← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قد سقط منه خمسمائة حرف ...»، ثم ذكر ابن الأنباري أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحادًا فكان يقرأ: (والعصر ونوائب الدهر)، و (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة) ... إلخ. وكأن ابن الأنباري كان يشير إلى شخص بعينه، إلا أنه لم يذكره باسمه، ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته. بينما نجد الملطي يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم، القائل بأن «الأمة بأسرها من الطبقة الأولى بايعوا أبو بكر الصديق ﵁ فكفروا وارتدوا وزاغوا عن الدين، وأن القرآن نُسِخَ وصعد به إلى السماء لردتهم، وأن السنَّة لا تثبت بنقلهم إذ هم كفار، وأن القرآن الذي في أيدي الناس قد انتقل ووضع أيام عثمان، وأحرق المصاحف التي كانت قبل» اهـ (١). «ولكن هشام بن الحكم توفي سنة ١٩٠هـ، وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة، وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها .. إذا أدركنا ذلك فإنه لا يبعد أن يكون ما يقوله الملطي في أن هشامًا هو الذي تولى كبر هذا الافتراء .. لا يبعد أن يكون هذا واقعًا لا سيما أن هشامًا كان من أول من تكلم في الإمامة حتى قال ابن النديم إن هشام بن الحكم «ممن فتق الكلام في الإمامة ... وله من الكتب كتاب الإمامة» (٢). فتشير القرائن - كما ترى - إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه الفرية وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن الجاحظ قال (٣): «أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك، أما

стр. 562

استحيت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة أن الله تعالى لم يقل قط في القرآن ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (١)، قال: فضحك والله شيطان الطاق ضحكًا طويلًا حتى كأنا نحن الذي أذنبنا!». هذه الحكاية أوردها ابن حزم عن الجاحظ، وقد قال عنه ابن حزم إنه «وإن كان أحد المجان ومن غلب عليه الهزل وأحد الضلال المضلين فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها وإن كان كثيرًا لإيراد كذب غيره» اهـ (٢). وقد تقدمت بنا ترجمة شيطان الطاق، «والمعروف أن شيطان الطاق معاصر لهشام بن الحكم، فقد يكون أحد الشركاء في هذه (الجريمة) مع هشام بن الحكم فهو شريك في التأليف حول مسألة الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية» (٣)، والتي من ثم شاعت في الشيعة الاثني عشرية، وكان أول ظهور لها - كما يرجح القفاري (٤) - في أول كتاب ظهر للشيعة - حسب تقديرهم لأسبقية كتبهم -، وهو كتاب سليم بن قيس الهلالي (ت. ٩٠هـ). وهذا الكتاب الذي خلعوا عليه هذا الثناء والتوثيق لم يصلهم إلا عن طريق رجل واحد فقط، كما يقول ابن النديم (٥): «كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور، رواه عنه أبان بن أبي عياش، لم يروه عنه غيره» اهـ. ولقد كشف عالمهم الغضائري أن الكتاب موضوع، فقال: «والكتاب موضوع لا مرية فيه» (٦)، وعند ابن داود قوله (٧): «لم يرو عنه إلا أبان بن أبي عياش، وفي الكتاب مناكير مشتهرة، وما أظنه إلا موضوعًا» اهـ. وسليم بن قيس هذا مجهول لا ذكر له في كتب أهل السنة المعتبرة (٨)، في حين أنه قال

стр. 563

عنه ابن النديم (١): «من أصحاب أمير المؤمنين ﵇، سليم بن قيس الهلالي، وكان هاربًا من الحجاج لأنه طلبه ليقتله، فلجأ إلى أبان بن أبي عياش فآواه، فلما حضرته الوفاة قال لأبان: "إن لك عليَّ حقًا وقد حضرتني الوفاة يابن أخي، إن كان من أمر رسول الله ﷺ كيت وكيت"؛ وأعطاه كتابه، وهو كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور، رواه عنه أبان بن أبي عياش، لم يروه عنه غيره»، وقال المجلسي في مقدمة (البحار) (٢): «وكتاب سليم بن قيس في غاية الاشتهار، وقد طعن فيه جماعة، والحق أنه من الأصول المعتبرة» اهـ. كذلك فلقد ترك علماء السنة أبان بن أبي عياش، فقال ابن حجر (٣): «متروك»، وقال الذهبي (٤): «قال أحمد بن حنبل: "تركوا حديثه"» اهـ. وبهذا الحكم كادت أن تموت هذه الروايات، لكن جاء بعد كتاب سليم من تلقف هذه الأساطير، «وقد تولى كبر هذه الفرية ووزر هذا الكفر شيخ الشيعة علي بن إبراهيم القمي [ت. ٣٢٩هـ]، فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، ونص في مقدمة تفسيره على أنها كثيرة (٥)، وبدأت عنده محاولة التطبيق العملي لهذه الخرافة. ويلاحظ أن معظم روايات

стр. 564

الكليني صاحب الكافي هي عند هذا القمي الذي تلقف هذه الروايات عن كل أفاك أثيم وسجلها في تفسيره الذي يحظى بتقدير الشيعة كلها» (١)، ولا يزال كتاب الكليني (الكافي) (٢) وتفسير شيخه القمي من مصادر الشيعة المعتمدة إلى اليوم. يقول القفاري (٣): «لقد رأينا معظم كتب الشيعة أنغمست في هذا المستنقع الآسن، وسقطت في تلك الهوة الخطيرة، فما مقدار هذا السقوط وما مستواه؟ هل تلك

стр. 565

الروايات السوداء والتي وجدت طريقها إلى كتب القوم، وتسللت إلى مراجعهم الحديثية لتكسو من يركن إليها ثوبًا من الخزي والعار، وتسلب من يده آخر علاقة له بالإسلام .. هل تلك الروايات مجرد روايات شاذة مندسة في كتب القوم لم تحظى برضا عقلائهم، ولا قبول محققيهم، وأنها قد تسربت إلى كتب هؤلاء، لأن الكذابين على الأئمة - كما تقول كتب الشيعة - قد كثروا في صفوف الشيعة، وكان التشيع مطية لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله، كما أثبتته الأحداث والوقائع»؟ ثم يقول (١): «والحقيقة التي لا يماري فيها مسلم، ولا يشك فيها من سبر التطور العقدي عند هؤلاء القوم أن أوائل الشيعة ما كانت على هذا الكفر (٢)، ما كان خلاف الشيعة في أول الأمر إلا مسألة الإمامة، ومن أحق بالإمامة ثم ما لبثت أن انجرت من بدعة إلى أخرى حتى رأينا شيوخهم في القرن الثالث يتسابقون للوقوع في هذا الكفر فأورثهم ذلك ذلًا وعارًا ومقتًا من المسلمين». ولهذا أعلن في القرن الرابع كبير شيوخهم ابن بابويه القمي صاحب (من لا يحضره الفقيه) أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والملقب عندهم بـ (الصدوق) والموصوف بأنه (رئيس المحدثين)، أعلن براءة الشيعة من هذه العقيدة (٣)، وكذلك الشريف المرتضى (ت. ٤٣٦هـ) كان ينكر هذه المقالة، وقد نقل إنكاره شيوخ الشيعة كالطوسي (٤) والطبرسي [ت. ٥٤٨هـ] (٥)، وكذلك استنكر هذه المقالة وصلة الشيعة بها الطوسي

стр. 566

صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وصاحب كتابين من كتب الرجال الأربعة المعتمدة عندهم، وكذلك الطبرسي صاحب مجمع البيان (١). ولكن رغم هذا الإنكار من هؤلاء فإن القضية لم تمت، ففي القرن السادس تولى إثارة هذه القضية مرة أخرى الطبرسي صاحب (الاحتجاج) فحشا كتابه الاحتجاج من هذا الكفر (٢)، وسطر مجموعة من رواياتهم في ذلك وجاء بها مجردة من كل إسناد، وزعم في مقدمة كتابه أنه لم يذكر إسنادًا في أكثر رواياته لأنها محل إجماع قومه أو مشهورة عندهم، فقال (٣): «ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلت العقول إليه أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف» اهـ. يقول القفاري (٤): «ويبدو أن إنكار أولئك الأربعة كان له وقعه، أو أن القضية أصبحت سرية التداول، فلم نشاهد نشاطًا ملحوظًا لبعثها وترويجها بشكل ظاهر وكبير إلا في ظل الحكم الصفوي الذي شهد إثارة لهذه الأسطورة واختراع روايات لها، وترويجها أشد مما كان في القرن الثالث [بحكم وجود قوة تسندهم فتخف تكاليف التقية لديهم]، حتى يلاحظ أن هذه الأسطورة التي بدأت بروايتين في كتاب سليم بن قيس أصبحت كما يقول شيخهم نعمة الله الجزائري (٥): "إن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث". كما أنه يضع أساطيره، وكتاب الله سبحانه في كفة ميزان ويرى أن القول بسلامة القرآن يؤدي إلى انعدام الثقة في أخبارهم، فيقول - وهو يرد على شيوخهم

стр. 567

المتقدمين في قولهم بتواتر القراءات السبع - (١): "إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادةً وإعرابًا، مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها"». ولقد تبنى الترويج لهذه الفرية وإثارة هذه الأسطورة عدد كبير من أئمتهم (الثقات)؛ نذكر على سبيل المثال قول الفيض الكاشاني (١٠٠٧ - ١٠٩١هـ) (٢): «وأما اعتقاد مشايخنا في ذلك، فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي (٣)، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي ﵀ فإن تفسيره مملوّ منه وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي ﵁، فإنه أيضا نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج. وأما الشيخ أبو علي الطبرسي فإنه قال في مجمع البيان: أما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرًا ونقصانًا ... أقول: لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن، والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك. فلا تنافي بينهما بل لقائل أن يقول إنه ما تغير في نفسه وإنما التغيير في كتاباتهم إياه وتلفظهم به فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم

стр. 568

العلماء به، فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم» اهـ. ولقد شهد شيخهم المفيد - الملقب بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - باستفاضة هذه الروايات القائلة بوقوع التحريف فقال (١): «أقول إن الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﵌ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان». بل ولقد تواتر الخبر عندهم حتى قال شيخهم المجلسي (٢): «كثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر». ويأتي من بعده تلميذه أبو الحسن الشريف الفتوني العاملي (١٠٧٠ - ١١٣٨هـ) فيقضي بأن القول بالتحريف من ضروريات مذهب التشيع، فيقول (٣): «وعندي في وضوح صحة هذا القول [أي تحريف القرآن] بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة» اهـ. وقال الخوئي - وهو أحد معاصريهم - (ت. ١٤١٣هـ) (٤): «النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل، قد وقع في صدر الإسلام وفي زمان الصحابة قطعًا، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف خلاف ما جمعه» (٥).

стр. 569

ولقد تقدم بنا قول الخميني (١): «لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها بالقرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين والقرآن، ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى» اهـ. سبحانك هذا بهتان عظيم! قال ابن العربي (٢): «وأما جمع القرآن فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى، وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه» اهـ (٣). بل في آخر القرن الثالث عشر الهجري وقعت الفضيحة الكبرى للشيعة في هذا الباب، فقد ألف شيخ الشيعة ومحدثها، وخبير رجالها، وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية (مستدرك الوسائل) وأستاذ كثير من شيوخهم المعتبرين كمحمد حسين آل كاشف الغطاء، وآغا بزرك الطهراني (١٢٩٣ - ١٣٨٩هـ) وغيرهما .. شيخ الشيعة، المدفون بأقدس البقاع عندهم (٤)، المرحوم (٥)، حسين النوري الطبرسي، ألف كتابه: (فصل

стр. 570

الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب)، والذي شحنه بمئات النصوص والنقول عن كبار طواغيتهم بدعوى أن القرآن محرف. وقد ارتكب جناية تأليفه سنة ١٢٩٢هـ بالنجف وطبع في إيران سنة ١٢٩٨هـ. يقول في مقدمته (١): «وبعد، فيقول العبد المذنب (٢) المسيء حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي جعله الله تعالى من الواقفين ببابه، المتمسكين بكتابه (٣): هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» اهـ. وزعم فيه أن من جملة ما أُسقِط من القرآن سورة سماها (سورة الولاية) تذكر فضائل آل البيت، وينقل عن صاحب كتاب (دبستان مذاهب) (٤) قوله: «بعد ذكر عقائد الشيعة ما معناه: وبعضهم يقولون إن عثمان أحرق المصاحف وأتلف السور التي كانت في فضل علي وأهل بيته ﵈ منها هذه السورة»، ثم يذكر سورة الولاية المزعومة بطولها، ثم يقول: «قلت: ظاهر كلامه أنه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجد لها أثرًا فيها غير أن الشيخ محمد بن علي بن شهراشوب المازندران ذكر في كتاب (المثالب) (٥) على ما حكي عنه أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ولعلها هذه السورة، والله العالم» اهـ (٦). ولقد أورد الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ في (الخطوط العريضة) صورة ضوئية

стр. 571

لسورة الولاية المزعومة، وقال في تعليقه (١): «وقد اطلع الثقة المأمون الأستاذ محمد علي سعودي - الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر، ومن خواص تلاميذ الشيخ محمد عبده [١٢٦٦ - ١٣٢٣هـ]- على مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق براين (٢)، فنقل منه السورة المنشورة بالفوتوغراف، وفوق سطورها العربية ترجمتها باللغة الإيرانية» اهـ. يقول القفاري (٣): «لعل القارئ يدرك محاولة هذا الطبرسي لأن يجعل الشيعة منذ نشأتها كانت على مذهبه، وأن مخالفة هذا المذهب كانت طارئة»، ثم يقول (٤): «هناك - بلا شك - فئة من الشيعة لم تعد تهضم هذا المعتقد وقد كثر أتباعهم، ولهؤلاء - فيما يظهر - ألف صاحب (فصل الخطاب) كتابه ليردهم عن هذا الطريق الذي سلكوه، ويرفع عنهم تلك العماوة التي غشيتهم في نظره ويقول إن الدليل أحق أن يتبع وإن لم يذهب إليه أحد، وكأنه استوحش من مذهبه، والكفر كهف موحش مخيف، وخاف تقلص أتباعه واندراس أشياعه فراح يدعو إلى عدم الوحشة عند القلة فهي في نظره عنوان الحق على هذا القول»، حتى إنه قال معلقًا على كلام بعضهم (٥): «ليس لداء قلة التتبع دواء إلا تعب المراجعة». ولكن الملاحظ أن من عارض القول بالتحريف لم تسلم كتبه من إيراد مثل هذه الأساطير، كما جاء على سبيل المثال في كتاب (ثواب الأعمال) لشيخهم ابن بابويه القمي (الصدوق)، في ثواب من قرأ سورة الأحزاب، قوله: «عن أبي عبد الله ﵇ قال: من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد صلى الله عليه وآله وأزواجه، ثم قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا ابن سنان، إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة

стр. 572

ولكن نقصوها وحرفوها» (١)، فهل نفيهم لهذه الفرية يحمل على أنه تقية كما قال الجزائري (٢): «والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها»، أم أن مثل هذه النصوص هي من آثار الدس والزيادة على كتبهم، لا سيما وهو أمر ميسور عندهم؟ ولقد أجاب الدكتور ناصر القفاري بقوله (٣): «إن مسألة التقية من أماراتها التناقض والاختلاف، ولكن التناقض صار قاعدة مطردة في رواياتهم، بل وجد مثل ذلك في إجماعاتهم، كما وجد في كلام شيوخهم، وأصبح معرفة حقيقة المذهب ليست متيسرة حتى على شيوخهم الذين لا يجدون دليلًا على التمييز بين ما هو تقية وما هو حقيقة إلا بالاستناد إلى أصل وضعه زنديق ملحد وهو قولهم: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم" (٤)، يعني أهل السنة، فأوشك أن ينتهي بهم هذا المذهب إلى مفارقة الدين رأسًا. وعليه فإن قضية الاختلاف هي ظاهرة طبيعية لكل دين ليس من شرع الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٥): فهو (٦) حينما ينقل رواياتهم في كتبه فمن الطبيعي وجود مثل هذا الاختلاف، وبالتالي فإنه لا يدين الرجل إدانة أكيدة بعد إنكاره ولا سيما أن العبرة بالنسبة لبيان مذهبه بما رأى لا بما روى ...»، إلى أن قال (٧): «فإذا كان هذا أمر شيوخهم لا يكادون يقفون على حقيقة مذهب أئمتهم وشيوخهم القدامى بسبب أمر التقية فنحن أعذر في عدم الوصول إلى نتيجة جازمة يقينية» اهـ.

стр. 573

وختامًا: فلقد تبين لنا أن هذه الأسطورة حملت بذاتها باطلها، وتبين من عناصر تكوينها فسادها، وكان مجرد عرضها كافيًا في الرد عليها، واعلم «أنه لو رام اليوم أحد أن يزيد في شِعر النابغة أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت وتخالفه النسخ المثبوتة، فكيف القرآن في المصاحف؟! فظهر حمق الرافضة ومجاهرتها بالكذب. ومما يبين كذب الروافض في ذلك أن علي بن أبي طالب ولي الأمر وملك فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعًا ظاهر الأمر، والقرآن يقرأ في المساجد في كل مكان وهو يؤم الناس به، والمصاحف معه وبين يديه، فلو رأى فيه تبديلًا كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك؟ ثم أتى ابنه الحسن وهو عندهم كأبيه فجرى على ذلك. فكيف يسوغ لهؤلاء النوكى أن يقولوا أن في المصحف حرفًا زائدًا أو ناقصًا أو مبدلًا مع هذا؟! ولقد كان جهاد من حرَّف القرآن وبدل الإسلام أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه ورأى خلافه فقط، فلاح كذب الرافضة ببرهان لا محيد عنه والحمد لله رب العالمين» (١). ... عقيدة الطينة: عقيدة الطينة يبينها شيخهم المجلسي في بحاره المظلمة، فيما يرويه في (باب الطينة والميثاق)، عن أبي عبد الله جعفر الصادق، قال: «كان مما خلق الله أرضًا طيبة، ثم فجر منها ماء عذبًا زلالًا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها، ثم نضب ذلك الماء عنها (٢) وأخذ من صفوة ذلك الطين طينًا فجعله طين الأئمة ﵈، ثم أخذ ثفل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا، ولو ترك طينتكم يا إبراهيم على حاله كما ترك طينتنا لكنتم ونحن شيئًا واحدًا. قلت: يابن رسول الله، فما فعل بطينتنا؟ قال: أُخبِرُك يا إبراهيم، خلق الله بعد ذلك أرضًا سبخة خبيثة

стр. 574

منتنة، ثم فجر منها ماء أجاجًا آسنًا مالحًا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت ولم تقبلها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها، ثم نضب ذلك الماء عنها، ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمتهم، ثم مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم لم يشهدوا الشهادتين ولا صلوا ولا صاموا ولا زكوا ولا حجوا ولا أدوا أمانة ولا أشبهوكم في الصور، وليس شيء أكبر على المؤمن من أن يرى صورة عدوه مثل صورته. قلت: يابن رسول الله فما صنع بالطينتين؟ قال: مزج بينهما بالماء الأول والماء الثانى، ثم عركها عرك الأديم، ثم أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنة ولا أبالي وأخذ قبضة أخرى وقال: هذه إلى النار ولا أبالي، ثم خلط بينهما فوقع من سنخ المؤمن وطينته على سنخ الكافر وطينته، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته، فما رأيته من شيعتنا من زنا، أو لواط، أو ترك صلاة، أو صيام، أو حج، أو جهاد، أو خيانة، أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة الناصب (١) وعنصره الذي قد مزج فيه، لأن من سنخ الناصب وعنصره وطينته اكتساب المآثم والفواحش والكبائر، وما رأيت من الناصب ومواظبته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأبواب البر، فهو من طينة المؤمن وسنخه الذي قد مزج فيه، لأن من سنخ المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المآثم، فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله قال: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحكم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط، ألحقوا الأعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته، وألحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته، ردوها كلها إلى أصلها، فإني أنا الله لا إله إلا أنا، عالم السر وأخفى، وأنا المطلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحدًا إلا ما عرفته منه قبل أن أخلقه» (٢). يقول الدكتور ناصر القفاري (٣): «هذه العقيدة من مقالاتهم السرية، وعقائدهم التي يتواصون بكتمانها حتى من عامتهم، لأنه لو اطلع العامي الشيعي على هذه العقيدة "تعمد

стр. 575

أفعال الكبار لحصول اللذة الدنيوية، ولعلمه بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيره" (١). وكانت هذه المقالة موضع إنكار من بعض عقلاء الشيعة المتقدمين كالمرتضى وابن إدريس (٥٤٣ - ٥٩٨هـ)، لأنها في نظرهم وإن تسللت أخبارها في كتب الشيعة إلا "أنها أخبار آحاد مخالفة للكتاب والسنة والإجماع فوجب ردها" (٢). لكن هذه الأخبار تكاثرت على مر الزمن حتى قال شيخهم نعمة الله الجزائري (٣): "إن أصحابنا قد رووا هذه الأخبار بالأسانيد المتكثرة في الأصول وغيرها، فلم يبق مجال في إنكارها، والحكم عليها بأنها أخبار آحاد، بل صارت أخبارًا مستفيضة بل متواترة"، قال هذا في الرد على من أنكرها من شيوخهم السابقين» اهـ. واقرأ معي هذه النصوص: عقد الكليني في كتابه الكافي بابًا بعنوان: (طينة المؤمن والكافر)، روى فيه عن ربعي بن عبد الله عن (رجل) عن علي بن الحسين ﵉ قال: «إن الله خلق النبيين من طينة عليين: قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، وجعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك، وخلق الكفار من طينة سجين: قلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن، ومن ههنا يصيب المؤمن السيئة ومن ههنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه، وقلوب الكافرين تحن إلى ماخلقوا منه» (٤). وعن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله ﵇ قال: «إن الله خلق المؤمن من طينة الجنة وخلق الكافر من طينة النار، وقال: إذا أراد الله بعبد خيرًا طيب روحه وجسده فلا يسمع شيئًا من الخير إلا عرفه، ولا يسمع شيئًا من المنكر إلا أنكره، قال: وسمعته يقول: الطينات ثلاث: طينة الأنبياء، والمؤمن من تلك الطينة، إلا أن الأنبياء

стр. 576

هم من صفوتها، هم الأصل ولهم فضلهم، والمؤمنون الفرع من طين لازب، كذلك لا يفرق الله بينهم وبين شيعتهم، وقال: طينة الناصب من حمأ مسنون (١)، وأما المستضعفون فمن تراب، لا يتحول مؤمن عن إيمانه ولا ناصب عن نصبه ولله المشيئة فيهم» (٢). وعن صالح بن سهل قال: «قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، من أي شئ خلق الله طينة المؤمن؟ فقال: من طينة الأنبياء، فلم تنجس أبدًا» (٣). وعن أبي حمزة الثمالي قال: «سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ. كِتَابٌ مَّرْقُومٌ. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤)، وخلق عدونا، من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ. كِتَابٌ مَّرْقُومٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾» (٥). وعن عثمان بن يوسف قال: «أخبرني عبد الله بن كيسان، عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له: جعلت فداك أنا مولاك، عبد الله بن كيسان، قال: أما النسب فأعرفه وأما أنت، فلست أعرفك، قال: قلت له: إني ولدت بالجبل ونشأت في أرض فارس وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأخالط الرجل، فأرى له حسن السمت وحسن الخلق وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم، وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق وقلة أمانة وزعارة (٦) ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم، فكيف يكون ذلك؟ فقال لي: أما

стр. 577

علمت يا ابن كيسان أن الله أخذ طينة من الجنة وطينة من النار، فخلطهما جميعا، ثم نزع هذه من هذه، وهذه من هذه، فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن الخلق وحسن السمت فمما مستهم من طينة الجنة وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة، فمما مستهم من طينة النار، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه» (١). وهذه العقيدة العنصرية تشابه عقيدة اليهود في أن أرواحهم عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح، لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواح نجسة وشبيهة بأرواح الحيوانات، يقول آي. بي. پرانايتس (٢): «تقول تعاليم اليهود: إن الله خلق طبيعتين، إحداها طيبة والأخرى شريرة، أو طبيعة ذات شقين، أحدهما طاهر والآخر نجس. على صعيد الشق النجس، الذي يُدعى كيليفاه Keliphah أي قشرة أو أديم الأرض الوضيع، منه تحدرت أرواح المسيحيين، نقرأ في زوهار (I, ١٣١a): " وجودهم إذن والناس الوثنيون يوسِّخون العالم، لأن أرواحهم تحدرت من الشق النجس"»، كما جاء في التلمود «أن نطفة غير اليهود كنطفة باقي الحيوانات» (٣). قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤). ... عقيدة الرافضة في أهل السنة: روى الكليني عن أبي حمزة عن أبي جعفر ﵇ قوله: «إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا» (٥).

стр. 578

وروى محمد بن مسعود العياشي (ت. ٣٢٠هـ) في تفسيره، عن إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد ﵇ قال: «ما من مولود يولد إلا إبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أنه من شيعتنا حجبه عن ذلك الشيطان، وإن لم يكن من شيعتنا أثبت الشيطان إصبعه السبابة في دبره فكان مأبونًا - وذلك أن الذكر يخرج للوجه -، فإن كانت امرأة، أثبت في فرجها فكانت فاجرة، فعند ذلك يبكي الصبي بكاء شديدًا إذا هو خرج من بطن أمه، والله بعد ذلك يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» (١). وقد تقدم بنا قول نعمة الله الجزائري في حكم الناصبي (٢): «أنه نجس وأنه شر من اليهودي والنصراني والمجوسي، وأنه كافر بإجماع علماء الشيعة الإمامية عليهم رضوان الله»، وقوله (٣): «إنا لم نجتمع معهم على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه وخليفته من بعده أبو بكر. ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا» اهـ. أما أقوال الخميني في أهل السنة فهي كثيرة، نذكر منها قوله (٤): «وأما النواصب والخوارج لعنهم الله تعالى فهما نجسان من غير توقف، ذلك إلى جحودهما الراجع إلى إنكار الرسالة»، وقوله (٥): «لا يجوز تغسيل الكافر ومن حكم بكفره من المسلمين، كالنواصب والخوارج وغيرهما»، وقوله (٦): «تَحِل ذبيحة جميع فرق الإسلام عدا الناصب وإن أظهر الإسلام»، وقوله كذلك (٧): «لا تجوز الصلاة على الكافر بأقسامه حتى المرتد ومن حكم بكفره ممن انتحل الإسلام كالنواصب والخوارج»، بل ويعتبر مال

стр. 579

السنِّي حلالًا يؤخذ أينما وجد، فيقول (١): «والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد وبأي نحو كان ووجوب إخراج خمسه» اهـ. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنك إذا واجهت رافضيًّا بمثل هذه الأقوال لبس لك قناع التقية وقال: إن المقصود بالنواصب هم فقط الذين يناصبون آل البيت العداء ويجاهرون بذلك، كما يقول شيخهم علي آل محسن (٢): «النواصب هم المتجاهرون بعداوتهم وببغضهم لأهل البيت ﵈، ولا يراد به أهل السنة». وجوابًا، ما عليك إلا أن تلقمه هذا الحجر وتقول له: إن سيدكم نعمة الله الجزائري أتى على بنيانكم من القواعد بقوله (٣): «... ويؤيد هذا المعنى أن الأئمة ﵈ وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله، مع أن أبا حنيفة لم يكن ممن نصب العداوة لأهل البيت ﵈، بل كان له انقطاع إليهم، وكان يظهر لهم التودد. نعم كان يخالف آرائهم ويقول قال عليّ وأنا أقول، ومن هذا يقوى قول السيد المرتضى وابن إدريس قدس الله روحيهما، وبعض مشائخنا المعاصرين بنجاسة المخالفين كلهم» اهـ. إن كراهية الشيعة لأهل السنة ليست وليدة اليوم، ولا تختص بالسُنَّة المعاصرين، بل هي كراهية عميقة تمتد إلى الجيل الأول لأهل السنة، أعني الصحابة ما عدا عددًا قليلًا منهم مختلف فيه كما سيأتي، بل يتعدى الأمر لديهم إلى الحكم على مُحِب الصحابة أنه من أهل النار ولو كان صالحًا وفي قلبه محبة آل البيت، وعلى اليهودي والنصراني المحب لعلي ﵁ أنه من أهل الجنة؛ يقول شاه عبد العزيز الدهلوي ﵀ (٤): «وزعموا

стр. 580

أن من في قلبه حبُّ عليّ يدخل الجنة ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا، وأن من يحب الصحابة يدخل النار ولو كان صالحًا وفي قلبه محبة أهل البيت، ولذا حكم رضي الدين اللغوي - أحد كبار الشيعة [ت. ٦١٠هـ]- بكون زنينا بن إسحاق النصراني من أهل الجنة بسبب مدحه الأمير وأهل البيت بقوله: عَدِيٌّ وتَيمٌ لا أحاول ذِكرَهم ... بسوء، ولكني محب لهاشم وما تعتريني في علي وأهله ... إذا ذُكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النُهى من عُربهم والأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حبَّهم ... سَرَى في قلوب الخلق حتى البهائم وجميع فرق الشيعة يترضون على ابن فضلون اليهودي السبئي لقوله: رَبِّ هب لي من المعيشة سؤلي ... واعف عنِّي بحق آل الرسول واسقني شربة بكف عليٍّ ... سيد الأوصياء بعلِ البتول». واقرأ معي بعض أقوالهم في الصحابة ﵃: روى الكليني عن أبي جعفر قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري» (١)، وقال: «وإن الشيخين (٢) قد فارقا الحياة ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇ فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣). ويقول نعمة الله الجزائري (٤): «قد روي في الأخبار الخاصة أن أبا بكر كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله والصنم معلق في عنقه، وسجوده له».

стр. 581

وينقل المجلسي عن أبي الصلاح الحلبي (٣٧٤ - ٤٤٧هـ) قوله في (تقريب المعارف): «عن أبي علي الخراساني عن مولى لعلي بن الحسن ﵇ قال: كنت معه ﵇ في بعض خلواته فقلت: إن لي عليك حقًا ألا تخبرني عن هذين الرجلين: عن أبي بكر وعمر؟ فقال: كافران كافر من أحبهما» (١). أيضًا، فإن من أدعيتهم المأثورة دعاء سموه (دعاء صنمي قريش)، ذكره شيخهم إبراهيم بن علي الكفعمي (٨٤٠ - ٩٠٥هـ) في كتابه (المصباح) (٢)، جاء فيه (٣): «عن علي ﵇: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها وابنيهما [وابنتيهما] اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك وقلبا دينك وحرفا كتابك وأحبا أعداءك وجحدا آلاءك وعطلا أحكامك وأبطلا فرائضك وألحدا في آياتك وعاديا أولياءك وواليا أعداءك وخربا بلادك وأفسدا عبادك، اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما ... اللهم العنهما في مكنون السر وظاهر العلانية لعنًا كثيرًا أبدًا دائمًا دائبًا سرمدًا لا انقطاع لأمده ولا نفاد لعدده، لعنًا يغدو أوله ولا يروح آخره لهم ولأعوانهم وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم والناهضين باحتجاجهم والمقتدين بكلامهم والمصدقين بأحكامهم. ثم قل أربع مرات: اللهم عذبهم عذابًا يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين. قلت [أي الكفعمي]: ومما يناسب وضعه بعد هذا الدعاء ما ذكره ابن طاوس ﵀ [ت. ٦٦٤هـ] في (مُهَجِه) (٤) عن الرضا ﵇، وإن من دعا به في سجدة الشكر كان كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم: اللهم العن اللذين بدلا دينك وغيرا نعمتك واتهما رسولك وخالفا ملتك وصدا عن سبيلك ... اللهم إنا نتقرب إليك باللعنة لهما والبراءة منهما في الدنيا والآخرة ... اللهم العنهما لعنًا يتعوذ أهل النار منه ومن عذابهما اللهم العنهما لعنًا لم يخطر لأحد ببال اللهم العنهما

стр. 582

في مستسر سرك وظاهر علانيتك وعذبهما عذابًا في التقدير وفوق التقدير وشارك معهما ابنتيهما وأشياعهما ومحبيهما ومن شايعهما إنك سميع الدعاء» اهـ. قلت: صلى الله على محمد وآله وصحبه، قيل له: «يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: إنِّي لَم أُبْعَثْ لعَّانًا وإنما بُعِثتُ رَحْمَةً» (١). ولقد تقدم الحديث عن احتفالهم بيوم مقتل عمر بن الخطاب ﵁ وترضيهم علي أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله وإطلاقهم عليه لقب (بابا شجاع الدين)؛ يقول أبو علي الأصفهاني (٢): «ونحن بعد هذه السنين الطوال نقول قولًا صادقًا: رحمك الله تعالى يا أبا لؤلؤ، فقد أدخلت البهجة على قلوب أولاد الزهراء المحزونة، وهكذا يدافع عن الحريم المقدس لولاية أمير المؤمنين ﵇. وكذا قال أمير المؤمنين ﵇ لعمر: سيقتلك - أبا لؤلؤ - توفيقًا يدخل به الجنان على الرغم منك» اهـ. يا لائمي في حب صحب محمدٍ ... تبَّت يداك وخبت يوم الموعد نحن الفداء لهم وليت فداءنا ... أعداءهم خيرٌ بشرٍ نفتدي طهر لسانك من تنقصهم ولا ... تسمع لنذل للغواة مقلدّ واذهب مع الأسلاف في توقيرهم ... لصحابةٍ والزم هداهم تسعدِ (٣) ولقد تجاوزوا حد الافتراء والتطاول على الصحابة إلى إطلاق الحكم بتكفير أمهات المؤمنين عائشة وحفصة، لا لشيء سوى أنهما ابنتا أبي بكر وعمر بن الخطاب ﵃؛ فيقول محمد طاهر الشيرازي النجفي (ت. ١٠٩٨هـ) (٤): «مما يدل على إمامة أئمتنا الاثنى عشر أن عائشة كافرة مستحقة للنار. وهو مستلزم لحقية مذهبنا وحقية أئمتنا الاثنى عشر، لأن كل من قال بخلافة الثلاثة اعتقد إيمانها وتعظيمها وتكريمها، وكل من قال

стр. 583

بإمامة الاثني عشر قال باستحقاقها اللعن والعذاب». ويقول العياشي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (١): «التى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا: عائشة هي نكثت أيمانها» (٢). ويروي عن أبي بصير عن جعفر بن محمد ﵇ أنه قال: «يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب: بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتبعهم» (٣)، ويُبَيِّن المجلسي (٤): «الزريق كناية عن أبي بكر لأن العرب [تتشاءم] بزرقة العين، والحبتر هو عمر، والحبتر هو الثعلب، ولعله إنما كني عنه لحيلته ومكره، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا [أبو] سلامة، ولا يبعد أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل، إذ كان اسم جمل عائشة عسكرا» اهـ. كذلك يقول البياضي العاملي (٧٩١ - ٨٧٧هـ) (٥): «وفي حديث الحسين بن علوان والديلمي عن الصادق ﵇ في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٦)، هي حفصة؛ قال الصادق ﵇: كفرت في قولها: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ (٧)، وقال الله فيها وفي أختها: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٨)، أي زاغت، والزيغ كفر، وفي رواية أنه أعلم حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الأمر، فأفشت إلى عائشة، فأفشت إلى أبيها، فأفشا إلى صاحبه، فاجتمعا على أن يستعجلا ذلك [يسقيانه] سمًا، فلما أخبره الله بفعلهما هَمَّ بقتلهما، فحلفا له أنهما لم يفعلا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ (٩)».

стр. 584

ويروي العياشي عن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله ﵇ قال: «أتدرون مات النبي صلى الله عليه وآله أو قُتِل، إن الله يقول: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١)، فسُمّ قبل الموت، إنهما سقتاه قبل الموت، فقلنا إنهما [وأباهما] شر من خلق الله» اهـ (٢). والأمر لم يتوقف عندهم عند حد التكفير، بل تعدى إلى النيل من شرف أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها، الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، حيث قال القمي في تفسيره (٣): «وأما قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٤)، فإنه كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٥)، وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة، فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو نساءنا، لئن أمات الله محمدًا لنفعلن كذا وكذا ... فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٦)، إلى قوله: ﴿إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٧)». وقوله «لنفعلن كذا وكذا» هذا بيَّنه لنا المجلسي في روايته (٨): «... لئن أمات الله محمدًا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا ...»!! ثم لما وصل القمي إلى تفسير قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (٩)، قال (١٠): «والله ما عنى بقوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق، وكان فلان

стр. 585

يحبها فلما أرادت أن تخرج إلى ... قال لها فلان لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم فزوجت نفسها من فلان». ولقد وضح أيضًا المجلسي هذه الإشارات المبهمة فقام بسرد الرواية هكذا (١): «... وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان ...». ثم قال في موضع آخر (٢): «بيان: المراد بفلان طلحة، وهذا إن كان رواية فهي شاذة مخالفة لبعض الأصول، وإن كان قد يبدو من طلحة ما يدل على أنه كان في ضميره الخبيث مثل ذلك، لكن وقوع أمثال ذلك بعيد عقلًا ونقلًا وعرفًا وعادة، وترك التعرض لأمثاله أولى» اهـ. بل لقد نقل المجلسي عن رجب البرسي (ت. قرابة ٨١٣هـ) روايته أن عائشة ﵂ جمعت أربعين درهمًا من (خيانة)! فقال (٣): «لما قدم الحسن بن علي ﵉ من الكوفة، جاءت النسوة يعزينه بأمير المؤمنين ﵇، ودخلت عليه أزواج النبي ﷺ ، فقالت عائشة: يا أبا محمد، ما فقد جدك إلا يوم فقد أبوك. فقال لها الحسن ﵇: نسيت نبشك في بيتك ليلًا بغير قبس بحديدة - حتى ضربت الحديدة كفك فصارت جرحًا إلى الآن - تبغين جرارًا خضرًا فيها ما جمعت من خيانة حتى أخذت منها أربعين دينارًا عددًا لا تعلمين لها وزنًا، تفرقيها في مبغضي علي من تيم وعدي، قد تشفيت بقتله! فقالت: قد كان ذلك». وقال البياضي العاملي (٤): «قالوا: برأها الله في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٥)، قلنا: ذلك تنزيه لنبيه عن الزنا، لا لها كما أجمع المفسرون» اهـ.

стр. 586

هكذا خرق الإجماع بدعواه! وكأن هذا وطائفته لم يقفوا على قول شيخهم الشريف المرتضى (١): «ولأن الأنبياء ﵈ يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعيير وتشيين ونقص في القدر، وقد جنبهم الله تعالى ما دون ذلك تعظيمًا لهم وتوقيرًا ونفيًا لكل ما ينفر عن القبول منهم. وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على أن تأويل قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، أن الخيانة لم تكن منهما بالزنا، بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون، والأخرى تدل على الأضياف». ولا على قول شيخهم الطوسي (٢): «وما زنت امرأة نبي قط، لما في ذلك التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، فمن نسب أحدًا من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطأ عظيمًا، وليس ذلك قولًا لمحصل». بل أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار لينهار بهم في نار جهنم، اعتمادًا على قول سيدهم القمي المتقدم (٣): «والله ما عنى بقوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ إلا الفاحشة»، ولا اعتبار لما قاله محقق البحار (٤): «الحديث من أخبار الآحاد التي تراكمت الأخبار على عدم صدقه». ولكن هذا ليس بمستغرب على القوم، فإنه كما يقول محب الدين الخطيب (٥): «من طبيعة التحزب والتعصب والتشيع أن يذهب بعقول أصحابه وأخلاقهم، ثم يذهب بحيائهم ودينهم، كما برهن على ذلك علماء النفس الاجتماعي وفي مقدمتهم الدكتور جوستاف لوبون» اهـ. ولقد نسج شذاذ المذهب على منوال هذا الإفك والبهتان أساطير ما أنزل الله بها من سلطان، حتى نشر كافرهم المدعو عباس بن نخي المُسمَّى بسعيد السماوي مقالًا شنيعًا في مجلة (المنبر) الرافضية الكويتية في شعبان ١٤٢٥هـ/أكتوبر ٢٠٠٤م بعنوان (أم

стр. 587

المتسكعين! حقائق مؤلمة .. ولكن من يقدر على إنكارها؟!)، قال فيه ما نصه (١): «... وإذا تتبعنا مصادر التاريخ، فسنجد أن أول من أسس هذه الفكرة [أي فكرة: ساعة لربك وساعة لقلبك] كان عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة .. عفوًا أقصد السيدة الكريمة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق!! (وطبعًا لا تصدقوا أن أحدًا من أبناء السماوة يقولها من قلبه)! في الواقع كانت عائشة (المصونة) - والتي أخبرونا في المدارس بأننا مأمورون بأخذ نصف ديننا منها - هي التي صنعت هذه الفكرة وجعلتها من خلال ممارستها اليومية تنتشر بين المسلمين، فلا بأس عند عائشة من شيء من الترويح عن النفس حتى وإن تجاوز الخطوط الحمراء الشرعية، ثم العودة إلى الدين والعبادة والتضرع إلى الله تعالى! وهذا ما يفسر الأحاديث المتناقضة في سيرتها، فأحيانًا نجدها تبكي من خشية الله وتنادي بالمحافظة على سنة رسول الله ﵌، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (وكانت هذه ساعة للرب)، وأحيانًا تجدها تنظم جلسات الطرب والأنس واللعب واللهو - البريء وغير البريء - بل وجلسات الليالي الحمراء شديدة الخصوصية، (وكانت هذه ساعة للقلب)! أنا شخصيًا لم تكن عندي مشكلة سابقًا في الاعتراف بأن عائشة تكون أمي! ولكن عندما وجدت أن (ساعة قلبها) كانت من العيار الثقيل الذي لا يمكن لأي صاحب شرف وغيره أن يتحمله، فإنني رفضت أن تكون لي أمًا، لأنني بصراحة لا يشرفني أن تكون هذه أمًا لي! ... وبالنسبة لي شخصيًا فإنه لو كانت أمي التي ولدتني بهذه الصفات التي سأنقلها من سيرة عائشة وبهذا الحجم الهائل من الانحلال الأخلاقي، فإنني لن أتردد من البراء منها. ولولا أنه لا يجوز لي قتلها لكنت فعلت، لأن الشرف عندنا نحن أبناء عشائر العرب أغلى من الروح والحياة! ... فمن دون أي خجل ومن دون أي حياء امتهنت عائشة مهنة التسكع بالجواري، حيث تأخذهن وتزينهن وتعمل لهن عمليات (المكياچ) المناسب من أجل إغراء الشباب في

стр. 588

الطرقات وجذبهم إليها لأنها لم تعد جذابة كما كانت شابة رغم سوادها ودمامتها!! (١). فهل عرفتم الآن لماذا تبرأت من ماما عائشة؟! لأنني بصراحة لست مستعدًا لأن تكون أمي متسكعة ولا أتصور أن أي شخص يمكن أن يقبل أو يحترم أمه أو أخته أو زوجته إذا كانت هذه (القذارة) هي مهنتها؟! وأي صاحب غيرة يقبل بأن تكون إحدى محارمه تمارس مهنة (ق .....) علنًا؟!!» اهـ (٢). أترى كيف يجترئ هذا الزنديق على أن يقول مثل هذا الكلام على حبيبة رسول الله ﷺ ، الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال القاضي أبو يعلى [٣٨٠ - ٤٥٨هـ]: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرَّح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم» اهـ (٣). والأمر لم يقف عند ذلك، بل تبع هذا الزنديق زنديق آخر، وهو مؤسس المجلة ذاتها، ومؤسس هيئة (خُدَّام المهدي)، المدعو ياسر الحبيب، الهارب إلى بريطانيا منذ عام ٢٠٠٤م بعد إصدار الكويت الحكم بسجنه عشر سنوات بتهمة (سب الصحابة) .. فلقد أقام في السابع عشر من رمضان عام ١٤٣١هـ احتفالًا سماه (عيد البراءة)، وذلك بمناسبة ذكرى رحيل أم المؤمنين عائشة ﵂. وقد ألقى فيه خطبة فاجرة أنزل فيها وابلًا من السباب والشتائم على أم المؤمنين وطعن في عرضها الطاهر الشريف، وكان من جملة ما قاله: «إني أريد أن أثبت أن عائشة بنت أبي بكر اليوم في النار، بل هي في قعر جهنم».

стр. 589

بل ومن تماديه في كفره أنه حينما قَبِل المباهلة بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الرحمن الكُوس الكويتي في يوم الجمعة ٨/ ١٠/٢٠١٠م، قال قبيلها على قناته الفضائية (فَدَك) متأليًا على الله تعالى: «أنا من طرفي بحمد الله تعالى على يقين بأن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة هؤلاء هم أعداء الله وهم في النار خالدون» اهـ. وفي خطاب له لاحق، اعتبر مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل شيخ هذا الحادث بأنه «نعمة من الله كشفت عوارهم»، حيث أسهم - حسبما ذكر - في وقف تمدد التشيع في بعض الدول (١). ولقد تصاعدت حدة التوتر والاضطرابات بين السنة ورافضة الخليج إثر هذا الاحتفال إلى الحد الذي ألجأ خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية إلى الافتاء بأنه «يحرم النيل من رموز إخواننا السنة، فضلًا عن اتهام زوجة النبي بما يخل بشرفها، بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء وخصوصًا سيدهم الرسول الأعظم»، ولقد جاءت فتواه ردًا على استفتاء وجهه جمع من علماء ومثقفي منطقة الأحساء السعودية في أعقاب الحادث، حسبما نقلت وكالة مهر الإيرانية للأنباء (٢). ولاحظ متابعون للأزمة أن خامنئي كان يهدف من وراء هذه الفتوى إلى تخفيف الضغوط والانتقادات التي تعرض لها شيعة الخليج على خلفية هذه الإساءة لأم المؤمنين عائشة ﵂، وأضافوا أن الفتوى جاءت بسبب هداية وتسنن الكثيرين من الشيعة بعد أن شاهدوا بأعينهم أحد المنتسبين للمذهب الشيعي وممن يشار إليه على أنه أحد علمائهم، وهو يقع في عرض النبي ﷺ ، ويرمي أم المؤمنين عائشة ﵂ بالبهتان والأكاذيب؛ الأمر الذي رفضته فطرتهم السليمة فأسرعوا إلى ترك ما هم عليه من باطل والانتساب إلى مذهب أهل السنة والجماعة (٣).

стр. 590

كما لاحظ الشيخ حامد بن عبد الله العلي الأمين العام السابق للحركة السلفية بالكويت في فتوى الخامنئي ثلاثة أمور: - أحدها: أنه ساوى بين شأن الصحابة وأمهات المؤمنين ورموز أهل السنة، وكأنه يتحدث - بمكر خفي - عما يسمَّى (احترام الآخر) فحسب، ليخرج المسألة عن خلاف في أصول الدين. بينما الحال أن شأن الصحابة وأمهات المؤمنين هو من أصول الدين التي يضل المخالف فيها ضلالًا مبينًا، أو يكفر إن كفَّرهم، أما رموز أهل السنة فهم بشر يصيبون ويخطئون، ولا يتعلق بالمس بأحدهم ضلال ديني، لكنه إن كان تطاولًا بغير حق، فهو من آثام التفريط في حق المسلم، وتغلَّظ إن كان هذا المسلم من العلماء، أو من ذوي القدر في الإسلام. - الثاني: أن هدفه من إقحام رموز السنة في الموضوع، هو حماية رموز دينهم من الهجوم الذي تتعرض له في وسائل الإعلام التي انبرت للدفاع عن عائشة ﵂. فكأنه يريد أن يقول: كفوا عن رموزنا نكف عن أمهات المؤمنين والصحابة ورموزكم!! - الثالث: أن فتواه - التي خلت تمامًا من التنويه بتزكية القرآن لأم المؤمنين عائشة ووجوب الترضي عنها والثناء عليها كما أثنى القرآن - نصَّت على تحريم «اتهام زوجة النبي ﷺ بما يخل بشرفها»، ولهذا وضع هذا الوصف: «زوجات الرسل»، وكأنه يبيح النيل منها بغير الشرف!! (١). والمريب في الأمر أنه لما طالبت الحكومة الكويتية الشرطة الدولية (الإنترپول Interpol) بإلقاء القبض على هذا الخبيث، رفض الإنترپول ذلك، وبرر رفضه بأن «قضية ياسر حبيب تولدت نتيجة أفكار ومعتقدات مذهبية ودينية لا يجب عقابه أو محاكمته عليها»!! بما يكشف لنا الوجه الغربي القبيح الذي يزكي نار التطرف متسترًا وراء (آليات حقوق الإنسان)! (٢). ولقد ترتب على هذا الموقف الخسيس أن قامت الحكومة الكويتية بسحب جنسيته في

стр. 591

٢٠/ ٩/٢٠١٠م (١)، ومن قبلها سحب علماء الأمة (جنسيته) الإسلامية؛ فلقد قال الله ﷻ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢)، فهذا ومن هم على شاكلته أقول لهم كما قال ابن عباس ﵁ للخوارج: «ولئن قلتم ليست أمنا لقد كفرتم» اهـ (٣). ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٤) اعتقاد أهل السنة في آل البيت ﵃ -: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عقيدته عن صفات أهل السنة والجماعة، وهو كلام مجمل في هذا الباب (٥): «ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ ، حيث قال يوم غدير خُم: أذكركم الله في أهل بيتي» (٦). ويقول الإمام الطحاوي ﵀ في عقيدته (٧): «ومَن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق» اهـ. كذلك فلقد زخرت كتب التراجم والرجال التي صنفها أئمة أهل السنة الثقات بالثناء والتعديل وذكر الرواية عن الأئمة آل البيت رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، وكي لا نسهب في الحديث نتخذ من (سِيَر) الإمام الحافظ الذهبي نموذجًا للقياس: فيقول ﵀ في ترجمة (الإمام الرابع) علي بن الحسين ﵁ (٨): «وكان علي بن الحسين ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، روى ابن عيينة عن الزهري قال: ما رأيت قرشيًا أفضل من علي بن الحسين».

стр. 592

ويقول في ترجمة الإمام أبي جعفر الباقر (الإمام الخامس) (١): «ولقد كان أبو جعفر إمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله كبير الشأن ... ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال». وقد تقدم بنا ذكر الإمام جعفر الصادق (الإمام السادس) في الفصل السابق، أضف إلى ذلك قول الذهبي عنه وعن أبيه الباقر (٢): «وكانا من جلة علماء المدينة»، وقوله (٣): «سمعت أبا حاتم يقول: جعفر لا يُسأل عن مثله»، بل ويقول (٤): «وكان [أي جعفر] يغضب من الرافضة ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهرًا وباطنًا وهذا لا ريب فيه». ويقول الذهبي عن (الإمام السابع) موسى الكاظم ﵀ (٥): «آل جعفر الصادق، فأجلُّهم وأشرفهم ابنه موسى الكاظم، الإمام القدوة السيد أبو الحسن العلوي والد الإمام علي بن موسى الرضا ... ذكره أبو حاتم فقال ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين». ويقول عن (الإمام الثامن) علي الرضا (٦): «وكان من العلم والدين والسودد بمكان، يقال أفتى وهو شاب في أيام مالك». وحينما يأتي ذكر الإمام الثاني عشر يقول كلامًا جامعًا ماتعًا، نصُّه (٧): «أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي ابن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الشهيد ابن الإمام علي بن أبي طالب العلوي الحسيني خاتمة الاثني عشر سيدًا الذين تدعي الإمامية عصمتهم، ولا عصمة إلا لنبي، ومحمد هذا الذين يزعمون أنه الخلف الحجة وأنه

стр. 593

صاحب الزمان وأنه صاحب السرداب بسامراء وأنه حي لا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا فوددنا ذلك والله، وهم في انتظاره من أربع مئة وسبعين سنة، ومن أحالك على غائب لم ينصفك، فكيف بمن أحال على مستحيل، والإنصاف عزيز، فنعوذ بالله من الجهل والهوى، فمولانا الإمام علي من الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالجنة ﵁ نحبه أشد الحب ولا ندعي عصمته، ولا عصمة أبي بكر الصديق، وابناه الحسن والحسين فسبطا رسول الله ﷺ وسيدا شباب أهل الجنة، لو استخلفا لكانا أهلًا لذلك، وزين العابدين كبير القدر من سادة العلماء العاملين يصلح للإمامة وله نظراء، وغيره أكثر فتوى منه وأكثر رواية، وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيد إمام فقيه يصلح للخلافة، وكذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن من أئمة العلم كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور، وكان ولده موسى كبير القدر جيد العلم أولى بالخلافة من هارون وله نظراء في الشرف والفضل، وابنه علي بن موسى الرضا كبير الشأن له علم وبيان ووقع في النفوس، صيره المأمون ولي عهده لجلالته فتوفي سنة ثلاث ومئتين، وابنه محمد الجواد من سادة قومه لم يبلغ رتبة آبائه في العلم والفقه، وكذلك ولده الملقب بالهادي شريف جليل، وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري رحمهم الله تعالى» اهـ. قلت: والمتتبع يجد غير ذلك الكثير (١). يا آل بيت رسول الله حُبكُم ... فرضٌ من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يُصَلِّ عليكم لا صلاة له ثناء آل البيت على الصحابة ﵃ أجمعين: وكما زخرت كتب أهل السنة بالثناء والترضي على آل بيت رسول الله ﷺ ، زخرت كذلك كتب الرافضة بالنصوص الدالة على دفء العلاقة بين الصحابة وآل البيت، بل وثناء آل البيت عليهم ﵃ أجمعين، بحال لا يستطيع الرافضة له دفعًا .. فمن ذلك، ثناء علي بن أبي طالب على الصحابة ﵃ جملة بقوله: «لقد رأيت

стр. 594

أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شُعثًا غُبرًا، وقد باتوا سُجَّدًا وقيامًا، يراوِحُون بين جباهِهِم وخدودِهِم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادِهِم، كأن بين أعيُنِهِم رُكَبَ المِعْزَى من طول سجودهم، إذا ذُكر الله همَلت أعينُهم حتى تَبُل جُيُوبَهُم، ومادوا كما يميد الشجرُ يوم الريح العاصف خوفًا من العقاب ورجاءً للثواب» (١). ويَخُص المهاجرين بقوله: «فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم» (٢)، ويَخُص الأنصار بقوله: «هم والله رَبَّوُا الإسلام كما يُرَبَّي الفِلْوُ من غَنَائِهِم، بأيديهمُ السِّبَاط، وألسِنَتِهمُ السِّلَاط» (٣). بل ينقل شيخهم المرتضى ثناء علي ﵁ على الخلفاء الراشدين، فيما رواه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين ﵇ فقال: «سمعتك تقول في الخطبة آنفًا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هم؟ قال: حبيباي وعماي أبو بكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم» (٤). ويروي ابن بابويه عن رسول الله ﷺ قوله: «إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد» (٥). ولقد توطدت العلاقة بين علي وأبي بكر ﵄ إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرِّض فاطمة بنت النبي ﷺ في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة؛ فيروي الطوسي عن الحسين ﵇ قال: «لما مرضت فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وصت إلى علي بن أبي طالب ﵇ أن يكتم أمرها،

стр. 595

ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحدًا بمرضها، ففعل ذلك وكان يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استمرار بذلك، كما وصت به» (١). وكان علي يقول في أيام خلافته عن عمر بن الخطاب ﵄ حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية -: «لله بلاء فلان، فقد قوَّم الأود، وداوى العمَد وخلَّف الفتنة، وأقام السُنَّة، ذهب نقيَّ الثوب، قليلَ العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، اتقاه بحقِّه، رحل وتركهم في طُرُقٍ متشعِّبة لا يهتدي بها الضال ولا يستيقن المهتدي» (٢)، يقول ابن أبي الحديد (٣): «وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضي أبي الحسن [٣٥٩ - ٤٠٦هـ] جامع نهج البلاغة وتحت (فلان) عمر، حدثني بذلك فخار بن معد الموسوي الأودي الشاعر، وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي: هو عمر، فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين ﵇ هذا الثناء؟ فقال: نعم، أما الإمامية فيقولون: إن ذلك من التقية واستصلاح أصحابه». ويقول علي ﵁ أيضًا في إحدى خطبه: «وولِيَهُم والٍ، فأقامَ واستقامَ حتى ضرب الدِّين بجِرانهِ» (٤)، قال الميثم البحراني (٦٣٦ - ٦٧٩هـ) (٥): «إن الوالي هو عمر بن الخطاب ... وضربه بجِرانهِ كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن البعير البارك من الأرض» اهـ. كذلك فلقد زوج علي ابنته أم كلثوم من عمر ﵃، كما ذكر الطوسي عن جعفر عن أبيه ﵇ قال: «ماتت أم كلثوم بنت علي ﵇ وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة لا يدري أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخر، وصلى عليهما جميعًا» (٦).

стр. 596

وكان من حب علي لعمر وعثمان ﵃ أنه سمى اثنين من أبنائه باسمهما، فيقول المفيد (١): «فأولاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه سبعة وعشرون ولدًا ذكرًا وأنثى: (١) الحسن (٢) الحسين ... (٦) عمر، وأمه أم حبيب بنت ربيعة ... (١٠) عثمان، وأمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم». وأكثر من هذا أن عليًا ﵁ كان يؤمن بأن عمر من أهل الجنة لما سمعه من لسان الرسول ﷺ الصادق الأمين، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر ﵁ في حياته، كما روى ذلك الشريف المرتضى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: «لما غسِّل عمر وكفِّن دخل علي ﵇ فقال: ما على الأرض أحد أحب إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (٢) بين أظهركم» (٣). وأورد ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄، فقال ابن عباس: «فسمعنا صوت أم كلثوم [بنت علي]: وا عمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر له! فقلت: والله إني لأرجو ألا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤)، إن كنت - ما علمنا - لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية. فأعجبه قولي فاستوى جالسًا فقال أتشهد لي بهذا يا بن عباس؟ فكععت - أي جبنت - فضرب علي ﵇ بين كتفي وقال: أشهد» (٥)، ثم يقول ابن أبي الحديد (٦): «وفي رواية: لِمَ تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزًا وإمارتك فتحًا ولقد ملأت الأرض عدلًا، فقال [أي عمر]: أتشهد لي بذلك يا بن عباس؟ قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي ﵇: قُل نعم، وأنا معك، فقال: نعم».

стр. 597

بل ويذكر ابن أبي الحديد أنه لما قُتل عثمان ﵁ «خرج به ناس يسير من أهله، ومعهم الحسن بن علي وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطًا من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب وهو خارج البقيع فصلوا عليه» (١). وفي المقابل، انظر ما تذكره كتب الرافضة عن إجلال عمر ﵁ وتقديره لآل البيت، فينقل الطوسي (٢) والمجلسي (٣) عن علي بن الحسين عن أبيه ﵈ قال: «قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة وزيارتهم نافلة»، وقد ذكر محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، الفقيه الشافعي (٦١٥ - ٦٩٤هـ) (٤)، أنه لما مرض الحسن بن علي ﵁ قال عمر بن الخطاب للزبير بن العوام ﵄: «هل لك في أن تعود الحسن بن علي ﵄ فإنه مريض؟ فكأن الزبير تلكأ عليه فقال له عمر: أما علمت أن عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة» (٥). بل من إكرامه وتقديره لآل البيت ﵃ «أمر عمر الحسين بن علي ﵇ أن يأتيه في بعض الحاجة، فلقي الحسين ﵇ من عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء، قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي، فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله! وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم!» (٦). وماذا عن باقي الأئمة آل البيت ﵏ ؟؟ فهذا الإمام الحسن العسكري يذكر في تفسيره قول رب العزة ﷻ

стр. 598

- لموسى ﵇ (١): «يا موسى أما علمت أن فضل صحابة محمد صلى الله عليه وآله على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين وكفضل محمد على جميع المرسلين»، ويذكر كذلك قول الرب (٢): «وإن رجلًا ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحدًا منهم لعذبه الله عذابًا لو قسِّم على مثل عدد ما خلق الله لأهلكهم أجمعين». ويروي الطبرسي عن الإمام الباقر قوله: «ولست بمنكر فضل أبي بكر» (٣)، وقوله كذلك: «لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر» (٤). ويروي الكليني عن جعفر الصادق رواية طويلة يبين فيها أن منزلة الصديق أبي بكر ﵁ في الزهد هي المنزلة الأولى في الأمة بعد نبيها ﷺ ، وبعده يأتي أبو ذر وسلمان ﵃ أجمعين، فيقول: «... ثم علَّم الله نبيه صلى الله عليه وآله كيف ينفق ...» ويذكر لذلك مثالًا، ثم يقول: «فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين. وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإن الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصى بالخمس ... ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر ﵄» (٥). وروى العياشي في تفسيره (٦) وعنه نقل المجلسي في بحاره فيما سماه (كتاب السماء والعالم) (٧) عن الإمام الباقر أن رسول الله ﷺ دعا فقال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن

стр. 599

الخطاب أو بأبي جهل بن هشام»، إلا أنهما ذكرا قوله ﷺ في سياق حديثهما عن سبب نزول قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (١)! ويبين الإمام جعفر ﵀ مقام عثمان بن عفان ﵁ عند رسول الله ﷺ وثقته فيه ونيابته عنه، وإخلاص عثمان ﵁ للنبي ﷺ والوفاء له والاتباع له، كما يبين إحدى الميزات التي امتاز بها عثمان دون غيره، وهي جعل رسول الله ﷺ إحدى يديه لعثمان، وبيعته بنفسه عنه، وذلك فيما رواه عن صلح الحديبية، حيث ينقل عنه الكليني قوله: «فقال [أي رسول الله ﷺ إلى عثمان ﵁]: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السرح، فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بالصفا والمروة وأحَل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أطُفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يطف به، ثم ذكر القصة وما كان فيها» (٢). وغير ذلك الكثير (٣)، فهل يقال بعد ذلك أن هذه الأقوال وغيرها خرجت مخرج التقية؟! وليت شعري، ممَّ يتقي أئمة آل البيت الأطهار الأبطال الشجعان؟! ﵃ ورحمهم. بل أنتم الناصبة ! عندما تقرأ في كتب الشيعة المعتبرة، فإنك تعجب من أهل البيت ﵃ على كثرة ما لقوه من أذى من أهل الكوفة وعلى عظيم صبرهم على أهل الكوفة على خيانتهم لهم

стр. 600

وغدرهم بهم وقتلهم لهم وسلبهم أموالهم، وصبر أهل البيت على هذا كله، ومع هذا يُلقَى باللائمة على أهل السنة ويحمَّلون المسئولية! واقرأ معي هذه النصوص: روى الكليني عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد» (١). ويُروى عنه أيضًا أنه قال: «يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة جرت والله ندمًا وأعقبت صدمًا .. قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسًا، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع» (٢). ورووا عن الحسن ﵁ أنه قال: «أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به من دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلمًا، والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير» (٣). وروى الطبرسي عن الإمام زين العابدين أنه قال لأهل الكوفة: «هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة؟ قاتلتموه وخذلتموه، فتبًا لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوء لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لكم: قاتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي» (٤).
следующие страницы →