← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

علي إلى عسكره وطلحة والزبير إلى عسكرهما، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذين حاصروا عثمان، فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر». وفي رواية (١): «تكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزَّكم في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدًا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع ويشغل الله عليًا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون»، «فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم وربعيهم إلى ربعيهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم» (٢). ويقول ابن حزم (٣): «فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيَّتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدفع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن - ولا شك - أن الأخرى بدأتها القتال». يقول الدكتور أمحزون (٤): «وجدير بالإشارة أن أثر السبئية في الجمل وإشعال نار الفتنة مما يكاد يجمع عليه المؤرخون والعلماء سواءً أطلقوا عليهم اسم الغوغاء أو المفسدين أو الأوباش أو أصحاب الأهواء أو أسماهم البعض قتلة عثمان أو أطلقوا عليهم صراحة السبئية» اهـ. وفي أثناء تلك المعركة المؤسفة التي لم تكن برضا الطرفين من الصحابة، كان

стр. 457

علي ﵁ يتوجع على قتلى الفريقين ويقول: «وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة» (١). وعن مجاهد بن جبر (ت. ١٠٤هـ) أن محمد بن أبي بكر أو محمد بن طلحة قال لعائشة يوم الجمل: «يا أم المؤمنين، ما تأمريني؟ قالت: يا بني! إن استطعت أن تكون كالخير من ابني آدم فافعل» (٢). ولما انتهت المعركة أخذ علي أم المؤمنين عائشة ﵄ وأرسلها معززة مكرمة إلى المدينة كما قد أمره النبي ﷺ ؛ فقد روى أحمد بسنده عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها» (٣). وكانت عائشة ﵂ إذا قرأت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤) بكت حتى يبتل خمارها (٥)، وفي رواية ابن أبي شيبة (١٥٩ - ٢٣٥هـ) أنها كانت تقول: «وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا» (٦). وروى أيضًا ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: «جلس علي وأصحابه يبكون طلحة والزبير» (٧) اهـ. فمن خلال هذا العرض السريع للأحداث يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أثر ابن سبأ وأعوانه في موقعة الجمل، حيث لم يقتصر دورهم عند إثارة الفتنة الأولى التي كانت سببًا في مقتل عثمان ﵁، وإنما لعبوا دورًا خطيرًا في الفتنة الثانية التي اندلعت بسبب مقتل

стр. 458

عثمان، مما كان له أسوأ النتائج على وحدة المسلمين وخلافاتهم. ومن خلال هذا العرض أيضًا يتضح بما لا يدع مجالًا للريب حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الإصلاح وجمع الكلمة، وهذا هو الحق الذي تنطق به الروايات والنصوص، وتسير في اتجاهه الفطرة والعقل السليم (١). معركة صِفِّين (٣٧ه ـ): لما انتهت واقعة الجمل أرسل علي ﵁ جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، فطلب معاوية عمرو بن العاص ورءوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان (٢). وراج عند العوام والجهلة من أهل الشام أن لعلي يدًا في قتل عثمان، وذلك لأربعة أمور: الأمر الأول: عدم قتله قتلة عثمان. الأمر الثاني: معركة الجمل. الأمر الثالث: تركه المدينة وسكنه بالكوفة، والكوفة هي معقل قتلة عثمان. الأمر الرابع: أن في جيش علي من هو متهم بقتل عثمان (٣). وقد أجاب الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٣١ - ٧٩٢هـ) عن هذه الشبهة بقوله (٤): «وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله» اهـ. بل وكيف يكون لعلي ﵁ يد في قتل عثمان وهو القائل: «اللهم إني أبرأ إليك من دم

стр. 459

عثمان» (١)، وهو القائل أيضًا: «اللهم العن قتلة عثمان»! (٢). فلما امتنع معاوية ﵁ عن البيعة، استخلف علي ﵁ على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري، وخرج بجيش قوامه مئة ألف إلى صِفِّين في الشام. وبلغ معاوية أن عليًا تجهز وخرج بنفسه لقتاله فأشار عليه رجاله أن يخرج هو أيضًا بنفسه، فخرج الشاميون نحو صفين، والتقى الجيشان، ونشب القتال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «وأما قول القائل: إن عليًا بدأهم بالقتال، قيل له: وهم أولًا امتنعوا من طاعته ومبايعته وجعلوه ظالمًا مشاركًا في دم عثمان، وقبلوا عليه شهادة الزور ونسبوه إلى ما هو بريء منه»، قال ابن العربي (٤): «قالوا: لا نبايع من يؤوي القتلة». وقال (٥): «وأما الصواب فيه فمع علي، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب الحق عنده، فإن ظهر له قضاءٌ وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. ولئن اتُّهِم عليٌّ بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وهو متهم به، أو قُل معلوم قطعًا أنه قتله، لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفا!». قال ابن حجر العسقلاني (٦): «ذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٧) الآية، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليًا كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يُذَم واحد من هؤلاء، بل يقولون: اجتهدوا فأخطأوا»، وقال

стр. 460

(١): «اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عُرِفَ المُحِقُّ منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد» اهـ. قضية التحكيم (٣٧ ه ـ): انتهت معركة صِفِّين بالتحكيم؛ فكما روى الإمام أحمد عن حبيب بن أبي ثابت قال: «أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان، فيما استجابوا له وفيما فارقوه وفيما استحل قتالهم، قال: كنا بصِفِّين فلما استحرَّ القتل بأهل الشام اعتصموا بتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٢)، فقال عليٌّ: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله» (٣). وقد شهد زعماء الفريقين على عقد التحكيم، وكانت كتابته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين للهجرة، وكان نص الوثيقة: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى عليٌّ على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من عليٍّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنَّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع

стр. 461

السلاح بينهما أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يردَّاها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان وإن أحبَّا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما، وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألوا من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظلمًا، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة» (١). ولما لحادث التحكيم من أهمية في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، فإنه من الضروري إجلاء حقيقة وقائعه، حيث أسيء تصوير هذا الحادث بقدر ما أسيء تفسيره، فنتج عن الأمرين خلط كثير وإساءة إلى مكانة الصحابة وقدرهم، حيث باتت القصة الشائعة بين الناس عن حادث التحكيم تتهم بعضهم بالخداع والغفلة، وتتهم آخرين بالصراع حول السلطة، وقد ذكر الرواية المشهورة بطولها الإمام الطبري في تاريخه من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى عن أبي جناب الكلبي (٢). قال القاضي ابن العربي (٣): «وقد تَحَكَّم الناس في التحكيم فقالوا فيه مالا يرضاه الله، وإذا [لاحظتموه] بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين». وقال ابن تيمية (٤): «ومعاوية لم يَدَّع الخلافة، ولم يُبايَع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليًا وأصحابه بالقتال ولا

стр. 462

يعلوا. بل لما رأى علي ﵁ وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة» اهـ. ودليل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن زياد بن الحارث قال: «كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين وركبتي تمس ركبته، فقال الرجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبيُّنا ونبيُّهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه» (١). ولو افتُرِضَ - جدلًا - أن معاوية ﵁ قد اتخذ قضية القصاص والثأر لعثمان ذريعة لقتال علي ﵁ طمعًا في السلطان، فماذا سيحدث لو تمكن عليٌّ من إقامة الحد على قتلة عثمان؟ حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعليٍّ ومبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، ولا يمكن أن يقدم عليها إذا كان ذا مطامع. وحاشانا أن نقول ذلك، فلقد كان معاوية ﵁ من كُتَّاب الوحي، ومن أفاضل الصحابة، وأكثرهم حلمًا، فكيف يُعتَقَد أن يقاتِل الخليفة الشرعي ويهرق دماء المسلمين من أجل مُلك زائل (٢)، وهو القائل: «والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه» (٣)، وسوف يأتي بعد قليل بعض الحديث عن مناقبه ﵁. وبإخضاع الرواية الجائرة الشائعة عن التحكيم للدراسة والتحليل يلاحظ عليها أنها لا تصح سندًا ولا متنًا: فسندًا: لأن فيها راويين متهمين في عدالتهما، أحدهما: أبو مخنف لوط بن يحيى (ت. ١٥٧هـ)، قال عنه الإمام الذهبي: «أبو مخنف إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره»، وقال الدارقطني (ت. ٣٨٥هـ): «ضعيف»، وقال ابن عدي (ت. ٣٦٥هـ):

стр. 463

«شيعي محترق صاحب أخبارهم»، وقال ابن معين (ت. ٢٣٣هـ): «ليس بثقة»، وقال مرة: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم (ت. ٢٧٧هـ): «متروك الحديث»، وسُئل عنه مرة فنفض يده وقال: «أحد يسأل عن هذا!» (١)، وقال ابن كثير (٢): «هو متهم فيما يرويه، ولا سيما في باب التشيع». وأما الثاني فهو: يحيى بن أبي حية أبو جناب الكلبي (ت. ١٤٧هـ)، قال فيه ابن سعد (ت. ٢٣٠هـ) (٣): «ضعيف»، وقال ابن أبي حاتم (ت. ٣٢٧هـ) (٤): «قال ابن معين: ضعيف الحديث، وكان يحيى القطان [ت. ١٩٨هـ] يضعفه» اهـ. أما متنًا: فلأن الخلاف لم يكن أصلًا على الحكم كما أفضنا؛ قال ابن العربي (٥): «هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع» اهـ. أيضًا، فإن معاوية ﵁ قد تولى حكم الشام نائبًا عن عمر ﵁ وبقي في ولايته إلى أن مات عمر، وتولى عثمان ﵁ أمر الخلافة فأقرَّهُ في منصبه، ثم قُتِلَ عثمان وتولى علي ﵁ الخلافة فلم يقر معاوية في عمله (٦)، حيث أصبح معزولًا بعد انتهاء ولايته بمقتل الخليفة الذي ولاه. وبذلك فقد معاوية مركزه ومنصبه كوالٍ لبلاد الشام، وإن لم يفقد مركزه الفعلي أو الواقعي كحاكم غير مولَّى للشام بحكم اتباع الناس إياه، واقتناعهم بالسبب الذي جعله يرفض بيعة علي ﵁، وهو المطالبة باقتضاء حقه في القصاص من قتلة عثمان باعتباره واليًا للدم. وإذا كان الأمر كذلك - وهو الثابت تاريخيًا - فإن قرار الحكمين - أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ إذا تضمن فيما تزعم رواية أبي مخنف المكذوبة عزل

стр. 464

كل من علي ومعاوية، فقد ورد العزل في حق معاوية في غير محله، لأنه إذا تصورنا أن يعزل الحكمان عليًا من منصب الخلافة - إذا فرضنا جدلًا أنهما كانا يحكمان فيها -، ولكن عمَّ يعزلان معاوية؟! هل كانا يملكان عزله عن قرابته أو منعه من المطالبة بحقه فيها؟! وهل عهد التاريخ في حقبة من حقبه أن يُعزل ثائر عن زعامة الثائرين معه بقرار يصدره قاضيان؟! ولا شك أن هذا عامل آخر يؤيد بطلان القصة الشائعة عن قضية التحكيم والقرار الصادر فيها (١). وما صح هو ما رواه ابن العربي ﵀، فقال (٢): «ذكر الدارقطني بسنده إلى حُضين بن المنذر (٣): لما عزل عمرو معاوية جاء [أي حضين] فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبؤه معاوية، فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا [أي عن عمرو بن العاص] كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه. فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما المعونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما ...». وليس من شك في أن أمر الخلاف الذي رأى الحكمان رده إلى الأمة أو إلى أهل الشورى ليس إلا أمر الخلاف بين علي ومعاوية حول قتلة عثمان، وهو ما أطبقت على ذكره المصادر الإسلامية (٤). يقول محب الدين الخطيب (٥): «فرواية الدارقطني هذه - وهو من أعلام الحديث - عن رجال عدول معروفين بالتثبيت، ويقدرون مسئولية النقل هي التي تتناسب مع ماضي

стр. 465

عمرو وأبي موسى وأيامهما في الإسلام ومكانتهما من النبي ﷺ وموضعهما من ثقة الفريقين بهما واختيارهما من بين السادة القادة المجرَّبين» اهـ. ... رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة من الفتنة: يتلخص موقف أهل السنة والجماعة في وجوب الكف عمَّا شجر بين الصحابة، والاشتغال بنشر فضائلهم وإذاعة مناقبهم في العالمين، قال ابن كثير (١): «سُئِلَ الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية فقرأ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) [وكذا نُقِلَ عن غير واحد من السلف]، وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليًا، فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيشٍ دخولك أنت بينهما؟ ﵄». وسُئِل بعضهم أيضًا فقال: «تلك دماء قد طهَّر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني» (٣). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: «الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤)، قال: فهؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)، قال: هؤلاء الأنصار، وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا

стр. 466

بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، قال: قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. يقول: أن تستغفروا لهم» (٢). وقال القرطبي (٣): «لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبِّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم». وقال (٤): «قال المحاسبي [ت. ٢٤٣هـ]: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد سُئِل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا، قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيًا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ، إذ كانوا غير متهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق». وقال ابن تيمية (٥): «وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم، بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦)». وقال الذهبي (٧): «كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم - رضي الله

стр. 467

عنهم - أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علَّمنا الله تعالى». ورحم الله الإمام أبا حاتم بن حبان (ت. ٣٥٤هـ) إذ يقول (١): «الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه» اهـ. ونؤمن أن كلا الفريقين كان على الحق، وكلاهما مثاب، بدليل الآتي: - كلا الفريقين كان مجتهدًا، متأولًا، عالمًا، لا متبعًا لهوى، ولا قاصدًا معصية، ولا محض دنيا، وقد قال ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٢). - قوله ﷺ في الخوارج: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٣)، فهذا دليل على أن كلا الفريقين كان على الحق ولكن أحدهما كان أقرب

стр. 468

للحق من الآخر، ولما كان يوم النهروان (٣٨هـ) وانتصر علي ﵁ على الخوارج، صار يبحث ﵁ في القتلى عن ذا الثدية - والذي أخبر عنه الرسول ﷺ في رواية أخرى (١) -، حتى وجده فيهم، وسجد لله شكرًا إذ علم أنه أولى الطائفتين بالحق. أيضًا، فقد قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر ﵁: «تقتلك الفئة الباغية» (٢)، وكان عمار في جيش علي ﵁ يوم صِفِّين، والذي قتله من جيش معاوية ﵁ لم يكن صحابيًا. - وقال ﷺ عن طلحة بن عبيد الله ﵁: «شهيد يمشي على وجه الأرض» (٣)، وقد قُتل ﵁ يوم الجمل بسهم غير مقصود أصابه في قدمه مكان إصابة قديمة فمات منها ﵁. - وسأل ابن عباس علي بن أبي طالب ﵄: «إلى أين يدخل قاتل ابن صفية؟ قال: النار» (٤)، وفي رواية أنه قال: «بشر قاتل ابن صفية بالنار»، ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل نبي حواريًا، وحواريَّ الزبير» (٥). ومعلوم أن طلحة والزبير ﵄ من العشرة المبشرين بالجنة، ومعلوم أيضًا أنهما كانا في فريق معاوية ﵁، فكيف يبشرهما الرسول ﷺ بالجنة إن لم يكونا على حق؟ - قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧): «فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. وليس كل ما كان

стр. 469

بغيًا وظلمًا أو عدوانًا يخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم، فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون؟!»، ثم قال ﵀: «وحديث: إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون، كذب مفترى، لم يروه أحد من أهل علم الحديث، ولا هو في شيء من دواوين الإسلام المعتمدة». - أما قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (١)، ففيه قال الإمام النووي (٢): «اعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية، ولا محض دنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه يأثم، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى الله، وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ، لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وعلي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا في مساعدته منهم». وقول رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣)، فالمراد به الكفر الأصغر غير المخرج من الملة (٤)، قال النووي ﵀ (٥): «وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به

стр. 470

عند أهل الحق كفرًا يخرج به من الملة إلا إذا استحله» اهـ. وختامًا: اعلم - عَلَّمَنِي الله وإياك - أن الخوض في هذه المسألة مشروط بالآتي: إخلاص في النية، وصفاء في العقيدة، وسلامة في الفهم، ودقة في النقل، بيانًا للحق بأسانيده، وإبطالًا للباطل، وذبًا عن أعراض الصحابة ﵃ أجمعين، ودفعًا للشبهات التي شاعت بين الناس، وتلطخت بها مناهج التعليم، واستغلها أعداء الإسلام للطعن في أصول الدين. أما الخوض فيها بلا داعي مثلما يفعله بعض الدعاة من تخصيص مجالس لعوام الناس للخوض فيما شجر بين الصحابة فهو مخالف لهدي السلف، والله المستعان. ... عودة إلى البدء: استمالة السبئية لشيعة علي ﵁ -: شيعة الرجل كما يقول الزبيدي (١): «أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة» اهـ. وقد شاع استعمال الكلمة عند اختلاف معاوية مع علي بعد مقتل عثمان ﵃، فكان يقال عن أنصار علي ﵁ إنهم شيعته، كما كان الحال مع أنصار معاوية ﵁. ثم اختص بهذه اللفظة كل من يوالي عليًا وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته، كما قال ابن الأثير (٢): «وأصل الشيعة الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد، وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى عليًا ﵁ وأهل بيته حتى صار لهم اسمًا خاصًا» اهـ. لقد كان الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ فرصة ذهبية لكل حاقد متربص للإسلام؛ فبعد

стр. 471

أن أشعل ابن السوداء لعنه الله نار الفتنة، تبعه مدعو الإسلام من المجوس واليهود وتظاهروا بنصرة علي ﵁، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم أمير المؤمنين، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى .. يقول شاه عبد العزيز الدهلوي ﵀ (ت. ١٢٣٩هـ) (١): «أرسل ابن سبأ بعض أتباعه إلى العراق وأذربيچان، وراج مذهبه واشتهر وذاع وانتشر، فقد بدأ أولًا بتفضيل الأمير، وثانيًا بتكفير الصحابة، وثالثًا بألوهية الأمير، ودعا الناس على حسب استعدادهم، وربط رقاب كل من اتبعه بحبل من حبال الغواية، فهو قدوة لجميع فرق الرافضة، وإن كان أكثر أتباعه وأشياعه من تلك الفرق يذكرونه بالسوء لكونه قائلًا بألوهية الأمير ويعتقدون أنه مقتدى الغلاة فقط، ولذا ترى أخلاق اليهود وطبائعهم موجودة في جميع فرق الشيعة، وإذا تفكرت في سورة البقرة وحفظت ما ذكر الله تعالى فيها من صفات اليهود الذميمة، ترى جميعها مطابقة لصفات هذه الفرقة مطابقة النعل بالنعل». ويخُصُّ ﵀ جماعة من أتباع ابن سبأ بالذكر فيقول: «جماعة ممن ضعف إيمانهم من أهل النفاق، وهم قتلة عثمان الذين انخرطوا في عسكر الأمير وعدوا أنفسهم من شيعته خوفًا من عاقبة ما صدر منهم من تلك الجناية العظمى، وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلمو الثبوت عندهم، فإنهم وضعوا بناء دينهم وإيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا الباب، وقالوا إنهم - أي المنافقين - قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة (الشيعة الأولى) في عسكر الأمير وتغلبهم، ولما وقع التحكيم رجع الشيعة الأولى من دومة الجندل - التي كانت محل التحكيم - إلى أوطانهم وشرعوا في ترويج أحكام الشريعة والإرشاد ورواية الأحاديث وتفسير القرآن المجيد، كما أن الأمير ﵁ دخل الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب الأمير إذ ذاك من الشيعة الأولى إلا القليل ممن كانت له دار في الكوفة، فلما رأت هاتيك الفرقة الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا

стр. 472

يخفونه من إساءة الأدب في حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات، ومع هذا كان لهم طمع في المناصب أيضًا لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخرى الواقعة في تلك الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير ﵁ عاملهم كما عاملوه، كما وقع ذلك لموسى ﵇ مع اليهود ولنبينا محمد ﷺ مع المنافقين» اهـ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): «ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ردها، وكانت ثلاثة طوائف: غالية وسبابة ومفضلة: فأما الغالية: فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له أقوام فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله، فاستتابهم ثلاثًا فلم يرجعوا، فأمر في الثالث بأخاديد فخدت وأضرم فيها النار ثم قذفهم فيها وقال: لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا (٢) وأما السبابة: فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب منه إلى قرقيسيا وكلمه فيه، وكان علي يداري أمراءه لأنه لم يكن متمكنًا ولم يكونوا يطيعونه في كل ما يأمرهم به. وأما المفضلة: فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين، وروي عنه من أكثر من ثمانين وجهًا أنه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر". وفي صحيح البخاري عن محمد بن الحنيفة أنه قال لأبيه: "يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر، قال ثم من؟ قال عمر" (٣).

стр. 473

وفي الترمذي وغيره أن عليًا روى هذا التفضيل عن النبي ﷺ (١)». ولكن من هم (الشيعة الأولى) ؟ الشيعة الأولى هم شيعة علي ﵁ العامة الذين كانوا على جانب عن هؤلاء الغالية والسبابة، والذين كانوا دائمًا يسعون إلى الصلح واجتناب القتال والجدال قدر الاستطاعة وحسب المقدور، ولو أن قليلًا منهم تأثروا بأفكار هؤلاء المخبثين، وانخدعوا بأباطيلهم وأكاذيبهم ووقعوا في شراكهم وحبائلهم. ولذلك لم يكن شيعة علي الأولى يطعنون في أصحاب محمد ﷺ ولا يسبونهم ولا يشتمونهم، بل أكثر من ذلك كانوا يقدمون أبا بكر وعمر على عليٍّ ﵁ (٢). يقول ابن تيمية (٣): «كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليًا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر»، ثم ينقل عن واحد منهم - وهو شريك بن عبد الله القاضي (ت. ١٧٧هـ) - أنه سأله سائل: «أيهما أفضل؟ أبو بكر أم علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال له: نعم، إنما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى علي هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، أفكنا نرد قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابًا» اهـ. ولقد أقر بذلك شيخ الرافضة أحمد الوائلي (١٣٤٧ - ١٤٢٤هـ) حيث قال (٤): «إني خلال مراجعتي كتب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإمام، وإنما هناك من قيَّم الخلفاء وقيَّم

стр. 474

الإمام، وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحدًا ممن تقدم الإمام بالخلافة ... يضاف لذلك أنه حتى في الفترة الثانية - أي في عهود الأمويين - كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة أو التابعين». ويقول الدهلوي (١): «ولما ظهرت [أي السبئية]، ما ارتضى الشيعة المخلصون بلقب (الشيعة)، فتركوه تحرزًا عن الالتباس، وكراهة للاشتراك الأسمى مع أولئك الأرجاس، ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة. فما وقع في بعض الكتب من أن فلانًا كان من الشيعة مثلًا لا ينافي ما وقع في غيرها من أنه من رؤساء أهل السنة والجماعة، حيث إن المراد بالشيعة هناك الشيعة الأولى، وكان أهل السنة منهم، وكيف لا وهم يرون فرضية حب أهل البيت؟!» اهـ. ... تبرؤ شيعي: طالما كانت هناك محاولات من قبل كُتَّاب الرافضة للتبرؤ من عبد الله بن سبأ بزعم أنه شخصية وهمية لا وجود لها اخترعها أهل السنة للتشنيع على الشيعة، وتابعهم في القول بنفي وجوده عدد من كُتَّاب أهل السنة الذين يجهلون ما يرمي إليه الرافضة من إنكارهم لهذه الشخصية. وعبد الله بن سبأ هو أحد الأسباب التي ينقم من أجلها أغلب الشيعة على أهل السنة. ولا شك أن الذين تحدثوا عن ابن سبأ من أهل السنة لا يحصون كثرة ولكن لا يعول الشيعة عليهم لأجل الخلاف معهم. ولكن نقول لهم: أثبت كثير من مؤرخي الشيعة ومحدثيهم هذه الشخصية في كتبهم في القديم وفي الحديث أيضًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر: - روى المجلسي (١٠٣٧ - ١١١١هـ) (٢): «... وانصرف القوم الذين كانوا من أهل ساباط إلى أهلهم وأخبروهم بما كان وبما جرى، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير

стр. 475

المؤمنين، فقال المخلصون منهم: إن أمير المؤمنين ﵇ عبد الله ووليه ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال بعضهم: بل هو النبي صلى الله عليه وآله، وقال بعضهم: بل هو الرب، وهو عبد الله بن سبأ وأصحابه». - ويقول النوبختي (ت. ٣١٠هـ) (١): «فلما قُتل علي ﵇ افترقت الأمة التي أثبتت له الإمامة من الله ورسوله فرضًا واجبًا فصاروا فرقًا ثلاثة: فرقة منها قالت: إن عليًا لم يُقتل ولم يمت ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وآله من هذه الأمة، وأول من قال منها بالغلو. وهذه الفرقة تسمى (السبأية) أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال إن عليًا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟ فسيَّره إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه في علي بن أبي طالب بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية». - ويقول ابن أبي الحديد الرافضي المعتزلي (ت. ٦٥٦هـ) (٢): «وأول من جهر بالغلو في أيامه عبد الله بن سبأ»، ويقول أيضًا (٣): «فلما قُتل أمير المؤمنين ﵇ أظهر مقالته

стр. 476

وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه». - وقد ذكره محمد بن عمر الكَشي (ت. ٣٥٠هـ) في (الرجال) (١)، وكذا ابن المطهر الحُلِّي (٢) وحسن بن داود الحلي (٦٤٧ - ٧٠٧هـ) (٣) وأبو جعفر الطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠هـ)، والذي عقَّب بقوله (٤): «عبد الله بن سبأ غالٍ ملعون حرقه أمير المؤمنين علي ﵇ بالنار، كان يزعم أن عليًا ﵇ إله، وأنه نبي، ذكره الكشي في رجاله وروى في ذمه روايات عديدة، وقد ألفت في ترجمة عبد الله بن سبأ مؤلفات عديدة تنم عن ذمه وأنه ملعون». - ويقول علي آل محسن (٥): «إن المشهور الذي كاد أن يكون إجماعًا بين علماء وفقهاء الإمامية، أن عبد الله بن سبأ شخصية كان لها وجود، وقد نص العلماء قديمًا وحديثًا على ذلك في كتبهم الرجالية المعروفة» اهـ. ... عام الجماعة (٤١ه ـ): بعد مقتل أمير المؤمنين علي ﵁ على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، بايع أهل الكوفة ابنه الحسن ﵁ سنة ٤٠هـ، وفي فترة خلافته أظهر السبئية العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش علي ﵁، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة .. يقول النوبختي (٦): «ولما بلغ عبد الله بن سبأ وأصحابه وهو بالمدائن نعي علي قال للذي نعاه: كذبت يا عدو الله، ولو

стр. 477

جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا ما صدقناك، ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض. ثم مضى وأصحابه من يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته، الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله! أما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا لنعلم أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه، كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام!». وكذا قال الشهرستاني (٤٧٩ - ٥٤٨هـ) (١): «إنما أظهر عبد الله بن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵁ واجتمعت عليه جماعة» اهـ. ولقد حاربهم الحسن ﵁ وحارب أفكارهم وعقائدهم، ولكن - والقول لإحسان إلهي ظهير ﵀ (١٩٤١ - ١٩٨٧م) - (٢) «لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد، ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة». ولقد كان حكم الحسن ﵁ لمدة ستة أشهر، ثم تنازل لمعاوية ﵁ بالخلافة، حقنًا لدماء المسلمين وإخمادًا لنار الفتنة، وقد قال النبي ﷺ عن الحسن: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣). قال ابن كثير (٤): «فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة ٤١هـ، ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس خطبة بليغة بعدما بايعه الناس. واستوثقت له الممالك شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد

стр. 478

بعد الفرقة»، وقال (١): «فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكرامًا زائدًا ويقول لهما: مرحبًا وأهلًا، ويعطيهما عطاء جزيلًا». وقد ذكر ﵀ أنه «لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس في الفضل والفقه والعلم. وفي رواية أنها قالت له: بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟» اهـ (٢). مناقب أمير المؤمنين معاوية ﵁ -: وهذا يدفعنا أن نذكر على عجالة بعض مناقب أمير المؤمنين معاوية ﵁ وعن أبيه، ليتبين لنا ما يفعله المبطلون من تشويه للحقائق وقلب للأمور رأسًا على عقب: قال ابن كثير ﵀: «قال ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس، أنه كان كاتب النبي ﷺ منذ أسلم، أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: "علِّم معاوية الكتاب"، وبعده حديث ابن أبي عميرة: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا"، قلت: وقد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان: حدثنا ابن مريم ثنا نافع بن عمر ثنا ابن أبي مليكة: قال: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة، قال: أصاب، إنه فقيه (٣)، وسُئِل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل، معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز، وقال أيضًا: ماذا أقول في رجل قال رسول الله ﷺ ، سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، وسُئِل المعافى بن عمران: أيهما أفضل، معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلًا من الصحابة مثل رجل من التابعين، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه (٤).

стр. 479

وقال الأعمش عن مجاهد، إنه قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي (١)، وقال رجل لمعاوية: يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد في رعيتي (٢)» اهـ. ... الشيعة بعد عام الجماعة: يذكر النوبختي أنه بعد الصلح «لزمت فرقة القول بإمامة الحسن بن علي بعد أبيه إلا شرذمة منهم، فإنه لما وادع الحسن معاوية وأخذ منه المال الذي بعث به إليه على الصلح طعنوا فيه وخالفوه ورجعوا عن إمامته، فدخلوا في مقالة جمهور الناس، وبقي سائر أصحابه على القول بإمامته إلى أن قُتِل، فإنه لما تنحى عن محاربة معاوية وانتهى إلى مظلم ساباط، وثب عليه رجل من بني أسد يقال له الجرَّاح بن سنان، فأخذ بلجام دابته، ثم قال: الله أكبر! أشركت كما أشرك أبوك من قبل! وطعنه بمغول في أصل فخذه، فقطع الفخذ إلى العظم، فاعتنقه الحسن وخرَّا جميعًا، فاجتمع الناس على الجرَّاح فوَطِئُوه حتى قتلوه، ثم حملوا الحسن على سرير وقد أثخنته الجراح، فأتوا به إلى المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صحت جراحته، ثم انصرف إلى المدينة، فلم يزل جريحًا من طعنته، سقيمًا في جسمه، كاظمًا لغيظه، متجرعًا لريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته، حتى توفي ﵇ في آخر صفر من سنة سبع وأربعين، وهو ابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر» اهـ (٣). ويمكن لنا القول بأن شيعة علي ﵁ افترقت بعد عام الجماعة إلى ثلاث فرق: فرقة تركوا التشيع ولحقوا بركب أهل السنة وثبتوا مع الحسن بعد هذا الصلح وبايعوا معاوية ﵁، وأطاعوه وأخلصوا له الوفاء طيلة حياتهم، وفرقة قالت بإمامة الحسين من

стр. 480

بعد الحسن ﵄، ومنها انبثقت الإسماعيلية والإمامية الاثنا عشرية، وفرقة مالت عن الحسن والحسين وقالت بإمامة محمد بن الحنفية، وعرفت بعد ذلك بالكيسانية .. وبين هذه وتلك منازل شتى. ولكن قبل أن نستطرد في الحديث عن الفرقة الثانية، نقف مع خلافة يزيد بن معاوية وبعض ما أثير حولها من إشكالات، وما تبعها من أحداث .. ... وفاة أمير المؤمنين معاوية ﵁ وخلافة يزيد: توفي أمير المؤمنين معاوية ﵁ بدمشق في رجب سنة ستين، وكان ابنه يزيد غائبًا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن، قيل بدار الإمارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. ولما حضر يزيد ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعد ما دفن ثم انفتل. فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب، ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابًا حسنة، ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين - وكان معاوية ﵁ قد أوصى له بالخلافة - فقال بعد حمد الله والثناء عليه: «أيها الناس، إن معاوية كان عبدًا من عبيد الله أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله ولا أزكيه على الله ، فإنه أعلم به، إن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئًا كان»، وقال لهم في خطبته هذه: «وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملًا أحدًا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيًا أحدًا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثًا، وأنا أجمعه لكم كله»، فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحدًا (١). وفي هذه الخطبة شرح يزيد سياسته في قيادة الأمة، ووضح خطته التي سيلتزمها أثناء خلافته، وهي سياسة استطاع أن يكسب بها قلوب أهل الشام، وقد أجمعت غالبية الأمة

стр. 481

على بيعة يزيد، أو بمعنى آخر جددت له البيعة بعد وفاة أبيه، ولم يعارض إلا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ﵄ (١). ولماذا أوصى معاوية ﵁ لابنه يزيد بالخلافة ؟ يقول محب الدين الخطيب (٢): «مبدأ الشورى في انتخاب الخليفة أفضل بكثير من مبدأ ولاية العهد. لكن معاوية كان يعلم بينه وبين نفسه أن فتح باب الشورى في انتخاب من يخلفه سيحدث في الأمة الإسلامية مجزرة لا ترفأ فيها الدماء إلا بفناء كل ذي أهلية في قريش لولاية شيء من أمور هذه الأمة. ومعاوية أحصف من أن يخفى عليه أن المزايا موزعة بين هؤلاء الشباب القرشيين، فإذا امتاز أحدهم بشيء منها على أضرابه ولداته، فإن فيهم من يمتاز عليه بشيء آخر منها. غير أن يزيد - مع مشاركته لبعضهم في بعض ما يمتازون به - يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أعني القوة العسكرية التي تؤيده إذا تولى الخلافة، فتكون قوة الإسلام. كما تؤيده إذا أوقع الشيطان الفتنة على هذا الكرسي بين المتزاحمين عليه، فيكون ما لا يحب كل مسلم أن يكون». ويقول محمد الخضري بك (١٨٧٢ - ١٩٢٧م) (٣): «إن هذه الطريقة كانت لازمة في هذه المرحلة لصلاح أمر المسلمين ولمّ شعثهم، فإن الطامعين في الخلافة كثيرون وكلهم جديرون بها ... بالإضافة إلى اتساع المملكة الإسلامية وصعوبة المواصلات بين أطرافها، وعدم وجود قوم معينين يرجع إليهم الانتخاب، فإن الاختلاف لا بد واقع، ونحن نشاهد أنه مع تفوق بني عبد مناف على سائر قريش واعتراف الناس لهم بذلك، وهم جزء صغير من قريش، فإنهم تنافسوا الأمر وأهلكوا الأمة بينهم، فلو رضي الناس عن أسرة ودانوا لها بالطاعة، واعترفوا باستحقاق الولاية لكان هذا خير ما يفعل لضم شعث المسلمين ... إن أعظم من ينتقد معاوية في تولية ابنه هم الشيعة، مع أنهم يرون انحصار الأمر في آل علي، ويسوقون الخلافة في بنيه يتركها الأب منهم للابن، وبنو

стр. 482

العباس أنفسهم ساروا على هذه الخطة فجعلوا الخلافة حقًا من حقوق بيتهم لا يعدوهم إلى غيرهم، والنتيجة أن ما فعله معاوية كان أمرًا لا بد منه مع الحال التي كانت عليها الأمة الإسلامية». ويقول ابن خلدون (١): «والذي دعا معاوية ﵁ لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواه وهم عصابة قريش وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا، لعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة» اهـ. ولقد ركَّز يزيد في أخذ البيعة من النفر الذين لم يبايعوه في حياة أبيه، وكان أهمهم عنده الحسين بن علي، وكان إصرار يزيد على طلب البيعة من الحسين وابن الزبير ﵄ هو الشرارة الأولى في الفتنة التي اندلعت بين المسلمين، فقد شعر كل منهما بأنه مطلوب، وأنه إذا لم يبايع فسيكون ضحية طيش يزيد، وأن سيوف أعوان الخليفة الجديد أصبحت مسلولة عليهما، فعادا إلى البيت الحرام، ولجآ إلى مكة المكرمة يطلبان فيها الأمان، ويحتميان بحمى الله فيها، ولئن أصاب يزيد حين أبقى عمال أبيه على الولايات ليضمن استقرار الأمور فيها، فقد خانته عبقريته في إصراره على طلب البيعة من الحسين وابن الزبير، حيث كان إصراره هذا موحيًا بعدم تأمين الحياة لهما، وبأن بقاءهما في عهد يزيد محفوف بالمخاطر، وذلك أدى بهما إلى أن يبحثا عن الأمان، ولم يجداه إلا في تجييش أنصارهما، وحشدهم في مكان يصعب على يزيد وأعوانه أن يقتحموه، وكان ذلك في مكة المكرمة، في جوار بيت الله الذي قال فيه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)، ولم يكن لهذا التجمع وذلك الحشد نتيجة سوى المواجهة التي أودت بحياة الآلاف من المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جميعًا الحسين بن علي ﵁ حيث قُتِل في كربلاء

стр. 483

شهيدًا على يد فئة ظالمة من جيوش يزيد (١)، وكانت كما قال ﵁: «كربٌ وبلاء» (٢). لقد كانت غلطة من يزيد بدأ بها حياته، وظلت تلاحقه حتى مماته، ولم يستطع التخلص منها، وبدأت سلسة الأخطاء تتوالى في حياة الخليفة، وكلما ادلهمت الأمور من حوله، عظمت الأخطاء، وتضخمت المشكلات، وكلما أراد حل مشكلة، عرض لها بمشكلة أخطر منها وأفظع، فمن الإصرار على عدم البيعة إلى تكوين جبهة معارضة تستعد للقتال، ومنها إلى معركة كربلاء، ثم تتمخض هذه المعركة عن قتل ابن بنت رسول الله ﷺ ، وتؤدي إلى غضب المسلمين، وإعلان ابن الزبير ﵁ الخروج على الخليفة، وتستمر العداوة والبغضاء حتى تكون وقعة الحرّة (٦٣هـ)، وتتشوه صورة الخليفة في أعين المسلمين، ثم يتوفى بعد ذلك بقليل، أين غاب حلم معاوية عن ولي عهده؟ أغلب الظن أن الذي ورط يزيد في هذه الأخطاء الشنيعة هو غياب المستشارين الحكماء عن مجلسه، وحداثه سنه، وقلة خبرته. كما أن يزيد كان يفتقد حلم أبيه، وتنقصه قوة إرادته في الحلول السلمية. لقد كانت الكوارث الكبرى في عهد يزيد: مقتل الحسين ﵁، ووقعة الحرّة بالمدينة، وحصار مكة للوصول لابن الزبير، لقد وصم يزيد عهده بوصمة لن يمحوها ماء البحار، ولن تزيل حرارتها عذوبة الأنهار (٣). موقف أهل السنة من يزيد بن معاوية: بداءة، فإن الكلام في الناس كما يقول ابن تيمية (٤) «يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع»؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ (٥): «افترق الناس في يزيد بن معاوية إلى ثلاث فرق: طرفان ووسط.

стр. 484

فأحد الطرفين قالوا: إنه كان منافقًا خالصًا، وإنه سعى في قتل سبط رسول الله ﷺ ، تشفيًا من رسول الله ﷺ وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي ﷺ بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا: تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأشياء من هذا النمط. والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمامَ عدلٍ، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ ... وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين. والقول الثالث: أنه كان ملكًا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرًا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرَّة، ولم يكن صاحبًا ولا من أولياء الله الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا ثلاث فرق: فرقة لعنته، وفرقة أحبته، وفرقة لا تسبه ولا تحبه، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين. قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيدَ أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا؟!». ولما سُئِلَ شيخ الإسلام «ما تقولون في يزيد؟ قال: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلًا صالحًا فنحبه، ونحن لا نسب أحدًا من المسلمين بعينه. ولما قيل له: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟ أما قتل الحسين؟ فقال: نحن إذا ذُكِرَ الظالمون - كالحجاج بن يوسف وأمثاله - نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١)، ولا نحب أن نلعن أحدًا بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن» اهـ (٢).

стр. 485

وأما ما يدوَّن في كتب المبتدعة من ادعاء أنه أهان نساء آل بيت رسول الله ﷺ وأنهن أُخِذن إلى الشام مسبيات، وأُهِنَّ هناك ... فهذا كله كلام باطل لا أصل له، يقول شيخ الإسلام (١): «إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، والحسين ﵁ كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا إليه (٢)، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابن زياد أراد الرجوع، فأدركته السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر أو يرجع إلى بلده، فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا ﵁، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره، ولم يسب له حريمًا أصلًا، بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم». كذلك يقول ﵀ (٣): «وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفًا ولا عَدْلا». ويقول الحافظ ابن كثير (٤): «قد أخطأ يزيد خطأ فاحشًا في قوله لأميره مسلم بن عقبة في وقعة الحرَّة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم» اهـ. ولكن صح عن النبي ﷺ أنه قال: «أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (٥)، وكان هذا الجيش بقيادة يزيد بن معاوية، وذلك - كما يذكر ابن حجر - سنة ٥٢هـ (٦). فخلاصة القول: أن أمره إلى الله ﵎، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 486

وتلميذه الحافظ الذهبي (١): «لا نسُبُّه ولا نُحِبُّه» اهـ. رأي الإمام ابن تيمية في خروج الحسين ﵁ -: قال ابن تيمية ﵀: «لما أراد الحسين ﵁ أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبًا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يُقتَل، حتى إن بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل. وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك ومصلحة المسلمين، والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى، فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله ﷺ حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببًا لشر عظيم. وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن، وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي ﷺ من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد، ولهذا أثنى النبي ﷺ على الحسن بقوله: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٢)، ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة» اهـ (٣). ...

стр. 487

جيش التوابين: بعد موت يزيد بن معاوية وفرار عبيد الله بن زياد، عم الاضطراب أنحاء البلاد، وشرع أنصار الحسين يتصلون ببعضهم البعض بهدف وضع خطة للثأر لدمه، إذ بعد استشهاده هزتهم الفاجعة، وندموا على تقاعسهم عن نصرته والدفاع عنه، معترفين بخطيئتهم بحماسة شديدة، لذلك لم يجدوا وسيلة يكفرون بها عن هذا التقصير، ويتوبون إلى الله بها من هذا الذنب الكبير سوى الثأر للحسين (١). وأخذوا يعقدون الاجتماعات برئاسة سليمان بن صرد الخزاعي ﵁ لدراسة الموقف، وأسلوب العمل الذي سيتبعونه، وغلب على هذه الاجتماعات موضوع التوبة والغفران، ثم شرعوا في تجييش الناس، وخرج التوابون من معسكرهم في النخيلة في شهر ربيع الأول ٦٥هـ. يقول ابن كثير ﵀ (٢): «وقد كان سليمان بن صرد الخزرجي صحابيًا جليلًا نبيلًا عابدًا زاهدًا، روى عن النبي ﷺ أحاديث فى الصحيحين وغيرهما وشهد مع علي صِفِّين، وكان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق، فلما قدمها تخلوا عنه، وقُتِلَ بكربلاء بعد ذلك، ورأى هؤلاء أنهم كانوا سببًا في قدومه، وأنهم خذلوه حتى قتل هو وأهل بيته، فندموا على ما فعلوه معه، ثم اجتمعوا في هذا الجيش وسموا جيشهم جيش التوابين، وسموا أميرهم سليمان بن صرد أمير التوابين، فقُتِل سليمان ﵁ في موقعة عين وردة سنة خمس وستين، وقيل سنة سبع وستين، والأول أصح، وكان عمره يوم قتل ثلاثًا وتسعين سنة ﵀» اهـ.

стр. 488

أسباب فشل حركة التوابين: يحصرها الدكتور علي الصلابي في عدة نقاط، نذكر منها (١): - قلة عددهم إذا قورنوا بجيش الشام، فكان عدد التوابين أربعة آلاف مقاتل، بينما كان جيش خصومهم الذين اشتبكوا معهم عشرين ألفًا، عدا من كان ينتظر مع عبيد الله بن زياد على سبيل الاحتياط. - ضعف التوابين من الناحية العسكرية، فلا نستطيع أن نقارن أي واحد من قادة التوابين بقدرة ابن زياد من حيث الخبرة والقدرة العسكرية. - تخاذل بعض التوابين عن الاشتراك، فعندما أحصى ابن صرد من بايعوا وجدهم ستة عشر ألفًا عدا أهل المدائن والبصرة الذين لم يتم تنسيقهم مع الآخرين، مع أن المشتركين في القتال هم أربعة آلاف. - تثبيط المختار الثقفي الناس عن سليمان بن صرد ﵁. في ثقيف كذاب ومبير: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" (٣)، فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد [١ - ٦٧هـ]، وكان يتشيع للحسين، ثم أظهر الكذب والافتراء على الله. وكان فيها الحجاج بن يوسف [٤١ - ٩٥هـ]، وكان في انحراف عن علي وشيعته، وكان مبيرًا» اهـ. ولقد ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي على مسرح الأحداث بعد موت يزيد بن معاوية، وكان ممن وقعوا في شباك السبئية، فأظهر نفس العقائد التي تلقنها من عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث، ولم يجد ورقة رابحة لنشر أفكاره سوى الادعاء بالمطالبة بدم الحسين ﵁ وآل البيت، فتولى قيادة جيش التوابين بعد مقتل سليمان بن

стр. 489

صرد ﵁، وادعى أن لديه تفويضًا بذلك من محمد بن علي بن أبي طالب الملقب بمحمد بن الحنفية، وكان على جانب من الذكاء والفطنة مراوغًا ماكرًا غير صادق في تشيعه، بل قرر أن يركب تيار التشيع ليصل إلى هدفه وهو الحكم والسلطان بأي وجه. وإليه تنسب الفرقة الكيسانية، ولقب كيسان المنسوب إليه مختلف في أصله، يقول عبد القاهر البغدادي (ت. ٤٢٩هـ) (١): «وكان المختار يقال له كيسان، وقيل إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي ﵁ كان اسمه كيسان». ويقول النوبختي (٢): «وهو [المختار] الذي طالب بدم الحسين بن علي وثأره، حتى قتل قتَلَتَه ... وادَّعى أن محمد بن الحنفية أمره بذلك، وأنه الإمام بعد أبيه. وإنما لقِّب المختار كيسان بصاحب شرطته المكنى بأبي عمرة، وكان اسمه كيسان، وكان أشد إفراطًا في القول والفعل والقتل من المختار، وكان يقول إن محمد بن الحنفية وصي علي بن أبي طالب، وإنه الإمام، وإن المختار وصي محمد بن الحنفية وعامله» اهـ. قال ابن كثير (٣): «لما رجع أصحاب سليمان بن صرد مغلوبين إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبى عبيد مسجونًا فكتب إليهم يعزيهم في سليمان بن صرد ويقول: أنا عوضه، وأنا أقتل قتلة الحسين، فكتب إليه رفاعة بن شداد وهو الذي رجع بمن بقي من جيش التوابين: نحن على ما تحب. فشرع المختار يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية: أبشروا، فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم بإذن الله ركامًا وقتلهم أفرادًا وتوأما، فرحب الله بمن قارب منهم واهتدى، ولا يبعد الله إلا من أبى وعصى. فلما وصلهم الكتاب قرءوه سرًا وردوا إليه إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك (٤)، فخرج واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السر».

стр. 490

ثم يعلق ﵀ بقوله (١): «وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم والانتقام منهم، ولا شك أن قتل قتلته كان متحتمًا، والمبادرة إليه كانت مغنمًا، ولكن إنما قدَّره الله على يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرًا، وقد قال رسول الله ﷺ : " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (٢)، وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)، وقال بعض الشعراء: ما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيُبلى بظالم وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه، وادعائه نصرة أهل البيت، وهو في نفس الأمر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعًا من الشيعة الذين بالكوفة، ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة». ويترجم ابن كثير للمختار الثقفي فيقول (٤): هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عميرة بن عوف بن عفرة بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي ﷺ ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما ذكره ابن الأثير في الغابة (٥). وقد كان عمر ﵁ بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدًا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين. وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات. وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وكان عبد الله لها مكرمًا ومحبًا وماتت في حياته. وأما أخوها المختار هذا فإنه كان أولًا ناصبيًا (٦) يبغض عليًا بغضًا شديدًا، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان.

стр. 491

وكان يظهر المدح لابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع وإظهار الأخذ بثأر الحسين، وبسبب ذلك التفَّت عليه جماعات كثيرة من الشيعة، وأخرج ابن المطيع عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنًا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رءوس الناس ويظهر طاعته. ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقًا كثيرا، وظفر برءوس كبار منهم كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين، وشمر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين ولوا قتل الحسين، وسنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى ابن زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره، ثم بعث برأس ابن زياد ورءوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحًا شديدًا، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبًا أميرًا على العراق، فسار إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه. ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القارئ أبو عمير بن السدي عن رفاعة القبابي قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه، قال: فذكرت حديثًا حدثنيه أخي عمر بن الحمق، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما مؤمن أمن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء» (١)، وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال: صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ (٢).

стр. 492

وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج فحدِّث الناس، فقال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)، قال: فهمُّوا أن يأخذوني، فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني. وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه» اهـ. ... انحراف عقدي: يقول إحسان إلهي ظهير ﵀ (٣): «ومن الكيسانية تفرعت فروع كثيرة، وتفرقت فرق متعددة مثل الكرابية والحربية والرزارمية والبيانية والرواندية وأبو المسلمية والهاشمية والحارثية وغيرها، ويجمع هذه الفرق كلها القول بإمامة محمد بن الحنفية والاعتقاد بالعقائد التي زرع بذورها السبئية وعبد الله بن سبأ، الغيبة والرجعة والتناسخ (٤) وغيرها،

стр. 493

وصار التشيع مأوى وملجأ لكل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، وكل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم. وبدأ التشيع الأصلي يذوب، والشيعة الأولى ينقرضون إلا القليل، وعلى رأسهم أولاد علي وبنو هاشم، وبدأت أفكار السبئية تتسرب إليهم وتتغلب عليهم، خصوصًا شهادة الحسين ﵁ جعلت الموالين لعلي وأولاده وحتى بعض الطالبيين أيضًا يحسون بالحرمان الكبير واليأس الكثير، ويجدون أنفسهم تواقة إلى الانتقام وخصوصًا قلب نظام الحكم القائم المتهم بقتل الحسين وأهله في كربلاء، وبدأ بعض الجهلة والمغفلين ينقمون كل ما يتصل بالحكام ويبغضون كل ما يرى برأيهم وحتى العقائد والمعتقدات، فلما رأى هؤلاء أن ولاة الأمر يعظمون أبا بكر وعمر وعثمان وبقية أصحاب النبي ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين بدءوا يتبرءون منهم ويتكلمون فيهم. لا لأنهم يجدون عليهم شيئًا، بل كرهًا لكل ما يسمعونه على المنابر وفي المحاريب. هذا وبلغ الأمر بعد تطور الشيعة إلى حد أنهم بدءوا ينكرون المسَلَّمات والأسس التي عليها يقوم المذهب الإسلامي الحنيف والشريعة السماوية السمحاء، فقط لأن الحكام يتمسكون بها ويعتقدونها، مثل القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله التي جعلها الله بيانًا لهذا القرآن» اهـ. وما أشبه هذه (المرحلية) التي مر بها تاريخ التشيع - فيما أرى - بما حدث مع قوم نوح ﵇؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١)، وقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا

стр. 494

يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخ العلم عُبِدَت» (١). فهذا تمامًا ما فعله الفريق الخادع من السبئية شياطين الإنس مع الفريق المخدوع؛ فلقد أخفوا على العوام أغراضهم الخبيثة، ونفخوا فيهم سمومهم، واتبعوا معهم سياسة النفس الطويل، حتى صار التشيع جيلًا بعد جيل وكأنه تنزيل من رب العالمين!! قال رسول الله ﷺ : «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٢)، ولقد ذكرنا ما كانت عليه شيعة علي ﵁ بعد عام الجماعة من انقسام؛ فقلنا: إن منهم من ترك التشيع وبايع معاوية، ومنهم من ركب جواد الطبع فقال بإمامة الحسين بعد الحسن، أو مال عنهما وقال بإمامة محمد بن الحنفية. ولو كان هؤلاء وآباؤهم من أهل الاعتصام بالكتاب لما طعنوا في حق أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٣)، ولما وجدتهم بعد وفاة كل إمام من أئمتهم المختارين يتصارعون حول من يخلفه، فانقسموا بذلك إلى فرق شتى، انقسامًا أشبه ما يكون بالانشطار الذرِّي! بل وصارت كل فرقة تنكر على الأخرى، بل وتُكَفِّرها. ولذلك اختلف العلماء في حصر عدد فرق الشيعة، فلا يوجد قول فصل في عددهم. يقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٤): «اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة

стр. 495

المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير ﵁ إمامًا بلا فضل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها ... وأما بعد هذا القدر المشترك، فلهم اختلاف كثير فيما بينهم بحيث إن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضًا آخرين ويشنعون عليهم. وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة» اهـ. ولقد تتبع أئمة السلف والخلف مسار هذه الحركات الباطنية على مر العصور في كتب الفرق والمذاهب، والذي يعنينا في هذا المقام هو قول الإمام ابن الجوزي ﵀ (١): «اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (٢) ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلًا وأتحفهم رأيًا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق». ويقول عبد القاهر البغدادي (٣): «وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساسًا من قَبِلَها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي ﷺ على موافقة
следующие страницы →