كذلك فإن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يُعَدُّون من غرباء، وحسب القانون (العرف) الألماني، فإن الغريب يتبع الملك ويُوضَع تحت حمايته ويُصبح من أقنانه (أقنان البلاط). ومن هنا، كان لا بد أن يستند وجودهم إلى مواثيق خاصة تمنحهم حقوقًا ومزايا معيَّنة نظير اضطلاعهم بوظائف محدَّدة. ومن ناحية الأساس، كانت هذه الوظائف هي التجارة والربا وجمع الضرائب.
ويعني مفهوم أقنان البلاط أن أعضاء الجماعات اليهودية، من خلال تبعيتهم المباشرة للملك، يقعون خارج نطاق العلاقات الإقطاعية، وأنهم بذلك أصبحوا جزءًا من الطبقة الحاكمة أو على الأقل أداة في يدها. ولم يكن اليهود ملكية خاصة للملك أو لغيره بالمعنى المجازي، كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، فقد كانوا ملكية خاصة بالمعنى الحرفي كالعبيد أو المماليك. وقد عبَّر قانون إسپانيا الشمالية عن المفهوم حين نص على أن اليهود «عبيد الملك، وهم دائمًا مِلك الخزينة الملكية»، كما ورد نص في أحد القوانين الصادرة في إنجلترا في القرن الثاني عشر الميلادي، يوضح هذا المفهوم تمامًا، جاء فيه ما يلي: «كل اليهود حيثما كانوا في المملكة هم موالي الملك وتحت وصايته وحمايته، ولا يستطيع أيٌّ منهم أن يضع نفسه تحت حماية أي شخص قوي دون رخصة بذلك من الملك؛ لأن اليهود أنفسهم وكل منقولاتهم مِلك للملك (شاتيل Chattel). ولذلك، إن قام أي فرد باحتجازهم أو احتجاز أموالهم فإن من حق الملك، متى شاء استطاع، أن يطالب بهم باعتبارهم حقًا خالصًا له».
وكان يتم شراء أعضاء الجماعات اليهودية وبيعهم ورهنهم وكأنهم أشياء ثمينة. وأحيانًا، كان يتم إهداء يهودي واحد إلى صديق معوز. وكان من الممكن أن يقوم مالك اليهود برهنهم.
وإذا قُتل يهودي أو أُلحق به الأذى لا تُدفَع ديته أو التعويض عنه لأهله، وإنما كانت تُدفَع للملك باعتباره مالك اليهود. وفي إسپانيا المسيحية، كان من حق المحاكم اليهودية أن تصدر حكمها بالإعدام على أي يهودي، وأن تقوم بتنفيذ الحكم عليه ولكن بعد أن تدفع ثمنه للملك. وإن ألحقت إحدى المدن الأذى باليهود، كان عليها دفع غرامة للإمپراطور. وكان الملك يتدخل بكل قوته لحماية اليهود. وكان بوسع من ليس لديه يهود
стр. 212
أن يقتنيهم وأن يحصل على المواثيق الإمپراطورية التي تخول له ذلك. وكانت بعض المدن تشتري اليهود المقيمين فيها من الإمپراطور حتى يمكنها طردهم والتخلص من منافستهم. وكان من حق الملك أن يتصرف بشكل مطلق في أملاك اليهود، فكان أحيانًا يهدي كل ممتلكاتهم إلى أحد أصدقائه دون أن يكلف نفسه عناء إخبارهم.
وكان التصرف في ملكية اليهود الذين يموتون أو يُقتَلون أمرًا سهلًا للغاية. وكانت حماية الإمپراطور لليهود تمتد لتشمل حرية الحركة وإعفاءهم من كل القيود التي كانت تعوق التنقل والتجارة، كما كانت تشمل مزايا ضخمة تضعهم في مرتبة أعلى من كل طبقات المجتمع المسيحي في العصور الوسطى ربما باستثناء النبلاء، وكانت هناك حالات يتساوى فيها اليهود مع كبار النبلاء (١).
وكان من بين اليهود من هم في درجة أرقى من الأقنان، وهم من عرفوا باسم يهود البلاط، «وهم وكلاء الحكام ومستشاروهم في الأمور التجارية والمالية في العالم الغربي، وهم من أهم الجماعات الوظيفية الوسيطة في عصر الملكيات المطلقة في أوروپا، خصوصًا في وسطها في القرن السابع عشر. وكانت العلاقة بين يهود البلاط والأمراء كانت علاقة نفعية تمامًا، فهم يستفيدون من علاقتهم بالحاكم ليحققوا الثروات ويحصلوا على المزايا. وهو بدوره يبقي عليهم بمقدار ما يستفيد من وجودهم باعتبارهم مصدرًا لا ينضب للثروة، يعتصر كميات كبيرة من أموالهم عن طريق الضرائب التي يفرضها عليهم ومن خلال الهدايا التي كان يحصل عليها منهم في مناسبة تتويجه وفي غير ذلك من المناسبات. كما أنهم كانوا يشترون منه حقوقهم وامتيازاتهم نظير أموال طائلة. وإلى جانب هذا، كانوا يؤدون العديد من الخدمات للبلاط، أي إنهم كانوا أداة للتاج لا تربطهم به رابطة وثيقة تتجاوز المستوى الاقتصادي النفعي.
وكان يهود البلاط مكروهين من الجماهير باعتبارهم أداة الاستغلال المباشرة، ومن البورچوازية المحلية لأنهم يشكلون غريمًا لها، ومن النبلاء وكثير من أعضاء النخبة الحاكمة لأنهم أداة في يد الملك يستخدمها لتدعيم نفوذه على حسابهم.
стр. 213
ومع هذا، لا بد أن نقرر أن يهود البلاط كانوا أقل هامشية من أقنان البلاط والتجار والمرابين اليهود، إذ تحركوا نحو المركز قليلًا من الناحية الوظيفية والاقتصادية والحضارية. فكان يهود البلاط يندمجون حضاريًا في المجتمع الذي يعيشون فيه فيرتدون رداءً أوروپيًا، ويسلكون سلوكًا أوروپيًا، يعيشون خارج الجيتو، ويتمتعون بحرية الحركة، ولا يدفعون أية ضرائب، ويتمتعون بكثير من الحقوق المدنية التي لا يتمتع بها بقية أعضاء الجماعة اليهودية. كما كانوا يُمنحون ألقابًا لا تُمنَح إلا للنبلاء. وكانت مصالحهم الاقتصادية مرتبطة تمامًا بمصالح الملك أو الحاكم أو الدولة، وكثيرًا ما كانت تتعارض مع مصالح الجماعات اليهودية الأخرى، بل كان بعضهم يقف ضد هجرة اليهود إلى بلادهم ويؤلبون الملك ضد المهاجرين الجدد. وقد كان يهود البلاط واعين تمامًا بالتحولات الثقافية والمالية العميقة في المجتمع الأوروپي، ولذا كانوا من أوائل العناصر التي رحبت بحركة التنوير اليهودية وشجعوا دعاتها. ويُلاحَظ أن كثيرًا من أبناء يهود البلاط قد تَنصَّروا، ربما بسبب الجو الثقافي الاندماجي الذي نشأوا فيه.
ومع هذا، كان ليهود البلاط موقف القيادة والزعامة بين يهود البلد الذي يعيشون فيه، ولكنها كانت قيادة مفروضة من الخارج، من عالم الأغيار، وتستمد شرعيتها من نجاحها فيه، وكانت قيادتهم مطلقة حتى إن أحد يهود البلاط أصر على أن تكون كل المناصب القيادية في إحدى الجماعات اليهودية مقصورة على أفراد أسرته، وهو أمر لم يكن شاذًا في عصر الملكيات المطلقة. وقد وصف أحدهم روتشيلد بأنه «ملك اليهود، ويهودي الملك»، وهو وصف دقيق لوضع يهود البلاط وعلاقتهم بكلٍّ من النخبة الحاكمة غير اليهودية وأعضاء الجماعة اليهودية.
وقد أصبحت وظيفة يهود البلاط وراثية وتحولوا إلى أسر مالية أرستقراطية تتصارع فيما بينها على النفوذ والسلطة وأصبحوا طائفة مغلقة يتزاوج أفرادها فيما بينهم ويستبعدون اليهود العاديين. ويمكن القول بأن صورة يهودي البلاط كعبقري ساحر، وكصاحب نفوذ يُقرِض الملوك والأمراء، قد تجذرت في الوجدان اليهودي في الغرب (١).
...
стр. 214
نظرة على المجتمعات اليهودية الأوروپية من الداخل:
وبعد أن ألقينا نظرة سريعة على الإطار الحياتي العام للمجتمعات اليهودية الأوروپية، نتخلل قليلًا إلى داخلها ..
فلقد كان الطابع الديني يسود المجتمع الأوروپي النصراني واليهودي بشكل عام في العصور الوسطى، وكانت السلطة الحاخامية هي المسيطرة في المقام الأول على الجماعات اليهودية، وهي التي كانت تبث سمومها في العامة الجاهلة أتباع كل ناعق، أولئك الذين أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (١).
فيذكر إسرائيل شاحاك ونورتون ميزفنسكي أن «أهم خاصيتين يهوديتين جديدتين تبلورتا في هذه الفترة هما انغلاق المجتمع اليهودي والانفصال اللاحق لليهود عن كل الأمم الأخرى، ولأول مرة يشار إلى أفراد الأمم الأخرى باسم الأغيار (غير اليهود، وهو لفظ توراتي). والخاصية الجديدة الثانية كانت قائمة على افتراض أن اليهود يجب أن يتبعوا شريعة الكتاب المقدس التي هي الشريعة الحقيقية. ومع ذلك، طوال الجانب الأعظم من هذه الحقبة، كان هناك الكثير من الخلافات حول التفسيرات المختلفة والمتصارعة للشريعة الموجودة في الكتاب المقدس. وفي بعض الأحيان، تحولت هذه الخلافات إلى حروب أهلية. ولم يكن الصراع الطويل الأمد الذي نشب بين الفريسيين والصدوقيين (٢) إلا أحدَ أمثلة ذلك» (٣).
ويعرِّف الپروفيسور إسرائيل شاحاك هذه الحقبة من التاريخ اليهودي بكل ما تشمله من عقائد بحقبة (اليهودية الكلاسيكية)، يقول (٤):
«قد لا يكون هناك تعريف أفضل لليهودية
стр. 215
الكلاسيكية أو بالطريقة التي حورها إليها الحاخامات، أفضل من التعريف الأفلاطوني. أو على وجه التحديد ما ادعى هاداس Moses Hadas (١٩٠٠ - ١٩٦٦ م) أن اليهودية تبنته من خلال ما وضعه أفلاطون نفسه على أنه أهداف برنامجه، في النص التالي المعروف جيدًا: "بشكل أساسي لا أحد - رجلًا أو امرأة - يمكن أن يحيا بلا شرطي يوجهه، وأنه لا يجب لإنسان أن يكون لديه هذه العادة الذهنية بأخذ أية خطوة، سواء كانت جدية أم هزلية، على مسئوليته الخاصة. في السلم تمامًا كما في الحرب عليه أن يحيا دائمًا وعينيه على ضابطه الأعلى، بمعنى آخر علينا ألا نمرن عقل الفرد على إعمال فكره أو حتى أن يعرف كيفية القيام بهذا" (Laws, ٩٤٢ab). وإذا استبدلنا كلمة (حاخام) بالـ (شرطي) أو (الضابط)، فسوف يكون لدينا تصور واضح عن اليهودية الكلاسيكية» اهـ.
стр. 216
والذي يعنينا هنا هو رصد هذه اليهودية الكلاسيكية من خلال زاويتين فقط:
- العقيدة المشَّيحانية.
- علاقة اليهود بالأغيار.
العقيدة المشَّيحانية Messianism:
(الماشَّيح Messiah) كلمة عبرية تعني (المسيح المخلِّص)، ومنها (مشيحيوت) أي (المشيحانية) وهي الاعتقاد بمجيء الماشَّيح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية (مشح) أي (مسح) بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكانت كلمة الماشَّيح تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضًا إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء.
وهناك أيضًا المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى (ابن الإنسان) لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ. وهو ملك من نسل داود ﵇، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية (الأحلام الألفية) و (العقيدة الاسترجاعية).
وأصل عقيدة الماشَّيح المخلِّص فارسية بابلية، وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى
стр. 217
يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذورًا راسخة في الوجدان اليهودي. ويفسر الحاخامات تأخُّر وصول الماشَّيح بأنه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهودي، ولذا فإن عودته مرهونة بتوبتهم.
وثمة محاولات قامت بها المؤسسات اليهودية الحاخامية لتهدئة التطلعات المشيحانية المتفجرة [والتي كانت تفرز كل حين بعض الدجالين أدعياء المشيحانية أمثال شبتاي تسِفي Shabbetai Tzevi (١٦٢٦ - ١٦٧٦ م) وچيكوب فرانك Jacob Frank (١٧٢٦ - ١٧٩١ م) وغيرهم] .. فركزت على الجانب الإلهي لعودة الماشَّيح، وعلى الماشَّيح من حيث هو أداة الإله في الخلاص. وبناءً على ذلك، أصبح من الواجب على اليهود انتظار عودة الماشَّيح في صبر وأناة، ويصبح من الكفر أن يحاول فرد أو جماعة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتز Dahikat ha-Ketz) (١) .
ومما يذكره شاحاك وميز?ينسكي أن «الحاخام موشيه نخمانيدس Moshe Ben Nachman (Nachmanides) [١١٩٤ - ١٢٧٠ م] كان الزعيم اليهودي الوحيد الذي كان يؤمن بأن اليهود يجب عليهم ليس فقط الهجرة ولكن أيضًا أن يقوموا بغزو أرض إسرائيل، وهناك حاخامات آخرون ذوو أهمية في ذاك الوقت وفي أوقات أخرى لمدة قرون عديدة تجاهلوا أو اختلفوا بقوة مع رأي نخمانيدس» (٢).
ولو نظرنا إلى الفكر الكاثوليكي التقليدي، نجد أنه لم يكن فيه - قبل عهد الإصلاح الديني - أدنى مكان لاحتمال العودة اليهودية إلى فلسطين، أو لأية فكرة عن وجود الأمة اليهودية. وكان القساوسة الأوائل يرفضون التفسير الحرفي للتوراة ويفضلون الأساليب الأخرى للتفسيرات اللاهوتية وبخاصة التفسيرات المجازية التي أصبحت الأسلوب الرسمي للتفسير التوراتي كما وضعته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وكان يعتقد أن الفقرات الواردة في التوراة، وبخاصة في العهد القديم، التي تشير إلى عودة اليهود إلى وطنهم لا تنطبق على اليهود بل على الكنيسة المسيحية مجازًا. أما اليهود فإنهم، طبقًا
стр. 218
للعقيدة الكاثوليكية الرسمية، اقترفوا إثمًا فطردهم الله من فلسطين إلى منفاهم في بابل. وعندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر نفاهم الله ثانية، وبذلك انتهى وجود ما يسمى (الأمة اليهودية) إلى الأبد، ولذلك فليس لليهود مستقبل قومي جماعي، ولكنهم كأفراد، يستطيعون أن يجدوا الخلاص الروحي بارتدادهم للمسيحية.
والنبوءات المتعلقة بعودة اليهود كانت تؤول على أنها عودة للإسرائيليين من المنفى في بابل. وقد تحقق ذلك في القرن السادس قبل الميلاد حين أعادهم قورش إلى فلسطين. أما الفقرات الأخرى التي تتنبأ بمستقبل مشرق لإسرائيل، فإنها كانت تحمل على أنها تنطبق على (إسرائيل الجديدة) أي الكنيسة المسيحية التي كانت تعتبر إسرائيل (الحقيقة) والوريث المباشر للديانة العبرية.
كانت هذه هي فكرة كتاب (مدينة الإله De Citivate Dei) الذي كتبه أوغسطين الملقب بالقديس، والذي يعتبر التحفة الأدبية للاهوت الكاثوليكي. ويعتبر أوغسطين - والذي كتبه في القرن الخامس - واضع العقيدة التي كانت الكنيسة بموجبها تجسد مملكة الله الألفية السعيدة. وبقي الأمر المسلم به أن هذه العقيدة هي الرأي المسيحي التقليدي في اليهود حتى القرن السادس عشر. ونتيجة لذلك كانت فترة العصور الوسطى تميل إلى الفصل بين اليهود المعاصرين والعبرانيين القدامى [الذين كانوا يعتبرون شعبًا مثاليًا] (١).
يقول الدكتور المسيري (٢): «وقد اعتبرت الكنيسة نفسها إسرائيل الحقيقية (باللاتينية: Verus Israel)، واعتبر النصارى أنفسهم شعب الرب. كانت الكنيسة ترى نفسها أيضًا إسرائيل الروحية مقابل إسرائيل الجسدية (اليهودية). وقد تطورت صورة اليهود في الوجدان المسيحي، فكان يُرمَز لهم بعيسو (مقابل يعقوب المسيحي)، وبقابيل الذي قتل أخاه هابيل وأصبح كذلك قاتل المسيح» اهـ.
وينبع موقف الكنيسة من أعضاء الجماعات اليهودية من فكرتين أساسيتين مختلفتين ومتكاملتين عن اليهود:
стр. 219
- اليهود قتلة المسيح الذين أنكروه، ولذا لا بد من عقابهم على ذلك.
- اليهود هم أيضًا الشعب الشاهد الذي عاصر أعضاؤه ظهور المسيح وبداية الكنيسة، وهم بتَمسُّكهم بشعائر دينهم - التي ترمز إلى الشعائر المسيحية منذ القدم - وبتدني وضعهم، يقفون شاهدًا حيًا على صدق الكتاب المقدَّس وعلى عظمة الكنيسة (١).
وقد تَمثَّل هذا الموقف المزدوج في سياسة الكنيسة التي وضعها البابا جريجوري الأول (الأعظم) Pope Gregory I (The Great) (٥٤٠ - ٦٠٤ م) وآخرون من بعده، والتي ترى ضرورة الإبقاء على اليهودية وعلى الشعب اليهودي باعتباره شعبًا شاهدًا سيؤمن في نهاية الأمر بالمسيحية، ولذا ينبغي حماية اليهود من الدمار والإبادة، ولكن ينبغي في الوقت نفسه وضعهم في مكانة أدنى.
ولقد أصدر جريجوري الأول مرسومًا بابويًا يتضمن هذه العبارة: «كما أن اليهود لا يحق لهم أن يفعلوا ما لا يُسمَح لهم به حسب القانون، فإنه يتعيَّن ألا يُحرَموا من المزايا التي منحت لهم». ومن ثم مُنع قتل اليهود أو الهجوم عليهم أو حرق معابدهم أو مضايقتهم أثناء تعبُّدهم أو استخدام القوة في تنصيرهم. وأصبح هذا المرسوم أساسًا لكل المراسيم البابوية اللاحقة حتى القرن الخامس عشر الميلادي.
ولهذا، حاربت الكنيسة الطرق غير الشرعية لتنصير اليهود قسرًا، معتبرة أن ثمرة هذه العملية لا تشكل أي نصر حقيقي للكنيسة ولا تزيد عظمتها. ولكنها شجعت في الوقت
стр. 220
نفسه إلقاء المواعظ عليهم والإقناع بالأشكال المشروعة الأخرى (١).
يقول الحاخام يواكيم پرنز (٢): «ومن الإنصاف أن نلاحظ أن كل بابا منذ أيام جريجوري الأول كان يصدر تحذيرات شديدة اللهجة ضد استعمال القوة للتحول إلى الديانة المسيحية، ولكن هذه التحذيرات لم تكن ذات جدوى، إذ إنه كثيرًا ما استعملت القوة، وأصبح عدد المتحولين بسبب الضغط والتهديد كبيرًا».
كذلك يذكر أن «السلطات الكاثوليكية الرسمية تعد تحول اليهود إلى المسيحية أمرًا يدعو للشك، وفي كاتدرائية ريمس Reims هنالك صورة مجسمة لخنزيرة، تُدعى (الخنزيرة اليهودية Judensau) - وقد أصبحت نموذجًا يحتذى به انتشر في العصور الوسطى، ويشاهد في كثير من الكنائس الألمانية والسويسرية - وتحت هذا الرسم هنالك شرح تفسيري يقول: "كما أن الفأر لا يمكن أن يأكل السنور، كذلك لا يمكن لأي يهودي أن يصبح مسيحيًا حقًا"» (٣).
وتجدر الإشارة إلى أن علاقة الكنيسة باليهود كانت مضطربة ولا تسير على وتيرة واحدة، ويلخص هذا الوضع پرنز بقوله (٤): «عند انتخاب بابا جديد، كانت (السكولا Scholae) في روما - وهي الهيئة التي تمثل المجموعات العرقية والوطنية في المدينة - تجتمع بعد أن يرتدي أفرادها ملابس الأعياد، لتقديم فروض الطاعة والولاء لحاكم الكنيسة الجديد، وكان اليهود يحتلون مركزهم المخصص لهم على طريق مرور موكب البابا ... وهناك كان اليهود يقفون وفي مقدمتهم الرباني العظيم، ومعه أعيان اليهود
стр. 221
ورؤساء الكنس ومُسِنِّي الأسباط، كل منهم ينتظر تلك اللحظة العظيمة التي يتاح له بها مقابلة ذلك الرجل الذي سيصبح ولي نعمته، وكان الرباني الأعظم يحمل درج الكتابات المقدسة التي تحتوي على التوراة ... وأخيرًا يصل الموكب البابوي، وبعد أن يترجل البابا من المحفة البابوية المحمولة على أكتاف رجال البلاط البابوي، يتقدم الرباني الأعظم ومعه درج الكتابات المقدسة ويُقَبِّل خاتم البابا، ويتعهد بولاء الطائفة اليهودية وتأييدها، ويتسلم البابا الدرج المقدس ثم يخاطب جمهور اليهود ... وكان مما يقوله: "إننا نمدح الشريعة المقدسة ونحترمها تلك التي أنزلها الرب القدير على آبائكم عن طريق موسى، ولكننا نستنكر أعمالكم الدينية وكذلك تفسيراتكم الخاطئة للشريعة، وذلك لأن المخلِّص الذي لا زلتم تنتظرونه عبثًا منذ عهد طويل قد ظهر بشخص سيدنا يسوع المسيح، وذلك طبقًا لتعاليم رسلنا وديننا، وهو الذي يقيم مع الأب والروح القدس، ويحكم كإله من جيل إلى جيل، إنني أعترف بكل هذا ولكن لا أقركم على ما تعتقدون". فإذا ما أرجع البابا الدرج بابتسامة رضا، فهذا يدل على الحياة المستمرة لليهود في المدينة المقدسة، عندئذ يتنفس اليهود الصعداء، فهم لا ينتظرون أكثر من ذلك ...
والحقيقة أن هذه الاحتفالات لم تكن دومًا خالية من المشكلات، ففي بعض الأحيان كان البابا يرمي الدرج المقدس في الوحل، كدليل على احتقاره لذلك الشعب الذي يقدس هذا الدرج، وعندها كانت جموع الشعب تضج بالضحك والصراخ، بينما يقف اليهود لا حول لهم ولا طول، ولا يستطيعون أن يتفوهوا بأية كلمة أو أن يقوموا بأي عمل، بل تراهم يرتجفون توجسًا لما ينتظرهم من أيام سوداء على يد هذا البابا» اهـ.
علاقة اليهود بالأغيار:
أدى رسوخ هذه الروح المشيحانية في وجدان الجماعات اليهودية إلى دعم نظرة الاستعلاء والاعتقاد في كونهم شعب الله المختار .. وكما قسَّم الرومان قديمًا الناس إلى رومان وبرابرة، وقسمهم العرب إلى عرب وعجم، قسمهم اليهود إلى يهود وجوييم. وجوييم تعني عندهم وثنيين وكفرة وبهائم وأنجاسًا ... وإليك البيان:
يعتقد اليهود، شعب الله المختار، أنه لا يسمح بعبادته ولا يتقبلها إلا من اليهود، فغيرهم إذن جوييم، أي عباد أوثان أو وثنيون، مهما يكن الإله الذي يعبدونه، واليهود
стр. 222
وحدهم لهذا السبب هم المؤمنون، فغيرهم إذن جوييم أي كفرة.
كذلك يعتقد اليهود - حسب أقوال التلمود - أن نفوسهم وحدهم مخلوقة من نفس الله، وأن عنصرهم من عنصره، فهم وحدهم أبناؤه الأطهار جوهرًا. كما يعتقدون أن الله منحهم الصورة البشرية أصلًا تكريمًا لهم، على حين أنه خلق غيرهم - الجوييم - من طينة شيطانية أو حيوانية نجسة، ولم يخلق الجوييم إلا لخدمة اليهود، ولم يمنحهم الصورة البشرية إلا محاكاة لليهود، لكي يسهل التعامل بين الطائفتين إكرامًا لليهود، إذ بغير هذا التشابه الظاهري - مع اختلاف العنصرين - لا يمكن التفاهم بين طائفة السادة المختارين وطائفة العبيد المحتقرين (١).
يقول الحاخام أبرابانيل Isaac Abrabanel (١٤٣٧ - ١٥٠٨ م): «خلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقًا لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم، لأنه لا يناسب لأمير أن يخدمه ليلًا ونهارًا حيوان وهو على صورته الحيوانية» اهـ (٢).
ولذلك، فاليهود أصلاء في الإنسانية، وأطهار بحكم عنصرهم المستمد من عنصر الله استمداد الابن من أبيه، وغيرهم إذن الجوييم، أي حيوانات وأنجاس: حيوانات عنصرًا وإن كانوا بشرًا في الشكل، وأنجاس لأن عنصرهم الشيطاني أو الحيواني أصلًا لا يمكن أن يكون إلا نجسًا (٣).
جاء في التلمود: «الفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق الموجود بين اليهود وباقي الشعوب»، أيضًا: «الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب أُمِّي إسرائيليًا، فكأنما ضرب العزة الإلهية»، و «إذا ضرب أمِّي إسرائيليًا فالأمِّي يستحق الموت»، وقال أبرابانيل: «الشعب المختار فقط يستحق الحياة الأبدية، وأما باقي الشعوب فمثلهم كمثل الحمير»، وقال الربِّي مناحم (٤): «أيها اليهود إنكم من بني البشر
стр. 223
لأن أرواحكم مصدرها روح الله، وأما باقي الأمم فليست كذلك، لأن أرواحهم مصدرها الروح النجسة» اهـ (١).
ولذلك، فإن اليهود يسرفون في التعالي والقطيعة بينهم وبين غيرهم إلى درجة فوق الجنون. فهم يعتقدون أن خيرات الأرض والعالم أجمع منحة لهم وحدهم من الله، وأن غيرهم من الأمميين وكل ما في أيديهم ملك لليهود، ومن حق اليهود بل واجبهم المقدس معاملة الأمميين كالبهائم، وأن الآداب التي يتمسك بها اليهود لا يجوز أن يلتزموها إلا في معاملة بعضهم بعضًا، ولكن لا يجوز لهم، بل يجب عليهم وجوبًا إهدارها مع الأمميين، فلهم أن يسرقوهم ويغشوهم ويكذبوا عليهم ويخدعوهم ويغتصبوا أموالهم ويهتكوا أعراضهم ويقتلوهم إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم، ويرتكبوا في معاملتهم كل الموبقات، والله - في اعتقادهم - لا يعاقبهم على هذه الجرائم، بل يعدها قربات وحسنات يثيبهم عليها ولا يرضى منهم إلا بها، ولا يعفيهم منها إلا مضطرين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
يقول إسرائيل شاحاك (٣): «تحكمت التعاليم الدينية في تفاصيل السلوك اليومي في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والخاصة بين اليهود أنفسهم تمامًا كما تحكمت في علاقتهم بغير اليهود. وبهذا فإنه بالمعنى الحرفي للكلمة، لم يكن اليهودي قادرًا في ذلك الوقت على أن يشرب حتى ولو كوب ماء في منزل غير يهودي. ونفس التعاليم السلوكية تجاه غير اليهود طبقت تمامًا من اليمن حتى نيويورك».
ولكن نظرًا لكون اليهود في غالب الأحيان في موقف ضعف ومهانة، أباح لهم
стр. 224
حاخاماتهم منافقة الأغيار دفعًا للأذى، وقالوا: «إن النفاق جائز، وإن الإنسان (أي اليهودي) يمكنه أن يكون مؤدبًا مع الكافر ويدعي محبته كاذبًا إذا خاف وصول الأذى منه إليه» (١).
يقول شاحاك (٢): «فإن الأطباء اليهود قد أمروا أن يبذلوا قصارى جهدهم من أجل علاج الحكام وأصحاب السلطة، وقد يفسر هذا جزئيًا، لماذا كان يوظف الملوك والنبلاء والباباوات، والمطارنة الأطباء اليهود، وليس فقط الأطباء بل جامعي الضرائب والقروض من اليهود، أو في أوروپاالشرقية اعتُمد على وكلاء أصحاب المزارع في بذل قصارى جهدهم من أجل صالح الملك أو البارون، بطريقة لم يكن متاحًا دائمًا أن يقوم بها المسيحي» اهـ.
...
الجيتو اليهودي:
من الواضح أن سيطرة العقيدة المشَّيحانية على العقلية اليهودية والموقف العنصري تجاه الأغيار كانا من أهم العوامل التي أقامت سياجًا منيعًا في النفسية اليهودية حال بينها وبين غيرها، ترجم إلى واقع مادي في صورة ما عرف باسم (الجيتو) ..
والجيتو هو «الحي المقصور على إحدى الأقليات الدينية أو القومية. ولكن التسمية أصبحت مرتبطة أساسًا بأحياء اليهود في أوروپا. وللكلمة معنيان: عام وخاص. يعني الجيتو بالمعنى العام أي مكان يعيش فيه فقراء اليهود دون قسر من جانب الدولة، أو حي اليهود بشكل عام. ويعود تاريخ هذه الجيتوات إلى الإمپراطورية اليونانية والرومانية. أما الجيتو بالمعنى الخاص الذي أصبح شائعًا، فيعني المكان الذي يُفرَض على اليهود أن يعيشوا فيه، وقد استُخدمت الكلمة بهذا المعنى للإشارة إلى جيتو البندقية (عام
стр. 225
١٥١٦م). وأصل الكلمة غير معروف على وجه الدقة، فيُقال: إنها حي اليهود في البندقية نسبة إلى (فلجيتو Villgetto) أو (مصنع المدافع) الذي أقيم بجواره. ويُقال أيضًا: إن الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية (جهكتر أورت Geheckter Ort) التي تعني (المكان المحاط بالأسوار)، أو هي من الكلمة العبرية (جت) أو (جيط) بمعنى (الانفصال) أو (الطلاق) الواردة في التلمود. وربما كان أكثر الافتراضات قربًا من الواقع هو ذلك الذي يعود بالكلمة إلى لفظة (بورجيتو Borghetto) الإيطالية التي تعني القسم الصغير من المدينة (١).
ولقد تجمع اليهود بمحض إرادتهم في هذه الأحياء - قبل أن يجبروا على التجمع فيها قسرًا في بعض الأحيان - حتى يحافظوا على وحدتهم وعلى أسلوب حياتهم، فقد كانوا يعتبرون ذوبان اليهود في المجتمع خطرًا عظيمًا يعد بمثابة النذير بنهاية اليهودية، أو كما يُطلق عليه (الإبادة الصامتة Silent Holocaust).
ومما دعم الحاجة إلى الجيتو كذلك مجموعة الشعائر اليهودية الخاصة، مثل: قوانين الطعام، وتحريم الزواج المختلط، وعدم شرب خمر صنعها واحد من الأغيار، والختان، والنصاب اللازم لصلاة الجماعة، وعادات الدفن والمدافن، وشعائر السبت (٢).
وفي دول شرق أوروپاعامة، وفي روسيا بصفة خاصة، فقد أُطلِق اصطلاح (منطقة الاستيطان اليهودي Pale of Settlement) على مناطق التجمع اليهودي هناك. ولم تأخذ هذه المنطقة شكل الجيتو الأوروپي الذي يقتصر على حي أو شارع في مؤخرة المدينة، ولكن كانت منطقة الاستيطان اليهودي في روسيا عبارة عن مجموعة من القرى أو المدن الصغيرة التي خصصت لكي يسكن فيها اليهود (٣).
يقول الدكتور المسيري (٤): «كان الجيتو كذلك وسيلة من وسائل الإدارة في غياب
стр. 226
نظام إداري مركزي قوي»، ولكن «يجب التنبيه إلى أنه لا يوجد مسار تاريخي واحد لظاهرة الجيتو، وخصوصًا بعد القرن الخامس عشر الميلادي مع بداية ظهور التشكيلات القومية الغربية المختلفة ومع اختلاف معدلات العلمنة والتحديث والثراء والفقر والصراع الطبقي فيها» اهـ (١).
ولو أردنا إلقاء نظرة سريعة على الحياة داخل الجيتو، نجد أن الجيتوات كانت «محاطة بأسوار عالية، ولها بوابات تغلق بالمزاليج ليلًا، ويُمنع اليهود من مغادرتها بعد منتصف الليل وفي أيام الآحاد وأعياد المسيحيين، وكانت هناك أحكام دقيقة أخرى تُغلق وتُفتح بمقتضاها هذه البوابات التي يحرسها حراس مسيحيون يتقاضون أجرًا من اليهود. وكانت حارات اليهود في أغلب الأحيان تقع في إحدى المناطق المجاورة أو في أقذر الأحياء وأحقرها داخل المدينة، وكانت شوارع هذه الأحياء ضيقة وغير ممهدة ومتعرجة، وتكثر فيها الحفر المملوءة بالقمامات والفضلات، كما كانت هذه الحارات موحلة في أغلب الأوقات بسبب عدم وجود مجاري في المنازل، ومن ناحية أخرى فقد اتسمت حارات الجيتو بالازدحام الشديد والضجيج المستمر، حيث يوجد الباعة المتجولون في كل مكان ينادون بأعلى صوت ليروِّجوا بضائعهم المحمولة على أكتافهم أو التي وضعوها على عربات اليد أو عربات الكارو التي تجرها الحيوانات، بالإضافة إلى النساء اللاتي يتجمعن بجانب الطرقات وعلى عتبات البيوت ليثرثرن ويحدثن ضوضاء شديدة، والأولاد الذين يتسكعون في شوارع الجيتو ويتبولون في الطرقات.
وكانت كثافة السكان عالية جدًا في أحياء الجيتو بسبب الزواج المبكر وزيادة التناسل. وعلى الرغم من الكثافة السكانية العالية، فإن الحكومات كانت تحدد مساحة معينة كي يقام عليها الجيتو (٢)، ونظرًا لضيق هذه المساحة فقد كان امتداد المنازل يقام بشكل
стр. 227
رأسي، لذلك فقد تميزت مساكن الجيتو بارتفاعها غير العادي، وقد وصلت في بعض الأحيان إلى عشر طوابق، وكانت بالتالي شديدة الازدحام لدرجة أن أساس أغلب المنازل كان لا يحتمل زيادة عدد الأدوار، وكثيرًا ما كانت تنهار هذه المنازل فوق رءوس السكان، خاصة في احتفالات الزواج التي كانت تتحول إلى نُواح بعد انهيار المنازل التي لا تتحمل كثرة عدد المدعوين.
وأحيانًا كانت منازل اليهود في بعض أحياء الجيتو لها سراديب تحت الأرض، أعدها اليهود لكي يختبئوا فيها في حال الهجوم عليهم. أما عن الحجرات التي كان يعيش فيها اليهود في منازل الجيتو، فقد كانت غير صحية على الإطلاق، ورطبة وكريهة الرائحة، ذلك بسبب ارتفاع المنازل غير العادي في هذه الحارات الضيقة، والذي كان يحجب الشمس والهواء عن الحجرات، ويجعل أقبيتها رطبة. وكانت نوافذ الحجرات ليس لها زجاج، بل كان اليهودي يضع بدلًا منه قطعًا من خشب الأرضية أو الخرق.
واستخدم بعض اليهود حجراتهم كمكان للعمل والسكن معًا؛ ففي الصباح كانت تستخدم كُورَش، وفي المساء مكانًا للنوم» (١).
وكان القانون الداخلي الذي ينظم علاقات اليهود فيما بينهم (في الأمور الدينية والشخصية) هو التلمود. أما علاقات الجماعات اليهودية بعضها بالبعض الآخر، فكان ينظمها قانون تحريم الاستيطان. وكان الجيتو يتمتع بقسط وفير من الإدارة الذاتية، شأنه في هذا شأن كثير من المؤسسات في مجتمعات العصور الوسطى. فكانت تديره هيئة إدارية تصل أحيانًا إلى اثني عشر شخصًا، منتخبة في بعض الأحيان ومعينة في البعض الآخر، وإن كانت القيادات المنتخبة تنتمي إلى مجموعة من الأسر المحدودة. وكانت لهذه المؤسسة (القهال Kahal بين الأشكناز Ashkenazi Jews (٢) ، والماهاماد Mahamad بين السفارد Sephardi Jews (٣)) قوة تنفيذية ضخمة، فكانت تقوم
стр. 228
بإتمام عمليات الزواج والطلاق وتنفيذ العقوبات مثل الجلد والسجن (بل الإعدام في حالات نادرة). وكان من حق هذه المجالس أن تصدر قرارًا بالطرد من حظيرة الدين، وكان من حقها النظر في المنازعات بين اليهود والحكم في القضايا حسب الشريعة اليهودية. وكان أعضاء المجلس يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن سكان الجيتو بسبب صغر حجمه وقلة عددهم، ولذا كان من السهل التحكم فيهم.
وكان اليهودي يتلقى داخل الجيتو التأكيدات بأنه ينتمي إلى الشعب المقدَّس والشعب المختار وأن الجيتو ليس إلا وجودًا مؤقتًا يحفظ فيه الإله الأمة وروحها إلى أن يحين الحين ويشاء إعادة شعبه إلى أرضه المقدَّسة وحريته الكاملة، بل تصبح كل المعاناة والآلام التي يتحملها اليهودي خارج الجيتو من علامات الاختيار والتميز، وكلما زاد الاضطهاد زادت الساعة اقترابًا (١).
وكان جهل اليهود وحاخاماتهم - وهم القيادة الثقافية للجماعة - مزريًا جدًا؛ يقول إسرائيل شاحاك (٢): «في معظم الأحوال كانت دراسة جميع اللغات محرمة تمامًا، كما كانت أيضًا محرمة دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافيا والتاريخ (حتى التاريخ اليهودي كان مجهولًا) ... بما في ذلك جغرافيا فلسطين وبالتأكيد موقعها، وهذا يظهر من خلال (قبلة) جميع الكنس اليهودية في دول مثل پولندا وروسيا، حيث يفترض أن يصلي اليهود باتجاه القدس، بل إن اليهود الأوروپيين الذين كانت لديهم فكرة غامضة عن موقع القدس، افترضوا أنها دائمًا باتجاه الشمال، في حين كانت في الواقع أقرب قليلًا من الجنوب».
ويقول (٣): «منذ قرنين فقط كانت الغالبية العظمى من اليهود تعيش في حالة كلية من الجهل، ليس فقط فيما يخص وجود القارة الأمريكية، لكن أيضًا فيما يخص تاريخهم، ووضع اليهود في عصرهم، وقد كانوا قانعين تمامًا بأن يظلوا كذلك» اهـ.
ولقد حرص كل جيتو على الاحتفاظ باستقلاله والدفاع عن مصالحه تجاه الجيتوات
стр. 229
الأخرى، إذ كانوا يتنافسون فيما بينهم في المجالات نفسها ومن أجل المزايا نفسها التي يحصلون عليها من خلال المواثيق. ومن هنا كان لكل جيتو حق حظر الاستيطان، وهو حق منع أي يهودي آخر من القدوم إلى الجيتو والإقامة فيه إلا بإذن خاص ولمدة محددة ونظير أجر معيَّن (١).
وتجدر الإشارة كذلك إلى وجود اختلاف واضح بين المكانة الاجتماعية لكل من الغني والفقير داخل جدران الجيتو؛ فكان أغنياء اليهود هم الذين يقومون بالهيمنة على كل شئون الطائفة اليهودية، وكان موكلًا بهم النهوض بالأعباء المالية الملقاة على عاتق الجيتو، وفي مقدمتها جباية الضرائب التي كانت تفرضها الحكومة على اليهود ككل، بالإضافة إلى الهيمنة على المصاريف الداخلية المتمثلة في تكاليف الإنفاق على المعبد والمقابر وإعانات الفقراء ودفع أجور الموظفين.
ولم تكن نظرة مؤسسات السلطة تجاه التاجر اليهودي الغني مثل نظرتهم إلى اليهودي الفقير، فكانت الطبقة الفقيرة تعاني من المضايقات والأضرار مضاعفة من تلك التي شعر بها أغنياء اليهود، ويرجع ذلك إلى أن اليهود الأغنياء استطاعوا بسلطان المال أن يتقربوا إلى الحكام ليحصلوا على الإعفاء من تطبيق الكثير من القوانين (٢). يؤكد هذا إسرائيل شاحاك بقوله (٣): «ونلاحظ أن الطبقة الحاخامية كانت تتحالف مع اليهود الأثرياء في اضطهاد اليهود الفقراء من أجل مصالحهم الشخصية، إضافة إلى مصالح الدولة التي هي التاج والنبلاء».
كذلك فإن العائلات اليهودية الواسعة الثراء استطاعت أن تتخطى أسوار الجيتو وأن تسكن في القصور الفاخرة في الأحياء الراقية من المدن (٤).
كل ذلك أدى في نهاية الأمر إلى «تأصيل خاصية الحقد وكراهية الآخرين في كيان يهود الجيتو حتى أصبحت ضمن مكونات شخصياتهم، فامتلأت نفسياتهم بالحقد على
стр. 230
الغير حتى بين اليهود بعضهم وبعض؛ حقد على الغني من الفقير وعلى القوي من الضعيف وعلى السعيد من الحزين» (١)، وصدق الله العظيم القائل: ﴿بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (٢).
...
واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية:
ننتقل إلى واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية، فكما يقول يواكيم پرنز (٣): «إن موقف الكنيسة في القرن الثالث عشر الميلادي الذي أوجب الحظر الصارم على اليهود، وإجبارهم على السكن في الجيتو، وارتداء ملابس مميزة خاصة، ما هو إلا دليل وشاهد على وجود اختلاط واتصال متبادل بين المسيحيين واليهود».
ولكن العلاقة كان يسودها الاضطراب في غالب الحال كما أشرنا من قبل، وكما يذكر شاحاك (٤): «تعرض اليهود خلال فترة اليهودية الكلاسيكية بكاملها إلى الاضطهاد في أغلب الأحيان».
ولكن لو بحثنا عن الأسباب نجد أنها ليست كما يروج إليها الصهاينة من كونها لا شيء سوى معاداة السامية القدرية المحتومة وغير المُبَرَّرة! بل إنها ترجع في الواقع إلى عدة أمور سبق ذكرها، ولعل أبرزها كان اشتغال اليهود بالربا؛ فكان المرابي «يلعب دورًا اقتصاديًا أساسيًا في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أو كاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره» (٥).
стр. 231
ولقد برز دور اليهود في هذا المجال في الوقت الذي كانت تحرم فيه الكنيسة على النصارى الاشتغال بالربا، وأصدرت عدة قرارات في هذا الشأن، ولكنهم كذلك ما رعوا قراراتهم حق رعايتها، وكانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ (١).
«وقد كُسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعة فرسان المعبد Knights Templar الألمانية، واللومبارد Lombard في إيطاليا، ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيرًا من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع Pope Innocent IV [١١٨٠/ ١١٩٠ - ١٢٥٤ م] في عام ١٢٤٨م لقب (أبناء الكنيسة الرومانية المميَّزين) للمرابين المسيحيين» (٢).
وكان النظام الإقطاعي في الغرب «يستند إلى شرعية مسيحية ويتطلب يمين الولاء كشرط أساسي للانتماء إليه، وقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أنفسهم خارج كثير من المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية المشروعة [إلا إذا تنصروا]. وكانت هذه الظروف سببًا ونتيجة في آن واحد لتحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة تقوم بأعمال التجارة ثم الربا. وربما كان هذا الوضع هو الذي حدَّد موقف أعضاء المجتمع منهم، فكان يُنظَر إليهم من أعلى باعتبارهم أداة يمكن استخدامها أو استبدالها إن دعت الحاجة، كما كان يُنظر إليهم من أسفل باعتبارهم وحوشًا لا بد من ضربها، فهم الأداة
стр. 232
الواضحة لاستغلال الجماهير التي لم يكن بوسعها فهم آليات الاستغلال والقمع» (١).
وكان الملوك يبذلون قصارى جهدهم لمنع المرابين اليهود من اعتناق المسيحية، إذ إن هذا يشكل إضعافًا وتبديدًا للأداة التي يستخدمونها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن (يتمتع بثمرة الرذيلة)، أو هكذا كان التبرير والادعاء!
وكانوا كذلك يلقون بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشًا للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد (٢).
يقول شاحاك (٣): «ويروي لنا التاريخ العديد من الروايات المروعة عن الجور والإهانة التي مارسها النبلاء على يهودهم، ولكن الفلاحين كانوا هم الأشد معاناة من الاضطهاد على أيدي كل من ملاك الأراضي واليهود، وقد فرض أنه باستثناء فترات ثورات الفلاحين، فإن النقل الكامل لشرائع الدين اليهودي ضد غير اليهودي كان يقع على الفلاحين».
ويقول أيضًا (٤): «يجب الإشارة إلى أنه في كل أسوأ أشكال الاضطهاد التي تعرض لها اليهود، أي التي كان يُقتل فيها اليهود، فإن الطبقة الحاكمة العليا، الإمپراطورية، والبابا، والملوك والطبقة الأرستقراطية العليا، وكبار رجال الدين، وأيضًا البورچوازية (٥) الثرية في المدن ذات الحكم الذاتي، كانت دائمًا في صف اليهود. أما الذين ناصبوا العداء فكانوا ينتمون إلى الطبقات المضطَّهدة والأكثر استغلالًا من غيرها، وأولئك
стр. 233
القريبون منهم مثل طرق الرهبان المتسولين. وصحيح أنه في أغلب الأحوال - ولا أعتقد في جميعها - حمت طبقة النخبة اليهود ودافعت عنهم ليس لاعتبارات إنسانية ولا تعاطف مجرد مع اليهود، ولكن للسبب الذي يستخدمه الحكام بشكل عام من أجل تحقيق مصالحهم ... ولهذا السبب فإن جميع المجازر التي تعرض لها اليهود خلال الفترة الكلاسيكية كانت جزءًا من ثورات الفلاحين أو حركات شعبية أخرى، في أوقات كانت الحكومة فيها لسبب ما في غاية الضعف، ويصدق هذا حتى في الحالة الاستثنائية جزئيًا لروسيا القيصرية» اهـ.
وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضوًا في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورةً هائلة (١).
يقول شاحاك (٢): «وكحكم عام يمكن استخلاصه، فإن جميع المذابح الكبرى التي تعرض لها اليهود في أوروپاالمسيحية خلال موجة الغزوات الصليبية الأولى لم تكن جيوش الفرسان النظامية تحت قيادة الدوقات والكونتات الكبار هي التي تحرشت باليهود، ولكن الجماهير الشعبية العفوية المكونة على وجه الحصر من الفلاحين والفقراء الذين جاءوا في أعقاب بطرس الناسك».
ولكن هذا لا يجعلنا بحال من الأحوال نغفل عن أن ما أصابهم كان جزاء بما كانوا يعملون، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣).
لقد قالوا - لعنهم الله - في تلمودهم: «يجوز أخذ الربا من المرتدين الواقعين في الوثنية»، وقالوا: «يجوز، وفقًا للتوراة، إقراض بربا لآكوم Akum (٤) . بعض الشيوخ
стр. 234
مع ذلك يحرمون هذا، إلا إذا كانت قضية حياة أو موت. وفي أيامنا الراهنة، مسموح التعامل بالربا لأي سبب» اهـ (١).
وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدرًا للدخل وإنما أمرًا مرغوبًا فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر! (٢).
بل وتُعَد مسرحية تاجر البندقية The Merchant of Venice التي كتبها وليام شكسپير William Shakespeare (١٥٦٤ - ١٦١٦ م) تلخيصًا لشخصية اليهودي المرابي الجشع في كل عصر وكل مكان (٣).
стр. 235
ولقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته، ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلًا خاصًا حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا؛ فكان المرابي يصبح شريكًا موصيًا أو شريكًا يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيبًا من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئًا من ماله إذا لم يربح (١).
ولكن ..
لا يعني ما تقدم سرده تهميش دور الخلفية العقائدية الأصلية التي قامت عليها صور العداء تلك بين اليهود والنصارى، خاصة وأن المناخ العام كان دينيًا بسبب سيطرة الكنيسة والحاخامات كما سبق أن ذكرنا.
«ففي القرن الرابع عشر، كانت العروض المسرحية المسماة (آلام المسيح) - والتي كانت تستغرق عدة أيام، وكانت من أكثر الأشكال الفنية الشعبية شيوعًا - تؤكد قسوة اليهود على المسيح وخيانتهم له، الأمر الذي كان يعمِّق كره اليهود في الوجدان الشعبي» (٢).
وقبل هذا الوقت [في القرن الثالث عشر] هاجمت المراجع المسيحية اليهودية مستخدمة إما ذرائع توراتية أو ذرائع عامة، وكان واضحًا أن الحملة المسيحية ضد التلمود جاءت نتيجة لتحول يهود ضالعين جدًا في التلمود إلى المسيحية (٣)، فكانوا يُعرِّفون القيادات المسيحية وجماعات الرهبان بما جاء في التلمود (وبعض الكتب الدينية اليهودية الأخرى) من هجوم شرس على المسيح والمسيحية وبعض عادات اليهود الأخرى التي تهدف إلى عزلهم عن مجتمع الأغيار (٤).
стр. 236
ولقد أدت بالفعل العزلة النفسية التي عاش فيها اليهود عبر قرون طويلة إلى اتصاف اليهود بعقلية قاسية تميل إلى الشر والهدم وسفك الدماء، وأصبحت الشخصية اليهودية التي عاشت في الجيتو شخصية عدوانية، فقد كان لحارات الجيتو الفضل في الحفاظ على العنصرية اليهودية في شكلها المرضي الذي أصبح داء عضالًا، حتى انقلب إلى موقف رفض للاندماج ثم إلى عداء للإنسانية (١).
يذكر إسرائيل شاحاك بعض مظاهر هذا العداء فيقول (٢): «أصبح من المألوف أن يتم البصق عند رؤية كنيسة أو صليب، ويمكن أحيانًا التلفظ ببعض الآيات التوراتية المهينة للأغيار. وأدت هذه العادات إلى الكثير من الحوادث في تاريخ اليهود في أوروپا، أشهرها - والتي ما زالت آثارها واضحة حتى الآن - وقعت في القرن الرابع عشر في پراج، حيث أمر الملك شارلز [الرابع Charles IV (١٣١٦ - ١٣٧٨ م)] ملك بوهيميا، الذي كان الإمپراطور الروماني المقدس أيضًا Holy Roman Emperor، بنصب صليب ضخم وسط جسر مُجرى بناه وما زال قائمًا حتى اليوم، وقد قيل له وقتها إن يهود پراج لديهم عادة البصق كلما مروا بالقرب من الصليب، ولأنه كان مشهورًا بحمايته لليهود، لم يعاقبهم على ذلك، بل حكم على الطائفة اليهودية بدفع نفقات نقش كلمة أدوناي Adonay التي تعني (الرب) بالعبرية، على الصليب بحروف ذهبية، وهذه الكلمة أحد أقدس سبع تسميات للرب، ولا يسمح بإبداء أي نوع من عدم الاحترام أمامهما، ولذلك توقف اليهود عن البصق» اهـ.
ولقد وجهت لليهود في هذه الفترة عدة تُهَم، منها نشر الوباء الأسود (الطاعون) وتسميم الآبار والمدن، «ولم يكن هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة في العصور الوسطى، فأصابت الناس بالذهول، وفسرته الجماهير بأنه غضب الرب بسبب فساد الناس. كما اتجهت شكوك الناس نحو أعضاء الجماعات اليهودية لأن معدلات الإصابة بين اليهود كانت أقل نسبيًا من المعدلات العامة مع أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يعيشون بين الجماهير. ولعل هذا كان يعود إلى عزل اليهود في الجيتو عن بقية السكان وإلى وضعهم
стр. 237
الطبقي المتميز وقوانين الطعام الخاصة بهم» (١).
وكان من التهم التي وجهت إليهم كذلك تهمة السحر، ومما رسَّخ هذا الاعتقاد - علاوة على قيام اليهود فعلًا بالأعمال السحرية (٢) - هو إنتاج المرابي اليهودي الثروة الضخمة عن طريق تحريك بسيط لأمواله لا عن طريق أي جهد مبذول.
وكان من أكثر التهم المثيرة للجدل والتي أثارت الكثير من المشاكل هي تهمة الدم: والتي تتلخص في أن اليهودي يقوم بذبح أي شخص غير يهودي نصراني أو مسلم، ليستخدم دمه في صنع فطيرة عيد الفصح، أو مزجه بالشراب أو استخدامه في الولائم والحفلات الكبرى التي لها صبغة دينية، حيث يضعون قطرات من الدم البشري على الخمور ..
تقول الدكتورة سناء عبد اللطيف (٣): «وإن كان بعض الكُتَّاب اليهود ينفون عن الشعب اليهودي هذه التهمة ويعتبرونها افتراءً عليهم، إلا أن كثيرًا منها يبدو ملتصقًا باليهود بالفعل، وذلك بسبب ما كانوا فيه من ظلمات الجهل، والتعلُّق بكثير من البدع والخرافات التي أدَّى فيها حقدهم على البشر دورًا كبيرًا. وقد اعترف بذلك المؤرخ اليهودي برنارد لازار Bernard Lazare [١٨٦٥ - ١٩٠٣ م] في كتابه (اللاسامية، تاريخها وأسبابها L'Antisémitisme, son histoire et ses causes) حيث قال: "إن حوادث الدم البشري ليست خرافة، وإن عادة ذبح الأطفال ترجع إلى السحرة اليهود الذين يهتمون بعلوم السحر والشعوذة"، ويقول يهوشافاط هركابي Yehoshafat Harkabi [١٩٢١ - ١٩٩٤ م]: "إن اليهود في الواقع ينكرون استعمالهم دم البشر، لكن الحقيقة أن هذا صحيح، ولا سيما من اعترافات اليهود الذين تركوا دينهم؛ مثل اعترافات الحاخام أبي العافية الذي اعتنق الإسلام، والحاخام تاوينستوس الذي اعتنق المسيحية، والذي شهد بأن اليهود يؤمنون بأن الدم المسيحي ضروري لأداء بعض الطقوس الدينية"». ثم
стр. 238
عددت الدكتورة ٤٨ حادثة دم - وذلك على سبيل المثال لا الحصر - في الفترة من ١٠٧١ إلى ١٩١١م (١).
ولعل من أشهر تُهَم الدم حادثة دمشق Damascus Affair التي حدثت في الخامس من فبراير عام ١٨٤٠م، وراح ضحيتها الراهب الفرنسسكاني توماس وخادمه إبراهيم عمار (٢).
كل هذه الأسباب مجتمعة أدت في النهاية إلى ارتفاع موجة اضطهاد يهود أوروپابشكل عام ..
ولقد تعددت صور الاضطهاد وتنوعت: فمن ناحية، تحددت التشريعات المسيحية المتصلة باليهود من خلال قرارات المجمع اللاتراني (٣) الثالث (١١٧٩م) برئاسة البابا ألكسندر الثالث Pope Alexander III (١١٠٠/ ١١٠٥ - ١٠٨١ م)، والرابع (١٢١٥م) برئاسة البابا إنوسنت الثالث Pope Innocent III (١١٦١ - ١٢١٦ م)، وأخذت شكلها النهائي الذي استمر حتى عصر النهضة. فأكدت مقررات المجلس الثالث منع اليهود من استئجار مسيحيين ومنع المسيحيين من استئجار خادمة أو استخدام ممرضة يهودية أو طبيب يهودي. ولكن المجلس، مع هذا، جعل شهادة المسيحي ضد اليهودي وشهادة اليهودي ضد المسيحي جائزة، كما أوجب حماية اليهود من التعميد القسري ومن أي هجوم عليهم أو مضايقتهم أثناء أدائهم صلواتهم. أما مقررات المجمع الرابع، فطلبت إلى المسيحيين مقاطعة اليهود فيما لو حصلوا على فوائد مرتفعة على النقود التي يقرضونها بالربا، ونصت على منع اليهود من الظهور بملابس الزينة خلال الأيام الثلاثة
стр. 239
الأخيرة من أسبوع الآلام، وفي يوم الجمعة الحزينة بنوع خاص. وأصبح من غير الجائز تعيين اليهود في المناصب العامة أو تفضيلهم على المسيحيين. وقرر أنه يتعين على اليهود ارتداء ملابس خاصة بهم وأن يضعوا شارة معينة تميزهم، وأصبحت هذه الشارة تسمى (شارة العار)، وكان الهدف من الزي المميز والشارة منع الاختلاط والحيلولة دون حدوث التزاوج (١).
وفي هذه الفترة كذلك هوجم التلمود بشدة، وحيث كان العهد القديم مقدسًا لدى النصارى أيضًا، فكل غضبهم كان موجهًا إلى التلمود، باعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود.
وقد حمل الملوك والبابوات حملات شديدة ضد التلمود، وكانت تصدر مراسيم بتحريم حيازة أو قراءة التلمود، بل وصدرت أوامر بإتلاف نسخ التلمود وحرقها.
وفي أواخر العصور الوسطى، اكتفت السلطات الحاكمة والكنسية بالرقابة على طبعه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة (٢). وكثيرًا ما كان يتبادل اليهود فيما بينهم - دون علم السلطات - مخطوطات خاصة تضم المحذوفات التلمودية، أي تلك النصوص التي حذفتها الرقابة الحكومية (٣).
كذلك جرت عمليات الطرد للجماعات اليهودية من الدول الأوروپية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وإسپانيا والپرتغال، ولجأت أعداد كبيرة منهم إلى العالم الإسلامي في شمال إفريقيا والدولة العثمانية، وذهب بعض يهود إسپانيا إلى القارة الأمريكية، وذلك حين غزاها الصليبي كريستوفر كولمبس Christopher Columbus (١٤٥١ - ١٥٠٦ م)، ليبدءوا مرحلة جديدة سنتعرض لها بعد قليل (٤).
стр. 240
«أما يهود ألمانيا، فكان من الصعب طردهم من بلادهم بصورة كاملة، لأن ألمانيا كانت مقسَّمة إلى عدة إمارات صغيرة ولم تكن بها دولة مركزية قوية. وقد ضمن هذا الوضع استمرارهم إذ كانوا حينما يُطرَدون من إمارة يلجأون إلى أخرى كما كان الحال في إيطاليا، وعلى عكس ما حدث في فرنسا وإنجلترا وإسپانيا حيث كانت توجد سلطة مركزية قوية نسبيًا. ومع ذلك، يمكننا أن نقول: إن معظم المدن الألمانية طردت اليهود في نهاية الأمر. ومع القرن السادس عشر الميلادي، لم تكن هناك جماعات يهودية إلا في فورمز وفرانكفورت، وكانت تُوجَد جيوب يهودية صغيرة متناثرة داخل الإمارات المختلفة. ونتيجة حروب الفرنجة (الصليبية)، ولأسباب أخرى أيضًا، بدأ التجار اليهود بدعوة من الملوك الپولنديين يستوطنون پولندا في القرن الثالث عشر الميلادي، وذلك لتشجيع التجارة» (١). ومن المفارقات أنه حين بدأت أوروپافي نبذ اليهود، اكتسب يهود أوروپامركزية بين يهود العالم بسبب ثقلهم السكاني، إذ كانوا يشكلون غالبية يهود العالم (٢).
وفي ظل هذه الأحداث والصراعات، ظهر على الساحة الألماني (المُعتَرِض)، مارتن لوثر ..
...
الصَدْع اللوثري:
قبل أن نكمل حديثنا نرجع بالأحداث إلى الوراء قليلًا لإلقاء الضوء على طبيعة الحياة الدينية النصرانية في المجتمعات الأوروپية وقتذاك ..
فيعتبر تنصر الرومان في عهد الإمپراطور قسطنطين الأول Constantine I (٢٧٢ - ٣٣٧ م) تحولًا جذريًا في تاريخ النصرانية، ولقد أبلغ القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت. ٤١٥هـ) حينما قال (٣): «فإذا تبينت الأمر وجدت النصارى تروموا
стр. 241
ورجعوا إلى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا»!
تقول هيلين إيليربي (١): «ولقد رأى هذا الرجل [قسطنطين] في المسيحية وسيلة نافعة في تقوية قدرته العسكرية، وفي توحيد الإمپراطورية الرومانية الواسعة والمضطربة. وأما القصة التي تحدثت عن منام قسطنطين الذي اقتاده إلى قبول المسيحية، حيث إنه رأى في منامه صليبًا في السماء مكتوبًا عليه الكلمات التالية: "في هذه العلامة أنت سوف تنتصر"، فهي مجرد حكاية لأن قسطنطين تحول شخصيًا إلى المسيحية فقط عندما كان على فراش موته (٢)، فقد اعترف قسطنطين بالمسيحية كمجرد وسيلة للتغلب على التمزق داخل الإمپراطورية الرومانية، وكذلك عوضًا عن الديانة الرومانية الرسمية وبديلًا لها».
ويقول أبو زهرة (٣): «ويسوغ لنا أن نقول أنه كان له في هذا (٤) أرب خاص، وهو تقريبها [أي المسيحية] من وثنيته، أو على الأقل عندما رجَّح رأي فريق كان يرجح ما هو أقرب إلى وثنيته، وأدنى إلى ما يعرفه من عقيدة، فلم تكن الحجة القوية في جانب ترجيحه على هذا الاعتبار، أو كان متهمًا في ترجيحه بناء على الاعتبار الأول، وسواء أكان هذا أم ذاك، فهو قد رجح ما هو أقرب إلى الوثنية لوثنيته».
ويقول الندوي (٥): «انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكًا عظيمًا، وخسروا دينًا جليلًا، لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح (٦)،
ولم تستطع هذه النصرانية الملقحة بالوثنية المشوهة أن تغير من سيرة الروم المنحطة وأن تبعث فيهم حياة جديدة، حياة دينية نقية طاهرة، بل إنها ابتدعت رهبانية (١) [كرد فعل معاكس] لعلها كانت شرًا على الإنسانية والمدنية من بهيمية رومة الوثنية» (٢).
стр. 244
ورهبانية ابتدعوها:
ولقد جن جنون هذه الرهبانية في العالم النصراني وتخطى حدود القياس، ولقد نقل المؤرخ الأيرلندي وليام هارتپول ليكي (١٨٣٨ - ١٩٠٣م) من هذه المضحكات المبكيات شيئًا كثيرًا، وإنا نلتقط هنا بعض الأمثلة وهي قليل من كثير جدًا ..
يقول (١): «يروي المؤرخون عن الراهب ماكاريوس Macarius of Alexandria [ت. ٣٩٥م] أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرص جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائمًا نحو ثمانين رطلًا من حديد، وكان صاحبه الراهب يوسيبيوس Eusebius of Vercelli [٢٨٣ - ٣٧١ م] يحمل نحو مائة وخمسين رطلًا من حديد، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح، وكان الراهب صابينوس Sabinus [ت. ٣٠٤م] لا يأكل إلا الذرة المتعفنة بمكثها شهورًا في الماء، وقد عبد الراهب يوحنا John of Egypt [ت. ٣٩٤م] ثلاث سنين قائمًا على رجل واحدة ولم ينم ولم يقعد طول هذه المدة، فإذا تعب جدًا أسند ظهره إلى صخرة (٢)، وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائمًا، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام.
وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم
стр. 245
أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس؛ يقول الراهب أثاناسيوس Athanasius of Alexandria [٢٩٣ - ٣٧٣ م]: إن الراهب أنتوني Anthony of Egypt [٢٥١ - ٣٥٦ م] لم يقترف إثم (!) غسل الرجلين طول عمره، وكان الراهب إبراهام Abraham the Poor [ت. ٣٧٢م] لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة. وكانت بعض الراهبات ترتجفن عند ذكر الاغتسال، وقال الراهب الاكسندر Alexander بعد زمن متلهفًا: "وا أسفاه! لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حرامًا فإذا بنا الآن ندخل الحمامات"، ولقد ظل الراهب سيمون Simon طيلة عام كامل واقفًا على ساق واحدة وقد ملئت الساق الأخرى بتقرحات بشعة المنظر، وكان يقف صاحبه بجانبه يلتقط الديدان التي كانت تسقط من جسده ويضعها في تلك القرح، وكان سيمون يخاطب الديدان قائلًا لها: "كلي ما قد أعطاك الله" ...». ومن يطالع تراجم هؤلاء وأمثالهم في المراجع المختصة، يتعجب من وصفها لهؤلاء (الأقذار) بالقديسين Saints!! ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١).
الكنيسة تجني أرباحًا كبيرة:
أما عن الكنيسة، فلقد جَنَت أرباحًا كبيرة جدًا بوساطة تكييف عقيدتها وبتبني عقائد رائجة؛ ففي عام ٣١٩م أصدر قسطنطين قانونًا أعفى فيه رجال اللاهوت من دفع الضرائب أو من الخدمة في الجيش، وفي عام ٣٥٥م أعفى الأساقفة من المحاكمة مطلقًا في محاكم مدنية، وفي عام ٣٨٠م أصدر الإمپراطور ثيودوسيوس Theodosius I (٣٤٧ - ٣٩٥ م) مرسومًا جاء فيه: «نحن سوف نؤمن بإله واحد؛ هو الآب والابن والروح القدس، تحت فكرة جلالة متساوية وبثالوث مقدس، نحن نأمر الأشخاص الذين سوف يتبعون هذا القانون، سوف ينالون اسم مسيحيين كاثوليك، أما البقية فهم - على كل حال - الذين حكمنا بأنهم بلا عقل وحمقى، سوف يكابدون من وصمة العقائد الهرطقية، ولن تتسلم أماكن اجتماعهم اسم كنائس، ولسوف يُضرَبون أولًا بالانتقام الرباني، وثانيًا بعقوبتنا الأولية التي سوف نمارسها وفقًا للأحكام الربانية».
стр. 246
وكان من خلال المناورة السياسية أن ربحت الكنيسة مكانتها بمثابة ديانة رسمية للإمپراطورية الرومانية، وما رافق ذلك من سلطة مدنية وامتيازات (١).
وطالما حاولت الكنيسة أن تسند وجودها وسلطانها إلى المسيح ﵇، إما بتأويل كلمات قالها بالفعل تأويلًا يناسب أهدافها، وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصاقها به، كما فعلت في قضية البنوة والتأليه، وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله. فزعمت الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: «أنت بطرس (٢)، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات» (٣).
يقول الدكتور سفر الحوالي (٤): «والمسيح ﵇ بشر رسول لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله» اهـ.
ولقد رتبت الكنيسة على هذا الزعم أن المكان الذى مات فيه بطرس - وهو روما - لا بد أن يكون مقرًا للنفوذ الديني الذي يبسط ذراعيه على الأرض كلها ممثلًا في
стр. 247
الكنيسة، وإن ما تقوله الكنيسة - وعلى رأسها البابا - واجب الطاعة لأنه من أمر الله (١). وأصدر البابا نيكولا الأول Pope Nicholas I (٨٢٠ - ٨٦٧ م) بيانًا قال فيه: «إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكامًا كانوا أو محكومين» (٢).
صراع الأباطرة والبابوات:
تقول إيليربي (٣): «وازدادت الرغبة البابوية للسلطة بشكل مضطرد، وقد اعتقد البابوات في أنفسهم أنهم متفوقون على جميع المخلوقات الآخرين، ولم يدّع البابوات فقط بأن كل شخص هو خاضع للسلطة البابوية، بل إن البابا نفسه لا يحاسب من قبل أحد إلا الرب وحده. وفي عام ١٣٠٢م [١٨ نوفمبر] أصدر البابا بونيفاس [الثامن] Pope Boniface VIII [١٢٣٥ - ١٣٠٣ م] مرسوم [الواحدة المقدسة/الكنيسة] Unam Sanctam الذي جاء فيه: "وبناء عليه إذا ما أذنبت سلطة أرضية، إنها سوف تحاكم من قبل القوة الروحية .. ولكن إذا ما أذنبت السلطة الروحية العليا، فإنها سوف تحاسب من
стр. 248
قِبَل الرب، وليس من قبل أي إنسان .. ولذلك إننا نعلن ونصرح ونحدد ونتفوه: إنه بالإجمال من الضروري لخلاص كل مخلوق بشري أن يكون خاضعًا للحبر الروماني"» اهـ.
وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرمًا قمته الإمپراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرمًا مقابلًا قمته البابا وقاعدته الرهبان. ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمپراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها، فرَسَخ واستقر (١). وفي القرون الوسطى كانت هناك فترات من الصراع المتبادل بين السلطة الدينية والدنيوية، حيث يتمرد بعض الملوك والأمراء على سلطة البابا، ويشتد آخرون في حربهم للبابوات حتى إنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه! ولكن السلطة الغالبة كانت للكنيسة، تستمدها من سلطانها الروحي الطاغي على قلوب الناس، ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التي تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع (٢)، حتى يقول وِلّ ديورانت (٣): «وبلغت هذه السياسة البابوية ذروتها حين وضع ليو الثالث Pope Leo III [ت. ٨١٦م] التاج على رأس شارلمان Charlemagne [٧٤٢ - ٨١٤ م]، ولم يعد يعترف لشخص ما أنه إمپراطور على الغرب إلا إذا مسحه أحد البابوات» اهـ.
ولذلك نلاحظ أن كثيرًا من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائمًا في مواجهتها ويرتدون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد (٤).
يروي التاريخ الكثير عن قصة النزاع بين الكنيسة وبين الأباطرة والملوك، ومن أشهر
стр. 249
ما يُروى ذلك الخلاف الذي نشب بين البابا هلدبراند (جريجوري السابع) Ildebrando/Pope Gregory VII (١٠٢٩ - ١٠٨٥ م) وهنري الرابع Henry IV (١٠٥٠ - ١١٠٦ م) إمپراطور ألمانيا حول مسألة (التعيينات) أو ما يسمى (التقليد العَلْماني)، فحاول الإمپراطور أن يخلع البابا، وردّ البابا بخلع الإمپراطور وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألَّبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعًا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمپراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمپراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا، فضرب بكبريائه عُرض الحائط واستجمع شجاعته وسافر مجتازًا جبال الألپ والشتاء على أشده، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا Canossa في تسكانيا Toscana، وظل واقفًا في الثلج في فِناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثرًا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازه مُظهرًا كل علامات الندم وأمارات التوبة حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم (١).
يقول هنري موس (٢): «ولا شك أن تلك الساعة [أي التي توَّج فيها ليو الثالث شارلمان] كانت من أروع اللحظات في تاريخ البابوية، لا يضارعها من حيث تأثيرها الدرامي سوى ذاك المنظر الآخر الذي حدث ذات شتاء في يوم عاصف تساقط فيه الجليد بفناء قصر كانوسا حيث وقف إمپراطور ذليل ينتظر ثلاثة أيام ليحصل على غفران البابا» اهـ.
تسرب مظاهر الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية:
ولقد تسرب الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية حتى صارت تزاحم المراكز الدنيوية وربما تسبقها في فساد الأخلاق والفجور، تقول هيلين إيليربي (٣): «وقد شغل
стр. 250
المال مع السلطة دورًا حاسمًا في ارتقاء الناس خلال المراتب اللاهوتية للكنيسة، وأسهم في طبيعة السمعة السيئة لكنيسة العصور الوسطى، وهناك على الأقل أربعون بابا معروفون أنهم شروا طريقهم إلى البابوية، وكانت الاتهامات بالقتل والجرائم داخل الكنيسة تتكدس وتصبح كثيرة جدًا ومتكررة بكثافة كلما حدث تغيير بالبابوية».
وينقل الندوي عن الراهب چيروم قوله (١): «إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطًا عظيمًا، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال، حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة وإجازات حِلّ المحرمات والمحظورات كأوراق النقد وطوابع البريد، ويرتشون ويرابون، وقد بذروا المال تبذيرًا حتى اضطر البابا إنوسنت الثامن Pope Innocent VIII [١٤٣٢ - ١٤٩٢ م] أن يرهن تاج البابوية! ويُذكَر عن البابا ليو العاشر Pope Leo X [١٤٧٥ - ١٥٢١ م] أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المترقب سلفًا وأنفقه، ويُروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم» اهـ.
مهزلة صكوك الغفران:
ولم يكف الكنيسة ورجالها هذا الفساد كله، فأضافوا إليه مهزلة من أكبر مهازل التاريخ، تلك هى مهزلة صكوك الغفران Indulgences؛ فقد أصدر مجمع لاتيران سنة