قرَّر مجاملة حاخامات مدينة بازل، اضطر إلى تأدية الصلاة في كنيس المدينة قبيل افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧م)، كما اضطر إلى تعلُّم بضع كلمات عبرية لتأدية الصلاة. وكان المجهود الذي بذله في تعلُّمها أكبر من المجهود الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر بأسرها (حسب قوله).
ولكن، ورغم ابتعاده عن الثقافة اليهودية، نجده متأثرًا بعقيدة الماشَّيح المخلِّص، ونجد أن ذكرها يتواتر في مراسلاته ومذكراته بأسلوب ينم عن الإيمان بها وإن كان الأمر لا يخلو من السخرية منها في آن واحد. وكان اهتمامه ينصب على الماشَّيح الدجال شبتاي تسِفي. وقد استخدم هرتزل كلمة (الخروج) التوراتية [نسبة إلى سفر الخروج] ليشير إلى مشروعه الاستيطاني، الأمر الذي يدل على أن الأسطورة التوراتية كانت تشكل جزءًا من إطاره الإدراكي (١).
ولقد نشط هرتزل على الساحة السياسية في أعقاب قضية دريفوس Dreyfus Affair، والتي اتُهم فيها ضابطًا يهوديًا بالجيش الفرنسي هو ألفريد دريفوس Alfred Dreyfus (١٨٥٩ - ١٩٣٥ م)، حيث أدانته المحاكم الفرنسية بالخيانة العظمى، وتسليم وثائق عسكرية في زمن الحرب إلى قيادة الجيش الألماني.
وكانت قضية دريفوس من أحرج الأزمات التي هزت فرنسا، والتي انقسم فيها الناس بين مدافع عن دريفوس Dreyfusard ومناهض له Anti-Dreyfusard.
وكان ممن دافعوا عنه وهو في سجنه المحامي والأديب الفرنسي إميل زولا (١٨٠٤ - ١٩٠٢م)، وكان أهم ما كتبه في القضية حينها رسالة توجه بها إلى الرئيس الفرنسي بعنوان (أنا أتهم ... !، رسالة إلى رئيس الجمهورية)، ونشرتها جريدة (لورور) الفرنسية في عدد ٨٧ الصادر في يوم الخميس ١٣ يناير ١٨٩٨م (٢).
يقول الدكتور حسن ظاظا (٣): «لم يكن تحريك زولا للقضية يهدف إلى إنقاذ هذا
стр. 317
الضابط السجين، ولكنه كان حركة أساسية في برنامج سياسي يقوم على الاشتراكية والديمقراطية، المناهضة للفكر الرجعي ممثلًا في البرچوازية والكنيسة ... فكان يمنح صداقته وتأييده ليهود فرنسا، تدعيمًا لركائز سياسية واجتماعية يريد منها كسب أنصار جدد للاشتراكية الليبرالية التي كان يدعو لها» اهـ.
وعلى النقيض، كان يقود الكاتب الفرنسي إدوار دريمون Edouard Drumont (١٨٤٤ - ١٩١٧ م) في الوقت نفسه معركة عكسية بكتابه الخطير (فرنسا اليهودية La France Juive) الصادر في عام ١٨٨٦م، أي قبل صدور الحكم على دريفوس ببضع سنوات - إذ أن الحكم قد صدر على أثر المحاكمة الأولى [سنة ١٨٩٤م]- واشتهر الكتاب بأنه من أُمَّات الكتب التي تأخذ مسلك اللاسامية (١).
وفي أثناء هذه المعركة الطاحنة، كان هرتزل يقيم في پاريس، ويعمل مراسلًا لصحيفة نمساوية تصدر في فيينا باسم (نويه فراي پرِسه Neue Frie Presse)، والتي قد كلفته بمتابعة أخبار المحاكمة وتبعاتها.
وفي الفترة ما بين ربيع عام ١٨٩٥م وشتائه، اختمرت فكرة الدولة اليهودية في عقل هرتزل، حيث رأى أنها الحل الجذري لإنهاء المسألة اليهودية، وذلك عن طريق إبعادهم عن الأمم الأخرى.
يقول المسيري (٢): «ومن الطريف أن التواريخ الصهيونية ترى أن واقعة دريفوس هي التي هزت هرتزل وأعادته إلى يهوديته، ولكن المقالات التي كتبها لصحيفته عام ١٨٩٤م تدل على أنه كان مقتنعًا بأن الضابط اليهودي كان مذنبًا، ولعل اقتناعه بوجاهة الاتهامات هو الذي قاده إلى الصهيونية؛ فالكره العميق لليهود واليهودية هو الأساس العميق الكامن للصهيونية» اهـ.
وقد قرَّر هرتزل أن يسجل أفكاره في كتيب، ففعل ذلك في خمسة أيام ونشره موجزًا في جريدة (التاريخ اليهودي The Jewish Chronicle) [في عددها الصادر يوم
стр. 318
الجمعة ١٧ يناير ١٨٩٦م، تحت عنوان: حل للمسألة اليهودية A Solution of the Jewish Question]، ثم نشره في ١٤ فبراير من العام نفسه بعنوان (دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية Der Judenstaat: Versuch einer modernen Losung der Judenfrage). وقد ألَّف هرتزل الكتيب بالألمانية ونشر منه بين عامي ١٨٩٦ و١٩٠٤م خمس طبعات بالألمانية وثلاثًا بالروسية وطبعتين بكلٍّ من العبرية واليديشية والفرنسية والرومانية والبلغارية (١).
وكانت النقطة التي ارتكز عليها هرتزل هي تقوية الروح القومية اليهودية والتي رأى أنها الحل الأمثل لتوحيد صف الجماعات اليهودية باختلاف اتجهاتها تحت لواء الصهيونية: «دع جميع الذين يريدون أن ينضموا إلينا أن يصطفوا خلف أعلامنا، وأن يحاربوا في سبيل قضيتنا بالصوت والعلم والعمل» (٢).
ويظهر ذلك في قوله (٣): «إننا شعب .. وشعب واحد»، وفي قوله (٤): «إن الفكرة التي طورتها في هذا الكتيب فكرة موغلة في القدم، هي فكرة استعادة الدولة اليهودية. إن العالم يردد صيحات صاخبة ضد اليهود، وهذه الصيحات هي التي أيقظت الفكرة من سباتها»، وفي قوله كذلك (٥): «إن شخصيتنا القومية مشهورة تاريخيًا شهرة لا مراء فيها، وعلى الرغم من كل إذلال فإنها أقوى من أن تجعل القضاء عليها أمرًا مرغوبًا فيه»، بل في قوله أيضًا (٦): «أما فلسطين فإنها وطننا التاريخي الذي لا تمحى ذكراه»، وغيرها ..
يقول حاييم وايزمان (٧): «لم يكن كتاب هرتزل عن المملكة اليهودية هو الذي عاد على اليهود بالنفع الجزيل، وإنما كانت خدمة هرتزل لليهود ولفكرة الصهيونية أنه دعا إلى
стр. 319
تحقيق فكرة ربط يهود العالم كلهم في پرلمان واحد، وكان هذا عن طريق المؤتمرات اليهودية التي كان هرتزل أول من دعا إليها وأول من حققها. فكانت تلك المؤتمرات الصهيونية العالمية التي تعقد كل عام، أو كلما دعت إليها الضرورة، والتي كان يحضرها ممثلون عن يهود العالم أجمع، هي الپرلمان اليهودي العام الذي ربط بين اليهود بعضهم ببعض، على اختلاف بلدانهم وتراخي ديارهم».
وكما يقول ياكوف رابكن (١): «تقدم الصهيونية إذن إلى مؤسسيها الأوائل أملًا برفض الاندماج الفردي لحساب رؤيا كلية لاندماج جماعي، وتوحيد الشعب اليهودي» اهـ.
ويظهر أن هرتزل قد توصل إلى فكرته القومية من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانية التي ينتمي إليها (وهذا ما ذهب إليه الزعيم الصهيوني ناحوم جولدمان Nahum Goldmann (١٨٩٥ - ١٩٨٢ م))؛ إذ يرى الألمان أن جميع الأشخاص المنحدرين من العرق الألماني، أو الذين تربطهم قرابة الدم بالأصل الألماني يكون ولاؤهم الأول لألمانيا، ويجب أن يصبحوا مواطنين في الدولة الألمانية، وطنهم الحقيقي. وحتى إذا كانوا قد نشأوا وترعرعوا، هم وآبائهم وأجدادهم تحت سماوات أجنبية أو بيئات غربية، فإن حقيقتهم الأساسية تبقى ألمانية.
لذا، يمكن القول بأن الحركة الصهيونية بدأت تاريخها مع اكتشافها لليهود كـ (فولك Volk) أو كشعب عضوي: كيان جماعي له تاريخه الخاص وتراثه الحضاري المتميز بل وسماته البيولوچية الخاصة به (٢)، وكما يقول رابكن (٣): «لم تكن الصهيونية لتنجح إلا بإضافة جانب عرقي إلى ظاهرة العلمنة العامة مع ذلك» اهـ.
ولكن هرتزل يتجاوز في كتيبه عن الأسباب الواقعية وراء العداء الغربي للسامية، ويشخصها على أنها مسألة أبدية لا حل لها، فتجده يقول (٤): «إن المسألة اليهودية توجد
стр. 320
حيثما يوجد عدد ملحوظ من اليهود، وحيث تختفي هذه المشكلة فمعناها أن اليهود قد هاجروا وحملوها معهم. ومن الطبيعي أننا نرحل إلى الأماكن التي لا نلقى فيها الاضطهاد، حتى إذا حللنا هنالك فإن مجرد وجودنا في حد ذاته يولد الاضطهاد».
وقبل أي يطرح هرتزل حلَّه للمسألة - والذي حاول إضفاء صبغة عملية وواقعية عليه: «خشية أن يظن البعض أني أؤلف يوتوپيا» (١) -، وجَّه نقدًا للمحاولات الاستيطانية الصهيونية في عصره (محاولة التسلليين من شرق أوروپابدعم أثرياء الغرب المندمجين) ووصفها بأنها محاولات مستحيلة دخلت طريقًا مسدودًا، فقال (٢): «إن الأساليب المصطنعة التي استخدمت حتى الآن للتغلب على متاعب اليهود إما بالغة التفاهة كالمحاولات الاستعمارية ...» (٣)، ويعلل ذلك بقوله بأن «التسلل من شأنه أن ينتهي نهاية سيئة. إنه يستمر إلى اللحظة التي لا يمكن تجنبها، عندما يشعر السكان المحليون أنهم مهددون فيجبرون الحكومة على إيقاف أي تدفق جديد لليهود، وبالتالي فإن الهجرة لا جدوى منها ما لم تقم على أساس من هيمنة مضمونة» (٤).
ثم قدَّم الحل البديل، وهو الحل الاستعماري الغربي، فقال (٥): «إن الجمعية اليهودية سوف تتعامل مع الملاَّك الحاليين للأرض، وستضع نفسها تحت حماية القوى الأوروپية، إذا أثبتوا أنهم متعاطفون مع الخطة»، وكان هذا مربط الفرس الذي لم يتنبه إليه أي مفكر صهيوني يهودي من قبله.
وهكذا كان هرتزل يعد بمثابة الحلقة المفقودة بين الصهيونيتين اليهودية وغير اليهودية؛ فعن طريق تقوية الروح القومية، رأى أنه من الممكن إيجاد تفاهم ضمني بين يهود غرب أوروپاويهود اليديشية تتعهد الحركة الصهيونية من خلاله بإخلاء أوروپامن يهودها، أو
стр. 321
على الأقل من الفائض البشري اليهودي. وهذا بالتالي يؤدي إلى رضوخ اليهود إلى الحل الاستعماري الغربي كحل (وحيد) للمسألة اليهودية.
ولقد تلقَّف وليام هشلر William Hechler (١٨٤٥ - ١٩٣١ م) - القس الإنجليكاني الملحق بالسفارة البريطانية في فيينا - كتيب هرتزل، وعاونه في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م، والذي فيه حوَّل خطة تحقيق المشروع الصهيوني إلى برنامج سياسي.
تقول باربرا فيكتور (١): «من وجهة نظر المحترم [أي هشلر]، كانت الخطة المقترحة من قبل هرتزل لوطن يهودي في فلسطين دليلًا ملموسًا على أن النبوءة التوراتية بشأن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة ستنصب على المجيء الثاني للمسيح ... في بداية علاقتهما، ارتاب هرتزل من مُحاوره الذي كان يشُك بأنه يغذي مشاعر معادية للسامية. ففي الحقيقة، حاول هيشلر مرارًا إقناع هرتزل، أو على الأقل، حمله على أن (يُدرِج الله) في مفهومه للدولة اليهودية. ومع ذلك، طوَّر الرجلان علاقات صداقة متينة ... واستمرت تلك الصداقة إلى حين الموت المبكر لهرتزل في سن الرابعة والأربعين. وبينما كان يحتضر، استدعى هذا الأخير هيشلر إلى قرب سريره وهمس في أذنه: "أوصل شعلة الصهيونية إلى العالم المسيحي"» اهـ.
ولقد وضعت الحركة الصهيونية نصب عينها بعد انعقاد مؤتمرها الأول القيام بمهام ثلاث هي: استعمار فلسطين، ومحاولة خلق شعب يهودي واحد متجانس، وإنشاء حركة تكون بمنزلة (رأس الرمح) في البرنامج الصهيوني الاستعماري. وتضمَّن هذا البرنامج تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقًا لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، وصولًا إلى «إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون» (٢).
стр. 322
وكثَّف هرتزل في هذه المرحلة جهوده الديپلوماسية للحصول على (براءة) تضمن أي كيان صهيوني يقام في فلسطين، فحصل على نوع من الاعتراف الأوروپي بالمنظمة الصهيونية العالمية رغم معارضة يهود غير صهاينة رأوا في الصهيونية خطرًا عليهم في أوطانهم (١).
ولكن برغم عصرية حلِّه وحداثته إلا أن بصيرته خانته، إذ بدأ نشاطه السياسي بطريقة تقليدية؛ فتوجَّه للقيادات اليهودية التقليدية (الحاخامات والأثرياء) أصحاب النفوذ التقليدي، والذين نظروا إليه بنوع من الفتور أو الاشمئزاز.
стр. 323
وعند هذا الحد أدرك هرتزل أن القيادات اليهودية الغربية غير جادة وغير قادرة. ولكنه مع هذا تعلَّم منها الكثير. ولعل هذا ساعده في تطوير الخطاب الصهيوني المراوغ. ومع ذلك كانت الاستجابات سلبية في كل مكان. ولذا قرر هرتزل - على حد قوله - أن يتوجَّه إلى الشعب. والشعب هنا لا يعني الجماهير اليهودية وإنما يعني حركة أحباء صهيون والحركات المتناثرة ذات الأهداف المماثلة، والتي تدعم موقفه التفاوضي أمام عالم الصهيونية غير اليهودية، عالم الاستعمار الغربي.
ولكنه كان يرفض النزعات الصهيونية السابقة عليه؛ فصهيونية أثرياء يهود الغرب المندمجين (صهيونية الإنقاذ التي تأخذ شكل صدقات) غير صالحة لأن المشروع الصهيوني مشروع ضخم يتجاوز الجهود الفردية. أما بالنسبة للتسلل، فقد ساهم الصهاينة التسلليون ولا شك في إلقاء الضوء على فكرة تأسيس الدولة، كما أن أخطاء التسلليين أثناء الممارسة قد تفيد في تنفيذ المشاريع الضخمة المقبلة. ولكن التسلل، مع هذا، بَذَر الشك في نفوس الناس بشأن المشروع الصهيوني ككل ..
ولقد أثار هرتزل قضية مهمة أخيرة، هي أن التسلليين ليس عندهم أية سيادة قومية، ولذلك فهم تحت رحمة الپاشا العثماني، كما أنهم يفتقدون أساس القوة. ولذا، فلن يمكنهم الحصول على الاستقلال، وسوف يظل الاستيطان التسللي استيطانًا «يائسًا جبانًا». وحتى لو وصل التسلليون إلى مستوى كاف من القوة، وحتى لو وهن الباب العالي إلى الحد الذي يسمح للصهاينة بإعلان استقلالهم، فإن هذه المحاولة لن تنجح لأن القوى العظمى الغربية لن تعترف بالكيان الجديد.
انطلاقًا من كل هذا، طرح هرتزل رؤيته الصهيونية الجديدة الحديثة التي خرجت بالصهيونية من إطار المعبد اليهودي والاجتهادات الدينية وجو شرق أوروپاالخانق ودخلت بها جو الإمپريالية الحديث، فطالب بأن يُنظَر إلى المسألة اليهودية كمشكلة سياسية دولية تجتمع كل الأمم المتحضرة لمناقشتها وإيجاد حل لها.
وقد أدار هرتزل المحرك عن طريق خطابه المراوغ، وقد لاحظ قيادات أحباء صهيون حتى قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، كيف تحوَّل هرتزل إلى بطل أسطوري، وكيف أن الموقف العام للصهيونية تغيَّر تمامًا بعد ظهوره، وأن الاهتمام بالصهيونية والتعاطف
стр. 324
معها قد ازداد. وهكذا، وجدوا أنهم إن لم ينضموا إليه لاكتسحهم النسيان، فليس عندهم ما يقدمونه للجماهير سوى (التسلل المميت) (١).
الموقف اليهودي الأرثوذكسي تجاه (البدعة) الصهيونية:
بقي أن نشير إلى الموقف اليهودي الأرثوذكسي تجاه (البدعة) الصهيونية؛ فلقد كان الفكر اليهودي الأرثوذكسي معاديًا تمامًا للصهيونية (في حينها)، حيث كان الإيمان بعودة الماشَّيح يعني الانتظار في صبر وأناة إلى أن يأذن الإله بالعودة. وعلى المؤمن الحق أن يقبل المنفى، إما عقابًا على ذنوب يسرائيل أو كجزء من التكليف الإلهي، عليه ألا يحاول التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتز)، وإلا فهو مهرطق يرتكب جريمة (٢).
يقول ياكوف رابكن (٣): «ونجد في التلمود جدلًا يتعلق بحق الإقامة على الصعيد الفردي في أرض إسرائيل. لكن هناك موافقة على المنع من الإقامة فيها بكثافة. وتشرح مصادر حاخامية عديدة هذه الأيمان عبر القرون بمعنى نبوي، قائلة: "لو أن جميع الأمم شجعت اليهود على الإقامة في أرض إسرائيل، فلا بد مع ذلك، من العزوف عن هذا الأمر خوفًا من ارتكاب خطايا أخرى تكون نتيجتها معاقبتهم بنفي أشد". وهذا الشرح هو أساس مهم لمناهضة الصهيونية من قبل حاخامين عديدين في بداية القرن العشرين».
ويذكر إسرائيل شاحاك ونورتون ميزفينسكي أنه «في أوائل القرن التاسع عشر قام مندلسون ومؤيدون آخرون للتنوير اليهودي، وكذلك معارضوهم مثل الحاخام سامسون رفائيل هيرش Samson Raphael Hirsch [١٨٠٨ - ١٨٨٨ م] الأب الروحي للأرثوذكسية المعاصرة في ألمانيا، بالاتفاق على والاستمرار في تحريم
стр. 325
الهجرة بناء على المواثيق الثلاثة (١). وكتب هيرش في عام ١٨٣٧م يقول: "إن الله أمر اليهود بألا يقوموا أبدًا بإنشاء دولتهم بأنفسهم ومن خلال جهودهم".
وكان الحاخامات في وسط أوروپاأكثر تطرفًا. وفي عام ١٨٣٧م في نفس العام الذي حظر فيه هيرش على اليهود إعلان دولة يهودية، حدث زلزال في شمال فلسطين قتل الغالبية العظمى من سكان مدينة صفد، والذين كان الكثير منهم من اليهود، وكانوا قد هاجروا حديثًا إلى فلسطين. وقد أرجع الحاخام موشيه تيتلباوم Moshe Teitelbaum [١٧٥٩ - ١٨٤١ م]- وهو حاخام پولندي شهير - هذا الزلزال إلى عدم رضاء الله عن الهجرة اليهودية الزائدة إلى فلسطين. وقال تيتلباوم: "ليست مشيئة الله أن نذهب إلى أرض إسرائيل عن طريق جهودنا ومشيئتنا"» (٢).
وينقل المسيري عن (موسوعة الصهيونية وإسرائيل Encyclopedia of Zionism and Israel) أن المنظمات اليهودية الرئيسة (كافة) قد اتخذت من الصهيونية موقفًا معارضًا أو موقفًا غير صهيوني (أي غير مكترث). وقد دفعت المعارضة اليهودية القيادة الصهيونية لنقل مقر انعقاد المؤتمر الأول (١٨٩٧م) من ميونخ إلى بازل. وأعلنت اللجنة التنفيذية لمجلس الحاخامات في ألمانيا، عشية انعقاد المؤتمر، اعتراضها على الصهيونية على أساس أن فكرة الدولة اليهودية تتعارض مع عقيدة الخلاص اليهودية. كما اتخذت المنظمتان اليهوديتان الرئيستان في إنجلترا (مجلس مندوبي اليهود البريطانيين، والهيئة
стр. 326
اليهودية الإنجليزية) مواقف مماثلة. وأعرب مؤتمر الحاخامات الأمريكيين المركزي عن معارضته التفسير الصهيوني لليهودية باعتبار أن الصهيونية تؤكد الانتماء القومي. وعارض حاخام فيينا (مسقط رأس هرتزل) فكرة إنشاء دولة يهودية لأنها فكرة معادية لليهود وتُرجع كل شيء إلى العرق والقومية. وقد تبنت اللجنة اليهودية الأمريكية موقفًا مناهضًا للصهيونية عام ١٩٠٦م، ثم انتهجت نهجًا غير صهيوني استمر حتى أواخر عام ١٩٤٠م (١).
ولكن هذا لم يعارض تكوين الجناح الأرثوذكسي المتدين لحركة المزراحي (أو المزراشي The Mizrachi) الصهيونية في عام ١٩٠٢م بقيادة الربِّي إسحاق يعقوب رينز Yitzchak Yaacov Reines (١٨٣٩ - ١٩١٥ م)، للتعبير عن مخاوف المتدينين من سيطرة العَلْمانيين على الحركة الصهيونية (٢)، وكما يقول ياكوف رابكن (٣): «اكتسب الدين أهمية إضافية بالنسبة إلى الصهاينة مهما كانت ممارستهم للشعائر اليهودية، لأنه يقدم الشرعية التاريخية الوحيدة لحقوق اليهود على أرض إسرائيل» اهـ.
...
المرحلة البلفورية:
بسبب افتقار الصهاينة إلى أية قاعدة قوية بين الجماهير اليهودية، كان عليهم أن يعتمدوا على قوة كبيرة غير يهودية يمكنها الاستفادة منهم ومن خدماتهم، فقدموا أنفسهم من البداية على أنهم يمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط بين القوى الاستعمارية من جهة، واليهود من جهة أخرى، لتجنيدهم وتوطينهم في أحد المواقع التي تهم تلك القوى، وقد تم عرض الوساطة دون موافقة الجماعات اليهودية ذاتها. ولكن بمجرد أن نال الصهاينة الموافقة على خطتهم توجهوا إلى الجماعات اليهودية العاجزة، معلنين شرعيتهم الجديدة
стр. 327
ومكانتهم المكتسبة، ومن ثم تسلموا قيادتها (١).
ولم يكن هرتزل منظِّرًا من الدرجة الأولى، ولكنه كان صحفيًا يرصد الأحداث بذكاء ويتسم بحس عملي فائق، ولذلك فإنه بعد أن قضى بضع سنوات يغازل ألمانيا و (الباب العالي) (٢)
اكتشف أن الطريق إلى فلسطين يبدأ من لندن، فحمل أمتعته وذهب إلى هناك حيث وجد چوزيف شامبرلين Joseph Chamberlain (١٨٣٦ - ١٩١٤ م) (وزير المستعمرات البريطانية في وزارة بلفور) شخصًا متفهمًا لمشروعه، متقبلًا للفكرة المبدئية وهي حل مسألة يهود شرق أوروپاعلى الطريقة الاستعمارية، أي نقلهم إلى الشرق. ولكن وقت تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد حان بعد، ولذا اقترح وزير المستعمرات على هرتزل أن يبحث عن أي أرض أخرى داخل الإمپراطورية الإنجليزية (قبرص -
стр. 328
العريش - شرق إفريقيا). وبعد عدة دراسات واقتراحات واتصالات، استقر الرأي على شرق إفريقيا بناءً على نصيحة شامبرلين، ولكن الخطة لم يُكتب لها النجاح (١).
وهنا نشير إلى مسألة، وهي أن المشاريع الاستعمارية البريطانية لحل المسألة اليهودية لم تستقر على فلسطين في بادئ الأمر، بل إن هرتزل نفسه حينما طرح الفكرة كان يقارن بين حلَّين: «فلسطين أم الأرچنتين؟»، فتجده يقول (٢): «وهناك الآن منطقتان موضوعتان في الاعتبار: فلسطين والأرچنتين. ففي كلا البلدين هناك تجارب استعمارية هامة، ولكن على أساس مبدأ خاطئ من التسلل التدريجي لليهود ... هل نختار فلسطين أم الأرچنتين؟ إننا سنأخذ ما يعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وسوف تقرر الجمعية كلا الأمرين.
إن الأرچنتين من أكثر بلاد العالم خصوبة، وهي تمتد على مساحات شاسعة، وفيها عدد قليل من السكان، ومناخها معتدل. وجمهورية الأرچنتين سوف تحصل على مكاسب كبيرة إذا تنازلت لنا عن قطعة من أراضيها. ولعل التسلل الحالي لليهود أثمر بعض الاستياء، ومن الضروري أن نوضح للجمهورية أن الحركة الجديدة تختلف اختلافًا جوهريًا ...».
يقول الدكتور المسيري (٣): «ويبدو أن هرتزل كان يرفض في بادئ الأمر (الخروج) على الطريقة الصهيونية الاستيطانية، شأنه في هذا شأن يهود الغرب المندمجين. وقد نشر في المجلة التي كان يكتب فيها عام ١٨٩٢م تقارير تفصيلية عن أحوال الاستيطان اليهودي في الأرچنتين. وقد سافر زميل له مندوبًا عن يهود برلين ليدرس احتمالات توطين اليهود في البرازيل. كما كان هرتزل يعرف عن مشروع توطين اليهود في الأحساء في الجزيرة العربية، فكتب مقالًا عام ١٨٩٢م يرفض فيه فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وقال: "إن الوطن التاريخي لليهود لم يَعُد ذا قيمة بالنسبة لهم، ومن الطفولي أن يستمر اليهودي في البحث عن موقع جغرافي لوطنه". كما سخر في مقال له من إحدى مسرحيات الكاتب
стр. 329
الفرنسي ألكسندر دوما (الأب) Alexandre Dumas, père [١٨٠٢ - ١٨٧٠ م] لما تحتويه من أفكار وحلول صهيونية. ولكن هذا كان قبل أن يكتشف الاستعمار الغربي» اهـ.
ولذلك، فإنه من الممكن لنا تسمية الاتجاه الذي كان يسلكه الزعماء الصهاينة الأوائل بأنه (صهيونية بلا صهيون)! ونحن لن نتوقف لاستعراض الأماكن المقترحة لتنفيذ المشروع الصهيوني ومناقشة آراء المؤيدين والمعارضين لها، ولكن نذكر أنه في نهاية المطاف استقرت بريطانيا على المشروع الصهيوني الفلسطيني. ويرجع هذا إلى عدة عوامل، كما يذكر هيكل (١): «إن الزعيم الصهيوني ناحوم سوكولوف، رفيق هرتزل في فكرة تأسيس الدولة، كتب في مذكراته يقول إنه فكر طويلًا وتأمل في الأسباب التي دعت إنجلترا إلى التحمس للمشروع الصهيوني في فلسطين ومساندته. وقال في مقدمة هذه المذكرات:
"إنني سألت نفسي كثيرًا عن أسباب تأييد إنجلترا لحركتنا وتوصلت إلى أربعة أسباب أرتبها كما يلي:
١ - الطابع الإنجيلي للشعب الإنجليزي.
٢ - تأثير الإنجيل في الأدب الإنجليزي.
٣ - محبة فلسطين عند الإنجليز.
٤ - السياسة الإنجليزية في الشرق الأدنى طوال القرن التاسع عشر".
ومن البدهي أن الأسباب الثلاثة الأولى تنتمي إلى عالم التأليف والإنشاء، وأما السبب الرابع فهو وحده السبب الذي ينتمي إلى عالم الحقائق والمصالح».
يقول وايزمان (٢): «وللقارئ أن يسأل: ولماذا كانت حماسة الإنجليز لليهود، وشدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين؟ والجواب على ذلك أن الإنجليز لا سيما من كان منهم من المدرسة القديمة، هم أشد الناس تأثرًا بالتوراة، وتديُّن الإنجليز هو الذي
стр. 330
ساعدنا على تحقيق آمالنا، لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء في التوراة من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين. وقد ساعدتنا الكنيسة الإنجليزية في هذا الباب أكبر المساعدات» اهـ.
ولعل الذي أدى بهرتزل في نهاية المطاف أن يقبل المشروع الفلسطيني هو أنه كما قال (١): «إن اسم فلسطين في حد ذاته سيجتذب شعبنا بقوة ذات فاعلية رائعة».
ولكن حتى عندما وقع الاختيار على فلسطين، فلم يأل هرتزل جهدًا في تأكيد الطبيعة اللادينية لهذا الاختيار. إذ أخبر البابا پيوس العاشر Pope Pius X (١٨٣٥ - ١٩١٤ م) أن الصهاينة «لا يطالبون بالقدس» أو مثل هذه الأماكن المقدسة، وإنما ينصب جُلّ اهتمامهم على «الأرض العَلْمانية فقط». وكانت كلماته قاطعة بشكل أكبر عندما أكد لأحد الكاردينالات أنه لا يتطلع إلى أرض إسرائيل التاريخية، بل «يطالب فقط بالأرض الدنيوية» (٢).
يقول وايزمان (٣): «... فهو [أي هرتزل] كان وراء فكرة، إلا أنه لم يكن قد حصر هذه الفكرة ضمن حدود وقيود كما فعلنا نحن يهود الشرق، نحن الذين بشرنا بفلسطين وباللغة العبرية ولا شيء آخر غير فلسطين وغير لغة اليهود ودين اليهود وتقاليد اليهود ... وكان على هذا كله أن ينتظر حتى تختمر فكرة الصهيونية وحتى تعمل عملها في نفوس اليهود ثم حتى يقوم على تحقيقها أولئك الذين آمنوا بالصهيونية على أنها قومية، والقومية لها وطن واحد، وكان وطن اليهود هو فلسطين، ولا شيء غير فلسطين» اهـ.
وفي هذه الفترة، كانت قد شكَّلت حكومة آرثر چيمس بلفور Arthur James Balfour (١٨٤٨ - ١٩٤٠ م) - الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك - لجنة خاصة لمناقشة هجرة يهود شرق أوروپاإلى إنجلترا، والتي كان لا بد الحد منها بسبب المشاكل التي بدأت تسببها. وعليه أصدرت حكومته في الفترة ما بين (١٩٠٣ - ١٩٠٥م) ما عرف باسم (قانون الغرباء) لمنع دخول اليهود إنجلترا. وقد أدى موقفه هذا إلى الهجوم عليه من قبل
стр. 331
المؤتمر الصهيوني السابع (١٩٠٥م) حيث وصفت تصريحاته بأنها «معاداة صريحة للشعب اليهودي بأسره»، كما هاجمته الصحافة البريطانية أيضًا (١).
وقد تجلت في هذه الفترة جهود حاييم وايزمان (والذي كان قد ترك انطباعًا جيدًا بسبب اكتشافه لمادة الأسيتون) لدى حكومة بلفور، «وقد اقترح وايزمان وغيره من الصهاينة حل المشكلة (من أعلى) من ناحية المصالح الإمپريالية، وليس من (أسفل)، من ناحية الجماهير اليهودية» (٢).
يقول وايزمان (٣): «وكانت مقابلتي الأولى للورد بلفور في عام ١٩٠٦م ... وكانت (إنجليزيتي) في ذلك الزمن لا تزال ضعيفة، ومع ذلك كان يتتبع كلامي في عناية واهتمام وعطف. وقد افتتح بلفور الحديث معي بسؤالي: "لماذا يوجد يهود معارضون فكرة أوغندا؟ إن الحكومة البريطانية معنية بكل إخلاص وعطف باليهود وآمانيهم، فلماذا لا تتعاونون معنا؟ "، وهنا اندفعت أنا في الشرح والبيان ... قلت له إن الصهيونية حركة سياسية قومية، ولكن لها ناحيتها الروحية. وقلت إنه لن يكتب النجاح للصهيونية السياسية القومية إلا إذا عنينا أولًا بناحيتها الروحية وأثرنا بذلك الحاسة الدينية في اليهود. وهل هناك ما يصلح لتحقيق هذا كله إلا فلسطين؟» (٤).
стр. 332
يقول القس الأيرلندي مايكل پريور (١): «وكان وايزمان يعلم جيدًا الفائدة التي كانت ستعود على إنجلترا من دعمها للصهيونية. وكان يعتقد أنه من البدهي أن تحتاج إنجلترا لفلسطين لحماية المدخل إلى مصر، وأنه إذا تم فتح فلسطين للمستوطنات اليهودية "سيربح الإنجليز حاجزًا فعالًا وسيكون لدينا وطن"» اهـ.
ولكن توقف دور إنجلترا قليلًا بسبب دخولها في صراعات داخلية في انتخابات عام ١٩٠٦م بين الحزب الليبرالي بقيادة هنري كامپبل-بانرمان Henry Campbell-Bannerman (١٨٣٦ - ١٩٠٨ م) والحزب المحافظ بقيادة بلفور، والتي فاز فيها الحزب الليبرالي بغالبية ساحقة ..
في هذه الفترة (والتي نسي فيها بلفور فكرته الصهيونية إلى حد كبير)، وجَّه وايزمان جهوده إلى ما سماه بـ (الصهيونية العملية)، يقول (٢): «وكانت الفترة الواقعة بين عامي ١٩٠٦ و١٩١٤م، أي بين بدء تطور فكرة الصهيونية من فكرة روحية سياسية إلى فكرة عملية، وبين تاريخ الحرب العالمية الأولى، فترة حاسمة في تاريخ اليهود ... وكانت سنة ١٩٠٦م هي السنة التي اعتزمت فيها أن أوقف فيها حياتي على الصهيونية ... وكنا نحن - يهود روسيا -، أصحاب الصهيونية العملية، نؤمن بوجوب احتلال أراضي فلسطين، والعمل على إحياء التقاليد اليهودية بين يهود العالم، وإحياء وتعميم اللغة العبرية، ثم ربط يهود العالم بفكرة وطنهم ووطنهم هو فلسطين ... وفي سنة ١٩٠٧م، تلك التي خطت فيها الصهيونية خطوة واسعة إلى الأمام، كان قد صار واجبًا عليّ أن أذهب أنا بنفسي إلى فلسطين وأدرس الحالة هناك، ثم نأخذ في العمل المجدي الذي يمكن أن نعتمد عليه للخطوات الحاسمة في المستقبل ... وقد ذهبت بالفعل إلى فلسطين، وقضيت هناك بضعة أسابيع، ثم عدت لأعمل، ولأواظب على العمل الذي يصلح لوثبات المستقبل، وفي الفترة التي انقضت بين سنتي ١٩٠٧ و١٩١٤م، أرسلنا إلى فلسطين موجات جديدة من المهاجرين الأشداء، الممتلئين حماسة لفكرة وطنهم القومي، وأوجدنا حركة عمالية واسعة، وأنشأنا مستعمرات قوية، وقوينا المستعمرات الضعيفة ...
стр. 333
وبالفعل، لقد وجدنا في فلسطين حين أخذنا وعدنا وجئنا إليها بعد الحرب لتنفيذ الوعد، أساسًا يصلح للبناء عليه. وشعرنا أننا لسنا بادئين، وإنما كنا نكمل بناءنا الذي بدأناه» اهـ.
وأثناء الحرب العالمية الأولى طلبت الحكومة البريطانية سنة ١٩١٥م من السير هربرت صامويل Herbert Samuel (١٨٧٠ - ١٩٦٣ م) أن يضع تصورًا لما ينبغي أن يكون عليه أمر فلسطين بعد النصر. وكتب هربرت صامويل بوصفه عضوًا في وزارة الحرب - إلى جانب كونه يهوديًا وصهيونيًا أيضًا - مذكرة بعنوان (مستقبل فلسطين) تاريخها ٥ فبراير ١٩١٥م، توصل فيها إلى نتيجتين:
١ - إنه مهما يكن من شأن أية اتفاقات مع فرنسا، فإن فلسطين يجب أن تخرج من هذه الاتفاقيات، لأن سيطرة دولة أوروپية عظمى على موقع قريب من قناة السويس إلى هذه الدرجة يشكل تهديدًا مستمرًا ومخيفًا لخطوط المواصلات الإمپراطورية (البريطانية). إن الحزام الصحراوي الذي تمثله سيناء استطاع أن يؤدي دوره كحاجز استراتيچي كافٍ ضد الأتراك، لكنه ليس كافيًا للصمود أمام حملة عسكرية تقوم بها دولة أوروپية قوية. ولا نستطيع أن نفترض أن علاقاتنا الطيبة مع فرنسا سوف تستمر كذلك طوال الوقت.
٢ - إن الحل الذي يوفر أكبر فرصة للنجاح ولضمان المصالح البريطانية هو إقامة اتحاد يهودي كبير تحت السيادة البريطانية في فلسطين. إن فلسطين يجب أن توضع بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية، ويستطيع الحكم البريطاني فيها أن يعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية في شراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة والمساعدة على التطور الاقتصادي بحيث يتمكن اليهود من أن يصبحوا أكثرية في البلاد. هذا مع ملاحظة أن هناك عطفًا واسع الانتشار وعميق الجذور في العالم الپروتستانتي لفكرة إعادة الشعب العبراني إلى الأرض التي أعطتها له النبوءات القديمة (١).
وفي عام ١٩١٦م جاءت الوزارة البريطانية الجديدة برئاسة دافيد لويد چورچ David Lloyd George (١٨٦٣ - ١٩٤٥ م)، والتي عُيِّن بلفور وزيرًا لخارجيتها، فعاد بلفور
стр. 334
لاهتماماته الصهيونية القديمة، في وقت كان يتلفظ فيه رجل أوروپاالمريض أنفاسه الأخيرة ..
وكان قد «تلقَّى بلفور تعليمًا دينيًا من أمه في طفولته، وتشبَّع بتعاليم العهد القديم، خصوصًا في تفسيراتها الحرفية الپروتستانتية. ورؤية بلفور لليهود متأثرة بالرؤية الألفية الاسترجاعية التي تراهم باعتبارهم شعبًا مختارًا ومجرد وسيلة للتعجيل بالخلاص» (١).
تقول ريچينا الشريف (٢): «وارتباط بلفور الصريح بالصهيونية الذي تجلى بوضوح عندما كان وزيرًا للخارجية في عهد لويد چورچ يلقي ظلالًا على علاقته المبكرة بالمرحلة الهرتزلية. ومع أنه بقي يعبر عن تأييده للصهيونية طوال حياته إلا أن ميوله الصهيونية المبكرة تكشف بوضوح عن المزج بين اللاسامية بالنسبة للمسألة اليهودية والعنصرية بالنسبة للتاريخ بشكل عام.
كان بلفور، كشامبرلين، يؤمن بالمزايا الفريدة للجنس الأنجلوساكسوني، وكانت وطنيته العنصرية المكشوفة تدفعه إلى اللاسامية كما يتضح من المناقشات حول قانون الغرباء عام ١٩٠٥م. لم يكن بلفور رئيس الحكومة التي قدمت القانون فحسب، ولكنه قام شخصيًا بدور فعال في تبنيه في مجلس العموم. وحين كان المشروع أمام اللجنة، رد بلفور على السير شارلز ديلك Sir Charles Dilke, ٢nd Baronet (١٨٤٣ - ١٩١١ م) بقوله: "لقد أدان المبجل بارونيت الروح اللاسامية التي ألحقت الخزي الشديد بالسياسة الحديثة لدول أخرى في أوروپا، وأعلن أن يهود هذه البلاد يعدون عنصرًا مهمًا في المجتمع، ولم يكن على استعداد لإنكار أي من هذين الأمرين. لكنه كان يرى أنه ليس من مصلحة حضارة هذا الوطن أن يكون فيه كثير من الأشخاص الذين يبقون، نتيجة تصرفاتهم، شعبًا مستقلًا ويعتنقون دينًا يختلف عن دين الغالبية العظمى من مواطنيهم ولا يتزاوجون إلا من بني جنسهم. ليس من مصلحة الوطن أن يكونوا فيه مهما بلغت درجة وطنيتهم وقدرتهم وجدهم وانغماسهم في الحياة القومية". لم يترك هذا التصريح أدنى
стр. 335
شك في أن السبب لإلقائه هو الحد من هجرة اليهود من أوروپاالشرقية وإنقاذ إنجلترا من "المآسي الأكيدة التي أصابت البلاد نتيجة هجرة هي في معظمها يهودية"، وكان رد فعل المؤتمر الصهيوني السابع هو "اتهام بلفور باللاسامية الصريحة ضد الشعب اليهودي كله".
وحتى في عام ١٩١٤م اعترف بلفور لوايزمان بأنه كان يشارك كوزيما فاجنر Cosima Wagner [(١٨٣٧ - ١٩٣٠ م)، وهي معروفة بكونها أحد أشهر الشخصيات المعادية للسامية] كثيرًا من مشاعرها اللاسامية. وكان بلفور قد التقى بها في بايروت Bayreuth وبحث معها محنة اليهود في ألمانيا.
وإعلان بلفور، الذي يعتبر تجسيدًا للصهيونية السياسية، كما أن شجبه العلني المتكرر لاضطهاد اليهود في أوروپاالشرقية حيث "كانت معاملة الجنس اليهودي عارًا على المسيحية" لا يعفيانه من لاساميته. وعلى النقيض من ذلك فإن مواقف بلفور الغامضة المبهمة من المسألة اليهودية تدفعنا إلى القناعة بأن الصهيونية والعنصرية واللاسامية إنما هي جوانب لظاهرة واحدة. فطبيعة الصهيونية لم تكن ملائمة للاسامية فحسب، ولكنها كانت تشجعها».
يقول المسيري (١): «وقد يبدو الأمر لأول وهلة وكأنه نوع من التناقض الواضح الذي يقترب من الشيزوفرينيا ... ويتجلى هذا المزيج من الكره والإعجاب من جانب بلفور في تلك المقدمة التي كتبها لمؤلَّف سوكولوف (تاريخ الصهيونية History of Zionism) حيث يبدي معارضته لفكرة المُستوطَن البوذي أو المُستوطَن المسيحي؛ فالمسيحية والبوذية في رأيه هما مجرد أديان، ولكنه يقبل فكرة المُستوطَن اليهودي لأن "العرق والدين والوطن" أمور مترابطة بالنسبة إلى اليهود كما أن ولاءهم لدينهم وعرقهم أعمق بكثير من ولائهم للدولة التي يعيشون فيها» اهـ.
وقبيل إعلان وفاة دولة الخلافة رسميًا، «طُرحت واقعيًا ضرورة الاتفاق على خطوط عامة لقسمة التركة.
стр. 336
وكانت لندن وپاريس قد اتفقتا على خطوط رئيسة:
إنه لا بد من فصل بين الساحل والداخل (١) في خريطة جديدة للعالم العربي. فالقوى الأوروپية يمكن أن تتقاسم النفوذ في الساحل المطل على البحر الأبيض والمحيط به. وأما الداخل بكل ما فيه من الصحاري والقبائل فأمره معقد ويمكن تركه للعرب إذا ما ساعدوا على هزيمة تركيا.
وهكذا أضيف إلى تقسيم العالم العربي خط رأسي مواز للخط الأفقي. الخط الرأسي يعزل الساحل عن الداخل. والخط الأفقي يعزل مصر عن سوريا (بوطن قومي لليهود في فلسطين طبقًا للسياسة البريطانية من پالمرستون إلى لويد چورچ).
وكانت فرنسا تريد سوريا الشمالية وتعتقد أن لها حقوقًا تاريخية في بيروت وجبل لبنان وما حولها إلى وديان الشام، بما في ذلك دمشق وحمص وحلب وحماة والموصل (شمال العراق).
وفي مقابل ذلك فإن بريطانيا كانت تريد إلى جانب مصر والسودان منطقة ما بين النهرين (العراق) والخليج. كما أن عينها كانت على فلسطين، فهي لازمة لخطتها في الفصل ما بين مصر وسوريا» (٢).
ولقد حصلت فرنسا بموجب معاهدة سايكس-پيكو التي عقدت بين فرنسا وإنجلترا في ٣ يناير ١٩١٦م، على الضوء الأخضر لاحتلال قلقيلية وسوريا ولبنان، أما إنجلترا فحصلت على البصرة وبغداد والمنطقة الجنوبية من الشرق الأوسط. كما حصلت أيضًا على حيفا وعكا، أما باقي أراضي فلسطين فأصبحت تقع تحت حكم دولي غير محدد.
ومهما كانت نوايا بريطانيا (استبعاد فلسطين من المنطقة العربية أم لا)، فإنه لا يتم
стр. 337
احترام الوعود والتصريحات التي تمَّت تحت ضغوط الحرب؛ إلا إذا كانت تخدم المصالح بعد نهاية الحرب. وبما أن معاهدة (سايكس-پيكو) لم تنص على أن لفرنسا مصالح في فلسطين، رأت إنجلترا أن هذه المنطقة حيوية لمصالحها الاستراتيچية وحاجز لحماية مصر، وتحمي قناة السويس التي تؤدي إلى الهند .. ومع نهاية الحرب، أصبح تداخل مصالح الإنجليز والصهاينة حقيقة؛ ففلسطين اليهودية سوف تخدم كحامية محلية تدافع عن المصالح البريطانية في قناة السويس، وكذلك كجزيرة سياسية صغيرة تُكِنّ الولاء لبريطانيا وسط دول عربية مستقلة حديثًا. وكان من البديهي أن لا يقبل عرب فلسطين الحلم الصهيوني، وبذلك أصبحت المساندة الإنجليزية ضرورية لتحقيق هذا الحلم (١).
تقول ريچينا الشريف (٢): «التقت المصالح البريطانية والصهيونية في النهاية، ففي عام ١٩١٧م كان احتلال فلسطين ضرورة استراتيچية لبريطانيا، لكن المطالبة بذلك على أساس الفتح العسكري وحده لم تكن تتفق مع مبدأ الرئيس الأمريكي وودرو ولسن Woodrow Wilson [١٨٥٦ - ١٩٢٤ م] الذي ينص على عدم السماح بالاستيلاء على الأرض بالحرب، فضلًا عن أن ذلك كان يثير الرأي العام العالمي ضدها. لذلك كان الضم الصريح غير وارد، وكان السبيل الوحيد المتاح لبريطانيا هو ربط أهدافها الحربية بمبدأ تقرير المصير. وهكذا وجد الصهيونيون البريطانيون غير اليهود أن من المناسب جدًا وضع فلسطين تحت الوصاية من أجل أصحابها الذين ورد ذكرهم في العهد القديم (شعب الله القديم). ولم يسبب ذلك راحة للضمير البريطاني فحسب، ولكنه ترك الباب مفتوحًا كذلك لمصالح بريطانيا المستقبلية في المنطقة» اهـ.
ننقل أحداث هذه الفترة التاريخية الحاسمة من مذكرات وايزمان حيث يروي فيقول (٣): «لقد حان الوقت لإعلان الحكومة البريطانية كلمتها الأخيرة في القضية. وقد وعد بلفور بأن يفعل هذا، وطلب من - أنا حاييم وايزمان - أن أكتب البيان الذي يجب
стр. 338
أن تذيعه الحكومة البريطانية، ووعد بأن يعرض البيان الذي أكتبه أنا على وزارة الحرب للموافقة عليه.
وقد تعاون أعضاء اللجنة السياسية الصهيونية برئاسة سوكولوف على وضع صيغة البيان واشتركت أنا فيه. وبعد بحث طويل اتفقنا على صيغته وسلمناه في ١٨/ ٧/١٩١٧م للورد بلفور، وهذا هو نصه:
"إن حكومة جلالته بعد النظر في غايات المؤسسة الصهيونية تقبل مبدأ الاعتراف بفلسطين وطنًا قوميًا للشعب اليهودي في أن يبني حياته القومية في فلسطين تحت حماية تقام بعد عقد الصلح ونهاية الحرب في مصلحة الحلفاء.
وترى حكومة جلالته، صيانةً لهذا المبدأ، أن تمنح الحكم الذاتي الداخلي للقومية اليهودية في فلسطين مع حرية الهجرة لليهود، وتأسيس منظمة قومية يهودية لإعادة بناء التطورات الاقتصادية للبلاد.
أما شروط ومظاهر ذلك الحكم الذاتي وبراءة تأسيس المنظمة القومية اليهودية، فترى حكومة جلالته أن تبحث فيما بعد الدرس الوافي، مع ممثلين عن المؤسسة الصهيونية".
ولكن بقي أن توافق عليه وزارة الحرب، فلقد كانت في بريطانيا في الحرب الأولى مثلما كان لها في الحرب الثانية وزارتان؛ الأولى الوزارة العامة، والأخرى وزارة الحرب. وقد دلتني تحرياتي على أن الوزارتين موافقتان على النص، وأن الموافقة الأخيرة مضمونة إلا إذا تدخل المعارضون اليهود في الأمر.
وفي ١٨ سپتمبر سنة ١٩١٧م علمت أن البيان وضع أمام الوزارة العامة لبحثه وكان متغيبًا عن الاجتماع بلفور ولويد چورچ. فلما عرض البيان للبحث اعترض إدوين مونتاجو Edwin Montagu [١٨٧٩ - ١٩٢٤ م]- وهو عضو يهودي في الحكومة - على البيان وعلى عرضه على الوزارة (١)، فسحب من الأجندة ...
وفي ذلك اليوم الذي سحب فيه البيان من أمام الوزارة بسبب تدخل مونتاجو اليهودي، طلبت أنا واللورد روتشيلد مقابلة بلفور، فحدد لنا ميعادين لذلك، فقابلته أنا في ١٩
стр. 339
سپتمبر، وقابله روتشلد في ٢٠ منه ... ولما قابلت بلفور أبدى لي كل عطف، وقال لي: "أنا لم أتأثر قط بمسلك مونتاجو ولم تتبدل عواطفي". ولما قابله روتشلد، قال له روتشلد: "عندي ما يقنعني بأن عضوًا في الوزارة يعمل ضدنا". فأجابه بلفور: "لا تهتم بذلك، فإن مونتاجو عضوًا في الحكومة لا في الوزارة".
لما وضع بياننا أمام وزارة الحرب [٤ أكتوبر ١٩١٧م]، وقف إدوين مونتاجو وألقى خطابًا مؤثرًا ينقض فيه البيان، والفكرة التي يرمي إليها، وبلغ من تأثره، وهو يتكلم، ويحذر من بغية أعمال الصهيونيين أنه بكى ...
وفي يوم ٩ أكتوبر ١٩١٧م، استطعت أن أبرق إلى [لويس] برانديس [الزعيم الصهيوني البارز] في أمريكا لأقول: اقترحت الوزارة بعد مداولات واتصالات، أن تعدل البيان كما يلي:
"تنظر حكومة جلالته بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للجنس اليهودي وسوف تبذل أحسن جهودها لتسهيل تنفيذ ذلك، ويجب أن يكون مفهومًا أنه لن يجري شيئًا مما عسى أن يمس أو يؤثر في اتفاق الطوائف الأخرى في فلسطين المدنية والدينية. كما أن تحقيق هذه الغاية يجب أن لا يؤثر على الحقوق السياسية لليهود في خارج فلسطين".
وقد طلبت في البرقية أن يسعى برانديس للحصول في الحال على موافقة ويلسون على هذا البيان الذي وافقت عليه حكومة جلالته.
وقد كان تدخل مونتاجو هو السبب في تغيير هام في البيان، أما التغيير الأول: فهو أننا ذكرنا في بياننا "حق اليهود في إقامة حياتهم القومية في فلسطين"، بينما أن بيان الحكومة تكلم عن إنشاء وطن قومي في فلسطين. والفرق بين النصين كبير؛ ففي بياننا اعتراف بأن فلسطين كانت لنا في الماضي، وأننا عائدون إليها لإعادة بناء حياتنا القومية فيها، فأين هذا من إنشاء وطن قومي لنا في فلسطين؟
والتغيير الثاني: أننا تكلمنا في بياننا عن الشعب اليهودي، وتكلم بيان الحكومة عن الجنس اليهودي. إلا أننا، نحن دعاة الصهيونية، لم نسكت ... وأخيرًا اضطرت الوزارة إلى أن تؤلف لجنة يهودية قوامها أربعة أعضاء من الصهيونيين وأربعة أعضاء غير صهيونيين، وعرضت علينا نص بيانها لنحكم له أو عليه.
стр. 340
وقد اقترحت أنا تغيير كلمة إنشاء وطن قومي في فلسطين، واستبدالهما بكلمة: إعادة إنشاء. ذلك أن كلمة (إعادة) هنا تثبت حقوقنا الماضية في فلسطين. واقترحت كذلك استبدال كلمة الجنس اليهودي بكلمة الشعب اليهودي وقد فاز الجزء الثاني من اقتراحي بالقبول» اهـ.
يقول مايكل پريور (١): «أما بالنسبة للمعنى الذي يجب إعطاؤه لـ (الوطن القومي اليهودي)، رد لويد چورچ على وايزمان: "كنا نعني دولة يهودية"، وتم التأكيد على هذا أثناء الحديث مع رئيس الوزراء وبلفور وتشرشل [Winston Churchill (١٨٧٤ - ١٩٦٥ م)] ووايزمان. وفكرة أن الإنجليز كانوا يستعملون كلمة (وطن قومي) بدلًا من (دولة) كان أسلوبًا يهدف إلى عدم إثارة المعارضة العربية؛ وهذا يتضح جيدًا في مذكرة هربرت يونج Herbert Young من وزارة الخارجية الذي كتب عام ١٩٢١م: "يجب القول بأن أخذ المعارضة الفلسطينية في عين الاعتبار كان مشكلة تتعلق بالأسلوب وليس أبدًا بالاستراتيچية؛ حيث كانت الاستراتيچية العامة هي تشجيع الهجرة التدريجية لليهود إلى فلسطين، حتى يصبح هذا البلد به أغلبية يهودية ... إلا أنه كان علينا التساؤل عما إذا كنا في وضع يسمح لنا بأن نقول للعرب ما نقصده بسياستنا وماذا تعني هذه السياسة بالفعل؟ ".
ويبدو أن كلمة (وطن قومي) هي تعبير يقلل من شدة معنى مصطلح (دولة). أثناء المؤتمر الصهيوني الأول في ١٨٩٧م، حدد هرتزل بنفسه هدف الصهيونية بأنه إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، ثم عاد وكتب في يومياته يوم ٣ سپتمبر ١٨٩٧م "في بازل أنشأت الدولة اليهودية"» اهـ.
تقول ريچينا الشريف (٢): «تختلف وجهات نظر المؤرخين حول السبب الذي حدا بالحكومة البريطانية أخيرًا، برئاسة لويد چورچ، لإصدار وعد بلفور في ٢ نوفمبر ١٩١٧م، وتتفاوت الأسباب بين دوافع حب اليهود والاهتمام بمصلحة الدولة واستراتيچية الحرب. وتختلف التفسيرات الرسمية كثيرًا كما تختلف تفسيرات المراقب العادي. قد تكون جميع
стр. 341
هذه العناصر موجودة ولكنها كانت بحاجة إلى عامل يقلب الميزان لصالح الوعد، ولكن ينبغي البحث عن السبب الأساسي للميول الصهيونية لدى الأفراد الكثيرين الذين كان لهم ضلع في صنع القرار وصياغته».
ويقول وايزمان (١): «إن لويد چورچ لا يعنيه من اليهود لا ماضيهم ولا حاضرهم ولا مستقبلهم، وإنما هو رجل متعصب، فهو يفضل إعطاء فلسطين لليهود على أن تذهب فلسطين إلى فرنسا الكاثوليكية. وفرنسا الكاثوليكية عند لويد چورچ هي دولة كافرة» اهـ.
ولم يكن يخفى تصور بلفور حول مستقبل سكان فلسطين العرب فقد جاء في مذكرته (بالنسبة لسوريا وفلسطين وما بين النهرين): «ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين ... إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد والحاجات الحالية وآمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة» (٢).
يقول هيكل (٣): «إن أهل المنطقة المعنية: مصر وسوريا وفلسطين، لم يتصل بهم أحد في ذلك الوقت ولا سمع رأيهم، ولم يفاوضهم طرف أو يشركهم في رسم الخرائط وتخطيط الحدود. فالرياح في العادة لا تسأل الأرض التي تلقي عليها أحمالها من البذور - أو غيرها مما تحمله - عن شعورها أو فكرها أو مطلبها، وإنما هي قوة واحدة عاتية ترمي بما عندها، وأرض رخوة موحلة تتلقاه سواء أرادت أم لم ترد!».
وكما يقول پريور (٤): «في هذه الوثيقة [وعد بلفور] وعد شعبٌ، شعبًا ثانيًا، بإعطائه أرض شعب ثالث!» اهـ.
فور انتهاء الحرب العالمية الأولى، شرع المنتصرون في تقسيم غنيمة الحرب. و «طبقًا لقرار مؤتمر سان ريمو San Remo [٢٠/ ٤/١٩٢٠ م] لدول الحلفاء في
стр. 342
الحرب العالمية الأولى، وفي سياق اقتسام مناطق النفوذ في العالم بين الدول الاستعمارية الكبرى، وُضعت فلسطين عام ١٩٢٠م تحت الانتداب البريطاني (في حين وضعت سوريا تحت الانتداب الفرنسي)، ورأت الحكومة البريطانية أن تحصل على تصديق دولي لهذا القرار، فعرضته على عصبة الأمم التي أصدرت صك الانتداب عام ١٩٢٢م، وضمَّنته بريطانيا نص وعد بلفور، فأصبح بذلك وثيقة دولية، وأصبحت بريطانيا مسئولة عن تنفيذه أمام عصبة الأمم. وتجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، والأكثرية العربية الساحقة فيها التي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص، رغم أن عددهم كان يفوق عندئذ ٩٠% من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود ١٠% فقط ولا تتجاوز أملاكهم ٢% من الأراضي. كما جاء الصك مخالفًا بوضوح لميثاق عصبة الأمم نفسها الذي أعطى السكان الأصليين حقهم في اختيار الدولة المنتدبة طبقًا لرغبتهم.
واتبعت سلطات الانتداب سياسة موالية للصهيونية، فعُيَّن الصهيوني السير هربرت صامويل مندوبًا ساميًا بريطانيًا، وتم إفساح المجال لعمل المؤسسات الصهيونية المختلفة، كما مُنحت عدة امتيازات للمستوطنين الصهاينة مكنتهم من السيطرة على كثير من المصالح الاقتصادية الحيوية في فلسطين، وجرى تعاون واسع بين سلطات الانتداب والوكالة اليهودية. وفي ظل هذه الأوضاع، تزايد النشاط الصهيوني واتجه إلى وسيلتين: الأولى: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على أوسع نطاق، والثانية: تشجيع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود بالطرق المختلفة: كشراء الأراضي، ومنح القروض لليهود، وتقديم المساعدات لتشييد المستعمرات. ومن ناحية أخرى، شجعت سلطات الانتداب تأسيس المنظمات العسكرية الصهيونية، مثل: الهاجاناه Haganah، إتسل Etsel، وليحي Lehi. وشاركت هذه السلطات في تدريب أفرادها وتطوير وسائلها، وتسترت على نشاطها الإرهابي ضد السكان العرب [المسلمين]» (١).
...
стр. 343
الصهيونية والنازية، وفاق أم شقاق ؟!
ننتقل إلى ألمانيا لنناقش مسألة هي من الأهمية بمكان وقد تكون غائبة عن أذهان الكثيرين؛ ألا وهي حقيقة العلاقة بين الصهيونية والنازية ..
فعلى الرغم من الدعاية الصهيونية الشرسة وتأكيد احتكار اليهود لدور الضحية في عملية الإبادة التي قام بها النازيون ضد كثير من الشعوب والأقليات الإثنية والدينية والعرْقية، فإن ثمة علاقة وطيدة بين الصهيونية والنازية تستحق الدراسة، خاصة وأن الموضوع يثير الآن شيئًا من الدهشة على الرغم من أنه لم يكن كذلك في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين.
فنقول: من الملاحظ أنه توجد أصول فكرية مشتركة وتماثل بنيوي بين كلتا الأيديولوچيتين النازية والصهيونية؛ فأدولف هتلر، الزعيم النازي (١) الذي كان يؤمن بتفوق الجنس الآري على باقي الأجناس، كان يرى أن «العقيدة الدينية اليهودية تشتمل على توجيهات بعضها يتعلق بحفظ الدم اليهودي نقيًا» (٢)، وكان كذلك يصف الدولة اليهودية [أو المشروع الصهيوني] أنها «الجهاز الحي المُعَدّ لحفظ العرق وإنمائه» (٣).
ولكن على الرغم من هذا الإعجاب الواضح بالمشروع، كان هتلر يكن كراهية عميقة لليهود كأفراد؛ يقول (٤): «كنت أعتبر اليهود مواطنين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولكن اختلاطي بأعداء السامية من مفكرين وساسة جعلني أشد تحفظًا في الحكم على أعداء اليهود، وما لبثت أن وجدتني في عداد المعنيين بالمسألة اليهودية بعد أن لمست بنفسي
стр. 344
تكتل الإسرائيليين وتجمعهم في حي واحد من أحياء فيينا، ومحافظتهم الشديدة على تقاليدهم وعاداتهم وطقوسهم. وقد زاد في اهتمامي بمسألتهم ظهور الحركة الصهيونية وانقسام يهود فيينا إلى فئتين: فئة تحبذ الحركة الجديدة وتدعو لها، وفئة تشجبها. وقد أطلق خصوم الصهيونية على أنفسهم اسم (اليهود الأحرار)، إلا أن انقسامهم هذا لم يؤثر في التضامن القائم بينهم، مما حملني على الاعتقاد أن انقسامهم مصطنع وأنهم يلعبون لعبتهم، لا في النمسا فحسب، بل في العالم كله. وهي لعبة سداها ولحمتها الكذب والرياء مما يتنافى والطهارة الخلقية، طهارة الذيل التي يدعيها اليهود. وطهارة الذيل هذه، وكل طهارة أخرى يدعيها اليهود، هي ذات طابع خاص، فبعدهم عن النظافة البعد كله أمر يصدم النظر منذ أن تقع العين على يهودي، وقد اضطررت لسد أنفي في كل مرة ألتقي أحد لابسي القفطان، لأن الرائحة التي تنبعث من أردائهم تنم عن العداء المستحكم بينهم وبين الماء والصابون» اهـ (١).
كذلك ففي أثناء محاكمات نورمبرج Nürnberger Prozesse (٢) كان الزعماء النازيون يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية، خصوصًا كتابات مارتن بوبر Martin Buber (١٨٧٨ - ١٩٦٥ م) عن الدم والتربة. وقد أشار ألفريد روزنبرج Alfred Rosenberg (١٨٩٣ - ١٩٤٦ م)، أهم المنظِّرين النازيين، إلى أن «بوبر على وجه الخصوص هو الذي أعلن أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض آسيا، فهناك فقط يمكنهم العثور على جذور الدم اليهودي». ولعله، بهذا، كان يشير إلى حديث بوبر عن اليهود باعتبارهم آسيويين حيث يقول «لأنهم إذا كانوا
стр. 345
قد طُردوا من فلسطين، ففلسطين لم تُطرَد منهم».
وكان سترايخر Julius Streicher (١٨٨٥ - ١٩٤٦ م) يؤكد أثناء محاكمته أنه تعلم فكرة النقاء العرْقي من النبي عزرا: «لقد أكدت دائمًا حقيقة أن اليهود يجب أن يكونوا النموذج الذي يجب أن تحتذيه كل الأجناس، فلقد خلقوا قانونًا عنصريًا لأنفسهم، قانون موسى الذي يقول "إذا دخلت بلدًا أجنبيًا فلن تتزوج من نساء أجنبيات" (١)». وكانت الأدبيات الصهيونية الخاصة بنقاء اليهود العرْقي ثرية إلى أقصى حد في أوروپاحتى نهاية الثلاثينات (٢).
وفي المقابل، كما سبق لنا القول، فإن هرتزل - كما يرى ناحوم جولدمان - قد توصل إلى فكرته القومية من خلال معرفته بالفكرة والحضارة الألمانية. وكان رواد الصهيونية من اليهود ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب ولا يكنون احترامًا كبيرًا للحضارات السلافية، وقد غيَّر هرتزل اسمه من (بنيامين) إلى (ثيودور) حتى (يؤلمن) اسمه، وسمَّى ماكس نوردو Max Nordau (١٨٤٩ - ١٩٢٣ م) نفسه بهذا الاسم لإعجابه الشديد بالنورديين .. ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساسًا. وكذلك كانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية، كما توجه الزعماء الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني ... وهكذا (٣).
ولكن العلاقة بين النازية والصهيونية تتعدى مجرد التماثل البنيوي، والتأثير والتأثر الفكري، إذ ثمة علاقة فعلية وُجدت على عدة مستويات: وأدناها هو كيفية استغلال النازيين للدعاية الصهيونية في الترويج لرؤيتهم الإجرامية. وقد تناول الكاتب الأمريكي اليهودي بنيامين ماتوفو Benyamin Matuvo هذا الجانب من العلاقة في دراسته (الرغبة الصهيونية والفعل النازي The Zionist Wish
стр. 346
and The Nazi Deed)، حيث يؤكد أن الصهيونية مسئولة - إلى حد كبير - عن الجريمة النازية، لأن الصهاينة نشروا في ألمانيا ذاتها المزاعم الصهيونية الخاصة بالتميز اليهودي العرقي والانفصال القومي عن كل أوروپا. ويوثق الكاتب مقولته بالإشارة إلى عدد من التصريحات التي أدلى بها زعماء الصهاينة، فيشير - على سبيل المثال - إلى خطبة ألقاها ناحوم جولدمان في جامعة هايدلبرج Heidelberg عام ١٩٢٠م (ثلاثة عشر عامًا قبل ظهور كتاب هتلر كفاحي). وقد زعم جولدمان، في خطبته هذه «أن اليهود شاركوا، بشكل ملاحظ للغاية، في الحركة التخريبية، وفي إسقاط الحكومة في نوفمبر ١٩١٨م». وقد أكد جولدمان أيضًا أنه لا توجد أية عوامل مشتركة بين يهود ألمانيا والألمان، وأن الألمان عندهم الحق في أن يمنعوا اليهود من الاشتراك في شئون (الفولك) الألماني (١).
وقد قام الصهاينة الألمان بتطوير الأيديولوچيا الصهيونية والوصول بأطروحاتها إلى نتائجها المنطقية، أي تصفية الجماعات اليهودية في المنفى (أي العالم) تمامًا وإنشاء الدولة الصهيونية. وابتداءً من العشرينات، بدأ الزعماء الصهاينة في ألمانيا يطلقون التصريحات الصهيونية التي تؤكد الهوية اليهودية العضوية الخالصة وتنكر على اليهود انتماءهم إلى الأمة الألمانية.
ولقد شبه وايزمان علاقة الألمان باليهود بصورة مجازية استقاها من عملية الهضم، فقال: «إن أي بلد يود تحاشي الاضطرابات المعوية عليه أن يستوعب عددًا محدودًا فقط من اليهود». وكان يرى أن عدد اليهود في ألمانيا أكبر من اللازم، أو بعبارة أخرى يوجد فائض بشري يهودي.
وفي الفترة نفسها، وصف چاكوب كلاتزكين Jakob Klatzkin (١٨٨٢ - ١٩٤٨ م) اليهود بأنهم جسم مغروس وسط الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذا فإن من حقهم أن يحاربوا ضد اليهود من أجل تماسُكهم القومي. وهذه كلها موضوعات قديمة مطروحة في كتابات هرتزل ونوردو، الأبوين الروحيين للصهيونية على وجه العموم والصهيونية الألمانية على وجه الخصوص، ولكنها اكتسبت أهمية خاصة من سياقها الزماني
стр. 347
والمكاني في ضوء ما حدث بعد ذلك. وهي لا تختلف في جوهرها عن قول إرنست يونجر Ernst Jünger (١٨٩٥ - ١٩٩٨ م) (المفكر القومي العضوي الذي ألهم النازيين) أن «اليهود يتوهمون أن بوسعهم أن يصبحوا ألمانيين في ألمانيا، ولكن هذا أمر غير قابل للتحقق. فاليهود يواجهون خيارًا نهائيًا: إما أن يكونوا يهودًا في ألمانيا، أو لا يكونوا» اهـ.
وفي ضوء هذا التوجه الصهيوني، لم يكن من الغريب أن يرى هتلر حين وصل إلى الحكم أن كثيرًا من الصهاينة على استعداد لتَفهُّم وجهة نظره، فقد صرح الحاخام الصهيوني يواكيم پرنز في يناير ١٩٣٣م أنه لا مكان يمكن لليهود أن يختبئوا فيه. وقال: «بدلًا من الاندماج، نرى نحن الصهاينة أنه يجب الاعتراف بالأمة اليهودية وبالعرْق اليهودي». وحينما قام النازيون في ٣١ يناير ١٩٣٣م بحرق الكتب التي كانوا يرونها هدامة، كتبت يوديش روندشاو Jüdische Rundschau (المجلة الناطقة باسم الاتحاد الصهيوني) تقول إن «كثيرًا من المؤلفين اليهود خونة تنكَّروا لجذورهم لأنهم شتتوا جهودهم بإسهامهم في الثقافة الألمانية غير اليهودية». وفي نبرة ترحيب واضحة، صرح إميل لودفيج Emil Ludwig [الكاتب اليهودي الألماني (١٨٨١ - ١٩٤٨م)] بأن ظهور النازيين دفع بالآلاف من اليهود إلى حظيرة اليهودية مرة أخرى بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنها. وقال: «ولذا، فأنا شخصيًا ممتن لهم». وترد نفس الفكرة النازية الصهيونية على لسان الشاعر الصهيوني حاييم بياليك Hayyim Nahman Bialik (١٨٧٣ - ١٩٣٤ م) إذ يرى أن الهتلرية أنقذت يهود ألمانيا، ويضيف: «أنا أيضًا مثل هتلر أُومِنُ بفكرة الدم».
ولم تكن هذه المقالات والتصريحات سوى افتتاحيات تمهيدية للإعلان الصهيوني الألماني الرسمي الذي أصدرته المنظمة الصهيونية في ألمانيا، في ٢١ يونيو ١٩٣٣م، بعد وصول النازيين إلى السلطة (إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في دولة ألمانيا الجديدة Ausserung der Zionistischen Vereinigung für Deutschland zur Stellung der Juden im Neuen Deutschen Staat)،
стр. 348
والذي حدَّد طبيعة علاقة الصهاينة بالنظام النازي بشكل واضح لا إبهام فيه. وقد اتخذ الإعلان شكل مذكرة أُرسلت مباشرةً إلى الحزب النازي وهتلر وتم من خلالها تحديد المقولات المشتركة بين النازيين والصهاينة.
ولقد أوضحت المذكرة نقط الالتقاء الفلسفية والنظرية بين الصهيونية والنازية؛ فأكدت أن الصهيونية مثل النازية تمزج الدين بالقومية، فالأصل والدين ووحدة المصير والوعي الجماعي يجب أن تكون كلها ذات دلالة حاسمة في صياغة حياة اليهود. وتؤكد المذكرة أن المنظمة تقبل مبدأ العرْق، أحد ثوابت الرؤية النازية، كأساس لتصنيف الأفراد والجماعات المختلفة، ولإنشاء علاقة واضحة مع الشعب الألماني وحقائقه القومية والعرْقية. كما تقوم المذكرة بتعريف اليهود تعريفًا عرْقيًا، مبينة أن هدف الصهيونية هو التصدي للزيجات المختلطة والحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية. وقد طرحت المنظمة الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على أن تأتي بحل للمسألة اليهودية يحوز رضا الدولة النازية الجديدة ويتفق مع خُططها، حل يهدف إلى بعث اليهود من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في إطار فكرة الشعب العضوي ويتبع النموذج النازي.
وتمضي المذكرة قائلة إن الصهيونية تأمل أن تحظى بالتعاون مع حكومة معادية لليهود بشكلٍ أساسي، إذ لا مجال للعواطف عند تناول المسألة اليهودية، فهي مسألة تهم كل الشعوب (وخصوصًا الشعب الألماني) في الوقت الراهن.
وفي نهاية المذكرة/الإعلان، شجب الصهاينة جهود القوى المعادية للنازية وهتلر، والتي كانت قد طالبت في ربيع عام ١٩٣٣م بمقاطعة ألمانيا النازية اقتصاديًا.
ومما يجدر ذكره أن هذه الوثيقة لم تُكتَشف إلا عام ١٩٦٢م ولم تُعط الذيوع الذي تستحقه، رغم أنها تلقي الكثير من الضوء على علاقة النازيين بالصهاينة. وربما لو عرف مؤرخو الإبادة النازية في الشرق والغرب بها لنظروا إلى الإبادة النازية لليهود نظرة مختلفة بعض الشيء.
وحينما استولى النازيون على السلطة، سمحوا للصهاينة بالقيام بنشاطاتهم الحزبية، سواء اتخذت شكل اجتماعات أو إصدار منشورات أو جمع تبرعات أو تشجيع الهجرة أو
стр. 349
التدريب على الزراعة والحرف، أي إنهم سمحوا لهم بنشاط صهيوني خارجي كامل. كما كانت المجلات الصهيونية هي المجلات الوحيدة غير النازية المسموح لها بالصدور في ألمانيا. وقد تمتعت هذه المجلات بحريات غير عادية؛ فكان من حقها أن تدافع عن الصهيونية كفلسفة سياسية مستقلة. وحتى عام ١٩٣٧م، لم يتأثر عدد صفحات يوديش روندشاو بالقرارات الاقتصادية التقشفية التي تقرر بمقتضاها إنقاص عدد صفحات كل المجلات (وضمنها المجلات الآرية). كما نشرت دور النشر الألمانية أعمال حاييم وايزمان ودافيد بن جوريون David Ben-Gurion (١٨٨٦ - ١٩٧٣ م) وآرثر روپين Arthur Ruppin (١٨٧٦ - ١٩٤٣ م) .. وكما يذكر إدوين بلاك Edwin Black مؤرخ (اتفاقية النقل/الهعفراه) (١)، إن «الصهيونية هي الفلسفة السياسية المستقلة الوحيدة التي وافق عليها النازيون» اهـ (٢).
ولكن يُثير بعض الدارسين تساؤلًا بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين؛ فيُبيِّن ماريك إيديلمان Marek Edelman (١٩١٩/ ١٩٢٢ - ٢٠٠٩ م)، أحد قواد تمرد جيتو وارسو Warsaw Ghetto، في حديث له مع مجلة هآرتس أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادين للصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيوني الأساسي فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه. وكلما كان النضال ضد النازية يزداد ضراوة، كان الصهاينة يزدادون ابتعادًا عن بقية اليهود.
стр. 350
كذلك، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أية حال لتجدي فتيلًا، وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، فضلًا عن أن آلة الحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على الفتك (١).
والموضوع خلافي للغاية، وقد بيَّنا عدم اكتراث الصهاينة بالمقاومة اليهودية وغير اليهودية للنازيين. ولكن يبدو أن المسألة كانت تتخطى مجرد عدم الاكتراث بمصير اليهود وعدم الاشتراك في المقاومة، إذ يبدو أن الصهاينة اكتشفوا، أثناء الإرهاب النازي ضد اليهود، ذلك التناقض العميق بين فكرة الدولة اليهودية ومحاولة إنقاذ اليهود.
وقد حدد بن جوريون القضية بشكل قاطع (في ٧ ديسمبر ١٩٣٧م) حين أكد أن المسألة اليهودية لم تَعُد مشكلة آلاف اليهود المهدَّدين بالإبادة وإنما هي مشكلة الوطن القومي أو المستوطن الصهيوني. وقد أدرك بن جوريون خطورة فصل مشكلة اللاجئين اليهود عن المشروع الصهيوني والتفكير في توطين اللاجئين في أي مكان إن لم تستوعبهم فلسطين. وأكد بن جوريون أنه «إن استولت الرحمة على شعبنا ووجه طاقاته إلى إنقاذ اليهود في مختلف البلاد فإن ذلك سيؤدي إلى شطب الصهيونية من التاريخ». وفي العام التالي صرح بن جوريون أمام زعماء الصهيونية العمالية: «لو عرفت أن من الممكن إنقاذ كل أطفال ألمانيا بتوصيلهم إلى إنجلترا، في مقابل أن أنقذ نصفهم وأنقلهم إلى فلسطين فإني أختار الحل الثاني، إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا، لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب، بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل».
وإذا كان بن جوريون على استعداد بالتضحية بنصف الأطفال اليهود من أجل الوطن القومي الصهيوني فإن إسحق جرونباوم Yitzhak Gruenbaum (١٨٧٩ - ١٩٧٠ م) (رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية) قد تجاوز الحدود تمامًا؛ ففي حديث له أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في ١٨ فبراير ١٩٤٣م، صرح قائلًا أنه لو سُئل إن كان من الممكن
стр. 351
التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد لإنقاذ اليهود فإن إجابته ستكون «كلاَّ ثم كلاَّ» بشكل قاطع. وأضاف: «يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية ... إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في پولندا». وكان وايزمان قد عبَّر عن نفس الفكرة النفعية عام ١٩٣٧م حينما قال: «إن العجائز سَيَمُتْن، فهنَّ تراب وسيتحمَّلْن مصيرهنَّ، وينبغي عليهنَّ أن يفعلن ذلك».
وانطلاقًا من هذه الرؤية المتمركزة حول المشروع الصهيوني وليس الإنسان اليهودي، أدَّت الحركة الصهيونية دورًا حاسمًا في تدمير جميع المحاولات الرامية إلى توطين اليهود في أماكن مختلفة من العالم، حتى يضمن الصهاينة تدفق المادة البشرية اليهودية على فلسطين. ولهذا، التزمت جولدا مائير، مندوبة الحركة الصهيونية في فلسطين، الصمت الكامل حيال مداولات مؤتمر إفيان Evian Conference (٦ - ١٥ يوليو ١٩٣٨م) باعتبارها أمرًا لا يخصها، وقد فسَّرت موقفها هذا فيما بعد، بأنها لم تكن تدري شيئًا عن عمليات الإبادة النازية!!
وقد اكتشف النازيون أيضًا عمق تناقض مصالح الصهاينة مع اليهود واتفاق الموقف النازي مع الموقف الصهيوني؛ فاليهودي الصهيوني الذي يخدم هويته العضوية هو شخص يستحق الاحترام، على عكس اليهودي المتألمن المندمج الذي يتمسح في الهويات العضوية للآخرين ولا ينجح بطبيعة الحال في اكتسابها، لأنه حبيس هويته اليهودية، شاء أم أبى. ولعل هذا يُفسِّر السبب في أن النازيين اعتبروا أن عدوهم الحقيقي هو اليهود الأرثوذكس والجماعة المركزية للمواطنين اليهود من أتباع العقيدة اليهودية. ولعله يفسر أيضًا لم كانت علاقة الدولة النازية بالمنظمات الصهيونية تتسم بشيء من الود والتفاهم؛ فبينما كان الأرثوذكس والإصلاحيون يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين، وباندماجهم في مجتمعاتهم، كان الصهاينة يعارضون الاندماج ويعارضون منح اليهود أي حق، إلا حق الهجرة إلى الوطن القومي اليهودي.
لكل هذا قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية
стр. 352
والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان ونشر مجلاتها، بينما مُنع الاندماجيون والأرثوذكس من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر (١).
...
أمريكا تتلقف الراية:
كتب أحاد هاعام Ahad Ha'am (١٨٥٦ - ١٩٢٧ م) يقول: «إن المستوطنين اليهود الجدد في فلسطين كانوا عبيدًا في التيه، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط حرية بلا حدود، بل وسط حرية لا رادع لها. وقد أحدث هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلًا إلى الاستبداد كما هي الحال حين يصبح العبد سيدًا. وهم يعاملون العرب بكثير من العداء والشراسة، ويمتهنون حقوقهم بصورة فجة وغير مقبولة، ثم يوجهون لهم الإهانات دون مبرر كاف، ويفاخرون بما يفعلون. يتصرفون وكأن العرب كلهم همج متوحشون يعيشون كالحيوانات دون فهم لحقيقة ما يجري حولهم» اهـ (٢).
لا يتسع المقام لسرد جرائم اليهود تجاه الشعب الفلسطيني الأعزل لأن الأمر سيطول، وهو واضحٌ ومشاهد، وقد أفاضت فيه الأبحاث والدراسات الموثقة، وليس (هولوكوست غزة) منا ببعيد! (٢٧/ ١٢/٢٠٠٨ - ١٨/ ١/٢٠٠٩م). لكن العجيب أنك ترى وسط هذه الاعتداءات الصارخة إصرار اليهود على احتكار دور الضحية واستمالة عواطف الغرب، وتأمل قول وايزمان قديمًا (٣): «زعماء فلسطين كانوا يتعمدون إثارة الاضطرابات، وتقتيل اليهود بدون تمييز لبعث الرعب في قلوب اليهود في الخارج،
стр. 353
وإيهامهم بأنهم سيلقون في فلسطين من ضروب الاضطهاد ما اعتادوا أن يلقوه في روسيا في عهد القيصرية» اهـ.
وحتى لا نغفل وننجرف وراء التيار المقيِّد للصراع في إطار (عربي-إسرائيلي) قومي مجرد، حيادًا عن الساحة العقدية الأصلية، ندلل بخبر نشرته (مفكرة الإسلام) في ١٨ مايو ٢٠٠٧م جاء فيه: «أكد السكرتير التنفيذي لجمعية اتحاد الكنائس في غزة (قسطنطين الدباغ)، أن توجُّه المؤسسات الغربية الداعمة للاتحاد لم تتغير عقب الحصار الغربي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني. وقال الدباغ في تصريحات لصحيفة (فلسطين) اليومية: إنّ الدعم الذي يتلقاه الاتحاد من المؤسسات الغربية مثل السوق الأوروپية والكنائس التي تنتمي لمجلس الكنائس العالمي، مستمر ولم يتأثر بالحصار. ويأتي استمرار الدعم المقدَّم لاتحاد الكنائس فيما تعاني الجمعيات الإسلامية الفلسطينية - التي تقدم خدمات للعائلات الفقيرة والأيتام - بشدة في تحصيل الأموال من الخارج؛ بسبب الحصار الاقتصادي، ورفض البنوك التعامل مع هذه الجمعيات» اهـ.
فهذه إشارة سريعة، بعدها نقول:
قد تقدم الحديث عن المساعي الاستعمارية الغربية في حلّ رابطة المسلمين وإسقاط دولة الخلافة وإحياء النعرة القومية (الجاهلية المنتنة) بدلًا منها، فكان كما يقول هيكل (١): «كان التفكير الذي ورد في مناقشات مجلس الحرب هو أن يكون هناك (موزاييك Mosaic) من القوميات والأديان في منطقة الساحل».
وقد لاقت هذه الدعوة قبولًا لدى بعض العرب، كالشريف حسين بن علي حاكم مكة (١٢٥٤ - ١٣٥٠هـ/١٨٥٤ - ١٩٣١م)، فكان هو أول من نادى من الحجاز باستقلال العرب عن الدولة العثمانية، وقاد الثورة ضدها في عام ١٩١٦م، والتي عرفت في التاريخ باسم (الثورة العربية الكبرى).
يقول هيكل (٢): «يستطيع أي قارئ لمجموعات الوثائق البريطانية لرئاسة مجلس
стр. 354
الوزراء ولوزارة الخارجية ولوزارة المستعمرات ولوزارة الحربية ولوزارة شئون الهند، أن يكتشف بدون عناء أن السياسة البريطانية، لم يكن في نواياها ولا في خططها ما يشير إلى أنها تريد أن تفي بكل التعهدات التي قطعتها على نفسها أثناء الحرب. يستوي في ذلك تلك العهود التي اتفقت عليها مع فرنسا بمقتضى اتفاقية سايكس-پيكو، أو تلك التي أعطتها لقيادات الثورة العربية في ذلك الوقت».
ويقول مايكل پريور (١): «تعارضت مبادرات إنجلترا للوفاء بضمانات استقلال الدول العربية بعد الحرب، مع بنود معاهدة سايكس-پيكو؛ حيث وقعت إنجلترا في مأزق مأساوي تمثل في مساندتها للقضية الصهيونية - وفي الوقت ذاته - وعودها بضمان حقوق السكان الأصليين الفلسطينيين» اهـ.
وأمام تصاعُد الرفض (العربي/الإسلامي) للسياسة البريطانية في فلسطين وللإرهاب الذي تمارسه المنظمات الصهيونية، ولمواجهة الانتفاضات المتتالية، أوفدت بريطانيا عدة لجان لدراسة الأوضاع في فلسطين واقتراح حلول لمشكلتها، ودرجت الحكومة البريطانية أيضًا، خلال فترة الانتداب، على إصدار (الكتب البيضاء) لمعالجة الأوضاع المتفجرة في فلسطين (٢).
وكان منها الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر ١٩٣٠م، والمعروف باسم (كتاب پاسفيلد الأبيض Passfield White Paper)، وقد رفضت الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن إنشاء وطن قومي لليهود هو الواجب الأساسي لنظام الانتداب.
وقد تعرَّضت هذه السياسة لنقد عنيف من بعض الساسة البريطانيين الذين رأوا فيها اتجاهًا إلى تخلِّي الحكومة البريطانية عن التزاماتها الواردة في صك الانتداب. كذلك قدَّم
стр. 355
وايزمان استقالته من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجًا على ما اعتبره إنكارًا لحقوق وآمال (الشعب اليهودي) في إنشاء وطن قومي.
وفي مايو ١٩٣٩م صدر (كتاب ماكدونالد الأبيض MacDonald White Paper)، والذي تضمن «أن الحكومة البريطانية قد تبنت سياسة جديدة غير سياسة التقسيم، وأن حكومة صاحب الجلالة تعلن - حتى تزيل أية شكوك - أنها لا تتبنَّى أية سياسة ترمي لجعل فلسطين دولة يهودية»، ذلك لأن «هذا يُعدُّ منافيًا لالتزاماتها تجاه العرب بمقتضى صك الانتداب، إذ أن هدف الحكومة البريطانية هو خَلْق دولة مستقلة خلال عشر سنوات ... يمكن فيها تأمين الحقوق الأساسية لكل من العرب واليهود، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلقاء مسئولية الإدارات الحكومية على عاتق كل من اليهود والعرب وفقًا لنسبتهم العددية».
وقد قرَّرت الحكومة في هذه الوثيقة وَقْف الهجرة اليهودية لا على أسس اقتصادية هذه المرة، ولكن على أساس مبدأ سياسي «ذلك أن الحكومة لا تستطيع أن ترى في وثيقة الانتداب أيَّ دليل على أن الهجرة يجب أن تستمر إلى الأبد ... أو أن قدرة البلاد الاقتصادية على امتصاصها يجب أن تكون المعيار الوحيد، إذ أن خوف العرب من الهجرة اليهودية غير المحدودة يجب أيضًا أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسة الهجرة».
وقد اعتادت الحركة الصهيونية أن تنظر لهذه الوثيقة باعتبارها بداية (الخيانة النهائية) للالتزامات الواردة في إعلان بلفور (للشعب اليهودي) وللانتداب البريطاني على فلسطين. وأعلنت الحرب ضد الانتداب البريطاني على فلسطين منذ صدورها (١).
تقول جريس هالسل (٢): «استنادًا إلى صحيفة دافار الإسرائيلية Davar فإن ستانلي جولدفوت Stanley Goldfoot - سكرتير مؤسسة هيكل القدس The Jerusalem Temple Foundation - هو الذي وضع القنبلة التي دمرت جناحًا في فندق الملك