← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والذي قدم على أثر هذه المفاوضات طلبًا رسميًا لمجلس الدولة لإعادة السماح لليهود بدخول إنجلترا. وتسارعت الأحداث نحو ذروتها. ورفضت هولندا المغرورة الاتحاد مع بريطانيا المبتدئة - حيث لم تكن إمپراطورية بعد -. وبناءً على ذلك، عملت بريطانيا بمبدأ (إن لم تستطع الانضمام إليهم فاهزمهم)، فأصدرت فورًا القانون البحري الذي يمنع السفن الأجنبية من الاتجار مع إنجلترا ومستعمراتها. وأصاب هذا الهولنديين في معيشتهم، وبدأت الحرب مع إنجلترا بعد ذلك بعام. ولتوقعه لذلك، أرسل كرومويل إلى مناسح بن إسرائيل جواز سفر داعيًا إياه للدفاع عن قضيته بنفسه في نفس يوم صدور القانون البحري. وكما أشار المؤرخ الإنجليزي اليهودي سيسل رُوثّ Cecil Roth (١٨٩٩ - ١٩٧٠ م)، فإن هذه الصدفة تستحق التدوين. وكان كرومويل متحمسًا لنقل تجار أمستردام اليهود إلى لندن، كإجراء سيفيد إنجلترا في سباقها مع هولندا. ولكن قبل أن يأتي مناسح، اندلعت الحرب الهولندية الإنجليزية، وفي أثناء اندلاعها، لم يُتخذ أي إجراء حيال اقتراحه، حتى انتهت الحرب الهولندية، ولاحت الحرب الإسپانية في الأفق بسبب التنافس التجاري كذلك. وظل كرومويل يضغط لأجل إصدار قرار بشأن إعادة اليهود لبريطانيا، الذين ظلت علاقاتهم التجارية وثيقة بإسپانيا والپرتغال. وفي عام ١٦٥٤م، دعا كرومويل مناسح مجددًا للقدوم لإنجلترا، وقَبِل الأخير وحضر بصحبة ثلاثة أحبار زملائه بدفاعات جديدة لصالح هدفه. وكان مما ركز عليه مناسح هو «الربح الذي هو أقوى الدوافع على الإطلاق»، وأشار إلى كم يمكن أن تكون أهمية اليهود كقنوات للتأثير في التجارة أمام هولندا وإسپانيا والپرتغال، وتكلم عن الحب الذي يكنه اليهود للكومنولث بسبب كونه أكثر تسامحًا من الممالك الأخرى، وردَّ على الاتهامات التقليدية التي تثار ضد اليهود كتهمة الدم وسعيهم في قتل المسيح وغيرها .. وأثار طبع خطاب مناسح دوامة من الجدل أغرقت فيها العيوب المزايا، وأثيرت التهم القديمة مع تهم جديدة، بما فيها أن كرومويل يهودي وأن اليهود سوف يشترون كنيسة (القديس) پولس ومكتبة بودليان Bodleian Library (١) .

стр. 282

تقول باربرا تخمان (١): «وأيًا كان ما حدث، ففي العاشر من ديسمبر عام ١٦٥٥م جمع كرومويل لجنة من القضاة ورجال الدين والتجار للنظر في طلب مناسح (٢). وعلى مدى أربعة عشر يومًا، ظل أعضاء اللجنة منقسمين بين معارض ومؤيد. ولم يتفقوا سوى على أنه لا يوجد سبب قانوني يمنع دخول اليهود إلى إنجلترا ... أما فيما يختص بشروط وشكل تواجد اليهود وإقامتهم، فقد ظلوا غير متفقين؛ فكان رجال الدين الذين كانوا يريدون عودة اليهود يقولون بأن الناس الطيبين في إنجلترا كانوا يصدقون في عودة المسيح، ويصلون من أجلها أكثر من أي شعب آخر، وأنه يجب السماح لليهود بالدخول لأجل تحقيق ظهور المسيح أو التحول، وأنه يجب على إنجلترا أن تكفر عن ذنوبها تجاه اليهود الذين هم أقارب المسيحيين بالدم، وإن لم يكن بالروح والإيمان، وينحدرون من نفس الأب إبراهام. وكان التجار ضد هذا الأمر بشدة، فقد نشر عملاء الهولنديين والإسپان إشاعات عن العواقب الوخيمة لدخول اليهود، والمتمثلة في أن تجارة اليهود ستثري الغرباء وتفقر الإنجليز. وقالوا: إنه فيما يختص بالتحول، فإن الأحرى أن ما سيحدث هو تحول المسيحيين إلى اليهودية وليس العكس، بفعل ميل الشباب الإنجليزي للدعوات الجديدة. وفي نهاية الأمر، لم يُتفق إلا على السماح بعودة دخول اليهود إلى إنجلترا، ولكن بشروط مقيدة ماليًا وتجاريًا، مما جعل الأمر عديم الجدوى لكرومويل ... أما بالنسبة لمناسح، فلم تكن التسوية تعد نجاحًا مرضيًا على الإطلاق. وعاد إلى هولندا مُسِنًّا ومفلسًا ومهزومًا، وبعد أقل من عامين مات عن ثلاثة وخمسين عامًا، وربما بسبب كسر قلبه ... ونتيجة لغياب الحل الحاسم، لم يهاجر الكثير من اليهود إلى إنجلترا. ولكن في عام ١٦٥٦م، حين دخلت إنجلترا حربها مع إسپانيا، تمكن المارانو من الخروج من تنكرهم الإسپاني وسُمح لهم برغم القلاقل المثارة حولهم بإقامة معابد علانية، كما سُمح لهم

стр. 283

ببعض الحقوق المحدودة كمواطنين إنجليز ... وكان حظًا سعيدًا لليهود حين اختفى الكومنولث. ومنذ ذلك الحين لم يعد هناك قانون في الكتب كي يلغيه شارلز الثاني Charles II [١٦٣٠ - ١٦٨٥ م]، فجعل الأمور تمضي بتعقل كما كانت، وتجاهل طلبات إعادة طرد اليهود ... وتواطأ مثل كرومويل، لاستغلال الوضع لصالحه. وتدريجيًا، وعلى مر مائتي عام، تزايد المجتمع اليهودي الشرقي، وعلى الرغم من وجود المعارضين، فقد تم التحرر الاجتماعي سلميًا شيئًا فشيئًا». وتختم تخمان بقولها (١): «ومنذ وقت كرومويل، كان كل الاهتمام البريطاني بفلسطين مدفوعًا بهدف الربح التجاري أو الاستعماري، وبهدف ديني موروث من العهد القديم في نفس الوقت. وفي غياب كليهما، كما حدث في القرن الثامن عشر حين كان المناخ الديني باردًا بشكل ملاحظ، لم يتحقق شيء» اهـ. ... الصهيونية منذ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) إلى ظهور المسألتين اليهودية والشرقية: تذهب باربرا تخمان في دراستها إلى أنه «في عصر الانشقاق في القرن الثامن عشر، ظهرت الأرستقراطية بدلًا من الپيوريتانية، وكان هذا العصر هو عصر الأرستقراطية والحرية، وحكم القانون، وغياب الإصلاح، عصر كلاسيكي بمعنى الكلمة من كل النواحي الأخلاقية والعقلية، وأبعد ما يكون عن العبرية» (٢). ذلك في حين ذهاب ريچينا الشريف إلى أن «الأفكار الصهيونية التي وضعها أشخاص غير يهود خلال القرن السادس عشر والتي ظهرت بشكل أكثر صراحة في إنجلترا الپيوريتانية في القرن السابع عشر اشتدت شوكتها في عهد ما يسمى بعصر العقل، على الرغم من المعارضة الرسمية لها ... كذلك فإن القرن الثامن عشر لم يكن عصرًا كلاسيكيًا، منظمًا، مهذبًا، عقلانيًا بعيدًا عن الروح العبرية قدر الإمكان» (٣).

стр. 284

تقول (١): «إن هذه النظرة للحقبة التي أعقبت عودة الملكية إلى إنجلترا سطحية جدًا، ويُظهِر فرانزكوبلر Franz Kobler [١٨٨٢ - ١٩٦٥ م] فهمًا عميقًا حين يكتب قائلًا في كتابه (الرؤية كانت هناك The Vision was There): " إن حركتي التنوير الفلسفي والربوبية Deism إبان مجدهما لم تُضْعِفا حركة الإحياء الديني اليهودية، بل أثريتاها عن طريق مزجها بحاسة واقعية مفيدة. وعلى ذلك أخذت الفكرة الأساسية للإحياء الديني تنتقل من جيل لآخر، مع إجراء تعديلات كبيرة عليها، إلى أن أحدثت الثورة الفرنسية تغييرًا جذريًا مفاجئًا"». وكما يقول هيكل (٢): «وربما تغيب الأسباب عدًا وحصرًا في ضباب الزمن مع كر السنين. لكن الأثر الذي تتركه هذه الأسباب يغوص ويسكن في أعماق ما يمكن تسميته بالوجدان، سواء على المستوى الفردي للناس أو على المستوى الجماعي للأوطان. وهم يطيعون نداءه الخفي والمستتر واثقين بشكل ما أنهم على حق، موقنين بطريقة أو بأخرى أنه سلامتهم وسلامهم» اهـ. وفي هذه الحقبة أقام الأدب حيث ارتحلت العقيدة الدينية، وغدت أفكار العهد القديم أكثر مصادر الإلهام لفناني وشعراء العهد الجديد لا في إنجلترا فحسب، بل في القارة الأوروپية كذلك. ولدى دراسة هذا الأدب يتبين أنه عمل عن غير قصد على استمرار تعزيز الارتباط بين اليهود وفلسطين (٣). وفي هذه الحقبة كذلك تأججت روح الاستكشافات الجغرافية والتطلعات الإمپريالية الأوروپية، التي توجهت بأنظارها نحو الشرق بكنوزه وثرواته، والذي كان حينها في حوزة رجل أوروپاالمريض المشارف على الهلاك! ومن القوى الأوروپية علت في هذا الوقت ثلاثة: البريطانية والفرنسية والروسية، «وكان الأمر الذي يقض مضاجع أوروپافي القرن التاسع عشر هو طموح روسيا للتقدم جنوبًا، وهي التي كانت تنتظر بفارغ الصبر في عهد نيكولا الأول Nicholas I

стр. 285

[١٧٩٦ - ١٨٥٥ م] سقوط الإمپراطورية العثمانية أملًا في أن يمهد ذلك لها الطريق للتوسع في اتجاه البلقان. ومع بداية القرن التاسع عشر كانت قوة روسيا في المنطقة تنذر بالخطر، لا بسبب وجود أسطولها في البحر الأسود فحسب، بل لأنها كانت قد احتلت بعض أراضي الإمپراطورية العثمانية على أثر سلسلة من الحروب (الروسية-التركية). فضلًا عن ذلك، فإن روسيا كانت قد حصلت على حق حماية مصالح جميع رعايا السلطان من الأرثوذكس» (١). ولذلك كان عظيم الأثر في بروز فكرة البعث القومي اليهودي من جديد بقوة في الثقافة الغربية الأوروپية، خاصة أنه كان «أكثر الأوقات ملاءمة من الناحية السياسية؛ فخلال القرن التاسع عشر أصبح الوجود اليهودي في فلسطين، بغض النظر عن دلالاته النبوئية الدينية السابقة، ودلالاته في مناصرة النفعية والسامية، قضية سياسية بالنسبة للدول الأوروپية التي كانت تصبو إلى التوسع فيما وراء البحار، وإقامة الإمپراطوريات. وتم ربط الأفكار الدينية والإنسانية بذكاء مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأدنى أو تقويته. وأصبحت السلطات الدينية والدنيوية تتاجر بالأفكار الصهيونية، نظرًا لجدواها المحتملة في الوضع السياسي السائد. ووجدت فلسطين نفسها تدور فجأة في فلك السياسة الأوروپية وواقعة تحت قوى النفوذ المتصارعة للدول الرئيسة جميعًا (وهي فرنسا وبريطانيا وروسيا)، وكان ذلك تحت شعار (المسألة الشرقية The Eastern/Oriental Question)» (٢) . وكانت الكتلة اليهودية الأوروپية قد بلغ تعدادها في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي مليونًا وسبعمائة وخمسين ألفًا (من جملة مليونين ومائتين وخمسين ألفًا) (٣)، مما جعل القوى السياسية الأوروپية تنظر إليها على أنها ثروة بشرية ثمينة من

стр. 286

الممكن استغلالها لتحقيق الطموحات التوسعية في بلاد المشرق العربي، خاصة أنه، من ناحية أخرى، بعد رواج الأفكار الليبرالية للثورة الفرنسية بين الشعوب الأوروپية النصرانية على اختلاف طبقات أفرادها، نمت جذور مشكلة أخرى، وهي ما عرف باسم (المسألة اليهودية The Jewish Question) (١) ، التي أخذت في التجذُّر والتشعب حتى استفحل أمرها، وصارت عبئًا على التربة الأوروپية، حتى ظهرت الحلول لاقتلاعها، وكان أبرز هذه الحلول هو الحل الاندماجي (الليبرالي) والحل الصهيوني (العقائدي/السياسي)، وكما يقول الدكتور حسن ظاظا (٢): «كثرت الحلول المقترحة لها، وقُدِّر لأسوأ هذه الحلول - وهو الحل الصهيوني - أن يشق طريقه إلى مسرح الحوادث فيرتع عليه حتى الآن». وكان أول من لجأ إلى هذا الحل الصهيوني هو الإمپراطور الفرنسي، السفاح ناپليون بوناپارت Napoléon Bonaparte (١٧٦٩ - ١٨٢١ م). ... بوناپارت وتلاقي المسألتين اليهودية والشرقية: حينما اندلعت الثورة الفرنسية، مَنَحَت اليهود كل حقوق المواطنين، وهو ما عبَّر عنه شعار «لليهود أفرادًا كل شيء، ولليهود جماعة لا شيء». ولم تجر إثارة أي جدل بشأن اليهود السفارد الذين كانوا يتحدثون إما اللغة الفرنسية أو اللادينو Ladino - وهي رطانة إسپانية قريبة الشبه بالفرنسية -، وكانوا يعملون في التجارة الدولية وفي الصناعة، ويتمتعون بمعظم حقوق المواطنين الفرنسيين، وكان نظامهم التعليمي متطورًا. أما اليهود الأشكناز، فكانوا محور المناقشة بسبب تَميُّزهم الوظيفي والثقافي، كما كانوا محط احتقار إخوانهم من السفارد .. وإلى جانب هذا، كان اليهود الأشكناز محط كراهية عميقة من الجماهير المسيحية. وعشية الثورة الفرنسية نوقشت المسألة اليهودية الأشكنازية، والتي تم طرحها على

стр. 287

النحو التالي: هل اليهود فرنسيون أم إنهم أمة داخل أمة؟ وعزف أعداء اليهود على نغمة (الخطر اليهودي) وأشاروا إلى أن اليهود جسم متماسك غريب منبوذ، ولذا فلا بد من التخلص منه. أما العقلانيون، فكانوا يطرحون الخط الاندماجي الذي يرى أن مشكلة اليهود الأشكناز ليست مسألة كامنة في طبيعتهم وإنما تنبع من وضعهم الشاذ ومن إنكار حقوقهم السياسية والمدنية، وأن الحل يكمن في تحديث اليهود وإعتاقهم، أي إعطائهم حقوقهم كاملة وتشجيعهم على الاندماج مقابل أن يتخلوا عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية والإثنية في الحياة العامة. وهذا هو المعنى الذي تضمنته عبارة اليهودي الألماني موسى مندلسون Moses Mendelssohn (١٧٢٩ - ١٧٨٦ م) رائد حركة التنوير اليهودية (الهسكالاه Haskalah)، قال: «كن يهوديًا في بيتك، ومواطنًا مخلصًا في الطريق». وحاول الأشكناز من جانبهم الإبقاء على عزلتهم المتمثلة في القهال وفي رفض المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الثورة. ومما زاد المسألة اليهودية الأشكنازية تفاقمًا، أن كثيرًا من الفلاحين الفرنسيين الذين اشتروا أراضي كبار الملاك التي صادرتها الثورة اقترضوا الأموال اللازمة لإتمام هذه العملية من المرابين اليهود، ولكنهم عجزوا عن تأدية ديونهم، وهو ما جعل أعضاء الجماعة اليهودية محط السخط الشعبي في الفترة ما بين (١٨٠٢ - ١٨٠٥م). ومن هنا طرحت المسألة اليهودية نفسها على ناپليون. وقد كان لدى ناپليون بعض الخبرة بشأن أبعاد المسألة اليهودية، وكان قد انتهى لتوه من تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الپروتستانتية، ولم يبق سوى تنظيم علاقتها باليهودية. فأوقف كل الديون، ثم دعا عام ١٨٠٦م إلى عقد مجلس ضم مائة عضو من وجهاء اليهود في الأراضي الخاضعة لحكم فرنسا. وترأس مجلس الوجهاء يهودي سفاردي من بوردو Bordeaux، وطرح عليهم اثنى عشر سؤالًا عن موقف اليهود من بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية المهمة المتعلقة بعلاقتهم بوطنهم (١).

стр. 288

وكانت الأسئلة هي: ١ - هل تعدد الزوجات مباح في الشريعة اليهودية؟ ٢ - هل يملك اليهودي حق الطلاق بدون الرجوع إلى القضاء الفرنسي؟ ٣ - هل يجوز زواج اليهودية من مسيحي، وكذلك العكس؟ ٤ - هل يعتقد اليهودي الفرنسي أن المسيحي الفرنسي غريب من الجوييم؟ ٥ - ما الروابط التي تربط يهود فرنسا بالوطن حسب الشريعة اليهودية؟ ٦ - هل يلتزم اليهودي الفرنسي بكل واجبات المواطن حتى الخدمة العسكرية؟ ٧ - من الذي ينتخب الحاخاميين؟ ٨ - هل يملك الحاخام سلطة محاكمة اليهودي ومعاقبته خارج قوانين الدولة؟ ٩ - هل اختيار الحاخام وسلطته نابعان من الدين، أم هي مجرد تقاليد؟ ١٠ - هل هناك حرف وأعمال يحرمها الدين اليهودي على أتباعه؟ ١١ - هل تحرم الشريعة الربا بين اليهود؟ ١٢ - هل تبيح هذه الشريعة لليهودي الربا من غير اليهود؟ ورفع السنهدرين مقرراته إلى لجنة پرلمانية اجتمعت يوم ٢٥ مارس، ثم عادت إلى الاجتماع يوم ٦ إپريل، فأقرت الإجابات التي صدرت عن هذا السنهدرين الحديث، وأدخلتها ضمن قوانين الأحوال الشخصية للدولة. وتتلخص الإجابات المذكورة فيما يلي: - تعدد الزوجات محرم على اليهود بفتوى من الربي چرشوم Gershom (٩٦٠/ ١٠٤٠ - ؟ م). - لا مانع من أن تكون أحكام الطلاق لليهود صادرة من محاكم الدولة. - الزواج اليهودي رباط قانوني بين الزوجين مطابق لقوانين البلاد. - الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم صحيح مدنيًا باطل دينيًا. - مفروض على اليهودي اعتبار مواطنه غير اليهودي أخًا له كابن دينه. - يعتبر اليهود أوطانهم التي ولدوا فيها أو هاجروا إليها كأرض آبائهم تمامًا.

стр. 289

- لا تحرم الشريعة اليهودية أي نوع من الحرف أو الفنون أو الأعمال. - توصي الديانة اليهودية بممارسة الزراعة والصناعة والحرف كما صنع الآباء في فلسطين. - الربا محرم على اليهود فيما بينهم، وكذلك مع أبناء الأمم الأخرى المسيحيين. ونلاحظ من خلال هذه الإجابات - ومن تحريم المناقشة على اليهود غير الفرنسيين كذلك -، أن هذا السنهدرين كان ديپلوماسيًا أكثر منه شرعيًا، وبصراحة كان ينافق الإمپراطور، بهدف اكتساب حقوق مدنية في الدستور الفرنسي، ولوكان ثمن ذلك إجابات تتضمن كثيرًا من الغش والانحراف عن منطوق الشريعة ومفهومها في العقل اليهودي (١). وبحلول عام ١٨١١م، كان قد تم تطبيع أعداد كبيرة من اليهود في فرنسا إلى حد كبير، وبرغم كل التعثرات، فإن فرنسا أثبتت قدرة غير عادية على استيعاب اليهود وهضمهم، حتى أن اليهود كانوا يعبِّرون عن دهشتهم لهذه المقدرة، فكانوا يشيرون إلى فرنسا بأنها «البلد الذي يأكل اليهود!». ومما يجدر ذكره أن ناپليون -كما تبنَّى في إطار محاولته تأسيس الدولة الفرنسية الحديثة سياسة تهدف إلى دمج أعضاء الجماعات اليهودية ودعاهم إلى نبذ خصوصيتهم - تبنَّى سياسة مغايرة تمامًا في إطار سياسته الإمپريالية؛ إذ دعاهم للعودة إلى فلسطين لإحياء تراثهم العبري القديم مستخدمًا ديباجات صهيونية تؤكد أن اليهود ليسوا أقليات دينية تندمج في أوطانها وإنما شعب عضوي يجب أن يُرحَّل إلى فلسطين (٢). تقول ريچينا الشريف (٣): «قلة فقط هم الذين لا يجهلون الآن حقيقة أن ناپليون بوناپارت كان أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين قبل وعد بلفور بمائة

стр. 290

وثماني عشرة سنة، بل إن وايزمان وصف ناپليون بأنه "أول الصهيونيين الحديثين غير اليهود"» اهـ. كانت فكرة ناپليون (العبقرية) في ربط وتوليف واستغلال الظواهر البادية مع مقدمات القرن التاسع عشر تتمثل في عدة خطوات: ١ - استعمال ظاهرة الوطنية في إيقاظ وعي يهودي يلتقط فكرة حق تقرير المصير، ويطالب بوطن قومي لليهود ينقذهم من الشتات ويريحهم - ويريح أوروپاأكثر - من عبء موجات الهجرة المتدفقة من يهود الشرق. ٢ - اللعب على الوتر الديني اليهودي، وأساطيره، لتكون فلسطين - وهي وقتئذ من أملاك الخلافة العثمانية التي يتسابق الكل على إرثها - وطن اليهود الموعود والمختار. ٣ - فإذا نشأت دولة يهودية برعاية فرنسا في فلسطين، فتلك إذن نقطة بداية مهمة لخططها الإمپراطورية في قلب أملاك الخلافة العثمانية. ٤ - وإذا نجحت هذه التوجهات فإن فرنسا تكون قد بدأت عملية إرث الخلافة، وتكون قد حصلت على النصيب الأكبر من التركة قبل أن تتنبه القوى الأخرى وتتحرك. وحتى إذا تحركت فإن فرنسا سوف تكون بالفعل هناك قبل الكل وفي موقع أقوى وأفضل. وكانت حملته الشهيرة على مصر (١٧٩٨م) - حملة النيل كما سماها - تستهدف غرضين في نفس الوقت (١):

стр. 291

١ - احتلال مصر كبداية لعملية إرث الخلافة، والزحف منها إلى فلسطين والشام. ٢ - ثم العمل على قطع طرق المواصلات البريطانية، وهو يومئذ عقد من اللآلئ حبة بعد حبة، وآخرها أغلى الجواهر في التاج البريطاني، وهي الهند. وفي سبيل تحقيق أغراضه، لم يتردد ناپليون أمام الموانع والذرائع؛ فعند غزو مصر كان ادعاؤه أنه الصديق الصدوق لخليفة المسلمين العثماني، وأنه الحريص على تثبيت سلطانه المهدد من المماليك في الداخل أو الملوك المسيحيين في الخارج، ووصل ناپليون إلى حد ادعاء الإسلام إيمانًا - كما قال! - بصدق وصفاء تعاليمه. ولم يخف عليه خطورة التقاء الضلعين (المصري والسوري)؛ فلقد أدرك ناپليون أن التقاء الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر المتوسط ودخولها في إطار سياسي واحد يجعل كل ضلع منها تأمينًا للضلع الثاني، وهو ما سعى إليه على مر العصور فراعنة مصر وأباطرة الإغريق وقياصرة الرومان وأكاسرة الفرس، بل والفاتحون المسلمون كذلك، ولكن لم يكن ذلك من مصلحة ناپليون. ولذا، ولكي يضمن عدم التقاء الضلعين عربيًا وإسلاميًا، فإن عليه أن يزرع عند نقطة التقائهما، أي عند مركز الزاوية، شيئًا آخر لا هو عربي ولا هو إسلامي. لكن هذا الزرع لا يمكن خلقه من العدم، وإنما يحتاج خلقه إلى بذور وإن كانت من چينات حفريات الأنثروپولوچيا بحيث يمكن غرسها في التربة، فإن جرى ريها وأورق بعضها فحينئذ قد يصعب التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين الطبيعي والهجين. ولذا، عندما بدأ ناپليون زحفه من مصر إلى الشام داخلًا من فلسطين، توقفت جيوشه عند أسوار القدس وعكا ويافا، وغيرها من حصون المسلمين. وهنا أزاح ناپليون ورقته الإسلامية وأخرج ورقة ثانية يهودية! وكانت ورقة ناپليون اليهودية التي أظهرها أمام أسوار القدس، نداء إلى يهود العالم لم يوزع في فلسطين وحدها، وإنما جرى توزيعه في الوقت نفسه في فرنسا، وإيطاليا، والإمارات الألمانية، وحتى في إسپانيا، الأمر الذي يشير إلى أن القضية أكبر وأوسع من ظرف محلي واجهه ناپليون حينما استعصت عليه أسوار القدس. كان نداء ناپليون إلى يهود العالم على النحو التالي: "من ناپليون بوناپارت القائد

стр. 292

الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في إفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين: أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط. إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين - وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل أشعياء ويوئيل - قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن عبيد الله سيعودون إلى صهيون وهم ينشدون، وسوف تعمهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم دون خوف. انهضوا بقوة أيها المشردون في التيه. إن أمامكم حربًا هائلة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسم بينهم حسب أهواءهم ... لا بد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة. إن الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل إن هذه الظروف أرغمتكم بالقسر على التخلي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وعلى الرغم من شواهد اليأس والعجز. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل وراءه، قد اختار القدس مقرًا لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلًا بمدينة داود وأذلتها. يا ورثة فلسطين الشرعيين ... إن الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تحالفهم الأخوي شرفًا لإسپرطة وروما، وأن معاملة العبيد التي طالت ألفي سنة لم تفلح في قتل هذه الشجاعة. سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة - التي قد لا تتكرر لآلاف السنين - للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم

стр. 293

يهوه، طبقًا لعقيدتكم، وافعلوا ذلك في العلن وافعلوه إلى الأبد. بوناپارت" (١). وهكذا تجيء (ورقة ناپليون) اليهودية تصورًا للمستقبل ورؤية - ولكنها لم تكن (رؤية نبي)، وإنما كانت رؤية إمپراطور يملك حسًّا استراتيچيًا نابهًا وبعيدًا -، وربما لا تتحقق بسرعة، لكنها قابلة للتحقيق في مستقبل الأيام، وبها قد ينشأ وطن يهودي يكون ضمانًا إضافيًا إذا أمكن، ويكون عازلًا إذا اقتضت الضرورات! وفي صياغتها فإن صاحبها استخدم مطالب الإمپراطورية ودروس التاريخ والأسطورة الدينية القديمة وحوَّلها إلى استراتيچية. والثابت أن ناپليون لم يتخل عن تقديراته الاستراتيچية حتى بعد أن اضطر إلى التسلل ليلًا من مصر والعودة إلى فرنسا، وراح يواصل من پاريس صراعه للسيطرة على أوروپا، إلى حيث تحمله جياده وتصل مرامي مدافعه! (٢). ... إنجلترا تتلقف الراية: إن عجلة التاريخ لم يتوقف دورانها، ولقد استطاعت بريطانيا دحر خطط ناپليون، واستفتحت بتدمير الأميرال هوراشيو نيلسون Horatio Nelson (١٧٥٨ - ١٨٠٥ م) لأسطول ناپليون عند مصب النيل في معركة أبي قير (١ - ٢ أغسطس ١٧٩٨م)، وختمت

стр. 294

بتدمير دوق ولنجتون الأول، آرثر ويليسلي Arthur Wellesley, ١st Duke of Wellington (١٧٦٩ - ١٨٥٢ م) لجيوش ناپليون على سهول بلچيكا في معركة ووترلو Waterloo (١٨/ ٦/١٨١٥ م). لكن الرؤى الاستراتيچية الواسعة للفاتحين (!) الكبار لا تموت بموتهم، وإنما تبقى في حافظة التاريخ بعدهم تنتظر غيرهم ممن يجدون الجرأة والجسارة على استعادتها من جديد جزئيًا أو كليًا (١). وهكذا، فإن بعد سنوات قليلة من الفوضى والارتباك استقر حلم جمع الزاوية الشرقية الجنوبية للبحر الأبيض بضلعيها المصري والسوري في يد سِرْشِشْمَة (٢) ألباني منشَق، المكيافيللي (٣) المحارب لدعوة التوحيد (٤)، محمد علي پاشا (١٧٦٩ - ١٨٤٩م). لقد وضع محمد علي حدًّا لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المواتية لاقتسام تركة الرجل المريض المحتضر، «وكان هذا الوضع السياسي في الشرق يتطلب من بريطانيا أن تبذل قصارى جهدها لإبقاء الإمپراطورية العثمانية سليمة؛ فقد كانت بريطانيا بحاجة إلى من تحميه في الشرق الأدنى ليرعى مصالحها في المستقبل هناك. وبالمقارنة بالفرنسيين الذين كانوا يتمتعون بنفوذ محلي باعتبارهم حماة الكاثوليك، والروس الذين كانوا يدعمون اليونان الأرثوذكس، فلم يكن لبريطانيا من تشمله بحمايتها بسبب الدين المشترك. وكانت مخاوف بريطانيا على مركزها في الشرق الأدنى مركزة على فرنسا وروسيا اللتين كانتا تتلهفان على موت رجل أوروپاالمريض أملًا في الحصول على نصيبهما من تركة الإمپراطورية» (٥).

стр. 295

ولقد شهد القرن الثامن عشر صحوة إفانجليكية (١) إنجليزية عادت فيها - كما تذكر تخمان - (٢) «حركة الپندول إلى الناحية الأخرى من بعد الهيلينية التي اتسم بها القرن الثامن عشر، إلى النزعة العبرية الجادة مرة أخرى». تقول (٣): «لقد عادت هذه النزعة الدينية إلى المسيحية بعد صدمة الثورة الفرنسية (الملحدة) لتدفئ القلوب المسيحية الباردة وتملأها بالورع. وبدأت هذه الصحوة التبشيرية تؤثر بشكل كبير في الطبقة العليا التي أصبحت تهيء نفسها معنويًا وسياسيًا - بحرص شديد - بسبب الخوف مما كان يحدث في فرنسا. ومن أجل تجنب الابن الفظيع للمدرسة العقلانية، الثورة، فقد كانت هذه الطبقة مستعدة للانضمام اللافكري إلى المذهب الإيفانجليكاني حتى لو تطلب الأمر الإيمان والأعمال الصالحة والارتياب في كل ما هو ملحد. وأصبح الذهاب إلى الكنيسة والوعظ والإيمان المطلق بالكتاب المقدس من مظاهر الذوق الرفيع مرة أخر، لقد اقتطف تريفيليان G. M. Trevelyan [١٨٧٦ - ١٩٦٢ م] نصًّا من أرشيف السجل السنوي في إنجلترا لسنة ١٧٩٨م يقول: "لقد أصابت الدهشة أفراد الطبقة الدنيا في جميع أنحاء إنجلترا حينما رأوا الساحات المؤدية إلى الكنائس مليئة بالعربات، وهذا المظهر الجديد جعل أهل الريف البسطاء يتساءلون عما يحدث". كل ما في الأمر أنه قد ظهرت روح الپيوريتانز مرة أخرى Neo Puritanism، وأصبح على إنجلترا أن تحقن نفسها بجرعة من الورع مرة أخرى. وكان الإيفانجليكيون مثل الپيوريتانز محلًا للسخرية بسبب هذه النزعة الدينية، والشعور بأن لديهم مهمة دينية معينة، والوعظ المستمر والتعبد أيام الآحاد والتحدث بالكتاب المقدس. وهناك أمزوحة قيلت عن صراع الپيوريتانز مع الأسرة الحاكمة: إن أحد طرفي الصراع مخطئ ولكنه

стр. 296

رومانسي، والطرف الآخر على صواب ولكنه مثير للاشمئزاز» اهـ (١). ولقد أدَّى دور البطولة في هذه الفترة (القرن التاسع عشر تحديدًا) لورد شافتسبري السابع، أنطوني أشلي كوپر Anthony Ashely-Cooper, ٧th Earl of Shaftesbury (١٨٠١ - ١٨٥٥ م)، وصهره وزير الخارجية لورد پالمرستون الثالث، هنري چون تمپل Henry John Temple, ٣rd Viscount Palmerston (١٧٨٤ - ١٨٦٥ م) .. يقول المسيري (٢): «يمكن القول: إن لورد شافتسبري السابع هو أهم مفكر صهيوني استعماري غربي غير يهودي في هذه المرحلة وواحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر ... وكان تفكير شافتسبري خليطًا مدهشًا من العناصر الاجتماعية والدينية والتاريخية، يتداخل في عقله الوقت الحاضر بالزمان الغابر بالتاريخ المقدس». وتقول ريچينا الشريف (٣): «كان لورد شافتسبري شأنه شأن الكثير ممن سبقوه، يتصور قيام دولة يهودية في فلسطين. وكان شافتسبري ككرومويل مهتمًا باليهود كشعب، ولكن تركيزه كان منصبًا على إعادة هذا الشعب لفلسطين. وكان يختلف عن كرومويل في أنه لم يناد بالخلاص المدني أو السياسي لليهود في إنجلترا، محتجًا بأن السماح لهم بدخول الپرلمان دون أداء القسم "على الإيمان الصادق بالمسيحية" يعتبر خرقًا للمبادئ الدينية. وحين أقر الپرلمان (قانون الخلاص) عام ١٨٦١م لم يكن المبشرون الإنجيليون المعروفون بحبهم (لشعب الله القديم) هم الذين أيدوا إعطاء اليهود حق المواطنة الكاملة، بل الليبراليون الذين كانوا أقل منهم تقوى بكثير. وفي عام ١٨٣٩م نشرت صحيفة (كوارترلي ريفيو Quarterly Review) الإنجليزية المعروفة مقال شافتسبري المكون من ٣٠ صفحة عن (دولة وآمال اليهود State and Prospects of the Jews)، والذي لخص فيه فكرته عن العودة

стр. 297

اليهودية. وكان قيام واحدة من أكثر المجلات نفوذًا بنشر مقال يؤيد عودة اليهود دليلًا آنذاك على التأييد الذي لم يعد مقتصرًا على مجموعات دينية معينة، بل تعداها إلى الاعتراف الشعبي العام. وفي هذا المقال عبر شافتسبري عن اهتمامه بالجنس العبري وعارض بشدة فكرة الخلاص والدمج بحجة أن اليهود سيبقون غرباء في كل مكان إلا في فلسطين. وكان انشغال شافتسبري المستمر بعودة اليهود إلى فلسطين كشعب هو الذي جعله النصير الرئيس لمثل هذه الخطة قبل أن تنتشر في أوساط المؤسسة البريطانية الاستعمارية والسياسية. وكان أشد اقتناعًا من الپيوريتانيين الذين سبقوه بأن الوسيلة البشرية قد تحقق أهدافًا سماوية - وهو المبدأ الذي لم يكن مقبولًا لدى غالبية اليهود آنذاك -، وجعل شافتسبري أكبر همه إقناع قرنائه الإنجليز بأن اليهود ليسوا أهلًا للخلاص فحسب، ولكنهم عنصر حيوي في أمل المسيحية بالخلاص على الرغم من أنهم متعجرفون، سود القلوب، ومنغمسون في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل. وكانت فلسطين في مخيلة شافتسبري بلدًا مهجورًا، وكان هو واضع شعار "وطن بدون شعب لشعب بدون وطن" الذي حوله الصهيونيون فيما بعد إلى "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"» اهـ. ترى باربرا تخمان أن دوافع لورد شافتسبري كانت دينية صرفة، فتقول (١): «أصبح [شافتسبري] أكثر الشخصيات غير السياسية نفوذًا في العصر الفيكتوري [عصر الملكة فيكتوريا Queen Victoria (١٨١٩ - ١٩٠١ م)] بعد داروين. لقد كانت دوافعه دينية، وليست إمپريالية مثل دوافع وزير الخارجية. لقد كان شافتسبري يمثل الكتاب المقدس، وپالمرستون، إذا جاز لنا القول، يمثل السيف». وتنقل عنه قوله: «أنا إفانجليكي الإفانجليكيين» (٢)، وتقول (٣): «وقد أسس حياته على الاتباع الحرفي للكتاب المقدس. وكان يقول عنه "إنه كلام الله المكتوب من أول حرف فيه إلى آخر حرف ومن آخر حرف إلى أول حرف ... ولا شيء غير النص المقدس

стр. 298

يمكنه تفسير نص مقدس آخر. لقد كنت سأرفضه لو أنه جاء لي من عند إنسان. ولكني أقبله وأؤمن به وأباركه حيث إنه نص مقدس ... ومثل بني إسرائيل فإنني أحني الرأس وأتعبد". وكما يقول لكاتب مذكراته الذي اختاره وهو إدوين هودر Edwin Hodder [١٨٣٧ - ١٩٠٤ م]، فإن الإيمان بعودة المسيح "كان دائمًا مبدًا محركًا في حياتي، فأنا أرى كل شيء يحدث في العالم يمهد لهذا الحدث العظيم". وبالنسبة له فإن اليهود هم ببساطة الأداة التي من خلالها يمكن أن تتحقق بشارة الكتاب المقدس. اليهود بالنسبة له ليسوا شعبًا، ولكن خطًا جماعيًا في حق المسيح، ويجب أن يتم إقناعهم بالإيمان به حتى يمكن للعجلة التي سوف تؤدي إلى الرجوع الثاني للمسيح وخلاص البشرية أن تدور» اهـ. ولكن يشير الدكتور المسيري إلى أنه «على الرغم من أن شافتسبري كان يستخدم ديباجة تبشيرية واضحة، فإنه كان مدركًا ضرورة تأكيد الأبعاد الجغرافية والسياسية والنفعية لمشروعه حتى يلقى قبولًا لدى صناع القرار الغربي» (١). وتؤكد ذلك جريس هالسل (١٩٢٣ - ٢٠٠٠م) بقولها (٢): «وجد [شافتسبري] في انتقال اليهود إلى فلسطين مكاسب تجارية. ورأى أن إقامة نقطة ارتكاز يهودية قوية في فلسطين تحت سيطرة بريطانيا تمكن بريطانيا من التفوق على فرنسا والهيمنة على الشرق الأدنى. كما توفر لبريطانيا ممرًا بريًا مباشرًا إلى الهند، وتفتح أسواقًا كبيرة أمام مصالحها الاقتصادية». وأيًا كان الأمر، فقد كان الوقت أكثر الأوقات ملاءمة من الناحية السياسية للورد شافتسبري وزملائه المتدينين لتشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين؛ فقد تضافرت خلال القرن التاسع عشر ثلاثة عوامل على اهتمام بريطانيا بفلسطين، وهي: - ميزان القوى الأوروپي. - وتأمين الهند المهددة من قبل فرنسا وروسيا. - وطريق العبور الآمن للهند عبر سورية.

стр. 299

ومنذ ذلك الحين بدأ ما وصفه وليام آر. پولك William R. Polk في كتابه (الستار الخلفي للتراچيديا Backdrop to Tragedy) بـ «الاتحاد العجيب بين سياسة الإمپراطورية ونوع من الصهيونية المسيحية الأبوية التي تتجلى في السياسة البريطانية فيما بعد» (١). والمتأمل يجد أن «المقدمات التي وضعوها وتتابع الأحداث السياسية والعسكرية أضفت على آرائهم عن الآخرة صبغة من الواقعية وولدت بين الجماهير اعتقادًا بأن ما كان يحدث أمام أبصارهم هو تسلسل أحداث سفر الرؤيا التي وردت في النبوءات على آخر الزمان» (٢). ولكن ما لا شك فيه أن تطور المسألة اليهودية في أوروپازاد من الضغط على إنجلترا لاتخاذ خطوات سياسية أكثر إيجابية، ونحن لا يمكننا وضع تصور صحيح لمجريات الأحداث دون التوقف بعض الشيء لنبش جذور هذه المسألة اليهودية، والتي نمت بذرتها الأولى بين يهود پولندا وروسيا، أو يهود اليديشية (٣) أو شرق أوروپاكما يطلق عليهم .. جذور المسألة اليهودية: يرجع تواجد اليهود في روسيا إلى القرن التاسع الميلادي حين توسعت مملكة الخزر اليهودية في وادي فولجا Volga ومناطق أخرى من روسيا. وقد اشترك يهود الخزر، حسبما ورد في الموروثات الشعبية الروسية، في المناظرة الدينية التي عقدت بين ممثلي الديانات الثلاث عام ٩٨٦م أمام أمير كييف Kiev، وقد اعتنق بعدها المسيحية وأصبحت الأرثوذكسية هي الدين الرسمي لروسيا. وبعد أن استقر اليهود في المدينة

стр. 300

باعتبارها مركزًا تجاريًا يربط بين منطقة البحر الأسود وآسيا وغرب أوروپاوأصبح لهم جيتو خاص بهم، قوبلوا بعداوة شديدة من بلد اعتنق المسيحية لتوه ويضم طبقة تجار بدائية للغاية (١). أما في پولندا، فتعود أصول اليهود إلى القرن الثاني عشر - أي وقت الحروب الصليبية -، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان مع التجار الألمان، واستوطنت پولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة. وهم يشكلون أغلب يهود العالم (٢). ومما شجع اليهود على الهجرة إلى پولندا، تدنِّي وضعهم في أوروپاالغربية إبان حروب الفرنجة، وفقدانهم وظيفتهم كتجار، وتَحوُّلهم إلى مرابين وتجار صغار. كما أن پولندا كانت البلد الوحيد تقريبًا في أوروپاالذي لا يتوقف فيه حق المواطنة على الانتماء إلى الكنيسة، كما كان الحال في بقية أوروپا؛ حيث كانت پولندا إمپراطورية تعددية تضم پولنديين كاثوليك وألمان وأوكران (٣)، كما ضمت الأرثوذكس والفلمنك واليهود والأرمن والتتر المسلمين واليهود القرّائين ممن كانوا من أصل خزري ويتحدثون التركية، أي إن السكان كانوا يتبعون عددًا كبيرًا من الديانات وكانوا يتحدثون اثنتى عشرة لغة (٤). وتحت حكم سيچسموند الأول Sigismund I (١٤٦٧ - ١٥٤٨ م) ملك پولندا ودوق ليتوانيا انتشرت الپروتستانتية في پولندا، الأمر الذي أدَّى إلى خلق جو من التعددية والتسامح. واستمر سيچسموند في سياسة تشجيع التجارة، فأصدر مراسيم تؤكد المزايا التي حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية. وأكد سيچسموند الثاني (١٥٢٠ - ١٥٧٢م) حقوق أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت أهمية الدور الذي كانوا يلعبونه في الأعمال

стр. 301

المالية كملتزمي ضرائب وصيارفة يعملون في الأمور المالية، وكان منهم عدد كبير من الأطباء (١). وجدير بالذكر أن المستوى المعيشي ليهود اليديشية حتى بداية القرن الثامن عشر، كان مرتفعًا قياسًا إلى عامة الشعب من الفلاحين والأقنان، بل إلى أعضاء الطبقات الوسطى الهزيلة في پولندا. وكان لا يفوقهم في مستواهم المعيشي سوى النبلاء الپولنديين (شلاختا Szlachta). بل إن النخبة الثرية بين اليهود كانت تعيش في مستوى اقتصادي يفوق صغار النبلاء (٢). ولكن رغم استمرار سياسة التسامح هذه، استمر تدهور وضع أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت محاولات الحد من نشاطهم التجاري والحرفي، وبدأت المدن تعطي نفسها السلطة القضائية على اليهود فأصدرت قرارات للحد من حرية إقامتهم فيها. وفي عام ١٦٣٣م أسس أول جيتو. ونتيجة ضعف نفوذ الملك، وتَصاعُد نفوذ النبلاء، أصبح هؤلاء حماة الجماعة اليهودية واقترنت مصالح الأرستقراطية الاقتصادية بأعضاء الجماعة. وأدَّى هذا التقارب بين النبلاء واليهود إلى تغيير وضع يهود پولندا بشكل جوهري. ولا يمكن فهم التطورات اللاحقة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونية إلا بفهم طبيعة هذا التحول (٣) .. فمن منظور التطور السياسي اللاحق لپولندا، ومن منظور تبلور المسألة اليهودية في شرق أوروپاوظهور الصهيونية، كانت طبقة النبلاء هي أهم طبقات المجتمع الپولندي، وهي طبقة لم تكن قط تابعة للملك وإن كان قد نجح بعض الوقت في فرض سلطته عليها. وإذا كان التطور اللاحق في معظم أرجاء أوروپاهو تَعاظُم سلطة الملك داخل النظام الإقطاعي وتقليم أظافر النبلاء الإقطاعيين وتأسيس الدولة المطلقة تحت حكم الملوك المطلقين، فإن العكس هو الذي حدث في پولندا إذ تعاظم نفوذ النبلاء حتى أصبحوا الحكام الحقيقيين وأصحاب القرار في الدولة الپولندية.

стр. 302

ولعل تَزايُد نفوذ النبلاء يعود إلى سمة فريدة في پولندا بين الدول الغربية، وهي تعددية الإمپراطورية الپولندية إثنيًا وجغرافيًا ودينيًا (١). وكان النبلاء في پولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، يتبعون قوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم (إذا كانوا من صلب إحدى الأسر النبيلة) ما داموا لا يعملون بالتجارة، وكان اشتغالهم بالتجارة يعني فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يوجد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) مُعْدِمُون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. وأدَّى ذلك إلى التحالف بين قطاعات منهم وبين اليهود كعنصر تجاري نشيط يمتلك الخبرات والأموال المطلوبة للأعمال التجارية. وبلغت أهمية أعضاء الجماعة اليهودية درجة كبيرة حتى إنه حينما فكرت أعداد منهم في الهجرة إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، منعهم ملك پولندا بالإقناع والقوة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يستقرون في مدن صغيرة أسسها النبلاء، فكانوا يمنحونهم حق السكنى فيها نظير الدفاع عنها، وهي المدن التي عُرفت باسم (الشتتل Shtetl). وكان سكان هذه المدن من اليهود أساسًا. وكانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يومًا بعد يوم، فكانوا يقترضون من اليهود. وأدى هذا كله إلى ظهور نظام الأرندا Arenda (الاستئجار) كشكل أساسي من أشكال الإقطاع الاستيطاني. فكان النبيل الإقطاعي يستدين من المرابي اليهودي مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاته بضمان ضيعته وغلتها وعوائدها. وبالتدريج، اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية بعملية استئجار المزرعة وإدارتها نيابةً عن النبيل الإقطاعي الغائب في وارسو Warsaw (عاصمة پولندا)، والذي كان يترك زمام الأمور في يد الوكيل. لكل ما تقدَّم، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، فهو الذي يُطبِّق القانون ويقرر العقوبات والغرامات وينفذها بمساعدة الجنود الپولنديين (٢).

стр. 303

ويمكن أن نرى هنا الجذور الحقيقية للمسألة اليهودية؛ إذ إن تحول اليهود إلى أداة استغلال، أو إلى جماعة وظيفية وسيطة، يعني أنهم كانوا يقفون ضد أغلبية طبقات المجتمع لا يرتبط مصيرهم بمصيره، وخصوصًا أن الطبقة التي ارتبطوا بها لم تكن طبقة وطنية، بل طبقة مرتبطة بالنفوذ الأجنبي. ولذا، فحينما ظهرت طبقة بورچوازية وطنية في پولندا، لم يكن بإمكان اليهود أن ينخرطوا في سلكها فظلوا خارجها. كما ارتبطوا بطبقة كانت عمليًا مسئولة عن ضعف پولندا وتَحوُّلها من دولة عظمى إلى دويلة صغيرة ثم عن اختفائها نهائيًا مع بداية القرن التاسع عشر. واختفت طبقة النبلاء مع تقسيم پولندا وتحول كثير من النبلاء إلى مهنيين (١). ولقد تعرَّض تماسُك يهود اليديشية لعدة هجمات وضربات من الخارج، كانت أولاها هجمات شميلنكي عام ١٦٤٨م التي بدأت تُخلخل وضع الجماعة اليهودية (٢)، ثم كانت الضربة الثانية تقسيم پولندا (الأول والثاني والثالث) في الفترة ما بين (١٧٧٢ - ١٧٩٥م)

стр. 304

والذي انتهى باختفاء پولندا عام ١٧٩٥م بوصفها وحدة سياسية مستقلة، وبتقسيمها بين الإمپراطورية الروسية والإمپراطورية النمساوية وألمانيا (پروسيا Prussia). وكانت الأراضي التي ضمتها روسيا تضم أكبر عدد من يهود اليديشية. وكانت البلاد الثلاثة التي اقتسمت پولندا فيما بينها بلادًا زراعية متخلفة. ومع هذا، بدأت تظهر فيها، بتشجيع من الملكيات المطلقة، اتجاهات نحو التصنيع. وكانت حكومات البلاد الثلاثة يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في پروسيا Friedrich II (١٧١٢ - ١٧٨٦ م)، وچوزيف الثاني في النمسا Joseph II (١٧٤١ - ١٧٩٠ م)، وكاترين الثانية في روسيا Catherine II (١٧٢٩ - ١٧٩٦ م))، فتبنت هذه الحكومات مقياس مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتقليل عزلتهم. فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود، وزيادة عدد النافعين بينهم، وطرد الضارين منهم أو منع زيادة عددهم. وارتبطت هذه العملية بعملية إعتاق اليهود، فلم يكن يُعتَق منهم سوى النافعين. وتتميَّز الدول الثلاث بأن الدولة المركزية فيها كانت مطلقة ومستنيرة على عكس البيروقراطيات التابعة لها، التي كانت متخلفة وغير مستنيرة بالمرة ومليئة بالأحقاد ضد الأقليات، وخصوصًا في ظروف التحول الاجتماعي. ولذا، فحينما حاولت الدولة إصلاح اليهود بإصدار قرارات كانت البيروقراطية تعوق تنفيذ هذه القرارات. ولقد تلقَّى يهود اليديشية هذه الضربات من الخارج، في مرحلة كانت اليهودية تمر فيها بأخطر أزماتها الداخلية ابتداءً من القرن الثامن عشر (١)؛ فلقد كان معظم الجماهير اليهودية في تلك المرحلة قد ابتعد عن مراكز الدراسات التلمودية والتقاليد الثقافية الحاخامية التي كانت قد بدأت تفقد صلتها بالواقع، وأصبحت غير قادرة على الاستجابة للحاجة الروحية لدى الجماهير اليهودية، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار القبَّالاه (٢). ورغم

стр. 305

أن اليهود كانوا وسطاء ممثلين للإقطاع الپولندي، فإنهم اكتسبوا كثيرًا من صفات الفلاحين الأوكرانيين والپولنديين بكل خرافاتهم ونزعاتهم الدينية الغيبية، بل تأثروا بتقاليدهم الدينية المسيحية، وخصوصًا بجماعات المنشقين الدينيين الروس وبالـ (خليستي Khlysty) على وجه التحديد. وتزامن ظهور الحركة مع التدهور التدريجي للاقتصاد الپولندي إذ طُرد كثير من يهود الأرندا وأصحاب الحانات من القرى والمدن الصغيرة. وتسبَّب كل ذلك في ازدياد تَغلغُل الرؤى القبَّالية، الأمر الذي جعل أعضاء الجماعة اليهودية تربة خصبة للنزعات المشيحانية. ولذلك، ترك شبتاي تسِفي أعمق الأثر في بعض قطاعاتهم، وأصبحت پولندا، وخصوصًا پودوليا Podolia، مركزًا للحركات الشبتانية والفرانكية على وجه الخصوص. وفي نهاية الأمر، ظهرت الحسيدية في المناطق الزراعية في پولندا التي ضُمَّت فيما بعد إلى روسيا (وهي أوكرانيا وروسيا البيضاء). وكانت القيادة الاجتماعية للحركة الحسيدية هي الطبقة الوسطى الصغيرة من بقايا يهود الأرندا ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة والباعة المتجولين (١). ومما أدَّى كذلك إلى تفاقم الأوضاع السيئة الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود العالم الغربي، وخصوصًا يهود اليديشية، إذ زاد عدد يهود العالم، في الفترة ما بين (١٨٥٠ - ١٩٣٥م) ستة أضعاف. وحيث لم يكن يهود الغرب يتزايدون، بل كانوا آخذين في التناقص، فإن نسبة الزيادة بين يهود اليديشية كانت في واقع الأمر أكثر من ستة أضعاف (٢). ورغم المحاولات التي قامت بها حكومات البلاد الثلاثة لتحديث اليهود وتنويرهم، لم يُقدَّر للاتجاه الاندماجي الاستمرار لعدة أسباب: - كان الاندماجيون بين اليهود شريحة اجتماعية صغيرة للغاية، تَوَجُّهها الثقافي پولندي ويتركز معظم أعضائها في وارسو أو في غيرها من كبريات المدن. أما الجماهير

стр. 306

اليهودية العريضة، فكانت جماهير فقيرة تتحدث اليديشية ولم تتأثر بالقيم التحديثية والقومية الجديدة، كما كانت تعيش داخل مدنها الصغيرة (الشتتل) بمعزل عن الحضارة القومية. وكانت أعداد الجماعة اليهودية في پولندا من الضخامة بحيث إن اليهودي كان يُولَد ويَكْبَر ويموت دون أن يضطر إلى الاحتكاك بشكل دائم ويومي مع الحضارة الأم. وأصبحت الجماهير اليهودية ذات ثقافة فلاحية طابعها مسيحي. وحينما نقول ثقافة فلاحية في پولندا، فنحن نقصد أنها ثقافة متخلفة إلى حدٍّ ما، ومنعزلة عن الثقافة العالية وضمن ذلك الثقافة التلمودية نفسها. فانتشرت بين اليهود المعتقدات الشعبية والخرافات، وهو ما جعلهم أقل تَقبُّلًا لمحاولات التحديث والتنوير. - ومن أهم العناصر التي أفشلت محاولات الاندماج ميراث الجماعة اليهودية التاريخي والاقتصادي الذي جعلها بمعزل عن التطور القومي الپولندي، بل وضعها في مجابهته وجعل يهود پولندا أعداءً لكل الطبقات الأخرى باستثناء بعض قطاعات من طبقة النبلاء. ومعنى هذا أنه كان هناك أساس ثقافي واقتصادي قوي للمواجهة بين البورچوازية الپولندية وأعضاء الجماعة اليهودية يحتاج إلى فترة طويلة من الكفاح القومي المشترك حتى يتسنى التوصل إلى أساس مشترك للكفاح والاندماج. - أيضًا كان أعضاء الجماعة مركزين في مناطق حدودية تتصارع عليها دول ذات ثقافات مختلفة بل متصارعة؛ فكان هناك أولًا پولندا نفسها، ثم روسيا التي كانت تشجع الثقافة الروسية وعمليات (الترويس). ومن الناحية الأخرى، كان هناك ألمانيا والنمسا ذات الثقافة الألمانية. وكان اليهود أنفسهم يتحدثون اليديشية. وبعد كل تقسيم، كان يتعيَّن على اليهود، كنوع من الدواعي الأمنية، إعادة صياغة أنفسهم بما يتفق مع ثقافة الدولة المهيمنة. ومثل هذا الجو الذي لا يتسم بالتحدد الثقافي لا يساعد كثيرًا على تحديد شخصية اليهود الثقافية ولا على الولاء أو الانتماء القومي (١). وفي عام ١٧٨٠م، بدأت الحركة القومية الپولندية تأخذ طابعًا معاديًا لليهود (باعتبارهم جماعة وظيفية مالية)، فطالبت بصبغ التجارة والصناعة بالطابع الپولندي،

стр. 307

واتهمت رأس المال اليهودي بأنه غريب وبأن الجماهير اليهودية معادية للحضارة الحديثة جاهلة بها. وتم تأسيس أحزاب قومية شعبية پولندية جعلت الحرب ضد دمج اليهود هدفًا أساسيًا لها. وبسبب توجهها القومي الواضح، ألقت الكنيسة الكاثوليكية في پولندا بثقلها وراء الحركات الشعبية المناهضة لليهود. وكانت كل هذه الحركات تهدف إلى طرد أعضاء الجماعة اليهودية من قطاعات اقتصادية معيَّنة، وهو أمر ممكن من الناحية النظرية، ولكن لم يقابله اتجاه مماثل نحو خلق فرص اقتصادية جديدة في مجالات أخرى. والواقع أن الهدف كان طرد اليهود ونقلهم لا دمجهم في المجتمع. ومن هنا كان تأييد الحكومة الپولندية للحركة الصهيونية ولجهودها الرامية إلى تهجير اليهود إلى فلسطين (١). وفي روسيا، ظلت المشكلة قائمة دون حل. وكلما احتدمت الأزمة، كانت الحكومة الروسية تشكل لجنة لدراسة الموقف لترفع بدورها توصياتها للحكومة. وكانت هذه التوصيات تنبع من جهل عميق بآليات الظواهر الاجتماعية ويتولى تنفيذها جهاز تنفيذي متعصب جاهل فاسد يتسم بعدم الكفاءة. وظل التناقض الأساسي في سياسة الحكومة القيصرية بين رغبتها في التحديث والتنمية الاقتصادية من جهة والشكل الاستبدادي السياسي الذي يُفشل كل المحاولات التي تستهدف حل المسألة اليهودية من جهة أخرى. وقد تعثر تمامًا تحديث اليهود بل تحديث المجتمع ككل، في أواخر القرن التاسع عشر (٢). وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى هجرة أعداد كبيرة من يهود اليديشية، وخصوصًا في الفترة ما بين (١٨٨١ - ١٩١٤م)، وهم بذلك يكوِّنون الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة جدًا قبل وفود يهود اليديشية. وأدَّى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود نظرًا لتخلفهم وتميزهم الوظيفي والإثني. ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، الأمر الذي أدَّى إلى

стр. 308

طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوروپاومنها إلى وسطها فشرقها (١). ... ونعود إلى إنجلترا .. فبعد مساعي كرومويل لدى سلطات لندن لإصدار قرارًا بإزاحة جميع الحواجز من طريق استقرار اليهود في إنجلترا، تم الاعتراف بهم في عصر شارلز الثاني، وحصلوا في عام ١٦٧٣م على وعد بحرية العبادة، وأُعيد تأكيد هذا الوعد عام ١٦٨٥م. وبالتدريج، ازداد يهود إنجلترا أهمية بتزايد أهمية لندن كمركز للتجارة العالمية. واستقرت أعداد صغيرة من اليهود الأشكناز (ممن أتوا من ألمانيا ووسط أوروپا) في إنجلترا، ولكن ظلت الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعة اليهودية فيها من السفارد. ولم يُفرَض على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في جيتو خاص بهم، بل ألغيت معظم القيود المفروضة عليهم، كما حصلوا على حقوق المواطنة بالتدريج ابتداءً من عام ١٧١٨م. ولم تقم ضد يهود إنجلترا أية حركات شعبية عنيفة. ولعل هذا يعود إلى أنه حينما أُعيد توطين اليهود، تم توطينهم كعنصر تجاري مُستوعَب في التشكيل التجاري الأكبر. ولذا، فإنهم لم يكونوا متميِّزين وظيفيًا، ولم يكن لهم حقوق خاصة، كما لم يكونوا موضوعين تحت حماية الملك أو غيره من السلطات، وإنما كانوا جزءًا لا يتجزأ من المجتمع. وساعد كل ذلك على نمو الجماعة اليهودية في إنجلترا وعلى تزايد حجم المهاجرين اليهود. وكان أغلب اليهود الأشكناز أقل في المرتبة الاجتماعية من السفارد، وعمل قطاع كبير منهم كباعة متجولين في القرى والمناطق الريفية، وبالتالي نمت تجمعات من يهود الأشكناز في كثير من المدن الريفية والموانئ والمراكز الصناعية. وأتاحت الحروب الناپليونية لبعض العائلات اليهودية الأشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد Goldsmid، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي

стр. 309

بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلًا للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي عام ١٨٩٠م، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملًا. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة. ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوروپاووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث كما ذكرنا آنفًا. وأدى ذلك إلى زيادة عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية خمسة عشر ضعفًا فيما يقارب أربعين عامًا. وخلق هذا جوًا من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ ٧٥٠ ألف. وكان يهود اليديشية تجارًا صغارًا متخلفين يحملون معهم إحساسًا جيتويًا عميقًا بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين اليهود الإنجليز (السفارد والأشكناز المندمجين في المجتمع) وبين الوافدين الجدد من شرق أوروپا، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصرًا غريبًا متخلفًا وعنصريًا يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوروپا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تمامًا عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوروپا. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم. وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية (١)، وهنا يأتي دور لورد پالمرستون الثالث، هنري چون تمپل ..

стр. 310

لورد پالمرستون الثالث: يمكن القول إن پالمرستون تبنى بالكامل رؤى ناپليون، وأمسك أكثر بإمكانياتها، وراح يمهد الأرض لتحقيقها لاحقًا بالعدو الفرنسي وسابقًا له. يقول هيكل (١): «وكانت ميزة بريطانيا في فترة صعودها أنها تحفظ الدرس من أعدائها وتطبق ثقافتهم بأحسن منهم؛ فكانت الپرتغال هي السابقة على الطرق البحرية بين القارات، وجرت بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها. وكانت إسپانيا هي السابقة إلى استعمار العالم الجديد في أمريكا، وجرت بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها. وكانت فرنسا - ناپليون - هي السابقة نحو مصر والواعية - في العصر الاستعماري - بأهمية الزاوية الاستراتيچية التي تجمعها مع سوريا، وجرت بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها!». كان پالمرستون - شأنه شأن كل ساسة جيله في هذا الوقت - يعرف ما فيه الكفاية عن المسألة اليهودية. وبالطبع فإنه كوزير لخارجية بريطانيا ثم رئيس لوزرائها كان مشغولًا بالمسألة الشرقية، لكن أوراقه لا تظهر أنه ربط بين المسألتين إلا بعد أن قام به ناپليون. ويبدو أن پالمرستون اكتفى ذلك الوقت بهزيمة الخطط الفرنسية واطمأن، وإن كانت فكرة الوطن القومي لليهود قد طرحت عليه من بعض الپروتستانت الذين رأوا فيها تحقيقًا لنبوءة العهد القديم. وإن كانت هذه الدعاوى التبشيرية قد وصلت إلى سمع پالمرستون، فليس مؤكدًا أنها وصلت إلى عقله. وكانت تلك هي المهمة التي يجب أن يتولاها أحد، وبالفعل تولاها لورد شافتسبري. كان لورد شافتسبري صهرًا قريبًا لپالمرستون، وفي الوقت ذاته صديقًا مقربًا من اللورد روتشيلد وعائلته - وهم بين أكثر يهود الغرب الأغنياء والمأزومين من موجات هجرة يهود الشرق إلى غرب أوروپا، وأشدهم حماسة في العمل على (تصدير الفائض) منهم إلى فلسطين - وقد بدأ شافتسبري محاولاته لإقناع پالمرستون بالدعاوى المقدسة، ثم وجد

стр. 311

أن الأساطير القديمة عاجزة، فبدأ يضيف إليها ذرائع سياسية يستطيع رئيس وزراء بريطانيا أن يتفهمها ويستوعبها. وكتب شافتسبري في يومياته (١٤ يونيو ١٨٣٨م) ما نصه: «أمس تناولت العشاء مع پالمرستون، ورحت بعد العشاء أحدثه عن مأساة اليهود وعذابهم، وكان يستمع إليّ وعيناه نصف مُغمضتين يمسك بيده كأس براندي Brandy يرشف منه ما بين وقت وآخر. وعندما تركت حديث المأساة اليهودية ورحت أحدثه عن المصالح والمزايا التجارية والمالية التي تنتظر بريطانيا في الشرق، لمعت عيناه، وتبدى اهتمامه، وترك كأس البراندي على المائدة بجانبه وراح يسمعني» اهـ (١). إن الوثائق البريطانية في تلك الفترة حافلة بالشواهد على تطور فكر رئيس وزراء بريطانيا حتى وصل إلى تحديد ثلاثة أهداف للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط، وحتى راح يبني وراء هذا الفكر تحالفًا من القوى الأوروپية الكبرى تؤيده قبل أن يضيع إرث الخلافة على الجميع. كانت الأهداف الثلاثة على النحو التالي: ١ - إخراج محمد علي من سوريا لفك ضلعي الزاوية المصرية-السورية. ٢ - حصر محمد علي داخل الحدود المصرية وراء صحراء سيناء، وتحويل هذه الصحراء إلى نوع من (سدادة الفلين) تقفل عنق الزجاجة المصرية التي يمثلها وادي النيل (والتشبيه من خطاب لروتشيلد موجَّه إلى پالمرستون بتاريخ ٢١ مايو ١٨٣٩م). ٣ - قبول وجهة النظر القائلة بفتح أبواب فلسطين لهجرة اليهود إليها وتشجيعهم على إنشاء شبكة من المستعمرات الاستيطانية فيها ليكون منها ذات يوم عازل يحجز مصر عن سوريا، ويمنع لقاءهما في الزاوية الاستراتيچية الحاكمة (٢). وهكذا، وكما تقدم، وجد پالمرستون ضالته المنشودة - لإيجاد موطئ قدم في الإرث العثماني - في اليهود، فصاروا هم الأقلية التي تدعي بريطانيا حمايتها، كما ادعت فرنسا

стр. 312

وروسيا حماية أقلياتها من الكاثوليك والأرثوذكس. تذكر ريچينا الشريف أنه «في عام ١٨٣٨م، وبناء على إلحاح شافتسبري، نفذ لورد پالمرستون قرارًا سابقًا بفتح قنصلية بريطانية في القدس وتعيين نائب قنصل هناك، وهو وليام تانر يونج William Tanner Young، وهو إنجيلي متدين وصديق للورد شافتسبري» (١). وتقول باربرا تخمان (٢): «لقد كتب اللورد پالمرستون خطابًا لسفيره في القسطنطينية عن اليهود، وسط محاولاته لمنع انهيار مفاجئ للإمپراطورية العثمانية. قال في خطابه: "يوجد في الوقت الحالي بين اليهود المتفرقين في أنحاء أوروپاشعور قوي أن الوقت يقترب بالنسبة لأمتهم كي تعود إلى فلسطين ... وسيكون مهمًا للغاية بالنسبة للسلطان أن يشجع اليهود للعودة والاستقرار في فلسطين؛ لأن الثروة التي سيعودون بها إلى فلسطين سوف تزيد من الموارد الموجودة في البلاد التي يحكمها السلطان، ومن ناحية أخرى، فإن اليهود إذا عادوا تحت تصديق ودعوة وحماية السلطان، سوف يكونون بمثابة اختبار لأي نوايا سيئة مستقبلية من ناحية محمد علي أو خليفته ... وعليّ لأنصح سيادتكم بشدة أن تشيروا على الحكومة التركية بتقديم كل التشجيع ليهود أوروپابالعودة إلى فلسطين". ولقد كان خطاب پالمرستون بتاريخ ١١ أغسطس سنة ١٨٤٠م، وفي ١٧ أغسطس نشرت (التايمز) خطة رائدة "لزرع اليهود في أرض آبائهم"، وأن هذه الخطة، كما تقول الجريدة، تمر الآن بفحص سياسي جاد. لقد أشادت الجريدة بأن مجهودات اللورد آشلي [لورد شافتسبري] صاحب الخطة مجهودات عملية وحكيمة. وقد نشرت الجريدة إحصائية كان يقوم بها آشلي عن رأي اليهود، لكي يعرف شعورهم نحو موضوع العودة إلى الأرض المقدسة، ومتى سيكونون مستعدين للعودة، وما إذا كان اليهود (ذوو المال والجاه) سوف يشاركون في العودة ويستثمرون رأس المال الذي لديهم، لو تم إقناع الباب العالي أن يعد اليهود بتوفير القانون والعدالة والأمن لهم ولأراضيهم، وأن حقوق اليهود وامتيازاتهم "سوف يتم تأمينها تحت حماية القوة الأوروپية". ولم يكن هناك شك

стр. 313

حول مَن القوة الأوروپية التي تقصدها (التايمز)!» اهـ. ... حلقة الوصل بين الصهيونيتين (اليهودية وغير اليهودية): بنيامين زئيف: كما تبين مما سبق، «أدى ظهور محمد علي المفاجئ وقيامه بتكوين إمپراطوريته الصغيرة، إلى تبلور الفكرة الصهيونية بين غير اليهود، وتحولت من مجرد فكرة إلى مشروع استعماري محدد؛ إذ بدأت تُطرَح فكرة تقسيم الدولة العثمانية، ومن ثم اكتسبت الصيغة الصهيونية الأساسية مضمونًا تاريخيًا وبُعدًا سياسيًا، وأصبح بالإمكان دمج المسألة اليهودية مع المسألة الشرقية (١). ولكن ثمة أسباب عديدة جعلت الفكرة الصهيونية غير قادرة على التحقق، من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم يكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على ذلك كان هناك يهود الغرب المندمجون الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب (٢). وكانت استجابة اليهود للفكر الاسترجاعي الپروتستانتي فاترةً لوقت طويل، فلم يرتفع صوت يهودي مرحبًا بالفكرة أو مؤيدًا لها، فظلت الدعوة إلى إنهاء وضع (النفي) مسعى غير يهودي بالدرجة الأولى. ولكن مع انتصاف القرن التاسع عشر، ومع تفاقم المسألة اليهودية في شرق أوروپا، ومع انتشار الفكر الإمپريالي، بدأ بعض المفكرين اليهود في الاستجابة بطريقة أكثر إيجابية للصيغ الصهيونية غير اليهودية (٣)، خاصة وقد قامت - في روسيا على وجه الخصوص - حركات منظمة لاضطهاد اليهود والتنكيل بهم (پوجرومز)،

стр. 314

وذلك بسبب تعثر تحديث اليهود ورفضهم الاندماج في المجتمع، مما تمخض عن إنشاء جمعيات صغيرة عرفت باسم (أحباء صهيون Hibbat Zion) نبعت من أوديسا Odessa في روسيا، والتي بدورها قامت بتهويد المفاهيم الصهيونية من خلال بعض المفاهيم اليهودية أو شبه اليهودية مثل: رفض الاندماج، والإيمان بأن معاداة اليهود ظاهرة أزلية، ورفض الانتظار السلبي للماشَّيح، وكذلك حل المسألة اليهودية هنا في الأرض وفي هذه الأيام وليس هناك في السماء أو في آخر الأيام. وكانت هذه الجمعيات تسعى إلى حل مشكلة يهود شرق أوروپاعن طريق جهودهم الذاتية، أي دون الاعتماد على الدول الغربية، وذلك لتهجير من يريد منهم إلى أية بقعة في العالم وتوطينه، ثم استقر الاختيار على فلسطين - وهذا ما عرف بـ (التيار الصهيوني التسللي) -، علمًا بأنهم لاقوا معارضة من دعاة الاندماج من أثرياء اليهود (١). وتجدر الإشارة إلى أنه حتى ذلك الوقت لم تكن الصهيونية كـ (مصطلح) متعارف عليه رسميًا، إلا بعد ما صاغه المفكر اليهودي النمساوي ناثان بيرنباوم (١٨٦٤ - ١٩٣٧م) مؤسس جمعية كاديما Kadimah، أول جمعية (يهودية/صهيونية) طلابية في فيينا؛ فقد صك بيرنباوم هذا المصطلح في إپريل من عام ١٨٩٠م في مجلته (الانعتاق Selbstemanzipation!) (٢) ، وقد شرح معناه في خطاب له بتاريخ ٦ نوفمبر ١٨٩١م قال فيه: «إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حاليًا» (٣). وفي هذه الفترة دخلت صهيونية غير اليهود وصهيونية يهود شرق أوروپاطريقًا مسدودًا، ولكن هذا لم يمنع من ظهور بعض علاقات التعاون الودية بين كلتا الصهيونيتين، والتي تمثلت على سبيل المثال في مساعي الصهيوني اليهودي، زعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا موسى مونتفيوري Moses Montefiore (١٧٨٤ - ١٨٨٥ م)،

стр. 315

وكذلك مساعي الصهيوني غير اليهودي، عضو الپرلمان الإنجليزي، وأحد أصدقاء لورد شافتسبري المقربين لورانس أوليفانت Laurence Oliphant (١٨٢٩ - ١٨٨٨ م)، ولكن تلك لم تكن القاعدة العامة، إلى أن ظهر على الساحة السياسية اليهودي النمساوي-المجري، ثيودور هرتزل، ليقدم الحل للإشكالات الحادثة بين الفريقين .. هرتزل: ترجمة: وُلد ثيودور هرتزل عام ١٨٦٠م لأب تاجر ثري. وكان يحمل ثلاثة أسماء، أهمها اسمه الألماني ثيودور، وثانيها اسمه العبري بنيامين زئيف Benjamin Ze'ev، وثالثها اسمه المجري تيفادار Tivadar. والتحق ثيودور الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام انقطعت بعدها علاقته بالتعليم اليهودي. ولذا، لم يُقدَّر له أن يدرس العبرية، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها. والتحق بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية عام ١٨٧٦م وعمره خمسة عشرة سنة (أي أنه التحق بمدرسة مسيحية پروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليمًا دينيًا مسيحيًا هناك)، وأنهى دراسته عام ١٨٧٨م. ثم التحق بجامعة فيينا وحصل على دكتوراة في القانون الروماني عام ١٨٨٤م وعمل بالمحاماة لمدة عام، ولكنه فضل أن يكرس حياته للأدب والتأليف. ومع هذا، ظلت عقليته أساسًا عقلية قانونية تعاقدية. وكان هرتزل يرفض الدين اليهودي والتقاليد الدينية اليهودية. والواقع أن زوجته كان مشكوكًا في يهوديتها، وقد رفض حاخام فيينا إتمام مراسم زواج هرتزل لها حينما اكتشف ذلك. كما أن هرتزل لم يُخَتِّن أولاده وقد تنصر معظمهم بعد وفاته. ولم يكن الطعام الذي يُقَدَّم في بيته (كوشير Kosher) أي مباحًا شرعًا، وكان يحتفل بعيد الميلاد (الكريسماس). ومن الناحية الثقافية، فإن هرتزل كان ابن عصره، يجيد الألمانية والمجرية والإنجليزية والفرنسية. ويبين أحد مؤرخي الحركة الصهيونية أن اتخاذ هرتزل دور الداندي Dandy (أي الوجيه الذي يبالغ في الأناقة) وتَظاهُره بأنه من الأرستقراطيين هو القناع الذي كان يختبئ وراءه ليهرب من هويته اليهودية. وكان هرتزل لا يعرف العبرية، وقد تساءل علنًا وبسخرية (في المؤتمر الصهيوني الثالث ١٨٩٩م) عما يُسمَّى بـ (الثقافة اليهودية). وحينما

стр. 316

قرَّر مجاملة حاخامات مدينة بازل، اضطر إلى تأدية الصلاة في كنيس المدينة قبيل افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧م)، كما اضطر إلى تعلُّم بضع كلمات عبرية لتأدية الصلاة. وكان المجهود الذي بذله في تعلُّمها أكبر من المجهود الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر بأسرها (حسب قوله). ولكن، ورغم ابتعاده عن الثقافة اليهودية، نجده متأثرًا بعقيدة الماشَّيح المخلِّص، ونجد أن ذكرها يتواتر في مراسلاته ومذكراته بأسلوب ينم عن الإيمان بها وإن كان الأمر لا يخلو من السخرية منها في آن واحد. وكان اهتمامه ينصب على الماشَّيح الدجال شبتاي تسِفي. وقد استخدم هرتزل كلمة (الخروج) التوراتية [نسبة إلى سفر الخروج] ليشير إلى مشروعه الاستيطاني، الأمر الذي يدل على أن الأسطورة التوراتية كانت تشكل جزءًا من إطاره الإدراكي (١). ولقد نشط هرتزل على الساحة السياسية في أعقاب قضية دريفوس Dreyfus Affair، والتي اتُهم فيها ضابطًا يهوديًا بالجيش الفرنسي هو ألفريد دريفوس Alfred Dreyfus (١٨٥٩ - ١٩٣٥ م)، حيث أدانته المحاكم الفرنسية بالخيانة العظمى، وتسليم وثائق عسكرية في زمن الحرب إلى قيادة الجيش الألماني. وكانت قضية دريفوس من أحرج الأزمات التي هزت فرنسا، والتي انقسم فيها الناس بين مدافع عن دريفوس Dreyfusard ومناهض له Anti-Dreyfusard. وكان ممن دافعوا عنه وهو في سجنه المحامي والأديب الفرنسي إميل زولا (١٨٠٤ - ١٩٠٢م)، وكان أهم ما كتبه في القضية حينها رسالة توجه بها إلى الرئيس الفرنسي بعنوان (أنا أتهم ... !، رسالة إلى رئيس الجمهورية)، ونشرتها جريدة (لورور) الفرنسية في عدد ٨٧ الصادر في يوم الخميس ١٣ يناير ١٨٩٨م (٢). يقول الدكتور حسن ظاظا (٣): «لم يكن تحريك زولا للقضية يهدف إلى إنقاذ هذا

стр. 317

الضابط السجين، ولكنه كان حركة أساسية في برنامج سياسي يقوم على الاشتراكية والديمقراطية، المناهضة للفكر الرجعي ممثلًا في البرچوازية والكنيسة ... فكان يمنح صداقته وتأييده ليهود فرنسا، تدعيمًا لركائز سياسية واجتماعية يريد منها كسب أنصار جدد للاشتراكية الليبرالية التي كان يدعو لها» اهـ. وعلى النقيض، كان يقود الكاتب الفرنسي إدوار دريمون Edouard Drumont (١٨٤٤ - ١٩١٧ م) في الوقت نفسه معركة عكسية بكتابه الخطير (فرنسا اليهودية La France Juive) الصادر في عام ١٨٨٦م، أي قبل صدور الحكم على دريفوس ببضع سنوات - إذ أن الحكم قد صدر على أثر المحاكمة الأولى [سنة ١٨٩٤م]- واشتهر الكتاب بأنه من أُمَّات الكتب التي تأخذ مسلك اللاسامية (١). وفي أثناء هذه المعركة الطاحنة، كان هرتزل يقيم في پاريس، ويعمل مراسلًا لصحيفة نمساوية تصدر في فيينا باسم (نويه فراي پرِسه Neue Frie Presse)، والتي قد كلفته بمتابعة أخبار المحاكمة وتبعاتها. وفي الفترة ما بين ربيع عام ١٨٩٥م وشتائه، اختمرت فكرة الدولة اليهودية في عقل هرتزل، حيث رأى أنها الحل الجذري لإنهاء المسألة اليهودية، وذلك عن طريق إبعادهم عن الأمم الأخرى. يقول المسيري (٢): «ومن الطريف أن التواريخ الصهيونية ترى أن واقعة دريفوس هي التي هزت هرتزل وأعادته إلى يهوديته، ولكن المقالات التي كتبها لصحيفته عام ١٨٩٤م تدل على أنه كان مقتنعًا بأن الضابط اليهودي كان مذنبًا، ولعل اقتناعه بوجاهة الاتهامات هو الذي قاده إلى الصهيونية؛ فالكره العميق لليهود واليهودية هو الأساس العميق الكامن للصهيونية» اهـ. وقد قرَّر هرتزل أن يسجل أفكاره في كتيب، ففعل ذلك في خمسة أيام ونشره موجزًا في جريدة (التاريخ اليهودي The Jewish Chronicle) [في عددها الصادر يوم

стр. 318

الجمعة ١٧ يناير ١٨٩٦م، تحت عنوان: حل للمسألة اليهودية A Solution of the Jewish Question]، ثم نشره في ١٤ فبراير من العام نفسه بعنوان (دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية Der Judenstaat: Versuch einer modernen Losung der Judenfrage). وقد ألَّف هرتزل الكتيب بالألمانية ونشر منه بين عامي ١٨٩٦ و١٩٠٤م خمس طبعات بالألمانية وثلاثًا بالروسية وطبعتين بكلٍّ من العبرية واليديشية والفرنسية والرومانية والبلغارية (١). وكانت النقطة التي ارتكز عليها هرتزل هي تقوية الروح القومية اليهودية والتي رأى أنها الحل الأمثل لتوحيد صف الجماعات اليهودية باختلاف اتجهاتها تحت لواء الصهيونية: «دع جميع الذين يريدون أن ينضموا إلينا أن يصطفوا خلف أعلامنا، وأن يحاربوا في سبيل قضيتنا بالصوت والعلم والعمل» (٢). ويظهر ذلك في قوله (٣): «إننا شعب .. وشعب واحد»، وفي قوله (٤): «إن الفكرة التي طورتها في هذا الكتيب فكرة موغلة في القدم، هي فكرة استعادة الدولة اليهودية. إن العالم يردد صيحات صاخبة ضد اليهود، وهذه الصيحات هي التي أيقظت الفكرة من سباتها»، وفي قوله كذلك (٥): «إن شخصيتنا القومية مشهورة تاريخيًا شهرة لا مراء فيها، وعلى الرغم من كل إذلال فإنها أقوى من أن تجعل القضاء عليها أمرًا مرغوبًا فيه»، بل في قوله أيضًا (٦): «أما فلسطين فإنها وطننا التاريخي الذي لا تمحى ذكراه»، وغيرها .. يقول حاييم وايزمان (٧): «لم يكن كتاب هرتزل عن المملكة اليهودية هو الذي عاد على اليهود بالنفع الجزيل، وإنما كانت خدمة هرتزل لليهود ولفكرة الصهيونية أنه دعا إلى

стр. 319

تحقيق فكرة ربط يهود العالم كلهم في پرلمان واحد، وكان هذا عن طريق المؤتمرات اليهودية التي كان هرتزل أول من دعا إليها وأول من حققها. فكانت تلك المؤتمرات الصهيونية العالمية التي تعقد كل عام، أو كلما دعت إليها الضرورة، والتي كان يحضرها ممثلون عن يهود العالم أجمع، هي الپرلمان اليهودي العام الذي ربط بين اليهود بعضهم ببعض، على اختلاف بلدانهم وتراخي ديارهم». وكما يقول ياكوف رابكن (١): «تقدم الصهيونية إذن إلى مؤسسيها الأوائل أملًا برفض الاندماج الفردي لحساب رؤيا كلية لاندماج جماعي، وتوحيد الشعب اليهودي» اهـ. ويظهر أن هرتزل قد توصل إلى فكرته القومية من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانية التي ينتمي إليها (وهذا ما ذهب إليه الزعيم الصهيوني ناحوم جولدمان Nahum Goldmann (١٨٩٥ - ١٩٨٢ م))؛ إذ يرى الألمان أن جميع الأشخاص المنحدرين من العرق الألماني، أو الذين تربطهم قرابة الدم بالأصل الألماني يكون ولاؤهم الأول لألمانيا، ويجب أن يصبحوا مواطنين في الدولة الألمانية، وطنهم الحقيقي. وحتى إذا كانوا قد نشأوا وترعرعوا، هم وآبائهم وأجدادهم تحت سماوات أجنبية أو بيئات غربية، فإن حقيقتهم الأساسية تبقى ألمانية. لذا، يمكن القول بأن الحركة الصهيونية بدأت تاريخها مع اكتشافها لليهود كـ (فولك Volk) أو كشعب عضوي: كيان جماعي له تاريخه الخاص وتراثه الحضاري المتميز بل وسماته البيولوچية الخاصة به (٢)، وكما يقول رابكن (٣): «لم تكن الصهيونية لتنجح إلا بإضافة جانب عرقي إلى ظاهرة العلمنة العامة مع ذلك» اهـ. ولكن هرتزل يتجاوز في كتيبه عن الأسباب الواقعية وراء العداء الغربي للسامية، ويشخصها على أنها مسألة أبدية لا حل لها، فتجده يقول (٤): «إن المسألة اليهودية توجد

стр. 320

حيثما يوجد عدد ملحوظ من اليهود، وحيث تختفي هذه المشكلة فمعناها أن اليهود قد هاجروا وحملوها معهم. ومن الطبيعي أننا نرحل إلى الأماكن التي لا نلقى فيها الاضطهاد، حتى إذا حللنا هنالك فإن مجرد وجودنا في حد ذاته يولد الاضطهاد». وقبل أي يطرح هرتزل حلَّه للمسألة - والذي حاول إضفاء صبغة عملية وواقعية عليه: «خشية أن يظن البعض أني أؤلف يوتوپيا» (١) -، وجَّه نقدًا للمحاولات الاستيطانية الصهيونية في عصره (محاولة التسلليين من شرق أوروپابدعم أثرياء الغرب المندمجين) ووصفها بأنها محاولات مستحيلة دخلت طريقًا مسدودًا، فقال (٢): «إن الأساليب المصطنعة التي استخدمت حتى الآن للتغلب على متاعب اليهود إما بالغة التفاهة كالمحاولات الاستعمارية ...» (٣)، ويعلل ذلك بقوله بأن «التسلل من شأنه أن ينتهي نهاية سيئة. إنه يستمر إلى اللحظة التي لا يمكن تجنبها، عندما يشعر السكان المحليون أنهم مهددون فيجبرون الحكومة على إيقاف أي تدفق جديد لليهود، وبالتالي فإن الهجرة لا جدوى منها ما لم تقم على أساس من هيمنة مضمونة» (٤). ثم قدَّم الحل البديل، وهو الحل الاستعماري الغربي، فقال (٥): «إن الجمعية اليهودية سوف تتعامل مع الملاَّك الحاليين للأرض، وستضع نفسها تحت حماية القوى الأوروپية، إذا أثبتوا أنهم متعاطفون مع الخطة»، وكان هذا مربط الفرس الذي لم يتنبه إليه أي مفكر صهيوني يهودي من قبله. وهكذا كان هرتزل يعد بمثابة الحلقة المفقودة بين الصهيونيتين اليهودية وغير اليهودية؛ فعن طريق تقوية الروح القومية، رأى أنه من الممكن إيجاد تفاهم ضمني بين يهود غرب أوروپاويهود اليديشية تتعهد الحركة الصهيونية من خلاله بإخلاء أوروپامن يهودها، أو
следующие страницы →