وكان من خلال المناورة السياسية أن ربحت الكنيسة مكانتها بمثابة ديانة رسمية للإمپراطورية الرومانية، وما رافق ذلك من سلطة مدنية وامتيازات (١).
وطالما حاولت الكنيسة أن تسند وجودها وسلطانها إلى المسيح ﵇، إما بتأويل كلمات قالها بالفعل تأويلًا يناسب أهدافها، وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصاقها به، كما فعلت في قضية البنوة والتأليه، وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله. فزعمت الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: «أنت بطرس (٢)، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات» (٣).
يقول الدكتور سفر الحوالي (٤): «والمسيح ﵇ بشر رسول لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله» اهـ.
ولقد رتبت الكنيسة على هذا الزعم أن المكان الذى مات فيه بطرس - وهو روما - لا بد أن يكون مقرًا للنفوذ الديني الذي يبسط ذراعيه على الأرض كلها ممثلًا في
стр. 247
الكنيسة، وإن ما تقوله الكنيسة - وعلى رأسها البابا - واجب الطاعة لأنه من أمر الله (١). وأصدر البابا نيكولا الأول Pope Nicholas I (٨٢٠ - ٨٦٧ م) بيانًا قال فيه: «إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكامًا كانوا أو محكومين» (٢).
صراع الأباطرة والبابوات:
تقول إيليربي (٣): «وازدادت الرغبة البابوية للسلطة بشكل مضطرد، وقد اعتقد البابوات في أنفسهم أنهم متفوقون على جميع المخلوقات الآخرين، ولم يدّع البابوات فقط بأن كل شخص هو خاضع للسلطة البابوية، بل إن البابا نفسه لا يحاسب من قبل أحد إلا الرب وحده. وفي عام ١٣٠٢م [١٨ نوفمبر] أصدر البابا بونيفاس [الثامن] Pope Boniface VIII [١٢٣٥ - ١٣٠٣ م] مرسوم [الواحدة المقدسة/الكنيسة] Unam Sanctam الذي جاء فيه: "وبناء عليه إذا ما أذنبت سلطة أرضية، إنها سوف تحاكم من قبل القوة الروحية .. ولكن إذا ما أذنبت السلطة الروحية العليا، فإنها سوف تحاسب من
стр. 248
قِبَل الرب، وليس من قبل أي إنسان .. ولذلك إننا نعلن ونصرح ونحدد ونتفوه: إنه بالإجمال من الضروري لخلاص كل مخلوق بشري أن يكون خاضعًا للحبر الروماني"» اهـ.
وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرمًا قمته الإمپراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرمًا مقابلًا قمته البابا وقاعدته الرهبان. ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمپراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها، فرَسَخ واستقر (١). وفي القرون الوسطى كانت هناك فترات من الصراع المتبادل بين السلطة الدينية والدنيوية، حيث يتمرد بعض الملوك والأمراء على سلطة البابا، ويشتد آخرون في حربهم للبابوات حتى إنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه! ولكن السلطة الغالبة كانت للكنيسة، تستمدها من سلطانها الروحي الطاغي على قلوب الناس، ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التي تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع (٢)، حتى يقول وِلّ ديورانت (٣): «وبلغت هذه السياسة البابوية ذروتها حين وضع ليو الثالث Pope Leo III [ت. ٨١٦م] التاج على رأس شارلمان Charlemagne [٧٤٢ - ٨١٤ م]، ولم يعد يعترف لشخص ما أنه إمپراطور على الغرب إلا إذا مسحه أحد البابوات» اهـ.
ولذلك نلاحظ أن كثيرًا من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائمًا في مواجهتها ويرتدون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد (٤).
يروي التاريخ الكثير عن قصة النزاع بين الكنيسة وبين الأباطرة والملوك، ومن أشهر
стр. 249
ما يُروى ذلك الخلاف الذي نشب بين البابا هلدبراند (جريجوري السابع) Ildebrando/Pope Gregory VII (١٠٢٩ - ١٠٨٥ م) وهنري الرابع Henry IV (١٠٥٠ - ١١٠٦ م) إمپراطور ألمانيا حول مسألة (التعيينات) أو ما يسمى (التقليد العَلْماني)، فحاول الإمپراطور أن يخلع البابا، وردّ البابا بخلع الإمپراطور وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألَّبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعًا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمپراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمپراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا، فضرب بكبريائه عُرض الحائط واستجمع شجاعته وسافر مجتازًا جبال الألپ والشتاء على أشده، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا Canossa في تسكانيا Toscana، وظل واقفًا في الثلج في فِناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثرًا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازه مُظهرًا كل علامات الندم وأمارات التوبة حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم (١).
يقول هنري موس (٢): «ولا شك أن تلك الساعة [أي التي توَّج فيها ليو الثالث شارلمان] كانت من أروع اللحظات في تاريخ البابوية، لا يضارعها من حيث تأثيرها الدرامي سوى ذاك المنظر الآخر الذي حدث ذات شتاء في يوم عاصف تساقط فيه الجليد بفناء قصر كانوسا حيث وقف إمپراطور ذليل ينتظر ثلاثة أيام ليحصل على غفران البابا» اهـ.
تسرب مظاهر الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية:
ولقد تسرب الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية حتى صارت تزاحم المراكز الدنيوية وربما تسبقها في فساد الأخلاق والفجور، تقول هيلين إيليربي (٣): «وقد شغل
стр. 250
المال مع السلطة دورًا حاسمًا في ارتقاء الناس خلال المراتب اللاهوتية للكنيسة، وأسهم في طبيعة السمعة السيئة لكنيسة العصور الوسطى، وهناك على الأقل أربعون بابا معروفون أنهم شروا طريقهم إلى البابوية، وكانت الاتهامات بالقتل والجرائم داخل الكنيسة تتكدس وتصبح كثيرة جدًا ومتكررة بكثافة كلما حدث تغيير بالبابوية».
وينقل الندوي عن الراهب چيروم قوله (١): «إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطًا عظيمًا، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال، حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة وإجازات حِلّ المحرمات والمحظورات كأوراق النقد وطوابع البريد، ويرتشون ويرابون، وقد بذروا المال تبذيرًا حتى اضطر البابا إنوسنت الثامن Pope Innocent VIII [١٤٣٢ - ١٤٩٢ م] أن يرهن تاج البابوية! ويُذكَر عن البابا ليو العاشر Pope Leo X [١٤٧٥ - ١٥٢١ م] أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المترقب سلفًا وأنفقه، ويُروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم» اهـ.
مهزلة صكوك الغفران:
ولم يكف الكنيسة ورجالها هذا الفساد كله، فأضافوا إليه مهزلة من أكبر مهازل التاريخ، تلك هى مهزلة صكوك الغفران Indulgences؛ فقد أصدر مجمع لاتيران سنة
стр. 251
١٢١٥م القرار التالي لتقرير أن الكنيسة تملك حق الغفران للمذنبين: «إن يسوع المسيح لما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفران، وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى، فقد أعلم المجمع المقدس وأمر بأن تحفظ للكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي والمثبتة بسلطان المجامع، ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفران غير مفيد أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحه. غير أنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديمًا والمثبتة في الكنيسة لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل».
ولكن الكنيسة لم ترع ذلك التحفظ الوارد في القرار - وهو استخدام هذا السلطان باعتدال واحتراز -، فقد كانت راغبة في زيادة سلطانها - وزيادة أموالها كذلك! - فعمدت إلى منح المغفرة بصكوك تباع بالمال في الأسواق! (١).
يقول الصك: «ربنا يسوع يرحمك يا ... (٢) ويشملك باستحقاقات آلامه الكلية القدسية، وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضًا من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة، ومن كل علة وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقذار الذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر، وأردك حديثًا إلى الشركة في أسرار الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك، حتى إنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح. وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الآب والابن والروح القدس» اهـ (٣).
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا
стр. 252
إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)
وخلاصة القول: أنه «كان للكنيسة أثرها المدمر على المجتمع؛ فبعد ما تسلمت الكنيسة القيادة تهاوت الأعمال والنشاطات في ميادين الطب، والتقنيات، والعلوم، والتعليم، والتاريخ، والفن، والتجارة ... وسقطت، ودخلت أوروپاعصور الظلام. ومع أن الكنيسة جمعت ثروة كبيرة جدًا خلال هذه القرون، لكن كل ما يتعلق بالحضارة قد اختفى» (٢).
عصر الإصلاح الكنسي: جيرولامو سافونارولا:
يقول أبو زهرة (٣): «ولقد بلغ السيل الزُبَى في العصر المشهور في التاريخ الأوروپي بعصر النهضة، وفيه نهضت الإرادة الإنسانية والعقل الإنساني يفرضون وجودهما، وفيه استطاع الأوروپيون أن يروا الله في الإسلام، والتدين الحقيقي فيما يدعو إليه هذا الدين، إذ اتصل الشرق بالغرب. فيما قبس الغرب من دراسات يلقاها على أساتذة من المسلمين بشكل خاص، ومن الشرقيين بشكل عام، وفيه علم أن لا سلطان لأحد من رجال الدين على القلب، وأن لا وساطة بين الله والعبد، وأن الله قريب ممن يدعوه، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
حينئذ أخذت الأنظار المتربصة تحصي على رجال الدين ما يفعلون، ووجد من بينهم من استنكروا حالهم، وأخذوا يدعون زملاءهم إلى إصلاح حالهم، ليردوهم إلى حكم دينهم قبل أن يفوت الوقت، ومن قبل أن ينفض الناس، وقبل أن يحملهم العامة على الإصلاح» اهـ.
ولقد كان من أبرز هذه الأصوات المنادية بالإصلاح صوت الإيطالي چيرولامو سافونارولا Girolamo Savonarola (١٤٥٢ - ١٤٩٨ م)؛ ذلك الراهب الدومينيكاني الذي لمح إليه مكيافيللي الخبيث في مقارنته لموسى ﵇ بـ «الأنبياء غير المسلحين»،
стр. 253
الذين (فشلوا) في الانتصار لدعوتهم لافتقادهم عنصر القوة! (١).
فلقد «كتب [سافونارولا] إلى ملوك فرنسا وإسپانيا وألمانيا وبلاد المجر، يرجوهم أن يدعوا إلى عقد مؤتمر عام لإصلاح الكنيسة، وجاء في رسالته: "لقد حان وقت الانتقام؛ وقد أمرني الله أن أكشف عن أسرار جديدة، وأن أظهر للعالم الأخطار التي تهدد سفينة القديس بطرس نتيجة لطول إهمالكم. إن الكنيسة غاصة بكل ما هو ممقوت ومرذول من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، ومع ذلك فإنكم لا تكتفون بالسكوت عن علاج مساوئها بل إنكم تقدمون الولاء والخشوع للمتسببين في هذه الرذائل التي تدنسها"» (٢).
وكان المتسبب الرئيس في هذه الرذائل من وجهة نظره هو البابا إسكندر السادس Alexander VI (١٤٣١ - ١٥٠٣ م)؛ فلقد خاصمه سافونارولا خصومة شديدة، حتى إنه قال في حقه (٣): «الإسكندر هذا ليس بابا، ولا يمكن أن يكون بابا؛ لأنه يغض الطرف عن الخطيئة المهلكة، خطئية الاتجار بالمقدسات والمناصب الكهنوتية التي ابتاع بها كرسي البابوية، وهو في كل يوم يبيع المناصب الكنسية لصاحب أكبر عطاء؛ وإذا غضضنا النظر عن آثامه الأخرى البادية للعيان، فإني أعلن على رءوس الأشهاد أنه ليس مسيحيًا ولا يؤمن بالله» اهـ.
وظل سافونارولا يبارز إسكندر العداء حتى أودت هذه العداوة بحياته؛ حيث حكم عليه البابا بالحرمان والإعدام، ثم أحرق بالنار وألقي برماده في نهر أرنو Arno بجوار الجسر العتيق Ponte Vecchio، عقابًا له على هرطقته وافترائه النبوءات وغيرها من التهم (٤).
وتوالت مساعي الإصلاح والدعوة للجمع بين الدين والدنيا، ويعلق الدكتور مصطفى حلمي على ذلك بقوله (٥): «لا ندري سبب الوهم القائل بعداء أوروپاللدين أو نبذه، فقد
стр. 254
تبين للدارس أن الغيرة على الدين هي التي دفعت بالمصلحين إلى اتخاذ مواقف المطالبة بإصلاح الكنيسة أو تطبيق الدين في الحياة السياسية كما ورد في دفاع الراهب سافونارولا، لا استبعاده وإهماله والتخلي عنه برمته».
ولكن مساعي الإصلاح تلك لم تتوجه إلى المسار السليم، فكما يقول الندوي ﵀ (١): «ولكن حمية الجاهلية والسدود التي أقامتها الحروب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي ودعاية الكهنة ورجال الكنيسة ضد الإسلام وصاحب رسالته ﷺ ، وعدم تجشم التعب والمطالعة، وقلة الحرص على النجاة الأخروية والاهتمام بما بعد الموت، زد إلى ذلك تفريط المسلمين في الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في أوروپا ... كل ذلك منعهم من الرجوع إلى الدين الإسلامي والأخذ به في ساعة كانوا يحتاجون إليه حاجة السليم إلى راق والمسموم إلى ترياق» اهـ.
ولقد ترجمنا لهذا الراهب الفلورنسي على وجه الخصوص لأنه يُنظر إليه أحيانًا باعتباره بشيرًا لظهور مارتن لوثر Martin Luther (١٤٨٣ - ١٥٤٦ م) والإصلاح الپروتستانتي، رغم أنه بقي كاثوليكيًا طيلة حياته؛ فيقول ديورانت (٢): «كان عنيفًا في اتهاماته عنيدًا في سياسته، لقد كان پروتستانتيًا قبل أن يجيء لوثر، ولكن پروتستانتيته لم يكن لها معنى إلا أنها الدعوة لآراء الكنيسة القائمة، ولكن ذكراه أصبحت قوة تملأ عقول الپروتستانت؛ ولذلك لقبه لوثر بالقديس» اهـ.
ولقد علت مع لوثر أصوات أخرى تدعو إلى إصلاح الكنيسة، كان من أشهرها صوت السويسري هولدريش زوينجلي Huldrych Zwingli (١٤٨٤ - ١٥٣١ م)، والفرنسي چون كالفن Jean Calvin (١٥٠٩ - ١٥٦٤ م)، ولكن الذي يعنينا هنا، كي لا نحيد عن مسار البحث، هو الحديث بشيء من التفصيل عن مارتن لوثر ودعوته (٣) ..
стр. 255
مارتن لوثر: ترجمة:
ولد مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر عام ١٤٨٣م في إيسليبن Eisleben بألمانيا، ونشأ في بيئة كاثوليكية تعج بالخرافات والاعتقادات الزائفة. درس القانون في جامعة إرفورت Erfurt، ولكنه لم يتم دراسته التي رغب فيها والده واتجه إلى الدراسات اللاهوتية، والتحق بدير الرهبان الأوغسطينيين في إرفورت عام ١٥٠٥م حتى عيِّن قسيسًا بعدها بعامين. وفي عام ١٥٠٨م بدأ في تدريس اللاهوت في جامعة فتنبرج Wittenberg، والتي أنشأها فريديريك الثالث أمير ساكسونيا Frederick III (١٤٦٣ - ١٥٢٥ م) وصارت فيما بعد المهد الأساسي للتعاليم اللوثرية.
وفي عام ١٥١٠/ ١٥١١م دفعته نزعته الدينية وإخلاصه للكنيسة ورجالها إلى أن يحج إلى روما ليتبرك بالمقر الرسولي بها، إذ منَّى نفسه برؤية القديسين والزهاد من الرهبان والكرادلة. ولكن ما إن حل في روما حتى هاله ما رأى من دعاوى غفران الذنوب، وامتلاك سر التوبة، وحق منح صكوك الغفران، وتفشي مظاهر الفساد والانحلال الخلقي في الطبقات العليا من الكنيسة بوجه أخص. ومن ثم عاد إلى ألمانيا خائبًا رجاؤه، ومستنكرًا ما رأى، وصار منشغلًا بإصلاح هذا الوضع المتردي.
ولقد بلغ الأمر مداه حينما أراد البابا ليو العاشر في عام ١٥١٦م أن يعيد بناء كنيسة بطرس في روما، وكان ذلك يتطلب مقدارًا من المال غير يسير، فقرر أن يجمعه من صكوك الغفران ببيعها، وأرسل مندوبه الراهب يوحنا تتسل Johann Tetzel (١٤٦٥ - ١٥١٩ م) لبيعها في ألمانيا، فما أن أخذ يعلن عنها حتى ثارت ثائرة لوثر، وكتب في أكتوبر عام ١٥١٧م رسالة إلى المطران ألبرخت Albrecht von Barndenburg (١٤٩٠ - ١٥٤٥ م) أبدي فيها استياءً شديدًا من هذا الأمر، وأرفق بها نسخة من وثيقته الشهيرة التي تتضمن خمسة وتسعين مبدأ في معارضة الكنيسة ٩٥ Thesen، والتي من أهمها:
- جعل الخضوع التام الواجب على المسيحي لنصوص الكتاب المقدس وحدها، بعد
стр. 256
أن كان حق التفسير والفهم لنصوص الكتاب المقدس مقصورًا على رجال الدين، وذلك حتى يكون الدين ما تنطق به أفواههم وليس لأحد أن يعقب على قولهم. فألغى بذلك الحجاب الذي أقيم بين المسيحي وكتابه، وفتح باب التفسير لكل مثقف ذي فهم، وإذا كان ثمة نص لم يفهم توقفوا عن فهمه، فإن أبدى رجل الدين رأيًا في فهمه قبلوه إلا إذا خالف نصًا ظاهرًا لا مجال للتأويل فيه.
- عدم الرياسة في الدين، فألغى بذلك الرياسة الكنسية التي تستمد الخلافة من أحد الحواريين أو من المسيح نفسه.
- ليس لرجل الدين حق الغفران، إنما يرجع غفران الذنوب إلى عمل الشخص، وعفو الإله، وتوبة العاصي وندمه على ما فات ولومه نفسه على ما كان.
- عدم الصلاة بلغة غير مفهومة، وقد كانت صلاة القسيس بلغة لا يفهمها المصلون مقبولة لدى الكاثوليك، لأن أساس ذلك أن عبادة القسيس عبادة لمن هم تحت سلطانه.
- إنكار الرهبنة، حيث وجد أن جزءًا من فساد رجال الدين يرجع إلى عدم الزواج، ورأى أن المنع منه لم يكن في المسيحية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلًا مع أنه من رجال الدين. وكان زواجه من راهبة تدعى كاترينا Katharina von Bora (١٤٩٩ - ١٥٥٢ م).
- اعتبار العشاء الرباني مجرد تذكار بالفداء وتذكار للمجيء، وليس كما يعتقد الكاثوليك بأن المسيح يحل في جسد من يأكل العشاء الرباني، والخبز يتحول إلى عظام المسيح المكسورة والخمر يتحول إلى دم المسيح (١).
- عدم اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس والسجود لها، حيث ذلك قد نهي عنه في التوراة، كما جاء في سفر التثنية: «لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا أو صورة مما في السماء
стр. 257
من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض. ولا تسجد لها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك إله غيور لا أنسى ذنوب الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع من الذين يُغضبونني» (١).
وعلَّق لوثر نسخة أخرى من وثيقته على باب كنيسة القلعة في فتنبرج، الأمر الذي اعتُبر بمثابة الشرارة الأولى لتأسيس المذهب الپروتستانتي. وفي الوقت ذاته نشط في تأليف الكتب التي تعلن مبادئه، والتي أصبحت حديث الطبقة المتعلمة في ألمانيا مما زاد في التفاف الناس حوله.
ولكن لم يُجِب ألبرخت على رسالة لوثر، فكان هو نفسه ممن ينتفعون ببيع صكوك الغفران في تسديد الديون التي طوقته نتيجة دفعه المستمر للرشاوى - وذلك بعلم البابا -، ولكنه دفع في المقابل بالرسالة إلى روما للنظر فيما تحتويه من هرطقة.
وجاء رد البابا خلال السنوات الثلاثة اللاحقة متراخيًا وغير حازم، وكان مما وصف به لوثر في عام ١٥١٨م أنه «ألماني ثمل سيعود إلى رشده حين يفيق». ولكن حينما راجت دعوته واشتد خطرها أرسل إليه في الخامس عشر من يونيو ١٥٢٠م مرسوم (تجلى أيها الرب Exsurge Domine) يهدده فيه بالحرمان إن لم يرجع عن واحد وأربعين مبدأ من مبادئه وذلك خلال ستين يومًا من نشر المرسوم وتوزيعه في المناطق المجاورة. يقول المرسوم: «قم يا رب واحكم في قضيتك، إن خنزيرًا يقتحم كرمك. قم يا بطرس وتبصر في قضية الكنيسة الرومانية المقدسة أم الكنائس المكرسة بالدم. قم يا پولس يا من بتعليمك وموتك أنرت وتنير الكنيسة. قوموا يا كل القديسين وكل الكنيسة التي هوجم تفسيرها للكتاب المقدس». وما كان من لوثر إلا أنه قام في اليوم الستين (١٠ ديسمبر ١٥٢٠م) بحرق ثلاث مجلدات من القانون الكنسي وبعض كتابات فلاسفة القرون الوسطى، ثم ألقى بالمرسوم البابوي فوق لهيب النار وسط الجموع الحاشدة في فتنبرج قائلًا: «ليت هذه النيران تهلكك [أي البابا] لأنك اعترضت حق الله» (٢). وجاء رد البابا على ذلك بإصداره
стр. 258
في ٣ يناير ١٥٢١م مرسوم (هذا يليق بالبابا الروماني Decet Romanum Pontificem) يقضي بحرمانه.
وبعد أن وضع البابا قرار التنفيذ بين يدي السلطة العَلْمانية، عُقِد في العام نفسه مجلس فورمز Reichstag zu Worms برئاسة الإمپراطور شارلز الخامس Charles V (١٥٠٠ - ١٥٥٨ م) والذي تقرر فيه أن لوثر خارج عن القانون، وأُمِرَ بمنع كتبه، ونودي بحبسه، وقضى المجلس كذلك بتجريم كل ألماني يقدم للوثر طعامًا أو ملجأ، بل وأباح لأي أحد قتله بدون التعرض لمساءلة قانونية .. إلا أن فريديريك الثالث، والذي كان أحد المقربين للوثر والمؤيدين لأفكاره، قد طلب أن تُعفى إمارته من تنفيذ هذه القرارات، وبالفعل وافق المجلس على طلبه. وفي طريق العودة من المحاكمة، وبتدبير من فريديريك الثالث، اعترضت لوثر جماعة من الفرسان الملثمين قاموا بتهريبه إلى قلعة فارتبرج، وهناك أعفى لحيته وتنكر ومكث أحد عشر شهرًا عرف فيها بأنه أحد النبلاء يدعى چورچ Junker Jorg. وفي فارتبرج قام بعمله الأشهر وهو ترجمة العهد الجديد إلى الألمانية، والذي طبع في سپتمبر ١٥٢٢م، ثم قام بعد ذلك بترجمة العهد القديم. وقد طبعت ترجمة الكتابين معًا في عام ١٥٣٤م، وعكف لوثر بقية حياته على تحسين ترجمته للعهدين (١).
ولقد أدى انتشار تعاليم لوثر في ألمانيا وزيادة عدد مؤيديه إلى جعل مرسوم فورمز Wormser Edikt من الصعب تنفيذه عمليًا، الأمر الذي جعل لهذه المسألة أولوية المناقشة في مجلس سپير Reichstag zu Speyer الأول، والذي عقد في صيف عام ١٥٢٦م برئاسة الأرشيدوق فرديناند الأول حاكم النمسا Ferdinand I (١٥٠٣ - ١٥٦٤ م)
стр. 259
بتفويض من أخيه الأكبر الإمپراطور شارلز الخامس الذي انشغل عن الحضور. ولكن نظرًا لعدة أمور حدثت كتهديد الفتح الإسلامي للإمپراطورية وخلاف شارلز الخامس مع البابا كليمنت السابع Pope Clement VII (١٤٧٨ - ١٥٣٤ م)، تساهل الكاثوليك بعض الشيء وأرجأوا تنفيذ قرارات فورمز، وسمحوا للمقاطعات الألمانية بحرية الاعتقاد لحين انعقاد المجلس العام، مما خدم مارتن لوثر وأتباعه ودعم بغير قصد نشر أفكارهم، خاصة أن المجلس العام الذي تقرر عقده قد تأخر لمدة عشرين سنة بعدها.
ولكن سرعان ما عقد مجلس سپير الثاني في مارس من عام ١٥٢٩م برئاسة فرديناند الأول كذلك، لمناقشة تداعيات المد الإسلامي الذي بات يهدد هنجاريا (المجر) وفيينا، وكذلك لمواجهة الانتشار المتزايد للتعاليم اللوثرية. ولقد أدان فرديناند في هذا المجلس سوء استغلال الأمراء الألمان لقرارات المجلس الأول، وأصدر قراره بجعل الكاثوليكية هي المذهب الرسمي لكل الإمارات التابعة للإمپراطورية الرومانية المقدسة، مما يعني تحجيم دعوة الإصلاح اللوثرية وتجريم نشر مبادئها والذي يؤدي بالتالي إلى وأدها في مهدها، بل ويعطي الإشارة كذلك لتطبيق مرسوم فورمز المؤجل تنفيذه حتى بدون انتظار انعقاد المجلس العام. وهذا بالطبع أثار حفيظة الأعضاء اللوثريين وأدى بهم إلى كتابة وثيقتهم الشهيرة في ٢٥ إپريل ١٥٢٩م والتي اعترضوا فيها على جميع قرارات المجلس التي تخالف (كلمة الله) وقرارات مجلس ١٥٢٦م. ومنذ ذلك الحين سموا الپروتستانت Protestants أي المعترضين، وعرفت عقيدتهم بالپروتستانتية Protestantism.
وبعدما يئس طلاب الإصلاح اللوثريين من الحكام ويئسوا من رجال الكنيسة اتجهوا إلى تكوين جماعة ووحدة دينية منفصلة عن الكنيسة، وآراؤها غير خاضعة لها، ورافضة كل ما لها من سلطان، وأنشئوا لهم كنائس ليست معترفة لروما بأي سلطان، وسلطة رجال الدين فيها محدودة، ولرجال الدين من الحقوق ما قرروا من مبادئ، وسميت كنائسهم كنائس إنجيلية، أي إنها لا تخضع إلا لحكم الكتاب المقدس، ويقيد بأحكامه رجل الدين أمام رجل الشعب، وجميعهم مسئول أمام ذلك الكتاب، وليس لرئيس الكنيسة خلافة تجعل كلامه مقدسًا مساويًا لأحكام الكتاب المقدس في الرتبة والاعتبار.
ولما أدرك لوثر صعوبة تحقيق دعوة الإصلاح الكنسي، كَرَّس كل جهده لقضايا
стр. 260
الإيمان في الكنائس الإنجيلية الناشئة، حتى مات في إيسليبن عام ١٥٤٦م ودفن في كنيسة القلعة في فتنبرج، مخلفًا مجموعة من الكتب والمؤلفات التي تؤصِّل قواعد دعوته.
بقي أن نقول: إن الكاثوليك يذكرون لوثر بأنه كان من أصحاب البدع والأضاليل، وأنه زائغ عن طريق الإيمان (١)، وهم في الحقيقة ما كذبوا في هذا، بل أقول: إنهم تهاونوا في الحكم عليه؛ إذ إن لوثر هذا ينظر إلى خير البشر محمد رسول الله ﷺ على أنه شيطان، وأنه ﷺ أول أبناء إبليس، وأنه - بأبي هو وبأمي ﷺ كان مصابًا بالصرع، وكانت الأصوات التي يسمعها ويدعي أنها وحي جزءًا من مرضه (٢). أيضًا يرى لوثر أن الإسلام عبارة عن ترقيع مبعثر لمبادئ اليهودية والمسيحية والوثنية، حيث يقول عن الإسلام كما ينقل عنه موقع اللوثريين أون لاين: «Patched together out of the faith of the Jews, Christians, and the heathen» (٣) ، ألا لعنة الله على الكافرين!
...
مارتن لوثر واليهود:
أما فيما يتعلق بموقف مارتن لوثر تجاه اليهود، فالأمر كما تذكر ريچينا الشريف (٤): «يحتاج إلى تحليل أكثر عمقًا ودقة بسبب موقفه المتميز بين جميع المصلحين الپروتستانتيين؛ فلقد اعتبره البعض محبًا للسامية أحيانًا ومعاديًا لها، بل ومبشرًا بالنازية الألمانية اللاسامية في أحيان أخرى بسبب مواقفه من اليهود المتناقضة تمامًا والمثيرة للجدل» اهـ.
ولعلنا هنا نسترشد بدراسة چيمس سوان الدقيقة فيما يتعلق بـ (موقف مارتن لوثر تجاه
стр. 261
اليهود)، حيث يقول (١): «ولد مارتن لوثر في مجتمع معادٍ لليهود ... ولكن كما يقول مارك إدواردز Mark U. Edwards في كتابه (معارك لوثر الأخيرة Luther's Last Battles): " التقى لوثر مع اليهود في حالات نادرة فقط؛ فهو لم يسكن أبدًا إلى جوارهم، ولكنه وَرِثَ تراثًا يهوديًّا وشعبيًّا معاديًا لهم؛ لقد عاش في مجتمع نصراني كبير، يرى اليهود أناسًا منبوذين، مذنبين لقتلهم المسيح، ولإمكانهم قتل الأطفال النصارى من أجل أغراضهم الشريرة ... ولقد عاش كذلك في مجتمع محلي صغير قام بطرد اليهود قبلها بنحو تسعين سنة".
في بداءة حياته الأكاديمية، كان للوثر في اليهود أربعة اعتقادات لاهوتية راسخة، ولم تتغير هذه الاعتقادات طوال هذه الفترة، وهي (٢):
- أن العقاب الإلهي قد حل على شعبه العاصي، وأن الله وحده هو القادر على رفعه عنهم.
- اليهود غير قابلين للتنصير القسري، ولا يمكن تخليصهم بفعل بشري.
- بسبب عنادهم لله وكفرهم بالمسيح فإن عقيدتهم هي فعليًا عقيدة معادية للنصرانية.
- ولكن هذه الأشياء لا تنطبق فقط على اليهود، بل على كل من عادى الرب من البشر، ولذا فإن اليهود والنصارى غير المؤمنين كلاهما مشترك في نفس المعصية.
وعلى الرغم من أن موقفه العقدي لم يتغير، فإن نظرته لليهود طرأ عليها بعض التغيير. وبدى هذا التغيير واضحًا في بدايات دراسته اللاهوتية، تحديدًا في الفترة التي احتدم فيها النقاش حول حظر وإتلاف نسخ التلمود حوالي عام ١٥١٠م، وكان لوثر حينها يؤازر العالم الألماني چوهان روشلين Johann Reuchlin [١٤٥٥ - ١٥٢٢ م] الضليع في العبرية واليونانية، والذي وضع كتابه De Rudimentis Hebraicis الذي يعد أول كتاب في قواعد اللغة العبرية طبع في ألمانيا، ولقد اهتم لوثر كثيرًا بهذا الكتاب نظرًا
стр. 262
لقيمته الأدبية. ولقد عبَّر لوثر عن تأييده لروشلين في عام ١٥١٤م - والذي قد جرى استجوابه قبل محاكم التفتيش بسبب انشغاله بدراسة الأدب العبري - بقوله: "فلنصلِّ جميعًا من أجل روشلين" (١).
كذلك فلقد استفاد لوثر كثيرًا من تعلمه العبرية، خاصة عام ١٥١٩م حينما قدم العالم اليهودي المتنصر ماتيو أدريان Matthew Adrian للتدريس في جامعة فتنبرج، والذي حرص لوثر أشد الحرص على إدراكه والنيل من علمه.
ولكن هذا لا يعني الإشارة إلى أن لوثر كان مدافعًا عن اليهودية كديانة، إنما كان اهتمامه الأول - كما يذكر هو نفسه - "حفظ الأدب العبري لأجل الدراسات العلمية، لا لأجل فضائل اليهود واليهودية في حد ذاتها"» (٢).
ولكن على الرغم من ذلك يلاحظ أنه في مطلع عام ١٥٢٠م، حينما شرع لوثر في ترجمة الإنجيل، يلاحظ أنه قد اتخذ موقفًا مغايرًا تجاه اليهود خلافًا لما كانت عليه ثقافة العصور الوسطى السائدة حينذاك، حيث بدا في كتاباته الميل نحو ملاطفة اليهود واستمالة قلوبهم، وكان مما قاله في شأنهم، وذلك عام ١٥٢١م (٣): «يجب علينا عدم معاملة اليهود بهذه القسوة، لأن سيكون منهم النصارى في المستقبل، وهم يتغيرون في كل يوم». كذلك قال بأسلوبه غير المهذب المعهود (٤): «يفتخر الكثير من الناس بغباء عجيب حينما يصفون اليهود بأنهم كلاب ومجرمون، أو كما يحلو لهم أن يصفوهم. في حين أنهم لا يدركون من هم في نظر الرب. إنهم ينهالون عليهم بالشتائم بوقاحة، في حين أنه يجب الإشفاق عليهم، والخوف من أن يحل عليهم نفس العقاب الذي حل بهم. إضافةً إلى ذلك، وبثقة شديدة، يعلنون بتهور أنهم هم المباركون وغيرهم هم الملعونون ...
стр. 263
إنهم يريدون تنصير اليهود بالقوة والتعذيب، في حين أن الرب يقاومهم».
وعلى عكس الثقافة السائدة آنذاك، لم يتهم لوثر اليهود على وجه الخصوص بأنهم هم قتلة المسيح، ولكن كان يرى أن أخطاء البشرية جمعاء هي التي أدت إلى مقتله.
ويمكن لنا تحليل موقف لوثر من خلال تقسيم كتاباته المتعلقة باليهود وفقًا إلى حقبتين متميزتين: ما قبل عام ١٥٣٧م وما بعده؛ ففي عام ١٥٢٣ صنَّف لوثر رسالته (أن عيسى ولد يهوديًا Dass Jesus ein Geborner Jude Sei)، وكانت الدوافع التي أدت بلوثر إلى تأليفها، كما يذكر چيمس سوان (١)، هي اتهامه من قبل خصومه أنه ينكر الميلاد المعجز للمسيح ﵇، وترويجهم لإشاعة تقول إن لوثر يدعي [كما يدعي اليهود لعنهم الله] أن المسيح هو ابن يوسف النجار (٢). فألف لوثر رسالته وأعلن أنه سيبرئ نفسه مما نسب إليه بإثباته عن طريق مخطوطات التوراة أن المسيح ولد بمعجزة من مريم العذراء، وقال إنه «لعله بفعله هذا يكسب بعض اليهود للدخول في النصرانية» (٣).
ولقد بدت أهداف لوثر التبشيرية في هذه الرسالة واضحة، حيث لم يكن هدفه مجرد إثبات زيف ادعاءات خصومه، بل من أجل مصلحة اليهود أراد إثبات أن المخطوطات قد بشرت بعيسى وبالإنجيل. وكان مما قاله (٤): «لنبدأ مع اليهود بالرضاعة، وذلك بتعريفهم أن هذا الرجل يسوع هو المسيح الحقيقي، ثم بعدها بإمكانهم شرب النبيذ، ويتعلموا أنه كذلك هو إله حقيقي. بسبب ضلالهم الطريق لمدة طويلة وجب علينا التعامل معهم برفق، فهم كمن لُقِّن بصرامة إستحالة كون الإله إنسانًا (!)».
стр. 264
وكان مما أرشد إليه في السياق ذاته هو «الترفق معهم وإرشادهم عن طريق المخطوطات، ثم سيتنصر بعضهم بمفرده، وذلك بدلًا من محاولة تنصيرهم بالقوة ... وأما لو ظللنا نعاملهم كالكلاب، كيف نتوقع أي خير منهم؟ ولذا فلا بد من التعامل معهم ليس بالقانون البابوي ولكن بقانون الحب المسيحي. ولا بد كذلك من تقبلهم بود، والسماح لهم بالتجارة والعمل معنا، حتى تتوفر لديهم الفرصة لمعاشرتنا، والسماع لتعاليمنا، ومشاهدة حياتنا. وإذا أبدى بعضهم العناد والاعتراض، ففي كل الأحوال لسنا كلنا نصارى صالحين».
ثم أنزل بعد ذلك سيلًا من السباب والشتائم على البابوات ورجال الكنيسة الكاثوليك، وذلك بسبب سوء معاملتهم لليهود، وقال ما مفاده استحالة اعتناقه هو شخصيًا النصرانية لو كان ولد يهوديًا في ظل السلطة البابوية. وفي المقابل، لم يترك أعداؤه من البابويين فرصة إلا اغتنموها لوصمه بأنه (يهودي).
ثم يطرح لوثر بعد ذلك رؤية (بيولوچية) بعض الشيء، فيقول (١): «عندما نميل إلى الافتخار بمكانتنا لدى المسيح لا بد أن نتذكر أننا مجرد أغيار غرباء، في حين أن اليهود تربطهم به علاقة دم ونسب، فهم أقرباء وإخوة لربنا».
ويقول كذلك (٢): «شاء الروح القدس أن ينزِّل الكتب المقدسة إلى العالم عن طريقهم فقط؛ إنهم هم الأطفال، ونحن الضيوف والغرباء، تمامًا مثل المرأة الكنعانية، ولا بد لنا أن نرضى أن نكون كالكلاب التي تأكل الفتات الذي يتساقط من مائدة ساداتهم».
ولقد دعا إلى تعظيم العهد القديم (التوراة) حيث قال (٣): «أنا على اقتناع بأن اليهود إذا سمعوا إلى مواعظنا، ورأوا كيف نتعامل مع العهد القديم، فسوف نكسب الكثير منهم» اهـ.
ولكن آماله كانت ساذجة، وقليل كان عدد من تبعه وتنصر؛ ذلك لأن المنهج الذي
стр. 265
سلكه للحوار اللاهوتي لم يستطع التغلب على قرون من سوء المعاملة والاضطهاد التي أوقعها النصارى باليهود. لقد فشل لوثر في التأثير على اليهود من خلال كتاباته، وقد عبَّر عن هذا العالم اللاهوتي رولاند باينتون Roland Bainton (١٨٩٤ - ١٩٨٤ م) - وهو أحد أشهر كاتبي سيرة لوثر - في كتابه (هنا أقف: حياة مارتن لوثر Here I Stand: A Life of Martin Luther) بقوله: «عندما سعى [لوثر] في تنصير بعض الربِّيين، سعوا في المقابل إلى تهويده!».
ولقد وصل لوثر إلى قمة يأسه نحو عام ١٥٣٦م، وذلك بسبب اعتراض الحاخامات اليهود على رؤية لوثر المسيحية في تفسيره للعهد القديم .. يذكر لوثر مناقشته لثلاثة من علماء اليهود الكبار حول تفسير نبوءة إرميا المبشرة بقدوم المسيح عيسى ﵇، القائلة (١): «ستأتي أيام يقول الرب أقم من نسل داود ملكًا صالحًا، يملك ويكون حكيمًا ويُجري الحق والعدل في الأرض. في أيامه يخلَّص شعب يهوذا ويسكن بنو إسرائيل في أمان، ويكون اسمه الرب الصادق معنا»، فيذكر أنه حينما واجههم بها عجزوا عن الرد، وقالوا له «إنهم يؤمنون بما جاء في تلمودهم، وهو لا يذكر أي شيء عن المسيح (عيسى)» (٢)، حينها أخذ لوثر على نفسه عهدًا ألا يدخل في أي مناقشة مع اليهود مرة أخرى.
وفي هذه الفترة، بدأ لوثر في الاطلاع على عدة مؤلفات معادية لليهود، كتلك التي كتبها العالم الفرنسسكاني نيكولا أوف لايرا Nicholas of Lyra (١٢٧٠ - ١٣٤٩ م)، وكمؤلفات يهود متنصرين كپابلو دي سانتا ماريا Pablo de Santa Maria (١٣٥١ - ١٤٣٥ م)، وأنطون مارجاريتا Anton Margaritha (١٥٠٠ - ؟ م)، وفيكتور فون كاربن Victor von Carben (١٤٢٢ - ١٥١٥ م)، ولقد تركت هذه الكتابات عظيم الأثر في نفسية لوثر (٣).
стр. 266
وفي هذه الفترة كذلك شاعت الأخبار حول قيام اليهود في مقاطعتي مورافيا Moravia وبوهيميا Bohemia بمحاولات لتهويد النصارى، واستجابة بعض النصارى لهذه المحاولات، حيث قاموا بأداء شريعة الختان وتعظيم يوم السبت، والاعتقاد في المشَّيحانية وغيرها، وعرف هؤلاء النصارى باسم السبتيين Sabbatarians.
حينها أحس لوثر بالخطر، وشرع في التصدي لهم، فألف في عام ١٥٣٨م رسالته المختصرة في الرد على السبتيين Brief wider die Sabbather an einen guten Freund، حيث قام فيها بتفنيد شبهاتهم. وشرع بعدها «ألا يكتب أي شيء آخر لا عن اليهود ولا ضدهم» (١).
ولكنه لم يبقِ على عهده؛ ففي عام ١٥٤٣م - أي قبيل موته بثلاثة أعوام -كسر حاجز الصمت، وألف رسالته (عن اليهود وأكاذيبهم Von den Jüden und iren Lügen)، والتي تجلى فيها أثر الكتابات المعادية لليهود التي اطلع عليها ..
جاءت رسالته هذه كرد على منشور دفعه إليه أحد كونتات مورافيا، هو الكونت شليك Count Schlick، كتبه أحد اليهود، ويحوي هجومًا حادًا على المسيح وأمه مريم ﵉، بل على تفسيرات لوثر للعهد القديم كذلك، فطلب شليك من لوثر قراءته والرد عليه.
ولقد جاء رد لوثر هذه المرة في غاية العنف والبذاءة ليس على اليهودية فقط، بل على اليهود أنفسهم، حتى كتب رولاند باينتون قائلًا: «تمنيت أن يموت لوثر قبل كتابته هذه الرسالة» (٢).
يقول لوثر في مقدمة رسالته (٣): «كنت قد قررت أن لا أكتب أكثر، لا عن اليهود، ولا ضد اليهود، لكن منذ أن علمت أن هؤلاء الناس الأشرار الملعونين لا يتوقفون عن الدعاية لأنفسهم ومحاولة كسبنا نحن المسيحيين أيضًا؛ فإنني نتيجة لذلك سمحت لنفسي
стр. 267
بنشر هذا الكتيب للإعلام بأنني سأكون من الآن فصاعدًا بين أولئك الذين يقاومون مثل هذه النشاطات السامة لليهود، ولكي أنبِّه المسيحيين أن يكونوا على حذرهم منهم».
وفي رسالته تلك نعت اليهود بأبشع وأقذر الصفات، و «أنهم والأبالسة سواء، إذا قارنا بينهما» (١). وحث النصارى على هدم معابدهم، ومصادرة كتبهم وتلمودهم، ومنعهم من إقامة صلواتهم، «وإذا شاءوا هذا فليصنعوه في مكانهم القديم، أو في مكان آخر لا علم لنا به، نحن المسيحيين» (٢).
ثم ختمها بقوله (٣): «وفي النهاية أقول لنفسي: إذا كان الله لا يرسل إليَّ (مسيا) (٤) من عنده يختلف عن (مسيا) الذي ينتظره اليهود ويعلقون عليه رجاءهم، فأفضل لي لو مُسِخت خنزيرًا، فلا أبقى بعد ذلك إنسانًا» اهـ.
قلت: آمين!!
تقول ريچينا الشريف (٥): «المأثور عن لوثر أنه لم يكن مهذبًا في ألفاظه وبخاصة حين يهاجم أعداءه، فاللجوء للتعابير الفظة، بل والقذرة، كانت سمة مميزة لأسلوبه وشخصيته البذيئة. وقد كانت عباراته العامية المعادية للكاثوليكية والفرق الپروتستانتية المنافسة له تفوق في ضراوتها عباراته اليهودية. ولم يكن لوثر مثالًا للتسامح الديني، بل مثالًا لعدم التسامح الذي يصل أحيانًا حد التعصب».
ولقد كان من آخر أقوال لوثر قبيل موته أنه «سيتفرغ للعمل على طرد اليهود من هذه البلاد»، وكان مما قاله كذلك في آخر خطبه: «لا يغيب عنكم أن في البلاد كثيرًا من اليهود، دأبهم الإضرار بكم، ويتسببون في الكثير من الأذى لكم ... والعلاج هو طردهم من البلاد، فهم أعداؤنا صريح العداء» اهـ (٦).
...
стр. 268
أفكار لوثر أحدثت ثغرًا لا يزال يتسع حتى اليوم:
لقد أثار كتاب لوثر (عن اليهود وأكاذيبهم) فزع وجدال ليس بين اليهود المعاصرين فحسب، ولكن في الأوساط الپروتستانتية كذلك؛ فلقد ذكر عالما الپروتستانت هاينريش بولينجر Heinrich Bullinger (١٥٠٤ - ١٥٧٥ م) ومارتن بوسر Martin Bucer (١٤٩١ - ١٥٥١ م) أن أفكار لوثر تذكِّرهما بأفكار محاكم التفتيش. كذلك أصدرت كنائس زيوريخ Zürich في وقتها مذكرة جاء فيها: «أنه لو كان صدر هذا من قِبَل قطيع من الخنازير، وليس من راعي كنيسة مشهور، لوجدنا له مبررًا ضعيفًا»، وجاءت هذه المذكرة تحديدًا كرد على رسالته التي صدرت في العام نفسه (عن الاسم الذي لا سبيل لمعرفته Vom Schem Hamphoras) (١) .
ولكن لم يأخذ أحد توصيات لوثر (بطرد اليهود وهدم معابدهم وإعدام كتبهم ... إلخ) على محمل الجد، ومعظم السلطات لم تضعها موضع التنفيذ، وذلك نظرًا للدور الاقتصادي المهم الذي كان يؤديه اليهود، كما يبين ذلك محرري أعمال لوثر (٢).
وفي الجملة، رفضت السلطات السياسية الپروتستانتية اتباع توصيات لوثر، وهذا ما أثبتته الحقبة التي تلت وفاته.
ولكن على الرغم من ذلك، فإن أفكار لوثر التي نشرها في كتابه (أن عيسى ولد يهوديًا) أحدثت - كما تواتر القول - ثغرًا في الفكر النصراني الغربي لا يزال يتسع حتى يومنا هذا. أيضًا، فإنه حتى ذلك التوقيت، كانت الأيديولوچية الصهيونية المعهودة غائبة تمامًا، وأخص بالذكر غير اليهودية منها، ولعل لوثر كان أول من أشار إليها بطريقة غير واعية في كتابه (عن اليهود وأكاذيبهم) حينما قال (٣): «وغريبة الغرائب أننا إلى اليوم لا نعلم السبب في حلول اليهود بيننا، وأي شيطان جلبهم إلينا. فنحن لم نأت بهم من بيت
стр. 269
المقدس، وفوق كل ذلك لا أحد منا يأخذ بحُجُزاتهم اليوم ليقيموا عندنا وفي أرضنا، فالطرق السريعة مفتوحة لهم إلى أي مكان يريدون أن يرحلوا إليه، ويمكنهم الانتقال إلى بلدهم في أي وقت يشاءون. وإذا هم اختاروا الرحيل عنا، فنحن مستعدون أن نقدم إليهم حسن المعونة، حتى نتخلص منهم. فهم عبء ثقيل علينا في وطننا، بل هم أشبه بالوباء والطاعون، وما رأينا منهم إلا النكبات!»، وقال كذلك (١): «... فإذا شاءوا فليعودوا إلى أرض كنعان، ويقيموا أحكام الشريعة، ويُخضِعوا لهم الوثنيين والغرباء. وحينئذ فليمتصوا الغرباء الأجانب بالربا قدر ما يحتمل هؤلاء منهم» اهـ.
والأمر كما يقول الباحث محمد السماك (٢): «إن الأفكار أشبه ما تكون بالفيروسات، فهي تعيش وتنتشر عندما تجد استعدادًا لتقبلها، وهي تموت وتندثر عندما تواجه مناعة ترفضها وتقطع أوصالها».
المجتمع النصراني الغربي في بداية عصر النهضة: بداية التزوير التاريخي:
ولعل أحد أبرز العوامل التي هيأت البيئة الغربية لتقبل هذه الأفكار هي أطروحات لوثر الأولى حول اليهود، والتي رسخت بفعل ترجمته الحرفية للكتاب المقدس وبفعل الواقع الذي عاشه المجتمع في ظل الطغيان البابوي. ولو أردنا تتبع التغيرات التي طرأت على المجتمع النصراني الغربي في عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر) لاقتبسنا في المقام الأول من دراسة الباحثة الدكتورة ريچينا الشريف، «الشاقة»، كما يصفها الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي (٣)، فهو بحث نفيس جدًا في بابه، ومن بركة العلم عزوه إلى قائله كما قال الحافظ السيوطي (٨٤٩ - ٩١١هـ/١٤٤٥ - ١٥٠٥م) وغيره.
فنقول: لقد اتخذ النسيج الصهيوني شكله الديني والاجتماعي والفكري والسياسي خلال القرون الأربعة لتاريخ أوروپانتيجة تداخل خيوط كثيرة مختلفة من الثقافة الغربية،
стр. 270
وفي طليعتها الخيوط الدينية (١). وتكمن أهمية حركة الإصلاح الديني بالنسبة للصهيونية غير اليهودية فيما حققته عن غير قصد وبشكل لاشعوري أكثر مما حققته بأهدافها وإنجازاتها المباشرة (٢)؛ فإن حركة الإصلاح التي وضعها لوثر بتحديه الصريح للسلطة الدينية القائمة كانت تبشر بعهد جديد من التسامح الذي كان له تأثير إيجابي في الحياة اليهودية. لم تعد الكنيسة الكاثوليكية تُدعى بأنها عالمية، ولم يعد اليهود يُنبذون باعتبارهم الدخلاء الوحيدين. وللمرة الأولى لم يعد اليهود أشد الأقليات الدينية اضطهادًا، إذ واجهت مجموعات مسيحية منشقة كالمعمدانيين Baptists وفرق پروتستانتية أخرى نفس المصير. وخلال الحروب الدينية أصبح ما يتعسر تحقيقه بالعقل والإدراك السليم يحل في ميدان المعارك. وقد تضافر سلام أوجسبرج Augsburg (١٥٥٥ م) ومجلس ترنت Trent (١٥٤٥ - ١٥٦٣ م) ومعاهدات وستفاليا Westphalia (١٦٤٨ م) على جعل المجتمع الأوروپي عَلْمانيًا، وانبثق التسامح عن الضرورة السياسية (٣).
ولقد أحدث نشر النصوص التوراتية بشكلها الأصلي الذي لم يكن مشوبًا بالتفسيرات الكنسية الرسمية، ثورة في الفكر الپروتستانتي (٤)؛ حيث جاءت الپروتستانتية بفكرة إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون قيود على التفسيرات التوراتية، فكان كل پروتستانتي حرًا في دراسة الكتاب المقدس واستنتاج معنى النصوص التوراتية بشكل فردي، وهذا بالتالي فتح الباب لبدع في اللاهوت المسيحي، وأصبح التأويل الحرفي البسيط هو الأسلوب الجديد في التفسير بعد أن هجر المصلحون الپروتستانتيون الأساليب التقليدية الرمزية والمجازية (٥).
ولقد أكدت الپروتستانتية الجانب العبراني في المسيحية على حساب ما وسمته بأنه
стр. 271
الجانب الهيليني أو الوثني، وهو ما خلق تعاطفًا مع اليهود ومع الثقافة الدينية اليهودية (١).
وعندما ترجم الكتاب المقدس للغات القومية أصبح أكثر الآثار الأدبية شيوعًا، وأصبح ما ورد في العهد القديم من تاريخ ومعتقدات وقوانين العبرانيين وأرض فلسطين - التي حكموها لأقل من ألف عام - أمورًا مألوفة في الفكر الغربي، وغدت قصص وشخصيات العهد القديم مألوفة كالخبز، وأضحى كثير من الپروتستانت يرددونها عن ظهر قلب. وأصبح المسيح نفسه معروفًا ليس بأنه ابن مريم فحسب، بل واحد من سلسلة طويلة من الأنبياء العبرانيين. وحل أبطال العهد القديم كإبراهيم وإسحاق ويعقوب محل القديسين الكاثوليك (٢)، وبالتالي أدى الإعجاب بالماضي اليهودي إلى احترام اليهودية المعاصرة، وكان من نتائج ذلك أن ازداد التسامح في الأراضي الواقعة تحت النفوذ السياسي الپروتستانتي (٣).
ولقد تطور الاهتمام بالتوراة باعتبارها كلمة الله تحت شعار (العودة إلى الكتاب المقدس). وأصبح العهد القديم هو المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد. وحلت كلمة الله المعصومة كما جاءت في الكتاب المقدس، والتي ترجمت إلى لغة الناس العادية محل الكنيسة المعصومة التي يمثلها البابا في روما، ودعي المؤمنون للعودة إلى الكتاب المقدس نفسه باعتباره مصدر المسيحية النقية الثابتة، وإلى فهم النصوص بمعناها الواضح البسيط (٤).
وفي هذه الفترة التي أصبح فيها العهد القديم - كما ذكرنا - مصدر المعلومات التاريخية العامة، بدأت عملية التزوير التاريخي. وقد وجد التزوير الصهيوني الحالي للتاريخ الذي يدعي (حقًا تاريخيًا) في فلسطين مادته المسيحية في التمسك بحرفية
стр. 272
الكتاب. وأخذ التاريخ الشامل لفلسطين يقلص بشكل تدريجي إلى أن اقتصر على القصص المتعلقة بالوجود اليهودي وحده، وأصبح الأوروپيون مهيئين للاعتقاد بأنه لم يكن هناك في فلسطين إلا الأساطير والقصص التاريخية والخرافات الواردة في العهد القديم، والتي لم تعد تؤخذ على حقيقتها، بل اعتبرت تاريخًا صحيحًا؛ فصارت لا هجرة سوى هجرة إبراهيم ولا وجود لمملكة غير مملكة داود التي سبقتها وتلتها ممالك كثيرة، ولم يعد الناس يذكرون من الثورات إلا ثورة المكابيين (١٦٧ق. م). وكان يبدو وكأن لا وجود للشعوب الكثيرة التي استوطنت وعاشت في فلسطين، مع أن معظمها عاش فترات أطول من اليهود (١). وميزة الأساطير الصهيونية تكمن في الدمج الوثيق بين العناصر القومية والتاريخية والدينية التي تشير إلى العلاقة بين العهد القديم والأرض المقدسة والشعب المختار (٢).
وأدى ذلك بالتالي إلى تطور عدة مفاهيم؛ فلقد أصبحت فكرة أن الحج المقدس يكفر الخطايا مرفوضة، كما أنكرت شفاعة القديسين وتبجيل رفاقهم. لكن ذلك لم يُنس الناس الأرض المقدسة تمامًا، بل إنها حظيت بأهمية جديدة حيث ارتبطت بدلالات صهيونية. وكانت فلسطين باعتبارها أرض الشعب المختار، ماثلة في الخيال الپروتستانتي والطقوس الپروتستانتية، وأصبح الربط بين الأرض وأهل الكتاب يرد في الطقوس والشعائر الپروتستانتية، بل وفي الأسماء التي كان الپروتستانت يطلقونها على أبنائهم. وهكذا أصبحت فلسطين أرضًا يهودية في الفكر المسيحي في أوروپاالپروتستانتية وأصبح اليهود هم الفلسطينيين الغرباء في أوروپاوالذين سيعادون إلى فلسطين عندما يحين الوقت المناسب.
وعندما أصبح ذلك جزءًا من طقوس العبادات والصلوات في الكنيسة، اتخذت التعاليم الصهيونية غير اليهودية شكلًا ثابتًا، وحظيت بمكانة راسخة في ضمير أوروپاالقومي (٣).
стр. 273
ومن المفاهيم التي تطورت كذلك ظهور الاهتمام بتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بنهاية الزمان. وكان جوهر (العصر الألفي السعيد) هو الاعتقاد بعودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض والتي ستدوم ألف عام. واعتبر المؤمنون بالعصر الألفي السعيد مستقبل الشعب اليهودي أحد الأحداث المهمة التي تسبق نهاية الزمان. والواقع أن التفسير الحرفي لنصوص سفر الرؤيا قادهم إلى الاستنتاج بأن عودة اليهود كأمة إسرائيل إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة. لكن ارتداد اليهود للمسيحية عنصر مهم لتحقيق ذلك، بل إن بعض الفرق كانت تصر على اعتناق اليهود للمسيحية قبل بعثهم، بينما اعتقد آخرون أن ذلك سيتم بعد عودتهم لفلسطين.
وخلال تاريخ الكنيسة المسيحية استمر الاعتقاد الأخروي بعودة المسيح السريعة، وشاع ذلك الاعتقاد في القرن الأول الميلادي وكان يظهر بين فينة وأخرى خلال فترات الاضطراب السياسي والاجتماعي. ولكن الأمر الذي ينبغي ألا يغرب عن البال أن فكرة نهاية الزمان كانت مدمِّرة وتعتبر تهديدًا لأمر الكنيسة في العصور الوسطى.
وبعد أن أصبحت المسيحية هي الديانة الرسمية للإمپراطورية الرومانية عام ٣٨٠م عقد القساوسة الأوائل العزم على استئصال شأفة أفكار وتوقعات المؤمنين بالعصر الألفي السعيد. ويبدو مجازًا بأنها حالة روحية وصلت إليها الكنيسة في عيد العنصرة (١)، أي بعد موت وبعث المسيح [وفق اعتقادهم]. وكانت حركة الأقليات شبه الطائفية التي سبقت عهد الإصلاح الديني والتي كانت تعبر عن حنينها للعصر الألفي السعيد مضطرة للبقاء سرية بسبب اضطهاد الكنيسة في روما لها واعتبار تعاليمها كفرًا ..
ولكن لم تتعمق حركة بعث الشعب اليهودي في تعاليم هذه الحركات التي كانت تنتظر اعتناق اليهود للمسيحية سريعًا، ومع أن فكرة العصر الألفي السعيد لم تسُد حتى في أوساط الفئات الپروتستانتية الرئيسة (حيث استمر لوثر وكالفن مثلًا على التمسك بتعاليم أوغسطين حول هذه الفكرة)، إلا أنها ظهرت في أوساط الجماهير وتسربت أفكارها إليهم. واستمرت هذه الحركة في استقطاب أنصار لها في كل فترات التاريخ التي تلت
стр. 274
حركة الإصلاح الديني إلى أن بلغت ذروتها في القرن العشرين في مذهب العصمة الحرفية الأمريكي الذي يصر على أن إسرائيل هي التحقيق الواقعي للنبوءة في العصر الحديث (١) ..
كان مما رسخ الاعتقاد فيه كذلك هو أن حركة الإصلاح نفسها نقطة تحول تشير إلى قرب نهاية الزمان. وقد أثبتت أوروپاالتي كانت تحت وطأة الحروب الطاحنة لعدة قرون، أنها أرض خصبة لمثل هذه العلامات الأخروية. وكان الاضطهاد الشديد الذي يتعرض له كثير من الفرق الپروتستانتية على يد الكنيسة الرسمية يفسر بأنه علامة أخرى من علامات نهاية الزمان. في هذا الإطار حظيت النبوءات التوراتية الكثيرة عن مستقبل إسرائيل بأهمية كبرى وغدا كثير من الفرق مقتنعًا بأن تحقق النبوءات يشمل اليهود المعاصرين بشكل أو بآخر (٢).
وكانت الأفكار الصهيونية عن العصر الألفي السعيد لا تزال تدرج في مراحلها الأولى، ولكن نواتها كانت موجودة في اعتناق أفكار معينة من حركة الإصلاح الپروتستانتية. وقد بقيت الصهيونية غير اليهودية خلال هذه الحقبة محصورة في مجال التأملات الروحية والنقاش اللاهوتي، لكن العناصر الأساسية لموالاة السامية ومعاداتها كانت موجودة فيها وكان هناك مزج غريب بين هذين التيارين اللذين يبدوان متناقضين.
كان المصلحون الأوائل يظهرون الحب لشعب الله المختار، ولكنه لم يكن حبًا نابعًا من قلقهم على اليهود، بل لدورهم المرسوم لهم في خطة الله كما أوحى بها وعده لهم. وكان ارتداد اليهود للمسيحية لا يزال الهدف النهائي (٣).
ظهور أول أثر أدبي مطبوع عن التفكر في العصر الألفي السعيد:
وفي نهاية القرن السادس عشر تقريبًا ظهر أول أثر أدبي مطبوع عن التفكر في العصر الألفي السعيد وبعث اليهود، وانتشر في أوروپاوبخاصة في الجزر البريطانية، حيث
стр. 275
كانت حركة الإصلاح الديني قد وطدت أقدامها منذ أن انفصل الملك هنري الثامن Henry VIII (١٤٩١ - ١٥٤٧ م) عن روما الكاثوليكية (١).
وفي إنجلترا، وصلت النهضة العبرية، بأفكارها المتداخلة المؤيدة للصهيونية ضمنًا، ذروتها في عهد الثورة الپيوريتانية في القرن السابع عشر. وكانت الپيوريتانية Puritanism تمثل أشد أشكال الپروتستانتية تطرفًا، وقد ظهرت كحركة مناهضة للأصول التي وضعتها الملكة إليزابيث الأولى Elizabeth I (١٥٣٣ - ١٦٠٣ م) للكنيسة الإنجليزية، والتي شابهت بعض أصول الكنيسة الكاثوليكية في روما، الأمر الذي رفضه الپيوريتانز بشدة (٢).
ولكن تجدر الإشارة إلى أن الپيوريتانية، شأنها في ذلك شأن العبرية المسيحية إبان مجدها، لم تكن محصورة في إنجلترا وحدها - كما يزعم بعض المؤرخين الصهاينة -، بل امتدت إلى كافة أرجاء أوروپا، حيث كانت الپروتستانتية راسخة الأقدام. ولقد كانت الأفكار الصهيونية راسخة في الإحساس الشعبي في الأراضي المنخفضة الكالفنية، إذ أن اليهود الإسپان الذين فروا هربًا من محاكم التفتيش وجدوا ملاذًا لهم ولقوا كل ترحيب كحلفاء ضد العدو المشترك للملك الإسپاني والكنيسة الكاثوليكية (٣).
ولقد غالى الپيوريتانيون في إجلال الكتاب المقدس مع إعطاء الأولوية للعهد القديم، وكانوا يجمعون بين نزعة حب الخير لليهودية والانطباع بأن اليهود هم خلفاء العبرانيين القدامى. وكان إكبارهم للعهد القديم وأهله ناجمًا عن الاضطهاد الذي قاسوه على يدي الكنيسة الرسمية. وكانت معلوماتهم عن حياة اليهود المعاصرين ضحلة، بل كانت معلوماتهم سطحية مستقاة من اطلاعهم على التوراة العبرية والتماثل بالتالي بين اليهود المعاصرين وبين شعب الله. وقد دفعهم هذا إلى اتباع مواعظ العهد القديم التي هجرها اليهود أنفسهم منذ عهد بعيد.
стр. 276
وخلال تجارب الاضطهاد المرة والحرب الأهلية وجد الپيوريتانيون في العهد القديم بشكل خاص اللغة والأحاسيس التي تنطبق عليهم وتناسبهم تمامًا؛ حيث كانت التجربة الحقيقية للصراع الديني والسياسي والاضطهاد تلك التي جعلت مجازات العهد القديم محتملة الصحة، ودفعتهم لاستعمال لغته والأسماء الواردة فيه باعتبارها أنسب أداة لنقل أفكارهم العنيفة.
ولقد جلبت الپيوريتانية لإنجلترا اجتماعيًا وفكريًا الغزو (العبري) الذي كان قد اجتاح القارة الأوروپية. وأصبحت العبرية أمرًا محسوسًا على الشعب وفي حياة الأمة اليومية. كذلك تغلغلت التعابير العبرية في الحديث الإنجليزي، بل إن بعضهم كان يعتبر العبرية اللغة الوحيدة للصلاة وتلاوة الكتاب المقدس (١).
ولقد واجهت الأفكار الپيوريتانية استياءً عامًا مع بداية ظهورها في بداية القرن السابع عشر، خاصة لدى الملك چيمس الأول King James I (١٥٦٦ - ١٦٢٥ م)، حيث رأى أن حمل أفكار العصر الألفي السعيد على محمل الجد يعتبر انتهاكًا شخصيًا واعتداءً على حقوقه الخاصة كحاكم مطلق (٢). كذلك تعرضت هذه الأفكار للنقد في الپرلمان حيث انطلقت تحذيرات بعض الأعضاء من أنبياء متهودين جدد يطالبون بالبعث اليهودي.
ولكن جذور هذه الأفكار الصهيونية رسخت في الحياة الروحية لإنجلترا وانبعثت من جديد ووصلت عصرها الذهبي في العهد الپيوريتاني اللاحق (٣)، حين أصبحت الپيوريتانية بإيمانها بالعصر الألفي السعيد في مركز القوة، فحينئذ لقيت فكرة البعث اليهودي قبولًا واسع النطاق.
стр. 277
يوحنا وابن عازر كارترايت وإعادة اليهود إلى إنجلترا:
وفي عام ١٦٤٩م، ذروة الحكم الپيوريتاني لإنجلترا، طلب اثنان من الإنجليز الپيوريتان يعيشان في أمستردام - وهما يوحنا وابن عازر كارترايت Joanna and Ebenezer Cartwright - من الحكومة الإنجليزية «أن تصبح الأمة الإنجليزية والسكان الهولنديون أول وأكثر الدول استعدادًا لنقل أولاد وبنات إسرائيل في مراكبها للأرض الموعودة لأجدادهم: إبراهام، إسحاق، ويعقوب، ليتملكوا ميراثهم للأبد». كذلك تضمَّن الطلب أن «يُعاد السماح لليهود بالتجارة والإقامة بينكم في البلاد» (١).
ومما أكد جدية هذا الاسترحام أنه تضمن طلبًا بأن تقوم الحكومة الإنجليزية بإلغاء قانون النفي الذي وضعه الملك إدوارد الأول Edward I (١٢٣٩ - ١٣٠٧ م)، والسماح لليهود بدخول إنجلترا (٢).
وكانت عودة دخول اليهود إلى إنجلترا مقترحة لسببين:
أولًا: كان الپيوريتانز يؤمنون بأنه: حيث إن مذهبهم أقرب لليهودية، فإن اليهود حين يحتكون بالپيوريتانية سيتحولون للمسيحية بلا مقاومة. وقد كتب هنري چيسي Henry Jessey (١٦٠٣ - ١٦٦٣ م) في عام ١٦٥٦م قال: «إن الإنجليز أقدر بموهبتهم على إقناع اليهود».
ثانيًا: أصَرَّ الإنجيليون المتشددون على أن اليهود لا يستطيعون بدء العودة إلى جبل صهيون بالقدس حتى يكتمل تفرقهم في كل البلاد. ولذا وجب جلبهم إلى إنجلترا قبل إرسالهم إلى فلسطين (٣).
تقول ريچينا الشريف (٤): «سارت فكرة البعث اليهودي وفكرة إعادة السماح لليهود
стр. 278
بدخول إنجلترا جنبًا إلى جنب. وكان تفسير فقرات معينة من العهد القديم، التي تتضمن أن تشتت اليهود قبل بعثهم شرط ضروري لخلاص إسرائيل النهائي وعودة المسيح المنتظر، تؤكد هذا التناقض الظاهري. وهكذا كان على إنجلترا، البلد الوحيد الذي ليس فيه وجود يهودي ظاهري، أن تكون عونًا لله القوي في الإسراع بالحادث المنتظر. لكن الحركتين من أجل البعث اليهودي والسماح لليهود بدخول إنجلترا لم تكونا من أجل اليهود أنفسهم، بل من أجل الوعد المعطى لهم؛ فقد كان ينظر إلى العودة على أنها اعتناق اليهود للمسيحية لأن هذه هي علامة تحقيق الوعد، وكان الكثير من الپيوريتانيين يعتقدون بدافع من عبريتهم أن من اليسير على اليهود أن يتحولوا للمسيحية وهو الموقف الذي رأيناه في حب لوثر للسامية في المرحلة الأولى من حياته» اهـ.
مناسح بن إسرائيل و (أمل إسرائيل):
وباقتناع تام منه بأنه مكلف مهمة التعجيل بقدوم المسيح، نشر اليهودي مناسح بن إسرائيل Menasseh Ben Israel (١٦٠٤ - ١٦٥٧ م) كبير حاخامات أمستردام، عام ١٦٥٢م، كتابًا مهمًا بعنوان (أمل إسرائيل Hope of Israel) يدعو فيه إلى إيصال اليهود إلى إنجلترا حتى يكتمل شتاتهم في العالم، قبل أن يبدأ تجمعهم في إسرائيل. وكما شرح في خطاب له لاحق: «فقد كشف سفر التثنية، الإصحاح (٢٨: ٦٤): "ويشتتكم الرب في جميع الشعوب من أقاصي الأرض إلى أقاصيها"، ولقد اقتنعت أن أقصى الأرض قد يكون هو هذه الجزيرة»، أي إنجلترا!
ومما دعم رؤية مناسح هو ما قد استنتجه الرحالة اليهودي الپرتغالي أنتونيو دي مونتيزينوس Antonio de Montezinos - الذي التقى به مناسح في عام ١٦٤٤م - من أن القبائل الهندية في جزر الهند الغربية، هم في الأصل قبيلة رأوبين العبرانية، إحدى القبائل اليهودية العشر المفقودة، وذلك بسبب ممارستهم للطقوس اليهودية على حسب زعمه. وبناءً على طلب المجمع اليهودي الهولندي، وقَّع مونتيزينوس قسمًا على صحة روايته.
كذلك كان مبشرو المسيحية الإسپان إلى أمريكا الجنوبية يرددون بأن الهنود الحمر هم
стр. 279
القبائل اليهودية العشر المفقودة والذين عبروا آسيا غربًا إلى الصين ثم إلى أمريكا، بينما يؤيد علماء الإنسانيات نظرية أن الهنود الحمر هم الميكادو Mikado، أي الجيش المغولي الذي عبر مضيق بيرينج Bering Strait.
ولكن سرعان ما انتشرت هذه الرواية بين الهولنديين الپيوريتانيين، وتحمست لها طائفة الألفيين الذين كانوا ينتظرون مملكة القديسين، وتبعًا لتفسيرهم لنبوءة الكتاب المقدس، فيجب أن تشمل العودة من المنفى القبائل العشرة المفقودة التي اختفت في القرن العاشر قبل الميلاد. فعند التقائهم مع بني يهوذا، كما كان الحال أيام داود وسليمان، يستطيع المسيح بن داود الظهور على الأرض (١).
ولقد ربط كتاب مناسح (أمل إسرائيل) بين التفكير اللاهوتي والسياسة العملية؛ فلم يكن يرى أن إعادة السماح لليهود بدخول إنجلترا هدف في حد ذاته ولكنه خطوة نحو إعادة استيطانهم النهائي في فلسطين. ولقد راجت الترجمة الإنجليزية لكتابه ونفدت ثلاث طبعات منه قبل أن تطأ قدما المؤلف أرض إنجلترا عام ١٦٥٥م، مما يدل على سيطرة الأفكار الصهيونية على عقلية الرأي العام الإنجليزي (٢).
تقول باربرا تخمان (٣): «هذا الحرص من إنجلترا الپيوريتانية في الاهتمام باستعادة إسرائيل، أصله ديني بلا جدال، كنتاج لسيطرة العهد القديم على العقل والإيمان الخاص بحكم منتصف القرن التاسع عشر، ولكن الدين لم يكن كافيًا، ولم يكن إخاء البريطانيين الروحي مع بني إسرائيل وأفكارهم عن التسامح وآمالهم بعهد المسيح الجديد ستثمر، لولا تدخل السياسة والاقتصاد للتعجيل بالأمور» اهـ.
ومما لا شك فيه أن نشر النصوص التوراتية بشكلها الأصلي الذي لم يعد مشوبًا بالتفسيرات الكنسية الرسمية أتاح لبعض الپروتستانت أن يضفوا على الكتاب المقدس صبغة سياسية.
ومن المفارقات أن اليهود أنفسهم كانوا يحاولون خلال هذه الفترة أن يجردوا الكتاب
стр. 280
المقدس من الصبغة السياسية؛ ففكرة المسيح المنتظر بين اليهود، التي كانت مرتبطة بشكل وثيق بحركة الإصلاح الديني، كانت تعارض التدخل البشري أو الدنيوي لتحقيقها، وتتوقع بدلًا من ذلك أن تتحقق عن طريق التدخل السماوي (١).
ويلاحظ أن المفهوم السياسي بدأ في التسرب داخل الأفكار الصهيونية غير اليهودية بصورة واضحة في عهد الإنجليزي أوليفر كرومويل Oliver Cromwell (١٥٩٩ - ١٦٥٨ م)، والذي ترأس الكومنولث الإنجليزي (٢) لمدة عشر سنوات (١٦٤٩ - ١٦٥٨م)؛ وكان كرومويل حينها في حرب مع الپرتغال، وهي أولى الحروب التجارية من أجل استعادة سيادة بريطانيا البحرية لإصلاح جسور التجارة مع المستعمرات. وقد أفقدت الحرب الأهلية بريطانيا صدارتها التجارية. وكانت طبقة رجال الأعمال والتجار، وأغلبهم من الپيوريتانيين، يغارون من الهولنديين الذين استغلوا الفرصة واقتنصوا مركز الصدارة في التجارة مع المشرق والشرق الأقصى والمستعمرات والأمريكتين. ولقد ساعد على نجاح الهولنديين التجار اليهود الذين جلبوا الفرص من خلال علاقاتهم بجنوب أمريكا وبالمشرق، ولم يغب ذلك عن كرومويل، فاستغل عائلات يهود الأندلس المارانو Marranos (٣) المقيمين بإنجلترا.
وبدأ الاتصال الرسمي مع مناسح في عام ١٦٥٠م بعد انتشار كتابه مباشرة. وأُرسلت بعثة إلى هولندا لعقد تحالف مع الهولنديين، وكُلفت البعثة التفاوض الجانبي مع مناسح،
стр. 281
والذي قدم على أثر هذه المفاوضات طلبًا رسميًا لمجلس الدولة لإعادة السماح لليهود بدخول إنجلترا.
وتسارعت الأحداث نحو ذروتها. ورفضت هولندا المغرورة الاتحاد مع بريطانيا المبتدئة - حيث لم تكن إمپراطورية بعد -. وبناءً على ذلك، عملت بريطانيا بمبدأ (إن لم تستطع الانضمام إليهم فاهزمهم)، فأصدرت فورًا القانون البحري الذي يمنع السفن الأجنبية من الاتجار مع إنجلترا ومستعمراتها. وأصاب هذا الهولنديين في معيشتهم، وبدأت الحرب مع إنجلترا بعد ذلك بعام. ولتوقعه لذلك، أرسل كرومويل إلى مناسح بن إسرائيل جواز سفر داعيًا إياه للدفاع عن قضيته بنفسه في نفس يوم صدور القانون البحري. وكما أشار المؤرخ الإنجليزي اليهودي سيسل رُوثّ Cecil Roth (١٨٩٩ - ١٩٧٠ م)، فإن هذه الصدفة تستحق التدوين. وكان كرومويل متحمسًا لنقل تجار أمستردام اليهود إلى لندن، كإجراء سيفيد إنجلترا في سباقها مع هولندا.
ولكن قبل أن يأتي مناسح، اندلعت الحرب الهولندية الإنجليزية، وفي أثناء اندلاعها، لم يُتخذ أي إجراء حيال اقتراحه، حتى انتهت الحرب الهولندية، ولاحت الحرب الإسپانية في الأفق بسبب التنافس التجاري كذلك. وظل كرومويل يضغط لأجل إصدار قرار بشأن إعادة اليهود لبريطانيا، الذين ظلت علاقاتهم التجارية وثيقة بإسپانيا والپرتغال. وفي عام ١٦٥٤م، دعا كرومويل مناسح مجددًا للقدوم لإنجلترا، وقَبِل الأخير وحضر بصحبة ثلاثة أحبار زملائه بدفاعات جديدة لصالح هدفه. وكان مما ركز عليه مناسح هو «الربح الذي هو أقوى الدوافع على الإطلاق»، وأشار إلى كم يمكن أن تكون أهمية اليهود كقنوات للتأثير في التجارة أمام هولندا وإسپانيا والپرتغال، وتكلم عن الحب الذي يكنه اليهود للكومنولث بسبب كونه أكثر تسامحًا من الممالك الأخرى، وردَّ على الاتهامات التقليدية التي تثار ضد اليهود كتهمة الدم وسعيهم في قتل المسيح وغيرها .. وأثار طبع خطاب مناسح دوامة من الجدل أغرقت فيها العيوب المزايا، وأثيرت التهم القديمة مع تهم جديدة، بما فيها أن كرومويل يهودي وأن اليهود سوف يشترون كنيسة (القديس) پولس ومكتبة بودليان Bodleian Library (١) .
стр. 282
تقول باربرا تخمان (١): «وأيًا كان ما حدث، ففي العاشر من ديسمبر عام ١٦٥٥م جمع كرومويل لجنة من القضاة ورجال الدين والتجار للنظر في طلب مناسح (٢). وعلى مدى أربعة عشر يومًا، ظل أعضاء اللجنة منقسمين بين معارض ومؤيد. ولم يتفقوا سوى على أنه لا يوجد سبب قانوني يمنع دخول اليهود إلى إنجلترا ... أما فيما يختص بشروط وشكل تواجد اليهود وإقامتهم، فقد ظلوا غير متفقين؛ فكان رجال الدين الذين كانوا يريدون عودة اليهود يقولون بأن الناس الطيبين في إنجلترا كانوا يصدقون في عودة المسيح، ويصلون من أجلها أكثر من أي شعب آخر، وأنه يجب السماح لليهود بالدخول لأجل تحقيق ظهور المسيح أو التحول، وأنه يجب على إنجلترا أن تكفر عن ذنوبها تجاه اليهود الذين هم أقارب المسيحيين بالدم، وإن لم يكن بالروح والإيمان، وينحدرون من نفس الأب إبراهام.
وكان التجار ضد هذا الأمر بشدة، فقد نشر عملاء الهولنديين والإسپان إشاعات عن العواقب الوخيمة لدخول اليهود، والمتمثلة في أن تجارة اليهود ستثري الغرباء وتفقر الإنجليز. وقالوا: إنه فيما يختص بالتحول، فإن الأحرى أن ما سيحدث هو تحول المسيحيين إلى اليهودية وليس العكس، بفعل ميل الشباب الإنجليزي للدعوات الجديدة. وفي نهاية الأمر، لم يُتفق إلا على السماح بعودة دخول اليهود إلى إنجلترا، ولكن بشروط مقيدة ماليًا وتجاريًا، مما جعل الأمر عديم الجدوى لكرومويل ... أما بالنسبة لمناسح، فلم تكن التسوية تعد نجاحًا مرضيًا على الإطلاق. وعاد إلى هولندا مُسِنًّا ومفلسًا ومهزومًا، وبعد أقل من عامين مات عن ثلاثة وخمسين عامًا، وربما بسبب كسر قلبه ... ونتيجة لغياب الحل الحاسم، لم يهاجر الكثير من اليهود إلى إنجلترا. ولكن في عام ١٦٥٦م، حين دخلت إنجلترا حربها مع إسپانيا، تمكن المارانو من الخروج من تنكرهم الإسپاني وسُمح لهم برغم القلاقل المثارة حولهم بإقامة معابد علانية، كما سُمح لهم
стр. 283
ببعض الحقوق المحدودة كمواطنين إنجليز ... وكان حظًا سعيدًا لليهود حين اختفى الكومنولث. ومنذ ذلك الحين لم يعد هناك قانون في الكتب كي يلغيه شارلز الثاني Charles II [١٦٣٠ - ١٦٨٥ م]، فجعل الأمور تمضي بتعقل كما كانت، وتجاهل طلبات إعادة طرد اليهود ... وتواطأ مثل كرومويل، لاستغلال الوضع لصالحه. وتدريجيًا، وعلى مر مائتي عام، تزايد المجتمع اليهودي الشرقي، وعلى الرغم من وجود المعارضين، فقد تم التحرر الاجتماعي سلميًا شيئًا فشيئًا».
وتختم تخمان بقولها (١): «ومنذ وقت كرومويل، كان كل الاهتمام البريطاني بفلسطين مدفوعًا بهدف الربح التجاري أو الاستعماري، وبهدف ديني موروث من العهد القديم في نفس الوقت. وفي غياب كليهما، كما حدث في القرن الثامن عشر حين كان المناخ الديني باردًا بشكل ملاحظ، لم يتحقق شيء» اهـ.
...
الصهيونية منذ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) إلى ظهور المسألتين اليهودية والشرقية:
تذهب باربرا تخمان في دراستها إلى أنه «في عصر الانشقاق في القرن الثامن عشر، ظهرت الأرستقراطية بدلًا من الپيوريتانية، وكان هذا العصر هو عصر الأرستقراطية والحرية، وحكم القانون، وغياب الإصلاح، عصر كلاسيكي بمعنى الكلمة من كل النواحي الأخلاقية والعقلية، وأبعد ما يكون عن العبرية» (٢).
ذلك في حين ذهاب ريچينا الشريف إلى أن «الأفكار الصهيونية التي وضعها أشخاص غير يهود خلال القرن السادس عشر والتي ظهرت بشكل أكثر صراحة في إنجلترا الپيوريتانية في القرن السابع عشر اشتدت شوكتها في عهد ما يسمى بعصر العقل، على الرغم من المعارضة الرسمية لها ... كذلك فإن القرن الثامن عشر لم يكن عصرًا كلاسيكيًا، منظمًا، مهذبًا، عقلانيًا بعيدًا عن الروح العبرية قدر الإمكان» (٣).
стр. 284
تقول (١): «إن هذه النظرة للحقبة التي أعقبت عودة الملكية إلى إنجلترا سطحية جدًا، ويُظهِر فرانزكوبلر Franz Kobler [١٨٨٢ - ١٩٦٥ م] فهمًا عميقًا حين يكتب قائلًا في كتابه (الرؤية كانت هناك The Vision was There): " إن حركتي التنوير الفلسفي والربوبية Deism إبان مجدهما لم تُضْعِفا حركة الإحياء الديني اليهودية، بل أثريتاها عن طريق مزجها بحاسة واقعية مفيدة. وعلى ذلك أخذت الفكرة الأساسية للإحياء الديني تنتقل من جيل لآخر، مع إجراء تعديلات كبيرة عليها، إلى أن أحدثت الثورة الفرنسية تغييرًا جذريًا مفاجئًا"».
وكما يقول هيكل (٢): «وربما تغيب الأسباب عدًا وحصرًا في ضباب الزمن مع كر السنين. لكن الأثر الذي تتركه هذه الأسباب يغوص ويسكن في أعماق ما يمكن تسميته بالوجدان، سواء على المستوى الفردي للناس أو على المستوى الجماعي للأوطان. وهم يطيعون نداءه الخفي والمستتر واثقين بشكل ما أنهم على حق، موقنين بطريقة أو بأخرى أنه سلامتهم وسلامهم» اهـ.
وفي هذه الحقبة أقام الأدب حيث ارتحلت العقيدة الدينية، وغدت أفكار العهد القديم أكثر مصادر الإلهام لفناني وشعراء العهد الجديد لا في إنجلترا فحسب، بل في القارة الأوروپية كذلك. ولدى دراسة هذا الأدب يتبين أنه عمل عن غير قصد على استمرار تعزيز الارتباط بين اليهود وفلسطين (٣).
وفي هذه الحقبة كذلك تأججت روح الاستكشافات الجغرافية والتطلعات الإمپريالية الأوروپية، التي توجهت بأنظارها نحو الشرق بكنوزه وثرواته، والذي كان حينها في حوزة رجل أوروپاالمريض المشارف على الهلاك!
ومن القوى الأوروپية علت في هذا الوقت ثلاثة: البريطانية والفرنسية والروسية، «وكان الأمر الذي يقض مضاجع أوروپافي القرن التاسع عشر هو طموح روسيا للتقدم جنوبًا، وهي التي كانت تنتظر بفارغ الصبر في عهد نيكولا الأول Nicholas I
стр. 285
[١٧٩٦ - ١٨٥٥ م] سقوط الإمپراطورية العثمانية أملًا في أن يمهد ذلك لها الطريق للتوسع في اتجاه البلقان. ومع بداية القرن التاسع عشر كانت قوة روسيا في المنطقة تنذر بالخطر، لا بسبب وجود أسطولها في البحر الأسود فحسب، بل لأنها كانت قد احتلت بعض أراضي الإمپراطورية العثمانية على أثر سلسلة من الحروب (الروسية-التركية). فضلًا عن ذلك، فإن روسيا كانت قد حصلت على حق حماية مصالح جميع رعايا السلطان من الأرثوذكس» (١).
ولذلك كان عظيم الأثر في بروز فكرة البعث القومي اليهودي من جديد بقوة في الثقافة الغربية الأوروپية، خاصة أنه كان «أكثر الأوقات ملاءمة من الناحية السياسية؛ فخلال القرن التاسع عشر أصبح الوجود اليهودي في فلسطين، بغض النظر عن دلالاته النبوئية الدينية السابقة، ودلالاته في مناصرة النفعية والسامية، قضية سياسية بالنسبة للدول الأوروپية التي كانت تصبو إلى التوسع فيما وراء البحار، وإقامة الإمپراطوريات. وتم ربط الأفكار الدينية والإنسانية بذكاء مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأدنى أو تقويته. وأصبحت السلطات الدينية والدنيوية تتاجر بالأفكار الصهيونية، نظرًا لجدواها المحتملة في الوضع السياسي السائد. ووجدت فلسطين نفسها تدور فجأة في فلك السياسة الأوروپية وواقعة تحت قوى النفوذ المتصارعة للدول الرئيسة جميعًا (وهي فرنسا وبريطانيا وروسيا)، وكان ذلك تحت شعار (المسألة الشرقية The Eastern/Oriental Question)» (٢) .
وكانت الكتلة اليهودية الأوروپية قد بلغ تعدادها في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي مليونًا وسبعمائة وخمسين ألفًا (من جملة مليونين ومائتين وخمسين ألفًا) (٣)، مما جعل القوى السياسية الأوروپية تنظر إليها على أنها ثروة بشرية ثمينة من