← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكان يظهر المدح لابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع وإظهار الأخذ بثأر الحسين، وبسبب ذلك التفَّت عليه جماعات كثيرة من الشيعة، وأخرج ابن المطيع عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنًا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رءوس الناس ويظهر طاعته. ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقًا كثيرا، وظفر برءوس كبار منهم كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين، وشمر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين ولوا قتل الحسين، وسنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى ابن زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره، ثم بعث برأس ابن زياد ورءوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحًا شديدًا، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبًا أميرًا على العراق، فسار إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه. ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القارئ أبو عمير بن السدي عن رفاعة القبابي قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه، قال: فذكرت حديثًا حدثنيه أخي عمر بن الحمق، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما مؤمن أمن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء» (١)، وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال: صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ (٢).

стр. 492

وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج فحدِّث الناس، فقال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)، قال: فهمُّوا أن يأخذوني، فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني. وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه» اهـ. ... انحراف عقدي: يقول إحسان إلهي ظهير ﵀ (٣): «ومن الكيسانية تفرعت فروع كثيرة، وتفرقت فرق متعددة مثل الكرابية والحربية والرزارمية والبيانية والرواندية وأبو المسلمية والهاشمية والحارثية وغيرها، ويجمع هذه الفرق كلها القول بإمامة محمد بن الحنفية والاعتقاد بالعقائد التي زرع بذورها السبئية وعبد الله بن سبأ، الغيبة والرجعة والتناسخ (٤) وغيرها،

стр. 493

وصار التشيع مأوى وملجأ لكل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، وكل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم. وبدأ التشيع الأصلي يذوب، والشيعة الأولى ينقرضون إلا القليل، وعلى رأسهم أولاد علي وبنو هاشم، وبدأت أفكار السبئية تتسرب إليهم وتتغلب عليهم، خصوصًا شهادة الحسين ﵁ جعلت الموالين لعلي وأولاده وحتى بعض الطالبيين أيضًا يحسون بالحرمان الكبير واليأس الكثير، ويجدون أنفسهم تواقة إلى الانتقام وخصوصًا قلب نظام الحكم القائم المتهم بقتل الحسين وأهله في كربلاء، وبدأ بعض الجهلة والمغفلين ينقمون كل ما يتصل بالحكام ويبغضون كل ما يرى برأيهم وحتى العقائد والمعتقدات، فلما رأى هؤلاء أن ولاة الأمر يعظمون أبا بكر وعمر وعثمان وبقية أصحاب النبي ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين بدءوا يتبرءون منهم ويتكلمون فيهم. لا لأنهم يجدون عليهم شيئًا، بل كرهًا لكل ما يسمعونه على المنابر وفي المحاريب. هذا وبلغ الأمر بعد تطور الشيعة إلى حد أنهم بدءوا ينكرون المسَلَّمات والأسس التي عليها يقوم المذهب الإسلامي الحنيف والشريعة السماوية السمحاء، فقط لأن الحكام يتمسكون بها ويعتقدونها، مثل القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله التي جعلها الله بيانًا لهذا القرآن» اهـ. وما أشبه هذه (المرحلية) التي مر بها تاريخ التشيع - فيما أرى - بما حدث مع قوم نوح ﵇؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١)، وقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا

стр. 494

يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخ العلم عُبِدَت» (١). فهذا تمامًا ما فعله الفريق الخادع من السبئية شياطين الإنس مع الفريق المخدوع؛ فلقد أخفوا على العوام أغراضهم الخبيثة، ونفخوا فيهم سمومهم، واتبعوا معهم سياسة النفس الطويل، حتى صار التشيع جيلًا بعد جيل وكأنه تنزيل من رب العالمين!! قال رسول الله ﷺ : «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٢)، ولقد ذكرنا ما كانت عليه شيعة علي ﵁ بعد عام الجماعة من انقسام؛ فقلنا: إن منهم من ترك التشيع وبايع معاوية، ومنهم من ركب جواد الطبع فقال بإمامة الحسين بعد الحسن، أو مال عنهما وقال بإمامة محمد بن الحنفية. ولو كان هؤلاء وآباؤهم من أهل الاعتصام بالكتاب لما طعنوا في حق أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٣)، ولما وجدتهم بعد وفاة كل إمام من أئمتهم المختارين يتصارعون حول من يخلفه، فانقسموا بذلك إلى فرق شتى، انقسامًا أشبه ما يكون بالانشطار الذرِّي! بل وصارت كل فرقة تنكر على الأخرى، بل وتُكَفِّرها. ولذلك اختلف العلماء في حصر عدد فرق الشيعة، فلا يوجد قول فصل في عددهم. يقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٤): «اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة

стр. 495

المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير ﵁ إمامًا بلا فضل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها ... وأما بعد هذا القدر المشترك، فلهم اختلاف كثير فيما بينهم بحيث إن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضًا آخرين ويشنعون عليهم. وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة» اهـ. ولقد تتبع أئمة السلف والخلف مسار هذه الحركات الباطنية على مر العصور في كتب الفرق والمذاهب، والذي يعنينا في هذا المقام هو قول الإمام ابن الجوزي ﵀ (١): «اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (٢) ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلًا وأتحفهم رأيًا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق». ويقول عبد القاهر البغدادي (٣): «وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساسًا من قَبِلَها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي ﷺ على موافقة

стр. 496

أساسهم ... وقال أصحاب التواريخ إن دعوة الباطنية ظهرت أولًا في زمان المأمون وانتشرت في زمان المعتصم ... وقالوا إن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة منهم ميمون بن ديصان المعروف بالقداح، وادعى أنه من نسل عقيل بن أبي طالب تارة، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق تارة أخرى. ثم ظهر في دعوته إلى دين الباطنية رجل يقال له حمدان قرمط، وإليه تنسب القرامطة (١) .. ثم لما تمادت الأيام بهم ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان القداح فغير اسم نفسه ونسبه وقال لأتباعه أنا عبيد الله بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم ظهرت فتنته بالمغرب، وأولاده - أي الفاطميون - مستولون على أعمال مصر». وقال ابن القيم (٢): «وكان هؤلاء زنادقة، يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض. وينتسبون إلى أهل بيت الرسول ﷺ ، وهو وأهل بيته برآء منهم نسبًا ودينًا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يحرمون حرامًا، ولا يحلون حلالًا، وفي زمنهم ولخواصهم وضعت رسائل إخوان الصفا» اهـ. قال عبد القاهر البغدادي (٣): «وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمال والقطر» اهـ. ... مع الاثني عشرية: بعد أن استعرضنا المراحل المهمة التي مر بها تاريخ التشيع، نتوقف للتعريف بإحدى هذه الفرق الباطنية والتي خرجت من رحم التشيع للحسين بن علي ﵄، وهي فرقة الرافضة الاثنا عشرية. وهذا التخصيص واقعي نظرًا لكون هذه الفرقة هي الواجهة البارزة

стр. 497

للتشيع في عصرنا الحاضر، فهي المنتشرة في منطقة إيران وما حولها من بلاد الخليج وشرق المملكة العربية السعودية وفي لبنان والعراق ... كما هو معلوم. وما عاد خافيًا على أحد تلك المساعي الجادة لنشر المذهب الرافضي والتغلغل داخل كيان المجتمع المصري، وذلك لادعائهم - كما يذكر شيخهم الورداني (١) - أن «التشيع في مصر هو الأصل، والتسنُّن وافد». وهذه المساعي تؤدى من خلال عدة توجهات منها الترويج لمقولة: «إن مصر سنِّية المذهب وشيعية الهوى»، بل عن طريق التستر بعباءة التصوف في محاولة لاستبدال الأسود بالأخضر! (٢)، إذ لا سبيل لهم في الوقت الراهن إلا ذلك، كما يقول الورداني (٣): «إن حركة المد والجذر في العلاقات المصرية الإيرانية تضع الشيعة في مصر أمام خيار واحد وهو الالتزام بالتقية حتى تنفرج الأوضاع». ومن معالم هذا التوجه تأسيسهم لـ (لمجلس الأعلى لرعاية آل البيت)، والذي تصدر عنه جريدة اسمها (صوت آل البيت). والمجلس - كما يذكر رئيسه محمد الدريني - (٤) «يسعى لتنفيذ عدة مشاريع فكرية وثقافية وإعلامية للرد على الأعمال المطروحة والمدعومة وهابيًا وسعوديًا وباقي القوى المتحالفة والوفية لقتلة آل البيت، كما أن لديه تطلعات وطموحات لأن يقوم بدوره تجاه فقراء السادة الأشراف ونصر الذين حرمت عليهم الصدقات ... كما أن المجلس معني بمقاضاة الأزهر حتى يعود إلى سيرته الأولى في تقديم الفكر المستنير البعيد عن الغلو والتطرف لا سيما وأن المذهب الجعفري

стр. 498

المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق ﵇ هو مذهب رئيسي وهو أبو المذاهب ومسموح به بفتوى الأزهر الذي أصبح وهابيًا الآن وأصبحت لمساته تجاه العنف والتطرف واضحة ... عجبًا يا أخي على الأزهر وأهله، واسمحوا لي أن لا أقول عنه الأزهر، ونحن بصدد رفع قضية عليه فإما أن يعيدوا الأزهر فاطميًا وإما يغيروا اسمه إلى الأزهر الوهابي أو السعودي ...». كذلك فمن الأدلة الواضحة على هذا التوجه تلك العلاقة المريبة القائمة بين إيران والطريقة العزمية بصفة خاصة والتواجد المنتظم للقائم بأعمال السفارة الإيرانية في احتفالاتها، فضلًا عن زيارات شيخ الطريقة علاء أبي العزائم المتكررة إلى إيران، وتنظيمه لأول احتفال مصري بمولد الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في ٢٥/ ٦/٢٠١٠م، وسط تغطية إعلامية إيرانية واسعة وغياب متعمد لأغلب مشايخ الطرق الصوفية مخافة اتهامهم بالتشيع. ولم يفته - كعادته - الهجوم الحاد على الجماعات السلفية التي كما يدعي «اتخذت من المذهب الوهابي فكرًا لها تخصص في تحقير رموز آل البيت» (١)، ودعا الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية إلى مصادرة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعدم السماح بنشرها. ولم يقف عند هذا الحد، بل في حوار لاحق له صرح أبو العزائم بتكفير بني أمية؛ حيث نقلت عنه جريدة (الدستور) قوله (٢): «"أن بني أمية لم يكتفوا بسب الإمام علي والإمام الحسين على المنابر بل إنهم حشدوا الجيوش لقتلهم وهو ما يعتبر كفرًا سافرًا"، وشدد على "أنهم ليسوا مسلمين على الإطلاق وأنهم كانوا طامعين في الحكم والسلطة ولم يكن يهمهم الإسلام وعزته ورفعته". واختتم أبو العزايم كلامه بالإشارة إلى "أن بني أمية وعلى رأسهم أبو سفيان وابنه معاوية ليسوا من الصحابة ولا يستحقون شرف أن نقول لقب سيدنا قبل النطق

стр. 499

باسمهم خاصة وأنهم من الطلقاء الذين عفا عنهم الرسول ﵇ بعد فتح مكة كما أنهم لم يشاركوا في غزوة بدر"» اهـ. ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١) وقبل أن نتناول عقائد القوم من كتبهم المعتمدة - وذلك كي يتبين لنا هل الخلاف بيننا وبينهم أصلي كما نعتقد أم فرعي كما يدعي الكثير -، نقف بعض الوقفات التاريخية السريعة مع هذه الفرقة، إذ لا يصح لمن يتصدى لدراسة فرقة معينة وتقويمها أن يغفل عن تاريخ هذه الفرقة. وبداية: متى كانت بداية ظهورهم ؟ يذكر صاحب (التحفة الاثنى عشرية) أن بداية ظهورهم كانت في عام مائتين وخمسة وخمسين من الهجرة (٢). وإن كان الظن - والله تعالى أعلم - أن بداية ظهورهم كانت في عام ٢٦٠هـ، أي حين وفاة الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري، حيث وقعوا في حيرة فيمن يخلفه، خاصة أنه قد مات ولم يكن له ولد على الأرجح كما سيأتي، فادعوا أنه ولد له ولد في عام ٢٥٥هـ، وهو المهدي الذي اختفى في السرداب كما سيأتي بيانه، ومن حينها استقر أمرهم وتميزوا عن باقي الشيعة بكونهم الاثنى عشرية، وهم الذين يتبادر إليهم الذهن حين إطلاق لفظة الشيعة. ولماذا عُرفوا في التاريخ بالإمامية الاثنى عشرية؟ لقد اصطلحوا على هذه التسمية لاعتقادهم ثبوت الإمامة في اثني عشر رجلًا من ذرية علي بن أبي طالب ﵁ والإمامة وجودها واجب في كل زمان، ولو أردنا الدقة لقلنا إنهم أُلزِمُوا بهذا العدد لا أكثر - كما سيأتي بيانه -.

стр. 500

والأئمة على الترتيب هم: م ... اسم الإمام ... كنيته ... لقبه ... سنة ميلاده ووفاته ١ ... علي بن أبي طالب ... أبو الحسن ... المرتضى ... قبل الهجرة - ٤٠هـ ٢ ... الحسن بن علي ... أبو محمد ... الزكي ... - ٥٣هـ ٣ ... الحسين بن علي ... أبو عبد الله ... الشهيد ... ٤ - ٦١هـ ٤ ... علي بن الحسين ... أبو محمد ... زين العابدين ... - ٩٤هـ ٥ ... محمد بن علي ... أبو جعفر ... الباقر ... - ١١٤هـ ٦ ... جعفر بن محمد ... أبو عبد الله ... الصادق ... - ١٤٨هـ ٧ ... موسى بن جعفر ... أبو إبراهيم ... الكاظم ... - ١٨٣هـ ٨ ... علي بن موسى ... أبو الحسن ... الرضا ... - ٢٠٢هـ ٩ ... محمد بن علي ... أبو جعفر ... الجواد ... - ٢٢٠هـ ١٠ ... علي بن محمد ... أبو الحسن ... الهادي ... - ٢٥٤هـ ١١ ... الحسن بن علي ... أبو محمد ... العسكري ... - ٢٦٠هـ ١٢ ... محمد بن الحسن ... أبو القاسم ... المهدي ... يزعمون أنه ولد سنة ٢٥٥هـ ويقولون بحياته إلى اليوم. ولقد عرفوا كذلك بالرافضة، وذُكر في ذلك أقوال؛ فقال الأشعري ﵀ (ت. ٣٢٤هـ) (١): «إنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر». وقيل لرفضهم زيد بن علي بن الحسين، والذي ينتسب إليه الزيدية، وهم أقرب فرق الشيعة لأهل السنة، وأكثرهم اعتدالًا، فهم لا يكفرون الصحابة، وتشيعهم نحو الأئمة لا يتسم بالغلو. قال الأشعري (٢): «وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب

стр. 501

رسول الله ﷺ ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه فقال لهم: رفضتموني. فيقال إنهم سموا الروافض لقول زيد لهم: رفضتموني». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبًا على كلام الأشعري (١): «قلت: الصحيح أنهم سُموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك» اهـ. ولقد عقد المجلسي في (بحاره) فصلًا بعنوان: (فضل الرافضة ومدح التسمية بها)، روى فيه «عن محمد [ابن عبد الله الحنظلي]، عن وكيع عن سليمان الأعمش قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵉ قلت: جعلت فداك إن الناس يسمونا روافض، وما الروافض؟ فقال: والله ما هم سموكموه، ولكن الله سماكم به في التوراة والإنجيل على لسان موسى ولسان عيسى ﵉، وذلك أن سبعين رجلًا من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى فسماهم الله تعالى الرافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم في التوراة حتى يملكوه على لسان محمد صلى الله عليه وآله» (٢). يقول الدكتور ناصر القفاري (٣): «وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم!» اهـ. الإمام جعفر الصادق ﵁ -: ولقد عرفوا أيضًا بالجعفرية (٤)، لانتسابهم كغيرهم من الفرق الضالة للإمام جعفر

стр. 502

الصادق ﵁، وذلك لنسبه ومكانته وفضله في الإسلام؛ فهو الإمام المبجَّل، إمام زمانه، العالم العابد الزاهد التقي الورع، جعفر، ولقبه الصادق، ابن إمام زمانه في العلم والأدب والدين، الإمام محمد، ولقبه الباقر، ابن إمام التابعين في زمانه، الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁. وأمه: هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وأبوها هو القاسم بن محمد من كبار علماء المدينة في زمانه. وأمها (أم أم فروة): هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ (١). وهذا يعني أن أخوال أم فروة وأعمامها بَكريون، ولذلك لما سُئل الإمام جعفر ﵀ عن أبي بكر قال: «أيسُب الرجل جده؟! أبو بكر جدي»، وقال أيضًا: «ولدني أبو بكر الصديق مرتين». وقال عنه الإمام أبو حنيفة ﵀: «ما رأيت أحدًا أفقه من جعفر بن محمد»، وقال عن السنتين اللتين تتلمذ فيهما على يديه: «لولا السنتان لهلك النعمان» (٢). ويقول الإمام الشهرستاني (٣): «أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الدنيا، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات» اهـ. فالإمام جعفر هو من أئمة أهل السنة الأعلام، افترى عليه الرافضة الكذب، ورووا عنه آلاف آلاف الروايات المكذوبة (٤)، ونسبوا إليه كتاب الجفر (٥)، والذي يحتوي على

стр. 503

ما يسمونه بعلم أسرار الحروف، علمًا بأن الذي وضعه هو هارون بن سعيد العجلي (ت. ١٤٥هـ) وهو رأس الزيدية، وزعم أنه يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وأنه وقع ذلك لجعفر الصادق ونظائره عن طريق الكشف والكرامة (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «ونحن نعلم من أحوال أمتنا، أنه قد أُضيف إلى جعفر الصادق، وليس هو بنبي من الأنبياء، من جنس هذه الأمور ما يعلم كل عالم بحال جعفر ﵁ أن ذلك كذب عليه، فإن الكذب عليه من أعظم الكذب، حتى ينسب إليه أحكام الحركات السفلية ... والعلماء يعلمون أنه برئ من ذلك كله»، ويقول ﵀ (٣): «وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق، فمن أكبر الأشياء كذبًا حتى يقال: ما كذب على أحد ما كذب على جعفر ﵁»، فالإمام جعفر بريء من هؤلاء وأمثالهم براءة الذئب من دم يوسف ﵇. ويعرف الرافضة أنفسهم كذلك بالموسوية، لانتسابهم إلى الإمام الكاظم موسى بن جعفر، وذلك لتمييز أنفسهم عمن انتسب إلى غيره كالإسماعيلية المنتسبين إلى أخيه إسماعيل بن جعفر.

стр. 504

الأصابع الخفية المؤسسة لعقيدة الشيعة الإمامية: ونحن هنا، والكلام يدور حول التسمية، يفرض علينا سؤال نفسه، والذي يتبين لنا بالإجابة عليه بعض الأصابع الخفية المؤسسة لعقيدة الشيعة الإمامية: والسؤال هو: لماذا الإمام علي ﵁ وآل بيته؟ ولقد أجاب المستشرق الهولندي ريَنْهارت دوزي Reinhart Dozy (١٨٢٠ - ١٨٨٣ م) عن هذا بقوله: «كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي، الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد. لقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي أمرًا غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه ما دام محمد [ ﷺ ] لم يترك ولدًا يرثه، فإن عليًا هو الذي كان يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي. ومن هنا فإن جميع الخلفاء - ما عدا عليًا - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوَّى هذا الاعتقاد عندهم كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضًا أن يروا في ملوكهم أحفادًا منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة للإمام الذي من نسل علي كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغير لائمة ضمير أن يفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيرًا رمزيًا وأن يتجاوزها ويتعداها. لقد كان الإمام عندهم هو كل شيء، إنه الله قد صار بشرًا! فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات ذلك هو الأساس في مذهبهم» (١). وسوف يتضح هذا أكثر عند حديثنا عن اعتقاد الشيعة في أئمتهم. يقول محمد سرور بن نايف (٢): «الزعامة الدينية في بلاد فارس كانت تتمثل في قبيلة

стр. 505

من القبائل، فالسيطرة الدينية قديمًا كانت لقبيلة (ميديا)، وفي عصر أتباع زرادشت [؟ ق. م] أصبحت السيطرة لقبيلة (المغان). ورجال القبيلة الدينية هم ظل الله في الأرض، وقد خلقوا لخدمة الآلهة، والحاكم يجب أن يكون من هذه القبيلة، وتتجسد فيه الذات الإلهية، وتتولى هذه العائلة شرف سدانة بيت النار. إن عبادة الله عن طريق القبيلة هو الذي دفع الفرس إلى التشيع لآل البيت، لا حبًا بآل البيت ولكن لأن هذا التصور يلائم عقيدة المجوس، ففي تشيعهم لآل البيت إحياء لعقائد زرادشت وماني [ت. ٢٧٣م] ومزدك [ت. ٥٢٩م]، وكل الذي فعلوه أنهم استبدلوا المغان بآل البيت، وقالوا للناس بأن آل بيت رسول الله هم ظل الله في الأرض، وأن أئمتهم معصومون، وتتجلى فيهم الحكمة الإلهية. لكن لا بد لنا من التفريق بين الفرس المجوس الذين كادوا للإسلام وتآمروا عليه، والفرس الذين دخلوا في دين الله، وحسن إسلامهم، وذادوا عن الإسلام بسيوفهم وعلمهم ومالهم، فكان على رأسهم الصحابي الجليل سلمان ﵁ وغيره من أعلام السلف. عن أبي هريرة ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله ﷺ يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء"» اهـ (١). قلت: ولقد جاء في كتب الشيعة المعتبرة ما يدل على ذلك، منها: - تكفيرهم للصحابة ﵃ إلا عدد قليل مختلف فيه، ومن بينهم سلمان الفارسي ﵁ (٢). - اعتقادهم أن النار محرمة على كسرى ملك الفرس؛ حيث روى المجلسي عن عمار الساباطي قوله: «قدم أمير المؤمنين ﵇ المدائن فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير ... ثم نظر ﵇ إلى جمجمة نخرة ... ودعا بطشت فيه ماء، فقال للرجل: دع هذه الجمجمة في الطشت، ثم قال: أقسمت عليك يا جمجمة لتخبريني من أنا ومن أنت؟

стр. 506

فقالت الجمجمة بلسان فصيح: أما أنت فأمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين، وأما أنا فعبد الله، وابن أمة الله كسرى أنوشيروان، فقال له أمير المؤمنين ﵇: كيف حالك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني كنت ملكًا عادلًا شفيقًا على الرعايا رحيمًا، لا أرضى بظلم، ولكن كنت على دين المجوس، وقد ولد محمد صلى الله عليه وآله في زمان ملكي، فسقط من شرفات قصري [ثلاث] وعشرون شرفة ليلة ولد، فهممت أن أومن به من كثرة ما سمعت من الزيادة من أنواع شرفه وفضله ومرتبته وعزه في السماوات والأرض ومن شرف أهل بيته، ولكني تغافلت عن ذلك وتشاغلت عنه في الملك، فيا لها من نعمة ومنزلة ذهبت مني حيث لم أومن، فأنا محروم من الجنة بعدم إيماني به، ولكني مع هذا الكفر خلصني الله تعالى من عذاب النار ببركة عدلي وإنصافي بين الرعية، وأنا في النار والنار محرَّمة عليَّ، فواحسرتاه لو آمنت، لكنت معك يا سيد أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله ويا أمير أمته» (١). - ما رواه المجلسي أن «القائم [أي المهدي] يسير في العرب بما في الجفر الأحمر ... فأمر أصبعه على خلقه فقال هكذا، يعني الذبح» (٢)، وروى: «ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح» (٣)، وروى أيضًا: «اتق العرب فإن لهم خبر سوء، أما إنه لم يخرج مع القائم منهم واحد» (٤). ولماذا يُعمِل المهدي سيفه في العرب؟ أليس الرسول ﷺ وأمير المؤمنين وذريته من العرب؟! أم إنها العصبية الفارسية تجاه العرب. - اتخاذهم من يوم مقتل عمر ﵁ عيدًا، ولقد رووا أحاديث في فضل ذلك اليوم، منها ما رواه المجلسي ونعمة الله الجزائري عن أبي الحسن العسكري أنه قال: «ولقد حدثني أبي ﵇ أن حذيفة بن اليمان دخل في مثل هذا اليوم [أي الموافق ليوم مقتل عمر ﵁] على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله (٥)، قال حذيفة: رأيت أمير المؤمنين ﵇

стр. 507

وولديه يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبتسم في وجوههم ويقول لولديه الحسن والحسين: كُلا هنيئًا لكما بركة هذا اليوم وسعادته فإنه اليوم الذي يهلك الله فيه عدوه وعدو جدكما، وإنه اليوم الذي يقبل الله أعمال شيعتكما ومحبيكما واليوم الذي يصدق فيه قول الله ﷻ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (١)، واليوم الذي نسف فيه فرعون أهل البيت وظالمهم وغاصبهم حقهم واليوم الذي يقدم الله إلى ما عملوا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (٢). قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله، وفي أمتك وأصحابك من ينتهك هذه المحارم؟ قال: نعم يا حذيفة جِبْت من المنافقين يرتاس عليهم ويستعمل في أمتي الرؤيا [أي الرياء] ويحمل على عاتقه درّة الخزي ويصد الناس عن سبيل الله يحرف كتاب الله ويغير سنتي ويشتمل على إرث ولدي وينصب نفسه علمًا ويتطاول على إمامة من بعدي ويستخلب أموال الناس من غير حلها وينفقها في غير طاعة الله ويكذبني ويكذب أخي ووزيري ويحسد ابنتي عن حقها فتدعو الله عليه فيستجيب دعاءها في مثل هذا اليوم.

стр. 508

قال حذيفة ﵁: فقلت: يا رسول الله، فادع ربك ليهلكه في حياتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا حذيفة لا أحب أن أجترئ على قضاء الله لما قد سبق في علمه لكن سألت الله أن يجعل لليوم الذي يهلكه فيه فضيلة على سائر الأيام ليكون ذلك سُنَّة يستن بها أحبائي وشيعة أهل بيتي [ومحبوهم]، فأوحى الله إليَّ جل من قائل: يا محمد، إنه قد سابق علمي أن تمسَّك وأهل بيتك مِحَن الدنيا وبلاؤها، وظلم المنافقين والغاصبين من عبادي من نصحت لهم وخانوك، ومحضت لهم وغشوك، وصافيتهم وكشحوك، وأرضيتهم وكذبوك وجنيتهم وأسلموك، فإني بحولي وقوتي وسلطاني لأفتحن على من يغصب بعدك عليًا وصيك حقًا ألف باب من النيران من أسفل الفيلوق، ولأصلينه وأصحابه قعرًا يشرف عليه إبليس آدم فيلعنه، ولأجعلن ذلك المنافق عبرة في القيامة كفراعنة الأنبياء وأعداء الدين في المحشر، ولأحشرنهم وأولياءهم وجميع الظلمة والمنافقين إلى جهنم زرقًا كالحين أذلة حيارى نادمين ولأضلنهم فيها أبد الآبدين. يا محمد، إن مرافقك ووصيك في منزلته يمسه البلوى من فرعونه وغاصبه الذي يجترئ ويبدل كلامي ويشرك بي ويصد الناس عن سبيلي وينصب نفسه عجلًا لأمتك ويكفر بي في عرشي، إني قد أمرت سبع سماواتي وشيعتك ومحبيك أن يعيِّدوا في اليوم الذي أهلكته فيه، وأمرتهم أن ينصبوا كرسي كرامتي بإزاء البيت المعمور، ويثنوا عليّ ويستغفروا لشيعتك ولمحبيك من ولد آدم. يا محمد، وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق في ذلك اليوم ولا [يكتبوا] شيئًا من خطاياهم كرامة لك ولوصيك. يا محمد إني قد جعلت ذلك اليوم يوم عيد لك ولأهل بيتك ولمن يتبعهم من المؤمنين وشيعتهم، وآليت على نفسي بعزتي وجلالي وعلوي في مكاني لأحبون من يعيِّد في ذلك اليوم محتسبًا في ثواب الحافين، ولأشفعنه في ذوي رحمه، ولأزيدن في ماله إن وسع على نفسه وعياله، ولأعتقن من النار في كل حول مثل ذلك اليوم آلافًا من شيعتكم ومحبيكم ومواليكم، ولأجعلن سعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، وعملهم مقبولًا. قال حذيفة: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل بيت أم سلمة. ورجعت عنه وأنا غير شاك في أمر الثاني [أي عمر ﵁] حتى رأيت بعد وفاة رسول الله صلى الله

стр. 509

عليه وآله وأتيح الشر وعاود الكفر وارتد عن الدين وشمر للملك وحرَّف القرآن ...» (١). كذلك فهم يطلقون لقب (بابا شجاع الدين) على الملعون أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر ﵁ (٢)، وأقاموا له في مدينة كاشان الإيرانية في منطقة تسمى (باغي فين) مشهدًا فيه قبر وهمي يزار من قِبَل الإيرانيين، وتلقى فيه الأموال والتبرعات. - من الشواهد كذلك جعلهم الإمامة بعد الحسين ﵁ في ابنه علي الملقب بزين العابدين، وذلك لأن أمه - كما يذكر النوبختي - (٣) «چهانشاه (٤)، وهي ابنة يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز، وكان كسرى آخر ملوك الفرس». وهم ما ادعوا ذلك إلا لرؤيتهم أن الدم الذي يجري في عروق علي بن الحسين وفي أولاده دم إيراني من سلالة الساسانيين المقدسين عندهم، فقالوا: «وكان يقال له [أي زين العابدين]﵇: ابن الخيرتين، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن لله من عباده خيرتين"، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس، وكانت أمه بنت كسرى» (٥). وسوف تتبين لنا بصورة أوضح معالم هذه الأصابع الخفية حينما نتناول بعض عقائد الشيعة الإمامية في الفصل التالي. ...

стр. 510

الفصل الثاني: عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس

стр. 511

- - ﴿عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس﴾ - - «وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، أكثرها تُشينه وتؤذيه، ثم لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند، ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها، وخرافات تخالف الإجماع، في مسائل كثيرة يطول ذكرها، خرقوا فيها الإجماع، وسوَّل لهم إبليس وضعها، على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس، بل إلى الواقعات» [ابن الجوزي] (١) «والأدلة على بطلان مذهب الرافضة لا تُحصى إلا بالمشقة، ألا فليدخلوا في الإسلام!» [الحذيفي] (٢) نتناول في هذا الفصل بعض الأصول والاعتقدات التي تفردت بها الشيعة الإمامية، ونحصر المناقشة في النقاط التالية: - عقيدة الإمامة. - عقيدة التقية. - عقيدة البداء. - عقيدة الرافضة في القرآن. - عقيدة الطينة.

стр. 512

- عقيدة الرافضة في أهل السنة. - عقيدة الرجعة. - زواج المتعة وبعض المسائل المتعلقة به. - نظرية الخمس. - أقوال علماء أهل السنة في الرافضة. ... عقيدة الإمامة: الإمامة عند الشيعة «هي الأصل الذي تدور عليه أحاديثهم وترجع إليه عقائدهم، وتلمس أثره في فقههم وأصولهم وتفاسيرهم وسائر علومهم» (١)، يعرِّفها محمد الحسين آل كاشف الغطاء بقوله (٢): «الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها، سوى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبي، وإنما يتلقى الأحكام منه مع تسديد إلهي، فالنبي مبلغ عن الله والإمام مبلغ عن النبي» اهـ. إذن فالإمامة كما يتبين من كلامه أنها أهم معتقدات الشيعة، فهي تتعلق بالإيمانيات كالإيمان بالله وبالرسول ﷺ ، يكفر منكرها ويُسلِم مُعتَقِدُها. واقرأ معي هذه النصوص: روى الكليني عن أبي الحسن العطار قال: «سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: أشرِك بين الأوصياء والرسل في الطاعة» (٣)، وأصرح من هذا وأشد ما رواه أيضًا عن أبي عبد الله أنه قال: «نحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان

стр. 513

ضالًا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء» (١). وروي عن جابر قال: «سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: إنما يعرف الله ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت، ومن لا يعرف الله ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالًا» (٢). بل لقد جعلوها في مرتبة الصلاة والزكاة والصوم والحج، كما يروي الكليني عن عجلان أبي صالح قال: «قلت لأبي عبد الله ﵇: أوقفني على حدود الإيمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وصلاة الخمس، وأداة الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، وولاية ولينا وعداوة عدونا والدخول مع الصادقين» (٣)، وعن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: «بني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية» (٤)، فتأمل قوله «ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية»، ومعناه أن الولاية أهم من الأربع الأول، وقد صرح في رواية عن زرارة عن أبي جعفر قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن» (٥)، بل لقد حذفوا الصوم والحج في رواية أخرى، فرووا عن الصادق ﵇ قوله: «أثافي (٦) الإسلام ثلاثة، الصلاة، والزكاة، والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها» (٧).

стр. 514

فأين القائل بأن خلافنا مع الرافضة في الفروع من هذه الأقوال؟! وقد قال ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (١). أصل عقيدة الإمامة: يقول الدكتور القفاري (٢): «لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره»، ويقول (٣): «كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند علي، ولكن جاء فيما بعد من عمَّمها في مجموعة من أولاده، وكانت (الخلايا) الشيعية تعمل بصمت وسرية، ومع ذلك فقد كانت تصل بعض هذه الدعاوى إلى بعض أهل البيت، فينفون ذلك نفيًا قاطعًا، كما فعل جدهم أمير المؤمنين علي، ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت عقيدة التقية حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس» اهـ. ثم كان لشيطان الطاق (٤) الدور الأكبر بعد ذلك في إشاعة القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين من آل البيت، حيث روى الكليني عن أبان عن الأحول أن زيد بن علي بن الحسين ﵉ (٥) بعث إليه وهو مستخف، قال [أي شيطان الطاق]: «فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر، ما تقول إن طرقك طارق منا، أتخرج معه؟ فقلت له: إن كان أباك أو أخاك، خرجت معه، فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي،

стр. 515

قلت: لا، ما أفعل جعلت فداك، فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلف عنك والخارج معك سواء. فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي، ولم يشفق علي من حر النار، إذا أخبرك بالدين (١) ولم يخبرني به؟؟! فقلت له: جعلت فداك، شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك: أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثم قلت له: جعلت فداك، أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء، قلت: يقول يعقوب ليوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٢)، لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنه خاف عليك» (٣). يقول محب الدين الخطيب (٤): «وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو من صفوة آل محمد، كما اتهم ابنه الإمام زيدًا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه. ولو أن غير الكَشِّي من صناديد الشيعة روى هذا الخبر لشككنا في صحته، ولكن الشيعة هم الذين يروونه، ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم. وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذي روى عنه الجاحظ [١٥٩ - ٢٥٥هـ] أنه قال في كتابه عن الإمامة أن الله لم يقل: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٥)» اهـ. ولقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم [ت. ١٧٩هـ]، حتى يقول

стр. 516

ابن النديم الرافضي [ت. ٣٨٥هـ] إن هشام بن الحكم «ممن فتق الكلام في الإمامة ... وله من الكتب كتاب الإمامة» (١). بل ويرى القاضي عبد الجبار المعتزلي أن الذي ادعى النص، وجرأ الناس على شتم أبي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص أحد قبله (٢)، ويقول (٣): «ولوكان هشام من أهل القبلة، لما كان دعواه ودعوى مائة ألف معه مثله حجة، فكيف به وليس من أهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء» اهـ. ويقول الملطي (ت. ٣٧٧هـ) (٤): «لأن هشامًا كان ملحدًا دهريًا ثم انتقل إلى الثنوية والمانية ثم غلبه الإسلام فدخل في الإسلام كارهًا فكان قوله في الإسلام بالتشبيه والرفض ... وأما قوله بالإمامة فلم نعلم أن أحدًا نسب إلى علي ﵁ وولده عيبًا مثل هشام لعنه الله، والله نحمده قد نزع عن علي وولده ﵈ العيوب والأرجاس وطهرهم تطهيرًا. وما قصد هشام بقوله في الإمامة قصد التشيع ولا محبة أهل البيت، ولكن طلب بذلك هدَّ أركان الإسلام والتوحيد والنبوة، فأراد هدمه، وانتحل في التوحيد التشبيه، فهدم ركن التوحيد، وساوى بين الخالق والمخلوق، ثم انتحل محبة أهل البيت ونشر عنهم وطعن على الكتاب والسنة وكفَّر الأمة التي هي حجة الله على خلقه بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فكفرهم ونسب إليهم الردة والنفاق، فعمل على هدم الإسلام العمل الذي لم يقدم عليه أحد من أعداء الإسلام، فالله يحكم فيه يوم القيامة بسوء كيده. فزعم هشام لعنه الله أن النبي ﵊ نص على إمامة علي في حياته بقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ...» (٥).

стр. 517

إذن، فهشام بن الحكم وشيطان الطاق وأتباعهما هم الذين أحيوا نظرية ابن سبأ في أمير المؤمنين علي ثم عمموها على آخرين من سلالة أهل البيت، واستغلوا بعض ما جرى على أهل البيت، كمقتل علي والحسين، في إثارة مشاعر الناس وعواطفهم، والدخول إلى قلوبهم لتحقيق أغراضهم ضد الدولة الإسلامية في ظل هذا الستار (١). ولقد اختلفت اتجاهات الشيعة وتباينت مذاهبهم في عدد الأئمة، فكما يقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٢): «اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة، ولكنهم مختلفون في مقدارهم، فقال بعضهم خمسة، وبعضهم سبعة، وبعضهم ثمانية، وبعضهم اثنا عشر، وبعضهم ثلاثة عشر». فأما الاثنا عشرية، فقد استقر قولها - فيما بعد - بحصر الإمامة في اثني عشر إمامًا؛ يقول القفاري (٣): «هذا المصطلح [أي الاثنا عشرية] لا نجده في كتب الفرق والمقالات

стр. 518

المتقدمة، فلم يذكره [سعد بن عبد الله] القُمِّي (ت. ٢٩٩/ ٣٠١هـ) في (المقالات والفرق)، ولا النوبختي في (فرق الشيعة)، ولا الأشعري في (مقالات الإسلاميين). ولعل أول من ذكره من الشيعة المسعودي (ت. ٣٤٩هـ) في (التنبيه والإشراف). أما من غير الشيعة فلعله عبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفِرَق) حيث ذكر أنهم سموا بالاثنى عشرية لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلي علي بن أبي طالب ﵁. وظهور هذا الاسم كان بلا شك بعد ميلاد فكرة الأئمة الاثني عشر، والتي حدثت بعد وفاة الحسن العسكري، حيث إنه "قبل موت الحسن بن علي العسكري لم يكن أحد يقول بإمامة هذا المنتظر [إمامهم الثاني عشر]، ولا عرف من زمن علي ودولة بني أمية أحد ادعى إمامة الاثني عشر وهذا القائم" (١)، ولكن يرى صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية أن زمن ظهور الإمامية الاثنى عشرية سنة مائتين وخمس وخمسين (٢)، ويبدو أنه عيَّن هذا التاريخ بالذات، لأن تلك السنة (٢٥٥هـ) هي التي زعمت الاثنا عشرية أنه ولد فيها إمامهم الثاني عشر، والذي يزعمون حياته إلى اليوم، وينتظرون خروجه، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يحدد التاريخ بسنة ٢٦٠هـ، لأن دعوى وجود الإمام الثاني عشر المنتظر إنما ظهرت بعد وفاة الحسن العسكري (والذي توفي سنة ٢٦٠هـ)» اهـ. ولماذا اثنا عشر إمامًا ؟ يحاول الرافضة إضفاء نوع من الشرعية على عدد أئمتهم عن طريق التدليل بأحاديث كثيرة لا أصل لها ملئت بها كتبهم ويطول المقام بذكرها، ولكن أذكر منها حديث الاثني عشر والذي له ألفاظ عدة في الصحيحين وغيرهما، حيث إنهم يتعلقون بهذه النصوص ويحتجون بها على أهل السنة، لا لإيمانهم بما جاء في كتب أهل السنة، ولكن للاحتجاج عليهم بما يسلمون به، عملًا بقول «من فمك أدينك». فلقد صح عن النبي ﷺ قوله: «يكون اثنا عشر أميرًا كلهم من قريش» (٣)، وقوله: «إن

стр. 519

هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» (١)، وقال: «لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة» (٢)، وقال: «لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (٣). واستدلالهم هذا باطل من وجوه: - أوصاف الاثنى عشر المذكورين في الحديث وزمنهم أنهم: (يتولون الخلافة، الإسلام في عهدهم عزيز، الناس يجتمعون عليهم). ولا ينطبق على أئمة الشيعة أي وصف منها، حتى العدد لا ينطبق عليهم، لأن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري مات بدون ذرية كما سنبين بعد قليل. - الحديث ليس فيه حصر لعدد الأئمة، بل هو خبر أن الدين يكون عزيزًا وقت حكمهم. - الشيعة تقول إن كل أئمتهم كانوا مستترين خائفين يتعاملون بالتقية، بل إن عليًا عندهم لم يستطع أن يُظهر الدين الصحيح؛ فما استطاع أن يظهر القرآن الصحيح ولا منع صلاة التراويح ولا أمر بزواج المتعة! - كيف يكون نص على علي ﵁ والنصوص وردت عن علي تنافي ذلك، كما نسب إليه في نهج البلاغة أنه قال: «أنا لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا» (٤). - إذا كان الأمر كما ورد في الحديث، فلم قَبِل علي ﵁ بالشورى، وتنازل الحسن لمعاوية، وبايع الحسين لمعاوية، وبايع جميع أئمتهم للخلفاء؟ - قال ﷺ : «في أمتي اثنا عشر منافقًا» (٥)، فالعدد لا عبرة له (٦). - أيضًا، روى الكليني في الكافي جملة من أحاديثهم تقول بأن الأئمة ثلاثة عشر،

стр. 520

فعن أبي الجاورد، عن أبي جعفر ﵇ قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني واثنى عشر من ولدي وأنت يا علي زر الأرض يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا» (١). فهذا النص أفاد أن أئمتهم بدون علي اثنا عشر ومع علي يصبحون ثلاثة عشر. وهذا ينسف بنيان الاثنى عشرية، ولهذا يظهر أن شيخهم الطوسي في الغيبة تصرف في النص وغيَّر فيه فأورده بهذا اللفظ: «إني وأحد عشر من ولدي» (٢). - كذلك روى الكليني عن أبي الجارود، عن أبي جعفر ﵇ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «دخلت على فاطمة ﵍ وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم ﵇، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي» (٣). فانظر كيف اعتبروا أئمتهم اثنى عشر كلهم من أولاد فاطمة، فإذن علي بن أبي طالب ﵁ ليس من أئمتهم لأنه زوج فاطمة لا ولدها، أو يكون مجموع أئمتهم ثلاثة عشر (٤). اعتقاد الرافضة في أئمتهم: يقول الخميني في وصفهم (٥): «إن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل». ويقول الجزائري (٦): «اعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا ﵃ في أشرفية نبينا على سائر الأنبياء للأخبار المتواترة، وإنما الخلاف بينهم في أفضلية أمير المؤمنين علي والأئمة الطاهرين على الأنبياء ما

стр. 521

عدا جدهم، فذهب جماعة إلى أنهم أفضل من باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فهم أفضل من الأئمة، وبعضهم إلى مساواتهم، وأكثر المتأخرين إلى أفضلية الأئمة على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب». ويقول الكليني (١): «قال جعفر بن محمد ﵇ في قوله تعالى ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢): نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من عباده عملًا إلا بمعرفتنا». بل لقد عقد الكليني في الكافي بابًا في (أن الأرض كلها للإمام)، جاء فيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: «أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء» (٣). ويعتقد الرافضة أن أئمتهم يتنزل عليهم الوحي، كما روى الكليني عن أسباط بن سالم قال: «سأله - أي أبا عبد الله - رجل من أهل هيت (٤) وأنا حاضر - عن قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ (٥) فقال: منذ أنزل الله ذلك الروح على محمد صلى الله عليه وآله ما صعد إلى السماء وإنه لفينا» (٦)، وعن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، قال: خلق من خلق الله أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده» (٧). أيضًا، يعتقدون أن أئمتهم يعلمون الغيب، حيث عقد شيخهم الكليني بابًا في الكافي في (أن الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) (٨)، وكذلك

стр. 522

عقد بابًا آخر في (أن الأئمة ﵈ يعلمون علم ما كان، وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء)، روى فيه: «عن الحارث بن المغيرة، وعدة من أصحابنا سمعوا أبا عبد الله ﵇ يقول: إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون» (١). وروى المجلسي عن صفوان بن يحيى عن بعض رجاله عن الصادق ﵇ أنه قال: «والله لقد أُعطينا علم الأولين والآخرين، فقال له رجل من أصحابه: جُعلت فداك أعندكم علم الغيب؟ فقال له: ويحك إني لأعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء» (٢). ويعتقدون كذلك أن جزءًا من النور الإلهي، قد حلَّ بعلي بن أبي طالب ﵁، كما يروي الكليني عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله ﵇ قال: «قال الله ﵎: يا محمد، إني خلقتك وعليًا نورًا - يعني روحًا بلا بدن - قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدسني، وتهللني، ثم قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة محمد واحد وعلي واحد والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأها روحًا بلا بدن، ثم مَسَحَنا - أي الأئمة - بيمينه فأفضى نوره فينا» (٣). وقال أيضًا: «إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم، ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) يعني الأئمة منا» (٥). ويعتقدون أن أعمال العباد تُعرَض على الأئمة في كل يومٍ وليلة، كما روى الكليني عن عبد الله بن أبان الزيات قال: «قلت للرضا ﵇: ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟! والله، إن أعمالكم لتُعرَض علي في كل يومٍ وليلة» (٦).

стр. 523

ويعتقدون أن أئمتهم الاثني عشر هم الواسطة بين الله وبين خلقه، حيث قال المجلسي عن أئمتهم ما نصه: «فإنهم حُجُب الرب، والوسائط بينه وبين الخلق» (١)، كما بوَّب في كتابه بابًا في «أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم» (٢). ويعتقدون أن أئمتهم لهم حق التحريم والتحليل والتشريع، حيث روى الكليني والمجلسي عن محمد بن سنان عن أبي جعفر الثاني ﵇ أنه قال: «يا محمد، إن الله ﵎ لم يزل متفردًا بوحدانيته ثم خلق محمدًا وعليًا وفاطمة، فمكثوا ألف دهرٍ، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورهم إليها، فهم يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلا أن يشاء الله ﵎» (٣). بل قد وضعوهم في مكانة تذكرك بوضع الباباوات والقسس في النظام الكنسي، يقول شيخهم محمد رضا المظفر (١٣٢٢ - ١٣٨٣هـ) ما نصه (٤): «بل نعتقد أن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه، وعدوهم عدوه. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى» اهـ. كما تُسنِد الشيعة الحوادث الكونية التي لا يتصرف فيها إلا الله تعالى إلى أئمتهم، فكل ما يجري في هذا الكون من رعد وبرق وغير ذلك، فأمره إلى أئمتهم، كما ذكر ذلك المجلسي عن سماعة بن مهران قال: «كنت عند أبي عبد الله ﵇، فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبد الله ﵇: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين ﵇» (٥).

стр. 524

ويعتقدون كذلك أن عليًا يركب السحاب، كما روى المجلسي أن عليًا أومأ إلى سحابتين، فأصبحت كل سحابة كأنها بساط موضوع، فركب على سحابة بمفرده، وركب بعض أصحابه على الأخرى، وقال فوقها: «أنا عين الله في أرضه، أنا لسان الله الناطق في خلقه، أنا نور الله الذي لا يُطفأ، أنا باب الله الذي يؤتى منه، وحجته على عباده» (١). كما يعتقد الشيعة أن حمل الأئمة لا يكون في رحم البطن بل في الجانب، وأن ولادتهم تكون من أفخاذ الأمهات بعيدًا عن القذارة والنجاسة! كما روى المجلسي عن أبي محمد ﵇ أنه قال: «إنا معاشر الأوصياء لسنا نُحمَل في البطون، وإنما نُحمَل في الجُنوب، ولا نخرج من الأرحام، وإنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا، لأننا نور الله لا تناله الدناسات» (٢). بل قد غلت الشيعة الإمامية في الحسين بن علي ﵄، حيث يعتقدون أن قبر الحسين ﵁ شفاء من كل داء، وذكر شيخهم المجلسي قرابة من ثلاث وثمانين رواية عن تربة الحسين وفضائلها وأحكامها وآدابها، ومنها قوله: «قال أبو عبد الله: حنكوا أولادكم بتربة الحسين فإنه أمان» (٣). كما أفتى الخميني لأتباعه ومريديه بأن يأكلوا من تربة الحسين للاستشفاء بها، حيث إنه يرى لها فضيلة لا تلحق بها أية تربة حتى تربة قبر النبي ﷺ ، فيقول ما نصه (٤): «يحرم أكل الطين، وهو التراب المختلط بالماء حال بلته، وكذا المدر وهو الطين اليابس، ويلحق بهما التراب على الأحوط»، ثم يقول: «يُستثنى من الطين طين قبر سيدنا أبي عبد الله الحسين ﵇ للاستشفاء ولا يجوز أكله بغيره، ولا أكل ما زاد عن قدر الحمصة المتوسطة، ولا يلحق به طين غير قبره، حتى قبر النبي صلى الله عليه وآله والأئمة ﵈، نعم لا بأس أن يمزج بماء أو شربة، ويستهلك فيه والتبرك والاستشفاء بذلك الماء وتلك الشربة» اهـ (٥).

стр. 525

ويروي محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد (٣٣٦ - ٤١٣هـ)، عن محمد بن إسماعيل البصري عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: «طين قبر الحسين شفاء من كل داء، فإذا أكلته فقل بسم الله وبالله، اللهم اجعله رزقًا واسعًا، وعلمًا نافعًا، وشفاءً من كل داء، إنك على كل شيء قدير» (١). كذلك يعتقد الشيعة أن زيارة مشاهد وقبور أئمتهم أعظم من الحج إلى بيت الله العتيق، فقال شيخهم الكليني مانصه (٢): «إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة، وأفضل من عشرين عمرة وحجة». بل يجوزون الاستغاثة بغير الله مطلقًا كقولهم «يا مهدي أدركني ... !»، ويهجرون المساجد ويعمرون المشاهد، ويعبدون قبور الأئمة، فيذبحون عندها، وينذرون لها، ويحلفون بها، ويستغيثون بهم في طلب الحاجات وكشف الكربات، ويسجدون إلى قبورهم، ويستقبلونها في صلاتهم، «زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه، حتي يصح أن يكون وسيلة إلى الله» (٣). يقول المجلسي (٤): «إذا كان لك حاجة إلى الله فاكتب رقعة على بركة الله، واطرحها على قبرٍ من قبور الأئمة إن شئت، أو فشدها واختمها، واعجن طينًا نظيفًا واجعلها فيه، واطرحها في نهرٍ جارٍ، أو بئرٍ عميقة، أو غديرَ ماء، فإنها تصل إلى السيد ﵇، وهو يتولى قضاء حاجتك بنفسه». ويقول المفيد في (المزار)، في باب (القول عند الوقوف عند الحدث) (٥): «وذلك أن يشير زائر الحسين بيده اليمنى ويقول في دعاء طويل: وأتيتك زائرًا التمس ثبات القدم في الهجرة إليك وقد تيقنت أن الله جل ثناؤه بكم ينفس الهم ... وبكم ينزل الغيث وبكم ينزل الرحمة وبكم يمسك الأرض أن تسيخ بأهلها وبكم يثبت الله جبالها على مراسيها،

стр. 526

قد توجهت إلى ربي بك يا سيدي في قضاء حوائجي ومغفرة ذنبي ...». سبحانك هذا بهتان عظيم!! ... مغالطات واضحة: المتتبع لسلسلة الأئمة يلاحظ الآتي: - إسماعيل كان الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق ووصى له بالإمامة من بعد أبيه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه جعفر، فاحتار الشيعة ماذا يفعلون، فانتهى بهم الأمر أنهم زعموا أن الإمامة انتقلت إلى أخيه الأصغر موسى بن جعفر الصادق، وبرروا ذلك التغيير في مسار الإمامة - والتي لا تكون إلا بمقتضى أمر من الله - إن ذلك بداءً حصل لله تعالى!، فيقول ابن بابويه القمي (ت. ٣٢٩هـ) (١): «إن جعفر بن محمد ﵇ نص لهم على إسماعيل وأشار إليه في حياته، ثم إن إسماعيل مات في حياته فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني». وانقسمت الشيعة بعد ذلك إلى إسماعيلية (نسبة إلى إسماعيل بن جعفر)، وموسوية (نسبة إلى موسى بن جعفر). - كان للإمام العاشر أبي الحسن علي بن محمد الهادي ولدان: أبو جعفر محمد بن علي، وأبو محمد الحسن بن علي، وأبو جعفر هذا ولده الأكبر مات في حياته، وكانت الشيعة تزعم أنه الإمام (٢)، فلمَّا مات جعلوا الإمامة في ابنه الأصغر أبي محمد الحسن بن علي، وعللوا ذلك أيضًا بالبداء، فروى الكليني عن أبي هاشم الجعفري قوله: «كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما - أعني أبا جعفر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابنَي جعفر بن محمد ﵈، وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر ﵇. فأقبل عليَّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي

стр. 527

جعفر ﵇ ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة» (١). ولذلك تجدهم عند زيارة مرقد الإمامين العاشر والحادي عشر يرددون: «السلام عليكما يا من بدا لله في شأنكما»! (٢). - توفي الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري ولم يكن له ولد أصلًا، فروى الكليني حكاية طويلة مملة مفادها أنه لما مرض الحسن العسكري ومات، أخذ السلطان والناس يبحثون عن ولد له فلم يجدوا، وكانوا يشكُّون في جارية من جواريه أنها حامل، فلما تبين بطلان الحمل، قُسِّم الميراث بين أمه وأخيه (٣). إذن فمحمد بن الحسن (الإمام الثاني عشر) مهديهم المنتظر، شخصية خيالية لا وجود لها! (٤).

стр. 528

حيرة !! اشترطت الشيعة الإمامية عدم جواز انتقال الإمامة إلى الأخ أو العم أو ابن العم وهكذا (مع أن هذا حدث مع موسى بن جعفر الكاظم والحسن بن علي العسكري وبرروه بالبداء)، ولما مات الحسن العسكري، ولم يكن له عقب، وقعوا في (حيص بيص!)، وانسدت في وجوههم المخارج، فهم بين ثلاثة أمور: إما أن يتنازلوا عن هذا الشرط، وإما أن يسلِّموا بانقطاع الإمامة بعد الحسن العسكري لانقطاع الولد (١)، وإما أن يخترعوا ولدًا للحسن يقوم مقامه .. فكانت الثالثة (٢)!! فادعوا أنه ولد للإمام الحسن العسكري ابنٌ، وهو محمد المهدي، وأنه اختفى في سرداب (سُرَّ من رأى/سامراء) - وهذه يسمونها الغيبة الصغرى -، وإمامته وحكمه مستمران إلى يوم القيامة، وطوال هذه المدة فهو إمام الزمان والحاكم الديني والدنيوي للأمة، وهو معيَّن من قِبَل الله تعالى (٣). ولماذا اختفى ؟ تضاربت أقوال علماء الشيعة لتبرير دعوى اختفاء المهدي وعدم خروجه حتى الآن رغم أنه بلغ من العمر أربعًا وسبعين ومئة وألف (١١٧٤) سنة أو ربما أكثر! لأنهم قالوا كما يروى عن أبي محمد: «إنا معاشر الأوصياء ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في الجمعة، وننشؤ في الجمعة ما ينشؤ غيرنا في السنة» (٤):

стр. 529

- فقال الطوسي (١): «لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما جاز له الاستتار، وكان يتحمل المشاق والأذى»، ولماذا يخاف وقد جاءت روايات تقول: «إن الأئمة يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم» (٢)، وقد علم المهدي أنه يعيش إلى أن ينزل عيسى ﵇ (٣). أضف إلى هذا، فإنه قد قامت دول شيعية كثيرة قوية، كالدولة العبيدية والبويهية والقرامطة والخمينية ... فلماذا لم يخرج في ظل هذه القوة، فيأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه، حتى إذا زالت دولتهم أو ضعفت، غاب مرة أخرى؟! - قالوا: اختفى من أجل التمحيص والامتحان (٤)، وهذا أيضًا يناقضه رواية في الكافي تقول: «لو علم الله أنهم يرتابون، ما غيب حجته طرفة عين» (٥). - وقالوا: غائب حتى لا تكون في عنقه بيعة لطاغوت؛ روى المجلسي عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: «ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم، فإن الله يخفي غيبته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج» (٦)، وهذا كلام لا مفهوم له؛ إذ هل معنى ذلك أنه وقتما يخرج لن يكون هناك طاغوت حاكم يبايعه؟! لا سيما أن الثابت أن عيسى ﵇ سينزل في زمان المهدي لا قبله، فلو كان الأمر كما يدعون، فلا أظن مهديهم يخرج أبدًا! - وقال الطوسي (٧): «إننا أولًا لا نقطع عن استتاره على جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم»، يعني هو موجود يظهر، لكن من لايظهر له لا يُنكِر، فهو ما يظهر لك لأنك ضعيف الإيمان أو أن هناك مزاحمة - أي غيرك يريد رؤيته -، فلذلك لا تنكر، آمن

стр. 530

واسكت! وهذا نظير جواب أحد القساوسة قيل له: «كيف نؤمن أن الله واحد وأنه ثلاثة في نفس الوقت؟ قال: أول شيء عليك أن تؤمن بأن الله واحد وأن الله ثلاثة في نفس الوقت، فإذا آمنت جاءك عيسى ﵇ وفهمك، فإذا لم يأت، فإنك ما آمنت!». ولذلك ادعى رؤية المهدي الكثير، ولماذا؟ حتى يُقال إيمانهم قوي بدليل رؤية المهدي، فإن قالوا ما ظهر لهم فإيمانهم ضعيف (١). - وقالوا: لحكمة مجهولة! فروى ابن بابويه القمي عن جعفر الصادق أنه قال: «إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر ﵇ من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى ﵇ إلى وقت افتراقهما ... إن هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه حكيم صدَّقنا بأن أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف» (٢)، وهذا جواب ذكي، وهو يحل جميع الإشكالات! في السرداب: بعد أن ادَّعى القوم اختفاء المهدي في السرداب، ادَّعوا أن له نوابًا يتصلون به، ويبلغون أوامره لعلمائهم، وتبارى الناس في ادعاء النيابة عنه، وذلك للمردود المادي والمعنوي لهذه النيابة. والنواب الأربعة الشرعيون في نظر الشيعة الاثني عشرية هم: عثمان بن سعيد العمري، وولده محمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السيمري. ومن دونهم فهم كلهم كذابون في نظر الشيعة الاثني عشرية. ونحن لو قلنا من جهتنا نكذب حتى الأربعة الأوائل! والأدلة على كذبهم كثيرة جدًا، أقتصر على الآتي: فعثمان بن سعيد العمري، يذهب إلى المهدي المنتظر ومعه أسئلة، ثم يأتي ويقول هذه إجابة المهدي المنتظر كذا وكذا ... انتهى. فلما جاء بعده ابنه محمد وقيل له دعنا نرى خط المهدي قال: «قال المهدي: لا تظهر على خطنا الذي سطرناه أحدًا» (٣) الخط
следующие страницы →