← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قد توجهت إلى ربي بك يا سيدي في قضاء حوائجي ومغفرة ذنبي ...». سبحانك هذا بهتان عظيم!! ... مغالطات واضحة: المتتبع لسلسلة الأئمة يلاحظ الآتي: - إسماعيل كان الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق ووصى له بالإمامة من بعد أبيه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه جعفر، فاحتار الشيعة ماذا يفعلون، فانتهى بهم الأمر أنهم زعموا أن الإمامة انتقلت إلى أخيه الأصغر موسى بن جعفر الصادق، وبرروا ذلك التغيير في مسار الإمامة - والتي لا تكون إلا بمقتضى أمر من الله - إن ذلك بداءً حصل لله تعالى!، فيقول ابن بابويه القمي (ت. ٣٢٩هـ) (١): «إن جعفر بن محمد ﵇ نص لهم على إسماعيل وأشار إليه في حياته، ثم إن إسماعيل مات في حياته فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني». وانقسمت الشيعة بعد ذلك إلى إسماعيلية (نسبة إلى إسماعيل بن جعفر)، وموسوية (نسبة إلى موسى بن جعفر). - كان للإمام العاشر أبي الحسن علي بن محمد الهادي ولدان: أبو جعفر محمد بن علي، وأبو محمد الحسن بن علي، وأبو جعفر هذا ولده الأكبر مات في حياته، وكانت الشيعة تزعم أنه الإمام (٢)، فلمَّا مات جعلوا الإمامة في ابنه الأصغر أبي محمد الحسن بن علي، وعللوا ذلك أيضًا بالبداء، فروى الكليني عن أبي هاشم الجعفري قوله: «كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما - أعني أبا جعفر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابنَي جعفر بن محمد ﵈، وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر ﵇. فأقبل عليَّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي

стр. 527

جعفر ﵇ ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة» (١). ولذلك تجدهم عند زيارة مرقد الإمامين العاشر والحادي عشر يرددون: «السلام عليكما يا من بدا لله في شأنكما»! (٢). - توفي الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري ولم يكن له ولد أصلًا، فروى الكليني حكاية طويلة مملة مفادها أنه لما مرض الحسن العسكري ومات، أخذ السلطان والناس يبحثون عن ولد له فلم يجدوا، وكانوا يشكُّون في جارية من جواريه أنها حامل، فلما تبين بطلان الحمل، قُسِّم الميراث بين أمه وأخيه (٣). إذن فمحمد بن الحسن (الإمام الثاني عشر) مهديهم المنتظر، شخصية خيالية لا وجود لها! (٤).

стр. 528

حيرة !! اشترطت الشيعة الإمامية عدم جواز انتقال الإمامة إلى الأخ أو العم أو ابن العم وهكذا (مع أن هذا حدث مع موسى بن جعفر الكاظم والحسن بن علي العسكري وبرروه بالبداء)، ولما مات الحسن العسكري، ولم يكن له عقب، وقعوا في (حيص بيص!)، وانسدت في وجوههم المخارج، فهم بين ثلاثة أمور: إما أن يتنازلوا عن هذا الشرط، وإما أن يسلِّموا بانقطاع الإمامة بعد الحسن العسكري لانقطاع الولد (١)، وإما أن يخترعوا ولدًا للحسن يقوم مقامه .. فكانت الثالثة (٢)!! فادعوا أنه ولد للإمام الحسن العسكري ابنٌ، وهو محمد المهدي، وأنه اختفى في سرداب (سُرَّ من رأى/سامراء) - وهذه يسمونها الغيبة الصغرى -، وإمامته وحكمه مستمران إلى يوم القيامة، وطوال هذه المدة فهو إمام الزمان والحاكم الديني والدنيوي للأمة، وهو معيَّن من قِبَل الله تعالى (٣). ولماذا اختفى ؟ تضاربت أقوال علماء الشيعة لتبرير دعوى اختفاء المهدي وعدم خروجه حتى الآن رغم أنه بلغ من العمر أربعًا وسبعين ومئة وألف (١١٧٤) سنة أو ربما أكثر! لأنهم قالوا كما يروى عن أبي محمد: «إنا معاشر الأوصياء ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في الجمعة، وننشؤ في الجمعة ما ينشؤ غيرنا في السنة» (٤):

стр. 529

- فقال الطوسي (١): «لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما جاز له الاستتار، وكان يتحمل المشاق والأذى»، ولماذا يخاف وقد جاءت روايات تقول: «إن الأئمة يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم» (٢)، وقد علم المهدي أنه يعيش إلى أن ينزل عيسى ﵇ (٣). أضف إلى هذا، فإنه قد قامت دول شيعية كثيرة قوية، كالدولة العبيدية والبويهية والقرامطة والخمينية ... فلماذا لم يخرج في ظل هذه القوة، فيأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه، حتى إذا زالت دولتهم أو ضعفت، غاب مرة أخرى؟! - قالوا: اختفى من أجل التمحيص والامتحان (٤)، وهذا أيضًا يناقضه رواية في الكافي تقول: «لو علم الله أنهم يرتابون، ما غيب حجته طرفة عين» (٥). - وقالوا: غائب حتى لا تكون في عنقه بيعة لطاغوت؛ روى المجلسي عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: «ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم، فإن الله يخفي غيبته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج» (٦)، وهذا كلام لا مفهوم له؛ إذ هل معنى ذلك أنه وقتما يخرج لن يكون هناك طاغوت حاكم يبايعه؟! لا سيما أن الثابت أن عيسى ﵇ سينزل في زمان المهدي لا قبله، فلو كان الأمر كما يدعون، فلا أظن مهديهم يخرج أبدًا! - وقال الطوسي (٧): «إننا أولًا لا نقطع عن استتاره على جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم»، يعني هو موجود يظهر، لكن من لايظهر له لا يُنكِر، فهو ما يظهر لك لأنك ضعيف الإيمان أو أن هناك مزاحمة - أي غيرك يريد رؤيته -، فلذلك لا تنكر، آمن

стр. 530

واسكت! وهذا نظير جواب أحد القساوسة قيل له: «كيف نؤمن أن الله واحد وأنه ثلاثة في نفس الوقت؟ قال: أول شيء عليك أن تؤمن بأن الله واحد وأن الله ثلاثة في نفس الوقت، فإذا آمنت جاءك عيسى ﵇ وفهمك، فإذا لم يأت، فإنك ما آمنت!». ولذلك ادعى رؤية المهدي الكثير، ولماذا؟ حتى يُقال إيمانهم قوي بدليل رؤية المهدي، فإن قالوا ما ظهر لهم فإيمانهم ضعيف (١). - وقالوا: لحكمة مجهولة! فروى ابن بابويه القمي عن جعفر الصادق أنه قال: «إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر ﵇ من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى ﵇ إلى وقت افتراقهما ... إن هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه حكيم صدَّقنا بأن أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف» (٢)، وهذا جواب ذكي، وهو يحل جميع الإشكالات! في السرداب: بعد أن ادَّعى القوم اختفاء المهدي في السرداب، ادَّعوا أن له نوابًا يتصلون به، ويبلغون أوامره لعلمائهم، وتبارى الناس في ادعاء النيابة عنه، وذلك للمردود المادي والمعنوي لهذه النيابة. والنواب الأربعة الشرعيون في نظر الشيعة الاثني عشرية هم: عثمان بن سعيد العمري، وولده محمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السيمري. ومن دونهم فهم كلهم كذابون في نظر الشيعة الاثني عشرية. ونحن لو قلنا من جهتنا نكذب حتى الأربعة الأوائل! والأدلة على كذبهم كثيرة جدًا، أقتصر على الآتي: فعثمان بن سعيد العمري، يذهب إلى المهدي المنتظر ومعه أسئلة، ثم يأتي ويقول هذه إجابة المهدي المنتظر كذا وكذا ... انتهى. فلما جاء بعده ابنه محمد وقيل له دعنا نرى خط المهدي قال: «قال المهدي: لا تظهر على خطنا الذي سطرناه أحدًا» (٣) الخط

стр. 531

سرِّي! أتدرون لماذا؟ لأنه إذا اطَّلع أحد على هذا الخط يظهر الكذب، لأنه سيختلف الخط من عثمان العمري إلى ولده محمد إلى الحسين النوبختي إلى محمد السيمري، لأنه لا يوجد مهدي أصلًا (١). والفائدة التي حصل عليها الذين يتزعمون مذهب الشيعة الإمامية أنهم باسم الإمام يحكمون الناس ويولون أمورهم من غير أن يستطيع أحد الاعتراض عليهم، وكأن ما جاء في هذه (الرقاع) المزورة أبلغ من نصوص الإسلام عندهم .. روى ابن بابويه القمي عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي»، فجاءه الرد بالآتي: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله، وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي» (٢). وحجة الله هو الذي عينه الله للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين يجب إنفاذها. كم مدة غيبته ؟ كثرت أسئلة العوام عن المهدي وسبب تأخره، وكان النواب في بادئ الأمر يتحججون أن تأخره كان بسبب البداء، فقالوا: «إنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقَّت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر» (٣)، وقالوا: «فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا» (٤)، ثم بدأت الناس تتشكك وترتاب

стр. 532

في أقوالهم، فادَّعى محمد السيمري قبيل وفاته بشهور قليلة أنه وصلت رقعة إليه بتوقيع الإمام المهدي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السيمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمِع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (١)، فلا ظهور إلا بعد إذن الله ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» اهـ (٢). وعرفت هذه بالغيبة الكبرى .. يقول الخميني (٣): «مضى أكثر من ألف عام [أي على غيبة المهدي]، وقد تمر ألف عام أخرى قبل أن تقتضي المصلحة ظهور صاحب الأمر». وما زالت الأعذار تتوالى إلى عامنا هذا، حتى تحجج مؤخرًا تلميذ الخميني، رئيس إيران محمود أحمدي نچاد، بكون الولايات المتحدة الأمريكية «تشكل أكبر حاجز أمام ظهور المهدي المنتظر»، وعلل أسباب غيبته بـ «إمكانية تكرار حادثة كربلاء وتعرض المهدي المنتظر لما واجهه الأنبياء، وبالتالي تصبح حياته عرضة للخطر»، على حد تعبيره (٤). إلا أن ظهوره يظل من المسلمات التي لا مجال لمناقشتها، كما قال شيخهم (الصدوق) (٥): «من أنكر القائم ﵇ في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لآدم كذلك رُوي عن الصادق جعفر بن محمد ﵇» اهـ.

стр. 533

الثورة الخمينية وولاية الفقيه: ظل الرافضة يعيشون بمفهوم هذا (الانتظار السلبي) إلى أن قام الهالك الخميني بثورته «الإسلامية»، وذلك في عام ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م، والتي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا البهلوي (١٩١٩ - ١٩٨٠م) التغريبي الفاسد، في أحداث دموية مريرة راح ضحيتها ألوف مؤلفة (١)، وفي هذه الفترة أصدر الخميني كتابه (الحكومة الإسلامية)، الجامع لسلسلة محاضرات ألقاها في أوائل عام ١٩٧٠م، والتي روج فيها إلى نظرية (ولاية الفقيه). ركز الخميني في كتابه على قضية واحدة، خلاصتها أن الحكم محصور في الأئمة وهم اثنا عشر إمامًا، وكل من نازعهم الحكم فهو ظالم. وبما أن الأئمة لم يستمر وجودهم، وتوقف ظهورهم باختفاء الإمام الثاني عشر وإعلان الغيبة الكبرى، فإنه يرى أن لا يتوقف النضال من أجل تسلم الحكم، ويرى أن الأشخاص الذين يناط بهم قيام الدولة هم فقهاء الشيعة الذين رووا أحاديث الأئمة وعلموا علمهم دون سواهم. وهو في ذلك يُخَطِّئ من يرى من الشيعة أن من الواجب انتظار الإمام الغائب بدون مجاهدة لتسلم الحكم، ويستدل على هذا ببعض الأدلة العقلية وبعض النصوص في كتب الشيعة، مثل ما تقدم ذكره: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله» (٢)، الأمر الذي يجعل حال عوام الشيعة مع فقهائهم حال العبيد مع السادة. وما أشبه ما أحدثته الخمينية الصفوية بما ابتدعته الهرتزلية الصهيونية! ولا عجب، فقد ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)؛ ولقد عقد الدكتور حاجي رام Haggai Ram أستاذ التاريخ في جامعة بن جوريون مقارنة بين الصهيونية والخمينية في مقابلة له مع صحيفة (هآرتس) (الملحق الأسبوعي ١٥/ ٣/١٩٩٦م)، قال فيها: «لقد وُجِدَت الأسطورة الشيعية حول عودة الإمام المنتظر الثاني عشر، في آخر الزمان، من أجل تشجيع وتخليد السلبية، وهذه الأسطورة لا تختلف عن الفهم اليهودي المهجري الذي ينكر استعجال

стр. 534

الخلاص ... والثورة التي بدأت بإقامة الحركة الصهيونية تشابه الثورة التي حدثت في صفوف الشيعة؛ ينبغي عدم الانتظار وترك العالم يمتلئ بالشر، وينبغي على المجتمع أن يقرر مصيره بيده. إن النشاطات الثورية في إيران أو نشاطات استيطان (أرض إسرائيل) على أيدي اليهودي المقاتل، هي التي مهدت الطريق أمام عودة المسيح أو عودة المهدي المنتظر وفقًا للمفهوم الشيعي. وعندما يستخدم بن جوريون الرموز والمصطلحات المتعارف عليها عندنا يكون الأمر طبيعيًا، ولكن عندما يفعل الخميني الشيء نفسه، يصبح هذا الأمر غير مفهوم قطعيًا». ويبرر دكتور رام مقارنته بين الخمينية والصهيونية بقوله: «كمؤرخ من واجبي فحص التجربة التاريخية الخاصة لمجتمع ما، وبالطبع تجربة الشيعة. واستنادًا إلى ذلك، فإن أدوات التنفيذ المقبولة لديها لا تتطابق مع أدوات التنفيذ لدى يهود الشتات ودولة إسرائيل، لكن المسار متشابه كثيرًا. وعلى سبيل المثال مسألة موت القديسين؛ فلدى الشيعة مسألة موت الإمام الثالث الحسين، ومعركة كربلاء. وفي هذا السياق من هو بركوخبا (١) الذي أحبه الشعب اليهودي بأكمله، والذي دعا إلى الحرية؟ ومن هو ترمپلدور (٢)؟ أليس ما كان حادثًا مهمًا تمامًا أخذ أبعادًا مأساوية بهدف بلورة ثقافة صهيونية جديدة؟» اهـ (٣). ولا ريب أن هذه الأيديولوچية الخمينية تطعن أهل السنة في الصميم؛ فالخميني يرى

стр. 535

أن سعي أهل السنة للحكم ظلم وجور، وأن الذين يستحقون الولاية هم فقهاء الشيعة فحسب. وما يؤسف له أنه قد علق كثير من المسلمين حينها الآمال العريضة على ما يسمى بالجمهورية الإيرانية الإسلامية لا لشيء إلا لأنها ترفع الشعار الإسلامي، ومن قبل رفعت حركة القرامطة الشعار الإسلامي، وتظاهرت الدولة العبيدية في مصر بانتمائها للإسلام، وعندما ملك العبيديون والقرامطة أمر المسلمين أفسدوا الحرث والنسل، ونشروا الكفر والإباحية، واستباحوا دماء المسلمين في حج عام ٣١٧هـ (١). يقول سعيد حوى ﵀ (٢): «عندما انتصر الخميني ظن المخلصون في هذه الأمة أن الخمينية إرجاع للأمر إلى نصابه في حب آل بيت رسول الله وتحرير التشيع من العقائد الزائفة والمواقف الخائنة، خاصة وأن الخميني أعلن في الأيام الأولى من انتصاره أن ثورته إسلامية وليست مذهبية، وأن ثورته لصالح المستضعفين ولصالح تحرير شعوب الأمة الإسلامية عامة ولصالح تحرير فلسطين خاصة. ثم بدأت الأمور تتكشف للمخلصين، فإذا بالخميني هذا يتبنى كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ، وإذا

стр. 536

بالمواقف الخائنة للشذوذ الشيعي تظهر بالخميني والخمينية، فكانت نكسة كبيرة وخيبة أمل» اهـ. وهذا يدفعنا لأن نقف وقفة سريعة مع الخميني وأقواله، كي نكون على بينة أمره .. فهو أبو مصطفى بن مصطفى بن أحمد الخميني، ولد - على الأرجح - في ٢٤/ ٩/١٩٠٢م بمدينة خمين في إيران، ويطلق عليه الرافضة لقب (آية الله/روح الله) نسبة إلى درجته الحوزوية (العلمية). ويرجع نسبه إلى أصول هندية، حيث جاء جده أحمد نازحًا من الهند إلى إيران واستقر في بلدة خمين، وهذا يطعن في حقيقة الادعاء بأنه (موسوي)، سليل الإمام موسى الكاظم. وأيًا كان الأمر، فكما يقول الدكتور موسى الموسوي (١): «سواء كان من سلالة الإمام موسى بن جعفر كما يحمل توقيعه أو لا يكون فالإنسان مسئول أمام الله بأعماله وبما يصدر منه من خير أو شر ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢)، فقد يكون الإنسان منحدرًا من أرفع السلالات ولكن عنصره سيء لا يساوي خردلة، وقصة ابن نوح والتي جاءت في القرآن الكريم تغنينا عن الإسهاب في هذا الموضوع» اهـ. ولقد هلك الخميني في ٣/ ٦/١٩٨٩م بعد حياة ثورية حافلة بالصراعات الداخلية والخارجية (٣)، ودُفِن بالقرب من مقبرة تسمى جنة الزهراء (بهشت زهراء)، وبني له ضريح وقبة ضخمة كلفت الحكومة مبالغ طائلة، وهو قائم ليطوف الناس عليه في إيران. ولقد زادت مؤلفاته على الخمسين مؤلفًا (٤) عجَّت بالكفريات، ومن أقواله فيها، وهذا غيض من فيض: - إننا لا نعبد إلهًا يقيم بناءً شامخًا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويُجلِس يزيد ومعاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه (٥).

стр. 537

- واضح أن النبي لو كان قد بلَّغ بأمر الإمامة طبقًا لما أمر الله به وبذل المساعي في هذا المجال لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت خلافات في أصول الدين وفروعه (١). - إن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل (٢). - لا يُتصور فيهم [أي الأئمة] السهو والغفلة (٣). - بالإمامة يكتمل الدين والتبليغ يتم (٤). - من الرواة من يفتري على لسان النبي ﷺ أحاديث لم يقلها، ولعل راويًا كسمرة بن جندب يفتري أحاديث تمس من كرامة أمير المؤمنين علي (٥). - لم تكن حكومة معاوية تمثل الحكومة الإسلامية أو تشبهها من قريب ولا من بعيد (٦). - معاوية ترأس وتأمَّر لفترة طويلة إلا أنه ما جنى لنفسه سوى اللعن والذم وعذاب

стр. 538

الآخرة (١). - قال شيخنا وأستاذنا في المعارف الإلهية العارف الكامل شاه آبادي أدام الله ظله على رءوس مريديه: «لو كان علي ﵇ ظهر قبل رسول الله صلى الله عليه وآله لأظهر الشريعة كما أظهر النبي صلى الله عليه وآله، ولكان نبيًا مرسلًا، وذلك لاتحادهما في الروحانية والمقامات المعنوية والظاهرية» اهـ (٢). - بل يرى الخميني أن التعامل والتعاون مع أعداء الإسلام واجب إذا كان في ذلك مصلحة لمذهبه، كما فعل علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي، ومعلوم أمر مذبحة بغداد التترية (٦٥٦هـ/١٢٥٨م). فتجده يقول (٣): «... إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين، مثل دخول علي بن يقطين [١٢٤ - ١٨٢هـ] ونصير الدين الطوسي [٥٩٧ - ٦٧٢هـ] رحمهما الله» (٤)، فيبدو أن النصر الحقيقي للإسلام - كما يراه الخميني - هو تذبيح المسلمين السنة. ولقد أثارت تصريحات الخميني في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة ذكرى الإمام المهدي في ١٥ شعبان ١٤٠٠هـ موجة غضب واستنكار في صفوف المسلمين وأوساطهم، وأعلنوا أنها تصريحات غريبة ومناقضة لأصل العقيدة الإسلامية ولروح الإسلام والسنة النبوية الشريفة. فلقد قال في خطابه: «لقد جاء الأنبياء جميعًا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم لكنهم لم ينجحوا، حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية، وتنفيذ العدالة، وتربية البشر لم ينجح في ذلك، وإن الشخص الذي سينجح في ذلك ويرسي قواعد العدالة في جميع أنحاء العالم في جميع مراتب إنسانية الإنسان، وتقويم الانحرافات، هو المهدي المنتظر ... وسينجح فيما أخفق في تحقيقه الأنبياء».

стр. 539

ولقد أبدى المسلمون في كل مكان المزيد من الاستغراب والدهشة بسبب عدم صدور أي تكذيب أو نفي لتلك التصريحات الغريبة، وفيما يأتي بعض برقيات وفتاوى الاحتجاج والاستنكار لتصريحات الخميني (١): أولًا: بيان رابطة العالم الإسلامي: يقول البيان الذي نشر في جريدة (أخبار العالم الإسلامي) بتاريخ ٩ رمضان ١٤٠٠هـ: «إن العبارات التي وردت في كلمة وجهها خميني يوم ١٥ شعبان الماضي، وأذاعها راديو طهران، تعارض معارضة صريحة العقيدة الإسلامية ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وتحوي مناقضة صريحة للإسلام وما جاء به القران الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وما أجمعت عليه أمة المسلمين وعلماؤها». واختتمت الرابطة بيانها داعية الله تعالى أن يجنب المسلمين مزالق الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويلهمهم سبيل الرشد وأن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثانيًا: بيان مفتي جمهورية تونس الحبيب بلخوجة: أدان الشيخ الحبيب بلخوجة تصريحات الخميني وقال: «إن هذه التصريحات تشكل مساسًا بالدين، وتتناقض تمامًا مع مبادئ القرآن الكريم»، وقال: «إن الذي يتجاهل السنة ويناقض القرآن الكريم يكذب إذا ادعى أنه ينتمي إلى الإسلام أو أن يكون حاملًا لرايته» اهـ. ثالثًا: فتوى علماء المغرب: أصدر علماء المغرب فتوى دينية ردًا على تصريحات الخميني نشرت في العدد الرابع من مجلة (دعوى الحق) الصادرة في شعبان-رمضان ١٤٠٠هـ (يوليو ١٩٨٠م) عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في المملكة المغربية، وأعلنت الفتوى أن أقوال خميني أقوال شنيعة ومزاعم باطلة فظيعة تؤدي إلى الإشراك بالله ، وقال العلماء في فتواهم: «إن من أخطر ما زعمه خميني "إن خلافة المهدي المنتظر خلافة تكوينية تخضع لها جميع

стр. 540

ذرات الكون" ومقتضى ذلك أن خميني يعد المهدي المنتظر شريكًا للخالق في الربوبية والتكوين» اهـ. رابعًا: بيان رابطة العلماء في العراق: أصدرت رابطة العلماء في العراق بيانًا مطولًا جاء فيه: «... وحيث إن هذا الزعم يشكل انحرافًا عن جوهر الشريعة الإسلامية، وردة عن تعاليم الدين الحنيف، ومخالفة صريحة لقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، ودسًا خطيرًا يبتغي به زاعمه - لأغراض في نفسه - تحويل أنظار المسلمين عن النبي العربي الكريم صاحب الخلق العظيم الذي بعثه الله رحمة للعالمين ومنقذًا للبشرية من الظلمات إلى النور. وبما أن من واجب علماء الدين بيان الحقيقة والمعروف، والتنديد بالأفكار والتيارات الفاسدة المشبوهة التي تحاول النيل من الإسلام وجوهره، فقد تدارست جمعية رابطة العلماء في العراق خطورة هذه الأقوال الفاسدة وأثرها في تسميم الفكر، وتضليل الرأي في المجتمعات الإسلامية وانعكاساتها السلبية في نشر الإسلام في المجتمعات غير الإسلامية. وقررت بالإجماع إصدار هذا البيان تعبيرًا عن استنكار علماء الدين في العراق لهذا الزعم الذي أطلقه خميني وتأكيدًا على أن مثل هذه التصريحات المضللة مما يثير الفتنة والشكوك في العالم الإسلامي، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يصدر عن أي مسلم من المسلمين، والله من وراء القصد» اهـ. خامسًا: فتوى الشيخ الألباني: قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في رسالة بعث بها للدكتور بشار عواد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى الفاضل الدكتور بشار عواد معروف، الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته، أما بعد:

стр. 541

فقد وقفت على الأقوال الخمسة التي نقلتموها عن كتب المسمى روح الله الخميني راغبين مني بيان حكمي فيها، وفي قائلها، فأقول وبالله تعالى وحده أستعين: إن كل قول من تلك الأقوال الخمسة كفر بواح، وشرك صراح، لمخالفته للقرآن الكريم، والسنة المطهرة وإجماع الأمة، وما هو معلوم من الدين بالضرورة. ولذلك فكل من قال بها، معتقدًا ولو ببعض ما فيه، فهو مشرك كافر، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. والله يقول في كتابه المحفوظ عن كل زيادة ونقص: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ (١). وبهذه المناسبة أقول: إن عجبي لا يكاد ينتهي من أناس يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة يتعاونون مع (الخمينيين) في الدعوة إلى إقامة دولتهم، والتمكين لها في أرض المسلمين، جاهلين أو متجاهلين عما فيها من الكفر والضلال، والفساد في الأرض ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ (٢). فإن كان عذرهم جهلهم بعقائدهم، وزعمهم أن الخلاف بيننا وبينهم إنما هو خلاف في الفروع وليس في الأصول، فما هو عذرهم بعد أن نشروا كتيبهم (الحكومة الإسلامية) وطبعوه عدة طبعات، ونشروه في العالم الإسلامي، وفيه من الكفريات ما جاء نقل بعضها عنه في السؤال الأول، مما يكفي أن يتعلم الجاهل ويستيقظ الغافل!! هذا مع كون الكتيب كتاب دعاية وسياسة، والمفروض في مثله أن لا يذكر فيه من العقائد ما هو كفر جلي عند المدعوين، ومع كون الشيعة يتدينون بالتقية التي تجيز لهم أن يقولوا ويكتبوا ما لا يعتقدونه كما قال في بعض أسلافهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٣)، حتى قرأت لبعض المعاصرين منهم قوله وهو يسرد المحرمات في الصلاة: (والقبض فيها إلا تقية)!! يعني وضع اليمين على الشمال في الصلاة. ومع ذلك كله فقد ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (٤) في كتيبهم، مصداق قوله تعالى في أمثالهم: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٥)، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٦).

стр. 542

وختامًا أقول محذرًا جميع المسلمين بقول رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١). وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وكتب محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن عَمان ٢٦/ ١٢/١٤٠٧هـ ... عقيدة التقية: إن التقية التي هي في الإسلام - كما يقول القفاري (٢) - «رخصة عند الضرورة العارضة، وليست من أصول الدين المتبعة، [في حين أنها] عند الشيعة من أسس عقائدها وركائز إيمانها». ولقد (٣) عرفها حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ فيما رواه الطبري أنه قال: «التقاة: التكلم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان»، وقال أبو العالية: «التقية باللسان وليس بالعمل» (٤)، وقال ابن حجر (٥): «التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير». وقال صاحب الظلال ﵀ (٦): «التقية: تقية اللسان لا ولاء القلب، ولا ولاء العمل،

стр. 543

قال ابن عباس ﵁: "ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان"، فليس من التقية المرخص بها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر، كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية، فما يجوز هذا الخداع على الله!» اهـ. متى تكون التقية ؟ قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإلى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (١)، قال البغوي في تفسيره (٢): «الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (٣)، ثم هذه رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم». وقال ابن القيم (٤): «معلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم». ويقول محمد قطب (٥): «ولأن باب التقاة باب يمكن أن ينفذ منه الشيطان بسهولة يزين للضعفاء ومرضى القلوب أن يركنوا إلى أعداء الله قال بعدها مباشرة: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإلى اللهِ الْمَصِيرُ﴾، يحذركم في الدنيا أن تتخذوا هذا الباب تكأة، وتستهلوا هذه الكبيرة - وهي موالاة أعداء الله - وينذركم أن إليه المصير فيجازيكم على ما فعلتم في الدنيا، فلا تحسبوا أن ترتكبوا هذه الكبيرة في الأرض - مخادعين أنفسكم أو مخادعين

стр. 544

الناس - ثم تنجوا من عذاب الله في الآخرة» اهـ. وقال الطبري في تفسير قوله تعالى ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (١): «أي إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل». وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦هـ) (٢): «فرخَّص في موالاتهم إذا خافوهم فلم يحسنوا معاشرتهم إلا بذلك، وكانوا مقهورين لا يستطيعون إظهار العداوة لهم، فحينئذ تجوز المعاشرة الظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء ينظر زوال المانع، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾» اهـ. التقية عند الرافضة: التقية عرَّفها شيخهم محمد جواد مغنية (١٣٢٢ - ١٤٠٠هـ) بقوله (٣): «التقية ... أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد، لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك ولتحتفظ بكرامتك» اهـ. وهذا التعريف لا يتناسب مع تعظيمهم لشأن التقية فيما رووه عن أئمتهم، حتى إنهم جعلوا «تسعة أعشار الدين في التقية» كما نقلوا عن الإمام الصادق ﵀ (٤) والذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين، «فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟» (٥)، وماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد أن جعلوا تسعة أعشاره في التقية؟! ومن الواضح أن فكرة التقية تسربت للشيعة عن طريق اليهود الذين برعوا في استخدامها فترات اضطهادهم، ويدلل على ذلك ما جاء في التلمود، حيث يقول الحاخام باشاي: «إن النفاق جائز، وإن الإنسان [أي اليهودي] يمكنه أن يكون مؤدبًا مع الكافر

стр. 545

ويدَّعي محبته كاذبًا إذا خاف وصول الأذى منه إليه» (١)، ويقول پولس في رسالة كورنثوس الأولى: «أنا رجل حر عند الناس، ولكني جعلت من نفسي عبدًا لجميع الناس حتى أربح أكثرهم. فصرت لليهود يهوديًا لأربح اليهود، وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة وإن كنت لا أخضع للشريعة لأربح أهل الشريعة ...» (٢). واقرأ معي هذه النصوص: - يقول تاج الدين الشعيري: «قال رسول الله ﵌: مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له» (٣). - ويقول: «وقال النبى ﵌: تارك التقية كتارك الصلاة» (٤). - وروى عن محمد بن علي الباقر ﵇ قوله: «أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية وأخذ النفس بحقوق الإخوان» (٥). - وعن أبى عمير الأعجمي قال: «قال لى أبو عبد الله ﵇: يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين فى التقية، ولا دين لمن لا تقية له» (٦). - وعن حبيب بن بشر قال: «قال أبو عبد الله: سمعت أبى يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليَّ من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله» (٧). - ونسبوا إلى الإمام جعفر قوله: «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» (٨).

стр. 546

- وادعوا أن رسول الله ﷺ قد فعلها عندما مات عبد الله بن سلول رأس المنافقين، حيث جاءه ابنه عبد الله فقال له: «يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إنك إن لم تأت أبي كان ذلك عارًا علينا. فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله والمنافقون عنده، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله استغفر له، فاستغفر له ... فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن رأيت أن تحضر جنازته، فحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وقام على قبره. فقال له الثاني: يا رسول الله، ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدًا وأن تقوم علي قبره؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ويلك! وهل تدري ما قلت؟ إنما قلت اللهم احش قبره نارًا وجوفه نارًا واصله نارًا. فبدا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن يحب» (١). - ومن عجيب فتاواهم ما قاله الخميني في مبطلات الصلاة، ومنها (٢): «التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى نحو ما يصنعه غيرنا، وهو مبطل عمدًا على الأقوى لا سهوًا، وإن كان الأحوط فيه الإعادة، ولا بأس به حال التقية»!! فهذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة، وقارن بينها وبين تقية أهل السنة: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). يقول الدكتور ناصر القفاري (٤): «ولا يزال الأثر العملي للتقية [عند الرافضة] يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها: أولًا: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة روتها كتب الشيعة نفسها، ردها بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنة (٥).

стр. 547

ثانيًا: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله؛ قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (١)، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢). ثالثًا: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: "إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية" (٣). رابعًا: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلًا - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي [ت. ١٢٧هـ] بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية (٤).

стр. 548

خامسًا: انبثق من خلال عقيدة التقية مبدأ أن ما خالف العامة - أي أهل السنة - هو الحق، حتى إنهم جعلوا من معالم التعرف على الحق - في نظرهم - عند اختلاف رواياتهم معرفة ما عليه أهل السنة وأن يكون مجتهدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه، فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنة بفتوى فالحق في خلافها (١). وهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام، ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة - أهل السنة -» اهـ. ... عقيدة البداء: من أصول اعتقاد الشيعة الإمامية القول بالبداء على الله . وتعريف البداء في اللغة كما قال ابن منظور (٢): «الأمرُ يبدُو بَدْوًا وبُدُوًّا وبَدَاءً وبَدَاءةً: ظهر، وبدا له في الأمر بَدْوًا وبَدَاءً وبَدَاةً: نشأ له فيه رأي غير رأيه الأول فصرفه عنه» اهـ. فالبداء في اللغة كما ترى له معنيان: الأول: الظهور بعد الخفاء. تقول بدا سور المدينة أي: ظهر. والثاني: نشأة الرأي الجديد. وكلا المعنيين وردا في القرآن الكريم، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ (٣)، ومن الثاني قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (٤).

стр. 549

ويعدد الشهرستاني صور البداء كالآتي (١): - البداء في العلم: وهو أن يظهر له خلاف ما علم. - البداء في الإرادة: وهو أن يظهر له الصواب على خلاف ما أراد وحكم. - البداء في الأمر: وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك. وكما يتبين أن البداء بالمعاني المتقدمة يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وهذا محال على الله سبحانه، ونسبته إلى الله سبحانه من أعظم الكفر. والبداء على الله هي إحدى العقائد التي وضعها أئمة الرافضة لشيعتهم حتى يتمكنوا من التحليل والتحريم كيفما شاءوا، عملًا بقاعدتهم المعروفة: «إذا استحسنَّا شيئًا جعلناه حديثًا»، وكي لا يظهر على أئمتهم كذب أبدًا، فهم إذا نسبوا إلى الأئمة أخبارًا لم تقع قالوا هذا من باب البداء. والبداء مقتبسة من عقيدة يهودية ضالة وردت في كتبهم المحرفة، كما جاء بسفر التكوين في ذكر قوم نوح ﵇: «فندم الرب أنه صنع الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقت عن وجه الأرض، هو والبهائم والدواب وطيور السماء، لأني ندمت أني صنعتهم» (٢)، وجاء بسفر صموئيل الثاني: «ومد الملاك يده على أورشليم ليدمرها، فندم الرب على هذه الضربة وقال للملاك الذي كان يميت الشعب: كفى، كف الآن يدك» (٣). بل كما قالوا - لعنهم الله - في تلمودهم: «إن القمر خطَّأ الله ﷻ فقال له: أخطأت حيث خلقتني أصغر من الشمس. فأذعن الله لذلك واعترف بخطئه، وقال: اذبحوا لي ذبيحة أكفِّر بها عن ذنبي لأني خلقت القمر أصغر من الشمس» (٤)، وغير ذلك الكثير ...

стр. 550

ولقد انتقل القول بالبداء إلى المجتمع الإسلامي عن طريق السبئية، ثم أخذ به المختار بن أبي عبيد الله الثقفي، ومن ثم انتقل إلى من تبعه من غلاة الشيعة؛ يقول عبد القاهر البغدادي (١): «لما انهزم أصحاب المختار وقُتِل أميرهم وأكثر قواد المختار، رجع فلولهم إلى المختار وقالوا: ألم تعدنا بالنصر على عدونا؟ فقال: إن الله تعالى قد وعدني لكنه بدا له، واستدل بقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٢)، فهذا كان سبب قول الكيسانية بالبداء» اهـ. من أقوال الرافضة في البداء: وهي كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: - ما جاء في الكافي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهما قالا: «إن الناس لما كذبوا برسول الله صلى الله عليه وآله هَمَّ الله ﵎ بهلاك أهل الأرض إلا عليًا فما سواه بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ﴾، ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾» (٣). - وعن أبي عبد الله أنه قال: «ما تنبأ نبي قط حتى يُقِر لله بخمس خصال: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة» (٤). - وقالوا إن عليًّا ﵁ كان لا يروي عن الغيب مخافة البداء، كما روى عنه المجلسي

стр. 551

أنه قال: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١). - وقد ذكرنا في حديثنا عن عقيدة الإمامة زعمهم أن الإمامة انتقلت من إسماعيل بن جعفر إلى أخيه الأصغر موسى بن جعفر الصادق وبرروا ذلك بالبداء، وقالوا على لسان جعفر الصادق: «ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني» (٢). يقول الإمام ابن حزم (٣): «وجمهور المتكلمين كهشام بن الحكم الكوفي وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقولون: إن علم الله تعالى محدَث وأنه لم يكن يعلم شيئًا حتى أحدث لنفسه علمًا، وهذا كفر صريح». ويقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٤): «وجماعة من الاثنى عشرية من متقدميهم ومتأخريهم منهم المقداد بن عبد الله السيوري من القرن التاسع [ت. ٨٢٦هـ]، صاحب (كنز العرفان)، قالوا: إن الله لا يعرف الجزئيات قبل وقوعها» اهـ. قاتلهم الله، فالعليم سبحانه علمه مطلق بلا حدود، في كمال علمه، جل شأنه في إطلاق وصفه، فعلمه فوق كل ذي علم: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٥)، يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٦). يقول القفاري (٧): «وحسب الاثنى عشرية عارًا وفضيحة أن تنسب إلى الحق جل شأنه هذه العقيدة، على حين تبريء أئمتها منها، فإذا وقع الخلف في قول الإمام نسبت ذلك إلى الله لا إلى الإمام، وإذا رجعت إلى معتقدهم في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وجدت أن الإمام قد حل محل الرب سبحانه في قلوبهم وعقولهم، بتأثير ذلك

стр. 552

الركام المظلم من الأخبار .. فعقيدة البداء أثر لغلوهم في الإمام» اهـ. وقد كان لعقيدة البداء في إبان نشأتها أثرها في ظهور بوادر الشك لدى العقلاء من أتباع المذهب، وقد اكتشف بعضهم حقيقة اللعبة، فتخلى عن المذهب الإمامي أصلًا، وقد حفظت لنا بعض كتب الفرق قصة أحد هؤلاء وهو سليمان بن جرير الذي إليه تنسب فرقة السليمانية من الزيدية، فقال: «إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية» (١)، ثم كشف - من خلال حياته في المجتمع الشيعي، ومخالطته لهم - كيف يتخذون من عقيدة البداء وسيلة للتستر على كذبهم في دعوى علم الأئمة للغيب فقال: «فإن من أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعايتها في العلم فيما كان ويكون، والأخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم بدا لله في ذلك بكونه» اهـ (٢). وكثيرًا ما حاول الشيعة التبرؤ من وصمة هذا العار الثابت عليهم، وحاولوا إيجاد مهرب من التكفير، فألفوا في ذلك مؤلفات كثيرة لنفي اعتقادهم بالبداء كما يعتقده اليهود، فعلى سبيل المثال، يقول أحد شيوخهم المعاصرين وهو محمد رضا المظفر (٣): «والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى، لأنه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الإمامية. قال الصادق ﵇: "من زعم أن الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم"، وقال أيضًا: "من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه" (٤).

стр. 553

غير أنه وردت عن أئمتنا الأطهار ﵈ روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق ﵇: "ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني"، ولذلك نسب بعض المؤلفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإمامية القول بالبداء طعنًا في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة. والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١)، ومعنى ذلك: أنه تعالى قد يُظهِر شيئًا على لسان نبيه أو وليه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولًا، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة إسماعيل لمَّا رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه. فيكون معنى قول الإمام ﵇: أنه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في

стр. 554

إسماعيل ولده، إذ اخترمه (١) قبله ليعلم الناس أنه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنه إمام بعده، لأنه أكبر ولده. وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وآله» اهـ. ولقد أجاب الدكتور القفاري على مثل هذا القول بقوله (٢): «ولكن المطلع على رواياتهم لا يرى أنها تتفق مع هذا التأويل، إذ تدل على نسبة البداء إلى الله لا إلى الخلق، ولذلك اعتذر أئمتهم عن الإخبار بالمغيبات خشية البداء .. ونسبوا إلى نبي الله لوط أنه كان يستحث الملائكة لإنزال العقوبة بقومه خشية أن يبدو لله، ويقول: "تأخذونهم الساعة فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم. فقالوا: يا لوط إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" (٣)، فهل مثل هذا الإلحاد يقبل التأويل؟!». وكذلك يقول (٤): «ثم إن التأويل للبداء بظهور الأمر للناس من الله لا يسوغ كل هذه المغالاة في البداء وجعله من أعظم الطاعات وأصول الاعتقادات، كما أن لفظ البداء يحمل معنى باطلًا في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فكيف يُعَدُّ أصلًا في الدين وهو بهذه المثابة ويُلْتَمَسُ له تأويلٌ ومخرَجٌ؟». ثم ينقل عن الشيخ موسى جار الله (١٢٩٥ - ١٣٦٩هـ) قوله (٥): «وهذا جهل وتجاهل، إذ لا بداء في النسخ، والحكم كان مؤقتًا في علم الله، وأجل الحكم، وانتهاء الحكم عند حلول الأجل معلوم لله قبل الحكم. نعم بدا لنا ذلك من الله بعد نزول الناسخ، والبداء لنا في علمنا لا لله» اهـ. ...

стр. 555

عقيدة الرافضة في القرآن: ذهب أئمة الرفض في كتبهم إلى القول بأن (القرآن الكريم ليس بحجة، ولا يكون حجة إلا بقيِّم)، والله تعالى يقول لمن أراد آية تدل على صدق الرسول ﷺ : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١). ولقد رووا في ذلك روايات: فروى الكليني ما نصه «أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيِّم ... وأن عليًا ﵇ كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله» (٢)، والمراد بالقيم هنا هو كما قال الشارح أنه «من يقوم بأمر القرآن ويعرف ظاهره وباطنه ومجمله ومؤوله ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه بوحي إلهي أو بإلهام رباني أو بتعليم نبوي» اهـ (٣). ومعنى هذا «أن قول الإمام هو أفصح من كلام الرحمن، ويظهر من هذا أنهم يرون أن الحجة في قول الإمام لأنه أقدر على البيان من القرآن، ولهذا سموه بالقرآن الصامت وسموا الإمام بالقرآن الناطق» (٤). ولقد رووا عن علي ﵁ قوله: «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق لكم، أخبركم عنه» (٥)، ورووا: «علي تفسير كتاب الله والداعي إليه» (٦)، ولا يخفى قولهم المشهور المكذوب على رسول الله ﷺ : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (٧)، وغير ذلك الكثير ..

стр. 556

ولكن كيف يصح ذلك وهو القائل ﵁ في خطبة له كما يروون: «نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بكتاب فصله وأحكمه وأعزه وحفظه بعلمه وأحكمه بنوره، وأيده بسلطانه، وكلاه من لم يتنزه هوى أو يميل به شهوة أو يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولا يخلقه طول الرد ولا يفنى عجائبه، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن خاصم به فلح ومن قاتل به نصر، ومن قام به هدي إلى صراط مستقيم ...» (١). ولكن «تلك ليست هي نهاية التآمر على كتاب الله، وعلى الشيعة، ولكنها حلقة من حلقات، ومؤامرة ضمن سلسلة مؤامرات طوحت بالشيعة بعيدًا عن جماعة المسلمين، وهي مقدمة، أو إرهاص لبدء المحاولة في تفسير كتاب الله على غير وجهه، وزعمهم أن هذا هو ما جاء عن القيم والإمام من أهل البيت، والحجة فيه لا في غيره، وهو الناطق عن القرآن، والمبين له .. ولا حجة في القرآن إلا به» (٢). فلقد قالوا بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد، حتى عقد الحر العاملي بابًا في (الوسائل) بعنوان: «باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة ﵈» (٣). ورواياتهم في هذا الشأن كثيرة جدًا. كذلك فلقد آمنت الشيعة بكتب ما أنزل الله بها من سلطان، حيث ادعوا أن الله تعالى اختص آل البيت وشيعتهم بكتب: كالجامعة والجفر ومصحف فاطمة (٤) ولوح

стр. 557

فاطمة (١)، والاثنتي عشرة صحيفة المتضمنة لصفات الأئمة (٢). وهذه الدعوى لا تكاد تختلف عن دعوى أكثر المتنبئين بتنزل كتب، أو وحي عليهم، ولعل جذور هذه المقالة بدأت في عصر علي ﵁، كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات الإمام البخاري ﵀ عن أبي جحيفة أنه سأل عليًّا ﵁: «هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يُعطَى رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقْتَلَ مسلمٌ بكافر» (٣)، قال ابن حجر (٤): «وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت - لا سيما عليًا - أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها»، ثم ذكر ﵀ عدة روايات عما تشتمل عليه

стр. 558

الصحيفة، ثم قال: «والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه والله أعلم. وقد بين ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي، وبين أيضًا السبب في سؤالهم لعلي ﵁ عن ذلك، أخرجه أحمد والبهيقي في الدلائل من طريق أبي حسان أن عليًا كان يأمر بالأمر فيقال: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: هذا الذي تقول، أهو شيء عهده رسول الله ﷺ خاصة دون الناس؟ فذكره بطوله» اهـ. إذن، فإن نواة هذه المقالة ظهرت في عصر متقدم، أما من تولى كبرها فإن في رسالة (الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية (ت. ٨١هـ) ما يشير إلى أن السبئيين قد بدءوا في إشاعة مثل هذه المقالات حيث قالوا: «هدينا بوحي ضل عنه الناس وعلم خفي، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن» (١). وفي كتاب (أحوال الرجال) للجوزجاني (ت. ٢٥٩هـ) أن عبد الله بن سبأ «زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي» (٢). فهذه أصل الدعوى؛ وهي إشارة السبئيين إلى علم مخزون عند علي، وقد تطورت بعد ذلك واتخذت صورًا وأشكالًا متعددة، إلى أن أدت بهم إلى القول بوقوع تحريف في كتاب الله قام به الصحابة لطمس ما يحتويه من فضائح وهتك للمهاجرين والأنصار، ورووا في ذلك روايات، من أشهرها ما يرويه كذبًا أحمد بن علي الطبرسي (ت. ٦٢٠هـ) صاحب (الاحتجاج)، عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جمع علي ﵇ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه ﵇ وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئًا للقرآن - فقال له عمر: إن عليًا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان

стр. 559

فيه من فضائح وهتك المهاجرين والأنصار، وقد أجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر عليّ القرآن الذي ألَّفه، أليس قد أبطل كل ما عملتم؟ فقال عمر: ما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبَّر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك ... فلما استخلف عمر سأل عليًا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال عمر: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ فقال: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به، صلوات الله عليه» اهـ (١). يقول القفاري (٢): «هذا الزخم من المصنفات وغيرها لا يشك مسلم أنه كيد زنديق حاقد على كتاب الله ودينه وأتباعه، وقد دفع هذه الفئة إليه خلو كتاب الله مما يثبت شذوذهم وما ذهبوا إليه من عقائد ليس لها أصل في كتاب الله، وليس في مقدورهم أن يفعلوا شيئًا لتغيير بعض آيات الله، كما فعلوا في السنة المطهرة حينما دسوا بعض الروايات والتي كشفها صيارفة هذا العلم وأربابه فلما لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمرًا لأنه فوق منالهم حينئذ ادعوا أن في كتاب الله نقصًا وتغييرًا - وما أسهل الدعوى على حاقد موتور - وهي محاولة فيما يبدو لإقناع أتباعهم الذين ضجوا من خلو كتاب الله من ذكر أئمتهم وعقائدهم والتي لها تلك المكانة التي يسمعونها من رؤسائهم، فادعوا هذه الدعوى ونشط شيوخهم في القرن الثالث والرابع في الحديث عنها، ولكنهم فيما يبدوا لم يحسبوا لهذه الدعوى حسابها، فارتدت عليهم بأسوأ العواقب، فقد فضحتهم

стр. 560

أمام الملأ، وكشفت القناع عن وجوههم، وأبانت عن عداوتهم ونفاقهم، وقطعت صلتهم بالإسلام والقرآن وأهل البيت». ويقول (١): «وقد تتبعت الآراء المنسوبة لابن سبأ وطائفة السبئية فلم أجد أن هذه المقالة قد نقلت عن ابن سبأ لأنها - فيما يبدو - لم تخطر على باله لوضوح بطلانها أمام الجيل الذي عاصر التنزيل، ولأنها وسيلة سريعة لانكشاف كذبه، فلم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية. لم يقل إن الصحابة حرَّفوا القرآن، ولكن عدل عن ذلك إلى القول "بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي"، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية وهو قوله: "ومن خصومة هذه الشبيبة التي أدركنا أن يقولوا هدينا بوحي ضل عنه الناس وعلم خفي، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتمًا شيئًا مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (٢) ". فإذن لم تكن هذه القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة». ويشير كذلك (٣) إلى أنه كان من أوائل من أشاروا إلى ظهور هذه الفرية من أهل السنة هو الإمام أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (٢٧١ - ٣٢٨هـ)، حيث قال (٤): «لم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته ما يوجبه الحق والإنصاف والديانة ... حتى نبغ في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها ... فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ باتفاق أصحاب رسول الله ﷺ على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذ كان

стр. 561

قد سقط منه خمسمائة حرف ...»، ثم ذكر ابن الأنباري أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحادًا فكان يقرأ: (والعصر ونوائب الدهر)، و (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة) ... إلخ. وكأن ابن الأنباري كان يشير إلى شخص بعينه، إلا أنه لم يذكره باسمه، ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته. بينما نجد الملطي يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم، القائل بأن «الأمة بأسرها من الطبقة الأولى بايعوا أبو بكر الصديق ﵁ فكفروا وارتدوا وزاغوا عن الدين، وأن القرآن نُسِخَ وصعد به إلى السماء لردتهم، وأن السنَّة لا تثبت بنقلهم إذ هم كفار، وأن القرآن الذي في أيدي الناس قد انتقل ووضع أيام عثمان، وأحرق المصاحف التي كانت قبل» اهـ (١). «ولكن هشام بن الحكم توفي سنة ١٩٠هـ، وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة، وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها .. إذا أدركنا ذلك فإنه لا يبعد أن يكون ما يقوله الملطي في أن هشامًا هو الذي تولى كبر هذا الافتراء .. لا يبعد أن يكون هذا واقعًا لا سيما أن هشامًا كان من أول من تكلم في الإمامة حتى قال ابن النديم إن هشام بن الحكم «ممن فتق الكلام في الإمامة ... وله من الكتب كتاب الإمامة» (٢). فتشير القرائن - كما ترى - إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه الفرية وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن الجاحظ قال (٣): «أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك، أما

стр. 562

استحيت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة أن الله تعالى لم يقل قط في القرآن ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (١)، قال: فضحك والله شيطان الطاق ضحكًا طويلًا حتى كأنا نحن الذي أذنبنا!». هذه الحكاية أوردها ابن حزم عن الجاحظ، وقد قال عنه ابن حزم إنه «وإن كان أحد المجان ومن غلب عليه الهزل وأحد الضلال المضلين فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها وإن كان كثيرًا لإيراد كذب غيره» اهـ (٢). وقد تقدمت بنا ترجمة شيطان الطاق، «والمعروف أن شيطان الطاق معاصر لهشام بن الحكم، فقد يكون أحد الشركاء في هذه (الجريمة) مع هشام بن الحكم فهو شريك في التأليف حول مسألة الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية» (٣)، والتي من ثم شاعت في الشيعة الاثني عشرية، وكان أول ظهور لها - كما يرجح القفاري (٤) - في أول كتاب ظهر للشيعة - حسب تقديرهم لأسبقية كتبهم -، وهو كتاب سليم بن قيس الهلالي (ت. ٩٠هـ). وهذا الكتاب الذي خلعوا عليه هذا الثناء والتوثيق لم يصلهم إلا عن طريق رجل واحد فقط، كما يقول ابن النديم (٥): «كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور، رواه عنه أبان بن أبي عياش، لم يروه عنه غيره» اهـ. ولقد كشف عالمهم الغضائري أن الكتاب موضوع، فقال: «والكتاب موضوع لا مرية فيه» (٦)، وعند ابن داود قوله (٧): «لم يرو عنه إلا أبان بن أبي عياش، وفي الكتاب مناكير مشتهرة، وما أظنه إلا موضوعًا» اهـ. وسليم بن قيس هذا مجهول لا ذكر له في كتب أهل السنة المعتبرة (٨)، في حين أنه قال

стр. 563

عنه ابن النديم (١): «من أصحاب أمير المؤمنين ﵇، سليم بن قيس الهلالي، وكان هاربًا من الحجاج لأنه طلبه ليقتله، فلجأ إلى أبان بن أبي عياش فآواه، فلما حضرته الوفاة قال لأبان: "إن لك عليَّ حقًا وقد حضرتني الوفاة يابن أخي، إن كان من أمر رسول الله ﷺ كيت وكيت"؛ وأعطاه كتابه، وهو كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور، رواه عنه أبان بن أبي عياش، لم يروه عنه غيره»، وقال المجلسي في مقدمة (البحار) (٢): «وكتاب سليم بن قيس في غاية الاشتهار، وقد طعن فيه جماعة، والحق أنه من الأصول المعتبرة» اهـ. كذلك فلقد ترك علماء السنة أبان بن أبي عياش، فقال ابن حجر (٣): «متروك»، وقال الذهبي (٤): «قال أحمد بن حنبل: "تركوا حديثه"» اهـ. وبهذا الحكم كادت أن تموت هذه الروايات، لكن جاء بعد كتاب سليم من تلقف هذه الأساطير، «وقد تولى كبر هذه الفرية ووزر هذا الكفر شيخ الشيعة علي بن إبراهيم القمي [ت. ٣٢٩هـ]، فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، ونص في مقدمة تفسيره على أنها كثيرة (٥)، وبدأت عنده محاولة التطبيق العملي لهذه الخرافة. ويلاحظ أن معظم روايات

стр. 564

الكليني صاحب الكافي هي عند هذا القمي الذي تلقف هذه الروايات عن كل أفاك أثيم وسجلها في تفسيره الذي يحظى بتقدير الشيعة كلها» (١)، ولا يزال كتاب الكليني (الكافي) (٢) وتفسير شيخه القمي من مصادر الشيعة المعتمدة إلى اليوم. يقول القفاري (٣): «لقد رأينا معظم كتب الشيعة أنغمست في هذا المستنقع الآسن، وسقطت في تلك الهوة الخطيرة، فما مقدار هذا السقوط وما مستواه؟ هل تلك

стр. 565

الروايات السوداء والتي وجدت طريقها إلى كتب القوم، وتسللت إلى مراجعهم الحديثية لتكسو من يركن إليها ثوبًا من الخزي والعار، وتسلب من يده آخر علاقة له بالإسلام .. هل تلك الروايات مجرد روايات شاذة مندسة في كتب القوم لم تحظى برضا عقلائهم، ولا قبول محققيهم، وأنها قد تسربت إلى كتب هؤلاء، لأن الكذابين على الأئمة - كما تقول كتب الشيعة - قد كثروا في صفوف الشيعة، وكان التشيع مطية لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله، كما أثبتته الأحداث والوقائع»؟ ثم يقول (١): «والحقيقة التي لا يماري فيها مسلم، ولا يشك فيها من سبر التطور العقدي عند هؤلاء القوم أن أوائل الشيعة ما كانت على هذا الكفر (٢)، ما كان خلاف الشيعة في أول الأمر إلا مسألة الإمامة، ومن أحق بالإمامة ثم ما لبثت أن انجرت من بدعة إلى أخرى حتى رأينا شيوخهم في القرن الثالث يتسابقون للوقوع في هذا الكفر فأورثهم ذلك ذلًا وعارًا ومقتًا من المسلمين». ولهذا أعلن في القرن الرابع كبير شيوخهم ابن بابويه القمي صاحب (من لا يحضره الفقيه) أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والملقب عندهم بـ (الصدوق) والموصوف بأنه (رئيس المحدثين)، أعلن براءة الشيعة من هذه العقيدة (٣)، وكذلك الشريف المرتضى (ت. ٤٣٦هـ) كان ينكر هذه المقالة، وقد نقل إنكاره شيوخ الشيعة كالطوسي (٤) والطبرسي [ت. ٥٤٨هـ] (٥)، وكذلك استنكر هذه المقالة وصلة الشيعة بها الطوسي
следующие страницы →