← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

جاء في الپروتوكول العشرين: «القرض هو إصدار أوراق حكومية توجب التزام دفع فائدة تبلغ نسبة مئوية من المبلغ الكلي للمال المقترض. فإذا كان القرض بفائدة قدرها خمسة من مائة، ففي عشرين سنة ستكون الحكومة قد دفعت بلا ضرورة مبلغًا يعادل القرض لكي تغطي النسبة المئوية. وفي أربعين سنة ستكون قد دفعت ضعفين، وفي ستين سنة ثلاثة أضعاف المقدار، ولكن القرض سيبقى ثابتًا كأنه دين لم يسدد». وجاء في الحوار العشرين على لسان مونتيسكيو: «كيف تمارس القروض؟ تمارس عن طريق إصدار سندات مالية تحوي التزامًا من الحكومة بدفع فوائد محددة من قيمة رأس المال المدفوع. فلو كان القرض بفائدة ٥% على سبيل المثال، ستكون الدولة بعد عشرين سنة قد دفعت مبلغًا يعادل رأس المال المقترض، وبعد أربعين سنة ستكون قد دفعت الضعف، وبعد ستين سنة ستكون قد دفعت ثلاثة أضعاف. ومع ذلك تبقى دائمًا مدينة بنفس قيمة رأس المال». وهذا هو نص ما جاء في الحوار العشرين (١): «Comment se font les emprunts? par des émissions de titres contenant obligation de la part du gouvernement, de servir des rentes proportionnées au capital qui lui est versé. Si l'emprunt est de ٥ p. c. [%], par exemple, l'Etat, au bout de vingt ans, a payé une somme égale au capital emprunté; au bout de quarante ans une somme double; au bout de soixante ans une somme triple, et, néanmoins, il reste toujours débiteur de la totalité du même capital». أما عن فقرات الپروتوكولات التي لم تقتبس من كتاب موريس چولي فيُرَجِّح جرافز في مقالته الثالثة (الخميس ١٨ أغسطس ١٩٢١م) أنها «صيغت من قبل الپوليس السياسي

стр. 177

الروسي (أوخرانا) بالاستعانة بعملاء يهود مجندين للتجسس على إخوانهم في الدين Coreligionists» اهـ. ... لقد سعى جرافز سعيًا مشكورًا لإزاحة الستار عن الأصل الذي اعتمده المحرِّف المحترف، ولكن ما زالت هناك بعض المسائل الغامضة التي لم تكشفها مقالاته الثلاثة، وما زالت هناك عدة تساؤلات حول كيفية وصول الپروتوكولات إلينا على هذا الوجه، وهذا ما سنفصل فيه الحديث في الصفحات التالية .. يذكر موريس چولي في مذكراته (عام ١٨٧٠م) جلوسه إحدى الليالي على ضفاف نهر السين Seine حينما ألهم بكتابة (حواره) المذكور (١). إلا أنه، كما تذكر الموسوعة الحرة، تشير الأبحاث العلمية المدققة إلى زيف ادعاء چولي، وأن (حواره) منتحل من رواية (ألغاز الشعب Les Mystères du Peuple) الشهيرة للروائي الفرنسي أوچين سُو Eugène Sue (١٨٠٤ - ١٨٥٧ م)، والتي صدرت قبل كتاب چولي بسبع سنوات، وفيها نسج (سُو) من وحي خياله شخصيات عرَّفها بأنها مجموعة متآمرة من (اليسوعيين الشيطانيين) (٢). ولكن لم يقف الأمر عند هذا، إنما نسج على منوال موريس چولي كاتب آخر، وهو الألماني هيرمان جويدشي Hermann Goedsche (١٨١٥ - ١٨٧٨ م)، وكان عميلًا للپوليس السري الپروسي ومعروفًا بمعاداته للسامية. فكتب في روايته (بياريتز Biarritz) الصادرة عام ١٨٦٨م (٣) فصلًا بعنوان (عند المقبرة اليهودية في پراج At the Jewish Cemetery in Prague)، يصور فيه انعقاد مجلس لجمعية سرية من الحاخامات الممثلين لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة [الباقي منهم اثنتان فقط!]، حيث يجتمعون مرة كل عام في منتصف الليل عند مقابر اليهود، وذلك كي يناقشوا ما تم إنجازه في مؤامرتهم الطويلة الأمد للسيطرة على العالم. وفي نهاية المجلس يعرب رئيسهم عن رغبته في أن

стр. 178

يصبح اليهود ملوك العالم خلال المائة عام المقبلة. ولقد اقتبس جويدشي هذا الفصل من روايتي چولي وسُو؛ حيث استبدل جماعة الحاخامات السرية بالمتآمرين اليسوعيين في رواية سُو، وجعل (حوار) چولي هو نتاج هذا الاجتماع السري. ولقد اجتُزئ هذا الفصل من كتابه وترجم إلى الروسية وطبع مفردًا في سان بطرسبرج ولاقى رواجًا كبيرًا (١)، ولعل هذا ما أشار إليه فيليپ جرافز في مقالته الثالثة في جريدة (التايمز) اللندنية بصورة مقتضبة حينما قال: «وقبل الثورة الروسية الأولى بعدة سنوات كانت هناك إشاعة رائجة عن وجود مجلس سري للأحبار اليهود يخطط بصورة متواصلة ضد الأرثوذكس» اهـ. ولكن كيف تحول (حوار) چولي إلى (پروتوكولات) حكماء صهيون كما نشرها نيلوس؟ لقد ناقشت عدة أبحاث هذا الإشكال، وسعت لكشف ذلك الغموض، منها ما أشار إليه الدكتور حسن ظاظا ﵀، وهو كتاب للروائي الفرنسي إدموند فليجنهيمر Edmond Flegenheimer (١٨٧٤ - ١٩٦٣ م) بعنوان (مختارات يهودية Anthologie Juive) صدر عام ١٩٢٣م، وقد أعاد فيه نشر ما سجله الحاخام الفرنسي موريس ليبر Maurice Liber (١٨٨٤ - ١٩٥٦ م) في مجلة (الإيمان والوعي Foi et Réveil) اليهودية الفرنسية، وذلك في الجزء الثاني من كتاب (فليج) المذكور، والذي وصف الدكتور حسن ظاظا كاتبه بأنه «يستعمل الأسلوب العلمي في التهويش، بالإكثار من الأسماء والتواريخ والإحالات إلى نصوص يعتبرها أصل الپروتوكولات، دون أن يكون هناك أي توثيق لمزاعمه، ولا محاولة لذكر نص واحد من النصوص الكثيرة المتهمة وإثبات أنها انتقلت إلى الپروتوكولات» (٢)، كما وصف الحاخام موريس ليبر بأنه «يحاول إضفاء نوع من التحقيق العلمي على روايته بذكر شخصين من النكرات ... وأقواله تظل محصورة في

стр. 179

نطاق الخبر المحتمل للصدق والكذب، بل في نطاق الأسطورة التي تدعو إلى الشك في كل ما يقول» اهـ (١). وأحسب أن المسلك الذي اتبعناه لتحقيق المسألة يجنبنا مثل هذا القول .. كان مما علمته كذلك من الدراسات التي تناقش حقيقة الپروتوكولات كتاب المؤرخ البريطاني نورمان كون Norman Cohn (١٩١٥ - ٢٠٠٧ م) (مذكرة عن جرائم الإبادة الجماعية Warrant for Genocide) الصادر عام ١٩٩٦م وقد اطلعت على بعض فقراته. وكتاب آخر للمؤرخ الفرنسي المعاصر پيير أندريه تاجياف Pierre-André Taguieff وهو بعنوان (التزوير واستخداماته Faux et Usages d'un Faux) صدر عام ١٩٩٢م، والذي وصفه إريك كونان الصحافي بمجلة (الإكسپريس) الفرنسية بأن تاجياف قدم فيه «التحليل الأقرب إلى الكمال» (٢). كذلك بحث مؤرخ الأدب الروسي ميخائيل ليپيخين Mikhail Lépekhine؛ وليپيخين هو باحث محقق في تواريخ المطبوعات الصادرة عن مكتبة أكاديمية العلوم في سان بطرسبرج، متخصص في المطبوعات الروسية الصادرة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وكان أمينًا لأرشيف المعهد الأدبي في روسيا، ومشرفًا على معجم الأعلام Biographic Dictionary الروسي الضخم المكون من ٣٣ مجلدًا والذي يضم عددًا هائلًا من رجال الطباعة والنشر الروس خاصة في نهاية العهد القيصري (٣). ولقد نشر الصحافي الفرنسي إريك كونان نتائج بحثه في مقالته المذكورة سابقًا بمجلة (الإكسپريس)، الصادرة في ١٨ نوفمبر عام ١٩٩٩م بعنوان (أسرار مناورة ضد السامية).

стр. 180

أيضًا، بحث القاضية الإسرائيلية هداسا بن-إيتو Hadassa Ben-Itto وهو بعنوان (الأكذوبة التي لا تموت، پروتوكولات حكماء صهيون The Lie that Wouldn't Die, The Protocols of The Elders of Zion)، والذي صدر بالعبرية عام ١٩٩٨م، ثم صدرت منه نسخة إنجليزية مؤخرًا عام ٢٠٠٥م. ولقد قدمت فيه بن-إيتو دراسة تصفها الباحثة أليسا لاپن Alyssa A. Lappen بأنها الدراسة (المستحيل نقضها Impossible to put down)، وهذا في مقال لها بعنوان (أكذوبة التاريخ الكبرى: التشخيص الأخير) (١). وعند قراءتي لدراسة ليپيخين التي نقلها عنه إيرك كونان، وملخص دراسة بن-إيتو التي نقلتها أليسا لاپن، حيث وجدت مشقة في الحصول على أصل الكتاب، وجدت أن الدراستين تُكمل إحداهما الأخرى، إضافة إلى تغليق بن-إيتو لبعض المسائل التي وجدتها معلقة عند ليپيخين، والعكس من ذلك أيضًا. وخلاصة ما كشفت عنه وأجمعت عليه هذه الأبحاث هو ما تقدم به قول ياكوف رابكن بأن «پروتوكولات حكماء صهيون هي وثيقة مزيفة أخرجت منذ قرن على أمر من شرطة قيصر روسيا السرية». ولقد تبين ذلك من خلال نبش الباحثين للأرشيفات الروسية والفرنسية والسويسرية وغيرها، ومن خلال محاضر محاكمة برن الشهيرة (٢)، كذلك من خلال المقابلات التي أجريت مع عشرات الشهود على الأحداث. وكانت تحديدًا سجلات هنري بينت

стр. 181

Henri Bint عميل الپوليس السياسي الروسي المحنك في پاريس لمدة سبعة وثلاثين عامًا هي التي أفصحت عن هذا الأمر؛ فيذكر ميخائيل ليپيخين وهداسا بن-إيتو أن هنري بينت استقبل في پاريس عام ١٩١٧م سرچي سفاتيكوف Serge Svatikov، مبعوث الحكومة الروسية الجديدة برئاسة ألكسندر كيرينسكي Alexander Kerensky (١٨٨١ - ١٩٧٠ م)، المكلف بفضَّ مكاتب الپوليس السياسي الروسي (أوخرانا) خارج القيصرية - وذلك بعد تنازل نيكولا الثاني Nicholas II (١٨٦٨ - ١٩١٨ م) عن العرش في عام ١٩١٧م -، فخلال هذه المقابلة بيَّن بينت لسفاتيكوف حقيقة الأمر، وهي أن صانع الپروتوكولات هو عميل محترف يدعى ماتفي/ماتيو جولوفينسكي Matvei/Mathieu Golovinski (١٨٦٥ - ١٩٢٠ م)، وأن بينت نفسه كان هو المكلف بمجازاته ماديًا. كان ممن أكدوا دور جولوفينسكي في هذه المؤامرة كذلك هو - كما تذكر بن-إيتو - فلاديمير بورتسيف Vladimir Burtsev (١٨٦٢ - ١٩٤٢ م) مؤسس جريدة (الماضي / Byloe) التاريخية الروسية، وأحد المهاجرين الروس إلى پاريس، حيث هناك أصدر كتابه (پروتوكولات حكماء صهيون، تزوير مؤكد) (١)، وذلك عام ١٩٣٨م. يذكر إريك كونان أن هذا الأمر قد تأكد ثبوته بعد الإفصاح عنه (رسميًا) [رغم أن الخبر قد تسرب قبل ذلك بزمن] بعد انهيار الشيوعية والإفراج عن أرشيفاتها السرية، وذلك عام ١٩٩٢م؛ فنظرًا لانخراط المزوِّر جولوفينسكي في صفوف البلاشفة منذ عام ١٩١٧م حتى وفاته عام ١٩٢٠م، تستر عليه السوفييت، ولم يرغبوا في الإفصاح عن أمره الذي لا يزال يحير الكثير حتى يومنا هذا، خاصة وأن بحث ميخائيل ليپيخين الذي أفصح عنه في أغسطس عام ١٩٩٩م لفيكتور لوپان Victor Loupan الصحافي بجريدة (لوفيجارو Le Figaro) - وذلك بعد خمس سنوات من البحث - لم يُثر حماسة الصحف الفرنسية الكبرى. وماتيو جولوفينسكي - كما يذكر ليپيخين - هو صحافي روسي-فرنسي ينحدر من

стр. 182

عائلة أرستقراطية (١) عريقة تمتد جذورها إلى الصليبي الكونت هنري دي مون Le Comte Henri de Mons، وهي أسرة معروف أفرادها على مدار تاريخها بالشغب وإثارة الفتن، ومعلوم اشتراكهم في المؤامرات والدسائس - وذكر لذلك أمثلة -. تصفه بن-إيتو بأنه «عميل أوخرانا معادٍ للسامية شديد التعصب، يؤمن بالمؤامرة اليهودية العالمية» اهـ. وكان جولوفينسكي على علاقة بالكونت فورونتسوف داكوف Vorontsov-Dahkov أحد وزراء القيصر ألكسندر الثاني Alexander II (١٨١٨ - ١٨٨١ م) المقربين، والذي قد أسس بعد حادثة اغتيال القيصر منظمة سرية سماها (الأخوة المقدسة La Sainte-Fraternité)، كانت إحدى أوائل المنظمات السرية التي اعتمدت في نشاطها على التزوير وإصدار المنشورات الثورية المزيفة. ولقد أسسها داكوف اعتقادًا منه في وجود مؤامرة يهودية-ماسونية تهدد أمن القيصرية. وفي عام ١٨٩٠م عمل جولوفينسكي في سان بطرسبرج لصالح قسطنطين پوبيدونوستسيف Konstantin Pobiedonostsev (١٨٢٧ - ١٩٠٧ م)، الوكيل العام للمجلس المقدس، وأحد المستشارين المقربين لألكسندر الثالث Alexander III (١٨٤٥ - ١٨٩٤ م)، والذي كان يؤمن كذلك بوجود مؤامرة يهودية تسعى لتقويض نظام الدولة، وكانت مهمة جولوفينسكي تتلخص في توجيه الصحف الروسية عن طريق إمدادها بمقالات تدعم النظام القيصري المحافظ. وكان المشرف عليه في مهمته تلك هو ميشال سولوفييف Michel Soloviev، وكان معروفًا بتدينه وبمعاداته للسامية وتعصبه الشديد. وكما يصف ليپيخين، كان جولوفينسكي بارعًا أدى مهمته طيلة خمس سنوات بسهولة واقتدار. ولقد ظل في وظيفته حتى مات سولوفييف، ولم يعد لپوبيدونوستسيف

стр. 183

المنزلة نفسها عند القيصر الجديد نيكولا الثاني .. إذن، فبعد أن انحسرت تلك الأيادي الخفية، وبعد كذلك أن فضح ماكسيم جوركي Maxim Gorky (١٨٦٨ - ١٩٣٦ م) [الأديب الماركسي المعروف] ألاعيبه ووصفه بالجاسوس الخائن، اضطر جولوفينسكي إلى الارتحال إلى پاريس. وهناك، دفع به هنري بينت للعمل - في نفس المجال الذي احترفه - مع پيوتر راتشكوفسكي Pyotr Rachkovsky (١٨٥٣ - ١٩١٠ م) رئيس مكتب الپوليس السياسي الروسي (أوخرانا) في پاريس، والذي كان - كما تذكر بن-إيتو- مسئولًا عن تتبع الثوار المشتبه فيهم وعمل ملفات لكل المهاجرين الروس إلى پاريس. وقد كلف جولوفينسكي هذه المرة بتوجيه الصحف الفرنسية فيما يتعلق بمناقشتها للسياسة الروسية القيصرية، فكان - كما يذكر ليپيخين - يكتب المقالات التي كانت تنشر في كبرى الصحف الپاريسية بتوقيع صحافيين فرنسيين! وكان راتشكوفسكي من الزمرة الأرثوذكسية المتعصبة، وأحد مؤسسي منظمة الأخوة المقدسة المؤمنة بوجود مؤامرة يهودية-ماسونية تتستر وراء التيار الليبرالي والإصلاحي في روسيا، وكان منشغلًا بكيفية إقناع نيكولا الثاني بصحة معتقده وبضرورة إصدار القرارات الوقائية لمواجهة ذلك الخطر الداهم، ذلك لأن نيكولا الثاني لم يكن يصغي لهذه الأفكار كإصغاء من سبقه من القياصرة، بل كان [رغم اتباعه لسياسة ألكسندر الثالث الرجعية] منشغلًا بالانتقادات الغربية الموجهة للسياسة الروسية لتمييزها ضد اليهود. ومن ثم لجأ راتشكوفسكي إلى الحيلة؛ فكلف عميله الماهر ماتيو جولوفينسكي بإعداد وثيقة توحي بوجود مخططات يهودية سرية تقضي بالإطاحة بالتيار الروسي الأرثوذكسي المحافظ. وبالفعل توجه جولوفينسكي إلى المكتبة الوطنية في پاريس وعكف على تزوير كتاب (حوار في الجحيم) لموريس چولي. وقد أتم جولوفينسكي عمله - كما يرجح ليپيخين - في نهاية عام ١٩٠٠ أو في عام ١٩٠١م. وتذكر هداسا بن-إيتو أن الوثيقة عرفت في دوائر أوخرانا وقتها بـ (العَرَض الصهيوني The Zion Syndrome) كما لاحظ ذلك سرچي سفاتيكوف. يذكر ميخائيل ليپيخين أن راتشكوفسكي كان يهدف إلى توجيه الوثيقة إلى القيصر على

стр. 184

وجه الخصوص في محاولة منه لإقناعه بالأمر، وفيما يبدو لي أن هذه الوثيقة لم تكن موجهة للقيصر على وجه الخصوص، بل لإثارة الرأي العام كذلك - وإن كانت أعدت للقيصر في المقام الأول -، وما دعم ذلك في نظري ما ذكرته الموسوعة الحرة من أن هذه الوثيقة التي انتقلت من پاريس إلى روسيا عن طريق إحدى عميلات راتشكوفسكي تدعى يوليانا جلينكا Yuliana Glinka (١٨٤٤ - ١٩١٨ م) (١)، ورد ذكرها لأول مرة في الصحف الروسية في إپريل من عام ١٩٠٢م، في جريدة سان بطرسبرج (التايمز الجديدة Novoye Vremya)، حيث ذكر الصحافي المحافظ ميخائيل منشيكوف Mikhail Menshikov (١٨٥٩ - ١٩١٨ م) - في سلسلته (رسائل إلى الجيران) تحت عنوان (مخططات ضد الإنسانية) - التقاءه بيوليانا جلينكا (ولكنه لم يسمها في حينه)، وهي التي عرضت عليه الوثيقة وحاولت إقناعه بصحة ما جاء فيها، ولكنه بعد أن قرأ بعض فقراتها رابه الشك في صحتها ومن ثم لم ينشرها. ثم بعد ذلك نُشرت الوثيقة عام ١٩٠٣م مقسمة على تسع مقالات متتالية في جريدة (الراية Znamya) الروسية في الفترة من ٢٨ أغسطس إلى ٧ سپتمبر (٢)، ثم نشرها سرچي نيلوس في كتابه عام ١٩٠٥م كما سيأتي. يقول ليپيخين: «لا أظن أن جولوفينسكي كان يقدِّر مدى خطورة عمله هذا، فهو في وقت الإعداد كان يحدِّث به إحدى صديقات والدته، وهي الأميرة كاترين رادزيفيل Catherine Radziwill (١٨٥٨ - ١٩٤١ م)، وكان يقرأ لها بعض فقراته. وكانت هي الوحيدة في فترة العشرينات التي صرحت لإحدى الصحف اليهودية بأن جولوفينسكي هو مؤلف الپروتوكولات الحقيقي. ولكن كلامها لم يستند إلى دليل، وشهادتها اشتملت على بعض المغالطات، ومن ثم لم يعتد بقولها» اهـ. ولعل المغالطة التي وقعت فيها رادزيفيل - على حد اطلاعي - هي تحديد الفترة الزمنية التي كتب فيها جولوفينسكي هذه الوثيقة، حيث ذكرت أنه أعدها في الفترة ما بين عامي ١٩٠٤ و١٩٠٥م حينما كان يعمل في جريدة (لوفيجارو) الفرنسية بمرافقة

стр. 185

شارلز چولي Charles Joly ابن موريس چولي صاحب (الأصل) المنتحل (١)، وعند التدبر لا أظن أن هذا يمنع من الاستئناس بقولها، خاصة أنه حين اقتران شهادتها مع ما تقدم ذكره يتقوى القول المثبت لدور جولوفينسكي الرئيس في هذه المؤامرة، فضلًا عن دور پيوتر راتشكوفسكي؛ والذي بدوره - وظنًا منه بأن المتصوف سرچي نيلوس المعروف بكرهه الشديد لليهود ربما يصير كاهن الاعتراف الجديد الخاص بالقيصر - رأى أن يمرر هذه المخطوطة المزورة لنيكولا الثاني عن طريق هذا الوسيط المؤتمن. ولكن سرعان ما خاب ظنه، حيث لم يعيِّن نيكولا نيلوس كاهنًا له. ولكن المفارقة التي حدثت هي أنه بعد اطلاع نيلوس على مخطوطة جولوفينسكي التي تسلمها في فرنسا - حسب قول بن-إيتو - تحمس لها جدًا، حتى أردفها بكتابه (الضئيل يحتوي العظيم، والمسيح الدجال، كحادث سياسي وشيك، مذكرات رجل أرثوذكسي Velikoe v malom i Antikhrist, kak blizkaia politicheskaia vozmozhnost. Zapiski pravoslavnago)، والذي يصف فيه الثورة الفرنسية (١٧٨٩ - ١٧٩٩م) بأنها نذير شؤم بخروج المسيح الدجال. فجعل الوثيقة فصلًا في الكتاب (٢)، ودفع بنسخة منه إلى نيكولا الثاني ليطلع عليها هو وزوجته ألكسندرا فيودوروفنا Alexandra Feodorovna (١٨٧٢ - ١٩١٨ م). وكان ممن اطلعوا على كتابه أخت ألكسندرا المتدينة الأميرة إليزافيتا Elizaveta Feodorovna (١٨٦٤ - ١٩١٨ م) ووصيفتها إلينا ألكسندروفنا أوزيروفا Yelena Alexandrovna Ozerova - والتي صارت فيما بعد زوجة نيلوس -، وقد أبدتا تأثرًا شديدًا بما جاء في الپروتوكولات. كذلك كان من بين المطلعين على كتاب نيلوس الكونت ألكسندر دي شيْلا Alexandre du Chayla (١٨٨٥ - ١٩٤٥ م)، أحد النبلاء الفرنسيين المتحولين إلى الأرثوذكسية، والذي مكث في عام ١٩٠٩م تسعة أشهر كاملة في دير الرهبان الروسي

стр. 186

الأرثوذكسي (أوپتينا پوستين Optina Pustyn) حيث ربطته هناك علاقة قوية مع سرچي نيلوس. ولكنه حينما قرأ كتابه أصابه الشك في صحة الپروتوكولات، ولما قام بمراجعة نيلوس في أمرها وجد نفسه مصطدمًا بشخص متعصب يجيب بسذاجة: «نحن نسلم أن الپروتوكولات مزورة، ولكن أليس من مهام الرب أن يكشف لنا عما يدبَّر من شرور؟ أليس في استطاعته، وفقًا لاعتقادنا، أن يحيي عظام الكلب؟ إذن فبإمكانه أن يخرج نذير الحق من فمٍ كاذب!» اهـ. وحينما راجت الپروتوكولات وأثارت القلاقل في داخل روسيا، أمر رئيس مجلس الوزراء الروسي پيوتر ستوليپن Pyotr Stolypin (١٨٦٢ - ١٩١١ م) بإجراء بعض التحريات السرية حولها، والتي كشفت خيوط (المؤامرة الپاريسية). حينها أخبر ستوليپن نيكولا الثاني بالأمر، والذي رغم ولعه الشديد بها، أصدر قراره بمصادرة نسخ الپروتوكولات ومنع نشرها في روسيا، وقال: «إن الدوافع الطيبة لا ينبغي أن تدعم بمثل هذه المسالك الحقيرة» (١). ولكن رغم ذلك، وبسبب تلك الدوافع الطيبة! استمرت الپروتوكولات في الانتشار، خاصة - كما تذكر بن-إيتو - وقد نجحت الضغوط التي مارستها الأميرة إليزافيتا ووصيفة أختها إلينا أوزيروفا على هيئة مراقبة المطبوعات الروسية للعدول عن قرارات القيصر ورفع حظر النشر. وبعد اندلاع الثورة الروسية في عام ١٩١٧م التي عرفت بأنها ثورة يهودية من الدرجة الأولى، راجت الپروتوكولات في أوروپا، وترجمت إلى عدة لغات، ثم انتقلت إلى أمريكا وقد تبنى نشرها هنري فورد Henry Ford (١٨٦٣ - ١٩٤٧ م) رائد صناعة السيارات الأمريكية. وظهرت أول نسخة عربية عام ١٩٢٦م في دورية الرومان الكاثوليك في القدس المعروفة باسم (رقيب صهيون)، وتوالت بعدها الترجمات العربية التي من أشهرها ترجمة محمد خليفة التونسي الصادرة في عام ١٩٥١م (٢). ...

стр. 187

هذا من الناحية التاريخية، أما من الناحية الأدبية: فقد أفاض وأجاد الدكتور المسيري في الحديث عنها وفي كشف عوارها، وأحيلك على المجلد الثاني من موسوعته لعدم الإطالة .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي هيأ الأجواء الأوروپية لقبول هذه المناورة السياسية الروسية التي نتج عنها ما عرف في التاريخ بالپوجرومز Pogroms أو المذابح المنظمة التي شهدها يهود روسيا في الفترة من ١٩٠٣ إلى ١٩٠٦م وما تبعها من إبادة نازية على يد أدولف هتلر (١)، وغيرها من مظاهر ما يعرف في العالم باسم (معاداة السامية)؟

стр. 188

ويجيب عن هذا الدكتور المسيري بقوله: «في تصوري أن إحساس الإنسان الأوروپي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وإدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة والتصنيع في الغرب، ومع هيمنة القيم الداروينية والرأسمالية الجشعة، وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدرًا كبيرًا من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي، أقول: إن الإدراك السطحي هو الذي جعل الجماهير في الغرب تتبنى نموذجًا تفسيريًا بسيطًا اختزاليًا يفسر كل ما يدور حولها ببساطة شديدة؛ فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، والذي تصوره الپروتوكولات، ليس عالمًا شريرًا بشكل شيطاني ميتافيزيقي (١)، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي في القرن التاسع عشر، عالم سادت فيه القيم العَلْمانية الشاملة بتأكيدها على قيم مثل المنفعة واللذة، وبدأت تحل فيه علاقات التعاقد محل علاقات التراحم، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، فكلاهما ثورة على المجتمع التقليدي بكل ما فيه من خير وشر. ومن هنا أيضًا الجمع بين نيتشه وماركس Karl Marx [١٨١٨ - ١٨٨٣ م]، فكلاهما فيلسوف مادي يرفض المجتمعات التقليدية. فبرغم الاختلافات العميقة بين الرأسمالية والاشتراكية وبين نيتشه وماركس وداروين Charles Darwin [١٨٠٩ - ١٨٨٢ م]، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) بين هذه الأفكار والنُّظُم المتناقضة إنها كلها تعبير عن زحف المجتمع الحديث على المجتمع التقليدي الذي بدأ بالثورة الفرنسية ووصل قمته في الثورة البلشفية» (٢). ولقد «وجد الإنسان الغربي العادي نفسه في وسط هذا الزلزال، ولم يجد له تفسيرًا،

стр. 189

ولكنه لاحظ وجود أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفًا، كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية ... وإلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضًا: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوروپاهو حزب البوند Bund اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية (١)، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد Rothchild رمزًا للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزًا للارتباط العضوي أيضًا بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل

стр. 190

شيء بالرجوع إلى مقولة (يد اليهود الخفية). ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزًا لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوروپاإلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزًا متعينًا لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوروپي يفهمها جيدًا رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العَلْمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي)، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها» (١). «فبإدراكه السطحي للأمور، بدأ الإنسان الغربي يبحث عن سبب واضح مباشر، وحيث إنه تصور أن اليهود كتلة واحدة متماسكة، وحيث إن اليهودي هو قاتل الرب وهو الشحاذ الذي يتسول، والثري الذي احتكر الأسواق، والثوري الذي يقلب نظام الحكم، والحاخام الذي يتمسك بشعائر دينه، والقوَّاد الذي يصطاد الفتيات ويقودهن للدعارة، وهو شيلوك [التاجر اليهودي المرابي]، وهو دراكيولا Dracula [مصاص الدماء] ... كان من الطبيعي أن يصبح رمزًا متعينًا لعملية انقلابية بنيوية ضخمة سببت البؤس والشقاء له، ولكنه لم يدرك أسبابها أو عمقها أو شمولها أو تركيبتها. وجاءت الپروتوكولات وزودته بهذا النموذج التفسيري البسيط، فأراحته وهدأت من روعه وضللته وأخفت عنه الأسباب الحقيقية المؤدية لاغترابه وشقائه» اهـ (٢). نهاية، فهذا اجتهاد قد يصيب أو يخطئ، وعلى كلٍّ، فقد يقال في حق اليهود، إن جاز لنا القول: «رب ضارة نافعة»!؛ فإن الترويج لهذه الپروتوكولات خدم كثيرًا - وما زال -

стр. 191

المصالح الصهيونية من الناحية العملية، والتي صار واضح للعيان طغيانها وهيمنتها على مقدرات الكثير من البلاد، وذلك لجملة من الأسباب نذكرها في الصفحات التالية، ولعل هذا الأمر هو الذي جعل المعلِّق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس Yoel Marcos يقول: «إن الپروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصًا معاديًا لليهود، وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر!» اهـ (١). ...

стр. 192

- - ﴿الصهيونية .. رؤية مغايرة﴾ - - «إذا كان الله لا يرسل إليَّ مسيح من عنده يختلف عن مسيح الذي ينتظره اليهود ويعلقون عليه رجاءهم، فأفضل لي لو مُسِخت خنزيرًا، فلا أبقى بعد ذلك إنسانًا» [مارتن لوثر] (١) بعد أن صدَّرنا الفصل بهذا المدخل، ننطلق صوب الموضوع الرئيسي الذي نحن بصدد مناقشته، والذي عنونته بـ (الصهيونية، رؤية مغايرة)؛ فهي رؤية مغايرة لما يراه بعض المهتمين بالمسألة اليهودية، حيث تعرَّف الصهيونية في اصطلاحهم بأنها (حركة أصولية يهودية دينية في الأساس)، وفي حقيقة الأمر هي ليست كذلك، فكما يذكر ياكوف رابكن (٢): «كانت الصهيونية اختراع مثقفين أو متمثلين بهم، اختراع (حزب العقل) الذي أدار ظهره للربانيين، وتطلع إلى الحداثة Modernity، والذي يبحث بنشاط واندفاع عن علاج لبؤس حياته» اهـ. ولكن هذا لا يعني أننا نتجاهل البعد العقائدي لهذه البدعة الصهيونية، والذي ستؤول إليه السيطرة في الحقبة المقبلة، كما يرجح الكثير من باحثي اليهودية كإسرائيل شاحاك وإيان لوستك وعبد الوهاب المسيري وغيرهم (٣)، إن لم تكن آلت إليه بالفعل. فضلًا عن أن هذا ما ندين إلى الله تعالى به؛ أي الإيمان بأن سنته في ملكه هي كون الصراع دائمًا وأبدًا بين معسكري الإيمان والكفر، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، حتى وإن

стр. 193

انحرف التوصيف قليلًا تحت دعوى القومية أو ما شابه، فكلها رايات منكسة، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١). إذن، فإن الإشارة هنا فقط إلى أن البُعد الديني ليس بعدًا أصليًا في تاريخ الصهيونية اليهودية (٢). وعملنا في هذا المبحث هو تقديم دراسة تاريخية أكثر تركيبًا للتاريخ اليهودي منذ التهجير البابلي الثاني على يد نبوخذنصر إلى الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتبعاته، والهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على الأبعاد التي نجح الصهاينة في إخفائها عند عرضهم للتاريخ (المقدس) المعروف لدى الغالبية على هذا الوجه، والذي يحتوي على تزوير فادح وقلب للأمور رأسًا على عقب. وهي لا شك دراسة صعبة ومتداخلة، ولم أجد في وصفها أدق من قول مايكل پريور (١٩٤٢ - ٢٠٠٤م) (٣): «إن تداخل التخصصات الأكاديمية وتعدد فروعها أوضح صعوبة الإلمام بموضوع شائك كهذا من وجهة نظر واحدة وتناوله من زاوية واحدة فقط ... وما يشتت الأفكار في تناول متنوع مثل هذا التناول أن كل عنصر فيه يُطرَح بصورة مستقلة عن بقية العناصر ... ونعلم جيدًا أنه لم يتغير أي مجتمع بسبب عامل أيديولوچي واحد فقط، سواء كان اقتصاديًا أو وطنيًا أو دينيًا. إن تفسير أي تطور تاريخي ذي أهمية بعامل واحد فقط، هو في الواقع خطأ؛ إذ تتطور النظم بتفاعل عدة عوامل». وكما تقول باربرا تخمان (٤): «يكاد يكون من المستحيل المحاولة للوصول إلى تقارير أو أبحاث حول عملية البعث الحديث للشعب اليهودي دون اليأس من التورط في متاهات يهودية داخلية وسياسات خارجية أوروپية» اهـ. فأرجو من القارئ الكريم إطالة النفس في القراءة، وألا تصيبه السآمة مما قد يجده من

стр. 194

مباحث اجتماعية فلسفية جامدة اقتضتها الحاجة حاولت اختصارها قدر الإمكان، وأن يرجئ الحكم إلى نهاية الفصل. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا ... اصطفاء مشروط لبني إسرائيل: فلقد امتن الله على بني إسرائيل واصطفاهم وفضلهم على العالمين، وجعل فيهم الكتاب والحكم والنبوة. ولكنه كان اصطفاءً مشروطًا، إذ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (١). وحينما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). فلم يكن الاصطفاء للإسرائيلي ذاته، فلقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)، وإنما ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤)، وهو تعالى العليم الحكيم. ولقد بين لهم موسى ﵇ هذا الأمر صراحةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ. وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٥). فكان الاصطفاء هو عين الابتلاء، وكما قال نبي الله سليمان ﵇: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٦).

стр. 195

ولكنهم ما رعوا فضل الله تعالى عليهم حق رعايته، وكان ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، ففي الفتنة سقطوا، وأضفوا على شعبهم هالة من القداسة، وخلعوا عليه لباس الولاية، زاعمين أنهم شعب الله المختار، لا لشيء سوى أنهم من ذرية الكريم بن الكريم بن الكريم، ﵈ أجمعين، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢). بل ويذكر أكثر تفسيراتهم تواترًا «أن الاختيار غير مشروط ولا سبب له، فهو من إرادة الإله التي لا ينبغي أن يتساءل عنها أي بشر، الإله الذي اختار الشعب ووعده بالأرض، وليس لأي إنسان أن يتدخل في هذا ... والاختيار - حسب هذا التفسير - لا علاقة له بالخير والشر، ولا بالطاعة أو المعصية، فهو لا يسقط عن الشعب اليهودي، حتى ولو أتى هذا الشعب بالمعصية، إذ إن حب الإله للشعب المختار يغلب على عدالته، ولذلك لن يرفض الإله شعبه كلية في أي وقت من الأوقات مهما تكن شرور هذا الشعب» (٣). ولقد ترسخ هذا الاعتقاد في وجدانهم، حتى إنهم «في تعبيراتهم الشعرية يرون أن الرب قد اتخذ أمتهم عشيقة له، بل إنه تزوجها زواجًا أبديًا، حتى إنها إذا خانته ودنَّست شرف العلاقة التي بينها وبينه، لم يطلِّقها كما يفعل أحقر مخلوق من البشر، ولكنه يكتفي بأن يغضب ثم يرضى، وأن يعاقب ثم يصفح. فهي الأمة الحبيبة المعشوقة المدللة التي تعلم أن الرب لن يجرؤ يومًا ما على قتلها مهما أجرمت!» (٤)، ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٥). ونحن لن نتوقف لسرد جرائم اليهود، وكفرهم بالله، وتركهم الشريعة، واتخاذهم العجل، وقتلهم الأنبياء ... فلقد زخر بهذا كله القرآن المجيد، وصنفت فيه مصنفات عدة، ويكفينا أن آخر ما قاله موسى ﵇ في شأنهم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٦). ...

стр. 196

وعد أولاهما: قال الله ﷻ : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَّسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٣). وكان وعد أولاهما في عام ٥٨٦ق. م، ذلك عندما قام الطاغية البابلي نبوخذنصر بغزو المملكة الجنوبية (يهودا) وتدمير عاصمتها القدس وهدم المسجد الأقصى (الهيكل المزعوم)، وذلك - باختصار - بسبب تحالف حاكمها صدقياهو مع المصريين ومحاولته الاستقلال عن بابل (٤). وقد استمرت فترة التهجير البابلي حوالى خمسين عامًا، وإن كان هناك رأي يذهب إلى أنها حوالي سبعين عامًا. وكان مركز المهجَّرين الأساسي (تل أبيب) في العراق. وظلت هذه الجماعة العبرانية في بابل إلى أن هزم قورش الأخميني الفارسي [٥٩٠/ ٥٧٦ - ٥٢٩ق. م] الإمپراطورية البابلية وسمح لهم بالعودة عام ٥٣٨ق. م للأسباب السياسية نفسها التي نُفوا من أجلها، أي ضرورة توطين عنصر سكاني موالٍ له في فلسطين (٥). وأصدر قورش أمره بإعادة بناء الهيكل على أسسه القديمة، وأمر كذلك أن تُرد آنية

стр. 197

الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذنصر من الهيكل وجاء بها إلى بابل (١)، ولذا تحول قورش في الوجدان الديني اليهودي إلى المخلِّص، بل إلى كونه المسيح المنتظر (٢). وللعلم أنه قد رفض كثير من اليهود، وخصوصًا الأثرياء منهم، العودة إلى فلسطين بعد مرسوم قورش، حيث وجدوا أنفسهم في بابل بعيدين عن اضطهاد الإمپراطورية الرومانية الشرقية، واكتفوا بدفع مساعدات مالية للعائدين إلى فلسطين. ... ورسولا إلى بني إسرائيل: تتابعت الأنبياء والرسل على بني إسرائيل، كما أخبر رسول الله ﷺ فقال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي» (٣)، ولكنهم كعادتهم ﴿كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٤). وكما يذكر التونسي أنه «من الظواهر البارزة في تاريخهم كثرة أنبيائهم، وهذا شيء ينفردون به دون سائر الأمم، ولا تعليل له إلا السوء العريق في دخائلهم المنكوسة، ولولا هذا السوء اللازب لما احتاجوا إلى معشار هذا العدد من الأنبياء والمصلحين، ولكنهم لمسخ طبائعهم العريق كانوا على الدوام أهل سوء، فكلما حسنت حالهم على يد نبي أو مصلح ثم مات ارتدوا إلى سوئهم وعصيانهم، فاحتاجوا سريعًا إلى غيره، وهكذا دواليك. فكثرة أنبيائهم مخزاة من مخازيهم وليست مفخرة من مفاخرهم كما يريدون أن يَفْهَموا ويُفْهِموا الناس» اهـ (٥). وفي ظل الحكم الروماني للقدس أرسل الله تعالى آخر رسله إلى بني إسرائيل خاصة، وهو المسيح عيسى ابن مريم ﵇، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا

стр. 198

بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١). ولقد أرسله الله مبشرًا بخاتم الأنبياء محمد ﷺ ورسول الله إلى الناس عامة: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢). ولقد أيد الله تعالى عيسى ﵇ بالمعجزات آية لقومه، وحجة عليهم، قال عنه سبحانه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (٣). وجدير بالإشارة أنه لم يكن اتجاه معجزات المسيح ﵇ اتجاهًا طبيًا في غالب الأمر نظرًا لانتشار الطب بين بني إسرائيل كما يشاع؛ يقول الدكتور أحمد شلبي (١٩١٥ - ٢٠٠٠م) (٤): «إن الثابت أن معرفة بني إسرائيل بالطب كانت قليلة حينذاك وقبل ذاك ... والذي نراه أن معجزات عيسى في صميمها تتفق مع طبيعة مولده، فمعجزاته من نوع مولده ترمي إلى إحياء الناحية الروحية وإقامة الدليل على وجود الروح، تلك التي أنكرها أكثر بني إسرائيل. فخلق شكل طير من الطين لا حَراك فيه، ثم النفخ فيه فيتحرك ويطير مع أن مادته لم يزد عليها شيء، معناه أن زيادة جديدة طرأت، وهذه الزيادة ليست مادية قط، فلا بد أن تكون روحية، وجسم الميت الذي لا يتحرك ولا يعي، يصبح بعد دعوة عيسى حيًا واعيًا دون زيادة مادية عليه، فمعنى ذلك وجود الروح» اهـ. ولقد جاءهم ﵇ ودعاهم إلى الأخلاق الفاضلة، وأراد أن يوجههم وجهة روحية، وأن يقلل تكالبهم على المال، ومثل هذه الدعوة لا تجد قلبًا سميعًا ولا تلاقي تأييدًا من

стр. 199

يهود قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (١). واشتد ارتياب اليهود وغضبهم عندما شاهدوه يكتسح أمامه كل ما يعتزون به من ضمانات؛ إذ يُعلِّم الناس أن الله ليس من المساومين، وأن ليس هناك شعب مختار، وأن الله هو المحب لكل الأحياء، وأنه لا يستطيع اختصاص البعض بالرعايات عدم استطاعة الشمس ذلك مع الناس (٢). ﴿فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ (٣)، وتآمرت الطائفة الكافرة على قتله، خاصة بعد أن وبخهم وأنبأهم بأن الله سيدمر لهم مدينتهم وهيكلهم بعد ما اتخذوه سوقًا للصرافة والتعامل بالربا، وملهى لسباق الحمام، ومعبدًا للأوثان، كما جاء في متَّى (٤): «ودخل يسوع إلى هيكل الله، وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في (الهيكل)، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص». ولكنه ﵇ نبأهم بخراب (الهيكل)، ولم ينبئهم بإعادة بنائه مرة أخرى، كما فعل أنبياؤهم السابقون: «... فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع: أما تنظرون جميع هذه. الحق أقول لكم: إنه لا يُترك ههنا حجر على حجر لا يُنقض!» (٥). فلما أحس اليهود بالخطر يتهدد أنظمتهم وطقوسهم العفنة «أغروا به الحاكم الروماني. ولكن الرومانيين كانوا وثنيين ولم يكونوا على استعداد للدخول في الخلافات الدينية بين اليهود، ولم تكن دعوة المسيح التي أعلنها إلا إصلاحًا خلقيًا ودينيًا فلم تتصل دعوته بالسياسة، ولم تمس الحكومة من قريب أو من بعيد، ولذلك لم يستحق غضب الرومان. ولكن اليهود تتبعوا عيسى لعلهم يجدون منه سقطة تثير عليه غضب الرومان» (٦).

стр. 200

فلما لم يجدوا ما يُغضبوا به عليه الرومان تقوَّلوا عليه وكذبوا: «وأخذوا يتهمونه فيقولون وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا ويمنعه من دفع الجزية إلى القيصر ويدَّعي أنه المسيح الملك» (١). «ثم كلم [رئيس الكهنة] هيرودس [ملك اليهود] والوالي [الروماني] قائلًا: كيفما كانت الحال فإن بين أيدينا معضلة. لأننا إذا قتلنا هذا الخاطئ خالفنا أمر قيصر. وإن تركناه حيًا وجعل نفسه ملكًا فكيف يكون المآل؟ فوقف حينئذ هيرودس وهدد الوالي قائلًا: احذر من أن يكون عطفك على ذلك الرجل باعثًا على ثورة هذه البلاد. لأني أتهمك بالعصيان أمام قيصر. حينئذ خاف الوالي مجلس الشيوخ وصالح هيرودس وكانا قبل هذا قد أبغض أحدهما الآخر إلى الموت. واتحدا معًا على إماتة يسوع وقالا لرئيس الكهنة: متى علمت أين الأثيم فأرسل إلينا نعطك جنودًا. وقد عمل هذا لتتم نبوءة داود الذي أنبأ بيسوع نبي إسرائيل قائلًا: اتَّحد أمراء الأرض وملوكها على قدُّوس إسرائيل لأنه نادى بخلاص العالم. وعليه فقد حدث تفتيش عام في ذلك اليوم على يسوع في أورشليم كلها» (٢). قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وبعد أن رفع الله تعالى المسيح ﵇ أنزل اليهود والرومان الوثنيين بأتباعه أشد ألوان العذاب والاضطهاد، يقول أبو زهرة ﵀ (٤): «لم يكن اضطهاد المسيحيين - بعد رفع المسيح ﵇ من الرومان فقط، بل كان من اليهود أيضًا، وأذاهم أمكن، وتنقيبهم عن العقيدة أدخل، لأنهم من الشعب ومخالطوهم ومعاشروهم، فهم بداخلهم أعرف».

стр. 201

ولعل من أبشع حركات الاضطهاد التي عاناها المسيحيون في القرن الأول تلك التي أنزلها بهم نيرون الطاغية Nero Claudius (٣٧ - ٦٨ م)، فقد ألقى بعضهم للوحوش الضارية تنهش أجسامهم، وأمر فطليت أجسام بعضهم بالقار وأشعلت لتكون مصابيح بعض الاحتفالات التي يقيمها نيرون في حدائق قصره (١). وعد الآخرة: وحينما جاء وعد الآخرة، تحقيقًا لنبوءة المسيح ﵇، وذلك في عام ٧٠م، غزا الإمپراطور الروماني تيطس Titus Flavius Vespasianus (٣٩ - ٨١ م) بجيوشه مدينة القدس على أثر ثورة قام بها اليهود، ودمر المعبد اليهودي تدميرًا، وأحرق المدينة بأكملها، وقتل منهم أعدادًا كبيرة، وهرب من نجا منهم من القتل ليتفرقوا ويتشتتوا في أنحاء متفرقة من الأرض (٢). وتبعه الإمپراطور هادريانوس Aelius Traianus Hadrianus (٧٦ - ١٣٨ م)، والذي أزال في عام ١٣٠م معالم المدينة ومعالم الأقصى تمامًا، وأقام مكانه معبدًا وثنيًا للإله چوپيتر Jupiter رب الآلهة الرومانية. كما قام بإبادة البقية الباقية من يهود حيث كان يراهم مصدرًا للثورات والإزعاج المتكرر. ومن حين تدمير الأقصى لم يعد يربط اليهود أية سلطة مركزية، حيث تفرقوا وتشتتوا في أرجاء الأرض، كما أخبر ربنا ﵎: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ (٣). وتوعدهم الله ﷻ على اقتراف المعاصي فقال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ﴾ أي: إلى الإفساد

стр. 202

في الأرض ﴿عُدْنَا﴾ إلى عقوبتكم، ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (١). ففي الآيات دعاهم الله الرحمن الرحيم إلى التوبة والاستقامة على أمر الله، ولكنهم كما قال العليم الخبير: ﴿كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢). ... فائدة: يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (٣): «تأمل عبارة عيسى ﵇ في الإنجيل: "لا يُترك ههنا حجر على حجر لا يُنقض"، وعبارة القرآن: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، واستنتج لماذا داخ اليهود بعد حفريات طويلة في العثور على أي أثر للمسجد باستثناء حائط البراق الذي أبقى الله تعالى عليه ليكون آية باقية على رحلة الإسراء التي نسخت حق اليهود في الأرض المقدسة». ويقول محمد حسنين هيكل (٤): «يقول وليام داريمپل William Dalrymple في كتابه عن القدس بعنوان (المدينة المسحورة) (٥)، تفاصيل موثقة عن الجهد الذي بذلته الدولة الإسرائيلية من سنة ١٩٤٨ إلى سنة ١٩٩٥م، في التنقيب عن آثار تدل على تاريخ يهودي في فلسطين يمكن الإشارة إليه وإشهاره في وجه المتشككين في القصص الأسطوري، ويعطي داريمپل مثالًا لذلك قصة التنقيب عن بقايا هيكل سليمان، ويقول: "كان تقدير العلماء الإسرائيليين أن موقع الهيكل قريب من أسوار مسجد قبة الصخرة، وبدأت الحفريات واستمرت رغم اعتراضات اليونسكو (منظمة الثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization UNESCO)، وعثرت البعثات الإسرائيلية على بقايا معالم أعلنت عنها وهللت لها، ثم اضطرت إلى تغطية الاكتشاف كله بستائر من الصمت، لأن البقايا

стр. 203

التي عثر عليها لم تكن إلا آثار قصر لأحد الملوك الأمويين، وهو أمر يدحض الدعاوى اليهودية من الأساس ويكشف أنه ليس هناك ماض ينبني عليه حاضر ومستقبل! ". وكان تعليق العالمة اليهودية الشهيرة الدكتورة شولاميت چيفا Shulamit Geva - أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة تل أبيب - قولها بالنص: "إن علم الآثار اليهودي أريد له تعسفًا أن يكون أداة للحركة الصهيونية، تختلق بواسطته صلة بين التاريخ اليهودي القديم والدولة اليهودية المعاصرة". وذلك يتفق تمامًا مع دراسة للأستاذ كيث ويتلم Keith Whitlam نشرها بعنوان يغني عن كل شيء: "اختراع التاريخ اليهودي القديم وخنق التاريخ الفلسطيني كله"!». ويقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم (١): «ولو ثبت ذلك جدلًا لما ساغ أن يهدم المسجد ليقام مكانه الهيكل، لأن شريعة محمد ﷺ نسخت كل الشرائع التي سبقتها، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٢) "» اهـ. ولقد كانت آيات الإسراء بمثابة إعلان لليهود بإقالتهم من منصبهم الذي نصبهم الله تعالى إياه؛ يقول صفي الرحمن المباركفوري ﵀ (١٩٤٣ - ٢٠٠٦م) (٣): «يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدي للتى هي أقوم، فربما يظن القارئ أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن الله تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس، لأن اليهود سيُعزَلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية، لما ارتكبوا من الجرائم التي لا مجال بعدها لبقائهم على هذا المنصب، وإن الله سينقل هذا المنصب فعلًا إلى رسوله ﷺ ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر

стр. 204

والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم» اهـ. ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١) ... يهود الدياسپورا: لن نتتبع في هذا الفصل هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية، لأننا سوف نتعرض لهذه المسألة في الباب التالي. والذي يعنينا هنا هو تتبع هجرة اليهود إلى بلاد أوروپاحيث عرفوا باسم يهود الشتات أو الدياسپورا Diaspora، حيث نمت هناك جذور الصهيونية .. ومن الممكن لنا قبل التوغل إلقاء نظرة عامة على هجرات الجماعات اليهودية عبر التاريخ .. فيقول الدكتور المسيري ﵀ (٢): «لقد كان العبرانيون جزءًا من جماعات سامية ضخمة تتحرك في الشرق الأدنى القديم، ابتداءً من الألف الثاني قبل الميلاد ... ونحن نسمِّي هذه المرحلة المرحلة السامية السديمية لأن معالم الأشياء لم تكن واضحة ولأن القبائل والأقوام المهاجرة المتنقلة كانت متداخلة. كما شهدت مرحلة الإمپراطوريات الكبرى، البابلية والآشورية ثم الفارسية واليونانية والرومانية، بدايات الهجرة التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأول قبل الميلاد ...». «... وينتقل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من وطن إلى آخر بحثًا عن الرزق ولتحسين المستوى المعيشي بصفة عامة، أو لأسباب أخرى مثل التهجير والطرد أو الاضطهاد أحيانًا ... وقد اتسمت حياة العبرانيين في عصر الآباء (منذ عام ٢٠٠٠ق. م) بالتنقل البدوي من بلد إلى آخر وبالبقاء على حواف المدن أو على طُرُق التجارة. وفي هذه المرحلة، استوطنت بعض العناصر العبرانية أرض كنعان وفي مصر دون أن تضرب

стр. 205

جذورًا في أي منهما. وقد خرج العبرانيون من مصر أو هاجروا منها (عام ١٦٤٥ق. م) ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في سيناء انتهت بالتغلغل العبراني في كنعان (عام ١١٨٩ق. م) الذي أعقبته فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام اتحاد القبائل العبرانية في شكل المملكة العبرانية المتحدة ثم المملكتين العبرانيتين: المملكة الشمالية [يسرائيل] والمملكة الجنوبية [يهودا]. وقد انتهت هذه المرحلة بالتهجير الآشوري [من يسرائيل] ثم التهجير البابلي [من يهودا]. وبعد هذه المرحلة، ينتهي التهجير ليبدأ اليهود في الانتشار في بقاع الأرض بوصفهم جماعات يهودية لا يربطها رابط سوى الانتماء إلى العقيدة الدينية الإثنية نفسها. وتبدأ هذه المرحلة حين فضلت أعداد كبيرة من اليهود الاستمرار في بابل مُكوِّنةً بذلك نواة أول جماعة يهودية تستقر خارج فلسطين بعد مرحلة التهجير البابلي ... ثم قامت الإمپراطورية اليونانية بفرض هيمنتها على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والشرق الأدنى القديم (٣٣٢ق. م)، وهو ما يسَّر عملية انتقال اليهود وانتشارهم، فاستقرت أعداد كبيرة منهم في مصر، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص. كما استقروا في برقة وقبرص وآسيا الصغرى. وقد بدأ الانتشار في أوروپاالغربية في تلك المرحلة أيضًا. وحين قضى الرومان على فلسطين كإحدى نقاط تَجمُّع الجماعات اليهودية وأحد مراكزها، وحتى حين هدم تيطس الهيكل (عام ٧٠م)، لم يؤثر ذلك كثيرًا في حركة تدفُّق اليهود أو على شكلها، إذ إنها بدأت على أية حال قبل ذلك التاريخ، حيث استمر تَدفُّق اليهود خارج فلسطين وإلى مختلف البلدان، خصوصًا إلى أوروپاوحوض البحر الأبيض المتوسط» (١). يؤكد على هذه الحقيقة الباحث الأمريكي إيان لوستك بقوله (٢): «كان عدد كبير من اليهود يقيم خارج أرض إسرائيل منذ أمد بعيد يسبق قضاء الرومان على استقلال اليهود في فلسطين وقتلهم أو طردهم معظم السكان اليهود المقيمين فيها» اهـ.

стр. 206

وتقول الدكتورة سناء عبد اللطيف (١): «وبعد تخريب أورشاليم وهدم الهيكل فر عدد ممن بقوا على قيد الحياة إلى مصر وسوريا، وأخذت القوات الرومانية باقي اليهود أسرى إلى أوروپا، وباعتهم كرقيق في أسواق النخاسة في أوروپا، وقام التجار اليهود الذين كانوا قد استوطنوا أوروپامن قبل بشراء العبيد اليهود وعتقهم، ومن ثم تكونت جاليات يهودية كبيرة في أوروپا، في إيطاليا وإسپانيا وألمانيا حتى الراين» اهـ. «وقد شهدت بداية العصور الوسطى في الغرب (القرن الرابع الميلادي) شيئًا من الاستقرار النسبي بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في الغرب المسيحي ثم في الشرق الإسلامي بسبب استقرار الأحوال السياسية والاقتصادية فيها ... وكانت توجد ثلاثة خطوط أساسية للهجرة إلى أوروپا: من فلسطين إلى جنوب إيطاليا ومنها عبر جبال الألپ إلى فرنسا وألمانيا، ومن الإمپراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) عبر وادي الدانوب إلى وسط أوروپا، ومن العراق ومصر عبر المغرب إلى إسپانيا. وهكذا انتقلت الكثافة السكانية اليهودية (بين عامي ٥٠٠ق. م-١٠٠٠م) من الشرق الأوسط إلى أوروپا» (٢). ... يهود أوروپامن العصور الوسطى (من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر) إلى عهد الإصلاح الديني: نضع بدايةً تصورًا عامًا لطبيعة حياة الجماعات البشرية المهاجرة أو المُهجَّرة، والتي يعرِّفها المسيري بـ (الجماعات الوظيفية) .. يقول (٣): «الجماعات الوظيفية، مصطلح قمنا بوضعه، استنادًا إلى مصطلحات قريبة في علم الاجتماع، لوصف مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات الإنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم من بين

стр. 207

الأقليات الإثنية أو الدينية، أو حتى من بعض القرى أو العائلات. ثم يوكل لأعضاء هذه المجموعات البشرية أو الجماعات الوظيفية وظائف شتى لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، ولذا يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا - البغاء)، أو المتميِّزة (القضاء - الترجمة - الطب) التي تتطلب الحياد والتعاقدية ... وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوطينهم في المناطق النائية). كما أنه قد يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية الوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني (حرس الملك - طبيبه - السفراء - الجواسيس). ويمكن أن تكون الوظيفة مشينة ومتميِّزة حساسة في آن واحد (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على وجه العموم). كما أن المهاجرين عادةً ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجديد)، ذلك لأن الوظائف الأساسية في وطنهم الجديد عادةً ما يكون قد تم شغلها من قِبَل أعضاء الأغلبية. ويجب أن نؤكد أننا، حينما نقول "يستجلب المجتمع"، لا نعني أن هذه عملية واعية يقوم بها أعضاء مجتمع ما، فهي في واقع الأمر عملية غير واعية كما هو الحال مع معظم الظواهر الاجتماعية. وكثيرًا ما تكون هذه العملية غير مفهومة لمن يقومون بها، سواء أكان المجتمع المضيف أم الجماعة الوظيفية. بل إن هذه العملية الاجتماعية قد تتم رغم الرفض الواعي لها من قبل المجتمع والجماعة ... ولكننا، لقصور لغتنا البشرية، نضطر إلى الإشارة إلى المجتمع وأعضائه كما لو كان ذاتًا واعية ينجز عملياته بشكل واع. ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها، بل يتوحدون بها، وفي نهاية الأمر يكتسبون هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم منها بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب لا من خلال إنسانيته الكاملة، فيصبح عضو الجماعة الوظيفية إنسانًا ذا بُعد واحد يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد، وهو وظيفته».

стр. 208

والأسباب التي تؤدي إلى ظهور الجماعات الوظيفية عدة، نذكر منها: «وصول المهاجرين؛ فالمهاجرون لا يمكنهم الانخراط في كل الحِرَف والنشاطات الاقتصادية، ولذا فإن عليهم اختيار حِرَف أخرى. وعلى أية حال، فإن هذا أمر حتمي، فحينما يصل المهاجرون أو الوافدون إلى مجتمع ما فإنهم عادةً ما يصلون بعد أن يكون هرمه الاجتماعي قد تَشكَّل وتم شغل الأرض الزراعية (ملكيةً وعمالة)، وبعد أن تكون القطاعات الأولية قد امتلأت، بعد أن يكون جزء كبير من رأس المال قد استُثمر في تشييد البنية التحتية. ولذا، يقوم المهاجرون بالبحث إما عن وظائف قديمة لكنها هامشية أو عن وظائف جديدة تتطلب قدرًا من الجسارة ونوعًا من الخبرة التي لا تتوافر لأعضاء المجتمع، وهى عادةً وظائف تُوجَد في قمة الهرم الإنتاجي ولا علاقة لها بالأرض أو الصناعات الثقيلة أو بالمؤسسات الأساسية المستقرة في المجتمع. ويحاول المهاجرون ارتياد آفاق جديدة مجهولة يحجم عن ارتيادها أعضاء المجتمع المضيف المستقرون، كما يحاولون استغلال الإمكانات التي لم تُستغَل بعد، ويحاولون كذلك توسيع الثغرات الموجودة بالفعل حتى تتاح لهم فرص جديدة للعمل ووظائف لهم بها خبرة، ومن ثم يمكنهم احتكارها» (١). ولو تحدثنا عن الجماعات اليهودية خاصة، فنسجِّل الآتي: «يمكن تفسير ظاهرة تحول كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية بمركَّب من الأسباب، تاريخي واجتماعي وديني. ويمكننا أن نبدأ بالعودة إلى الدولة العبرانية القديمة، وهي دولة لم تكن تتمتع بمستوى تكنولوچي أو حضاري متقدم، ولهذا كانت غير قادرة على تشغيل كل سكانها. كما أنها كانت دولة ضعيفة غير قادرة على حمايتهم، الأمر الذي أسفر عن أسر عشرات وربما مئات الألوف منهم، حيث هُجِّروا إلى بابل وآشور فتحولوا إلى جماعات بشرية غريبة يمكن تجنيدها كمرتزقة أو مستوطنين، كما أنهم تخصصوا هناك في وظائف بعينها دون غيرها. ومما عمَّق هذا الاتجاه، وجود كثير من الجماعات اليهودية في الشرق الأوسط وفي حوض البحر المتوسط، وهي منطقة سيطرت

стр. 209

عليها عديد من الإمپراطوريات، الواحدة تلو الأخرى، وكانت القوى الإمپراطورية الصاعدة تتحالف مع أعضاء الجماعات اليهودية نظرًا لعدم خشيتها منهم وتجندهم في صفوفها كمرتزقة أو مستوطنين أو حتى جواسيس. وكانت فكرة الوطن الأصلي، مركز اهتمامهم الديني، تساعد على إضعاف علاقتهم بوطنهم الجديد، وعلى عزلتهم عن مجتمعاتهم، وعلى انغلاقهم على أنفسهم. وكان من الممكن أن تختفي هذه الجماعات تمامًا بسقوط الهيكل، ولكن الذي حدث أن فكرة الوطن الأصلي (الحنين إلى صهيون) حلت محل الوطن الأصلي ذاته، وهو ما أعطى أعضاء الجماعات اليهودية تَماسُكًا إثنيًا - ولكنه تَماسُك وهمي لأنه لم يَعُد هناك مركز قومي فعلي يحدد المعايير الدينية أو القومية. وبينما كانت الهويات اليهودية تتشكل في الواقع من خلال تشكيلات حضارية مختلفة، كان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية اليهودية الإثنية الدينية الواحدة. وهذه التركيبة مناسبة إلى أقصى درجة للجماعات الوظيفية، ففكرة الوطن تضمن تماسكهم وعزلتهم وتَجرُّدهم اللازم للاضطلاع بوظائفهم المختلفة، بينما يساعد تكيفهم الفعلي على زيادة كفاءتهم وعلى أن يصبحوا في المجتمع دون أن يكونوا منه. وقد دعَّم تدوين التلمود هذه الازدواجية: الاستقلالية الإثنية النفسية من ناحية، والتكيف والاندماج الفعلي من ناحية أخرى؛ فالتلمود يضم التفاصيل الخاصة بشعائر الصلوات في الهيكل وكل التفاصيل الخاصة برداء الكاهن الأعظم والشعائر الخاصة بسنة اليوبيل والسنة السبتية، كما يضم أدق التفاصيل الخاصة بما سيحدث بعد عودة الماشَّيح إلى صهيون وكل الشعائر الخاصة بحياة اليهودي خارج مجتمع الأغيار، أي إن التلمود كرَّس عزلة أعضاء الجماعة وقننها وزود فكرة الهوية اليهودية بإطار واضح وتَحوَّل هو ذاته إلى (وطن اليهود - الوهمي - المتنقل) الذي يشكل نقطة مرجعية نفسية دون أن يكون مأوى حقيقيًا لهم. ولكن أهم العوامل التي أدَّت إلى تَحوُّل كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، هو طبيعة المجتمع الإقطاعي في الغرب. وقد أشرنا إلى أن ظهور مثل هذه الجماعات يعود عادةً إلى وجود ثغرة في المجتمع بين رغباته وحاجاته من جهة، ومقدرته

стр. 210

على الوفاء بها من جهة أخرى. وقد كانت مثل هذه الثغرة قائمة في المجتمع الإقطاعي الغربي، حيث كان يوجد نبلاء وفرسان من ناحية وفلاحون من ناحية أخرى. وكان النشاطان الأساسيان هما القتال والزراعة، أما القتال فكان مغلقًا تمامًا بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية لأنها وظيفة كانت مرتبطة تمام الارتباط بطبيعة المجتمع الاقطاعي الغربي المسيحية. ورغم أن الزراعة كانت بديلًا مفتوحًا أمام أعضاء الجماعات اليهودية إلا أنه تم استبعادهم منها تدريجيًا (١). أما بخصوص النشاطات التجارية والمالية وبعض الحِرَف فكانت نشاطات هامشية وأحيانًا وضيعة تحتاج لعنصر محايد غريب للاضطلاع بها. وقد قامت كلٌ من المدن المختلفة وأعضاء الجماعات اليهودية بسد هذه الثغرة» (٢). ولقد أدى تحول اليهود إلى جماعات وظيفية إلى استقرار عدة سمات أساسية، لعل من أهمها: - العلاقة النفعية التعاقدية التي لا تتسم بالتراحم. - العزلة والغربة، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ مشاعر السخط والكراهية لدى الشعب. - الانفصال عن الزمان والمكان والإحساس بالهوية (الوهمية). وقد ترجم هذا نفسه إلى عقيدة المشيحانية التي أضعفت أواصر ارتباط اليهود بالمكان الحالي باسم المكان السابق الذي نُفوا منه، وهو أيضًا المكان الذي سيعودون إليه في المستقبل. - ازدواجية المعايير: فقد قسَّمت العقيدة اليهودية العالم في كثير من الأحيان إلى اليهود من جهة والأغيار من جهة أخرى. وكان بإمكان اليهودي أن يقرض الأغيار بالربا، ولكنه يُحرِّم على نفسه أن يفعل ذلك مع اليهود. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم شعبًا مقدَّسًا (وهذا يعني أن أعضاء المجتمع مباحون). ولعل هذا يُفسِّر وجود أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملاحظ في جرائم انتهاك الحرمات مثل البغاء ونشر المجلات الإباحية وغير ذلك (٣).

стр. 211

كذلك فإن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يُعَدُّون من غرباء، وحسب القانون (العرف) الألماني، فإن الغريب يتبع الملك ويُوضَع تحت حمايته ويُصبح من أقنانه (أقنان البلاط). ومن هنا، كان لا بد أن يستند وجودهم إلى مواثيق خاصة تمنحهم حقوقًا ومزايا معيَّنة نظير اضطلاعهم بوظائف محدَّدة. ومن ناحية الأساس، كانت هذه الوظائف هي التجارة والربا وجمع الضرائب. ويعني مفهوم أقنان البلاط أن أعضاء الجماعات اليهودية، من خلال تبعيتهم المباشرة للملك، يقعون خارج نطاق العلاقات الإقطاعية، وأنهم بذلك أصبحوا جزءًا من الطبقة الحاكمة أو على الأقل أداة في يدها. ولم يكن اليهود ملكية خاصة للملك أو لغيره بالمعنى المجازي، كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، فقد كانوا ملكية خاصة بالمعنى الحرفي كالعبيد أو المماليك. وقد عبَّر قانون إسپانيا الشمالية عن المفهوم حين نص على أن اليهود «عبيد الملك، وهم دائمًا مِلك الخزينة الملكية»، كما ورد نص في أحد القوانين الصادرة في إنجلترا في القرن الثاني عشر الميلادي، يوضح هذا المفهوم تمامًا، جاء فيه ما يلي: «كل اليهود حيثما كانوا في المملكة هم موالي الملك وتحت وصايته وحمايته، ولا يستطيع أيٌّ منهم أن يضع نفسه تحت حماية أي شخص قوي دون رخصة بذلك من الملك؛ لأن اليهود أنفسهم وكل منقولاتهم مِلك للملك (شاتيل Chattel). ولذلك، إن قام أي فرد باحتجازهم أو احتجاز أموالهم فإن من حق الملك، متى شاء استطاع، أن يطالب بهم باعتبارهم حقًا خالصًا له». وكان يتم شراء أعضاء الجماعات اليهودية وبيعهم ورهنهم وكأنهم أشياء ثمينة. وأحيانًا، كان يتم إهداء يهودي واحد إلى صديق معوز. وكان من الممكن أن يقوم مالك اليهود برهنهم. وإذا قُتل يهودي أو أُلحق به الأذى لا تُدفَع ديته أو التعويض عنه لأهله، وإنما كانت تُدفَع للملك باعتباره مالك اليهود. وفي إسپانيا المسيحية، كان من حق المحاكم اليهودية أن تصدر حكمها بالإعدام على أي يهودي، وأن تقوم بتنفيذ الحكم عليه ولكن بعد أن تدفع ثمنه للملك. وإن ألحقت إحدى المدن الأذى باليهود، كان عليها دفع غرامة للإمپراطور. وكان الملك يتدخل بكل قوته لحماية اليهود. وكان بوسع من ليس لديه يهود

стр. 212

أن يقتنيهم وأن يحصل على المواثيق الإمپراطورية التي تخول له ذلك. وكانت بعض المدن تشتري اليهود المقيمين فيها من الإمپراطور حتى يمكنها طردهم والتخلص من منافستهم. وكان من حق الملك أن يتصرف بشكل مطلق في أملاك اليهود، فكان أحيانًا يهدي كل ممتلكاتهم إلى أحد أصدقائه دون أن يكلف نفسه عناء إخبارهم. وكان التصرف في ملكية اليهود الذين يموتون أو يُقتَلون أمرًا سهلًا للغاية. وكانت حماية الإمپراطور لليهود تمتد لتشمل حرية الحركة وإعفاءهم من كل القيود التي كانت تعوق التنقل والتجارة، كما كانت تشمل مزايا ضخمة تضعهم في مرتبة أعلى من كل طبقات المجتمع المسيحي في العصور الوسطى ربما باستثناء النبلاء، وكانت هناك حالات يتساوى فيها اليهود مع كبار النبلاء (١). وكان من بين اليهود من هم في درجة أرقى من الأقنان، وهم من عرفوا باسم يهود البلاط، «وهم وكلاء الحكام ومستشاروهم في الأمور التجارية والمالية في العالم الغربي، وهم من أهم الجماعات الوظيفية الوسيطة في عصر الملكيات المطلقة في أوروپا، خصوصًا في وسطها في القرن السابع عشر. وكانت العلاقة بين يهود البلاط والأمراء كانت علاقة نفعية تمامًا، فهم يستفيدون من علاقتهم بالحاكم ليحققوا الثروات ويحصلوا على المزايا. وهو بدوره يبقي عليهم بمقدار ما يستفيد من وجودهم باعتبارهم مصدرًا لا ينضب للثروة، يعتصر كميات كبيرة من أموالهم عن طريق الضرائب التي يفرضها عليهم ومن خلال الهدايا التي كان يحصل عليها منهم في مناسبة تتويجه وفي غير ذلك من المناسبات. كما أنهم كانوا يشترون منه حقوقهم وامتيازاتهم نظير أموال طائلة. وإلى جانب هذا، كانوا يؤدون العديد من الخدمات للبلاط، أي إنهم كانوا أداة للتاج لا تربطهم به رابطة وثيقة تتجاوز المستوى الاقتصادي النفعي. وكان يهود البلاط مكروهين من الجماهير باعتبارهم أداة الاستغلال المباشرة، ومن البورچوازية المحلية لأنهم يشكلون غريمًا لها، ومن النبلاء وكثير من أعضاء النخبة الحاكمة لأنهم أداة في يد الملك يستخدمها لتدعيم نفوذه على حسابهم.

стр. 213

ومع هذا، لا بد أن نقرر أن يهود البلاط كانوا أقل هامشية من أقنان البلاط والتجار والمرابين اليهود، إذ تحركوا نحو المركز قليلًا من الناحية الوظيفية والاقتصادية والحضارية. فكان يهود البلاط يندمجون حضاريًا في المجتمع الذي يعيشون فيه فيرتدون رداءً أوروپيًا، ويسلكون سلوكًا أوروپيًا، يعيشون خارج الجيتو، ويتمتعون بحرية الحركة، ولا يدفعون أية ضرائب، ويتمتعون بكثير من الحقوق المدنية التي لا يتمتع بها بقية أعضاء الجماعة اليهودية. كما كانوا يُمنحون ألقابًا لا تُمنَح إلا للنبلاء. وكانت مصالحهم الاقتصادية مرتبطة تمامًا بمصالح الملك أو الحاكم أو الدولة، وكثيرًا ما كانت تتعارض مع مصالح الجماعات اليهودية الأخرى، بل كان بعضهم يقف ضد هجرة اليهود إلى بلادهم ويؤلبون الملك ضد المهاجرين الجدد. وقد كان يهود البلاط واعين تمامًا بالتحولات الثقافية والمالية العميقة في المجتمع الأوروپي، ولذا كانوا من أوائل العناصر التي رحبت بحركة التنوير اليهودية وشجعوا دعاتها. ويُلاحَظ أن كثيرًا من أبناء يهود البلاط قد تَنصَّروا، ربما بسبب الجو الثقافي الاندماجي الذي نشأوا فيه. ومع هذا، كان ليهود البلاط موقف القيادة والزعامة بين يهود البلد الذي يعيشون فيه، ولكنها كانت قيادة مفروضة من الخارج، من عالم الأغيار، وتستمد شرعيتها من نجاحها فيه، وكانت قيادتهم مطلقة حتى إن أحد يهود البلاط أصر على أن تكون كل المناصب القيادية في إحدى الجماعات اليهودية مقصورة على أفراد أسرته، وهو أمر لم يكن شاذًا في عصر الملكيات المطلقة. وقد وصف أحدهم روتشيلد بأنه «ملك اليهود، ويهودي الملك»، وهو وصف دقيق لوضع يهود البلاط وعلاقتهم بكلٍّ من النخبة الحاكمة غير اليهودية وأعضاء الجماعة اليهودية. وقد أصبحت وظيفة يهود البلاط وراثية وتحولوا إلى أسر مالية أرستقراطية تتصارع فيما بينها على النفوذ والسلطة وأصبحوا طائفة مغلقة يتزاوج أفرادها فيما بينهم ويستبعدون اليهود العاديين. ويمكن القول بأن صورة يهودي البلاط كعبقري ساحر، وكصاحب نفوذ يُقرِض الملوك والأمراء، قد تجذرت في الوجدان اليهودي في الغرب (١). ...

стр. 214

نظرة على المجتمعات اليهودية الأوروپية من الداخل: وبعد أن ألقينا نظرة سريعة على الإطار الحياتي العام للمجتمعات اليهودية الأوروپية، نتخلل قليلًا إلى داخلها .. فلقد كان الطابع الديني يسود المجتمع الأوروپي النصراني واليهودي بشكل عام في العصور الوسطى، وكانت السلطة الحاخامية هي المسيطرة في المقام الأول على الجماعات اليهودية، وهي التي كانت تبث سمومها في العامة الجاهلة أتباع كل ناعق، أولئك الذين أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (١). فيذكر إسرائيل شاحاك ونورتون ميزفنسكي أن «أهم خاصيتين يهوديتين جديدتين تبلورتا في هذه الفترة هما انغلاق المجتمع اليهودي والانفصال اللاحق لليهود عن كل الأمم الأخرى، ولأول مرة يشار إلى أفراد الأمم الأخرى باسم الأغيار (غير اليهود، وهو لفظ توراتي). والخاصية الجديدة الثانية كانت قائمة على افتراض أن اليهود يجب أن يتبعوا شريعة الكتاب المقدس التي هي الشريعة الحقيقية. ومع ذلك، طوال الجانب الأعظم من هذه الحقبة، كان هناك الكثير من الخلافات حول التفسيرات المختلفة والمتصارعة للشريعة الموجودة في الكتاب المقدس. وفي بعض الأحيان، تحولت هذه الخلافات إلى حروب أهلية. ولم يكن الصراع الطويل الأمد الذي نشب بين الفريسيين والصدوقيين (٢) إلا أحدَ أمثلة ذلك» (٣). ويعرِّف الپروفيسور إسرائيل شاحاك هذه الحقبة من التاريخ اليهودي بكل ما تشمله من عقائد بحقبة (اليهودية الكلاسيكية)، يقول (٤): «قد لا يكون هناك تعريف أفضل لليهودية

стр. 215

الكلاسيكية أو بالطريقة التي حورها إليها الحاخامات، أفضل من التعريف الأفلاطوني. أو على وجه التحديد ما ادعى هاداس Moses Hadas (١٩٠٠ - ١٩٦٦ م) أن اليهودية تبنته من خلال ما وضعه أفلاطون نفسه على أنه أهداف برنامجه، في النص التالي المعروف جيدًا: "بشكل أساسي لا أحد - رجلًا أو امرأة - يمكن أن يحيا بلا شرطي يوجهه، وأنه لا يجب لإنسان أن يكون لديه هذه العادة الذهنية بأخذ أية خطوة، سواء كانت جدية أم هزلية، على مسئوليته الخاصة. في السلم تمامًا كما في الحرب عليه أن يحيا دائمًا وعينيه على ضابطه الأعلى، بمعنى آخر علينا ألا نمرن عقل الفرد على إعمال فكره أو حتى أن يعرف كيفية القيام بهذا" (Laws, ٩٤٢ab). وإذا استبدلنا كلمة (حاخام) بالـ (شرطي) أو (الضابط)، فسوف يكون لدينا تصور واضح عن اليهودية الكلاسيكية» اهـ.
следующие страницы →