التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد لإنقاذ اليهود فإن إجابته ستكون «كلاَّ ثم كلاَّ» بشكل قاطع. وأضاف: «يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية ... إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في پولندا». وكان وايزمان قد عبَّر عن نفس الفكرة النفعية عام ١٩٣٧م حينما قال: «إن العجائز سَيَمُتْن، فهنَّ تراب وسيتحمَّلْن مصيرهنَّ، وينبغي عليهنَّ أن يفعلن ذلك».
وانطلاقًا من هذه الرؤية المتمركزة حول المشروع الصهيوني وليس الإنسان اليهودي، أدَّت الحركة الصهيونية دورًا حاسمًا في تدمير جميع المحاولات الرامية إلى توطين اليهود في أماكن مختلفة من العالم، حتى يضمن الصهاينة تدفق المادة البشرية اليهودية على فلسطين. ولهذا، التزمت جولدا مائير، مندوبة الحركة الصهيونية في فلسطين، الصمت الكامل حيال مداولات مؤتمر إفيان Evian Conference (٦ - ١٥ يوليو ١٩٣٨م) باعتبارها أمرًا لا يخصها، وقد فسَّرت موقفها هذا فيما بعد، بأنها لم تكن تدري شيئًا عن عمليات الإبادة النازية!!
وقد اكتشف النازيون أيضًا عمق تناقض مصالح الصهاينة مع اليهود واتفاق الموقف النازي مع الموقف الصهيوني؛ فاليهودي الصهيوني الذي يخدم هويته العضوية هو شخص يستحق الاحترام، على عكس اليهودي المتألمن المندمج الذي يتمسح في الهويات العضوية للآخرين ولا ينجح بطبيعة الحال في اكتسابها، لأنه حبيس هويته اليهودية، شاء أم أبى. ولعل هذا يُفسِّر السبب في أن النازيين اعتبروا أن عدوهم الحقيقي هو اليهود الأرثوذكس والجماعة المركزية للمواطنين اليهود من أتباع العقيدة اليهودية. ولعله يفسر أيضًا لم كانت علاقة الدولة النازية بالمنظمات الصهيونية تتسم بشيء من الود والتفاهم؛ فبينما كان الأرثوذكس والإصلاحيون يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين، وباندماجهم في مجتمعاتهم، كان الصهاينة يعارضون الاندماج ويعارضون منح اليهود أي حق، إلا حق الهجرة إلى الوطن القومي اليهودي.
لكل هذا قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية
стр. 352
والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان ونشر مجلاتها، بينما مُنع الاندماجيون والأرثوذكس من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر (١).
...
أمريكا تتلقف الراية:
كتب أحاد هاعام Ahad Ha'am (١٨٥٦ - ١٩٢٧ م) يقول: «إن المستوطنين اليهود الجدد في فلسطين كانوا عبيدًا في التيه، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط حرية بلا حدود، بل وسط حرية لا رادع لها. وقد أحدث هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلًا إلى الاستبداد كما هي الحال حين يصبح العبد سيدًا. وهم يعاملون العرب بكثير من العداء والشراسة، ويمتهنون حقوقهم بصورة فجة وغير مقبولة، ثم يوجهون لهم الإهانات دون مبرر كاف، ويفاخرون بما يفعلون. يتصرفون وكأن العرب كلهم همج متوحشون يعيشون كالحيوانات دون فهم لحقيقة ما يجري حولهم» اهـ (٢).
لا يتسع المقام لسرد جرائم اليهود تجاه الشعب الفلسطيني الأعزل لأن الأمر سيطول، وهو واضحٌ ومشاهد، وقد أفاضت فيه الأبحاث والدراسات الموثقة، وليس (هولوكوست غزة) منا ببعيد! (٢٧/ ١٢/٢٠٠٨ - ١٨/ ١/٢٠٠٩م). لكن العجيب أنك ترى وسط هذه الاعتداءات الصارخة إصرار اليهود على احتكار دور الضحية واستمالة عواطف الغرب، وتأمل قول وايزمان قديمًا (٣): «زعماء فلسطين كانوا يتعمدون إثارة الاضطرابات، وتقتيل اليهود بدون تمييز لبعث الرعب في قلوب اليهود في الخارج،
стр. 353
وإيهامهم بأنهم سيلقون في فلسطين من ضروب الاضطهاد ما اعتادوا أن يلقوه في روسيا في عهد القيصرية» اهـ.
وحتى لا نغفل وننجرف وراء التيار المقيِّد للصراع في إطار (عربي-إسرائيلي) قومي مجرد، حيادًا عن الساحة العقدية الأصلية، ندلل بخبر نشرته (مفكرة الإسلام) في ١٨ مايو ٢٠٠٧م جاء فيه: «أكد السكرتير التنفيذي لجمعية اتحاد الكنائس في غزة (قسطنطين الدباغ)، أن توجُّه المؤسسات الغربية الداعمة للاتحاد لم تتغير عقب الحصار الغربي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني. وقال الدباغ في تصريحات لصحيفة (فلسطين) اليومية: إنّ الدعم الذي يتلقاه الاتحاد من المؤسسات الغربية مثل السوق الأوروپية والكنائس التي تنتمي لمجلس الكنائس العالمي، مستمر ولم يتأثر بالحصار. ويأتي استمرار الدعم المقدَّم لاتحاد الكنائس فيما تعاني الجمعيات الإسلامية الفلسطينية - التي تقدم خدمات للعائلات الفقيرة والأيتام - بشدة في تحصيل الأموال من الخارج؛ بسبب الحصار الاقتصادي، ورفض البنوك التعامل مع هذه الجمعيات» اهـ.
فهذه إشارة سريعة، بعدها نقول:
قد تقدم الحديث عن المساعي الاستعمارية الغربية في حلّ رابطة المسلمين وإسقاط دولة الخلافة وإحياء النعرة القومية (الجاهلية المنتنة) بدلًا منها، فكان كما يقول هيكل (١): «كان التفكير الذي ورد في مناقشات مجلس الحرب هو أن يكون هناك (موزاييك Mosaic) من القوميات والأديان في منطقة الساحل».
وقد لاقت هذه الدعوة قبولًا لدى بعض العرب، كالشريف حسين بن علي حاكم مكة (١٢٥٤ - ١٣٥٠هـ/١٨٥٤ - ١٩٣١م)، فكان هو أول من نادى من الحجاز باستقلال العرب عن الدولة العثمانية، وقاد الثورة ضدها في عام ١٩١٦م، والتي عرفت في التاريخ باسم (الثورة العربية الكبرى).
يقول هيكل (٢): «يستطيع أي قارئ لمجموعات الوثائق البريطانية لرئاسة مجلس
стр. 354
الوزراء ولوزارة الخارجية ولوزارة المستعمرات ولوزارة الحربية ولوزارة شئون الهند، أن يكتشف بدون عناء أن السياسة البريطانية، لم يكن في نواياها ولا في خططها ما يشير إلى أنها تريد أن تفي بكل التعهدات التي قطعتها على نفسها أثناء الحرب. يستوي في ذلك تلك العهود التي اتفقت عليها مع فرنسا بمقتضى اتفاقية سايكس-پيكو، أو تلك التي أعطتها لقيادات الثورة العربية في ذلك الوقت».
ويقول مايكل پريور (١): «تعارضت مبادرات إنجلترا للوفاء بضمانات استقلال الدول العربية بعد الحرب، مع بنود معاهدة سايكس-پيكو؛ حيث وقعت إنجلترا في مأزق مأساوي تمثل في مساندتها للقضية الصهيونية - وفي الوقت ذاته - وعودها بضمان حقوق السكان الأصليين الفلسطينيين» اهـ.
وأمام تصاعُد الرفض (العربي/الإسلامي) للسياسة البريطانية في فلسطين وللإرهاب الذي تمارسه المنظمات الصهيونية، ولمواجهة الانتفاضات المتتالية، أوفدت بريطانيا عدة لجان لدراسة الأوضاع في فلسطين واقتراح حلول لمشكلتها، ودرجت الحكومة البريطانية أيضًا، خلال فترة الانتداب، على إصدار (الكتب البيضاء) لمعالجة الأوضاع المتفجرة في فلسطين (٢).
وكان منها الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر ١٩٣٠م، والمعروف باسم (كتاب پاسفيلد الأبيض Passfield White Paper)، وقد رفضت الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن إنشاء وطن قومي لليهود هو الواجب الأساسي لنظام الانتداب.
وقد تعرَّضت هذه السياسة لنقد عنيف من بعض الساسة البريطانيين الذين رأوا فيها اتجاهًا إلى تخلِّي الحكومة البريطانية عن التزاماتها الواردة في صك الانتداب. كذلك قدَّم
стр. 355
وايزمان استقالته من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجًا على ما اعتبره إنكارًا لحقوق وآمال (الشعب اليهودي) في إنشاء وطن قومي.
وفي مايو ١٩٣٩م صدر (كتاب ماكدونالد الأبيض MacDonald White Paper)، والذي تضمن «أن الحكومة البريطانية قد تبنت سياسة جديدة غير سياسة التقسيم، وأن حكومة صاحب الجلالة تعلن - حتى تزيل أية شكوك - أنها لا تتبنَّى أية سياسة ترمي لجعل فلسطين دولة يهودية»، ذلك لأن «هذا يُعدُّ منافيًا لالتزاماتها تجاه العرب بمقتضى صك الانتداب، إذ أن هدف الحكومة البريطانية هو خَلْق دولة مستقلة خلال عشر سنوات ... يمكن فيها تأمين الحقوق الأساسية لكل من العرب واليهود، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلقاء مسئولية الإدارات الحكومية على عاتق كل من اليهود والعرب وفقًا لنسبتهم العددية».
وقد قرَّرت الحكومة في هذه الوثيقة وَقْف الهجرة اليهودية لا على أسس اقتصادية هذه المرة، ولكن على أساس مبدأ سياسي «ذلك أن الحكومة لا تستطيع أن ترى في وثيقة الانتداب أيَّ دليل على أن الهجرة يجب أن تستمر إلى الأبد ... أو أن قدرة البلاد الاقتصادية على امتصاصها يجب أن تكون المعيار الوحيد، إذ أن خوف العرب من الهجرة اليهودية غير المحدودة يجب أيضًا أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسة الهجرة».
وقد اعتادت الحركة الصهيونية أن تنظر لهذه الوثيقة باعتبارها بداية (الخيانة النهائية) للالتزامات الواردة في إعلان بلفور (للشعب اليهودي) وللانتداب البريطاني على فلسطين. وأعلنت الحرب ضد الانتداب البريطاني على فلسطين منذ صدورها (١).
تقول جريس هالسل (٢): «استنادًا إلى صحيفة دافار الإسرائيلية Davar فإن ستانلي جولدفوت Stanley Goldfoot - سكرتير مؤسسة هيكل القدس The Jerusalem Temple Foundation - هو الذي وضع القنبلة التي دمرت جناحًا في فندق الملك
стр. 356
داود في القدس في ٢٢ يوليو ١٩٤٦م، وكانت تقيم في الفندق السكرتارية العامة لهيئة الانتداب البريطاني، كما كان ينزل فيه عدد من ضباط الأركان العسكرية العامة. لقد أسفرت تلك العملية عن مقتل حوالي ١٠٠ بريطاني ومسئولين آخرين، وكما خطط الصهيونيون فقد أدى ذلك إلى تسريع الانسحاب البريطاني من فلسطين» اهـ.
ووعيًا منه بأن المصالح البريطانية قد تتعارض مع مصالح الصهيونية، بدأ دافيد بن جوريون في تحفيز اليهود الأمريكان والحصول على مساندة أكبر من الولايات المتحدة، بينما كان يواصل وايزمان في الوقت ذاته عمله الديپلوماسي في لندن التي كانت في حرب. وبموت الرئيس فرانكلين روزفلت، تولى نائبه هاري ترومان Harry S. Truman (١٨٨٤ - ١٩٧٢ م) مقاليد البيت الأبيض، وأثبت فورًا أنه مؤيد غيور للقضية الصهيونية (١).
وفي ٢٤ إپريل ١٩٤٥م، كتب لتشرشل يطلب منه أن يرفع القيود
стр. 357
المفروضة على هجرة اليهود - الذين استأصلهم القمع النازي عديم الرحمة - إلى فلسطين. وكنا نتوقع [واللفظ لمايكل پريور] أن يكون ترومان أول من يقبل في أمريكا حوالي ثلاثمائة ألف من اليهود الناجين من البربرية النازية والذين كانوا ينتظرون ذلك في العديد من معسكرات الإيواء. ولكن حققت خطته ميزيتين: حصل على دعم الصهاينة، وجنَّب أمريكا وطأة الهجرة اليهودية. وقال في أكتوبر ١٩٤٥م وهو يوجه حديثه إلى الديپلوماسيين العرب: «أنا متأسف أيها السادة، فأنا ملتزم أمام مئات الآلاف من المواطنين الذين يريدون نجاح الصهيونية، وليس لديّ مئات الآلاف من العرب ضمن دوائري الانتخابية» (١).
وأمام عدم إمكانية التوصل لاتفاق بشأن فلسطين، أعلنت حكومة إنجلترا يوم ١٨ فبراير ١٩٤٧م «أن الحل الوحيد يكمن في تقديم المشكلة للأمم المتحدة». وفي ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرار التقسيم، ومما جاء في توصيات لجنة الأمم المتحدة، أن يأخذ الصهاينة ٥٧% من الأرض التي كانت معظمها أراضي صالحة للزراعة، وكان معظمها يقطنها سكان عرب، أما الدولة الفلسطينية فتأخذ ٤٣% من الأرض. برغم أن اليهود عام ١٩٤٨م لم يمتلكوا إلا ٦.٦% من فلسطين. هذا بالإضافة إلى أن اليهود لم يكونوا يمثلون إلا ثلث الشعب (من ٥٠٠.٠٠٠ إلى ٦٠٠.٠٠٠ يهودي مقابل ١.٤ مليون فلسطيني) .. كذلك تم منح صحراء النقب لليهود على الرغم من أن مائة ألف بدوي كانوا يزرعون جزءًا كبيرًا من الأراضي، بينما كان حوالي ٤٧٥ يهودي فقط يعيشون في أربعة مستوطنات!
وفور الموافقة على قرار التقسيم، أعلن الإنجليز أمام تصاعد الأعمال الهجومية الشبيهة بالحرب الأهلية ضد بريطانيا، أنهم ينهون الانتداب في فلسطين وأنهم سيغادرون المنطقة فورًا. وانتهى الانتداب البريطاني في ١٥ مايو ١٩٤٨م (٢)، وكان قد أعلن بن جوريون في الرابع عشر من الشهر نفسه قيام دولة إسرائيل.
стр. 358
يقول وايزمان (١): «في يوم ١٤/ ٥/١٩٤٨م، كان ترومان ومستشاروه على اتصال دائم لبحث الموقف في فلسطين ... وكان الانتداب البريطاني في فلسطين لم يبق له من العمر سوى ساعات معدودة. وفي يوم ١٤ مايو عقد مجلس المنتخبين اليهود جلسة تاريخية في تل أبيب وأعلنوا للعالم استقلال الدولة اليهودية منذ الساعة التي ينتهي فيها الانتداب على فلسطين.
وقد وصلت إلى ليك سَكسس Lake Success أنباء غير رسمية عن إعلان اعتراف أمريكا بالدولة اليهودية، قبل دقائق معدودة من السادسة حسب توقيت أمريكا، وقد تشكك الممثلون، والوفود في هيئة الأمم المتحدة في صحة تلك الأنباء، وكان وفد أمريكا نفسه يجهلها، وأخيرًا وبعد اضطرابات وتباين في الأنباء، وقف الأستاذ چيسوپ Philip C. Jessup [١٨٩٧ - ١٩٨٦ م] في هيئة الأمم، وتلا البيان التالي الصادر من البيت الأبيض: "لقد بلغ مسامع الحكومة الأمريكية أنه قد أعلن في فلسطين قيام دولة يهودية فيها، وقد طلبت الحكومة المؤقتة في فلسطين أن نعترف بها، إن الحكومة الأمريكية تعترف بأن الحكومة المؤقتة المذكورة هي السلطة المشروعة لدولة إسرائيل".
وهذا البيان التاريخي لم يدل على نضوج السياسة الأمريكية فحسب، وإنما أضاف إلى هذا أنه توَّج مساعي أمريكا الطويلة في سبيل الأماني الصهيونية بأحسن تاج ... وكان يوم ١٥/ ٥/١٩٤٨م يومًا تاريخيًا؛ فلقد توالت فيه اعترافات الدول بنا، وفي ذلك اليوم نفسه، تسلمت أنا البرقية التالية: "بمناسبة إقامة الدولة اليهودية نرسل إليك بأحسن تحياتنا. إنك قد عملت في سبيل خلق هذه الدولة ما لم يعمله أحد آخر من الأحياء. وكان عزمك وصلابتك قوة لنا. ونحن نتطلع إلى اليوم الذي نراك فيه رئيسًا للدولة" ... وبعد يومين وصلت إليّ أنباء، وأنا في الفندق في أمريكا بأن مجلس المنتخبين اختارني رئيسًا للدولة» اهـ.
...
стр. 359
الصهيونية في أمريكا: نبذة تاريخية:
يرجع تاريخ اليهود في أمريكا إلي عهد المبشر كريستوفر كولمبس، حيث يذكر هنري فورد أنه (١): «كان قد تم طرد أكثر من ثلاثمائة يهودي من إسپانيا في يوم ٢ أغسطس ١٤٩٢م، وفي اليوم التالي - أي في ٣ أغسطس ١٤٩٢م - بدأ كولمبس رحلته متجهًا نحو الغرب، وكان قد أخذ معه في هذه الرحلة بعض اليهود.
ولم يكن أولئك اليهود الذين صحبهم كولمبس في رحلته نحو الغرب من اليهود الذين تم طردهم من إسپانيا بحيث يكون وجودهم في ركاب رحلة كولمبس مجرد مصادفة عشوائية، لا، لقد كان زعماء اليهود في إسپانيا متعاطفين مع خطط وآمال كولمبس إلى حد كبير منذ وقت طويل سابق لتاريخ طردهم الجماعي من إسپانيا، ويعترف كولمبس نفسه أنه كان يتحدث مرارًا وتكرارًا مع الزعماء اليهود، وكانت أول رسالة يبعث بها إلى إسپانيا أثناء قيامه بالرحلة موجهة إلى شخص يهودي شرح له كولمبس ما تم إنجازه من مراحل رحلته.
ولقد كانت أموال أثرياء اليهود هي التي مكنت كولمبس بالفعل من تحقيق أولى رحلاته من أجل اكتشاف مجال جديد لمعارف العالم وثرواته باكتشاف ذلك النصف الآخر من العالم المتمثل في اكتشاف الأمريكتين، ولقد اختفت تلك القصة الشائعة التي كانت تقول إن مجوهرات الملكة إيزابيلا Isabella I of Castile [١٤٥١ - ١٥٠٤ م] هي التي كانت مصدر تمويل رحلة كولمبس بعد التحريات والبحث العلمي الدقيق.
وبدءًا من هذه البداية أخذ اليهود عمومًا يتطلعون باهتمام متزايد إلى أمريكا باعتبار أنها ميدان واعد ومثمر، وبدأت هجرة اليهود بقوة وكثافة تتجه نحو أمريكا الجنوبية، وتتجه أساسًا إلى البرازيل، ونظرًا لاشتراك اليهود الذين استقروا في البرازيل في حرب نشبت بين البرازيليين والهولنديين فلقد اضطر يهود البرازيل إلى الهجرة إلى نيوأمستردام New Amsterdam في أمريكا الشمالية، التي تغير اسمها إلى نيويورك New York بعد ذلك، ولم يكن حاكم نيو أمستردام الهولندي پيتر ستويفزنت Peter Stuyvesant
стр. 360
[١٦١٢ - ١٦٧٢ م]
يوافق على وجود اليهود بكثرة في الولاية التي يحكمها، وكان يأمرهم باستمرار بمغادرة ولايته ولكن اليهود كانوا قد اتخذوا احتياطهم ضد عدم الترحيب بوجودهم في تلك الولاية، إذ توجه مديرو الشركات بالولايات إلى الحاكم وأبلغوه أن وجود اليهود ضروري بالولاية، وذلك لضخامة رءوس الأموال اليهودية المستثمرة في هذه الشركات وامتلاك اليهود لمعظم الأسهم بها.
وعلى كل حال أصر حاكم الولاية على منع اليهود من أن يتولوا الوظائف العامة، وحرم عليهم تراخيص محلات البيع بالتجزئة مما كان له تأثيره على أن يتجه اليهود نحو التجارة الخارجية التي سيطروا عليها واحتكروا الاستيراد والتصدير بسبب العلاقات والروابط التي تربطهم بيهود أوروپا.
وهكذا تسبب پيتر ستويفزنت حاكم ولاية نيويورك بتضييقه الخناق على اليهود أن يتجه اليهود إلى مجالات أعمال جعلت من نيويورك ميناء أمريكا الرئيس.
ولا عجب إذن أن يعتبر الكُتَّاب والمفكرون إزاء هذا الوضع المزدهر لليهود في أمريكا أن نيويورك هي أرض الميعاد التي كان يتحدث عنها أنبياء اليهود، وغدت نيويورك في نظرهم هي (القدس الجديدة). ولقد ذهب بعض اليهود إلى حد أبعد من ذلك، ذهبوا إلى حد أن أطلقوا على قمم جبال روكي تسمية (جبال صهيون)، ولقد كان يزكي هذا الاعتبار لديهم أن يضعوا في اعتبارهم ثروات اليهود الذين يعيشون على السواحل الأمريكية» اهـ.
لم يكن لدى الحكومة الأمريكية حتى الحرب العالمية الأولى أدنى اهتمام بالصهيونية كحركة سياسية، ولكنها كحركة روحية كانت تشكل عنصرًا مهمًا في الفكر الأمريكي والحياة السياسية منذ الأيام الأولى للاستيطان الأوروپي في العالم الجديد خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر. وكانت العناصر اليهودية في الواقع أكثر وضوحًا في العالم الجديد. وكان الحجيج يحملون معهم الثقافة العبرية. وكما هي الحال في إنجلترا، كان اللاهوت الپيوريتاني يعتمد على النص الحرفي والتسليم بما في العهد القديم. وكان الپيوريتانيون يحسون أن تجاربهم الأمريكية تجعلهم متماثلين مع المنفيين والمقيمين العبرانيين الذين ذكرتهم التوراة، فقد أصبحت أمريكا (كنعان الجديدة)، كما أن هؤلاء فروا، كالعبرانيين القدامى، من عبودية فرعون (الملك چيمس الأول ملك
стр. 361
إنجلترا) من أرض مصر (إنجلترا) بحثًا عن ملاذ في الأرض الجديدة الموعودة من الاضطهاد الديني. وعندما أعلنوا الحرب على الهنود الحمر أصحاب البلاد كانوا يستحضرون العهد القديم (١)، كما تقول مونيكا سچو Monica Sjoo (١٩٣٨ - ٢٠٠٥ م) وباربرا مُر Barbara Mor في كتابهما (الأم الكونية العظمى The Great Cosmic Mother): «قد صاغوا من أساطير مملكة إسرائيل فلسفة الأخلاق اللازمة للاستعمار والقتل والنهب. وعلى المستوى الأخلاقي، لم يستسهل المستعمر الپيوريتاني قتل الهندي الأحمر إلا لأنه كان يعتقد بأنه كان يقتل كنعانيًا فلسطينيًا» اهـ (٢).
وأصبحت التوراة مصدرًا لأسمائهم ودليلًا لتشريعهم، وغدوا يطلقون على أطفالهم أسماء البطارقة العبرانيين، وأضحت مدنهم ومستوطناتهم تحمل أسماء بيت لحم وعدن والخليل ويهودا وسالم وصهيون، بل والقدس. وأخذت أسماء أماكن فلسطين التي تكررت في التوراة تطلق من جديد على المستعمرات المحتلة حديثًا، وتغلغل التماثل الپيوريتاني مع الشخصيات العبرية التوراتية في الحياة القومية الحديثة في أمريكا المستعمرة، وأصبح هذا الإرث جزءًا لا يتجزأ لما يسمى بالتقاليد الأمريكية.
وعندما انتهى عهد لاهوت القرن السابع عشر، بدأت فلسطين كوطن لليهود تحتل مكانة خاصة في الثقافة الأمريكية، وبقيت عودة اليهود إلى هذا (الوطن التقليدي) فكرة محببة ومبدأ مسلمًا به في كل من الأدبين الديني والشعبي. وكان الفكر الأمريكي عن فلسطين في بدايته مستمدًا من هذه المصادر التقليدية والأدبية (٣).
يقول محمد السماك (٤): «وإذا كانت محاكم التفتيش الكاثوليكية قد دفعت باليهود إلى أوروپاهربًا بدينهم، فإن الصراع الديني في أوروپانفسها حمل في مطلع القرن السابع عشر المتهودين الجدد إلى العالم الجديد. وكما كانت لهجرة يهود الأندلس آثارٌ مباشرة
стр. 362
على حركة الإصلاح الديني وعلى حكومات الدول التي هاجروا إليها (وخاصة في فرنسا وبريطانيا وهولندا وبلچيكا)، كذلك كان لهجرة أتباع الدين الجديد من الپروتستانت والتطهيريين [الپيوريتانيين] آثار مباشرة على بلورة الشخصية الأمريكية بالصورة التي تقوم عليها حتى اليوم» اهـ.
ومع نهاية القرن الثامن عشر أصبح الاعتقاد بالبعث اليهودي يشكل جانبًا مهمًا من اللاهوت الپروتستانتي الأمريكي، حيث احتلت معتقدات المسيح المنتظر والعصر الألفي السعيد مكانًا بارزًا. واتخذت الإنجيلية في الولايات المتحدة شكلًا أكثر هيمنة مما كانت عليه الحال في إنجلترا، وبلغت ذروتها في ثقافة شعبية متميزة كانت تتضمن كثيرًا من تعاليم الصهيونية الروحية والدينية. وعلى ذلك فمنذ فجر التاريخ الأمريكي كان هناك ميل مسيحي قوي للاعتقاد بأن مجيء المسيح المنتظر يجب أن ينتظر عودة الدولة اليهودية. لم يكن ذلك الرأي إجماعيًا بين اللاهوتيين المسيحيين، ولكنه كان يشكل جزءًا من مصفوفة التاريخ الفكري الأمريكي التي كانت تتضمن دائمًا خيطًا من العصر الألفي السعيد في الفكر الأمريكي المسيحي (١).
وفي القرن التاسع عشر، حدث ما يمكن اعتباره الانشقاق الكبير بين منظِّري الألفية؛ فقد أخذ البريطانيون من لاهوتيي هذه الحركة بالرأي الذي يقول إن اليهود سوف يتحولون إلى المسيحية، وأنهم سوف يندمجون في الكنيسة قبل عودتهم إلى فلسطين، وإن هذه العودة سوف تتم كمسيحيين، وليس كيهود. أما الأمريكيون منهم، فأخذوا بالرأي الذي يقول إن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود وقبل تحولهم إلى المسيحية، وأنهم سيبقون حتى بعد التحول إلى المسيحية، وبعد العودة إلى فلسطين، منفصلين عن الكنيسة (٢).
وكان أبرز رواد هذا الفكر هو چون نيلسون داربي John Nelson Darby (١٨٠٠ - ١٨٨٢ م)، والذي يعتبر «الأب الشرعي للحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة» (٣).
стр. 363
وداربي هو لاهوتي (إنجليزي/أيرلندي) تعلم في كلية ترينيتي Trinity في دبلين Dublin، ثم عُيِّن قسيسًا في كنيسة أيرلندا، وكان أحد مؤسسي حركة (الإخوة الپليموث Plymouth Brethren)، وهي حركة إفانجليكية تأسست في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر، وتعتبر مدينة پليموث الإنجليزية هي أقوى مراكزها.
ونتيجة خلافات شديدة مع أفراد الجماعة الإنجليزية، انفصل عنها داربي، وارتحل إلى الولايات المتحدة حيث قام بنشر أفكاره ونظرياته حول التفسير الحرفي للنبوءات التوراتية، وعرف أتباعه باسم الإخوة الداربيين Darbyite Brethren.
ويعتبر داربي الأب الروحي للحركة التدبيرية Dispensationalism، والتي تقول بأن كل شيء مدبَّر ومبرمج، وأن على الإنسان العمل على تحقيق البرنامج الإلهي وفقًا للتفسير الحرفي للنبوءات التوراتية (١).
وبعد وفاة داربي، تبنى دعوته من بعده سايروس سكوفيلد Cyrus Scofield (١٨٤٣ - ١٩٢١ م) صاحب إنجيل سكوفيلد الشهير. تقول جريس هالسل (٢): «إن نظام الإيمان عند سكوفيلد لم يبدأ معه، إنما يعود إلى چون نيلسون داربي»، وتذكر كذلك أنه «لاحقته الفضائح منذ سنواته الأولى في ولاية تنيسي Tennessee، وكونت شخصيته العنيدة. كان مدمنًا على الكحول، وواجه مشاكل عائلية. قاتل سكوفيلد في الحرب الأهلية الأمريكية، ومارس الحقوق في ولاية كنساس، ثم ترك بصورة مفاجئة تلك الولاية في عام ١٨٧٧م متخليًا عن زوجته وطفليه، وسط اتهامه بأنه اختلس هبات سياسية مقدمة إلى شريك له ... وسجن سكوفيلد في مدينة سانت لويس في عام ١٨٧٩م بتهمة التزوير، وفي السجن جرى تحوله الديني متأثرًا بچيمس بروكس James H. Brookes [١٨٣٠ - ١٨٩٧ م] أحد تلامذة داربي القدريين، وفي عام ١٨٨٢م أصبح أسقف أپرشية دالاس الأولى» (٣).
ولقد جمع سكوفيلد نظريات وآراء وأفكار داربي وصاغ منها إنجيله، حتى إن مؤرخ
стр. 364
تلك الحقبة من الحركة الأصولية الإنجيلية كلارنس باس Clarence B. Bass يقول [في كتابه: خلفيات الحركة التدبيرية Backgrounds to Dispensationalism]: «إن المقارنة بين ملاحظات سكوفيلد وأعمال داربي تظهر بوضوح تام أن سكوفيلد لم يكن مجرد تلميذ لأعمال داربي، ولكنه كان يقلِّد ويستعير أفكاره وكلماته وعباراته».
وفي عام [١٨٩٦م] نشر سكوفيلد أول مؤلف له، وكان عنوانه (تقسيم كلمة الحق بحق Rightly Dividing the Word of Truth)، وفي هذا المؤلف طرح سكوفيلد المبادئ اللاهوتية للأصولية الإنجيلية التدبيرية، وقد اعتمد على هذا المؤلَّف في كتابة إنجيله الذي أصبح فيما بعد المعتمد الرسمي والأساس ومصدر إلهام من جاء بعده من القساوسة الأصوليين في الولايات المتحدة حتى اليوم (١).
تقول جريس هالسل (٢): «تكمن شهرة سكوفيلد المتواصلة في إنجيله المرجعي الذي صدر في عام ١٩٠٩م، والذي وصفه أحد العلماء بأنه ربما يكون الوثيقة الأكثر أهمية في كل الأدبيات الأصولية».
ويشير چوزيف كنفيلد Joseph Canfield في كتابه (سكوفيلد العجيب وكتابه The Incredible Scofield and His Book) إلى خطر قيام سكوفيلد بزرع آرائه الشخصية في الإنجيل، وهذا يعني - كما كتب كنفيلد - أن «العامة فشلت في التمييز بين كلمات سكوفيلد وكلمات الروح القدس» (٣).
تقول هالسل - على لسان أحد الإنجيليين - (٤): «وفيما كان سكوفيلد يقرأ الكتاب المقدس شعر بأن بعض الفقرات التي كان يقرؤها كانت تكشف له عن خطوات معينة يحتاج المسيحيون إلى اتخاذها من أجل تسريع عودة المسيح، وفي الوقت الذي كانت هذه الكلمات تبدو واضحة له، كان واثقًا من أن الكثيرين غيره ربما لم يكونوا على هذا
стр. 365
القدر من الاستيعاب. وهكذا من أجل إظهار هذه المعاني، ومن أجل أن يجعل الكتاب المقدس واضحًا كالبلور حول ما يريده الله قبل أن يرسل ابنه في رحلة العودة، فكر سكوفيلد بإدخال ملاحظاته وأفكاره الخاصة. وهكذا أصبح بإمكاننا أن نفهم أحداث اليوم في ضوء ما سبق للكتاب المقدس أن أخبرنا به» اهـ.
ولقد شهدت الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة انحسارًا واضحًا في الفترة بين عامي ١٩١٨ و١٩٤٨م، وذلك عندما أعطت الولايات المتحدة الأولوية في سياستها الخارجية لمصالحها النفطية ولحاجتها الاستراتيچية لاحتواء النفوذ السوفيتي في العالم العربي.
ولقد ولت الحركة اهتماماتها في هذه الحقبة للانعكاسات السلبية للحرب العالمية الأولى، وللانهيار الاقتصادي الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي، ولنظرية داروين حول النشوء والتطور. كان التحدي المحلي داخل المجتمع الأمريكي الذي واجهته، هو كيفية مقاومة الانحدار الخلقي، فغابت إسرائيل عن الاهتمام المركزي الذي كان قد ساد في القرن السابق (١).
ولكن شهدت الفترة نفسها صعودًا قويًا للحركة الصهيونية اليهودية في الولايات المتحدة، والتي اتخذت نسقًا دينيًا، وذلك نتيجة تأسيس منظمة مزراحي أمريكا Mizrahi على يد مائير بار-إيلان (برلين) Meir Bar-Ilan (Berlin) (١٨٨٠ - ١٩٤٩ م)، وذلك عام ١٩١١م، والتي صارت بمرور الوقت الأساس المادي لمنظمة المزراحي العالمية نظرًا لقوتها المالية والعددية والتنظيمية. وبار-إيلان هو زعيم صهيوني ديني، وكان من دعاة التشدد مع العرب والبريطانيين، كما كان من أنصار الحرب على مظاهر عدم التدين بين المستوطنين الصهاينة، وقد أطلق اسمه على إحدى الجامعات في إسرائيل. وهذا دليل مهم على التوجه الديني لليهود الأمريكيين (٢).
ولقد تلاقت مصالح الحركة الصهيونية اليهودية مع المصالح الخارجية للإدارة
стр. 366
الأمريكية، ويحدثنا هيكل عن هذه الفترة البالغة الأهمية فيقول (١): «إن الحركة الصهيونية - وبالذات على أيام هرتزل - نزعت إلى الشك في أن أمريكا مركزًا منافسًا أكثر منها مركزًا مساعدًا على مشروعها الصهيوني. وكان قلق المنظمات الصهيونية من البديل الأمريكي شديدًا، لأن اليهود الذين سبقوا بالهجرة إلى أمريكا بدءوا يكتبون إلى عائلاتهم وإلى أصدقائهم يدعونهم إلى القارة الجديدة وينصحونهم بأن أمريكا هي في الواقع (إسرائيل الموعودة). وكان ذلك يأخذ من المشروع الصهيوني ولا يعطيه، فاليهود الذين ذهبوا إلى أمريكا تخلَّوْا تمامًا عن فكرة العودة إلى فلسطين، وراحوا يدعون غيرهم إلى التخلي أيضًا.
وبعد فترة من المنافسة بين المركز الصهيوني الأوروپي الداعي إلى الهجرة لفلسطين وبين المركز اليهودي الجديد في أمريكا المطالب بالهجرة عبر المحيط، فإن الحركة الصهيونية في أوروپاأدركت أن عليها أن تتنازل أو تدخل في صدام يهودي-يهودي. ومع الاضطرابات التي سادت أوروپافي أعقاب حرب السبعين (٢)، فإن الحركة الصهيونية الأوروپية بدأت تدرك أن المركز اليهودي الجديد في أمريكا يمكن أن يكون قوة دعم لها، وليس مجرد منافس يعترض خططها، خصوصًا مع إدراك القيادة الصهيونية في أوروپاإلى حقيقة أن هناك قدرة استيعابية محدودة لفلسطين، ثم إنه ليس من مصلحة المهاجرين اليهود حصرهم جميعًا في الشرق. وكان مما ساعد على مد الجسور بين يهود أمريكا وبين الحركة الصهيونية في أوروپاظهور عدد من الشخصيات اليهودية المؤثرة في المجتمع الأمريكي، وهي شخصيات تستطيع بعقيدتها الدينية وولائها العرقي أن تصبح مددًا لليهود في دولة تقوى اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا بسرعة كبيرة. وهكذا، فإنه في سنوات ما بين الحربين أصبح يهود أمريكا قوة دعم مادي ومعنوي مفيد للحركة الصهيونية
стр. 367
الأوروپية. لكن الأمر حتى ذلك الوقت لم يتعد كتابة المقالات وإقامة الحفلات وجمع التبرعات».
ثم يقول (١): «إن دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى ساحة الحرب العالمية الثانية - وقيادة معسكر الحلفاء فيها بواقع الأمور - أتى بالولايات المتحدة إلى قلب الشرق الأوسط، وهو من أهم وأخطر ميادين الحرب وساحاتها العسكرية والسياسية.
ولقد أظهرت الدراسات - وفقًا لما تقول به الوثائق الأمريكية - حقيقتين حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط:
أولاهما: أن المنطقة سوف تصبح في مستقبل قريب جدًا أهم منابع النفط في وقت تتضاءل فيه الموارد الأمريكية نسبيًا وترتفع تكاليف استغلالها.
وثانيتهما: أن المنطقة هي قلب العالم الاستراتيچي بعد الحرب، وبالتالي فهي مكان يتحتم على الولايات المتحدة أن ترتب نفسها لوجود طويل فيه، كما أن عليها أن تخلق أسبابًا وظروفًا ملائمة لهذا الوجود الطويل على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وهكذا، فإن أول ظهور للدبابات الأمريكية كان على مسرح الشرق الأوسط مشاركة في معركة العلمين [٢٣/ ١٠ - ٥/ ١١/١٩٤٢م]، كما أن السلاح الأمريكي وصل إلى الفيلق اليهودي الذي توجه بسرعة إلى فلسطين، ثم إن الأسلحة الصغيرة الأمريكية بدأت توزع على المستوطنين في المستعمرات حتى يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم إذا وصل الغزاة الألمان إلى أسوار مستعمراتهم في فلسطين.
كان واضحًا في ذلك الوقت أمام الحركة الصهيونية وغيرها ممن تعنيهم موازين القوى في العالم، أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تخرج من الحرب العالمية الثانية متربعة على قمة العالم سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية، أو الثأثير الدولي الواسع بما في ذلك سلطة رسم خرائط ما بعد الحرب. وكان على الحركة الصهيونية أن ترتب نفسها بهذه الحقيقة الجديدة الحاكمة في عالم متغير.
стр. 368
وكانت وسيلتها التي طرحت نفسها - تلقائيًا ومنطقيًا - هي أن يكون يهود أمريكا هم الجسر الذي يعبر عليه مشروع إقامة الوطن اليهودي في فلسطين من أحضان أوروپاإلى حِضْن أمريكا.
ومن الواضح أن يهود أمريكا أصبحوا على استعداد لأسباب كثيرة:
بينها بداية معرفة تبلورت لديهم بما حدث لليهود في ألمانيا ثم في أوروپاالتي خضع معظمها للاحتلال النازي سنوات الحرب. وكانت المعلومات في هذا الشأن متوفرة من قبل الحرب عن طريق موجة الهجرة في الثلاثينات، وقد حملت إلى الشواطئ الأمريكية يهودًا من طراز ألبرت أينشتاين Albert Einstein [١٨٧٩ - ١٩٥٥ م] وحتى طراز هنري كسنچر. ثم لحق بذلك ما تسرب من معلومات عما كان يجري وراء دخان الحرب.
ومن نتيجة ذلك أنه تولد لدى يهود الولايات المتحدة إحساس بنوع ما من عقدة الذنب، وظنوا أن في استطاعتهم التعويض عنه بدمج شبه كامل بين الحركة الصهيونية في أوروپاوبين نظيرتها الأمريكية التي كانت قوتها تتنامى.
ولم تكن الحركة الصهيونية في أوروپاتريد من يهود أمريكا مجرد حفلات تجمع فيها التبرعات، وإنما كانت تريد منهم أن يحملوا قوة الولايات المتحدة أو الجزء الأكبر منها وراء المشروع الإسرائيلي، وذلك بالتأييد السياسي والدعم العملي اقتصاديًا كان أو عسكريًا.
وكانت أهم مقولات الحركة الصهيونية الأوروپية لنظيرتها الأمريكية في تحديد الواجبات المستقبلية هي القول بأن "يهود أوروپااستطاعوا الحصول على الوعد بالدولة - وعد بلفور - وقد أوشكوا على تحقيق قيام الدولة بمقتضاه، وعلى يهود أمريكا أن يستكملوا الطريق بتحقيق هدفين تحددا بوضوح، وهما:
- تأكيد وتثبيت قيام الدولة.
- تحقيق اعتراف العرب بقيامها باعتبار أن ذلك هو الضمان الشرعي الوحيد لبقائها. فمن الممكن للطرف الأقوى أن يفرض على طرف أضعف منه أمرًا واقعًا يريده، لكن ذلك لا يحقق لهذا المراد شرعيته، وإنما تستقر الشرعية حين يقدم الضعيف اعترافه بالأمر الواقع وإن كان مفروضًا عليه.
стр. 369
وكان اجتماع فندق بلتيمور Baltimore بنيويورك [والذي عقد في الفترة من ٩ إلى ١١ مايو عام ١٩٤٢م] هو الموعد الذي التقت فيه وامتزجت كل التنظيمات الصهيونية [ذات الطابع النظري الفلسفي] في أوروپاو [العملي] في أمريكا.
وجاءت المادة الثامنة منه تعلن أن "هناك نظامًا عالميًا جديدًا سوف ينشأ بعد انتهاء هذه الحرب. وفي ظل هذا النظام العالمي الجديد فإن الصلة بين الشعب اليهودي وبين أرضه في فلسطين لا بد أن تتأكد وتحقق ذاتها بقيام دولة إسرائيل لنعطي اليهود حقوقهم التي هي مطلب شرعي وتاريخي لهم بعد ألفي سنة من الغياب في التيه".
ثم مضى بيان المؤتمر يحدد ثلاثة أهداف للمستقبل القريب يتحمل مسئوليتها يهود أمريكا أكثر من غيرهم:
- فتح أبواب الهجرة في فلسطين أمام اليهود دون أي قيود يضعها طرف محلي أو دولي.
- ضرورة مساعدة المجتمع الصهيوني في إنشاء الدولة، وذلك عن طريق مساعدات مادية وسياسة وعسكرية كافية لتحقيق هذا المطلب.
- اعتبار الدولة اليهودية المنتظرة جزءًا من بناء العالم الديمقراطي الجديد الذي ستكون قيادته دون منازع للولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت أصوات يهودية ارتفعت بالاعتراض على قرارت المؤتمر، لتخوفها من احتمال أن يؤدي برنامج بلتيمور إلى إدخال يهود أمريكا في مشاكل كبيرة بعد الحرب. لكن أصوات التحفظ والاعتراض ضاعت في الهواء، وأقرت معظم التجمعات اليهودية في الولايات المتحدة قرارات مؤتمر بلتيمور، وخرجت نشيطة تتبناها وتعمل على تحقيقها» اهـ.
...
ثلاثة مؤشرات (١٩٤٨ - ١٩٦٧ - ؟؟؟؟):
دخلت الأيديولوچية الصهيونية الاستعمارية العَلْمانية في أزمة؛ فمع تصاعد أعمال العنف الإسرائيلي غير المبررة، مع ما يقابلها من تأييد سلطوي غربي أعمى، بدأت
стр. 370
البلابل تثار لدى الرأي العام المتخبِّط، وبدأت الأيديولوچية تفقد شرعيتها شيئًا فشيئًا، ومن ثم أخذت في البحث عن مصدر تستمد منه شرعية جديدة لمواجهة انهيار محقق ..
ولقد جاءت الأحداث بترتيب الله العليم الحكيم مزيَّنة في أعين الصهاينة، وموافقة (ظاهرًا) لما ذهبوا إليه في مخيلاتهم؛ فبعد أن أعلنت إسرائيل قيام دولتها في ١٩٤٨م، بادر زعماء الصهيونية المسيحية بالإعلان - كما جاء على لسان الرئيس الأمريكي السابق چيمي كارتر Jimmy Carter - بأنه: «يعني خلق إسرائيل في عام ١٩٤٨م العودة أخيرًا إلى أرض الميعاد التي أُخرج منها اليهود منذ مئات السنين ... إن إقامة الأمة الإسرائيلية هو تحقيق للنبوءة التوراتية والتنفيذ الجوهري لها» (١).
وحينها كتب الطبيب الإنجيلي المبشِّر الدكتور لمويل نيلسون بيل Dr. Lemuel Nelson Bell [١٨٩٤ - ١٩٦٦ م]، رئيس تحرير مجلة (المسيحية اليوم Christianity Today) (٢) يقول: «حقيقة أن توجد القدس الآن، للمرة الأولى منذ ألفي عام، بين
стр. 371
أيدي اليهود وحدها يثير القارئ المولع، الذي هو أنا، بالكتاب المقدس وينعش إيمانه بصحة وملائمة رسالته» (١).
وما لبث أن تعزز هذا الموقف بانتصار إسرائيل في حربها (الوقائية) في مايو عام ١٩٦٧م على مصر وسوريا والأردن، والتي عرفت باسم (حرب الأيام الستة) أو (نكسة ٦٧). يقول مايكل پريور (٢): «لم يتم الاستناد الصريح على الكتاب المقدس بشكل بارز لدعم القومية الصهيونية إلا قبيل عام ١٩٦٧م».
وتقول باربرا فيكتور (٣): «في عام ١٩٦٧م، حينما هزمت إسرائيل الجيوش العربية إبان حرب الأيام الستة، مستولية على القدس وسواها من الأراضي (الأرض التوراتية لإسرائيل)، رأى المسيحيون الإنجيليون في ذلك علامة على أن الأيام الأخيرة كانت قريبة. منذ نشوء إسرائيل في ١٩٤٨م - النشوء الذي وصفه أتباع حركة البرنامج الإلهي بـ (أهم علامة على قيام الساعة)، بل بالعلامة الكبرى -، لم تكن حماسة المسيحيين الأصوليين قد بلغت قط تلك الذرى. في الولايات المتحدة، حتى العَلْمانيون، الذين أصابتهم الهلاوس جراء التهديد السوفيتي هلّلوا لذلك الانتصار، معتبرين أن الدولة اليهودية كانت آخر معقل للديمقراطية في تلك المنطقة المضطربة من العالم. في الواقع، سادت الغبطة العالم بأسره. أخيرًا وبعد اضطهادٍ لليهود على مدى ألفيتين، أخذت الكنائس الواحدة تلو الأخرى تبدي ندمها وتتعهد بأن تعترف في تعاليمها بـ (تحالف الله الأبدي مع الشعب اليهودي)، و (مساهمة اليهودية في الحضارة العالمية وفي العقيدة المسيحية)» اهـ.
أما على الجانب اليهودي، «فبعد احتلال ما تبقى من فلسطين في حرب يونيو ١٩٦٧م، طرأ تحول على مواقف معظم الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية، من اعتبار هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية إلى اعتبارها بداية الخلاص.
стр. 372
وفي الأوساط الدينية غير الصهيونية انطلق الصوت الجديد من الولايات المتحدة، موطن زعيم حركة (الحاباد Chabad)، الحاخام مناحم مندل شنيرسون Menachem Mendel Schneerson [١٩٠٢ - ١٩٩٤ م] بالقول: "صحيح أن دولة إسرائيل بوصفها كيانًا صهيونيًا تعبير عن الكفر والتمرد على إرادة الله، ولذلك فهي بالتأكيد ليست تعبيرًا عن الخلاص. لكن، ومن ناحية أخرى، فإن أرض إسرائيل بسيادة يهودية تنطوي على معان ذات أهمية". ولذلك تدعو هذه الحركة إلى عدم التنازل عن أيٍّ من الأراضي التي احتُلت عام ١٩٦٧م، وذلك من منطلق أحكام الشريعة الدينية» (١).
كما رأى أتباع الحاخام إبراهام كوك (٢) أنه «حتى إن كان العَلْمانيون يستوحون أفكارهم من القومية والاشتراكية الأوروپية، من وجهة نظر عالمية موضوعية، فإن روح أعمالهم مستوحاة من الإرادة الإلهية التي يخفيها الحافز العَلْماني الظاهر. وحتى إن أرادوا أن ينفوا نهائيًا قدوم المسيا مرة أخرى، فإن أعمالهم كانت تعجل بقدومه دون أن يعلموا ذلك؛ حيث كانوا يطبقون الخطة الإلهية. وكان يتعين على اليهودية الدينية أن تتخلل القومية العَلْمانية الملحدة إلى البريق الإلهي في قلب الصهيونية. فروح الله هي روح إسرائيل (القومية اليهودية)» (٣).
ولقد تلي ذلك انحسار تدريجي للأصوات اليهودية المناهضة للصهيونية ..
يقول المسيري (٤): «وقد تم في نهاية الأمر استيعاب الغالبية الساحقة من يهود
стр. 373
العالم في المنظومة الصهيونية من خلال:
- جعل الصهيونية من نفسها جزءًا من الاستراتيچية الغربية العامة، إذ أصبحت دولة عميلة استوعبت الفائض البشري اليهودي وحوَّلته إلى كتلة بشرية متماسكة تخدم المصالح الغربية. وبالتالي لم يعد هناك أي تناقض بين أن يكون اليهودي صهيونيًا يدين بالولاء للدولة الصهيونية وأمريكيًا يدين بالولاء للولايات المتحدة، فالولاء للواحد يصُب في الولاء للآخر.
- نجاح الصهيونية في تهدئة روع يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم والذين كانوا يعارضون المشروع الصهيوني لأنه يطلب منهم ترك أوطانهم والاستيطان في فلسطين، إذ طرحت مفاهيم كثيرة مثل (صهيونية الدياسپورا) أي صهيونية اليهودي الذي يود أن يؤيد الحركة الصهيونية دون أن يهاجر.
- نجاح الصهيونية في صهينة العقيدة اليهودية ذاتها بأن أعادت تفسير كثير من المفاهيم الدينية اليهودية خاصة فكرة العودة، فبعد أن كانت العودة محرَّمة إلا تحت قيادة الماشَّيح (المسيح المخلِّص اليهودي في آخر الأيام وحين يأذن الإله)، أفتى بعض الحاخامات أنه يمكن العودة والاستيطان في فلسطين إعدادًا لمقدم الماشَّيح.
وبذلك، أصبحت الدولة اليهودية دولة يتغير مضمونها السياسي بتغيُّر مضمون المخاطب أيضًا:
- فإذا كان اليهودي المخاطب يهوديًا متدينًا، فإن اليهود يصبحون شعبًا مقدسًا، مكروهًا من الأغيار بسبب قداسته، وسيتم نقله من المنفى إلى فلسطين استجابة للحلم الأزلي بالعودة وتحقيق رسالة اليهود ولتأسيس دولة يهودية تُطبِّق قوانين الشريعة اليهودية.
- وإذا كان اليهودي المخاطَب اشتراكيًا ثوريًا، فإن الشعب اليهودي يُنقَل بسبب تركيبه الطبقي غير السوي في المنفى، وسيُوطَّن في فلسطين ليصبح تركيبه الطبقي عادي وليُطبِّع الشخصية اليهودية ولتأسيس دولة العمال والفلاحين التي ستحقق المُثُل الاشتراكية وتُثوِّر الشرقي العربي.
- وإذا كان اليهودي المخاطب مهتمًا بالهُوية اليهودية، فالشعب اليهودي يُنقل من
стр. 374
المنفى لأنه إن استمر في البقاء فيه سيندمج وينصهر ولأن هُويته الإثنية العضوية لا يمكن أن تتحقق إلا في أرضه، داخل دولة يهودية خالصة تكون بمنزلة مركز روحي وثقافي ليهود العالم.
- أما إذا كان اليهودي المخاطَب ليبراليًا ديمقراطيًا، فالشعب اليهودي يُنقَل لأنه شعب ليبرالي عادي يود أن يكون مثل كل الشعوب، خصوصًا الشعوب الغربية، وهو يُنقَل ليؤسس دولة ديمقراطية عَلْمانية تسودها القيم الليبرالية الغربية.
وآليات نقل اليهود ليست الاستعمار الغربي أو العنف والإرهاب وإنما هي "القانون الدولي العام" متمثلًا في وعد بلفور (في الصياغة الصهيونية الليبرالية العَلْمانية)، أو "تنفيذًا للوعد الإلهي مع الإله" (في الصياغة الدينية)، أو بسبب "قوة اليهود الذاتية" (في الصياغة الداروينية)» اهـ.
نظرة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي:
لو أردنا إلقاء نظرة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي، فسنلاحظ صعود نجم الحريديم، وذلك رغم تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الإسرائيلي؛ حيث يشير إسرائيل شاحاك ونورتون ميزفينسكي إلى أن «الخط الفاصل بين اليهود التقليديين واليهود العَلْمانيين في الغالب يفتقد الوضوح، ولكن تشير الدراسات إلى أن ٢٥% إلى ٣٠% من اليهود الإسرائيليين هم من العَلْمانيين، و٥٠ إلى ٥٥% من التقليديين، وحوالي ٢٠% متدينين» (١).
وقد قدَّم هارولد فيش Harold Fisch أستاذ الأدب الإنجليزي - وهو أحد أهم منظِّري الصهيونية الإثنية الدينية الجدد، الذي هاجر إلى إسرائيل عام ١٩٥٨م حيث درَّس في جامعة بار-إيلان وأسَّس معهد اليهودية والفكر الحديث - قدَّم تفسيرًا [مطوَّلًا] لهذه الظاهرة (٢)، ولقد علَّق عليه الدكتور المسيري فقال (٣):
стр. 375
«... لكل هذا، بدأت المؤسسات الدينية الصهيونية تطرح نفسها كبديل، وتبدي استعدادها للإمساك بزمام القيادة، ولم تَعُد تقنع بدور الشريك الضعيف. وعلى كلٍّ .. إذا كانت إسرائيل دولة حقًا كما تدَّعي، فمن أحق بالحديث باسمها وإدارتها من المتدينين الصهاينة، الذين يرفعون لواء الدين القومي والقومية الدينية، ويُعرِّفون اليهودي تعريفًا يحل مشكلة المعنى بالنسبة له، ويسوِّغ وجوده في فلسطين في خط النار داخل الحروب المتكررة (فالشعب المختار - حسب تفسيرهم - شعب كُتبت عليه مجابهة الأغيار، ولا يمكن أن يقنع بالحياة الرخوة الهينة التي يبشر بها اللادينيون)؟!» اهـ.
وكما كانت حرب ١٩٦٧م - كما يذكر إيان لوستك - (١) هي «الحافز المباشر لنشوء الأصولية اليهودية المعاصرة»، فيُعتبر الحاخام الأشكنازي إبراهام إسحاق كوك Abraham Isaac Kook (١٨٦٥ - ١٩٣٥ م) هو «الشخصية المحورية لهذا التحول الرئيسي في التأويل التقليدي لليهودية» (٢).
ونترك الصفحات التالية لإسرائيل شاحاك ونورتون ميزفينسكي ليحدثانا عن تاريخ صعود الحركة الأصولية اليهودية المعاصرة ..
يقول شاحاك وميزفينسكي (٣): «والأصولية اليهودية تعرَّف هنا على نحو موجز على أنها الإيمان بأن الأرثوذكسية اليهودية، القائمة على التلمود البابلي وبقية الكتابات التلمودية ومجمل الشريعة (الهالاخاه Halakha)، ما زالت صالحة وسوف تظل كذلك أبدًا. ويؤمن الأصوليون اليهود بأن مرجعية الكتاب المقدس نفسه ترجع للتفسير الصحيح له في التلمود. ولا توجد الأصولية اليهودية في إسرائيل فقط، ولكن في كل بلد به مجتمع يهودي كبير العدد. وفي بلاد أخرى غير إسرائيل، حيث يشكل اليهود أقلية صغيرة بالنسبة لمجمل السكان، فإن الأهمية العامة للأصولية اليهودية تكون مقتصرة بشكل رئيس على حشد الدعم المالي والسياسي للأصوليين في إسرائيل. أما أهميتها في إسرائيل فإنها أكبر إلى حد بعيد؛ لأن معتنقيها يؤثرون في الدولة بطرق عديدة».
стр. 376
ويستكمل الكاتبان حديثهما فيقولان (١): «قام الحاخام إبراهام إسحاق كوك، الذي كان رئيس الحاخامات في فلسطين وأبرز الحاخامات المؤيدين للصهيونية، بابتكار هذه الأيديولوچية في أوائل العشرينيات وقام بتطويرها بعد ذلك، وكان الحاخام الأكبر كوك، كما كانوا يطلقون عليه، مؤلِّفًا غزير الإنتاج، واعتبره أتباعه ملهمًا من قِبَل الله. وبعد وفاته في عام ١٩٣٥م وصل إلى مرتبة القديس في أوساط الحزب الديني القومي، كما وصل أيضًا ابنه وخليفته في زعامة الحزب الحاخام تسِفي يهودا كوك الأصغر Tzevi Yehuda Kook [١٨٩١ - ١٩٨١ م] إلى منزلة القداسة.
وفي أوائل عام ١٩٧٤م، وفور صدمة حرب أكتوبر ١٩٧٣م، وقبل وقت قليل من توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار مع سوريا، قام أتباع الحاخام كوك مع مباركة وإرشاد زعيمهم الروحي بتأسيس جماعة جوش إيمونيم Gush Emunim (أي جماعة المؤمنين). وكانت أهداف جوش إيمونيم تتمثل في بناء مستوطنات جديدة والتوسع فيما هو موجود من المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة. وبمساعدة شيمون پيريز Shimon Peres، الذي أصبح في صيف ١٩٧٤م وزيرًا للدفاع والشخص المسئول عن الأراضي المحتلة، نجحت جوش إيمونيم في وقت قصير بلغ بضع سنوات في تغيير سياسة الاستيطان الإسرائيلية. والمستوطنات اليهودية، التي تواصل الانتشار عبر الضفة الغربية واحتلال جانب كبير من قطاع غزة، تقدم شهادة حية ودليلًا بينًا على نفوذ جوش إيمونيم داخل المجتمع الإسرائيلي وعلى السياسات الحكومية الإسرائيلية.
وتعتبر كتابات الحاخام كوك الأكبر نصوصًا مقدسة، وربما تكون أكثر غموضًا حتى من كتابات القبَّالاه الأخرى، والمعرفة المتعمقة بالكتابات التلمودية وكتابات القبَّالاه، بما في ذلك التفسيرات المعاصرة لكلتيهما، وكذلك الممارسة الخاصة، تعتبر شروطًا أساسية لفهم كتابات كوك.
ولقد قام أتباع الحاخامين كوك (الأب والابن) بتطبيق المفاهيم على الحروب الإسرائيلية؛ فقام أحدهم، على سبيل المثال، بالإشارة إلى أن حرب ١٩٦٧م كانت
стр. 377
(تحولًا ميتافيزيقيًا)، وأن الانتصارات الإسرائيلية حولت الأرض من قوة للشيطان إلى دائرة إلهية. وهذا يثبت أن (الحقبة المسيانية) جاءت.
لم يشتق واضعو أيديولوچيات جوش إيمونيم، وخاصة الحاخام كوك الأكبر، أفكارهم فقط من التقاليد اليهودية، ولكنهم أيضًا كانوا مبدعين. والكيفية التي قاموا بها بتطوير المفهوم الخاص بالمسيح هي خير دليل على ذلك؛ فلقد تنبأ الكتاب المقدس بمسيح واحد فقط، أما التصوف اليهودي فقد تنبأ بمسيحَين، فتبعًا للقبَّالاه تختلف شخصية كل مسيح منهما عن الآخر، فالمسيح الأول، وهو شخصية عسكرية يطلق عليها (ابن يوسف)، سوف يمهد الطريق للخلاص، أما المسيح الثاني الذي يكون شخصية روحية ويطلق عليه (ابن داود)، فهو الذي يخلص العالم من خلال صناعة المعجزات المرئية للناظرين. ويؤمن أتباع جوش إيمونيم بأن المعجزات تحدث في أزمنة مختلفة. وتشير القبَّالاه إلى أن المسيحَين سوف يكونان فردَين. أما الحاخام كوك الأكبر فإنه بدَّل هذه الفكرة من خلال توقعه والدفاع عن فكرة تقول "بأن المسيح الأول سوف يكون شخصية جماعية (أو أشخاصًا متعددين) "، وهو يقصد بذلك شعب إسرائيل كله! ويطلق الحاخام كوك على مجموعة أتباعه اسم (أبناء يوسف). ويواصل زعماء جوش إيمونيم، على طريق الحاخام كوك الأكبر، اعتبار حاخاماتهم - وربما كل الأتباع أيضًا، تجسيدًا على الأقل لأحد المسيحَين المتنبأ بظهورهما. ويؤمن أعضاء جوش إيمونيم بأن هذه الفكرة يجب ألا يكشف عنها للغرباء. كما يؤمنون أيضًا بأن طائفتهم معصومة من الخطأ؛ بسبب الإرشاد الإلهي المعصوم الذي يقود خطاها.
وقد اشتق الحاخام كوك هذا المفهوم من نبوءة الكتاب المقدس التي تقول إن المسيح (الآتي بالخلاص) سوف يكون "راكبًا على حمار، وعلى جحش بن أتان" (١). اعتبرت القبَّالاه هذه الآية دليلًا على وجود مسيحَين، أحدهما يركب على حمار والآخر على جحش. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: كيف يمكن للمسيح الجماعي (أي الذي هو
стр. 378
عبارة عن مجموعة من الأشخاص) أن يركب على حمار واحد؟ أجاب كوك عن السؤال بالقول بأن الحمار هو اليهود الذين يفتقرون إلى الحكمة والإيمان الصحيح (١). وافترض كوك أن المسيح الجماعي سوف يمتطي هؤلاء اليهود، وهذا يعني أن المسيح سوف يستغلهم من أجل مكاسب مادية وسوف يخلصهم إلى المدى الذي يمكن أن يخلصوا به.
وفكرة الخلاص عبر الاتصال بشخصية روحانية قادرة كانت دائمًا موضوعًا شائعًا عبر كل أنواع حركات التصوف اليهودي. وهذا ينطبق ليس فقط على البشر وآثامهم ولكن أيضًا على الحيوانات والجماد. وفي إسرائيل، تحتوي الكتب الشعبية للأطفال المتدينين على الكثير من القصص التي تعبر عن هذه النقطة، وإحدى القصص الأكثر شيوعًا تتحدث عن بطة برية فاضلة تم اصطيادها وذبحها وتحويلها إلى طبق شهي لكي يتناوله حاخام مقدس، فهذه البطة تعتبر قد تم تخليصها من خلال أكلها بواسطة رجل مقدس.
ويطبق أعضاء جوش إيمونيم هذا المذهب على الصراع على الأرض المقدسة. فيزعمون أن ما يبدو في ظاهره مصادرة للأرض المملوكة للعرب من أجل إقامة مستوطنات يهودية عليها، ليس عملًا من أعمال السرقة ولكنه تطهير لها من الخطيئة، ومن خلال هذا المنظور فإن الأرض يتم تخليصها من خلال نقلها من الدائرة الشيطانية إلى الدائرة الإلهية.
ويؤمن أتباع جوش إيمونيم بأنه طالما لديهم الحق في الوصول للحقيقة الكاملة والوحيدة على نحو يفوق بقية اليهود فهم أفضل منهم، ويعتقد حاخامات جوش إيمونيم فيما يلي بالنسبة للحمار المسياني: نظرًا لرتبته المتواضعة في ترتيب الكائنات، فإن الحمار يجب أن يظل غافلًا عن الهدف النبيل لراكبه الملهم. وهذا هو الحال على الرغم من أن الحمار يفوق راكبه في الحجم والقوة، والراكب الإلهي في هذا السياق يقود الحمار نحو خلاصه.
стр. 379
وبسبب هدفه النبيل، فإن الراكب يمكنه أن يركل الحمار أثناء الرحلة من أجل التأكد من أن الحمار لا ينحرف عن الدرب المقدَّر. وبنفس الطريقة يؤكد حاخامات جوش إيمونيم أن هذه الطائفة المسيانية يجب عليها أن تعامل وتقود اليهود مثل الحمار، والذين أفسدتهم الحضارة الغربية الشيطانية بعقلانيتها وديمقراطيتها، والذين يرفضون التخلي عن عاداتها البهيمية واعتناق الإيمان الحقيقي. ومن أجل ذلك فإن استخدام القوة أمر جائز إذا اقتضت الضرورة» اهـ.
طالما سعت الأحزاب الدينية في السيطرة على شئون البلاد الداخلية، حتى يذكر إسرائيل شاحاك أن الحزب الديني القومي قام باستئجار مخبرين سريين من أجل التجسس على الوزراء لمعرفة من منهم ينتهك التعاليم الدينية اليهودية، واستمر هذا التجسس بينما كانت حكومتا رابين وپيريز في السلطة، وقام رابين Yitzhak Rabin [١٩٢٢ - ١٩٩٥ م] وپيريز أثناء وجودهما في السلطة بالحصول على نتائج التحريات السرية واستمرا في محاولة جعل وزرائهما لا ينتهكون أية شرائع دينية علنًا (١).
ولقد حظي الطلب الحريدي بجعل الهالاخاه قانونًا لدولة إسرائيل في السنوات الحديثة بدعم متزايد من قبل الأعضاء الأكثر ورعًا من الحزب الديني القومي. وخصائص هذا الطلب نوجزها على النحو التالي:
- إن السلطة السياسية لله يجب الاعتراف بها رسميًا وقضائيًا. والحاخامات المرسومون، الذين هم وكلاء الله المعتمدون، يجب أن يكونوا أصحاب القرار.
- يجب على الحاخامات أن يشرفوا على كل المؤسسات الاجتماعية وأن يفصلوا في كل المسائل وأن يصدروا القرارات المتعلقة بالخدمات الاجتماعية ولهم الحظر على أي من المواد المطبوعة والمسموعة والمرئية.
- كل التكاليف الدينية الخاصة بيوم السبت، والواجبات الدينية الأخرى، والفصل بين النساء والرجال في الأماكن العامة، واحتشام المرأة في سلوكها وملبسها يجب أن تطبق بواسطة القانون. يجب على الأفراد أن يكونوا ملزمين تبعًا للقانون بالإبلاغ عن كل
стр. 380
الانتهاكات التي يلاحظونها إلى السلطات الحاخامية (١).
يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (٢): «ويبدو أن الدولة اليهودية حريصة على تشجيع هؤلاء المتدينين بما يعينهم على التفرغ لمهامهم الدينية؛ فهناك الآن ٦٠% من المتدينين غير منشغلين بعمل ويتلقون نفقاتهم من الدولة في مقابل ١٢% من العَلْمانيين، والدولة تنفق ١١٦ ألف شيكل على الطالب المتدين في مقابل ٣٦٠٠ شيكل على الطالب العَلْماني. وهناك ٦٢% من المتدينين يتلقون إعفاءات ضريبية من الدولة في مقابل ١٠% من العَلْمانيين» اهـ.
ومما يعد لافتًا للنظر، ذلك التنظيم الإرهابي اليهودي الأرثوذكسي المسمى (يد للأخوة/يد لاحيم Yad L'Achim)، الذي يرأسه حاليًا الحاخام شالوم ليفشيتس Shalom Dov Lifshitz، والذي تأسس سنة ١٩٥٠م بهدف تعليم المهاجرين اليهود الجدد إلى إسرائيل التعاليم اليهودية الأرثوذكسية، ثم صب جل اهتمامه على مكافحة ظاهرة اعتناق اليهود لديانات أخرى خاصة الإسلام والنصرانية، وإكراه اليهود العَلْمانيين على الالتزام باليهودية، بل ومكافحة زواج الإسرائيليات من العرب كذلك. ويلجأ التنظيم للعنف المسلح، والخطف والتعذيب، وله شعار موجه للمسلمين والمسيحيين، عبارة عن ذراع يهودية تحمل لوحي التوراة، ومكتوب أسفلهما بخط بارز: «لن نفرط في يهودي واحد»، ويقوم بتوزيع منشورات في الشوارع تحمل أرقام هواتف تدعو للإبلاغ عن أي يهودي ارتد عن دينه.
وعلى الرغم من أن تقرير الحالة الدينية الأمريكي اتهم (يد للأخوة) بممارسة الإرهاب والإكراه الديني والعنف المسلح ضد مخالفيهم في العقيدة اعتبارًا من ١٩٩٨م فصاعدًا، فإن اللوبي اليهودي في الكونجرس نجح في رفع اسم التنظيم من تقرير الحالة الدينية الأمريكي اعتبارًا من ٢٠٠١م حتى اليوم (٣).
стр. 381
قضية تامارين:
أما على الجانب التعليمي، فلنا في (قضية تامارين) خير برهان على هيمنة الأصولية على المجتمع اليهودي ..
يقول مايكل پريور (١): «ما دور النصوص المقدسة في تكوين القيم والمبادئ الأخلاقية؟ لتقويم تأثير التحيُّزات العِرْقِيَّة والدينية المكتسبة على الحكم الأخلاقي، قام عالم الاجتماع النفسي الإسرائيلي چورچ تامارين George Tamarin بإجراء دراسة حول تأثير الإفراط في حب الوطن (الشوفينية Chauvinism) على الحكم الأخلاقي. وقد درس التحيز في أيديولوچية الشباب الإسرائيلي، وتأثير التعليم غير النقدي لمفاهيم مثل الشعب المختار، وأعلوية (الديانات التوحيدية)، وأعمال الإبادة الجماعية التي قام بها أبطال الكتاب؟
واختار تامارين سفر يشوع لأنه يحتل مكانة مهمة في المناهج التعليمية الإسرائيلية في التاريخ القومي والأساطير القومية الإسرائيلية على حد سواء. وقسَّم عينة الدراسة إلى مجموعتين وهما: المجموعة الرئيسة، ومجموعة مكملة. وطلب من المجموعة الرئيسة التعليق على هذه الآيات من كتاب يشوع الذي يقرءونه كثيرًا:
"فنفخ الكهنة في الأبواق فهتف الشعب عند سماع صوتها هتافًا شديدًا فسقط السور في مكانه. فاقتحم الشعب المدينة لا يلوي أحدهم على شيء واستولوا عليها. وقتلوا بحد السيف إكرامًا للرب جميع ما في المدينة من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير" (٢).
"واحتل يشوع في ذلك اليوم مقيدة وضربها بحد السيف وقتل ملكها وكل نفس فيها ولم يبق فيها باقيًا، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا. ثم اجتاز يشوع ورجاله من مقيدة إلى لبنة وحاربها. فأسلمها الرب أيضًا إلى أيدي بني إسرائيل، هي وملكها، فضربوها بحد السيف وقتلوا كل نفس فيها ولم يُبقوا فيها باقيًا، وفعلوا بملكها كما فعل بملك أريحا. واجتاز يشوع ورجاله من لبنة إلى لخيش وأحاط بها وحاربها. فأسلم الرب
стр. 382
لخيش إلى أيدي بني إسرائيل، فاستولوا عليها في اليوم الثاني وضربوها بحد السيف وقتلوا كل نفس فيها كما فعلوا بلبنة" (١).
ومسح في دراسته تسع مجموعات من التلاميذ تبلغ أعمارهم ما بين ٨ سنوات ونصف إلى ١٤ سنة، يمثلون كل ألوان الطيف في مدارس إسرائيل: المدن، القرى، الموشاف، الكيپوتز، المدارس الدينية، مراكز الشباب ... ومجموعة غير متناسقة من مدارس متنوعة. وكانت الأسئلة المطروحة على التلاميذ هي:
السؤال الأول: في رأيكم، هل أحسن يشوع وبنو إسرائيل التصرف أم لا؟ اشرحوا وجهة نظركم.
السؤال الثاني: لنفترض أن الجيش الإسرائيلي حاصر قرية عربية في إحدى المعارك. هل ترون أنه سيكون من الجيد أن يعامل السكان كما عامل يشوع سكان مدينة أريحا ومقيدة؟ اشرحوا لماذا.
وأثناء دراسته، فرق تامارين بين الموافقة التامة والموافقة الجزئية والرفض التام، وتنقسم الإجابات كالتالي:
الموقف حيال يشوع والجيش الإسرائيلي
. . . . . . . . . . . . . . . . .. . موافقة تامة % ... موافقة جزئية % ... رفض تام %
س١: حيال يشوع ............................ ٦٦ ............. ٨ ............... ٢٦
س٢: حيال الجيش الإسرائيلي والقرية العربية ... ٣٠ ............. ٨ ................ ٦٢
ويستنتج تامارين أن هذا الاختبار أثبت وجود سلوك عالي التحيز لدى عدد معتبر من جيل المستقبل الذين تم استجوابهم؛ بحيث يبرر التوجهات العنصرية (دينية، وعرقية
стр. 383
قومية، وتبرير استراتيچي للإبادة ... وما إلى ذلك). أما المجموعة المكملة فقد تم تقسيمها إلى مجموعتين فرعيتين. وتم دعوة المجموعة الفرعية الأولى إلى الإجابة على السؤال الأول انطلاقًا من نص يشوع. أما المجموعة الفرعية الثانية، فقد عرض عليها الصيغة (الصينية) لسفر يشوع: "ذهب الچنرال لين - الذي أسس الإمپراطورية الصينية منذ ٣٠٠٠ عام - يحارب من أجل غزو بلد ما. وصل هو وجيشه أمام مدن كبيرة بها أسوار كبيرة ومحصنة. وظهر إله الحرب الصيني في حلم للچنرال لين ووعده بالنصر وأمره بقتل كل السكان لأنهم لم يكونوا يدينون بنفس الديانة. واستولى لين وجيوشه على المدن وقتلوا كل نفس من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وعجول وغنم وحمير. وبعد أن دمروا المدن استكملوا مسيرتهم وغزوا العديد من الدول".
سأل تامارين هذه المجموعة الفرعية وقال: "هل تعتقدون أن الچنرال لين وجيوشه أحسنوا التصرف؟ اشرحوا لماذا".
وتنقسم الإجابات كالتالي:
الموقف حيال القتل الجماعي
. . . . . . . . . . . . . موافقة تامة % ... موافقة جزئية % ... رفض تام %
س١: حيال يشوع ....... ٦٠ ............. ٢٠ ............... ٢٠
س٢: حيال الچنرال لين ... ٧ ............. ١٨ ............... ٧٥
ووفقًا لتامارين، فإن هذه النتائج تؤكد بلا شك تأثير التعصب الوطني والأفكار القومية المتشددة والدينية على الحكم الأخلاقي.
هذا ويوضح تحليل الإجابات ما يلي:
"إن تعليم الكتاب المقدس الخالي من النقد الموضوعي، خاصة بالنسبة لتلاميذ صغار السن حتى وإن لم يكن كنص مقدس وإنما كتاريخ وطني، مع أخذ موقف محايد بشأن السياق التاريخي أو الأسطوري للمضمون،
стр. 384
يؤثر بشكل عميق على تكون التحيُّزات ... وهذا الأمر يَعُم أيضًا الطلبة الذين لا يتلقون تعليمًا دينيًا؛ لأن مثل هذا التعليم يُنَمِّي خصائص سلبية وعدوانية تجاه الغريب. ويُعَدُّ كلًا من تمجيد حب الوطن كقيمة عليا مع اعتبار الذوبان [ذوبان اليهود في البلاد التي يعيشون فيها]- وهو الشر الأعظم -، وتأثير القيم الحربية في التعليم الأيديولوچي، مصادر للنزعات العنصرية".
وبالنسبة لتامارين، فإن هذه النتائج تتهم بصورة قاسية نظام التعليم في إسرائيل وتدعو المسئولين عن هذا النظام إلى الاستفادة من هذه النتائج التي تفرض نفسها. وكانت هذه الدراسة سبب في شهرة الكاتب غير المتوقعة وغير المرغوب فيها في الوقت ذاته، حيث أدى ما سُمِّيَ بـ (قضية تامارين) إلى فقدان تامارين لمنصبه الهام كأستاذ في جامعة تل أبيب. وفي رسالة قدمها لرئاسة الجامعة قال منددًا إنه لم يتخيل أبدًا أن يكون الضحية الأخيرة لغزو يشوع لأريحا!» اهـ.
نخلص من هذه الإشارات السريعة إلى أن ما تقوم به الأحزاب العَلْمانية في إسرائيل من تقديم تنازلات للأحزاب الدينية - رغم التنافر الحاصل بين الفريقين - سببه قدرة الأحزاب الدينية «على تقديم حجج (مقنعة) لوجوب السيطرة اليهودية الأبدية على أرض إسرائيل وإنكار حقوق أساسية للفلسطينيين. وهذه الحجج لا توضع فقط في إطار الأمن القومي، ولكن من خلال الحق الذي يمنحه الله لليهود لامتلاك هذه الأراضي» (١).
يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (٢): «هناك اتفاق بين الساسة المتنفذين في الدولة العبرية على أن العمل لاستكمال (مشروع إسرائيل الكبرى) (٣) هدف كبير واعد،
стр. 385
ولكنه بعيد آجل، ولا بد من الوصول إليه عبر مراحل في الزمان والمكان. غير أن هناك مفهومين سائدين ومختلفين في الوسيلة التي يمكن من خلالها الوصول إلى تنفيذ الهدف، وأحد هذين المفهومين يتبناه (الصقور) وتمثلهم (كتلة الليكود) التي تضم بعض الأحزاب اليمينية والدينية، والآخر يتبناه (الحمائم) ويمثلهم (حزب العمل) الذي يضم يساريين وليبراليين. وبأدنى قدر من الفهم يستطيع المراقب لسياسات الاتجاهين أن يدرك أنهما يتبادلان الأدوار على حسب ما تقتضيه المرحلة في كل ظرف. لكن الحزبين في النهاية يعملان لأهداف مشتركة وإن اختلفت الوسائل».
ثم يقول (١): «إن الفارق بين المفهومين في نهاية المطاف هو بين زعامة أكولة عجولة نهمة تريد أن تأكل العرب بيديها وأسنانها وأرجلها أيضًا، وبين زعامة تتعالى في كبرياء أنِفَة فلا تحب أن تأكل العرب إلا بالشوكة والسكين!» اهـ.
...
زواج مصالح ... ولكن !
كما رأينا كيف فُسِّرت حرب فلسطين عام ١٩٤٨م بأنها المؤشر الأول من ثلاثة مؤشرات دالة على تحقيق الإرادة الإلهية بقدوم المسيح، وكان المؤشر الثاني احتلال القدس في عام ١٩٦٧م. وبقي مؤشر ثالث منتظر، وهو تدمير المسجد الأقصى لبناء الهيكل على أنقاضه وإقامة ملك داود ..
ولقد اتفق الصهاينة من اليهود والنصارى على صحة هذه المؤشرات الثلاثة، ولكن بقيت قضية أصلية لم تحسم بعد! وهي هوية المسيح المنتظر؛ فاليهود تقول: إنه المسيح (ابن داود) الذي لم يُبعث بعد، في حين أن النصارى تقول: إنه المسيح بن مريم ﵇، والذي حينما يأتي ستؤمن له الصفوة اليهودية التقية، ثم بعدها سيبيد كل من لا يؤمن بالنصرانية، هذا باختصار. وكلا الفريقين يغض طرفه عن هذه المعضلة (المستحيل) حلها، ويتعامل مع الآخر بسذاجة ومكر أبله!؛ «ففرح النصارى باليهود ورعايتهم لهم هو أشبه بفرح علماء المختبرات بالعثور على الفئران أو الضفادع أو الحيات النادرة التي لا
стр. 386
يمكن إنجاح التجارب إلا بها، وهذه المخلوقات على وضاعتها وحقارتها، وخطورتها تلقى كل الرعاية والحرص، لا حبًا فيها ولكن، لأن الاختبارات لن تُجاز إلا بها! فالمسيح لن يأتي إلا بعد خروج الدجال، والدجال لن يأتي إلا بعد عودة اليهود إلى القدس وهدمهم للأقصى وبنائهم للهيكل وذبحهم للبقرة ... إلخ» (١)، ذلك في حين أن «اليهود يستثمرون عقيدة النصارى بخبث ودهاء، وينظرون إليهم على أنهم (بلهاء) إذ يقتنعون بالتعاون حاليًا معهم على هدم المسجد الأقصى، وإعادة بناء الهيكل، باعتباره القدر المتفق عليه بينهما، في حين يُؤَجَّل حسم نقاط الخلاف بينهما إلى ما بعد مجيء المسيح المنتظر» (٢).
والعجيب أنهم يسعون في الأمر وكأنهم يريدون أن يتحكموا فى صناعة الأقدار واستخراجها عنوة من مكنون الغيب ومستور القضاء إلى عالم الشهادة، ولو أحسنوا التفريق بين الأمور (الكونية القدرية) والأمور (الشرعية الإرادية) لأدركوا أن الأمور الكونية القدرية واقعة لا محالة، وأنها لا تُستدعى قهرًا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة (٣).
وتأمل معي ما صرَّح به السفاح أرييل شارون في مقابلة له، حيث قال: «حينما يأتي المُخَلِّص سنطرح عليه السؤال؛ سنسأله إن كانت هذه رحلته الأولى إلى الأرض المقدسة، أم أنه سبق وزار البلاد. في الأثناء، ليس لمصلحتنا رفض الأصدقاء الوحيدين والحلفاء المخلصين لنا، خصوصًا وأن لدينا عدوًا مشتركًا: الإسلام» (٤).
وفي المقابل يقول أحد الإنجيليين: «في الوقت الحاضر نحتاج إلى جميع الأصدقاء لدعم إسرائيل، فإذا جاء المسيح، يومذاك نفكر بالأمر. أما الآن فلنمجد الرب ولنرسل الذخيرة إلى إسرائيل» (٥).
وبحسب ديفيد هاريس David A. Harris، المدير التنفيذي للجنة الأمريكية
стр. 387
اليهودية American Jewish Committee AJC، فإن الاستعداد للاصطفاف مع اليمين المسيحي، پراجماتي في الأساس: «ربما تأتي نهاية الأزمنة غدًا، لكن إسرائيل على المحك الأول» (١).
ولذلك، فإني لم أجد لتعريف هذا التحالف (المؤقت) أدق من وصف جريس هالسل له بأنه «زواج مصلحة» (٢)؛ إذ تذكر هالسل أن هذا الزواج إنما هو نوع من «السامية الفلسفية التي تدعو إلى اعتبار اليهود الشركاء المحبوبين، ليس لأنهم يهود ويمارسون اليهودية، ولكن لأن لهم دورًا في خلاص المسيحيين» (٣).
فاليهود شعب - كما يتواتر القول على لسان الإنجيليين - «يبارك الله مباركيه ويلعن لاعنيه»، وهذا أصلٌ أقاموه اعتمادًا على ما جاء في سفر التكوين من قول الرب لإبراهيم ﵇: «ارحل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض» (٤).
يقول الإنجيلي الأمريكي الشهير چيري فالويل Jerry Falwell (١٩٣٣ - ٢٠٠٧ م): «نحن إلى جانب إسرائيل لا لأننا نعتقد بأنهم أكثر ذكاءً، أو لديها شيء خاص أو محبوبة أكثر، وإنما لأن الله اختار إبراهام لافتداء العالم أجمعين، وليس اليهود فحسب. بكلام آخر، نحن نساند دولة إسرائيل والشعب اليهودي من أجل تحررنا أيضًا، بما أن الشعب اليهودي هو مفتاح هذا التحرر» اهـ (٥).
إذن، فإن حب الإنجيليين لليهود هو حب لشعب (مخلِّص) لا حب لأفراد، ولذا فلا عجب حينما تجد الإنجيليين ذاتهم يصدرون تصريحات مشبعة بمعاني الحقد والكراهية
стр. 388
لليهود (كأفراد)، كما يقول، على سبيل المثال، چيري فالويل في كتابه (اسمعي، أمريكا! Listen, America!): «سيبقى اليهود عميان طالما أنهم لا يتحولون إلى المسيحية» (١).
وكما يلاحظ الباحث (الإسرائيلي/الأمريكي) چيرشوم جورنبرج Gershom Gorenberg، أن اللاهوت القدري لا يتوقع مصيرًا سعيدًا لليهود: «فاليهود، في نهاية الأزمنة، إما يموتون، وإما يرتدون». وحذر من أن المسيحيين الصهاينة، في شكل خاص، «لا يحبون الشعب اليهودي. يحبوننا كشخصيات في روايتهم، في مسرحيتهم ... وهي مسرحية من خمسة فصول، يختفي فيها اليهود في الفصل الرابع»! (٢).
ولكن رغم ذلك تشير جريس هالسل إلى أنه «لم يكن كل الأصوليين المسيحيين لاساميين. فكما هو متوقع في كل جماعة، توجد اختلافات شخصية وسياسية بينهم، الأمر الذي يجعل التعميم خاطئًا وخطيرًا» (٣)، ويؤيد ذلك ما تذكره باربرا فيكتور من أنه في «عام ٢٠٠٠م كان هذا الانفراج بين المسيحيين الإنجيليين واليهود قد استقر جيدًا، بحيث إن مجموعة مهمة من الحاخامات والباحثين اليهود المؤثرين وقَّعوا إعلانًا لاهوتيًا يدعو اليهود إلى الكف عن تنمية الخوف والريبة حيال النصارى، والاعتراف بالجهود المبذولة من قبل الكنيسة منذ المحرقة لإصلاح العقيدة المسيحية الخاصة باليهودية. هذا الإعلان كان بعنوان: Dabru Emet، وهو تعبير توراتي يعني (تبادلوا الكلمات الصادقة). وقد نُشِر في لوحات إعلانية مدفوعة الأجر في نيويورك تايمز وبالتيمور صن The Baltimore Sun، ومن ثم نُشِر من قِبَل معهد الدراسات اليهودية والمسيحية Institute for Christian and Jewish Studies ICJS، المنظمة البين-دينية المستقلة في بالتيمور» (٤).
стр. 389
وأيًا كان الأمر، فإن هذه الفروقات، أي كون القوم ساميين أم لا، لا تفيد الكثير من زاوية الرصد العامة التي نرصد بها الوضع السائد المتغاضى عنه، وكما تذكر هالسل، «فإن العديد من اليهود الصهيونيين يقولون إنهم مسرورون لتصرف المسيحيين بهذه الحرارة. إنهم ينسبون الفضل إلى المسيحية الصهيونية في مساعدة الصهيونية اليهودية الحديثة لتحقيق هدفها: خلق دولة يهودية حيث لا يرحب بغير اليهودي مواطنًا فيها»، وتبرهن على ذلك بقولها: «في السادس من فبراير ١٩٨٥م، ألقى سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu خطابًا أمام المسيحيين الصهاينة قال فيه: "لقد كان هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى أرض إسرائيل، وهذا الحلم الذي يراودنا منذ ٢٠٠٠ سنة، تفجر من خلال المسيحيين الصهيونيين"، وقال كذلك: "المسيحيون ساعدوا على تحول الأسطورة الجميلة إلى دولة يهودية"» اهـ (١).
ولكن لا نغفل عن التذكير بأن الذي دعم بقوة الخطوات العملية نحو التعجيل بوقوع (المؤشر الثالث) هو - كما تصف هالسل - تجاوز شهرة عقيدة هرمجدون (٢) ما يسمى
стр. 390
(المعتوهين) ووصولها إلى أعلى مستوى في السلطة الحكومية! (١).
تقول (٢): «في الستينات كنت أعمل كاتبة في البيت الأبيض، عندما انفجرت إحدى حروب الشرق الأوسط (حرب يونيو ١٩٦٧م). لم أكن أعرف الكثير عن الشرق الأوسط خارج قصص العهد القديم. ومع وصول الرئيسين چيمي كارتر ورونالد ريجان Ronald Reagan [١٩١١ - ٢٠٠٤ م] إلى سدة الرئاسة أصبح يتردد على مسامعي مزيد من الكلام عن هرمجدون».
ويقول محمد السماك (٣): «طبعًا كان يمكن أن يبدو كل هذا السيناريو، وكل هذا الكلام مجرد خزعبلات دينية، أو مجرد هلوسة دينية، ولكن عندما يكون من بين المؤمنين بها إيمانًا شديدًا وصادقًا شخصيات كالرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان، ووزير دفاعه كسپار وينبرجر Caspar Weinberger [١٩١٧ - ٢٠٠٦ م] وغيرهما من كبار الشخصيات الأمريكية السياسية والعسكرية التي تتبوأ مراكز قيادية، فإنها تأخذ بعدًا خاصًا. وعندما تتولى هذه الشخصيات توزيع نسخ من كتاب هال ليندسي (٤) على كل أعضاء البيت الأبيض، وموظفي الپنتاجون وقادة الجيوش الأمريكية، وعلى جميع أعضاء الكونجرس (الشيوخ والنواب)، وعلى حكام الولايات المتحدة وكل الشخصيات