← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والنخوة، والرجولة، والشجاعة، ورفض الذل، ومقاومة الظلم، وعدم الاستسلام لمؤامرات اليهود وغيرهم، بل مقاومتها والقضاء عليها وعلى أهلها، فثابروا وصابروا حتى انتصروا على أعدائهم. لقد كان مكر اليهود في غاية الدهاء تكاد تزول منه الجبال، ولكنه لم يفلح مع الرعيل الأول بسبب القيادة النبوية والمنهج الرباني الذي سار عليه رسول الله ﷺ (١). وصدق من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، القائل: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصيبته بي [أي بوفاته ﷺ ]، فإنها من أعظم المصائب» (٢)؛ قال أنس بن مالك ﵁: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا» اهـ (٣). وعن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقا، قال عمر: أيُكسَر الباب أم يُفتَح؟ قال: لا، بل يكسر، قال عمر: إذًا لا يغلق أبدا، قلت: أجل» (٤). فلقد دل قول حذيفة على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بمثابة الباب المُغلَق في وجه

стр. 422

الفتن، وهذا ما أخبر به حذيفة ﵁ حينما سُئل «من الباب؟ قال: عمر» (١). فبمقتله ﵁ على يد أبي لؤلؤة فيروز المجوسي لعنه الله (٢)، خرجت إلينا فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرا (٣)، فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي (٤)، فتن يرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهْلِكَتي! ثم تنكشف، ثم تجيء فتنة فيقول المؤمن: هذه هي، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر (٥). حقيقة موقف كعب الأحبار من مقتل أمير المؤمنين عمر ﵁ -: كعب الأحبار، أبو إسحاق، هو - كما يذكر الذهبي - «كعب بن ماتع الحِمْيَريُّ اليماني العلامة الحبر، الذي كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ ، فقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ﵁، فجالس أصحاب محمد ﷺ ، فكان يحدِّثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء ... توفي بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان ﵁،

стр. 423

فلقد كان من أوعية العلم» (١). وقد اتهم كعب الأحبار بالتآمر لقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حيث جاءت رواية في الطبري تشير إلى هذا الاتهام، فتقول الرواية (٢): «... ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التوراة. قال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى أجلك، قال: وعمر لا يحس وجعًا ولا ألمًا، فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها، قال: فلما كان الصبح، خرج إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالًا، فإذا استوت، جاء هو فكبَّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته» اهـ. وقد بنى بعض المفكرين المحدثين على هذه الرواية نتيجة، مفادها اشتراك كعب الأحبار في مؤامرة قتل أمير المؤمنين عمر ﵁، وهذا الاتهام باطل لأمور كثيرة، من أهمها: ١ - أن هذه القصة لو صحت لكان من المنتظر من عمر ﵁ أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن لجمع طائفة ممن أسلم من اليهود وله إحاطة بالتوراة مثل عبد الله بن سلام ﵁، ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب، وظهر للناس كذبه، ولتبين لعمر ﵁ أنه شريك في مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها، وحينئذ يعمل عمر ﵁ على الكشف عنها بشتى الوسائل. ٢ - أن هذه القصة لو صحت أيضًا لكان معناها أن كعبًا يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك باطل لمخالفته لطباع الناس، إذ المعروف أنه من اشترك في مؤامرة، يبالغ في كتمانها بعد وقوعها، تفاديًا من تحمل تبعاتها.

стр. 424

٣ - إن ما يُعرَف عن كعب الأحبار من دينه وخلقه وأمانته وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له، يجعلنا نحكم بأن القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعبًا أن يكون شريكًا في قتل عمر، أو يعلم من يدبر أمر قتله ثم لا يكشف لعمر عنه، كما ننزهه أن يكون كذابًا وضاعًا، يحتال على تأكيد ما يخبر به من مقتل عمر نسبته إلى التوراة وصوغه في قالب إسرائيلي. ٤ - يضاف إلى هذا أن جمهور المؤرخين لم يذكروا القصة، بل لم يشيروا إليها، فابن سعد في الطبقات لم يشر قط إلى الحادثة، كذلك ابن عبد البر في الاستيعاب، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، وغيرهم .. وقال الحافظ ابن كثير إن وعيد أبي لؤلؤة كان يوم الثلاثاء عشية وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة (١)، لم يكن إذن بين التهديد والتنفيذ سوى ساعات معدودات، فكيف ذهب كعب الأحبار إلى عمر؟ وقال له ما قال: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، من أين لكعب هذه الأيام الثلاثة إذا كان التهديد في الليل والتنفيذ صبيحة اليوم التالي؟ أليس هذا دليلًا على أن القصة لم تثبت بصورة تجعل المحقق يطمئن إلى ذكرها هذا إذا لم تكن منتحلة مصنوعة كاد بها بعض الناس لكعب لينفروا منه المسلمين، وهذا ما تطمئن إليه النفس ويميل إليه القلب، وبخاصة بعد ما عرفنا أن كعبًا كان حسن الإسلام، وكان محل ثقة كثير من الصحابة حتى رووا عنه حديث رسول الله ﷺ (٢). ... جذور البلاء: في كتب التاريخ الإسلامي - المصادر القديمة - روايات مختلفة عن نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة بغية تحطيم

стр. 425

الدولة الإسلامية من داخلها وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين، وذلك ببث العقائد الفاسدة، ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أو عرقية، بعد ما عجزت تلك الفئات عن مجابهة المسلمين في العلن، وكان اليهود [والفرس] في مقدمة هؤلاء نظرًا لحقدهم المكين على المسلمين والإسلام (١). «وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين أنهم هدموا أساسهم، وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استيصالًا تحت راية النبي ﷺ حين كان أسلافهم من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة يقطنون المدينة، ومن بعد النبي ﷺ في زمن الفاروق عمر ﵁، حيث نفذ فيهم وصية رسول الله ﷺ في آخر حياته حيث قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (٢)، وقال ﷺ : "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣)، فطهر عمر ﵁ جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم ولم يترك لأحد من اليهود أن يسكن في الجزيرة طبقًا لأمر رسول الله ﷺ » (٤). أما الفرس، «فقد قاوم أسلافهم زحف الإسلام وامتداد رسالته بأسلحتهم ودسائسهم جيشًا لجيش، وجهادًا لجهاد، ومعركة بعد معركة، حتى هزمهم الله في كل موقف، وخذلهم في كل ملحمة. فباتوا ينتظرون الفرص السانحة، ويترقبون للمسلمين الأولين ما يترقبه المبطلون لأهل الحق في كل زمان ومكان. فلما لم ينالوا منها شيئًا، وطالت عليهم خلافة أمير المؤمنين عمر، واتسعت الفتوح في زمنه، وانتشرت كلمة الإسلام في آفاق

стр. 426

مترامية الأطراف، تآمروا حينئذ على سفك دم عمر، وقد ظن المجوس الذين قتلوا عمر أنهم قد قتلوا الإسلام بقتله، ولكن ما لبثوا أن علموا أنهم باءوا من هذه بمثل الذي باءوا به من تلك، وحفظ الله رسالته، وحاط دعوة الحق بعين عنايته وجميل رعايته، وعادت جيوش الإسلام في خلافة ذي النورين توغل فيما وراء إيران، وتفتح لكلمة الله آفاقًا أخرى متجاوزة الحد المنيع الذي كانوا يسمونه (باب الأبواب)، حينئذ أيقن المجوس واليهود أن الإسلام إذا كان إسلامًا محمديًا صحيحًا لا يمكن أن يحارب وجهًا لوجه في معارك شريفة سافرة، ولا سبيل إلى سحقه باغتيال أئمته وعظمائه. فأزمعوا الرأي أن يتظاهروا بالإسلام، وأن ينخرطوا في سلكه، وأن يكونوا الطابور الخامس (١) في قلعته» (٢). يقول الإمام ابن حزم (٣): «إن الفرس كانوا ذوي سعة وعلو يد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق» اهـ. وقد كان لحلول اليهود إلى بلاد فارس منذ أن سباهم بُخْتَنَصَّر، ولامتزاج الدم اليهودي بالفارسي، دور كبير في تأثر ديانة الفرس باليهودية، بل وفي تسرب بعض عقائد

стр. 427

المجوس إلى اليهودية، واستمرت آثار هذا (التراكم الچيولوچي) في مختلف حقب التاريخ. القذيفة الأولى: أطلقها ابن السوداء عبد الله بن سبأ، وهو يهودي يمني، قيل صنعاني، وقيل حِمْيَري، وقيل غير ذلك (١) .. وكان ابن السوداء - سوَّد الله وجهه - حاقدًا على الإسلام وأهله، وقد أزعجه انتشار دعوته وقوة شوكته، فأراد به كيدًا، فلم يجد أقوى من نهج سلفه شاءول الذي هدم به دين النصارى (٢)، فأظهر الإسلام في عهد عثمان ﵁، وبدأ ينخر كالسوس في العود، «وخلاصة ما جاء به أن أتى بمقدمات صادقة وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس. وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبَّس فيها على من حوله حتى اجتمعوا عليه» (٣). فطرق باب القرآن يتأوله على زعمه الفاسد حيث ادَّعى رجعة الرسول ﷺ بقوله: «لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٤)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى» (٥). كما سلك طريق القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية لعلي ﵁ بقوله: «إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد»، ثم قال: «محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء» (٦)، وذكر جماعة من أهل العلم أنه كان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون ما قاله في الإسلام في علي بن أبي طالب.

стр. 428

وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان ﵁، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم: «من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة!»، ثم قال لهم بعد ذلك: «إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر» (١). وهو بهذا أراد أن يوقع في أعين الناس بين اثنين من الصحابة، حيث جعل أحدهما مهضوم الحق وهو عليّ، وجعل الثاني مغتصبًا وهو عثمان. ثم إنه أخذ بعد ذلك يحض أتباعه على إرسال الرسائل بأخبار سيئة مفجعة عن مصرهم إلى بقية الأمصار، فيتخيل أهل البصرة مثلًا أن حال أهل مصر على أسوأ ما يكون من قِبَل واليهم، ويتخيل أهل مصر أن حال أهل الكوفة على أسوأ ما يكون من قِبَل أميرهم، وكان أهل المدينة يتلقون الكتب من الأمصار بحالها وسوئها من أتباع ابن سبأ. وهكذا يتخيل الناس في جميع الأمصار أن الحال بلغ من السوء ما لا مزيد عليه. والمستفيد من هذا الحال هم السبئية، لأن تصديق ذلك من الناس يفيدهم في إشعال شرارة الفتنة داخل المجتمع الإسلامي. ولقد شعر عثمان ﵁ بأن شيئًا ما يحاك في الأمصار وأن الأمة تمخض بشرٍّ فقال: «والله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها» (٢). ورتع ابن سبأ في مصر، وهناك أخذ ينظم حملته ضد عثمان ﵁ ويحث الناس على التوجه إلى المدينة لإثارة الفتنة بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، ووثب على وصي رسول الله ﷺ . وقد غشَّهم بكتب ادَّعى أنها وردت من كبار الصحابة، حتى إذا أتى هؤلاء الأعراب المدينة النبوية واجتمعوا بالصحابة لم يجدوا منهم تشجيعًا، حيث تبرءوا مما نسب إليهم

стр. 429

من رسائل تؤلب الناس على عثمان، كما قالت عائشة ﵂: «لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا» (١). ووجد الأعراب عثمان مقدِّرا للحقوق، بل وناظرهم فيما نسبوا إليه، وردَّ عليهم افتراءهم، وفسَّر لهم صدق أعماله حتى قال أحدهم وهو مالك الأشتر النخعي: «لعله قد مكر به وبكم» (٢). لكن لم يقف الأمر عند المناظرة، بل كان السبئية ينوون تنفيذ خطتهم على مراحل، فهم قصدوا في تلك المرحلة أن يذكروا لعثمان أخطاء له يقرُّونه بها، ويزعمون بعد ذلك للناس أنه لم يخرج عنها، وأنه لم يتب، فيحلَّ لهم بذلك دمه، فرجعوا بعد مناظرتهم لعثمان إلى أمصارهم وتواعدوا أن يعودوا إلى المدينة في شوال سنة (٣٥هـ/٦٥٥م)، أي في السنة نفسها (٣). روى الطبري بسنده عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال (٤): «... ثم رجع الوفد المصريون راضين (٥)، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويتبينهم (٦)، قالوا له: ما لك، إن لك لأمرًا! ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه

стр. 430

خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدو الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم، إلى أن قالوا: فلم كتبت إلينا؟! (١) فقال: والله ما كتبت إليكم كتابًا قط! فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون؟ فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية، فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان أن تقيموا عليَّ رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو (٢) ما كتبت ولا أمللت ولا علمت، وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم، فقالوا: فقد والله أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق، فحاصَروه». يقول محب الدين الخطيب (٣): «وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق عن قوافل الثوار المصريين في الغرب عادتا معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل متعددة عن قوافل المصريين ولا علم لها بالرواية المسرحية التي مثلت في البويب رجعت إلى المدينة من الشرق وقت رجوع المصريين من الغرب ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد! ومعنى هذا أن الذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ﵁ عامِلَهُ في مصر فيه أمره بقتلهم» اهـ. روى الطبري (٤): «... فافترق أهل المدينة لخروجهم، فلما بلغ القوم عساكرهم كرُّوا بهم فبغتوهم، فلم يفاجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في

стр. 431

مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن، وصلى عثمان بالناس أيامًا ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي فقال: ما ردَّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا، كأنما كانوا على ميعاد، فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة»، فأفصحوا عن هدفهم وقالوا جهرة: «ضعوه ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله» (١). يقول محب الدين الخطيب (٢): «الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه، وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارًا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانة (٣)، وبالإجمال فإن الرحمة التي جبل

стр. 432

عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم». ويقول الدكتور محمد أمحزون (١): «لقد كان مجيء عثمان مباشرة بعد عمر بن الخطاب ﵁ واختلاف الطبع بينهما مؤديًا إلى تغير أسلوبهما في معاملة الرعية، فبينما كان عمر قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه ولمن تحت يده، كان عثمان ألين طبعًا وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به حتى يقول نفسه: "يرحم الله عمر، ومن يطيق ما كان عمر يطيق؟! " (٢)» اهـ. واستمر الحصار من أواخر ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وكان عثمان ﵁ في أثناء الحصار في غاية الشجاعة وضبط النفس، فهو هادئ أشد ما يكون الهدوء مطمئن النفس غاية الاطمئنان رغم قسوة الظروف ورغم الحصار، وذلك أن الرسول ﷺ قد نبأه بهذا الأمر من قبل، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله، ثم قال: الله المستعان» (٣). أيضًا، قال ﷺ : «يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يومًا [أي

стр. 433

الخلافة] فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه» (١). وروى ابن عساكر (ت. ٥٧١هـ) في تاريخه عن نافع قال (٢): «دخل ابن عمر على عثمان وعنده المغيرة بن الأخنس، فقال: انظر ما يقول هؤلاء، قال: يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر: إذا خلعتها أمخلَّد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: فهل يملكون لك جنة ونارًا؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلعها، ولا أرى لك أن تخلع قميصًا قمَّصه الله، فتكون سُنَّة، كلما كره قوم إمامهم أو خليفتهم خلعوه». وروى أحمد في مسنده عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان ﵁ أعتق عشرين مملوكًا ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ وإنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقُتِل وهو بين يديه (٣)، وسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤)، قال أحمد: «قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويًا» اهـ (٥). وقد يقول قائل: كيف قُتِل عثمان وبالمدينة جماعة من كبار الصحابة ﵃؟؟ وقد أجاب ابن كثير ﵀ عن هذا موضحًا ما يلي (٦): أولًا: أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينًا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة: إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم (٧)، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس

стр. 434

مروان أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل، فما كان يظن أحد أنه يقع ولا أن هؤلاء يجترءون عليه إلى ما هذا حده حتى وقع ما وقع. الثاني: أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم، ففعلوا فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية. الثالث: أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة بل لما اقترب مجيئهم انتهزوا فرصتهم قبحهم الله وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم. الرابع: أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة. الخامس: أن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁ لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها وأحرقوا بابها وتسوروا عليه حتى قتلوه. قال القاضي ابن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣هـ) (١): «وأمر عثمان كله كان سُنَّة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد» اهـ. ... بيعة علي بن أبي طالب ﵁ -: في تلك الظروف الدقيقة التي مرَّت بها الدولة الإسلامية إثر مقتل عثمان ﵁ كان المسلمون في حاجة ماسة إلى خليفة يملأ الفراغ السياسي، فوقع الاختيار على عليٍّ ﵁، وكانت بيعته بيعة شرعية لا يسع أحدًا من المسلمين نكثُها، قال شيخ الإسلام

стр. 435

ابن تيمية (١): «المنصوص عن أحمد تبديع كل من توقف في خلافة علي، وقال: هو أضل من حمار أهله، وأمر بهجرانه، ونهى عن مناكحته، ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه، ولا شكُّوا في ذلك» اهـ. ولا يدور الإشكال هنا حول استحقاق علي ﵁ الخلافة، فكلام شيخ الإسلام ﵀ قد أغلق الباب في المسألة، ولو أن أحدًا طعن في ذلك لما صح انتسابه إلى السنة والجماعة. لكن الإشكال الذي نواجهه يدور حول سلوك بعض الباحثين من أهل السنة المسلك الرافضي الذي يخلط بين بيعة علي ﵁ وبين قتال الفتنة الذي كان الخلاف حوله اجتهاديًا مصلحيًا تضاربت فيه الآراء بين الصحابة، وكان الإمساك عنه أولى وأحوط، وحقيقة أفجعني ما صرح به أحد المنتسبين إلى التيار الإسلامي إلى إحدى الصحف حيث قال (٢): «ومن المستقر أيضًا في الفكر الذي ربيت عليه أن عليًّا كرَّم الله وجهه (٣) كان أصلح وأتقى من معاوية الذي اغتصب الخلافة، ثم حوَّل المسلمين إلى أدوات له ثم ملَّكهم لذريته الفاسدة وهذا تاريخ ثابت ..». وقبل ذلك بنحو ثلاث سنوات حرر أحد الصحافيين الأقزام ملفًا خاصًا بعنوان: (من عائشة أم المؤمنين إلى عثمان

стр. 436

الخليفة الراشد، وحتى الأب الرئيس والابن الوريث، أسوأ عشرة شخصيات في الإسلام)!! نشرته جريدة (الغد) المصرية في ملحق خاص مجاني مكون من ثماني صفحات (١)، واستند الكاتب في تحريره إلى ركام من الكذب والأغاليط التي شحنت بها الكتب والأسفار دون أي تمحيص أو تدقيق منه، ولكن وفق المنهج الانتقائي المعهود بمن هم على شاكلته. لذا رأيت أن نتوقف قليلًا لتأصيل أربع مسائل، وذلك معذرةً إلى ربي، ودفاعًا عن أُمِّي وصحابة رسولي ﷺ ، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وهذه المسائل الأربعة هي: - أولًا: تدوين التاريخ . - ثانيًا: عدالة الصحابة. - ثالثًا: حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية ﵄. - رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة من الفتنة. أولًا: تدوين التاريخ: إن الأمر الذي لا بد أن يعيه الباحثون في التاريخ الإسلامي أن الحقائق التاريخية الناصعة فيه ينبغي استخراجها من الأنقاض، أنقاض الأوهام والمفتريات وأنقاض الأهواء والبدع والعصبيات والمذهبيات وما يتعلق بها، مما افتراه المفترون ووضعه الوضاعون من بين رواة الأخبار. وإذا أخذنا الحديث النبوي وما لحقه من وضع وتحريف، فإن الذين تورطوا في ذلك ليسوا قِلَّة حتى احتاجوا من جهابذة العلماء إلى تصانيف خاصة بهم كالمجروحين والمتروكين والضعفاء. على أن غالبية النصوص والروايات التاريخية إنما دونت بعد نشأة الفرق المتمذهبة، وظهور أصحاب الأهواء والبدع والزنادقة. ومعلوم أن من أسباب الكذب حرص أصحاب البدع والأهواء على دعوة الناس إلى بدعهم، ودعوة الفرق ذات الآراء السياسية إلى آرائها.

стр. 437

لقد أثار انتشار الإسلام وامتداد الفتوح الإسلامية في عهد الخلافة الراشدة شرقًا وغربًا حفيظة أعداء الإسلام، وراموا كيده والنيل من المسلمين، وكانت وسيلتهم في البداية مجابهة المسلمين في ميادين القتال، ولكن جهودهم باءت بالفشل حيث توالت عليهم الضربات في مواقع: القادسية ونهاوند وتُستَر ... إلخ، فرأوا أن كيد الإسلام بالحيلة والوقيعة أنجع، فأخذوا يحيكون مخططاتهم في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت وحدة المسلمين. ومن ضمن خططهم تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة التي استهدفت النيل من الإسلام بتشويه سيرة الصحابة ﵃ إذ إن التشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الإسلام وعدم صلاحيته (١). غير ذلك فإن القدح في أهل خير القرون الذين صحبوا الرسول ﷺ هو بمثابة القدح فيه ﷺ ، قال الإمام مالك (٩٣ - ١٧٩هـ) وغيره من أئمة العلم: «هؤلاء - يعني الرافضة ومن على شاكلتهم من الزنادقة - طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين» (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الكذب له أسباب تقتضيه منها (٣): - الزندقة والإلحاد في دين الله. - نصرة المذاهب والأهواء. - الترغيب والترهيب لمن يظن جواز ذلك. - الأغراض الدنيوية لجمع الحطام. - حب الرياسة بالحديث الغريب. ويعرض ابن خلدون للدوافع والأسباب التي تقود إلى الوضع والكذب في الأخبار فيذكر منها (٤):

стр. 438

- التشيعات للآراء والمذاهب. - الثقة بالناقلين: ويرجع هذا إلى عدم التثبت من هوية الرواة ونقلة الأخبار والثقة العمياء بما يروونه. - الذهول عن المقاصد: ويرجع هذا إلى عدم معرفة الناقل بمقاصد ما سمع أو نقل، وتوهمه الصدق فيما نقله. - الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع: لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير حق في نفسه. - تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التَّجِلَّة والمراتب: وهذا يعني محاولة بعض المتملقين التقرب لأصحاب السلطة والنفوذ والجاه بأن يضعوا أحاديث تقربهم من الحكام والأكابر مما يؤدي بهم إلى إشاعة أخبار كاذبة لنيل رضاهم. - جهل المؤرخين بطبائع العمران: فابن خلدون يرى أن لكل ظاهرة في الوجود سواء كانت طبيعية أو اجتماعية قوانين تحكمها. والمقصود بالظواهر الطبيعية: ظواهر علم الفلك والطبيعة وما له علاقة بسنن الحياة بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات. يقول محب الدين الخطيب (١): «إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بنى أمية وقيام دول لا يسُر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: - طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه. - وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، إلا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر وعثمان وبنى عبد شمس جميعًا ﵃. - وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين، كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير .. رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب كأبي مخنف لوط بن يحيى وهشام الكلبي والواقدي وسيف بن عمر العراقي .. ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها».

стр. 439

ويعقب الدكتور محمد أمحزون فيقول (١): «وقد أثبت هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال رواته. وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا. وهذا ممكن ميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المصادر وفق المقاييس الشرعية، فيستخلص بذلك حقيقة ما وقع، ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفيًا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن التحريفات الطارئة عليها، وإن الرجوع إلى كتب الحديث وملاحظات الأئمة والعلماء مما يسهل هذه المهمة» اهـ. ولقد أفاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (١٣٣٣ - ١٤٢٠هـ/١٩١٤ - ١٩٩٩م) في مقدمة تحقيقه لكتاب (اقتضاء العلم العمل) للخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٢هـ) (٢) بقوله: «قد يقول قائل: إذا كان المؤلف [يعني الخطيب] بتلك المنزلة العالية في المعرفة بصحيح الحديث ومطروحه، فما لنا نرى كتابه هذا وغيره من كتبه قد شحنها بالأحاديث الواهية؟ والجواب: أن القاعدة عند علماء الحديث أن المحدث إذا ساق الحديث بسنده، فقد برئت عهدته منه، ولا مسئولية عليه في روايته مادام أنه قد قرن معه الوسيلة التي تُمَكِّن العالِم من معرفة ما إذا كان الحديث صحيحًا أو غير صحيح، ألا وهي الإسناد: (من أسند فقد أحالك). نعم، كان الأولى بهم أن يُتبِعوا كل حديث ببيان درجته من الصحة أو الضعف، ولكن الواقع يشهد أن ذلك غير ممكن بالنسبة لكل واحد منهم، وفي جميع أحاديثه على كثرتها لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، ولكن أذكر منها أهمها، وهي أن كثيرًا من الأحاديث لا تظهر صحتها أو ضعفها إلا بجمع الطرق والأسانيد، فإن ذلك مما يساعد على معرفة علل الحديث، وما يصح من أحاديث لغيره، ولو أن المحدثين كلهم انصرفوا إلى التحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف لما استطاعوا - والله أعلم - أن يحفظوا لنا هذه الثروة الضخمة من الأحاديث والأسانيد، ولذلك انصبَّت همم جمهورهم على مجرد

стр. 440

الرواية إلا فيما شاء الله، وانصرف سائرهم إلى النقد والتحقيق مع الحفظ والرواية، وقليل ما هم، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١)» اهـ. ولقد دلنا على ذلك ما قاله الإمام الطبري ﵀ في مقدمة تاريخه، قال (٢): «وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رُويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من قِبَل ناقليه إلينا، وإنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا» اهـ. ... ثانيًا: عدالة الصحابة: تعريف الصحابي: الصحبة لغة: يتحقق مدلولها في شخصين بينهما ملابسة ما، كثيرة أو قليلة، حقيقية أو مجازًا، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (٣)، وجاء في لسان العرب (٤): «صاحبه أي عاشره ورافقه ولازمه». الصحبة اصطلاحًا: قال ابن حجر (٥): «وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، وقولنا (به) يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال، ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه. ويدخل فى

стр. 441

قولنا (مؤمنًا به) كل مكلف من الجن والإنس، وخرج بقولنا (ومات على الإسلام) من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد ومات على ردته - والعياذ بالله - ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به مرة أخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد» اهـ. وقد انتهى معاصرو النبي ﷺ بمضي مائة وعشر سنين من هجرته ﷺ ، يقول عبد الله بن عمر ﵄: «صلى بنا النبي ﷺ العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» (١)، وكان ذلك في سنة ١٠هـ (٢). طبقات الصحابة: الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم. الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ لما أسلم وأظهر إسلامه، حمل رسول الله ﷺ إلى دار الندوة، فبايعه جماعة من أهل مكة. الطبقة الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة. الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي ﷺ عند العقبة يقال فلان عَقَبيّ. الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ بقُباء، قبل أن يدخلوا المدينة ويبني المسجد. الطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: «وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣). الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

стр. 442

الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١). الطبقة العاشرة: المهاجرة إلى الحديبية والفتح، منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو هريرة وغيرهم ﵃. الطبقة الحادية عشرة: فهم الذين أسلموا يوم الفتح، وهم جماعة من قريش. الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة، منهم السائب بن يزيد، وعبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير ومنهم أبو الطفيل عامر بن واثلة [آخر الصحابة موتًا، ت. ١١٠هـ (٢)]، وأبو جُحيفة وهب بن عبد الله (٣). عدالة الصحابة: العدل لغة: قال ابن منظور (٤): «هو الذي لا يميل به الهوى في الحكم»، وقال الزبيدي (١١٤٥ - ١٢٠٥هـ) (٥): «والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه، وقال الباهلي: رجل عدل رضي ومقنع في الشهادة». العدل في اصطلاح المحدثين: قال ابن الصلاح (٥٧٧ - ٦٤٣هـ) (٦): «أن يكون الراوي مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة» اهـ. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يُدعَى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأمته: هل بلَّغَكُم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلَّغ ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قول الله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ

стр. 443

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) والوسط: العدل» (٢). يقول الإمام القرطبي (ت. ٦٧١هـ) (٣): «الصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، وهذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم، إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم فيلزم البحث عن عدالتهم، وهذا مردود، فإن خيار الصحابة كعلي وطلحة والزبير وغيرهم ﵃ ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ﴿مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول ﷺ مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد وكل مجتهد مصيب». ويقول الحافظ ابن حجر (٥): «اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلًا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٧)، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ

стр. 444

وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، في آيات يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق». بل يقول الدكتور عثمان الخميس (٢): «ومن الأمور التي تدل على عدالة الصحابة ﵃ بشكل مجمل وعام، ما قام به أهل العلم من تمحيص الروايات التي رواها أصحاب النبي ﷺ فما وجدوا صحابيًا كذب كذبة واحدة على النبي ﷺ ، بل مع انتشار البدع في آخر عهد الصحابة ﵃ كبدعة القدرية والشيعة والخوارج لم يكن صحابيٌّ واحد من أولئك القوم أبدًا، وهذا دليل على أن الله اصطفاهم واختارهم لصحبة نبيه ﷺ » اهـ. أيضًا فلا بد من الانتباه إلى أنه لا يلزم من العدالة العصمة، فقد قال ﷺ : «كل ابن آدم خطَّاء» (٣)، وأخطاء الصحابة ﵃ مغمورة في بحور حسناتهم، وكانت قائمة على اجتهاد وتأويل، لم يقصدوا معصية ولا محض دنيا، وهؤلاء يصح القول في حقهم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». وأما القول بأنه يلزم من العدالة أن يتساووا في المنزلة فهذا أيضًا غير صحيح ولا يلزم، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٤)، وإذا كان الأنبياء لا يتساوون في الفضل كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ (٥)، فالصحابة ﵃ كذلك (٦). عقيدتنا في الصحابة: يقول الإمام الطحاوي ﵀ في عقيدته (٧): «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط

стр. 445

فى حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» اهـ. حكم سب الصحابة: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١)، وقال ﷺ : «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «قال القاضى أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء فى سب الصحابة: إن كان مستحلًا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلًا فسق ولم يكفر، سواء كفرهم أو طعن فى دينهم مع إسلامهم. وقال مالك: من شتم النبي ﷺ قُتِل، ومن سب أصحابه أُدِّب. وقال أبو طالبٍ: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال: القتل أَجْبُن عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالًا، وقال عبد الله: سأَلت أبي [أي أحمد] عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، قال: أرى أن يُضرب، قلت له: حدٌّ؟ فلم يقف على الحد، إلا أنه قال: يُضرَب، وقال: ما أراه على الإسلام، وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن، إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوءٍ فاتهمه على الإسلام، وقال الحارث بن عتبة: إن عمر بن عبد العزيز أتى برجل سب عثمان فقال: ما حملك على أن سببته قال: أبغضه. قال: وإن أبغضت رجلًا سببته؟ قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا» اهـ. ويقول الدكتور محمد أمحزون (٤): «وأما الخوض في السب باسم النقد العلمي أو حرية البحث في تاريخ صدر الإسلام فلم يخرج قِيد أُنْمُلَة عن السب القديم، وكل ما

стр. 446

فعله الطاعنون الجدد أنهم أحيوا هذا السب الذي أماته أهل السنة لما كانت الدولة دولتهم والسلطان سلطانهم، وكان أهل الزندقة والبدع مقموعين. وهذا السب إنما أحيي حديثًا على يد طوائف الكفار الحاقدين على الإسلام، ومن قلَّدهم من أبناء هذه الأمة إما جهلًا وإما افتتانًا بالغرب ومناهجه، الواقعون في حرمات الله باسم حرية الرأي والبحث العلمي، ناسين أو متناسين أن للمنهج العلمي في الإسلام وتاريخه قواعد وأصولًا وضوابط شرعية يجب على الباحث أن يلتزم بها، ويكون بحثه واجتهاده في نطاقها حتى لا تجيء نتائج أبحاثه ودراساته مناقضة للواقع وللقواعد الشرعية والأحكام الإسلامية». ولله در الإمام أبي زرعة الرازي (ت. ٢٦٤هـ) إذ يقول: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهم يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة» اهـ (١). ... ثالثًا: حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية ﵄: بداءة نقول: يلزم دارس التاريخ أن يدرس الظروف التي وقعت فيها أحداثه، والحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي اكتنفت تلك الأحداث، والأحداث التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ قبل أن يحكم عليها، حتى يكون حكمه أقرب إلى الصواب. ونكتفي هنا بمثال واحد لبيان الطريقة المثالية في معالجة القضايا والأخطاء، ألا وهو موقف النبي ﷺ من صنيع حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين أرسل كتابًا مع امرأة من المشركين ليخبرهم بمسير الرسول ﷺ إلى مكة. ومن هذه الحادثة نستطيع أن نحدد ثلاث مراحل للمعالجة العادلة للخطأ أو الحادث: - المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ أو وقوع الحادث، وفي هذا الحادث تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي.

стр. 447

- المرحلة الثانية: مرحلة التثبت وتبين الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ، وهذا الأمر متمثل في قوله ﷺ لحاطب: «ما حملك على ما صنعت؟» (١)، وهذه المرحلة مهمة، لأنه إذا تبين بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذرًا شرعيًا في ارتكاب الخطأ تنتهي القضية عند هذا الحد، فإذا لم يكن العذر مقنعًا من الناحية الشرعية فإنه يصار إلى: - المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيِّرة لمرتكب الخطأ، وحشدها إلى جانب خطئه، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته. وهذا الذي سلكه الرسول ﷺ مع حاطب ﵁ حيث قال لعمر عندما استأذن في قتل حاطب: «أليس من أهل بدر؟»، ثم قال: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم» (٢). ولذا، ينبغي أن نعلم أن تلك الأحداث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها غير ظروفها التي وقعت فيها، فلا تحكم عليها بالعقلية أو الظروف التي نعيش فيها نحن أو بأية ظروف يعيش فيها غير أصحاب تلك الأحداث، لأن الحكم حينئذ لن يستند إلى مبررات موضوعية، وبالتالي تكون نظرة الحاكم إلى هذه الوقائع لم تستكمل وسائل الحكم الصحيح، فيصدر الحكم غير مطابق للواقع (٣). ولو تأملنا حادثة مقتل عثمان ﵁ لوجدنا أن قتل الخليفة لم يكن هو الغاية التي يقصدها من خطط لهذا الحصار، وإلا لو كان كذلك لهان الأمر، وسكنت الفتنة، واستبدل خليفة بخليفة وعادت الأمور إلى نصابها، ولكن بعض رواد الفتنة كانت لهم غاية أبعد أثرًا وأعمق غورًا من قتل الخليفة واستبدال آخر به، إن غايتهم هي هدم حقيقة الإسلام والنيل من عقيدته وتشويه مبادئه في شخص الخليفة المقتول، وإثارة الأحقاد والخلافات بين المسلمين (٤).

стр. 448

لقد كان مقتل عثمان سببًا مباشرًا في خلق أزمة أخرى، أو بالأحرى فتنة ثانية تضاربت فيها الآراء وتباينت فيها وجهات النظر، واختلفت الاجتهادات في الوسيلة للانتقام من الخوارج الذين قتلوا عثمان ﵁. فرأت طائفة من الصحابة أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد والقصاص من القتلة الآثمين، ورأى آخرون أن أول ما ينبغي هو اجتماع الكلمة واستتباب الأمن، والصبر حتى تهدأ الأحوال وتنكشف ذيول المؤامرة، ثم يكون استئصال شأفتها وقطع دابر دواعيها. ورأت طائفة ثالثة أن الخليفة المظلوم لم يحتمل ذلك الحصار الآثم، ويمنع أتباعه المؤمنين من ذلك إلا حرصًا على ألا تراق قطرة دم أو تثور أدنى فتنة بين أمة الإسلام، فالأولى بمن بعده أن يؤثروا العافية، وألا يكونوا طرفًا في أي نزاع، خاصة وأن الأحاديث الواردة في هذا الباب تنهى عن القتال في الفتنة (١). والطائفة الأولى: كانت طائفة معاوية وطلحة والزبير وعائشة ومن كان على رأيهم، فكان معاوية ﵁ يرى وجوب التعجيل بقتل قتلة عثمان ﵁، وذلك لأن معاوية وعثمان ﵄ أبناء عمومة. ولم يكن معاوية مدعيًا الخلافة ولا منكرًا حق علي ﵁ فيها، وإنما كان ممتنعًا عن بيعته وعن تنفيذ أوامره في الشام حيث كان متغلبًا عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون، مستفيدًا من طاعة الناس له بعد أن بقي واليًا فيها زهاء عشرين سنة (٢)، قال ابن كثير (٣): «قال معاوية: لا أبايعه [أي عليًّا] حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٤)»، وروى الدِّينَوَري (ت. ٢٨٢هـ) في أخباره الطوال أن معاوية كتب إلى علي ﵄ عندما طلب منه الدخول في البيعة قائلًا: «فإن كنت صادقًا فأمكِنَّا من قتلة عثمان

стр. 449

نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك» (١)، وقال ابن حزم (٢): «لم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه عن ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك، كما أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبِّر كبِّر (٣)، وروى: الكِبَر الكِبَر، فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول، لأنهما كانا أسن من أخيه، فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه، وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حُرِم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرًا واحدًا وللمصيب أجرين» اهـ. أما عن طلحة والزبير وعائشة ﵃، فهم أيضًا لم ينازعوا عليًا الخلافة أو يطعنوا في إمامته، وإنما خرجوا مطالبين بدم عثمان يريدون الإسراع في تنفيذ حد القصاص على قتلته، ولقد روى الإمام الطبري بسند صحيح عن الأحنف بن قيس قال (٤): «خرجنا حجاجًا فقدمنا المدينة، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت فقال: إن الناس قد فزعوا واجتمعوا في المسجد، فانطلقنا إلى المسجد، - فذكر الحديث في مناشدة عثمان الصحابة، وإقرارهم بمناقبه -، قال الأحنف بن قيس: فلقيت طلحة والزبير فقلت: لا أرى هذا الرجل إلا مقتولًا، فمن تأمراني أن أبايع؟ فقالا: عليًا، فقلت: أتأمراني بذلك وترضيانه لي؟ فقالا: نعم. فخرجت حتى قدمت مكة، فأنا كذلك إذ قيل: قُتِلَ عثمان بن عفان، وبها عائشة أم المؤمنين فأتيتها فقلت لها: أنشدك الله، من تأمريني أن أبايع؟ فقالت عليًا، فقلت: أتأمريني بذلك وترضينه لي؟ قالت نعم. فخرجت، فقدمت على

стр. 450

عليٍّ بالمدينة فبايعت ثم رجعت إلى أهل البصرة، ولا أرى إلا الأمر قد استقام، فبينا نحن كذلك إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير قد نزلوا الخريبة (١)، فقلت: فما جاء بهم؟ قال: أرسلوا إليك يستنصرون على دم عثمان قتل مظلومًا». ولما قدمت عائشة ﵂ البصرة، وبلغ عثمان بن حُنَيف ﵁ وهو والي البصرة من قِبَل عليٍّ خبر قدومها، أرسل إليها يستفسرها عن سبب خروجها، فكان جوابها: «إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوه من قتل أمير المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلُّوا البلد الحرام والشهر الحرام ... فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ننهض في الإصلاح ممن أمر الله وأمر رسوله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره» (٣). ولما أرسل عليٌّ القعقاع بن عمرو للإصلاح مع أصحاب الجمل قال لطلحة والزبير: «إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ قالا: قتلة عثمان ﵁، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن وإن عمل له كان إحياءً للقرآن» (٤). وعندما سُئِلَ الزبير عن سبب خروجهم إلى البصرة قال: «ننهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يبطل، فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبدًا، إذ لم يفطم الناس عن أمثاله

стр. 451

لم يبق إمام إلا قتله هذا الضرب» اهـ (١). والطائفة الثانية: وهم علي ﵁ وشيعته، فكانوا يرون تأخير تتبع قتلة عثمان بعد حسم أمر الخلافة والتملك من زمام الأمور، حيث إن قتلة عثمان لهم قبائل تدافع عنهم، والأمن غير مستتب، ومازالت الفتنة قائمة (٢). يروي لنا الطبري ﵀ (٣): «اجتمع الناس إلى عليٍّ بعد ما دخل بيته طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا: يا علي! إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم [إشارة إلى السبئية وأنصارهم من الأعراب والعبيد] قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلُّوا بأنفسهم، فقال علي: يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا. قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله. إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا. إن الناس من هذا الأمر [أي من القصاص من قتلة عثمان] إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق فاهدءوا عني ماذا يأتيكم ثم عودوا». فلا ريب أن عليًا ﵁ كان ينتظر حتى يستتب له الأمر، ثم ينظر في شأن قتلة عثمان، فحين طالب الزبير وطلحة ومن معهم بإقامة حد القصاص عليهم اعتذر لهم بأنهم كثير، وأنهم قوة لا يستهان بها، وطلب منهم أن يصبروا حتى تستقر الأوضاع وتهدأ الأمور، فتؤخذ الحقوق. ومعلوم قطعًا أن عليًا ﵁ كان في موقفه أسَدَّ رأيًا وأصوب قيلًا، لأنه لو أسرع إلى

стр. 452

تنفيذ القصاص في قتلة عثمان لتعصبت لهم قبائل وصارت حربًا أهلية، وقد حدث هذا عندما تعاطى طلحة والزبير القود من قتلة عثمان بالبصرة، فغضب لهم آلاف من الناس وتعصبوا لهم، واجتمعوا على حرب طلحة والزبير (١). وقد قال لهما القعقاع بن عمرو: «قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلا رجلًا فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الذي أفلت [يعني حرقوص بن زهير] فمنعه ستة آلاف وهم على رجل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا (٢) عليكم، فالذي حذرتم وقربتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير. فقالت أم المؤمنين ﵂: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التسكين، وإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا (٣) فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها (٤) فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم، وأيم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل. فقالوا: نعم، إذًا قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه» (٥).

стр. 453

أما الطائفة الثالثة: وهم جل الصحابة ﵃ كسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وسلمة بن الأكوع وغيرهم ... وهؤلاء اعتزلوا الفتنة اعتمادًا على أصل شرعي ثابت بنصوص صريحة عن النبي ﷺ ، وبعضها أوامر عينية في حق المخاطبين بها، وهذا الأصل هو ترك القتال في الفتنة. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ومن تشَرَّف تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليَعُذ به» (١)، قال ابن حجر (٢): «وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرها يكون بحسب التعلق بها» اهـ. وقد روى أبو نُعَيْم (٣٣٦ - ٤٣٠هـ) في الحلية عن ابن سيرين (ت. ١١٠هـ) قال: «لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل؟ إنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد» (٣)، وفي زيادة رواها ابن عساكر في تاريخه والغزالي في الإحياء أن سعدًا ﵁ ضرب لهم مثلًا وقال: «مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة (٤)، فبينا هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق والتبس عليهم، فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: الطريق ذات الشمال، فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال الآخرون: كنا على الطريق حيث هاجت الريح، فننيخ (٥)، فأناخوا، وأصبحوا، وذهبت الريح، وتبينت الطريق، فهؤلاء هم أهل الجماعة، قالوا: نلزم ما فارقنا عليه رسول الله ﷺ حتى نلقاه، ولا ندخل في شيء من الفتن حتى نلقاه» (٦).

стр. 454

وروى ابن كثير (١): «دخل سعد على معاوية، فقال: ما لك لم تقاتل معنا؟ فقال: إني مرَّت بي ريح مظلمة فقلت اخ اخ، فأنخت راحلتي حتى انجلت عني ثم عرفت الطريق فسرت، فقال معاوية: ليس في كتاب الله (اخ اخ)، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢)، فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية، فقال سعد: ما كنت لأقاتل رجلًا قال له رسول الله ﷺ : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي"، فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ فقال: فلان وفلان وأم سلمة. فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه ﷺ لما قاتلت عليًا. وفي رواية من وجه آخر: أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية، وأنهما أقاما إلى أم سلمة فسألاها فحدثتهما بما حدَّث به سعد، فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادمًا لعلي حتى يموت. وفي إسناد هذا ضعف والله أعلم» اهـ. وقعة الجمل (٣٦ه ـ): كما تبين لنا من رواية الطبري عن القعقاع بن عمرو أن الفريقين أشرفا على الصلح نزولًا على رأي علي ﵁، وكان مما دل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام الطبري أن عليًّا ﵁ لما أراد الخروج إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع فقال: «يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال علي: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منَّا وأجابونا إليه» (٣). وروى أيضًا أن آخر قام إليه في هذا المسير فقال: «ما أنت صانع يا أمير المؤمنين إذا لقيت هؤلاء القوم؟ قال: بان لنا ولهم أن الإصلاح والكف أحوط، فإن تابعوا فذاك، وإن أبوا إلا القتال فصدع لا يلتئم، قال: فإذا ابتلينا بذلك فما حال قتلانا وقتلاهم؟ قال: من أراد الله نَفَعَهُ ذلك، وكان بمنجاة» (٤).

стр. 455

ولم يكن هذا رأي علي وحده، فقد رُوي عن ابنه الحسن ﵁ أنه كان يحلف: «والله ما أردنا إلا الإصلاح» (١). أيضًا كان هذا رأي طلحة والزبير ﵄، وقد أشار البعض عليهما بانتهاز الفرصة من علي فقالا: «إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله سنة، وقد زعم قوم أنه لا ينبغي تحريكه اليوم [أي أمر القصاص] وهم عليٌّ ومن معه، فقلنا نحن: لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخره. فقال علي: هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شر، وهو خير من شر منه، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها منفعة وأحوطها» (٢). وروى الطبري أنه قيل للزبير قبل يوم الصلح: «إن الرأي أن تبعث ألف فارس إلى علي قبل أن يوافي إليه أصحابه، فقال: إنا لنعرف أمور الحرب ولكنهم أهل دعوتنا - ديننا - وهذا أمر حدث لم يكن قبل اليوم، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة، وقد فارقنا وفدهم على أمر، وأنا أرجو أن يتم لنا الصلح فأبشروا واصبروا» (٣). فلا يمكن أن يفهم عاقل يقف على النصوص السابقة أن زعماء الفريقين هم الذين حركوا معركة الجمل وأوقدوا نارها، وكيف يتأتَّى ذلك وكلا الطرفين كانت كلمة الصلح قد نزلت من نفوسهم وقلوبهم منزلًا حسنا، ولكنهم قتلة عثمان أصحاب ابن سبأ - عليهم من الله ما يستحقون - هم الذين أشعلوا فتيلها وأججوا نارها حتى يفلتوا من حد القصاص (٤). روى الطبري (٥): «... فلما نزل الناس واطمأنوا خرج علي وخرج طلحة والزبير فتواقفوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الانقشاع وأنه لا يدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك ورجع

стр. 456

علي إلى عسكره وطلحة والزبير إلى عسكرهما، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذين حاصروا عثمان، فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر». وفي رواية (١): «تكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزَّكم في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدًا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع ويشغل الله عليًا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون»، «فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم وربعيهم إلى ربعيهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم» (٢). ويقول ابن حزم (٣): «فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيَّتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدفع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن - ولا شك - أن الأخرى بدأتها القتال». يقول الدكتور أمحزون (٤): «وجدير بالإشارة أن أثر السبئية في الجمل وإشعال نار الفتنة مما يكاد يجمع عليه المؤرخون والعلماء سواءً أطلقوا عليهم اسم الغوغاء أو المفسدين أو الأوباش أو أصحاب الأهواء أو أسماهم البعض قتلة عثمان أو أطلقوا عليهم صراحة السبئية» اهـ. وفي أثناء تلك المعركة المؤسفة التي لم تكن برضا الطرفين من الصحابة، كان

стр. 457

علي ﵁ يتوجع على قتلى الفريقين ويقول: «وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة» (١). وعن مجاهد بن جبر (ت. ١٠٤هـ) أن محمد بن أبي بكر أو محمد بن طلحة قال لعائشة يوم الجمل: «يا أم المؤمنين، ما تأمريني؟ قالت: يا بني! إن استطعت أن تكون كالخير من ابني آدم فافعل» (٢). ولما انتهت المعركة أخذ علي أم المؤمنين عائشة ﵄ وأرسلها معززة مكرمة إلى المدينة كما قد أمره النبي ﷺ ؛ فقد روى أحمد بسنده عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها» (٣). وكانت عائشة ﵂ إذا قرأت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤) بكت حتى يبتل خمارها (٥)، وفي رواية ابن أبي شيبة (١٥٩ - ٢٣٥هـ) أنها كانت تقول: «وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا» (٦). وروى أيضًا ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: «جلس علي وأصحابه يبكون طلحة والزبير» (٧) اهـ. فمن خلال هذا العرض السريع للأحداث يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أثر ابن سبأ وأعوانه في موقعة الجمل، حيث لم يقتصر دورهم عند إثارة الفتنة الأولى التي كانت سببًا في مقتل عثمان ﵁، وإنما لعبوا دورًا خطيرًا في الفتنة الثانية التي اندلعت بسبب مقتل

стр. 458

عثمان، مما كان له أسوأ النتائج على وحدة المسلمين وخلافاتهم. ومن خلال هذا العرض أيضًا يتضح بما لا يدع مجالًا للريب حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الإصلاح وجمع الكلمة، وهذا هو الحق الذي تنطق به الروايات والنصوص، وتسير في اتجاهه الفطرة والعقل السليم (١). معركة صِفِّين (٣٧ه ـ): لما انتهت واقعة الجمل أرسل علي ﵁ جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، فطلب معاوية عمرو بن العاص ورءوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان (٢). وراج عند العوام والجهلة من أهل الشام أن لعلي يدًا في قتل عثمان، وذلك لأربعة أمور: الأمر الأول: عدم قتله قتلة عثمان. الأمر الثاني: معركة الجمل. الأمر الثالث: تركه المدينة وسكنه بالكوفة، والكوفة هي معقل قتلة عثمان. الأمر الرابع: أن في جيش علي من هو متهم بقتل عثمان (٣). وقد أجاب الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٣١ - ٧٩٢هـ) عن هذه الشبهة بقوله (٤): «وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله» اهـ. بل وكيف يكون لعلي ﵁ يد في قتل عثمان وهو القائل: «اللهم إني أبرأ إليك من دم

стр. 459

عثمان» (١)، وهو القائل أيضًا: «اللهم العن قتلة عثمان»! (٢). فلما امتنع معاوية ﵁ عن البيعة، استخلف علي ﵁ على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري، وخرج بجيش قوامه مئة ألف إلى صِفِّين في الشام. وبلغ معاوية أن عليًا تجهز وخرج بنفسه لقتاله فأشار عليه رجاله أن يخرج هو أيضًا بنفسه، فخرج الشاميون نحو صفين، والتقى الجيشان، ونشب القتال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «وأما قول القائل: إن عليًا بدأهم بالقتال، قيل له: وهم أولًا امتنعوا من طاعته ومبايعته وجعلوه ظالمًا مشاركًا في دم عثمان، وقبلوا عليه شهادة الزور ونسبوه إلى ما هو بريء منه»، قال ابن العربي (٤): «قالوا: لا نبايع من يؤوي القتلة». وقال (٥): «وأما الصواب فيه فمع علي، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب الحق عنده، فإن ظهر له قضاءٌ وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. ولئن اتُّهِم عليٌّ بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وهو متهم به، أو قُل معلوم قطعًا أنه قتله، لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفا!». قال ابن حجر العسقلاني (٦): «ذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٧) الآية، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليًا كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يُذَم واحد من هؤلاء، بل يقولون: اجتهدوا فأخطأوا»، وقال

стр. 460

(١): «اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عُرِفَ المُحِقُّ منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد» اهـ. قضية التحكيم (٣٧ ه ـ): انتهت معركة صِفِّين بالتحكيم؛ فكما روى الإمام أحمد عن حبيب بن أبي ثابت قال: «أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان، فيما استجابوا له وفيما فارقوه وفيما استحل قتالهم، قال: كنا بصِفِّين فلما استحرَّ القتل بأهل الشام اعتصموا بتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٢)، فقال عليٌّ: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله» (٣). وقد شهد زعماء الفريقين على عقد التحكيم، وكانت كتابته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين للهجرة، وكان نص الوثيقة: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى عليٌّ على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من عليٍّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنَّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع
следующие страницы →