره إن شئت، والله أعلم. ... پروتوكولات حكماء صهيون: بقي لنا أن نتحدث عن حقيقة الوثيقة المعروفة باسم (پروتوكولات حكماء صهيون)، والتي كثر حولها اللغط بين مشكك في صدق نسبتها إلى اليهود، وبين مثبت لذلك .. يقول سرچي نيلوس Sergei Nilus (١٨٦٢ - ١٩٢٩ م)، وهو أول ناشر للپروتوكولات كاملة باللغة الروسية (٣): «لقد تسلمت من صديق شخصي [يقصد ألكسيس نيكولايفيتش Alexis Nicholaeivich كبير جماعة أعيان روسيا الشرقية القيصرية]- وهو الآن ميت - مخطوطًا يصف بدقة ووضوح عجيبين خطة وتطور مؤامرة

стр. 172

عالمية مشئومة، موضوعها الذي تشمله هو جر العالم الحائر إلى التفكك والانحلال المحتوم. هذه الوثيقة وقعت في حوزتي منذ أربع سنوات (١٩٠١م)، وهي بالتأكيد القطعي صورة حقة في النقل من وثائق أصلية سرقتها سيدة فرنسية من أحد الأكابر ذوي النفوذ والرياسة السامية من زعماء الماسونية الحرة، وقد تمت السرقة في نهاية اجتماع سري بهذا الرئيس في فرنسا حيث وكر المؤتمر الماسوني اليهودي هناك» اهـ. وقوله هذا مشهور، ولكن على النقيض منه يقول الباحث الروسي الدكتور ياكوف رابكن (١): «پ روتوكولات حكماء صهيون هي وثيقة مزيفة أخرجت منذ قرن على أمر من شرطة قيصر روسيا السرية» اهـ. والمسألة اشتد فيها النزاع، وتضاربت فيها الأقوال، وما زال .. ولعل من أوائل من طرحوا رؤية مغايرة لما عهدناه نحن (على الأقل في عالمنا العربي) هو الصحافي الإنجليزي فيليپ جرافز Philip Graves (١٨٧٦ - ١٩٥٣ م)؛ فعلى مدار ثلاثة أيام، في الفترة من ١٦ إلى ١٨ أغسطس عام ١٩٢١م، نشر جرافز ثلاث مقالات في صحيفة (التايمز) اللندنية، ينقب فيها عن حقيقة هذه الپروتوكولات. وقد أشار الأستاذ عباس محمود العقاد ﵀ (١٨٨٩ - ١٩٦٤م) إلى هذه المقالات في تقديمه لترجمة التونسي العربية للپروتوكولات، وكان مما قاله عنها (٢): «وأغلب الظن بعد هذا كله - على ما نرى - أن الپروتوكولات من الوجهة التاريخية محل بحث كثير، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن السيطرة الخفية قائمة بتلك الپروتوكولات أو بغير تلك الپروتوكولات» اهـ. كما أشار إليها الدكتور المسيري في مواطن عدة من أبحاثه. ولقد اجتهدت في البحث عن أصلها حتى وقفت على نسخة أصلية لهذه المقالات الثلاثة (٣) نستعرض في الصفحات التالية أهم ما جاء فيها.

стр. 173

يقول جرافز في مقالته الأولى (١): «إن الوثيقة المسماة بپروتوكولات حكماء صهيون، والتي نشرت في لندن العام الماضي تحت عنوان (الخطر اليهودي The Jewish Peril)، هي ترجمة لكتاب نشره سرچي نيلوس في روسيا عام ١٩٠٥م، ونيلوس موظف حكومي ادَّعى تسلُّمه من صديق له نسخة من محضر اجتماع سري عقدته منظمة يهودية في پاريس كانت تخطط لتدمير الحضارة وإقامة حكومة يهودية عالمية. هذه الپروتوكولات لم تحظَ باهتمام كبير حتى قيام الثورة الروسية في عام ١٩١٧م وظهور البلاشفة (٢)، والذين ضموا في صفوفهم الكثير من اليهود أظهروا معتقدات سياسية تلتقي في بعض النقاط مع تلك المذكورة في الپروتوكولات، مما أدى بالكثير إلى الاقتناع بأن اكتشاف نيلوس المزعوم كان حقيقة. انتشرت الپروتوكولات على نطاق واسع وترجمت إلى عدة لغات أوروپية. ولكن العديد من المناقشات عقدت كذلك من أجل محاولة إثبات زيفها» اهـ. ثم ينتقل جرافز لاستعراض أدلته؛ فيذكر أنه حينما كان يعمل مراسلًا لصحيفته في القسطنطينية (أو إسطنبول كما صار اسمها بعد عام ١٩٣٠م)، دفع إليه أحد المراسلين رفض ذكر اسمه - غالبًا لأسباب متعلقة بزمانه، وكناه بمستر إكس Mr. X.، وذكر أنه أرثوذكسي روسي مؤيد للنظام الملكي ومهتم بالمسألة اليهودية الروسية - دفع إليه نسخة من كتاب للأديب والمحامي الفرنسي موريس چولي (١٨٢٩ - ١٨٧٨م) اسمه (حوار في الجحيم بين مكيافيللي ومنوتيسكيو، أو سياسة مكيافيللي في القرن التاسع عشر، بواسطة معاصر) (٣)، طبع لأول مرة في چنيف عام ١٨٦٤م، ثم ظهرت منه طبعات أخرى في بروكسل (٤)، وفيه ينتقد چولي نظام ناپليون الثالث الفاسد Napoléon III (١٨٠٨ -

стр. 174

١٨٧٣ م). ولقد صاغه بأسلوبه الساخر في صورة خمسة وعشرين حوارًا دار بين روح كل من نيكولو مكيافيللي وشارلز مونتيسكيو (١٦٨٩ - ١٧٥٥م) مقسمة إلى أربعة أقسام. وفيه يمثل مونتيسكيو التيار الليبرالي في حين يمثل مكيافيللي الطغيان والاستبداد، ويقرن چولي بأسلوبه بين الاتجاهين ويصف الطرق السرية التي من خلالها تتمخض الليبرالية عن طاغية مثل ناپليون الثالث (١). وترتب على تأليف چولي للكتاب أنه تم اعتقاله من قبل شرطة ناپليون الثالث وحكم عليه بالسجن لمدة [خمسة عشر شهرًا، وبغرامة مالية قدرها مائتي فرانك] (٢)، وصادرت الشرطة ما توصلت إليه من نسخ، وحظرت طباعة أو نشر الكتاب [وذلك حتى عام ١٩٣٣م]. يذكر (إكس) هذا أن كتاب چولي - الذي قد حصل عليه بالصدفة - قد أزال الغموض المحيط بحقيقة الپروتوكولات، يقول جرافز: «منذ عدة أشهر اشترى المراسل إكس عددًا من الكتب القديمة من ضابط سابق في الپوليس السياسي الروسي (أوخرانا Okhrana) كان قد فر هاربًا إلى القسطنطينية وأقام فيها. وكان من بين هذه الكتب الكتاب الفرنسي المذكور. وعند الاطلاع عليه لاحظ (إكس) التماثل المريب بين نَصه وبين نَص فقرات الپروتوكولات، خاصة الحوارات (١ - ١٧) والپروتوكولات (١ - ١٩) مع وجود بعض الفروق الطفيفة» اهـ. ويعرض فيليپ جرافز في مقالته الثانية (الأربعاء ١٧ أغسطس ١٩٢١م) عدة مقارنات بين نصوص الكتاب الفرنسي والپروتوكولات، نذكر هنا بعضها، وذلك بعد مطابقتها بنسخة بروكسل لعام ١٨٦٨م من كتاب موريس چولي. جاء في الپروتوكول الأول: «يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر

стр. 175

عددًا من ذوي الطبائع النبيلة ... ماذا كبح الوحوش المفترسة التي نسميها الناس عن الافتراس؟ وماذا حكمها حتى الآن؟ لقد خضعوا في الطور الأول من الحياة الاجتماعية للقوة الوحشية العمياء، ثم خضعوا للقانون». وجاء في الحوار الأول على لسان مكيافيللي: «إن الطبائع الفاسدة في الإنسان هي الغالبة على الطبائع النبيلة ... من يكبح هذه الوحوش المفترسة التي نسميها بشر عن أن تتصارع فيما بينها؟ في بداية نشأة المجتمعات كانت القوة الغاشمة المطلقة، ثم بعد ذلك كان القانون». وهذا هو نص ما جاء في الحوار الأول (١): «L'instinct mauvais chez l'homme est plus puissant que le bon ... Qui contient entre eux ces animaux dévorants qu'on appelle les hommes? A l'origine des sociétés, c'est la force brutale et sans frein; plus tard, c'est la loi». جاء في الپروتوكول الثاني عشر: «ستكون لنا جرائد شتى تؤيد الطوائف المختلفة: من أرستقراطية وجمهورية، وثورية، بل فوضوية أيضًا ... وستكون هذه الجرائد مثل الإله الهندي فشنو، لها مئات الأيدي، وكل يد ستجس نبض الرأي العام المتقلب». وجاء في الحوار الثاني عشر على لسان مكيافيللي: «مثل الإله فشنو، سيكون لصحافتي مائة ذراع، وسوف تمد هذه الأذرع يد العون لكل الآراء المختلفة الموجودة على الساحة في البلاد مهما كانت». وهذا هو نص ما جاء في الحوار الثاني عشر (٢): «Comme le dieu Wishnou, ma presse aura cent bras, et ces bras donneront la main à toutes les nuances d'opinion quelconque sur la surface entière du pays».

стр. 176

جاء في الپروتوكول العشرين: «القرض هو إصدار أوراق حكومية توجب التزام دفع فائدة تبلغ نسبة مئوية من المبلغ الكلي للمال المقترض. فإذا كان القرض بفائدة قدرها خمسة من مائة، ففي عشرين سنة ستكون الحكومة قد دفعت بلا ضرورة مبلغًا يعادل القرض لكي تغطي النسبة المئوية. وفي أربعين سنة ستكون قد دفعت ضعفين، وفي ستين سنة ثلاثة أضعاف المقدار، ولكن القرض سيبقى ثابتًا كأنه دين لم يسدد». وجاء في الحوار العشرين على لسان مونتيسكيو: «كيف تمارس القروض؟ تمارس عن طريق إصدار سندات مالية تحوي التزامًا من الحكومة بدفع فوائد محددة من قيمة رأس المال المدفوع. فلو كان القرض بفائدة ٥% على سبيل المثال، ستكون الدولة بعد عشرين سنة قد دفعت مبلغًا يعادل رأس المال المقترض، وبعد أربعين سنة ستكون قد دفعت الضعف، وبعد ستين سنة ستكون قد دفعت ثلاثة أضعاف. ومع ذلك تبقى دائمًا مدينة بنفس قيمة رأس المال». وهذا هو نص ما جاء في الحوار العشرين (١): «Comment se font les emprunts? par des émissions de titres contenant obligation de la part du gouvernement, de servir des rentes proportionnées au capital qui lui est versé. Si l'emprunt est de ٥ p. c. [%], par exemple, l'Etat, au bout de vingt ans, a payé une somme égale au capital emprunté; au bout de quarante ans une somme double; au bout de soixante ans une somme triple, et, néanmoins, il reste toujours débiteur de la totalité du même capital». أما عن فقرات الپروتوكولات التي لم تقتبس من كتاب موريس چولي فيُرَجِّح جرافز في مقالته الثالثة (الخميس ١٨ أغسطس ١٩٢١م) أنها «صيغت من قبل الپوليس السياسي

стр. 177

الروسي (أوخرانا) بالاستعانة بعملاء يهود مجندين للتجسس على إخوانهم في الدين Coreligionists» اهـ. ... لقد سعى جرافز سعيًا مشكورًا لإزاحة الستار عن الأصل الذي اعتمده المحرِّف المحترف، ولكن ما زالت هناك بعض المسائل الغامضة التي لم تكشفها مقالاته الثلاثة، وما زالت هناك عدة تساؤلات حول كيفية وصول الپروتوكولات إلينا على هذا الوجه، وهذا ما سنفصل فيه الحديث في الصفحات التالية .. يذكر موريس چولي في مذكراته (عام ١٨٧٠م) جلوسه إحدى الليالي على ضفاف نهر السين Seine حينما ألهم بكتابة (حواره) المذكور (١). إلا أنه، كما تذكر الموسوعة الحرة، تشير الأبحاث العلمية المدققة إلى زيف ادعاء چولي، وأن (حواره) منتحل من رواية (ألغاز الشعب Les Mystères du Peuple) الشهيرة للروائي الفرنسي أوچين سُو Eugène Sue (١٨٠٤ - ١٨٥٧ م)، والتي صدرت قبل كتاب چولي بسبع سنوات، وفيها نسج (سُو) من وحي خياله شخصيات عرَّفها بأنها مجموعة متآمرة من (اليسوعيين الشيطانيين) (٢). ولكن لم يقف الأمر عند هذا، إنما نسج على منوال موريس چولي كاتب آخر، وهو الألماني هيرمان جويدشي Hermann Goedsche (١٨١٥ - ١٨٧٨ م)، وكان عميلًا للپوليس السري الپروسي ومعروفًا بمعاداته للسامية. فكتب في روايته (بياريتز Biarritz) الصادرة عام ١٨٦٨م (٣) فصلًا بعنوان (عند المقبرة اليهودية في پراج At the Jewish Cemetery in Prague)، يصور فيه انعقاد مجلس لجمعية سرية من الحاخامات الممثلين لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة [الباقي منهم اثنتان فقط!]، حيث يجتمعون مرة كل عام في منتصف الليل عند مقابر اليهود، وذلك كي يناقشوا ما تم إنجازه في مؤامرتهم الطويلة الأمد للسيطرة على العالم. وفي نهاية المجلس يعرب رئيسهم عن رغبته في أن

стр. 178

يصبح اليهود ملوك العالم خلال المائة عام المقبلة. ولقد اقتبس جويدشي هذا الفصل من روايتي چولي وسُو؛ حيث استبدل جماعة الحاخامات السرية بالمتآمرين اليسوعيين في رواية سُو، وجعل (حوار) چولي هو نتاج هذا الاجتماع السري. ولقد اجتُزئ هذا الفصل من كتابه وترجم إلى الروسية وطبع مفردًا في سان بطرسبرج ولاقى رواجًا كبيرًا (١)، ولعل هذا ما أشار إليه فيليپ جرافز في مقالته الثالثة في جريدة (التايمز) اللندنية بصورة مقتضبة حينما قال: «وقبل الثورة الروسية الأولى بعدة سنوات كانت هناك إشاعة رائجة عن وجود مجلس سري للأحبار اليهود يخطط بصورة متواصلة ضد الأرثوذكس» اهـ. ولكن كيف تحول (حوار) چولي إلى (پروتوكولات) حكماء صهيون كما نشرها نيلوس؟ لقد ناقشت عدة أبحاث هذا الإشكال، وسعت لكشف ذلك الغموض، منها ما أشار إليه الدكتور حسن ظاظا ﵀، وهو كتاب للروائي الفرنسي إدموند فليجنهيمر Edmond Flegenheimer (١٨٧٤ - ١٩٦٣ م) بعنوان (مختارات يهودية Anthologie Juive) صدر عام ١٩٢٣م، وقد أعاد فيه نشر ما سجله الحاخام الفرنسي موريس ليبر Maurice Liber (١٨٨٤ - ١٩٥٦ م) في مجلة (الإيمان والوعي Foi et Réveil) اليهودية الفرنسية، وذلك في الجزء الثاني من كتاب (فليج) المذكور، والذي وصف الدكتور حسن ظاظا كاتبه بأنه «يستعمل الأسلوب العلمي في التهويش، بالإكثار من الأسماء والتواريخ والإحالات إلى نصوص يعتبرها أصل الپروتوكولات، دون أن يكون هناك أي توثيق لمزاعمه، ولا محاولة لذكر نص واحد من النصوص الكثيرة المتهمة وإثبات أنها انتقلت إلى الپروتوكولات» (٢)، كما وصف الحاخام موريس ليبر بأنه «يحاول إضفاء نوع من التحقيق العلمي على روايته بذكر شخصين من النكرات ... وأقواله تظل محصورة في

стр. 179

نطاق الخبر المحتمل للصدق والكذب، بل في نطاق الأسطورة التي تدعو إلى الشك في كل ما يقول» اهـ (١). وأحسب أن المسلك الذي اتبعناه لتحقيق المسألة يجنبنا مثل هذا القول .. كان مما علمته كذلك من الدراسات التي تناقش حقيقة الپروتوكولات كتاب المؤرخ البريطاني نورمان كون Norman Cohn (١٩١٥ - ٢٠٠٧ م) (مذكرة عن جرائم الإبادة الجماعية Warrant for Genocide) الصادر عام ١٩٩٦م وقد اطلعت على بعض فقراته. وكتاب آخر للمؤرخ الفرنسي المعاصر پيير أندريه تاجياف Pierre-André Taguieff وهو بعنوان (التزوير واستخداماته Faux et Usages d'un Faux) صدر عام ١٩٩٢م، والذي وصفه إريك كونان الصحافي بمجلة (الإكسپريس) الفرنسية بأن تاجياف قدم فيه «التحليل الأقرب إلى الكمال» (٢). كذلك بحث مؤرخ الأدب الروسي ميخائيل ليپيخين Mikhail Lépekhine؛ وليپيخين هو باحث محقق في تواريخ المطبوعات الصادرة عن مكتبة أكاديمية العلوم في سان بطرسبرج، متخصص في المطبوعات الروسية الصادرة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وكان أمينًا لأرشيف المعهد الأدبي في روسيا، ومشرفًا على معجم الأعلام Biographic Dictionary الروسي الضخم المكون من ٣٣ مجلدًا والذي يضم عددًا هائلًا من رجال الطباعة والنشر الروس خاصة في نهاية العهد القيصري (٣). ولقد نشر الصحافي الفرنسي إريك كونان نتائج بحثه في مقالته المذكورة سابقًا بمجلة (الإكسپريس)، الصادرة في ١٨ نوفمبر عام ١٩٩٩م بعنوان (أسرار مناورة ضد السامية).

стр. 180

أيضًا، بحث القاضية الإسرائيلية هداسا بن-إيتو Hadassa Ben-Itto وهو بعنوان (الأكذوبة التي لا تموت، پروتوكولات حكماء صهيون The Lie that Wouldn't Die, The Protocols of The Elders of Zion)، والذي صدر بالعبرية عام ١٩٩٨م، ثم صدرت منه نسخة إنجليزية مؤخرًا عام ٢٠٠٥م. ولقد قدمت فيه بن-إيتو دراسة تصفها الباحثة أليسا لاپن Alyssa A. Lappen بأنها الدراسة (المستحيل نقضها Impossible to put down)، وهذا في مقال لها بعنوان (أكذوبة التاريخ الكبرى: التشخيص الأخير) (١). وعند قراءتي لدراسة ليپيخين التي نقلها عنه إيرك كونان، وملخص دراسة بن-إيتو التي نقلتها أليسا لاپن، حيث وجدت مشقة في الحصول على أصل الكتاب، وجدت أن الدراستين تُكمل إحداهما الأخرى، إضافة إلى تغليق بن-إيتو لبعض المسائل التي وجدتها معلقة عند ليپيخين، والعكس من ذلك أيضًا. وخلاصة ما كشفت عنه وأجمعت عليه هذه الأبحاث هو ما تقدم به قول ياكوف رابكن بأن «پروتوكولات حكماء صهيون هي وثيقة مزيفة أخرجت منذ قرن على أمر من شرطة قيصر روسيا السرية». ولقد تبين ذلك من خلال نبش الباحثين للأرشيفات الروسية والفرنسية والسويسرية وغيرها، ومن خلال محاضر محاكمة برن الشهيرة (٢)، كذلك من خلال المقابلات التي أجريت مع عشرات الشهود على الأحداث. وكانت تحديدًا سجلات هنري بينت
следующие страницы →