← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يمكن إنجاح التجارب إلا بها، وهذه المخلوقات على وضاعتها وحقارتها، وخطورتها تلقى كل الرعاية والحرص، لا حبًا فيها ولكن، لأن الاختبارات لن تُجاز إلا بها! فالمسيح لن يأتي إلا بعد خروج الدجال، والدجال لن يأتي إلا بعد عودة اليهود إلى القدس وهدمهم للأقصى وبنائهم للهيكل وذبحهم للبقرة ... إلخ» (١)، ذلك في حين أن «اليهود يستثمرون عقيدة النصارى بخبث ودهاء، وينظرون إليهم على أنهم (بلهاء) إذ يقتنعون بالتعاون حاليًا معهم على هدم المسجد الأقصى، وإعادة بناء الهيكل، باعتباره القدر المتفق عليه بينهما، في حين يُؤَجَّل حسم نقاط الخلاف بينهما إلى ما بعد مجيء المسيح المنتظر» (٢). والعجيب أنهم يسعون في الأمر وكأنهم يريدون أن يتحكموا فى صناعة الأقدار واستخراجها عنوة من مكنون الغيب ومستور القضاء إلى عالم الشهادة، ولو أحسنوا التفريق بين الأمور (الكونية القدرية) والأمور (الشرعية الإرادية) لأدركوا أن الأمور الكونية القدرية واقعة لا محالة، وأنها لا تُستدعى قهرًا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة (٣). وتأمل معي ما صرَّح به السفاح أرييل شارون في مقابلة له، حيث قال: «حينما يأتي المُخَلِّص سنطرح عليه السؤال؛ سنسأله إن كانت هذه رحلته الأولى إلى الأرض المقدسة، أم أنه سبق وزار البلاد. في الأثناء، ليس لمصلحتنا رفض الأصدقاء الوحيدين والحلفاء المخلصين لنا، خصوصًا وأن لدينا عدوًا مشتركًا: الإسلام» (٤). وفي المقابل يقول أحد الإنجيليين: «في الوقت الحاضر نحتاج إلى جميع الأصدقاء لدعم إسرائيل، فإذا جاء المسيح، يومذاك نفكر بالأمر. أما الآن فلنمجد الرب ولنرسل الذخيرة إلى إسرائيل» (٥). وبحسب ديفيد هاريس David A. Harris، المدير التنفيذي للجنة الأمريكية

стр. 387

اليهودية American Jewish Committee AJC، فإن الاستعداد للاصطفاف مع اليمين المسيحي، پراجماتي في الأساس: «ربما تأتي نهاية الأزمنة غدًا، لكن إسرائيل على المحك الأول» (١). ولذلك، فإني لم أجد لتعريف هذا التحالف (المؤقت) أدق من وصف جريس هالسل له بأنه «زواج مصلحة» (٢)؛ إذ تذكر هالسل أن هذا الزواج إنما هو نوع من «السامية الفلسفية التي تدعو إلى اعتبار اليهود الشركاء المحبوبين، ليس لأنهم يهود ويمارسون اليهودية، ولكن لأن لهم دورًا في خلاص المسيحيين» (٣). فاليهود شعب - كما يتواتر القول على لسان الإنجيليين - «يبارك الله مباركيه ويلعن لاعنيه»، وهذا أصلٌ أقاموه اعتمادًا على ما جاء في سفر التكوين من قول الرب لإبراهيم ﵇: «ارحل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض» (٤). يقول الإنجيلي الأمريكي الشهير چيري فالويل Jerry Falwell (١٩٣٣ - ٢٠٠٧ م): «نحن إلى جانب إسرائيل لا لأننا نعتقد بأنهم أكثر ذكاءً، أو لديها شيء خاص أو محبوبة أكثر، وإنما لأن الله اختار إبراهام لافتداء العالم أجمعين، وليس اليهود فحسب. بكلام آخر، نحن نساند دولة إسرائيل والشعب اليهودي من أجل تحررنا أيضًا، بما أن الشعب اليهودي هو مفتاح هذا التحرر» اهـ (٥). إذن، فإن حب الإنجيليين لليهود هو حب لشعب (مخلِّص) لا حب لأفراد، ولذا فلا عجب حينما تجد الإنجيليين ذاتهم يصدرون تصريحات مشبعة بمعاني الحقد والكراهية

стр. 388

لليهود (كأفراد)، كما يقول، على سبيل المثال، چيري فالويل في كتابه (اسمعي، أمريكا! Listen, America!): «سيبقى اليهود عميان طالما أنهم لا يتحولون إلى المسيحية» (١). وكما يلاحظ الباحث (الإسرائيلي/الأمريكي) چيرشوم جورنبرج Gershom Gorenberg، أن اللاهوت القدري لا يتوقع مصيرًا سعيدًا لليهود: «فاليهود، في نهاية الأزمنة، إما يموتون، وإما يرتدون». وحذر من أن المسيحيين الصهاينة، في شكل خاص، «لا يحبون الشعب اليهودي. يحبوننا كشخصيات في روايتهم، في مسرحيتهم ... وهي مسرحية من خمسة فصول، يختفي فيها اليهود في الفصل الرابع»! (٢). ولكن رغم ذلك تشير جريس هالسل إلى أنه «لم يكن كل الأصوليين المسيحيين لاساميين. فكما هو متوقع في كل جماعة، توجد اختلافات شخصية وسياسية بينهم، الأمر الذي يجعل التعميم خاطئًا وخطيرًا» (٣)، ويؤيد ذلك ما تذكره باربرا فيكتور من أنه في «عام ٢٠٠٠م كان هذا الانفراج بين المسيحيين الإنجيليين واليهود قد استقر جيدًا، بحيث إن مجموعة مهمة من الحاخامات والباحثين اليهود المؤثرين وقَّعوا إعلانًا لاهوتيًا يدعو اليهود إلى الكف عن تنمية الخوف والريبة حيال النصارى، والاعتراف بالجهود المبذولة من قبل الكنيسة منذ المحرقة لإصلاح العقيدة المسيحية الخاصة باليهودية. هذا الإعلان كان بعنوان: Dabru Emet، وهو تعبير توراتي يعني (تبادلوا الكلمات الصادقة). وقد نُشِر في لوحات إعلانية مدفوعة الأجر في نيويورك تايمز وبالتيمور صن The Baltimore Sun، ومن ثم نُشِر من قِبَل معهد الدراسات اليهودية والمسيحية Institute for Christian and Jewish Studies ICJS، المنظمة البين-دينية المستقلة في بالتيمور» (٤).

стр. 389

وأيًا كان الأمر، فإن هذه الفروقات، أي كون القوم ساميين أم لا، لا تفيد الكثير من زاوية الرصد العامة التي نرصد بها الوضع السائد المتغاضى عنه، وكما تذكر هالسل، «فإن العديد من اليهود الصهيونيين يقولون إنهم مسرورون لتصرف المسيحيين بهذه الحرارة. إنهم ينسبون الفضل إلى المسيحية الصهيونية في مساعدة الصهيونية اليهودية الحديثة لتحقيق هدفها: خلق دولة يهودية حيث لا يرحب بغير اليهودي مواطنًا فيها»، وتبرهن على ذلك بقولها: «في السادس من فبراير ١٩٨٥م، ألقى سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu خطابًا أمام المسيحيين الصهاينة قال فيه: "لقد كان هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى أرض إسرائيل، وهذا الحلم الذي يراودنا منذ ٢٠٠٠ سنة، تفجر من خلال المسيحيين الصهيونيين"، وقال كذلك: "المسيحيون ساعدوا على تحول الأسطورة الجميلة إلى دولة يهودية"» اهـ (١). ولكن لا نغفل عن التذكير بأن الذي دعم بقوة الخطوات العملية نحو التعجيل بوقوع (المؤشر الثالث) هو - كما تصف هالسل - تجاوز شهرة عقيدة هرمجدون (٢) ما يسمى

стр. 390

(المعتوهين) ووصولها إلى أعلى مستوى في السلطة الحكومية! (١). تقول (٢): «في الستينات كنت أعمل كاتبة في البيت الأبيض، عندما انفجرت إحدى حروب الشرق الأوسط (حرب يونيو ١٩٦٧م). لم أكن أعرف الكثير عن الشرق الأوسط خارج قصص العهد القديم. ومع وصول الرئيسين چيمي كارتر ورونالد ريجان Ronald Reagan [١٩١١ - ٢٠٠٤ م] إلى سدة الرئاسة أصبح يتردد على مسامعي مزيد من الكلام عن هرمجدون». ويقول محمد السماك (٣): «طبعًا كان يمكن أن يبدو كل هذا السيناريو، وكل هذا الكلام مجرد خزعبلات دينية، أو مجرد هلوسة دينية، ولكن عندما يكون من بين المؤمنين بها إيمانًا شديدًا وصادقًا شخصيات كالرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان، ووزير دفاعه كسپار وينبرجر Caspar Weinberger [١٩١٧ - ٢٠٠٦ م] وغيرهما من كبار الشخصيات الأمريكية السياسية والعسكرية التي تتبوأ مراكز قيادية، فإنها تأخذ بعدًا خاصًا. وعندما تتولى هذه الشخصيات توزيع نسخ من كتاب هال ليندسي (٤) على كل أعضاء البيت الأبيض، وموظفي الپنتاجون وقادة الجيوش الأمريكية، وعلى جميع أعضاء الكونجرس (الشيوخ والنواب)، وعلى حكام الولايات المتحدة وكل الشخصيات

стр. 391

النافذة، عندما يحدث ذلك بهذه العلانية (المجهولة في المشرق العربي على الأقل) فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تصبح مجرد ترجمة لهذا المفهوم الإنجيلي المتهود للمسيحية» اهـ. ومردّ ذلك في حقيقة الأمر إلى مدى اقتراب الإيفانجليكيين من سدة الحكم، وكما يذكر چون ميكلثوايت وأدريان وولدريدچ (١) «كانت حقبة ريجان بمثابة المرة الأولى التي يكون أحدهم فيها في البيت الأبيض، وهو إحساس لم يتكرر حتى حلول إدارة چورچ بوش الابن». يقول ميكلثوايت وولدريدچ: «حتى أواسط السبعينات، كانت صلات المسيحيين الإفانجليكيين بالديمقراطيين أوثق من صلاتهم بالجمهوريين. فاتجهت أصوات أغلبية الإيفانجليكيين لچيمي كارتر في سنة ١٩٧٦م. إلا أن انحراف الديمقراطيين جهة اليسار أثار حفيظة الإيفانجليكيين ... وكان كارتر أثار حفيظة عدو عنيد؛ فالديانة الإيفانجليكية كانت تتقدم ... وكان الإيفانجليكيون بداية يقاومون إغراء التدخل في عالم قيصر (العالم الأرضي). وفي أوائل السبعينات، أخذ القسس يعظون الناس بأهمية الخلاص الفردي لا العمل الجماعي. كان چيري فالويل يقول: "ليس مطلوبًا من الوعاظ أن يكونوا ساسة، بل روحانيين". إلا أن فالويل وجماعته وجدوا أنفسهم يتورطون شيئًا فشيئًا في عالم السياسة بعد أن استفزتهم الدوامة التي تجر البلاد لأسفل. يقول فالويل: "الشيطان حشد قواه لكي يدمر أمريكا، وأراد الرب أصواتًا ترتفع لتخلص الشعب من الاضمحلال الخلقي الروحي" ... وفي ١٩٧٩م، أضفى المحافظون واليمين الديني صفة رسمية على الرباط الذي جمعهما» اهـ (٢).

стр. 392

ولكن هنا تجدر الإشارة إلى أمر مهم؛ وهو أن الموقف الأمريكي تجاه المسألة الإسلامية العامة والفلسطينية الخاصة لا يختلف الكثير بين الديمقراطيين الليبراليين والجمهوريين المحافظين. ولذا فإن الخلاف الداخلي الكائن بالفعل بين الاتجاهين لا يعنينا كثيرًا في هذا الباب، فإن الغاية الخارجية واحدة وإن اختلفت السياسات، والغاية - وفق المذهب المكيافيللي - تسوِّغ الوسيلة! ولقد فصَّلنا الحديث عن الموقف تجاه المسألة الإسلامية في الفصل الأول، أما فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، فلنا في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام ٢٠٠٨م خير برهان .. العلاقة (الأمريكية-الإسرائيلية) أشبه بالزواج الكاثوليكي: يقول ستيفن والت، عميد كلية كنيدي في جامعة هارفارد، وچون ميرشايمر، پروفيسور العلوم السياسية في جامعة شيكاجو، في بحثهما البالغ الأهمية (اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الخارجية) - وكان تاريخ صدوره ٢٧ أغسطس ٢٠٠٧م - (١): «يمكننا أن نكون واثقين من أن المرشحين سيتكلمون بصوت واحد حول موضوع واحد؛ ففي ٢٠٠٨م، كما في أعوام الانتخابات السابقة، سيذهب المرشحون الجديون إلى أعلى منصب في البلاد، إلى أبعد ما يكون في التعبير عن التزامهم الشخصي العميق بدولة أجنبية واحدة - إسرائيل -، بالإضافة إلى تصميمهم على الحفاظ على الدعم الأمريكي الذي لا يلين للدولة اليهودية ... : أعلن السيناتور چون ماكين John McCain (الجمهوري عن أريزونا Arizona) أنه "عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن إسرائيل، لا يمكننا ببساطة المساومة" ... وتحدثت السيناتور هيلاري كلينتون Hillary Clinton (الديمقراطية عن نيويورك) في نيويورك أمام المجلس المحلي لـ (لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية، أيپاك American Israel Public Affairs Committee AIPAC)،

стр. 393

ذات النفوذ الكبير في كل من إسرائيل والولايات المتحدة (١)، وقالت إن "ما هو حيوي ... في هذه اللحظة من الصعوبة الكبرى التي تواجهها إسرائيل والمخاطر الكبرى عليها ... هو أن نؤازر صديقتنا وحليفتنا، وأن نقف إلى جانب قيمنا الخاصة. فإسرائيل منارة لما هو حق في محيط تظلله أخطاء راديكالية، والتطرف، والاستبداد، والإرهاب". وتحدث أحد منافسيها على تسمية الحزب الديمقراطي لانتخاب الرئاسة، السيناتور باراك [حسين] أوباما Barack Hussein Obama (الديمقراطي عن إيلينويز Illinois) (٢) ، بعد ذلك بشهر أمام حضور للأيپاك في شيكاجو. فأوباما، الذي سبق وأدلى بإشارة موجزة إلى المعاناة الفلسطينية، في ظهور له في إحدى الحملات في مارس ٢٠٠٧م، لم يحمل لبسًا في إشادته بإسرائيل، وأوضح في شكل ظاهر أنه لن يفعل أي شيء لتغيير السياسة الأمريكية-الإسرائيلية» اهـ. وقد أشار إلى ذلك بوضوح أيضًا خبير شئون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ستيفن كوك Steven A. Cook في حواره مع جريدة (المصري اليوم) في عدد الجمعة ٣١/ ١٠/٢٠٠٨م، أي قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية بأربعة أيام، والتي اكتسح فيها المرشح الديمقراطي أوباما خصمه الجمهوري ماكين (٣)، حيث

стр. 394

قال: «العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية لن تختلف سواء كان الرئيس المقبل أوباما أو ماكين». وحتى في ظل ما تردد كثيرًا في الأوساط السياسية والإعلامية - العربية على وجه أخص - بشأن توتر العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية ووصولها إلى درجات تدن غير مسبوقة منذ تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو المتعلقة باستمرار بناء المستوطنات، مزامنة مع زيارة چوبايدن Joe Biden نائب الرئيس الأمريكي للمنطقة في مارس من عام ٢٠١٠م، مما وجه (صفعة) - برأي البعض - للإدارة الأمريكية بأكملها. فالصفعة الحقيقية كانت من نصيب مروجي الفكرة أنفسهم!؛ فقد كان واضحًا للعيان أن زيارة نتنياهو لأمريكا في ٢٤/ ٣/٢٠١٠م وخطابه أمام المؤتمر السنوي لمنظمة أيپاك الصهيونية عكست دفء العلاقات الثنائية، كما أنها عززت قوة اللوبي الإسرائيلي داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع إلقاء وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الكلمة الافتتاحية، رغم كل ما قيل عن انفعالها وغضبها ومكالمتها الهاتفية الثائرة ذات الثلاثة والأربعين دقيقة مع نتنياهو بسبب تصريحات المستوطنات .. حتى إنه عقَّب ناثان براون Nathan J. Brown، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة چورچ واشنطن، عقَّب على هذه الأحداث ولخص طبيعة العلاقات الثنائية بقوله: «لا شيء يغير صلابة وعمق العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، فلا تصدقوا أن هناك توترًا بل موازنات سياسية، وليس هناك انفصال أو شقاق، فالعلاقة أقرب إلى الزواج الكاثوليكي، الذي لا يمكن أن ينفصل فيه الزوجان، رغم كل خلافاتهما الزوجية البسيطة» اهـ (١). وليس أوضح من اتخاذ أمريكا «المسار الحذر Cautious line» (٢) في متابعة تداعيات المجزرة الإسرائيلية تجاه أسطول الحرية البحري Gaza Freedom Flotilla صبيحة يوم الاثنين ٣١ مايو ٢٠١٠م، والذي توجه لكسر الحصار الشائن عن قطاع غزة

стр. 395

وإمداد أهله بالمعونات الإنسانية الحياتية، حيث انقضت القوات المحتلة الغاشمة على السفينة التركية وفتحت نيرانها الهيستيرية على الرَكْب وأوقعت فيهم تسعة قتلى وعشرات المصابين (١). واكتفى أوباما بوصف الحادث بـ (المأساوي)، وأنه من الضروري انتظار نتائج التحقيق الإسرائيلي في الحادث، مضيفًا أن لدى إسرائيل قلق أمني (شرعي)، وأنه يجب استغلال هذه المأساة من أجل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط (٢)!! اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في قرارات الولايات المتحدة: ولعلنا لإيضاح هذا الأمر الذي (قد) يرتاب فيه البعض، نتوقف مع سؤال طرحه والت وميرشايمر في بحثهما، حيث قالا (٣): «ما الذي يفسر هذا السلوك؟ لماذا يوجد هذا الحد الضئيل من الاختلاف بين أولئك الطامحين إلى الرئاسة فيما يتعلق بإسرائيل، بينما توجد اختلافات عميقة فيما بينهم تقريبًا حول كل قضية مهمة أخرى تواجه الولايات المتحدة؟». ويرجع الكاتبان السبب - في المقام الأول - إلى قوة اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في قرارات الولايات المتحدة المتعلقة بسياستها الخارجية على وجه الخصوص،

стр. 396

فيقولان (١): «السبب الحقيقي لهذا القدر من المراعاة التي يبديها السياسيون الأمريكيون، هو قوة اللوبي الإسرائيلي داخل معظم مراكز القرار في الإدارة الأمريكية. فاللوبي (٢) هو ائتلاف متفلت لأفراد ومجموعات تعمل بنشاط لتحريك السياسة الخارجية الأمريكية في اتجاه موال لإسرائيل. وهو ليس حركة واحدة موحدة بزعامة مركزية، وهو ليس بالتأكيد دسيسة أو مؤامرة تسيطر على سياسة الولايات المتحدة الخارجية (٣). إنه، ببساطة، مجموعة مصالح قوية، مؤلفة من يهود وأمميين معًا، هدفها المتعارف عليه دفع قضية إسرائيل داخل الولايات المتحدة، والتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية من خلال وسائل يعتقد أعضاؤها أنها مفيدة للدولة اليهودية. ولا تتوافق مختلف المجموعات التي تشكل اللوبي على كل مسألة تعني إسرائيل، على الرغم من أنها تتشاطر الرغبة في التسويق لعلاقة مميزة بين الولايات المتحدة والدولة العبرية. وعلى غرار الجهود التي تبذلها مجموعات إثنية وذات مصالح أخرى، فإن نشاطات مختلف عناصر اللوبي الإسرائيلي، هي أشكال مشروعة من المشاركة السياسية الديمقراطية، وتتوافق في الجزء الأكبر منها مع التقليد الأمريكي الطويل الأمد لنشاطات مجموعات المصالح. وكون اللوبي الإسرائيلي أصبح، تدريجًا، إحدى أقوى مجموعات المصالح في الولايات المتحدة، فإن المرشحين إلى المناصب العليا، يصغون إلى رغباته بعناية. فالأفراد والمجموعات الذين يشكلون اللوبي، يهتمون بشدة بإسرائيل، ولا يريدون من السياسيين الأمريكيين انتقادها، حتى عندما يكون للنقد ما يسوِّغه، وقد يكون حتى في مصلحة إسرائيل نفسها. بل إن هذه المجموعات تريد من المسئولين الأمريكيين معاملة

стр. 397

إسرائيل كما لو أنها الولاية الواحدة والخمسين! ومبرر هذا أن الديمقراطيين والجمهوريين معًا يخشون قبضة اللوبي. وهم يعرفون جميعًا أن أي سياسي يعترض على سياسته، لا يملك حظًا كبيرًا في أن يصبح رئيسًا» اهـ. ثم يناقش البحث المبررات التي تعلل بها الإدارة الأمريكية تأييدها المطلق لإسرائيل، فيقول (١): «ربما قال البعض إن مرد الأمر، هو أن إسرائيل تشكل ورقة استراتيچية حيوية للولايات المتحدة. ويقال، فعلًا، إنها شريك لا يمكن الاستغناء عنه في (الحرب على الإرهاب). وسيجيب آخرون بأن هناك قضية أخلاقية قوية في توفير الدعم المطلق لإسرائيل، كونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي (تشاركنا قيمنا نفسها). إلا أن أيًا من هذه الحجج لا يصمد أمام التمحيص المنصف ...» وعند تمحيص المبرر الاستراتيچي، يذكر البحث أنه إبان تصاعد تهديد السوفيت للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، «قررت إدارة كنيدي John F. Kennedy [١٩١٧ - ١٩٦٣ م] أن إسرائيل تستأهل مزيدًا من الدعم في ضوء المساعدة السوفيتية المتزايدة لمصر وسوريا والعراق. وشدد الزعماء الإسرائيليون تكرارًا على إمكانيات قيمتهم كحليف، وقوَّى انتصارهم المذهل في حرب الأيام الستة في ١٩٦٧م هذه المزاعم من خلال العرض الحي لبأس إسرائيل العسكري ... رأى نيكسون Richard Nixon [١٩١٣ - ١٩٩٤ م] وكسنچر في الدعم المتزايد لإسرائيل، وسيلة فعالة لمواجهة النفوذ السوفيتي عبر المنطقة. واتخذت صورة إسرائيل بوصفها (ورقة استراتيچية) جذورها في السبعينات، وأضحت قانون إيمان مع منتصف الثمانينات. سارت قضية القيمة الاستراتيچية لإسرائيل في خط مستقيم من ١٩٦٧ إلى ١٩٨٩م. فإسرائيل، بأدائها دور الوكيل الأمريكي في الشرق الأوسط، ساعدت الولايات المتحدة على احتواء التوسع السوفيتي في تلك المنطقة المهمة، كما مهدت الطريق لواشنطن، ظرفيًا، في التعاطي مع أزمات إقليمية أخرى» (٢).

стр. 398

ولكن، «حتى لو شكلت إسرائيل حليفًا قيمًا للولايات المتحدة إبان الحرب الباردة، فإن هذا التبرير انتهى مع انهيار الاتحاد السوفيتي. واستنادًا إلى المؤرخ الضليع (!) في قضايا الشرق الأوسط برنارد لويس (وهو نفسه مؤيد بارز لإسرائيل)، "مهما تكن قيمة إسرائيل كورقة استراتيچية إبان الحرب الباردة، فإن هذه القيمة انتهت مع انتهاء الحرب الباردة نفسها". وخلص العالم السياسي برنارد ريتش Bernard Reich من جامعة چورچ واشنطن، ومؤلف عدة كتب عن العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، إلى الاستنتاج نفسه في ١٩٩٥م، ملاحظًا أن "لإسرائيل أهمية عسكرية أو اقتصادية محدودة للولايات المتحدة ... إنها ليست دولة حيوية استراتيچيًا". وأعطى خبير الدفاع في جامعة برانديس Brandeis، روبرت آرت Robert J. Art، الفكرة نفسها في ٢٠٠٣م، ملاحظًا أنه "لإسرائيل قيمة استراتيچية صغيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وهي تشكل بأشكال عدة، عبئًا استراتيچيًا". ومع تراجع هاجس الحرب الباردة لتصير أمرًا من التاريخ، أصبح يصعب تفويت أهمية إسرائيل الاستراتيچية المتراجعة. ووفَّرت حرب الخليج في ١٩٩١م، في الواقع، دليلًا إلى أن إسرائيل أصبحت ثقلًا استراتيچيًا ... ولم تغب هذه النقطة كذلك عن برنارد لويس الذي كتب: "ظهر هذا التغير [في قيمة إسرائيل الاستراتيچية] بوضوح في حرب الخليج ... عندما أصبح أقصى ما ترغب فيه الولايات المتحدة من إسرائيل هو البقاء خارج النزاع: أن تكون صامتة، هادئة، وغير مرئية بقدر الإمكان ... فإسرائيل لم تعد ورقة، بل خروج عن الصدد، بل إن البعض قال إنها مصدر إزعاج"» (١). أضف إلى ذلك أنه «حتى ١١ سپتمبر ٢٠٠١م، لم يوفر خطر الإرهاب والمشكلات التي تسببها هذه (الدول المارقة) المختلفة، سندًا عقليًا استراتيچيًا مُلزمًا للدعم الأمريكي غير المشروط للدولة اليهودية. وتشرح هذه المخاوف لماذا أرادت إسرائيل المساعدة من

стр. 399

الولايات المتحدة، لكنها لا تعلل الاستعداد الأمريكي لتوفير هذه المساعدة بمثل هذا السخاء الذي تقوم به» (١). يقول المسيري (٢): «ما لم يطرأ لمثل هؤلاء [المنادين بمقولة قوة اللوبي الصهيوني] على بال أن من المحتمل أن الولايات المتحدة لا تدرك مصالحها بهذه الطريقة التي يتصورون أنها عقلانية بل لعلها ترى أن "عدم الاستقرار أو عدم الاستقرار المحكوم" Controlled Instability أفضل وضع بالنسبة لها، وأن وضع التجزئة العربية هو ما يخدم مصالحها، وأن إسرائيل هي أداتها في خلق حالة عدم الاستقرار المحكوم هذه، وهي الخادم الحقيقي لمصالحها» اهـ. ينتقل والت وميرشايمر بعد ذلك إلى تمحيص المبرر الأخلاقي، فيقولان (٣): «وقيل: إن مردّ عدائها [المجموعات الإرهابية المدعومة من قبل الدول المارقة] لإسرائيل والولايات المتحدة، هو نفورها من قيم الغرب اليهودية-المسيحية، وثقافته، ومؤسساته الديمقراطية. بعبارات أخرى، إنهم يكرهون الأمريكيين "لما نحن عليه"، وليس "لما نفعله". وهم يكرهون إسرائيل، بالطريقة نفسها، لأنها غربية أيضًا، وحديثة، وديمقراطية، وليس لأنها احتلت أرضًا عربية، بما في ذلك أماكن مقدسة إسلامية مهمة، ولأنها ظلمت سكانًا عربًا ... وبدلًا من النظر إلى إسرائيل بوصفها المصدر الرئيس لعلاقات أمريكا المضطربة مع العالمين العربي والإسلامي، يصور هذا السند العقلاني الجديد إسرائيل على أنها حليف رئيس في (الحرب الشاملة على الإرهاب). لماذا؟ لأنه يقال إن أعداءها هم أنفسهم أعداء أمريكا. وعلى حد ما ذكره أرييل شارون في خلال زيارة الولايات المتحدة أواخر ٢٠٠١م، إثر الهجمات الرهيبة على مركز التجارة العالمي والپنتاجون: "أنتم في أمريكا تخوضون حربًا ضد الإرهاب. ونحن في إسرائيل نخوض حربًا ضد الإرهاب! إنها الحرب نفسها"».

стр. 400

وبعد أن أفاض الباحثان في عرض البراهين والأدلة البالغة الدقة (١)، يخلصان إلى القول بأنه «لا يمكن للحجج الأخلاقية أو الاستراتيچية التي يستحضرها مؤيدو إسرائيل، أن تعلل العلاقة الأمريكية المميزة مع الدولة اليهودية على مر العقود الثلاثة الماضية. ويصح هذا بنوع خاص في فترة ما بعد الحرب الباردة عندما تبخر التعليل العقلاني الاستراتيچي في شكل كبير، وتقوض التعليل العقلاني الأخلاقي من خلال الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وبرغم ذلك، تستمر العلاقة في النمو والتعمق ... ولأن القضية الاستراتيچية والأخلاقية تتزايد ضعفًا، فلا بد من وجود أمر آخر وراء هذا النمط العجيب من الدعم الأمريكي المتزايد لإسرائيل» اهـ (٢). إذن، فإن هذا التأييد المطلق غير المنطقي يرجع في الأساس - كما تقدم القول - إلى قوة نفوذ اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في السياسة الخارجية للولايات المتحدة على وجه الخصوص، «فالمجموعات والأفراد الذين يشكلون اللوبي الإسرائيلي، هم في موقع مميز في شكل استثنائي للتأثير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وما يميزه باختصار، هو فعاليته الاستثنائية» (٣). ولقد أشار المسيري إشارة مهمة فقال (٤): «لا يهتم الناخب الأمريكي كثيرًا بقضايا السياسة الخارجية ولا يفهمها كثيرًا، ولذا فإن أقلية مثل الجماعة اليهودية عندها هذا الاهتمام بإسرائيل وسياسة الولايات المتحدة تجاهها يمكنها أن تمارس نفوذًا قويًا في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية» اهـ. ومن المهم أن نشير إلى أن اللوبي يستفيد من غياب معارضة فاعلة له، وعلى ما شرحه

стр. 401

أحد السيناتورات، «ليس هناك شعور مضاد ... فإذا قمت بالتصويت بعكس الضغط الهائل الذي تمارسه الأيپاك، فلن يقول لك أحد: هذا رائع» ... ولا يزال تقويم روبرت ترايس Robert Trice في ١٩٨١م للمجموعات العربية-الأمريكية، صحيحًا اليوم: «إن وقعها على معظم أوجه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا يزال لا يُعتد به» (١). وأظن أن هذا يعطينا فهمًا أوضح لما قاله هاري ترومان في حديثه إلى الديپلوماسيين العرب - وقد تقدم -، قال: «أنا متأسف أيها السادة، فأنا ملتزم أمام مئات الآلاف من المواطنين الذين يريدون نجاح الصهيونية، وليس لديّ مئات الآلاف من العرب ضمن دوائري الانتخابية» اهـ (٢). ختامًا، لا نغفل عن الإشارة إلى أن «بعض أهم المجموعات في اللوبي - بما في ذلك الأيپاك ومؤتمر الرؤساء Conference of Presidents CoP - أصبح، مع مرور الزمن، إلى يمين المحافظين، وهو اليوم بقيادة متشددين يساندون مواقف نظرائهم الصقور في إسرائيل» (٣)، فضلًا عن أنه قد «تدعَّم انجرار اللوبي إلى اليمين ببروز المحافظين الجدد» (٤). وهذا إن دل على شيء فهو يدل على ثقل اليمين المحافظ وقوة تأثيره في المجتمع الأمريكي، وهو ما يصب بالتالي في القرارات الخارجية للإدارة الأمريكية. ولقد أشار ميكلثوايت وَوُولدريدچ إشارة بالغة الدلالة حينما قالا (٥): «لم يكن ضروريًا لبوش أن يفوز في انتخابات ٢٠٠٤م حتى تظل أمريكا أسيرة أمة اليمين. ونرى أن انتصار الديمقراطيين في انتخابات ٢٠٠٤م ما كان ليغير موقف أمريكا المحافظ. فالديمقراطيون

стр. 402

سيتحولون إلى حزب محافظ، نسبيًا بالمعايير الأوروپية في المستقبل المنظور. فهم كالجمهوريين، يعتمدون على الشركات الكبرى والأثرياء من الأفراد. ولا سبيل لأن يفوزوا بانتخابات إلا إذا تمكنوا من (استعادة المحافظين في القلب)» اهـ. ونحن عند اعتمادنا هذه الرؤية المستقبلية التي تضع القرار بين يدي أناس ذوي (ثقافة هرمجدونية) تصور (مسيح السلام) بأنه «چنرال بخمسة نجوم، يمتطي جوادًا ويقود جيوش العالم كلها مسلحًا برءوس نووية، ليقتل المليارات من الناس»، فحينها نستطيع القول بأنه قد صدق اليهودي أحاد هاعام حينما خشي هذا المستقبل المفجع فقال: «إذا كان ذلك هو المسيح، فلا أريد أن أرى قدومه» اهـ. ***

стр. 403

الباب الثاني حصان فارسي الفصل الأول: تشيع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية الفصل الثاني: عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس الفصل الثالث: شبهات وردودها

стр. 404

الفصل الأول: تشيع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية

стр. 405

- - ﴿تشيع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية﴾ - - «.. وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم» [القفاري] (١) قبل النبش في جذور التشيع، نكمل سريعًا تتبع المسار التاريخي لهجرة اليهود وشتاتهم في الأرض، والذي قد بدأناه في الباب السابق. وقد أرجأنا تتبع هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية إلى هذا الموضع من البحث، وكان ذلك لغرض .. فيقول المستشرق اليهودي إسرائيل وُلفنسون أبو ذؤيب Israel Wolfensohn (١٨٩٩ - ١٩٨٠) (٢) : «تذكر لنا صحف العهد القديم من أخبار بني إسرائيل أن بلاد طور سيناء وشمال الجزيرة بوجه عام كانت ملجأ يقصد إليه كثير من بني إسرائيل الذين كانوا يفرون من وجه الملوك والحكام الظالمين، ثم في عهد الملك بختنصر فإنه حين غزا أورشليم قصدت جموع من اليهود أرض الجزيرة ...»، إلى أن قال (٣): «والخلاصة أن عناصر إسرائيلية يظن أنها قد هاجرت من ديارها إلى الأقاليم العربية في عصور مختلفة ولأسباب شتى غير أنها بادت كما بادت قبائل عربية كثيرة ولم يبق من آثارها سوى اسمها» اهـ. ولقد قصد الكثير منهم نواحي خيبر والمدينة وما جاورها، وذلك كما يقول الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ (٤) «لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله، وكانوا يقاتلون المشركين من العرب فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله قبل ظهوره،

стр. 406

ويعدونهم بأنه سيخرج نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله نبيه سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب، فحملهم الحسد والبغي على الكفر به وتكذيبه ...». قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). ولقد تلخص موقف اليهود تجاه رسول الله ﷺ ودعوته فيما ترويه لنا أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂، حيث تقول: «كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قُباء غدا عليه أبي وعمي مُغَلِّسَيْنِ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالَّيْن ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال عمي: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك؟ أجاب: عداوته والله مابقيت» (٢). فهذا بيت القصيد: «عداوته والله مابقيت»! ولقد تنوعت مظاهر هذا العداء وتعددت، وكان منها الظاهري والباطني، وأظهرها كان إنكار دلائل نبوة هذا الرسول النبي الأمي، ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (٣)، فقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ولو أنهم أعملوا عقولهم لقالوا كيف يمكن لرسول الله ﷺ أن يعلن أن التبشير به قد تم في كتبهم لولا أن ذلك حق؟! فما كان يتجرأ الرسول ﷺ على هذا الإعلان الذي يمكن أن يُكَذَّب فيه بسهولة من قِبَل كل من اليهود والنصارى لولا أنه من عند الله الذي يعلم أنه الحق، ولكنهم كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٥). وقد يحيد بنا الطريق قليلًا عن مسار البحث، وذلك لحاجتنا لاستعراض بعض هذه

стр. 407

الدلائل الواضحة التي لا تزال موجودة إلى اليوم في كتبهم المحرفة، فإن الحق تتعدد شواهده وتزداد محامده .. فمن تلك البشريات النبوية في العهد القديم (التوراة)، ما جاء في سفر التثنية من قول الرب لموسى: «سأقيم لهم نبيًا من بين إخوتهم مثلك وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به. وكل من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه (١). وأي نبي تكلم باسمي كلامًا زائدًا لم آمره به، أو تكلم باسم آلهة أخرى، فجزاؤه القتل» (٢). يقول ابن القيم ﵀ (٣): «فهذا النص مما لا يمكن لأحد منهم جحده وإنكاره، ولكن لأهل الكتاب فيه أربع طرق: أحدها: حمله على المسيح، وهذه طريق النصارى، وهو دليل يخالف معتقدهم في المسيح. وأما اليهود فلهم فيه ثلاث طرق: أحدها: على حذف أداة الاستفهام والتقدير: «أأُقيم لبني اسرائيل نبيًا من إخوتهم، لا أفعل هذا»، فهو استفهام إنكار حذفت منه أداة الاستفهام. الثاني: أنه خبر ووعيد، ولكن المراد به (شموئيل النبي)، فإنه من بني إسرائيل. والبشارة إنما وقعت بنبي من إخوتهم وإخوة القوم هم بنو أبيهم وهم بنو إسرائيل. الثالث: أنه نبي يبعثه الله في آخر الزمان يقيم به ملك اليهود ويعلو به شأنهم، وهو ينتظرونه الآن ويسمونه المنتظر. قال المسلمون: البشارة صريحة في النبي العربي الأمي محمد ﷺ ابن عبد الله، لا تُحْتَمَل على غيره» اهـ. قلت: وذلك لعدة أمور، منها: قوله: «نبيًا .. مثلك»: فلقد جاء في سفر التثنية كذلك أنه «لم يظهر بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى، الذي خاطبه الرب وجهًا لوجه» (٤)،

стр. 408

ويقر ذلك چيمس دُوو James L. Dow في قاموس (كولينز چم للإنجيل Collins Gem, Dictionary of the Bible) ص (٤٠٣) بقوله ما نصه: «The only man of history who can be compared even remotely to him [i.e. Moses] is Mahomet»، أي إن الرجل الوحيد في التاريخ الذى يمكن مقارنته بموسى ﵇ حتى في أبعد التفاصيل- هو محمد ﷺ (١). ولقد أشار الرب ﷻ إلى هذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ (٢). وفي قوله: «من بين إخوتهم»: الخطاب موجه لقوم موسى (بني إسرائيل) ككل. ولذا فالمقصود بـ (إخوتهم) هم العرب ذرية إسماعيل ﵇، كما جاء لفظ (الإخوة) بهذا الاستعمال الحقيقي في حق إسماعيل ﵇ في سفر التكوين: «وأمام جميع إخوته يسكن» (٣). ومعلوم أن رسولنا محمدًا ﷺ هو من ذرية إسماعيل ﵇، وأنه ﷺ استجابة الله تعالى لدعاء إبراهيم الخليل ﵇ حينما قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (٤).

стр. 409

أما عن قوله: «وألقي كلامي في فمه»: فلقد جاء بسفر أشعياء في فصل بعنوان (مصير أورشليم) ما يلي: «ثم تُناولونه لمن لايعرف القراءة وتقولون له: اقرأ هذا، فيجيب: لا أعرف القراءة» (١)، والمشهور من صحيح السيرة أن النبي ﷺ كان أمِّيًا لا يعرف القراءة والكتابة، وأنه ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يتعبد فى غار حراء، وقال له: اقرأ. فقال ﷺ : ما أنا بقارئ. فضمَّه جبريل ﵇ ضمة شديدة، ثم أطلقه وقال له: اقرأ، فقال ﷺ : ما أنا بقارئ. وفعل ذلك ثلاثًا، وفي الثالثة قال له: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢). هكذا أدرك النبي ﷺ وتلا ما أُلقي في فمه من كلام الله تعالى، قال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٣). وقوله: «فينقل إليهم جميع ما أكلمه به»: فلقد جاءت الأوامر في القرآن الكريم على السياق التالي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٦) ... إلخ، وذلك لأنه ﷺ : ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٧). بل وقوله: «الذي يتكلم به باسمي»: فيلاحظ أن القرآن الكريم يبدأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. وعن قوله: «وكل من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه»، وفي بعض النسخ: «... سأكون أنا المنتقم»، فيقول رحمة الله الهندي (٨): «فهذا الأمر لما ذكر

стр. 410

لتعظيم هذا النبي المبشر به فلا بد أن يمتاز ذلك المبشر به بهذا الأمر عن غيره من الأنبياء، فلا يجوز أن يراد بالانتقام من المُنكِر العذاب الأخروي الكائن في جهنم، أو المحن والعقوبات الدنيوية التي تلحق المنكرين من الغيب، لأن هذا إنكار لا يختص بإنكار نبي دون نبي، بل يَعُم الجميع، فحينئذ يراد بالانتقام الانتقام التشريعي، فظهر منه أن هذا النبي يكون مأمورًا من جانب الله بالانتقام من منكره. فلا يصدق على عيسى ﵇ لأن شريعته خالية عن أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد» اهـ. وفي النهاية تختم البشارة بقوله: «وأي نبي تكلم باسمي كلامًا زائدًا لم آمره به، أو تكلم باسم آلهة أخرى، فجزاؤه القتل»، يقول رحمة الله الهندي (١): «صرح في هذه البشارة بأن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره يقتل، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيًا حقًا لكان يُقتَل، وما قُتِل بل قال الله في حقه: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ولم يقدر على قتله أحد حتى لقي الرفيق الأعلى، وعيسى ﵇ قُتِل وصُلِب على زعم أهل الكتاب. فلو كانت البشارة في حقه لزم أن يكون نبيًا كاذبًا كما يزعمه اليهود والعياذ بالله» اهـ. كذلك فإن من تلك البشريات النبوية في العهد القديم، ما جاء بسفر التثنية أيضًا من قول: «وهذه هي البَرَكة التي بارك بها موسى رجُل الله بني إسرائيل قبل موته. فقال: أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من جبل سعير وتجلَّى من جبل فاران، وأتى من رُبى القدس وعن يمينه نار شريعة لهم» (٣)، وفي بعض النسخ: «وعن يمينه نار مشتعلة». ومعلوم أن جبل الطور بسيناء هو المكان الذى كلَّم الله تعالى فيه موسى ﵇ (٤)، وآتاه الألواح، ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٥). أما سعير فهي قرية بفلسطين، تقع في جنوب الضفة الغربية إلى الشمال الشرقي من مدينة الخليل، وهي مكان ولادة عيسى ﵇. وأما فاران فهي سلسلة الجبال الواقعة بمكة المكرمة، وورد بسفر التكوين أن فاران هو المكان الذي ترك فيه إبراهيم ﵇ زوجته هاجر وولده

стр. 411

إسماعيل ﵉ (١)، وقد قال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٢). كذلك فإن وادي بكة الذي فيه الكعبة بيت الله الحرام، وأول بيت وضع للناس كما أخبر ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، قد جاء ذكره في (المزمور ٨٤: ٦) في نسخة الملك چيمس KJV هكذا: «Who passing through the valley of Baca make it a well»، وكما يتضح من العبارة أن (بكة) هو اسم علم يكتب بحرف كبير Capital Letter لتمييزه. ذلك في حين أن النسخ العربية - وبعض الأجنبية كذلك - حرفت الاسم (بكة) إلى (وادي البكاء valley of weeping) تارة، و (وادي الجفاف dry valley of Baca) تارة أخرى، بل و (وادي البلسان valley of balsam-trees) تارة ثالثة، رغم أنه معلوم من قواعد اللغة أن أسماء الأعلام لا تترجم وإنما تنقل كما هي! كذلك فإننا لو أكملنا العبارة في بعض النسخ العربية فسنجدها تقول: «هنيئًا للذين عزتهم بك وبقلوبهم يتوجهون إليك. يعبرون في وادي الجفاف فيجعلونه عيون ماء بل بركًا يغمرها المطر. ينطلقون من جبل إلى جبل ليروا إله الآلهة في صهيون» (٤)، أليست هذه صفة الحجيج إلى بيت الله الحرام، ينتقلون من جبل إلى جبل؟ الصفا والمروة؟؟ فمن أين جاء ذكر (صهيون) إذن؟! ولو بحثنا قليلًا لوجدنا في (دائرة المعارف الكتابية Encyclopaedia Biblica) ذكر ما نصه (٥): «أما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء فهو (بلسم مكة) الذي ما زالت مصر تستورده من شبه الجزيرة العربية كما كان الأمر قديمًا ... وشجرة البلسان لا تنمو الآن في فلسطين، وقد بحث عنها دكتور پوست Post وغيره من علماء النبات في

стр. 412

الغور وفي جلعاد، ولم يعثروا لها على أثر، كما لم يعثروا عليها فيما حول أريحا التي يذكر پليني [Pliny the Elder (٢٣ - ٧٩ م)] أنها كانت موطن الشجرة. ويقول استرابو [Strabo (٦٣/ ٦٤ ق. م-٢٤م)] إنها كانت تنمو حول بحر الجليل وكذلك حول أريحا ولكنهما وغيرهما من الكتاب القدماء اختلفوا في وصف الشجرة مما يدل على أنهم كانوا ينقلون عن مصادر غير موثوق بها» اهـ. ولكن انظر معي ما جاء في دائرة المعارف نفسها، في النسخة العربية ذاتها، مادة: (بكا - وادي البكاء)، حيث تقول: «يقول المرنم: "عابرين وادي البكاء يصيرونه ينبوعًا" (مز ٨٤: ٦)، فهو وادي الدموع. ولا تذكر هذه الكلمة (البكاء) كاسم علم إلا في معركة داود مع الفلسطينيين، عندما سأل الرب: هل يصعد إليهم؟ فقال له الرب: لا تصعد بل در من ورائهم وهلم عليهم مقابل أشجار البكا ... (٢ صم ٥: ٢٣و٢٤، ١ أخ ١٤: ١٤و١٥) (١)، ولعل المقصود بها أشجار البلسان لأنها تفرز مادة صمغية وكأنها الدموع ...»، إلى أن تقول: «ولكن الأرجح أن وادي البكا (مز ٨٤: ٦) ليس موضعًا جغرافيًا معينًا ولكنه تصوير مجازي لاختبار المؤمنين الذين كل قوتهم في الرب، والذي بنعمته يجدون أحزانهم وقد تبدلت إلى بركات» اهـ (٢). وغضت النسخة العربية الطرف عما ذكرته النسخة الإنجليزية الأصلية في الموضع ذاته، من أن توماس شايني Thomas K. Cheyne (١٨٤١ - ١٩١٥ م) - أحد محرري الموسوعة - يفترض وجود تلاعب قد حدث بالاسم (بَكائِم)، حيث تقول ما نصه (٣): «Cheyne ... supposes a play on the name Beka'im». ومعلوم أن (-إم - im) في اللغة العبرية هي زيادة Suffix تلحق بالكلمة في حال جمع

стр. 413

المذكر، وكما جرت العادة في استخدام صيغة الجمع للتوقير والتعظيم (١)، فيصير المراد هنا الاسم (بكة Baca). فما القول في هذا؟ أرى أن القول قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). أيضًا، نلاحظ في الفقرة السابقة من سفر التثنية أن عبارة «وأتى من رُبى القدس» يقابلها في النسخ الإنجليزية: «he came with ten thousands of saints»، عدا - فيما وجدت - نسخة يونج Young's جاء فيها: «and has come with myriads of holy ones»، وسكتت نسخة داربي Darby عن هذه العبارة. والمعنى أنه: «جاء ومعه عشرة آلاف قديس». فالملاحظ أن الترجمة العربية أسقطت هذه العبارة من النص، وكيف ذلك؟ ألا ينقلان من أصل واحد؟! نعم وإنما وقع ذلك لطمس حقيقة المراد من الآية؛ ذلك لأن أتباع موسى ﵇ المخلصين كان عددهم سبعين رجلًا (٣)، وأتباع عيسى ﵇ المخلصين كان عددهم اثني عشر حواريًّا (٤)، في حين أنه كما هو معلوم من السيرة النبوية أن صحابة رسول الله ﷺ الذين فتحوا مكة في رمضان في العام الثامن من الهجرة كان عددهم عشرة آلاف صحابي، وقد جعلها الله علامة بارزة لأهل الكتاب، لما تبع ذلك من ظهور للإسلام وانتشار لدعوته (٥).

стр. 414

كذلك نلاحظ في الفقرة ذاتها التعاقب الزمني لمبعث الأنبياء الثلاثة: موسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين، فتقول: «أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتجلَّى من جبل فاران»؛ وللحافظ ابن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥هـ) كلامٌ نفيسٌ في المسألة، فيقول ﵀ تعليقًا على ما رواه البخاري من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كرجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين. فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت» (١).

стр. 415

يقول ﵀ (١): «فمدة هذه الأمم الثلاث كيوم تام، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة اليوم، فإن الليل سابق النهار، وقد خُلِقَ قبله على أصح القولين، وتلك الليلة السابقة كان فيها نجوم تضيء، ويُهتدى بها، وهم الأنبياء المبعوثون فيها. وقد كان فيهم أيضًا قمرٌ منيرٌ وهو إبراهيم الخليل ﵇، إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء ... وأما ابتداء رسالة موسى ﵇ فكانت كابتداء النهار، فإن موسى وعيسى ومحمدًا ﷺ هم أصحاب الشرائع، والكتب المتَّبَعَة، والأمم العظيمة. وقد أقسم الله بمواضع رسالاتهم في قوله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٢)، وفي التوراة: "جاء الرب من طور سيناء، وأشرق من سعير، واستعلن من جبال فاران"، ولهذا سمَّى محمدًا ﷺ سراجًا منيرًا، لأن نوره للدنيا كنور الشمس وأعمُّ وأعظمُ وأنفعُ. وكانت مدة عمل بني إسرائيل إلى ظهور عيسى كنصف النهار الأول، ومدة عمل أمة عيسى ﵇ كما بين الظهر والعصر، ومدة عمل المسلمين كما بين العصر إلى غروب الشمس، وهذا أفضل أوقات النهار، ولهذا كانت الصلاة الوسطى العصر على الصحيح، وأفضل ساعات الجمعة ويوم عرفة من العصر إلى غروب الشمس. فلهذا كان خير قرون بني آدم القرن الذي بُعِثَ فيه محمد ﷺ » اهـ. لعلنا نكتفي بهاتين الإشارتين الصريحتين من التوراة، لنتناول بعض البشريات النبوية في العهد الجديد (الإنجيل): فلقد أخبر المسيح ﵇ بني إسرائيل بأن الله سيستبدل بهم قومًا آخرين، كما جاء بمتَّى: «أما قرأتم في الكتب المقدسة: الحجر الذي رفضه البناءون صار رأس الزاوية؟ هذا ما صنعه الرب، فيا للعجب! لذلك أقول لكم: سيأخذ الله ملكوته منكم ويسلمه إلى شعب يجعله يُثمِر. من وقع على هذا الحجر تهشم. ومن وقع هذا الحجر عليه سحقه» (٣).

стр. 416

ولقد قال النبي ﷺ : «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من الزاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (١). يقول رحمة الله الهندي (٢): «ولا يصدق هذا الوصف على عيسى ﵇ لأنه قال: "ومن سمع أقوالي ولم يؤمن بي لا أدينه، لأني ما جئت لأدين العالم بل لأخلص العالم" (٣)، وصدقه على محمد ﷺ غير محتاج إلى البيان، لأنه كان مأمورًا بتنبيه الفجار الأشرار، فإن سقطوا عليه ترضضوا، وإن سقط هو عليهم سحقهم» اهـ. كذلك فلقد جاء بإنجيل يوحنا ما يلى: «وأنا أطلب إلى الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد» (٤): فيلاحظ العلماء أن كلمة (مُعَزِّي Comforter) يقابلها في النص اليوناني كلمة (فارقليط Paraclitos)، ويقول أهل اللغة أن كلمة Paraclete/Paraclitos هي في الأصل كلمة Periclyte/Periclitos، وهي الكلمة التي يعتقد أن السيد المسيح ﵇ تلفظ بها، وهي كلمة سريانية أو أرامية بمعنى أحمد أو الإنسان الذي يحمد حمدًا كثيرًا. يقول رحمة الله الهندي (٥): «قد وصلت إليَّ رسالة صغيرة في لسان أردو من رسائل القسيسين في سنة ألف ومائتين وثمان وستين من الهجرة، وكانت هذه الرسالة طبعت في كلكته وكانت في تحقيق لفظ فارقليط، وادعى مؤلفها أن مقصوده أن ينبه المسلمين على سبب وقوعهم في الغلط من لفظ (فارقليط)، وكان ملخص كلامه: "أن هذا اللفظ معرَّب من اللفظ اليوناني، فإن قلنا إن هذا اللفظ اليوناني الأصل (پاراكليطوس) فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل، وإن قلنا إن اللفظ الأصل

стр. 417

(پيريكليطوس) يكون قريبًا من معنى محمد وأحمد، فمن استدل من علماء الإسلام بهذه البشارة فهم أن اللفظ الأصل (پيريكليطوس) ومعناه قريب من معنى محمد وأحمد، فادعى أن عيسى ﵇ أخبر بمحمد أو أحمد، لكن الصحيح أنه (پاراكليطوس) " انتهى ملخصًا من كلامه. فأقول: إن التفاوت بين اللفظين يسير جدًا وإن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبدل پيريكليطوس بپاراكليطوس في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث المنكرين هذه النسخة على النسخ الأخر، ومثل هذا الأمر من أهل الديانة من أهل التثليث ليس ببعيد، بل لا يبعد أن يكون من المستحسنات! والأمر الثاني: أن البعض ادعوا قبل ظهور محمد ﷺ أنهم مصاديق لفظ فارقليط، مثلًا منتنس المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد، ادعى في قرب سنة ١٧٧ من الميلاد في آسيا الصغرى الرسالة وقال: إني هو الفارقليط الموعود به الذي وعد بمجيئه عيسى ﵇، وتبعه أناس كثيرون في ذلك كما هو مذكور في بعض التواريخ. وذكر وليم ميور (١) حاله وحال متبعيه في القسم الثاني من الباب الثالث من تاريخه بلسان أردو المطبوع سنة ١٨٤٨ من الميلاد هكذا: "أن البعض قالوا: إنه ادعى أني فارقليط يعني المعزي روح القدس وهو كان أتقى ومرتاضًا شديدًا ولأجل ذلك قبله الناس قبولًا زائدًا" انتهى كلامه. فعلم أن انتظار فارقليط كان في القرون الأولى المسيحية أيضًا ولذلك كان الناس يدعون مصاديقه وكان المسيحيون يقبلون دعاويهم. وقال صاحب لُب التواريخ (٢): "أن اليهود والمسيحيين من معاصري محمد [ ﷺ ] كانوا منتظرين لنبي فحصل لمحمد من هذا الأمر نفع عظيم لأنه ادعى أني هو ذاك المنتظر" انتهى ملخص كلامه. فأقول: إن اللفظ العبراني الذي قاله عيسى ﵇ مفقود، واللفظ اليوناني الموجود ترجمة، لكني أترك البحث عن الأصل، وأتكلم على هذا اللفظ اليوناني الأصل پيريكليطوس، فالأمر ظاهر، وتكون بشارة المسيح في حق محمد ﷺ بلفظ هو قريب من محمد وأحمد، وهذا وإن كان قريب القياس بلحاظ عاداتهم، لكني أترك هذا الاحتمال

стр. 418

لأنه لا يتم عليهم إلزامًا، وأقول: إن كان اللفظ اليوناني الأصل پاراكليطوس كما يدعون فهذا لا ينافي الاستدلال أيضًا، لأن معناه المعزي، والمعين، والوكيل - على ما بيَّن صاحب الرسالة -، أو الشافع كما يوجد في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦م، وهذه المعاني كلها تصدق على محمد ﷺ » اهـ. لكن النصارى يصرون رغم ذلك على إنكار كون المُعَزِّي هو محمد ﷺ ويقولون إن المراد هو روح القدس جبريل ﵇، قياسًا على نصوص أخرى، منها ما جاء بيوحنا: «ولكن المُعَزِّي، وهو الروح القدس، الذي أرسله الآب باسمي، سيعلمكم كل شيء ويجعلكم تتذكرون كل ما قلته لكم» (١). وغير أن آثار الوضع واضحة، فهو أيضًا ادعاء باطل من وجوه: منها أنه جاء في رسالة يوحنا الأولى: «أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم» (٢)؛ فيلاحظ أن كلمة (أرواح) جاءت في العبارة مرادفة لكلمة (أنبياء)، ويلاحظ أيضًا أن العبارة حذرت من خروج أنبياء كذبة، ولكنه تحذير عام، وبالتالي فلا بد من وجود أنبياء صادقين في المقابل. ولقد طالب كاتب الرسالة بضرورة التمييز بين هذين النوعين من الأنبياء، ووضع في رسالته المعيار لاختبار صدق نبوة المدعين كما يلي: «بهذا تعرفون روح الله، كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله» (٣). وانظروا القرآن الكريم وتصفحوا، كم مرة ذكر فيها أن عيسى بن مريم هو المسيح ﵇؟ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤)، وقال : ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (٥) ... فوفقًا للمقياس الذى وضعه يوحنا في رسالته يتضح بالمطابقة أن محمدًا ﷺ هو المُعزِّي الآخر.

стр. 419

ولقد جاء بإنجيل يوحنا: «صدقوني، من الخير لكم أن أذهب، فإن كنت لا أذهب لا يجيئكم المعزي، أما إذا ذهبت فأرسله إليكم» (١)، وتشير العبارة السابقة إلى أن هذا المُعَزِّي لن يظهر إلا بعد رحيل المسيح ﵇، في حين أنه قد دلت بعض نصوص الإنجيل على مجيء الروح القدس قبل ولادة المسيح ﵇، كقوله: «وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس» (٢)، بل وإنه قد جاء في حياته أيضًا، وذلك في قوله: «وحل الروح القدس عليه في صورة جسم كأنه حمامة» (٣). غير أن ما يستقيم فهمه من تعليق المسيح ﵇ مجيء المعزي الآخر بذهاب الأول - أي عيسى ﵇ أنه لا بد أن يكون رجلًا (٤) له نفس الطبيعة: يأكل (٥)، ويشرب (٦)، ويبكي (٧) ... إلخ، وهل الروح القدس رجل يأكل ويشرب ويبكي ... ؟ أم إنه لم يكن المعزي الآخر؟!: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (٨). يقول موريس بوكاي (٩): «إن وجود كلمتي (الروح القدس) في النص الذي نملك اليوم قد يكون نابعًا من إضافة لاحقة إرادية تمامًا تهدف إلى تعديل المعنى الأول لفقرة تتناقض - بإعلانها بمجيء نبي بعد المسيح - مع تعاليم الكنائس المسيحية الوليدة التي أرادت أن يكون المسيح هو خاتم الأنبياء ... ولكي تكون لنا فكرة صحيحة عن المشكلة، يجب الرجوع إلى النص اليوناني الأساسي، والنص اليوناني الذي رجعنا إليه هو نص Novum Testamentum Graece طبعة نستلى وألاند Nestle et Aland ١٩٧١، وما يهم هو أن المعروض هنا عن الدلالة المحددة لفعلي (يسمع) و (يتحدث) يسري على

стр. 420

كل مخطوطات إنجيل يوحنا، ومن ضمنها الحالة المعنية هنا - أي النص الذي نحن بصدد مناقشته -. وفعل (يسمع) هو فعل (Akouo) باليونانية، ويعني استقبال الصوت، أما فعل (يتحدث) فهو فعل (Laleo) باليونانية، ومعناه العام إصدار أصوات وخاصة أصوات الكلام، ويتكرر هذا الفعل كثيرًا في النص اليوناني، وذلك للإشارة إلى التصريح الجليل للمسيح في أثناء تبشيره، إذن يبدو أن الاتصال بالناس المقصود هنا لا يكمن مطلقًا في إلهام من عمل الروح القدس، إنما هو اتصال ذو طابع مادي واضح، وذلك بسبب مفهوم إصدار الصوت، وهو المفهوم المرتبط بالكلمة اليونانية التي تعرفه» اهـ. ولكن نلاحظ أن المسيح ﵇ قد وعد بأن هذا المعزي سيجيء «ليمكث معكم إلى الأبد»، فما هو المراد من قوله «إلى الأبد»؟ والمراد أنه سيمكث معنا بشريعته وتعاليمه، وقد قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ أنه ﴿رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، وقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، وقد قال ﷺ في حق الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي» (٣)، وقال الله ﷻ : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) اهـ. ... أيُكسَر الباب أم يُفتَح ؟ لقد سلك اليهود وسائل عديدة ومتغايرة ومتنوعة للكيد لرسول الله ﷺ والذين آمنوا معه ومقاومتهم، إلا أن هذه الوسائل لم تفلح ولم تؤت ثمارها المرجوة منها، وهي القضاء على جماعة المسلمين ودولتهم وكيانهم السياسي، فما سبب ذلك؟ بسبب تلك التربية النبوية الرشيدة التي غرست معاني الإيمان في القلوب وحققت العبودية الخالصة لله، وحاربت الشرك بجميع أشكاله، وعلمت الصحابة ﵃ الأخذ بأسباب النهوض والتمكين المعنوية والمادية، فقد ربَّى النبي ﷺ أصحابه على العزة،

стр. 421

والنخوة، والرجولة، والشجاعة، ورفض الذل، ومقاومة الظلم، وعدم الاستسلام لمؤامرات اليهود وغيرهم، بل مقاومتها والقضاء عليها وعلى أهلها، فثابروا وصابروا حتى انتصروا على أعدائهم. لقد كان مكر اليهود في غاية الدهاء تكاد تزول منه الجبال، ولكنه لم يفلح مع الرعيل الأول بسبب القيادة النبوية والمنهج الرباني الذي سار عليه رسول الله ﷺ (١). وصدق من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، القائل: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصيبته بي [أي بوفاته ﷺ ]، فإنها من أعظم المصائب» (٢)؛ قال أنس بن مالك ﵁: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا» اهـ (٣). وعن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقا، قال عمر: أيُكسَر الباب أم يُفتَح؟ قال: لا، بل يكسر، قال عمر: إذًا لا يغلق أبدا، قلت: أجل» (٤). فلقد دل قول حذيفة على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بمثابة الباب المُغلَق في وجه

стр. 422

الفتن، وهذا ما أخبر به حذيفة ﵁ حينما سُئل «من الباب؟ قال: عمر» (١). فبمقتله ﵁ على يد أبي لؤلؤة فيروز المجوسي لعنه الله (٢)، خرجت إلينا فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرا (٣)، فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي (٤)، فتن يرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهْلِكَتي! ثم تنكشف، ثم تجيء فتنة فيقول المؤمن: هذه هي، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر (٥). حقيقة موقف كعب الأحبار من مقتل أمير المؤمنين عمر ﵁ -: كعب الأحبار، أبو إسحاق، هو - كما يذكر الذهبي - «كعب بن ماتع الحِمْيَريُّ اليماني العلامة الحبر، الذي كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ ، فقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ﵁، فجالس أصحاب محمد ﷺ ، فكان يحدِّثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء ... توفي بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان ﵁،

стр. 423

فلقد كان من أوعية العلم» (١). وقد اتهم كعب الأحبار بالتآمر لقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حيث جاءت رواية في الطبري تشير إلى هذا الاتهام، فتقول الرواية (٢): «... ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التوراة. قال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى أجلك، قال: وعمر لا يحس وجعًا ولا ألمًا، فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها، قال: فلما كان الصبح، خرج إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالًا، فإذا استوت، جاء هو فكبَّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته» اهـ. وقد بنى بعض المفكرين المحدثين على هذه الرواية نتيجة، مفادها اشتراك كعب الأحبار في مؤامرة قتل أمير المؤمنين عمر ﵁، وهذا الاتهام باطل لأمور كثيرة، من أهمها: ١ - أن هذه القصة لو صحت لكان من المنتظر من عمر ﵁ أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن لجمع طائفة ممن أسلم من اليهود وله إحاطة بالتوراة مثل عبد الله بن سلام ﵁، ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب، وظهر للناس كذبه، ولتبين لعمر ﵁ أنه شريك في مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها، وحينئذ يعمل عمر ﵁ على الكشف عنها بشتى الوسائل. ٢ - أن هذه القصة لو صحت أيضًا لكان معناها أن كعبًا يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك باطل لمخالفته لطباع الناس، إذ المعروف أنه من اشترك في مؤامرة، يبالغ في كتمانها بعد وقوعها، تفاديًا من تحمل تبعاتها.

стр. 424

٣ - إن ما يُعرَف عن كعب الأحبار من دينه وخلقه وأمانته وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له، يجعلنا نحكم بأن القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعبًا أن يكون شريكًا في قتل عمر، أو يعلم من يدبر أمر قتله ثم لا يكشف لعمر عنه، كما ننزهه أن يكون كذابًا وضاعًا، يحتال على تأكيد ما يخبر به من مقتل عمر نسبته إلى التوراة وصوغه في قالب إسرائيلي. ٤ - يضاف إلى هذا أن جمهور المؤرخين لم يذكروا القصة، بل لم يشيروا إليها، فابن سعد في الطبقات لم يشر قط إلى الحادثة، كذلك ابن عبد البر في الاستيعاب، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، وغيرهم .. وقال الحافظ ابن كثير إن وعيد أبي لؤلؤة كان يوم الثلاثاء عشية وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة (١)، لم يكن إذن بين التهديد والتنفيذ سوى ساعات معدودات، فكيف ذهب كعب الأحبار إلى عمر؟ وقال له ما قال: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، من أين لكعب هذه الأيام الثلاثة إذا كان التهديد في الليل والتنفيذ صبيحة اليوم التالي؟ أليس هذا دليلًا على أن القصة لم تثبت بصورة تجعل المحقق يطمئن إلى ذكرها هذا إذا لم تكن منتحلة مصنوعة كاد بها بعض الناس لكعب لينفروا منه المسلمين، وهذا ما تطمئن إليه النفس ويميل إليه القلب، وبخاصة بعد ما عرفنا أن كعبًا كان حسن الإسلام، وكان محل ثقة كثير من الصحابة حتى رووا عنه حديث رسول الله ﷺ (٢). ... جذور البلاء: في كتب التاريخ الإسلامي - المصادر القديمة - روايات مختلفة عن نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة بغية تحطيم

стр. 425

الدولة الإسلامية من داخلها وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين، وذلك ببث العقائد الفاسدة، ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أو عرقية، بعد ما عجزت تلك الفئات عن مجابهة المسلمين في العلن، وكان اليهود [والفرس] في مقدمة هؤلاء نظرًا لحقدهم المكين على المسلمين والإسلام (١). «وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين أنهم هدموا أساسهم، وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استيصالًا تحت راية النبي ﷺ حين كان أسلافهم من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة يقطنون المدينة، ومن بعد النبي ﷺ في زمن الفاروق عمر ﵁، حيث نفذ فيهم وصية رسول الله ﷺ في آخر حياته حيث قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (٢)، وقال ﷺ : "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣)، فطهر عمر ﵁ جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم ولم يترك لأحد من اليهود أن يسكن في الجزيرة طبقًا لأمر رسول الله ﷺ » (٤). أما الفرس، «فقد قاوم أسلافهم زحف الإسلام وامتداد رسالته بأسلحتهم ودسائسهم جيشًا لجيش، وجهادًا لجهاد، ومعركة بعد معركة، حتى هزمهم الله في كل موقف، وخذلهم في كل ملحمة. فباتوا ينتظرون الفرص السانحة، ويترقبون للمسلمين الأولين ما يترقبه المبطلون لأهل الحق في كل زمان ومكان. فلما لم ينالوا منها شيئًا، وطالت عليهم خلافة أمير المؤمنين عمر، واتسعت الفتوح في زمنه، وانتشرت كلمة الإسلام في آفاق
следующие страницы →